← Тафсир

Тафсир · id 115129

التيسير في أحاديث التفسير

محمد المكي الناصري

Полный текст (2 848 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

سواء فيما بين أفرادها بعضهم مع بعض، أو فيما بين الراعي منهم والرعية، حذر كتاب الله من التمرد على تلك الضوابط والمخالفة لتلك التعليمات، مبينا ما يؤدي إليه عدم اتباعها والخروج عليها والإعراض عنها من أسوأ العواقب، في الدنيا والآخرة، فقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ لأن اعتقاد ما هو مخالف لقول الله كفر، وفعل ما هو مخالف لأمره معصية. وتصدق هذه الآية الكريمة أيضا على الاجتماعات التي تعقد للنظر في (أمر جامع) تتوقف عليه مصلحة المسلمين العامة، طبقا لأصول الإسلام الثابتة، فلا يسوغ الخروج على مقرراتها، ولا مخالفة توجيهاتها، إذ الغرض الأساسي منها متى دعا إليها الرسول وصالحو المؤمنين هو الحصول على الإجماع والاتفاق، وتفادي الخلاف والشقاق، ومتى وقع الخروج عليها منيت الأمة بالانحلال والفشل، وأصيبت الدولة بمختلف الأدواء والعلل. ومن قوله تعالى هنا: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [الآية: ٦٣]، استنبط المحققون من علماء الأصول أن " الأمر " صريح في الاقتضاء والطلب، وأن كونه للوجوب إنما يؤخذ من توجه اللوم والذم، وترتيب العقاب على مخالفته. ثم ذكر كتاب الله كل من في قلوبهم مرض، ممن يخيل إليهم أنهم بمنجاة من رقابته وسطوته، أنه لا يخفى عليه من أحوالهم شيء، وإن بالغوا في التستر بها، والتظاهر بغيرها، وأنه سينبئهم بما عملوا ويؤاخذهم عليه، فقال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ

стр. 1577

فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، إذ كيف يخفى عليه أمرهم وجميع ما في السماوات والأرض في قبضته، خلقا وملكا وعلما، وواضح أن لفظ (قد) في قوله تعالى هنا: ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ لا يعني في هذا السياق إلا توكيد علمه سبحانه بما هم عليه من المخالفة والنفاق، وكما أفاد لفظ (قد) في قوله تعالى من قبل: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾ تحقيق علمه سبحانه بهم وتوكيده، أفاد لفظ (قد) هنا نفس المعنى، والمغزى المراد من توكيد العلم في كلتا الآيتين هو توكيد الوعيد الذي تتضمنه الواحدة تلو الأخرى، حسبما نبه على ذلك جار الله الزمخشري. والآن وقد أشرفنا على نهاية "سورة النور" المدنية ننتقل إلى "سورة الفرقان" المكية، ملتمسين من الله التوفيق والسداد، ومن لطائف التفسير ما يلاحظ من أن فاتحة الفرقان التي نحن بصدد تفسيرها الآن جاء في غاية المناسبة لسورة النور في فاتحتها وخاتمتها معا، فكما قال تعالى في فاتحة سورة النور السابقة: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ وفي خاتمتها: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الآية: ٦٤]. قال سبحانه في بداية سورة الفرقان: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الآية: ١] وإنما سمى الله القرآن (فرقانا) لأنه يفرق بين الحلال والحرام، والحق والباطل، والهدى والضلال، والرشد والغي،

стр. 1578

أضف إلى ذلك أن نزول القرآن وضع حدا فاصلا للجاهلية الأولى التي كانت عليها البشرية، وفتح عهدا جديدا من الحضارة والمدنية، فهو فرقان بين عهدين لا يشبه أحدهما الآخر، وهذا هو المعنى المقصود من نذارة رسوله ونذارة كتابه للعالمين. وعندما نستنطق الآيات الكريمة التي تتضمنها سورة الفرقان نجدها تدور حول محاور أربعة: - المحور الأول: (القرآن) وما أودع الله فيه من كنوز الحكمة الإلهية. - المحور الثاني: (الرسالة) والعبء الثقيل الذي ألقته على عاتق الرسول العناية الربانية. - المحور الثالث: (التوحيد) وتزييف معتقدات الشرك والوثنية. - المحور الرابع: (المعاد) وما يؤول إليه مصير الكون ومصير الإنسانية. ويتخلل هذه الموضوعات وصف جملة وافرة من مظاهر الكون وآيات الله في الأنفس والآفاق، ذكرى للمؤمنين، وحجة على الكافرين، وعبرة للمعتبرين، كما يتخللها ذكر عدد من الأنبياء والرسل السابقين، وما تعرض له أقوامهم من العقاب والعذاب، جزاء تحديهم الصارخ وعنادهم البالغ، ووصف المواقف التي تقفها مختلف فئات البشر من حقائق الوحي والرسالة والتوحيد والمعاد، ما بين مؤمن بها ومصدق لها كل

стр. 1579

التصديق، وكافر بها مكذب لها بلغ الغاية في الكفر والعناد، وتوجت هذه السورة الكريمة بخاتمة عظيمة تتضمن وصفا كاشفا " لعباد الرحمن " الذين أكرمهم الله بالإيمان والأمان، فأضافهم إلى نفسه إضافة تفضل وإحسان، وقد جاءت فاتحة سورة الفرقان، لتكون لموضوعاتها الرئيسية أفضل تمهيد وخير عنوان، فقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ يتضمن إثبات الوحي وإثبات الرسالة وتوكيد صدق الرسول، وقوله تعالى على التوالي: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ صريح في إثبات التوحيد، بما يتضمنه من ألوهية وربوبية، ومنافاة تامة للشرك والوثنية، وبديهي أن الإيمان بالوحي يستلزم الإيمان بجميع محتوياته، وفي طليعتها الإيمان بالمعاد، كما أن الاعتراف بقدرة الله البالغة، وبانفراده بالخلق والإبداع في النشأة الأولى، يستلزم الإيمان بقدرته على النشأة الثانية، إذ ليست أشق ولا أصعب من النشأة الأولى ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]. وكلمة ﴿تَبَارَكَ﴾ في بداية الآية الأولى من هذه السورة مأخوذة من " البركة " التي هي الزيادة من كل خير، فهي تعبير عما لله من عظمة وجلال، وعطاء متواصل، وإنعام دائم على ممر العصور والأجيال، وقد تكرر ذكرها في هذه السورة وحدها ثلاث مرات، كما وردت فيما سبق عند قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾

стр. 1580

[الآية: ٥٤]، وقوله تعالى في سورة المومنون ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [الآية: ١٤]، وسيأتي ذكرها مرات أخرى في سورة غافر [الآية: ٦٤]، وسورة الزخرف [الآية: ٨٥]، وسورة الرحمن [الآية: ٧٨]، وسورة الملك [الآية: ١]، ولا شك أن تنزيل القرآن، من أعظم البركات والخيرات التي أنعم الله بها على الإنسان. ولنستعرض الآن ما ورد في هذا الربع من الآيات المتعلقة بالموضوعات الأربعة التي تناولتها سورة الفرقان. - ففي موضوع إنزال القرآن وإبطال الشبهات الموجهة ضد الوحي، جاء في هذا الربع قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا * وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا * قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. - وفي موضوع إرسال الرسول وتزييف الشبهات الموجهة ضد الرسالة، جاء في هذا الربع قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا * أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا * انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا * تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ

стр. 1581

إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾. - وفي موضوع التوحيد وتزييف الشرك والوثنية، جاء في هذا الربع قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا * فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾. - وفي موضوع إثبات المعاد وقيام الساعة وما يكون عليه حال المصدقين والمكذبين والكافرين، جاء في هذا الربع قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا * إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا * وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا * لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾، وكما أن راحة الجنة مقرونة بسعتها، فإن وحشة النار مقرونة بضيقها، و " الثبور " هو الويل والحسرة والخيبة ﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا * لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ إشارة إلى

стр. 1582

أنه ما من شيء خلقه في هذا الكون، كبر شأنه أو صغر، طال حجمه أو قصر، إلا وقد حددت الحكمة الإلهية شكله وحجمه، وطبيعته ووظيفته، والفائدة المترتبة على وجوده، والعلاقة التي تربطه بغيره من الكائنات، كل ذلك في نظام متناسق ثابت لا خلل فيه ولا اضطراب. وقال جارالله الزمخشري: " المعنى أنه أحدث كل شيء إحداثا مراعى فيه التقدير والتسوية، فقدره وهيأه لما يصلح له، مثاله أنه خلق الإنسان على هذا الشكل المقدرالمسوى الذي تراه، فقدره للتكاليف والمصالح المنوطة به في بابي الدين والدنيا، وكذلك كل حيوان وجماد جاء به على الجبلة المستوية المقدرة بأمثلة الحكمة والتدبير، فقدره لأمر ما، ومصلحة ما، مطابقا لما قدره له، غير متجاف عنه. وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ رد على الشاكين في الوحي الذي بهرتهم آياته البينات، بما تحتوي عليه من حقائق كونية، ومبادئ أخلاقية، وتشريعات مثالية، فلم تستطع عقولهم القاصرة لهذه الظاهرة القرآنية الفريدة من نوعها تحليلا ولا تفسيرا، وأوسعوها بجهلهم وعنادهم طعنا ونكيرا، ولو آمنوا بالله لأدركوا أنه لا أحد يستطيع أن يعرف سر الكون، بما فيه من جماد ونبات وحيوان وإنسان، وأرض وسماء، أكثر من خالقه ومولاه، ولا أحد يستطيع أن يصف سر الكون بأصدق وأبلغ مما يصفه به كتاب الله ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢] ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣]، وهذا هو السر في كون كثير من الكشوف العلمية

стр. 1583

الحديثة التي ثبتت صحتها بعد مرور عدة قرون على إنزال الذكر الحكيم جاءت مطابقة لما في القرآن، غير مناقضة لما فيه من إشارة وبيان. وقوله تعالى حكاية على لسان المشركين يوم القيامة: ﴿وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ يتضمن الاعتراف بأن ما أنعم الله به عليهم وعلى آباءهم من النعم المتواصلة، لم يثمر الشكر والإيمان، وإنما ساعدهم على الغرور والغفلة والنسيان، وأغراهم بالكفر والعصيان، ولما استمروا لذكر الله ناسين وعنه غافلين، أبادهم وكانوا من الهالكين. وقوله تعالى في ختام هذا الربع: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ تقرير لحقيقة طبيعية وبشرية اقتضتها حكمة الله في الكون، ألا وهي أن الناس بحكم ما رزقهم الله من حرية الاختيار، إذ جعلهم مخيرين غير مسيرين، لا بد أن تتباعد اتجاهاتهم، وتتضارب اختياراتهم، فيوجد فيهم الضال والمهتدي، والمومن والكافر، والشقي والسعيد، الأمر الذي ينشأ عنه ابتلاء المرسلين بمن أرسلوا إليهم، وابتلاء الدعاة إلى الحق بالدعاة إلى الباطل في كل عصر وجيل، لكن الله تعالى حض حملة رسالاته الإلهية، وورثتهم من بعدهم في الأجيال الآتية، على التزام الصبر والمثابرة في مغالبة المبطلين، ومكافحة المضلين، فالنصر معقود بنواصيهم إلى يوم الدين، لأنم موضع رعاية الله وعنايته في كل حين،

стр. 1584

وإلى ذلك يشير قوله تعالى: ﴿أَتَصْبِرُونَ﴾ وهذا الاستفهام في معنى الأمر، أي اصبروا وصابروا ﴿وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ على غرار قوله تعالى في آية ثانية: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨]، وقوله تعالى في آية ثالثة: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٦]، وقوله تعالى في آية رابعة: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١].

стр. 1585

الربع الأول من الحزب السابع والثلاثين في المصحف الكريم (ق) ــ وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (٢١) يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا (٢٢) وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣) أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤) وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (٢٦) وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (٢٩) وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ

стр. 1586

إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (٣١) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢) وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣) الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٣٤) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا (٣٥) فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا (٣٦) وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (٣٧) وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (٣٨) وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا (٣٩) وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا (٤٠) وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١) إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا

стр. 1587

عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٢) أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)

стр. 1588

الربع الأول من الحزب السابع والثلاثين في المصحف الكريم (ت) عباد الله في حصة هذا اليوم نتناول الربع الأول من الحزب السابع والثلاثين فى المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى في سورة لبفرقان المكية: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ إلى قوله تعالى في نفس السورة: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾. ــ منذ نبتت نابتة سوء من أولياء الشيطان، وأعلنوا حرب التزييف والتشويه والطعن على أولياء الرحمن، وهم يدورون في حلقة مفرغة، يرددون طبقة بعد طبقة، نفس القول المتهافت المبتذل، من كل هراء، وسلاحهم الوحيد هو سلاح العناد والجدال والمراء، ولذلك نجد كتاب الله يلاحقهم بقوارعه في كل جيل، ويسلط الأضواء الكاشفة على ما هم متصفون به من سفه وتدجيل. وقد تصدى كتاب الله في هذا الربع للكشف عن تُرّهاتهم وإبطال شبهاتهم، وحكاية مزاعمهم التي لا تستند إلى أساس، وتحدياتهم التي بلغت الغاية في الإسفاف والإفلاس.

стр. 1589

ومن هذه المزاعم والتحديات ما حكاه عنهم كتاب الله تعبيرا عن كفرهم بلقاء الله وشكهم في البعث والنشور، إذ قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا﴾ ثم أتبع كتاب الله تحديهم ببيان الحافز عليه، والمصير المفجع الذي يؤدي إليه، فقال تعالى: ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا * يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾،وقال تعالى في نفس السياق: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا * الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾،وعقب كتاب الله على ذلك بآية كلها إنذار ووعيد، فقال تعالى: ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾. ومن مزاعمهم وتحدياتهم ما سجله كتاب الله عليهم تعبيرا عما هم عليه من تطاول وغرور، وميل إلى التحكم في الأقدار، إذ قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ ثم عقب كتاب الله على هذا التحدي قائلا: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾. ومن مزاعمهم وتحدياتهم ما وصفه كتاب الله من استهزائهم بالرسالة والرسول، تعبيرا عن رأيهم الفاسد ومنطقهم الأعوج، إذ قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا * إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾ ثم عقب كتاب الله على موقفهم السخيف قائلا: ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ

стр. 1590

حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾. ووصف كتاب الله ما سيؤول إليه يوم القيامة مصير هؤلاء المجرمين الظالمين من خصوم الرسالات الإلهية، مقارنا مصيرهم بمصير المتقين المؤمنين من اتباع الرسل الصادقين، فقال تعالى في شأن المجرمين الأشقياء: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ﴾، وقال تعالى في شأن المؤمنين الأتقياء: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾. وبين كتاب الله أن الشأن في خصوم الرسالات والرسل أن لا يستيقظوا من غفلتهم، ولا يقوموا من عثرتهم، إلا بعد فوات الوقت وضياع الفرصة، فيندمون ولات حين مندم، معترفين في نفس الوقت بأنهم وقعوا في شرك الضلال على أيدي الضالين المضلين، من أخلائهم وأصدقائهم في الدنيا، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾. وحذر كتاب الله أمة الإجابة أمة سيدنا محمد ﷺ من إهمال كتاب الله، وتجاهل ما تضمنه من عقائد وشرائع وتعاليم أخلاقية، وتوجيهات كونية، مؤكدا أن خاتم الأنبياء والمرسلين سيشكو أمته إلى ربه، شكوى لوم ومؤاخذة وتقريع، على هجرها

стр. 1591

للقرآن، وتمسكها بعقائد غير مطابقة لعقائده، وحكمها بشرائع مناقضة لشرائعه، وأخذها في حياتها بسلوك منحرف دخيل لا يتفق مع مبادئه. وبديهي أن الله تعالى الذي اصطفى لرسالته محمدا من بين خلقه لا يهمل شكوى خاتم أنبيائه ورسله، وسيؤاخذ الذين هجروا الذكر الحكيم في الدنيا والآخرة، وهذه الشكوى الصارخة هي التي تضمنها قوله تعالى هنا: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾. و " قومه " ﷺ يشمل أمته كلها من البداية إلى النهاية، سواء من عاصر الرسالة ومن جاء بعدها إلى يوم الدين. أما عقاب من عامل كتاب الله بالهجران والنسيان، فقد جاء صريحا واضحا في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾. [طه: ١٢٤ - ١٢٧]. ومواساة من الله لرسوله حتى لا يلحقه فتور أو كسل، أو قنوط أو ملل، نبه كتاب الله إلى حقيقة تاريخية وإنسانية واجهها كافة الأنبياء والرسل، أثناء قيامهم بهداية الخلق، وحرصهم على تبليغ ما تلقوه عن الله من دين الحق، فقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ ويلحق بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام، في معاناة إصلاح الخلق وهدايتهم ورثتهم من بعدهم، الذين درجوا على سيرتهم. وواضح أن ما جرى على

стр. 1592

المثل يجري على المماثل، فخاتم الأنبياء والمرسلين، بالرغم مما يتمتع به من المقام المحمود عند ربه، لم يستثن من هذه القاعدة التي هي على عزيمة " أولي العزم " من الرسل وصدقهم شاهدة. وكمثال لما تعرض له الأنبياء والرسل من أقوامهم، ومثال لما أصاب أولئك الأقوام من العذاب جزاء إصرارهم على تكذيب رسلهم، والتنقيص من مقامهم، جدد كتاب الله في هذا الربع الحديث عن قصة فرعون وقومه مع موسى، وقصة قوم نوح مع نوح، وقصة عاد مع هود، وقصة صالح مع ثمود، وقصة أصحاب الرس مع نبيهم، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا * فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا * وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا * وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا * وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾. واستغرب كتاب الله موقف مشركي قريش الذين كانوا يسمعون عن مصارع بعض هؤلاء الأقوام، ولا سيما قوم لوط، حيث كان أولئك المشركون يمرون على مساكنهم الخالية في طريقهم إلى الشام، ثم لا يعتبرون بما أصابهم من الهلاك والتدمير، ولا يعيرون أي التفات لعاقبة الانحراف وسوء التدبير، فقال تعالى محذرا لهم ومذكرا: ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ

стр. 1593

نُشُورًا﴾. والإشارة هنا بمطر السوء، إلى ما أصاب قوم لوط، عندما رجموا بالحجارة من فوق رؤوسهم، فكان ذلك كالمطر النازل من السماء، لكنه مطر سوء ونقمة، لا مطر خير ونعمة، لما رافقه من العذاب الأليم، والسخط العميم، وقوله تعالى: ﴿لَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ أي لا يؤمنون بالبعث، ولا يتوقعون حشرا ولا نشرا. ﴿وَأَصْحَابَ الرَّسِّ﴾ ورد ذكرهم للمرة الأولى هنا في هذه السورة، وذكروا للمرة الثانية والأخيرة في سورة (ق) عند قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ﴾ [الآية: ١٢]، يقال رس البئر يرسها إذا حفرها، ورس الميت إذا دفنه وغيبه في الحفرة، و " الرس " هو كل حفر احتفر كالقبر والبئر والمعدن، وقد اختلفت الروايات في المراد " بأصحاب الرس " من هم، ومن هو نبيهم، وفي أي بلد كانوا؟. ورجح ابن جرير الطبري أنهم هم " أصحاب الأخدود " الذين ورد ذكرهم في سورة البروج في قوله تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ [٤ - ٧]. ولعله استند في ترجيحه إلى ما بين كلمة " الرس " وكلمة " الأخدود " من تناسب في المعنى، إذ " الأخدود " هو الحفرة المستطيلة، ويذكر ياقوت الحموي في معجمه أن " الرس " كانت آبارا لبني أسد، وأنها تقع في أعالي القصيم، وأكدت بعض الأبحاث الحديثة أن القصيم توجد فيه عدة مدن، من بينها " مدينة الرس " التي فيها معالم تاريخية مشهورة قائمة حتى الآن، على رأسها " وادي عاقل " الذي كانت تقطن فيه قبيلة بني أسد، وترعى في رياضه أغنامها وإبلها، وتوجد بجوار " مدينة

стр. 1594

الرس " عدة قصور ومزارع، وبذلك يصبح المكان الذي ينسب إليه " أصحاب الرس " معروفا من الناحية الجغرافية، وأنه واقع في الجزيرة العربية المترامية الأطراف. ولفظ " التتبير " الوارد في الآية ﴿وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾ يعني التفتيت والتكسير، تصويرا لهول ما نالهم من الإبادة والتدمير، والشر المستطير. وبعد أن ألقينا نظرة عامة على ما في هذا الربع من المعاني والموضوعات، لا بد لنا من أن نقف وقفة خاصة عند بعض ما جاء فيه من الآيات، تنويرا للأذهان، وزيادة في البيان. فقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ هو رد على تحدي الكافرين الذين لا يؤمنون بيوم الدين، وجواب على قولهم، مقترحين رؤية الملائكة ورؤية ربهم: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا﴾ فبين الحق أن الذي سألوه من رؤية الملائكة سيحقق في الوقت المقدر له، وذلك يوم الممات ويوم المعاد، لكنهم سيلقون منهم ما يكرهون، وسيفاجأون بما لم يكونوا يتوقعون، وسيندمون بالغ الندم على رغبتهم في رؤيا الملائكة، إذ لا يخبرونهم عند رؤيتهم إلا بالخيبة والخسران، لا بالبشرى والرضوان، وسيعلنون إليهم أنهم " عن ربهم محجوبون " لأنهم أجرموا في حق الله، وأعلنوا الحرب على الله، حتى أصبح الإجرام صفة لاصقة بهم، وعنوانا عليهم. ومما يطابق معنى هذه الآية ويزيدها وضوحا قوله تعالى فيما سبق من سورة الأنعام: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ

стр. 1595

الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الآية: ٩٣]. وعلى العكس من هذا الموقف موقف الملائكة من المؤمنين المتقين، فقد قال تعالى في شأنهم مبشرا لهم بالنعيم والرضوان في سورة فصلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [٣٠ - ٣٢]. وقوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ إشارة إلى أن روح الأعمال كلها هو الإيمان بالله، والسعي في مرضاة الله، فمتى كان الإنسان فاقدا لهذين الشرطين كانت أعماله كالجسم بدون روح، لا عبرة بها، ولا قيمة لها، ولا ثواب عليها، وإن كانت في الظاهر من محاسن الأعمال، ومكارم الخلال، اللهم إلا إذا انتقل صاحبها من الكفر إلى الإيمان، ومن النفاق إلى الإخلاص، فإن الله يثيبه على ما عمل من أعمال سالفة تدخل في عداد الحسنات، ويتوب عليه فيما عمل من أعمال سابقة تندرج في عداد السيئات. و " الهباء المنثور " ما يتراءى للعين كالغبار الخارج من النافذة مع ضوء الشمس، متى حركته الريح تناثر وذهب كل مذهب، بحيث لا يمكن القبض عليه. ونظيره خيبة الكفار فيما عملوه وأملوه، قوله تعالى في آية ثانية: ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النور: ٣٩]، وقوله

стр. 1596

تعالى في آية ثالثة: ﴿كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ﴾ [إبراهيم: ١٨]، وقوله تعالى في آية رابعة: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل: ٥]، وفي نفس الموضوع سبق قوله تعالى في سورة الكهف: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [١٠٣ - ١٠٤]. وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ يتضمن شقه الأول الإشارة إلى إحدى الشبهات السخيفة التي يوجهها الكافرون والمكذبون، للطعن في القرآن والتشكيك في كونه من عند الله، وهذه الشبهة هي: لماذا نزل القرآن مفرقا، ولم ينزل دفعة واحدة؟ كما يضمن شقه الثاني إبطال تلك الشبهة وتزييفها، وذلك بإبراز الحكم الإلهية في نزول القرآن منجما مفرقا على فترات متلاحقة: - والحكمة في نزوله مفرقا على تلك الصفة حسبما نصت عليه هذه الآية تتعلق بالرسول مباشرة، وهي تثبيت محتوى آيات القرآن لفظا ومعنى في قلب الرسول، ومساعدته على تلقيه وقراءته بترسل وتمهل وتؤدة، تيسيرا لحفظه أولا، وتمهيدا لتلقينه لأمته ثانيا حسبما أنزل عليه، آية بعد آية، ووقفة بعد وقفة، ويزيد هذا المعنى توضيحا قوله تعالى في سورة القيامة: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾، [١٦ - ١٩]، وقوله تعالى في سورة طه: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾

стр. 1597

[الآية: ١١٤]، وهذا المنهج الإلهي الحكيم في التلقي والتلقين هو المنهج الوحيد الذي يتفق مع ما جاء في خطاب الله لنبيه، واصفا حالته التي كان عليا عند تلقي الرسالة، إذ قال تعالى في سورة الشورى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الآية: ٥٢]. قال القاضي عبد الجبار: " فلو أنزل عليه جملة واحدة لكان مخالفا للحكمة ". - وهناك حكمة أخرى من وراء نزول القرآن منجما مفرقا على فترات متلاحقة، ألا وهي تثبيت الرسول حينا بعد حين، وبشكل متلاحق دون انقطاع، على تبليغ دين الحق، والمجاهدة بقول الحق في مواجهة خصوم الرسالة الماكرين، الذين طالما حاولوا فتنة الرسول، واستعملوا كل الوسائل المادية والأدبية للضغط عليه وصرفه عن رسالته، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [الآية: ٤٩]، وقوله تعالى في سورة الإسراء: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الآية: ٧٤]، لكن الله عصمه من كيدهم ومكرهم، إذ كلما تجدد اتصال الرسول بالوحي في المواقف الحرجة ازداد قلبه قوة، وتضاعفت ثقته بعناية الله ورعايته، وأحس بمدد إلهي جديد يعينه على المزيد من الصبر والثبات، وتخطي العقبات. وقد تحدث كتاب الله في آية أخرى عن حكمة دقيقة من حكم تنجيم القرآن ونزوله مفرقا، وذلك بالنسبة للمرسل إليهم، وهذه الحكمة سبقت الإشارة إليها عند قوله تعالى في سورة

стр. 1598

الإسراء: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾، ذلك أن الإنسانية الضالة التي أراد الله ان يخرجها من الظلمات إلى النور لا يمكن ان تقفز من حضيض الجهالة الجهلاء، إلى أعلى درجة في السمو والارتقاء، بين عشية وضحاها، إذ لا بد لتحولها عما كانت عليه، وتطورها إلى ما يجب أن تؤول إليه، من وقت كاف تستوعب فيه يوما بعد يوم، ما جاء به القرآن الكريم من عقيدة وشريعة وأخلاق، فقوله تعالى في خطابه لنبيه في سورة الإسراء: ﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ يفيد ان حكمة الله اقتضت أن يكون تبليغ القرآن إلى الناس على مهل، تدريجيا ودون عجلة، حتى يحفظوه ويعوه، ويرتاضوا به ويتبعوه، ويسايروه في حياتهم خطوة خطوة. وقوله تعالى في نفس السياق: ﴿وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ يشير إلى أن حكمة الله اقتضت أن يكون تنزيل القرآن على فترات، ليواجه ما يتجدد في حياة الناس من حوادث ومسائل وشبهات، إذ لا يخفى على أحد ما تزخر به الحياة اليومية في مثل هذه المرحلة الانتقالية الدقيقة من إلقاء أسئلة محرجة تحتاج إلى الأجوبة الشافية، ومن وقوع حوادث معقدة تتوقف على الحلول الكافية، فتنزل آيات القرآن مفرقة تبعا لذلك في الوقت المناسب بما هو مناسب، تثبيتا لفؤاد الرسول والمرسل إليهم، وتأنيسا له ولهم في آن واحد، الأمر الذي يكون أوقع في النفوس، لما فيه من تجاوب ملموس، وإلى هذا المعنى يشير قوله تعالى في هذا الربع ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾.

стр. 1599

ومجمل القول أن نزول القرآن منجما ومفرقا كان هو الطريق المضمون لتلقي الرسول رسالة ربه على أكمل وجه، ولتلقينه المرسل إليهم آيات الذكر الحكيم، وتكاليف دينهم القويم، وبذلك امتزجت روح الإسلام بنفوس الأفراد والجماعات، وقام على أنقاض المجتمع الجاهلي مجتمع إسلامي الطابع، يعتبر هو المثل الأعلى والقدوة الصالحة، لما ينشأ على غراره من المجتمعات. وفي ختام هذا الربع نطق كتاب الله بما يهدئ روع الرسول، ويحدد مسؤوليته تجاه المرسل إليهم، مبينا أن هذه المسؤولية تقف عند حدود التبليغ والبيان، ولا تتجاوزهما إلى انتزاع الإذعان والإيمان، ومنبها إلى أن السر في إصرار الضالين على ضلالهم وعدم إيمانهم بآيات الله البينات، هو اتباعهم الأعمى لأهوائهم، وكونهم لم يحسنوا الانتفاع بما رزقهم الله من حواس وملكات، فقال تعالى مخاطبا لرسوله الأمين: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ أي ليست حافظا تحفظه من اتباع هواه - ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾.

стр. 1600

الربع الثاني من الحزب السابع والثلاثين في المصحف الكريم (ق) (القسم الأول من هذا الربع) ــ ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (٤٥) ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا (٤٦) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا (٤٧) وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (٤٩) وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (٥٠) وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾

стр. 1601

الربع الثاني من الحزب السابع والثلاثين في المصحف الكريم (ت) (القسم الأول من هذا الربع) عباد الله في حصة هذا اليوم نشرع في تفسير الربع الثاني من الحزب السابع والثلاثين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى في سورة الفرقان المكية: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾. ونظرا للحاجة الملحة إلى شيء عن التوسع في تفسير آياته، والإلمام ما أمكن بكافة موضوعاته، سنقتصر في حديث اليوم على تقديم القسم الأول من تفسير هذا الربع، وهو خاص بتفسير ست آيات منه لا غير، تاركين تفسير بقية الآيات الواردة فيه إلى القسم الثاني الذي نقدمه في حصة الغد بحول الله وقوته. ــ في بداية هذا الربع وجه كتاب الله الخطاب إلى كل إنسان عنده نصيب من الوعي وحظ من التأمل، لينظر إلى ما حوله من ظواهر طبيعية، ونواميس كونية، يزخر بها الكون، نظرة تدبر واعتبار، إذ بالتعرف عليها، والتأمل فيها، والتعمق في بحثها، يهتدي إلى ما تحتوي عليه من المنافع والحكم والأسرار، فينتفع بها في حياته اليومية خير انتفاع، وتكون له خير حافز على

стр. 1602

الاختراع والإبداع، ويصل في نهاية المطاف عن طريقها العقلي المضمون، إلى معرفة خالق الكون الذي طبع الطبيعة، وشرع الشريعة، فيقدر الله حق قدره، ويهتدي بهديه ويأتمر بأمره، فقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا * ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا * وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا * وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا * لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا * وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾، وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا * وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾. ففي هذه الآيات لفت كتاب الله أنظار الناس أجمعين إلى عدة ظواهر طبيعية، مرتبطة في نشأتها وسيرها بالسنن الإلهية، كل واحد منها برهان ساطع على وجود الله وقدرته، ودليل قاطع على حكته ورحمته، وهذه الظواهر هي ظاهرة تعاقب الظل والضوء، وتعاقب الصحو والمطر، وتعاقب الليل والنهار، وتعاقب الشمس والقمر، وازدواج الماء بين عذب ومالح، وازدواج الإنسان بين ذكر وأنثى، فمتى فتح الإنسان بصره وبصيرته لدراسة هذه الظواهر واستيعابها أدرك بالبداهة ان تصنيفها وتصريفها فوق قدرة

стр. 1603

البشر، وأنها من صنع الله الذي أتقن كل شيء، ومتى ربط الإنسان بين هذه الظوار وبين حياته الخاصة فوق سطح الأرض، وعرف أن حياة النوع البشري كله رهينة بوجودها واستمرارها، إذ إنه لولا ما بين هذه الظواهر الطبيعية وبين تكوين الإنسان الخاصة، وحاجياته الملحة، من توافق وتلاؤم وانسجام، لما أمكن له العيش بدونها لحظة واحدة، أدرك لا محالة أن تكوينها على ما هي عليه، وتكوينه هو على ما هو عليه، إنما هما صادران عن قوة مدبرة حكيمة هي قوة الخالق الحكيم الذي يدبر كل شيء بأمره ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ١٣]. فقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ يتضمن دعوة كل إنسان إلى ملاحظة ظاهرة طبيعية تبرز عند كل مطلع شمس، لتستفيد من وجودها جميع الكائنات الحية، الموجودة على سطع الأرض، وفي طليعتها الإنسان نفسه الذي لا يستطيع الحياة في راحة وهناء إذا فقدها بالمرة، ألا وهي ظاهرة " الظل " الذي يلاحق ضوء الشمس، " والذي ترخيه الأشياء بجوارها وعلى جوانبها ممتدا أو منقبضا، يتحرك إذا تحركت، ويسكن إذا سكنت، ولكن لا يسمع الناس له همسا، ولا يلقون إليه بالا " فبالرغم من أن طاقة الشمس لا يصل منها إلى الأرض إلا ما يقارب جزءين اثنين من بليون جزء من طاقتها الكلية، نجد الإنسان فضلا عن النبات وبقية الأحياء لا يتحمل تعريض جسمه طيلة النهار لهذا القدر الضئيل من طاقتها باستمرار، وكما

стр. 1604

أن الإنسان يكره بطبعه الظلمة الخالصة وينفر منها، فإنه لا يحب الضوء الخالص الذي يسطع بقوة فيبهر البصر، والذي يرهق الجسم فيضعفه ويؤذيه بحرارته الزائدة، بل يفضل الظل عليهما معا، لأنه بالنسبة لطبيعته وتكوينه أطيب الأحوال، ولذلك جعله الحق معدودا في جملة النعم التي سيكرم بها أصحاب اليمين في دار النعيم، إذ قال: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ * فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ * وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ * وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٧، ٢٨، ٢٩، ٣٠] وقال: ﴿لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ [النساء: ٥٧]، وحرم المكذبين بيوم الدين من هذه النعمة الكبرى، فقال تعالى في شأنهم: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ * انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ * لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ [المرسلات: ٢٩، ٣٠، ٣١]، ومعنى قوله: ﴿لَا ظَلِيلٍ﴾ أي لا يفيد فائدة الظل في كونه واقيا من الحر، وقال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ * وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾ [فاطر: ١٩، ٢١]. وعلى غرار الإنسان الذي يميل إلى الطقس المعتدل، ويفضل الظل الذي يلطف الحرارة نجد النباتات والحيوانات، بل حتى الحشرات، تبحث بدورها عن الظل، وتفضل الحياة في كنفه، وذلك لتنعم بحرارة مقبولة يمكنها أن تتحملها وتساعدها على البقاء. ونظرا لكون الظل من أهم العوامل الملطفة للجو، استعمله العرب في لغتهم كناية عن معنى " الراحة " فقالوا " السلطان ظل الله في الأرض "، قاصدين بذلك أن الشأن في السلطان أن يدفع الأذى عن الناس ويرعى مصالحهم، كما

стр. 1605

يدفع الظل عنهم أذى حر الشمس ويلائم مصالحهم. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ توكيد لامتنان الله على خلقه بنعمة الظل، فوجود الظل من أصله إلى جانب الشمس نعمة كبرى، وحركة الظل التي ترافق الشعاع الفائض من الشمس نعمة أخرى، ولولا رعاية الخالق الحكيم لمصالح عباده ورحمته بهم لما أوجد الظل أصلا، فبرزت الكائنات الحية لأشعة الشمس وجها لوجه وهلكت، أو لجعل الظل بعد وجوده دائما لا يتحول، وساكنا لا يتحرك، ففقدت الكائنات الحية ولا سيما النبات الذي هو قوام حياة الإنسان والحيوان منافع الطاقة الشمسية التي تغذيها بالقوة والنماء، إذ بواسطة إشعاع الشمس وانبساط الظل تتمكن من مواصلة حياتها الطبيعية دون تعب ولا عناء. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ إشارة إلى حقيقة طبيعية أخرى هي أن الظل يلاحق أشعة الشمس، وأشعة الشمس تلاحق الظل، فهما متلازمان ومتعاقبان، بحيث كلما ازداد أحدهما نقص الآخر، وإن كانا متعاكسين، كل منهما يسير في اتجاه مغاير للثاني، حتى إذا ما غربت الشمس شرق الظل، وإذا شرقت غرب، فلولا الشمس لما عرف الظل، كما أنه لولا الظلمة لما عرف النور، وبهذا كانت الشمس دليلا على الظل بالتضاد لا بالاتفاق. ونظرا لما بين الظل وشعاع الشمس من رابطة قوية لا تنفصم، فقد انتفع الإنسان بهذه الظاهرة الطبيعية التي تتكرر بانتظام في تنظيم حياته اليومية، فقاس الزمن، وعين ساعات النهار، تبعا للظل الممدود الذي تحدثه أشعة الشمس على

стр. 1606

الأرض، وعن هذا الطريق اهتدى المسلمون إلى ابتكار (علم التوقيت)، للتعرف على مواقيت الصلاة، وتعيين الوقت الشرعي لأدائها، بواسطة المزاول الشمسية، التي برعوا في صنعها كل البراعة. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ إشارة إلى ان الظل لا يظل على حالة واحدة من الانبساط والامتداد، بل يعتريه التقلص والانقباض، إذ كلما ازداد ارتفاع الشمس ازداد نقصان الظل بحسبه والعكس بالعكس. قال جار الله الزمخشري: " وفي هذا القبض اليسير شيئا بعد شيء، من المنافع ما لا يعد ولا يحصى، ولو قبض دفعة واحدة لتعطلت أكثر مرافق الناس بالظل والشمس جميعا ". فما أدق حكمة الله في خلقه، وما أوسع رحمته بعباد، وصدق الله العظيم، إذ قال ممتنا على الناس بهذه النعمة: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾ [النحل: ٨١]، وقال أيضا: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ [النحل: ٤٨]. وبعدما وصف كتاب الله ظاهرة الظل وارتباطها بالشمس بغاية الإيجاز ومنتهى الإعجاز، كشف النقاب عن ظاهرة أخرى هي ظاهرة تعاقب الليل والنهار، اللذين يقتسمان المعمور في وقت واحد قسمة عادلة، فيكون نصف الكرة الأرضية نهارا، ونصفها الآخر ليلا، ولو كانت الأرض منبسطة لا كروية لعمها ضوء الشمس عند الشروق دفعة واحدة، فكان النهار فيها جميعا،

стр. 1607

ثم لعمها الظلام عند الغروب دفعة واحدة، فكان الليل فيها جميعا، لكن حكمة الله اقتضت أن تظل الحياة نابضة فيها على الدوام، وذلك على سبيل التناوب بين نصفها الذي يكون نهارا ونصفها الذي يكون ليلا. تعريفا من الله لعباده، بما في تعاقب الليل والنهار من منافع لهم، وامتنانا عليهم، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾، فشبه كتاب الله الليل باللباس، لكونه يستر الأشياء والأحياء كما يستر اللباس البدن، إذ في الليل تهدأ الحركة العامة، ويتوقف النشاط اليومي، ويغشى الناس مساكنهم ليسكنوا إلى أهليهم وذويهم، ويقضوا جزءا من الليل في ممارسة حياتهم الخاصة بين الأقرباء، وذلك في ستر تام من فضول الرقباء، وأنسب شيء بالذكر في هذا المقام، هو نوم الليل الذي يعتبر أحسن غذاء للجسم بالراحة والاستجمام، وإنما وصف كتاب الله النوم بكونه ﴿سُبَاتًا﴾، لما يلازمه في العادة من التمدد والاسترخاء وتوقف الحركات، التي تشترك في القيام بها أثناء النهار مختلف الأعضاء والجوارح والملكات، ووصف كتاب الله النهار، بكونه ﴿نُشُورًا﴾، تشبيها لقيام الناس فيه من النوم، وانتشارهم في الأرض لمكاسبهم ومعايشهم، بقيامهم من الموت، وهو البعث الذي يطلق عليه اسم (النشور) حقيقة لا مجازا، وسبق ذكر " النشور " بمعناه الحقيقي في قوله تعالى في هذه السورة: ﴿بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ [الآية: ٤٠].

стр. 1608

ثم نبه كتاب الله كافة الأنظار إلى ظاهرة أخرى جديرة بالتدبر والاعتبار، والكشف عما في كوينها وتصريفها من حكم وأسرار، وهذه الظاهرة هي ظاهرة تصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لإنزال الأمطار، وما يتبع ذلك من نتائج وآثار، وذلك قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا * لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾، مشيرا إلى أن دور الرياح، أو الهواء الصاعد إلى أعلى، في إثارة السحب على اختلاف أنواعها، وتلقيحها ببخار لكي تجود بالمطر، هو الدور الرئيسي الذي بدونه لا يمكن أن تنزل من السماء، قطرة واحدة من الماء، ومؤكدا لمن لا يزال عنده شك، ان تصريف الرياح وإرسالها أمر لا يقدر عليه إلا الله تعالى وحده، الذي له الخلق والأمر، لأنه يتوقف على طاقة عظمى، ويحتاج إلى تدبير كبير فوق طاقة الإنسان المحدودة وتدبيره القاصر ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ﴾. وقوله تعالى هنا: ﴿بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ على غرار قوله تعالى في آية أخرى: ﴿وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا﴾ [المرسلات: ٣]، من " النشور " الذي هو الحياة بعد الموت، إشارة إلى أن الرياح تسبق السحب، مؤذنة بإحياء الله للبلاد، ورحمته للعباد ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾. وقوله تعالى هنا: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ إشارة إلى أن الماء المنزل من السماء طاهر مطهر لغيره، وهو

стр. 1609

أفضل المياه، ويعتبر طاهرا شرعا وطبعا ما لم يتغير أحد أوصافه، وكما أنزل الله من السماء الذكر الحكيم ليطهر به العقول والأفكار، أنزل منها الماء ليطهر به الأبدان من الأوساخ والأوضار. وقوله تعالى هنا: ﴿وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾ بتقديم الأنعام على الأناسي إشارة إلى أن قوام حياة الناس بحياة أرضهم وحياة أنعامهم، فعامة معايشهم متعلقة بحياة الحيوان والنبات، إذ عليهما المعول في التغذية والاقتيات، والإنعام من الله بسقي أرضهم وأنعامهم هو في الحقيقة إنعام عليهم، لا يقل أهمية عن الإنعام بسقيهم أنفسهم. ووصف " الأناسي " بالكثرة في قوله تعالى: ﴿وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾ إشارة إلى أن النوع الإنساني سيتضاعف عدده على سطح الأرض مع مرور الزمن ويقول هل من مزيد، لكن لا ينقذه من عوزه وضيق عيشه إلا مدد إلهي جديد. وعالج كتاب الله في هذا الربع ظاهرة أخرى تثير منتهى العجب والإعجاب عند كافة أولي الألباب، ألا وهي ظاهرة انقسام الماء إلى عذب فرات وملح أجاج، رغما عن كون الماء واحدا في تركيبه الخاص، ثم منع الاختلاط بينهما والامتزاج، رغما من التقاء الماء العذب مع الماء الأجاج، وذلك قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ فالماء العذب ما تجود به الأمطار فتحمله الأنهار، وتخزنه العيون والآبار، ولو جمع هذا الماء في صعيد واحد لكان بحرا من أكبر البحار، لكن الله تعالى وزعه بين

стр. 1610

خلقه في كل أرض بحسب حاجتهم وكفايتهم، فهو بحر سارح في الأرض بين الناس، إلى جانب البحار المعروفة في العالم، التي خصها الله بالماء الملح الأجاج. على أن الأنهار الكبرى ذات الماء العذب التي تصب في البحار يصح أن يطلق عليها اسم " البحر " بطريق المجاز، لشبهها به في كثرة الماء واتساع الرقعة، فيقال للنهر العذب الكبير الواسع " بحر " كما يقال للبحر الأجاج " بحر ". وإذا ما التقى الماء العذب الذي تجري به الأنهار مع الماء الملح الذي تجري به البحار، فإن كلا من الماءين يتفادى الامتزاج مع الآخر، رغما عما يوجد بينهما من تماس والتصاق، وذلك حتى لا تبطل حكمة الله من وجودهما معا، إذ إن كل ما على اليابسة من الأحياء، لا تنتظم حياته إلا بالعذب من الماء، وعلى العكس من ذلك البحار لو خلت مياهها من الملح لفسدت وفسد ما فيها من الأحياء، ولأنتنت وتلوث الهواء. وقد جعل الله جاذبية الأرض عونا للأنهار، حتى يمكنها أن تصب في البحر، كما جعل الجاذبية لجاما للبحر حتى لا يصب في النهر ولا يطغى عليه - رغما عن صغر النهر بالنسبة إلى البحر - وكذلك الأمر عندما يلتقي بحر ببحر، أو بحر بأرض يابسة، فالبحر ملجم من خالقه الحكيم العليم بلجام الجاذبية، لا يفارق مستقره بحال، وهذه المعاني هي بعض ما يشير إليه قوله تعالى هنا: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ أي جعل بينهما حاجزا تلقائيا، ومانعا طبيعيا، على غرار قوله تعالى في آية ثانية: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾ [الرحمن: ١٩، ٢٠]، أي لا يبغي أحدهما على الآخر، وقوله تعالى في آية ثالثة: ﴿وَجَعَلَ

стр. 1611

بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٦١]. ثم مضى كتاب الله يقيم الحجة تلو الحجة على وحدانية الله وقدرته، وبالغ علمه وحكمته، فلفت نظر الإنسان، في أي مستوى كان، إلى ظاهرة بارزة لا تغيب عن العين، ولا تقبل أي شك أو مين، ألا وهي ظاهرة خلق النوع الإنساني، الذي هو أرقى أنواع الحيوان، وأحسنها تقويما، وأكثرها تعقيدا، وأقدرها على حمل الأمانة والقيام بالخلافة عن الله في عمران الأرض، من نفس العنصر الذي خلق منه أبسط الحيوانات، وأضعف الحشرات، ألا وهو عنصر الماء الذي هو القاسم المشترك بين كافة الأحياء، مصداقا لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ [النور: ٤٥]، وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠]، ثم ظاهرة النطفة الواحدة وهي أيضا ماء التي يخلق الله منها في آن واحد، وحمل واحد، توأمين ذكرا وأنثى، فضلا عما يخلقه منها على انفراد من الذكور والإناث، مصداقا لقوله تعالى: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: ٦]، وقوله تعالى: ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ [القيامة: ٣٩]، وإلى هاتين الظاهرتين الأصلية والفرعية يشير قوله تعالى هنا: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ وذوو " النسب " هم الذكور، إذ إليهم يقع انتساب الذرية خلفا عن سلف، وذوات " الصهر " هن الإناث، إذ بواسطتهن تتم المصاهرة ويوجد الأصهار، وعن طريق هذين العنصرين تنشأ الأسر وتتسع، حتى تصبح عشائر، وتتسع العشائر، حتى تصبح قبائل، وتتعدد

стр. 1612

القبائل حتى تصبح شعوبا ﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾. وأضاف كتاب الله إلى ما عرضه من آياته الكونية في هذا الربع ظاهرة أخرى لها وثيق الصلة باستمرار الحياة على وجه الأرض، وسيرها سيرا مطردا منتظما، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ألا وهي ظاهرة تعاقب الشمس والقمر، المختلفين بطبيعتهما، والمتكاملين بمنفعتهما، فقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾، وأطلق كتاب الله على الشمس (اسم السراج) لكونها مصدرا قائما بذاته للحرارة والنور، بينما اقتصر في وصف القمر على كونه ﴿مُنِيرًا﴾ إشارة إلى أن إنارته للأرض إذا سطع نوره عليها ليست أصلية، ولكنها مستمدة من ضوء الشمس، إذ القمر في أصله جرم مظلم، ويزيد هذه الآية تفسيرا وتوضيحا قوله تعالى في سورة نوح: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ [الآية: ١٦]. وقوله تعالى هنا: ﴿جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ على غرار قوله تعالى في آية أخرى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ [البروج: ١]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ﴾ [الحجر: ١٦] إشارة إلى الكواكب السيارة السابحة في الفضاء، ومداراتها الفلكية في أعالي الأجواء، ومن بينها منازل الشمس والقمر التي لها أهمية خاصة في حياة الإنسان، إذ إن لها علاقة مباشرة بكل ما عرفه من تدرج الأزمنة، وتنقل الفصول، وتحديد الأيام والشهور والأعوام. وواضح أن تعاقب الليل والنهار مرتبط كل الارتباط بحركة الشمس اليومية،

стр. 1613

التي هي بالنسبة لنا حركة ظاهرية، مردها إلى دوران الأرض حول نفسها، ولذلك يكون نصفها المقابل لضوء الشمس نهارا، ونصفها الآخر الذي لا يقابل ضوءها ليلا. وقوله تعالى هنا: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾ إشارة إلى ما في تعاقب الليل والنهار، وكون كل منهما يخلف الآخر، من حكمة ربانية، وعناية إلهية، مردهما إلى إعانة الإنسان على ممارسة الحياة ممارسة معتدلة منتظمة لا شطط فيها ولا إرهاق، فللكد والسعي، والعلاقات المتداخلة بين الناس، وقتها وهو النهار، وللراحة والاستجمام، والعلاقات الخاصة التي لا تداخل فيها مع الآخرين، وقتها وهو الليل، ولا شك أن هذا التوزيع الإلهي لحياة الإنسان بين الليل والنهار، مع ما يتميز به كل منهما من خصائص وأسرار، نعمة كبرى تستحق الشكر والتدبر والاعتبار، وإلى هذا المعنى يشير قوله تعالى في آية أخرى: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ وقوله تعالى في آية أخرى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [القصص: ٧٣].

стр. 1614

الربع الثاني من الحزب السابع والثلاثين في المصحف الكريم (ق) (القسم الثاني من هذا الربع) ــ وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (٥١) فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (٥٢) وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (٥٣) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (٥٤) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا (٥٥) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٥٦) قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٥٧) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (٥٨) الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ

стр. 1615

وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (٥٩) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا (٦٠) تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (٦١) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (٦٢) وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٦٦) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧) وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ
следующие страницы →