← Тафсир

Тафсир · id 115129

التيسير في أحاديث التفسير

محمد المكي الناصري

Полный текст (2 848 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٦١]. ثم مضى كتاب الله يقيم الحجة تلو الحجة على وحدانية الله وقدرته، وبالغ علمه وحكمته، فلفت نظر الإنسان، في أي مستوى كان، إلى ظاهرة بارزة لا تغيب عن العين، ولا تقبل أي شك أو مين، ألا وهي ظاهرة خلق النوع الإنساني، الذي هو أرقى أنواع الحيوان، وأحسنها تقويما، وأكثرها تعقيدا، وأقدرها على حمل الأمانة والقيام بالخلافة عن الله في عمران الأرض، من نفس العنصر الذي خلق منه أبسط الحيوانات، وأضعف الحشرات، ألا وهو عنصر الماء الذي هو القاسم المشترك بين كافة الأحياء، مصداقا لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ [النور: ٤٥]، وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠]، ثم ظاهرة النطفة الواحدة وهي أيضا ماء التي يخلق الله منها في آن واحد، وحمل واحد، توأمين ذكرا وأنثى، فضلا عما يخلقه منها على انفراد من الذكور والإناث، مصداقا لقوله تعالى: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: ٦]، وقوله تعالى: ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ [القيامة: ٣٩]، وإلى هاتين الظاهرتين الأصلية والفرعية يشير قوله تعالى هنا: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ وذوو " النسب " هم الذكور، إذ إليهم يقع انتساب الذرية خلفا عن سلف، وذوات " الصهر " هن الإناث، إذ بواسطتهن تتم المصاهرة ويوجد الأصهار، وعن طريق هذين العنصرين تنشأ الأسر وتتسع، حتى تصبح عشائر، وتتسع العشائر، حتى تصبح قبائل، وتتعدد

стр. 1612

القبائل حتى تصبح شعوبا ﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾. وأضاف كتاب الله إلى ما عرضه من آياته الكونية في هذا الربع ظاهرة أخرى لها وثيق الصلة باستمرار الحياة على وجه الأرض، وسيرها سيرا مطردا منتظما، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ألا وهي ظاهرة تعاقب الشمس والقمر، المختلفين بطبيعتهما، والمتكاملين بمنفعتهما، فقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾، وأطلق كتاب الله على الشمس (اسم السراج) لكونها مصدرا قائما بذاته للحرارة والنور، بينما اقتصر في وصف القمر على كونه ﴿مُنِيرًا﴾ إشارة إلى أن إنارته للأرض إذا سطع نوره عليها ليست أصلية، ولكنها مستمدة من ضوء الشمس، إذ القمر في أصله جرم مظلم، ويزيد هذه الآية تفسيرا وتوضيحا قوله تعالى في سورة نوح: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ [الآية: ١٦]. وقوله تعالى هنا: ﴿جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ على غرار قوله تعالى في آية أخرى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ [البروج: ١]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ﴾ [الحجر: ١٦] إشارة إلى الكواكب السيارة السابحة في الفضاء، ومداراتها الفلكية في أعالي الأجواء، ومن بينها منازل الشمس والقمر التي لها أهمية خاصة في حياة الإنسان، إذ إن لها علاقة مباشرة بكل ما عرفه من تدرج الأزمنة، وتنقل الفصول، وتحديد الأيام والشهور والأعوام. وواضح أن تعاقب الليل والنهار مرتبط كل الارتباط بحركة الشمس اليومية،

стр. 1613

التي هي بالنسبة لنا حركة ظاهرية، مردها إلى دوران الأرض حول نفسها، ولذلك يكون نصفها المقابل لضوء الشمس نهارا، ونصفها الآخر الذي لا يقابل ضوءها ليلا. وقوله تعالى هنا: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾ إشارة إلى ما في تعاقب الليل والنهار، وكون كل منهما يخلف الآخر، من حكمة ربانية، وعناية إلهية، مردهما إلى إعانة الإنسان على ممارسة الحياة ممارسة معتدلة منتظمة لا شطط فيها ولا إرهاق، فللكد والسعي، والعلاقات المتداخلة بين الناس، وقتها وهو النهار، وللراحة والاستجمام، والعلاقات الخاصة التي لا تداخل فيها مع الآخرين، وقتها وهو الليل، ولا شك أن هذا التوزيع الإلهي لحياة الإنسان بين الليل والنهار، مع ما يتميز به كل منهما من خصائص وأسرار، نعمة كبرى تستحق الشكر والتدبر والاعتبار، وإلى هذا المعنى يشير قوله تعالى في آية أخرى: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ وقوله تعالى في آية أخرى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [القصص: ٧٣].

стр. 1614

الربع الثاني من الحزب السابع والثلاثين في المصحف الكريم (ق) (القسم الثاني من هذا الربع) ــ وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (٥١) فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (٥٢) وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (٥٣) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (٥٤) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا (٥٥) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٥٦) قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٥٧) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (٥٨) الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ

стр. 1615

وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (٥٩) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا (٦٠) تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (٦١) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (٦٢) وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٦٦) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧) وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ

стр. 1616

غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (٧١) وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (٧٢) وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (٧٣) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤) أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (٧٥) خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٧٦) قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (٧٧)

стр. 1617

الربع الثاني من الحزب السابع والثلاثين في المصحف الكريم (ت) (القسم الثاني من هذا الربع) عباد الله لا نزال نواصل تفسير الربع الثاني من الحزب السابع والثلاثين من المصحف الكريم، وفي هذا الحديث نقدم القسم الثاني من تفسير هذا الربع، وهو يشمل بقية الآيات الواردة فيه، وعلى رأسها قوله تعالى في سورة الفرقان المكية: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ إلى قوله تعالى في ختام السورة وختام الربع: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾. ــ في بداية هذا القسم وجه كتاب الله الخطاب إلى نبيه، معرفا إياه بأن مسؤولية الرسالة الإسلامية التي هي خاتمة الرسالات قد أصبحت تقع على عاتقه وحده، إذ هو خاتم النبئين والمرسلين، فما عليه إلا أن يضطلع بها، ويقاوم أعداءها، ويجاهد في سبيل تبليغها للبشرية جمعاء، وذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا * فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾. وحدد كتاب الله لرسوله مرة أخرى واجبات الرسالة الملقاة على عاتقه، حتى لا يكلف نفسه ما فوق طاقته، وحتى لا يتهم

стр. 1618

من أعداء الرسالة بما لا يتفق مع قداسة دعوته، فقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾. وحض كتاب الله رسول الهدى ودين الحق على ملازمة الثقة بالله، والالتجاء الدائم إليه، والتوكل التام عليه، إذ من توكل على الحي الذي لا يموت، لا ينقطع عنه مدد الله ولا يفوت، وذلك قوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾. واستغرب كتاب الله موقف الكافرين الذين يتحدون ربهم، إذ ضلوا وفقدوا لبهم، رغما من آيات الله الباهرة، وحججه القاهرة، فقال تعالى في وصفهم متعجبا من عنادهم وكبريائهم: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ - ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾. ونبه كتاب الله إلى أن الذكر الحكيم لم يترك برهانا ساطعا ولا دليلا قاطعا عل وجود الله ووحدانيته، وقدرته وحكمته، إلا فصله تفصيلا، وفسره دليلا دليلا، ومن رفض بعد ذلك ان يسلك المحجة، فقد قامت عليه الحجة، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى في هذا الربع: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾.

стр. 1619

وحرصا من كتاب الله على هداية الخلق وإن ضلوا، وتمكينهم بكل الوسائل من معرفة الحق وإن زلوا، تصدى كتاب الله في ختام هذا الربع للكشف عن صفات المؤمنين الذين استجابوا لله والرسول فلم يكفروا بالرحمن، بل آمنوا به وأقبلوا على طاعته وعبادته عن اقتناع وإذعان، وتشرفوا بالانتساب إليه حتى وصفهم القرآن بأنهم ﴿عِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ وذلك ليقتدي بهم من لا يزال سابحا في بحر التردد والعناد، من بقية العباد، فقال تعالى واصفا لهم ومعرفا بهم: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ وهذا الوصف الأول يتضمن أمرين، الأمر الأول أنهم لا يعتزلون الناس، بل يعاشرونهم ويخالطونهم، إذ ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ﴾ للقيام بواجباتهم وتحمل مسؤولياتهم، والتعاون مع غيرهم على البر والتقوى، والأمر الثاني أنهم إذا مشوا مشوا برفق وتثبت، دون عجلة بالغة، ولم يظهر عليهم أثر التبختر والاستكبار، بل علتهم السكينة والوقار، ولم تبدر منهم بادرة ازدراء للغير أو احتقار، وذلك هو معنى المشي ﴿هَوْنًا﴾ مصداقا لقوله تعالى في آية ثانية: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾، [لقمان: ١٨]، وقوله تعالى في آية ثالثة: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ [الإسراء: ٣٧]، وليس المراد بالمشي هونا، التثاقل والتماوت تصنعا ورياء، فقد كان ﷺ إذا مشى كأنما ينحط من صبب، وكأنما الأرض تطوى له، ومناط المدح في الوصف بـ (المشي هونا) ليس المشي في حد ذاته، وإنما مناط المدح ما يدل عليه (المشي

стр. 1620

هونا) من أخلاق الماشي وسلوكه الحميد، إذ يكون مشيه هونا دليلا على أنه هين لين. روى الإمام أحمد في مسنده عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: " حرم الله على النار كل هين لين سهل قريب من الناس ". والوصف الثاني من أوصاف " عباد الرحمن " يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾، بمعنى أنه إذا تجرأ عليهم السفهاء بالقول السيء أغضوا عنهم، وكظموا غيظهم، وردوا عليهم ردا هادئا يوقف أذاهم عند حده، دون أن يقابلوهم بالمثل، أو يشتبكوا معهم في خصام، تجنبا لتوسيع دائرة الشقاق، وحرصا على السداد والمسالمة والسلام، على حد قوله تعالى في آية أخرى: ﴿وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥]، وهذا الوصف لا ينافي ما شرعه الله من الجهاد، دفاعا عن الإسلام، عند توفر الأسباب، كما لا ينافي الدفاع عن عرض المسلم، متى تعرض لقذف الأوباش والأوشاب. والوصف الثالث من أوصاف " عباد الرحمن " يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ بمعنى أنهم إذا خلوا بأنفسهم في الليل وسكونه، وخصصوا حصة منه لمناجاة الحق ، والتنفل بعدد محدود من الركعات، وقد كان تهجده ﷺ بالليل لا ينقص عن سبع ركعات في الحد الأدنى، ولا يزيد على ثلاث عشرة ركعة في الحد الأعلى، حسبما ورد في

стр. 1621

صحيح مسلم وموطأ الإمام مالك، وفي رسول الله للصالحين من أمته إسوة حسنة، قال ابن عباس: " من صلى ركعتين أو أكثر بعد العشاء فقد بات لله ساجدا وقائما ". والوصف الرابع من أوصاف " عباد الرحمن " يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾، بمعنى أنهم بالرغم مما هم عليه من طاعة وعبادة وحسن خلق لا يسيطر عليهم العجب والغرور بما قدموه من أعمال، بل يدعون الله، وهم بين يديه ساجدون، وفي تهجدهم مستغرقون، أن يقيهم عذاب النار ويجنبهم ما في القيامة من أهوال، وهكذا يتقلب قلب المؤمن الحق دائما بين الخوف والرجاء، وإن بلغ ما بلغ في درجات القرب والاصطفاء، ومعنى لفظ " الغرام " في قوله تعالى هنا: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ الهلاك الملازم، والخسران الدائم. والوصف الخامس من أوصاف " عباد الرحمن " يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾، بمعنى أنهم عند قيامهم بالإنفاق في الطاعات لا يفرطون في الإنفاق، إلى حد أن لا يجدوا ما ينفقون على عيالهم، ومن هم مطالبون بالإنفاق عليهم، كما أنهم لا يقبضون أيديهم عن الإنفاق شحا وبخلا، إلى حد أن يهملوا ما عليهم من الحقوق والواجبات، ولا يتطوعوا بأي شيء من الصدقات، بل يلتزمون الحد الوسط في نفقاتهم المطلوبة شرعا، وهذا معنى قوله تعالى هنا: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ قال ابن عطية: " والحسن في

стр. 1622

ذلك هو القوام أي العدل، والقوام في كل واحد بحسب عياله وحاله، وخفة ظهره، وصبره وجلده على الكسب، أو ضد هذه الخصال، وخير الأمور أوساطها "، على حد قوله تعالى في آية أخرى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾، [الإسراء: ٢٩]، وقوله ﷺ فيما رواه أحمد عن أبي الدرداء: " من فقه الرجل قصده في معيشته " وقوله ﷺ فيما رواه أحمد أيضا عن عبد الله بن مسعود " ما عال من اقتصد ". أما الإنفاق في المعاصي، فهو أمر محظور حظرت الشريعة قليله وكثيره، وعباد الرحمن الذين أثنى عليهم القرآن منزهون عن هذا النوع من الإنفاق، لأنه من مظاهر الانحراف وآيات النفاق. والوصف السادس من أوصاف " عباد الرحمن " يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾، بمعنى أنهم أسلموا وجوههم لله بالمرة، وتبرأوا كل البراءة من اتباع الهوى والتمسك بالأثرة والأنانية، فلم يتخذوا إلههم هواهم، فضلا عما هو فوق ذلك من الشرك والوثنية. والوصف السابع من أوصاف " عباد الرحمن " يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾، بمعنى أنهم لا يتسببون في قتل النفوس التي أمر الله بحفظها، بل يحافظون بكل الوسائل على حياة أصحابها، إلى أن يأذن الله بموتها، إيمانا منهم بأنه هو وحده الذي يحيي ويميت. وواضح أن الأمر باحترام نفوس الغير يقتضي من باب أولى وأحرى الأمر

стр. 1623

باحترام الإنسان لنفسه بنفسه، فلا يسوغ له الانتحار، بدعوى الفشل أو غسل العار، إذ لا عقاب لقاتل نفسه عند ربه إلا النار، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء ٢٩ - ٣٠]، وقوله تعالى هنا: ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ إشارة إلى القتل المشروع في حدود الله، رعاية من الحق، لمصالح الخلق، كالقتل المترتب على الكفر بعد الإيمان، والزنى بعد الإحصان، فعباد الرحمن لا يقفون في وجه إقامة الحدود، حتى لا يحاسبوا على إهمالها في اليوم الموعود. وإذا كان قتل الإنسان لنفسه ونفوس الناس بمعنى القتل المادي أمرا محرما في الشرع والطبع، فإن قتله لنفسه أو نفوس الناس بالمعنى الروحي لا يقل خطورة عن الأول، بل ربما كان عملا أخطر، وجرما أكبر، و " القتل المعنوي للنفوس " هو تركها ترتع في الشهوات والمخالفات دون حساب يسير ولا عسير، وتركها تتخبط في الشبهات والضلالات دون هدى ولا كتاب منير. والوصف الثامن من أوصاف " عباد الرحمن " يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَلَا يَزْنُونَ﴾، بمعنى أنهم لا يتناولون الخبائث ولا يقربون الفواحش، لا ما ظهر منها ولا ما بطن، فهم حريصون على أن تكون حياتهم الاجتماعية والعائلية كلها نظافة وطهرا، وترفعا عن انتهاك الأعراض التي حرمها الله سرا وجهرا، فأعراض المحصنات المؤمنات معهم في أمان، في كل الأزمان. والوصف التاسع من أوصاف " عباد الرحمن " يشير إليه قوله

стр. 1624

تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾، وهذا الوصف يصدق بمعنيين اثنين: - المعنى الأول أنهم لا يشهدون مجالس الخنى والسوء التي يغشاها البطالون المنحرفون ولا يزكونها بحضورهم، والمعنى الثاني أنهم لا يشهدون شهادة الزور، فيحقوا الباطل ويبطلوا الحق بشهادتهم. والمراد " بالزور " كل كذب وباطل زوق وزخرف. وفي الصحيحين عن أبي بكرة قال: " قال رسول الله ﷺ : ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثا قلنا بلى يا رسول الله، قال: الشرك بالله وعقوق الوالدين وكان متكئا فجلس فقال: ألا وقول الزور. ألا وشهادة الزور. فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت أي شفقة عليه " وكان عمر بن الخطاب ﵁ يجلد شاهد الزور أربعين جلدة، ويسخم وجهه، أي يسوده، ويحلق رأسه، ويطوف به في السوق. والوصف العشر من أوصاف " عباد الرحمن " يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ بمعنى أنهم يربأون بأنفسهم عن أن يشغلوها بالسفاسف، مما ليس فيه صلاح دين ولا صلاح دنيا، لا من الأفعال ولا من الأقوال، وهذا معنى مرورهم به مر الكرام، إذ يتكرمون عنه، ويترفعون عن تضييع الوقت فيه، لتفاهته وعدم فائدته. واستعمال " المرور مر الكرام " بقصد الاختصار في القول المفيد، والإيجاز في ذكر الشيء المحتاج إلى التفصيل من مسائل العلم، استعمال في غير محله، واقتباس مقلوب.

стр. 1625

والوصف الحادي عشر من أوصاف " عباد الرحمن " يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ بمعنى أن لهم آذانا صاغية، وقلوبا واعية، متى ذكروا بآيات الله تذكروا، واتعظوا وازدجروا، وأكبوا عليها حرصا على استماعها، وأقبلوا على من يذكرهم بها، فلا إعراض منهم ولا إهمال، في أي حال من الأحوال، وقوله تعالى هنا: ﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ قال ابن عطية: " كأن المستمع للذكر قائم القناة قويم الأمر، فإذا أعرض وضل كان ذلك خرورا، والخرور هو السقوط على غير نظام وترتيب ". وفي شأن من أعرض ونأى بجانبه جاء قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ [البقرة: ٢٠٦]. والوصف الثاني عشر من أوصاف " عباد الرحمن " يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ بمعنى أنهم يأخذون حظهم المشروع من زينة الدنيا ومتاعها الطيب، ولا يحرمون أنفسهم من الحياة الزوجية، والسعي لإنجاب الذرية، ملتمسين من الله أن يهب لهم من الأزواج والأبناء ما تقر به العين وتسر به النفس، وتحصل به الكفاية، فيكون مجلبة للهناء والسعادة، ونيل الحسنى وزيادة. والوصف الثالث عشر من أوصاف " عباد الرحمن " يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾، بمعنى أنهم لا يكتفون بأن يكونوا صالحين في أنفسهم بممارسة هذه الصفات وحدهم، بل يطمحون إلى أن يكونوا مصلحين لغيرهم، وقدوة حسنة لمن

стр. 1626

يأتي من بعدهم، حتى تتضاعف بهم قافلة النور عددا ومددا، وتستمر رسالتها أبدا وسرمدا. ونظرا لضعف الإنسان وتعرضه لإغواء الشيطان، وما يمكن أن يصدر عنه من مخالفة وعصيان، نبه كتاب الله إلى عقاب من فرط في جنب الله، وانتهك حرمات الله، إذا لم يبادر إلى التوبة والعمل الصالح، كما بشر المذنبين التائبين إذا تابوا توبة نصوحا بقبول توبتهم، وإسدال الستر الجميل على سيئاتهم، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا * وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾. وتبديل السيئات بالحسنات يصدق في الدنيا بالتوفيق إلى الطاعة بعد العصيان، وفي الآخرة بالعفو والغفران. وإعلانا لما أكرم الله به " عباد الرحمن " وخصهم به من الرحمة والإحسان في كل زمان، بشرهم بخير بشرى، في الدنيا قبل الأخرى، فقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا * خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾. وفي ختام هذا الربع الذي هو مسك الختام لسورة الفرقان المكية وجه الحق خطابه إلى كافة عباده، من آمن منهم ومن كفر، واضعا لهم جميعا أمام مسؤولياتهم، مذكرا إياهم أنه لولا رحمته بهم، وإحسانه إليهم، لتركهم كريشة في مهب

стр. 1627

الريح ضحية التضليل والتدجيل، ولما كانوا محل العناية الإلهية ودعوة رسله جيلا بعد جيل، فقال تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾.

стр. 1628

الربع الثالث من الحزب السابع والثلاثين في المصحف الكريم (ق) ــ ٢٦ - سورة الشعراء مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (٤) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (٥) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٦) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (٧) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٩) وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (١١) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤)

стр. 1629

قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥) فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٧) قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (١٩) قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (٢٠) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢١) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٢) قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤) قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (٢٥) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦) قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧) قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (٢٨) قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (٣٠) قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (٣٢) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (٣٣) قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (٣٥) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٣٦)

стр. 1630

يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (٣٧) فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٣٨) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (٣٩) لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (٤٠) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (٤١) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٢) قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٤٣) فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (٤٤) فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (٤٥) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (٤٦) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (٤٨) قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (٤٩)

стр. 1631

الربع الثالث من الحزب السابع والثلاثين في المصحف الكريم (ت) عباد الله في حصة هذا اليوم نتناول الربع الثالث من الحزب السابع والثلاثين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى في فاتحة سورة الشعراء المكية: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ إلى قوله تعالى حكاية عن فرعون موسى: ﴿فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ــ هذه السورة تستغرق أربعة أرباع تقريبا، أي حوالي حزب كامل، وأطلق عليها اسم سورة (الشعراء)، أخذا من قوله تعالى في الآيات الأخيرة منها: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾. ومحور الحديث في بداية هذه السورة وفي نهايتها إبطال الشبهات التي يرددها أعداء القرآن، والرد عليهم بأقوى حجة وأسطع برهان، ولا سيما ما يموهون به من وصف الرسول بكونه شاعرا من الشعراء، وما يلوحون به من كون القرآن الذي أنزل عليه إنما هو نوع من

стр. 1632

الشعر الذي هو منه براء، وقد حكى كتاب الله مقالتهم من قبل في سورة الأنبياء: ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾ [الآية: ٥]، وسيحكيها مرة ثانية في سورة الصافات: ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات: ٣٦]، ومرة ثالثة في سورة الطور: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠]. وأبطل كتاب الله زعمهم، وسفه رأيهم، فقال في سورة يس: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [الآية: ٦٩]، وقال في سورة الحاقة: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ [الآية: ٤١]، غير أن " سورة الشعراء " التي نحن بصدد تفسيرها الآن هي التي فصلت القول في إبطال هذه الشبهة تفصيلا، وعرضت الأدلة التي تبطلها دليلا فدليلا. وبين بداية هذه السورة ونهايتها المتعلقين بمعجزة القرآن تخللت آياتها البينات قصة موسى مع فرعون وقومه، ابتداء من الآية التاسعة، وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ﴾، ثم قصة إبراهيم مع قومه، ابتداء من الآية التاسعة والستين، وهي قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ * قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾، ثم قصة نوح مع قومه، ابتداء من الآية الخامسة بعد المائة، وهي قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾، ثم قصة هود مع عاد، ابتداء من الآية الثالثة والعشرين بعد المائة، وهي قوله

стр. 1633

تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾، ثم قصة صالح مع ثمود، ابتداء من الآية الواحدة والأربعين بعد المائة، وهي قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾، ثم قصة لوط مع قومه، ابتداء من الآية الستين بعد المائة، وهي قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾، ثم قصة شعيب مع أصحاب الأيكة، ابتداء من الآية السادسة والسبعين بعد المائة، وهي قوله تعالى: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾. ويلاحظ في ترتيب قصص الأنبياء المذكورة في هذه السورة أن الأسبق منها في الذكر كان هو الأقرب على عهد الرسالة المحمدية، ثم يليه ما فوقه، فقد وقع البدء بقصة موسى قبل قصة إبراهيم، ثم تلتها قصة إبراهيم قبل قصة نوح وهكذا، لأن الأمر يتعلق بتثبيت الرسول في دعوته، وضرب المثل له بما أصاب الرسل السابقين من أجل قيامهم بمثل رسالته، حتى يصمد ويثابر، ويصبر ويصابر، بينما ذكرت هذه القصص كلها أو بعضها في سور أخرى حسب وقوعها أولا بأول، وذلك في سياق الحديث عن بدء الخليفة وبدء الحياة البشرية، وما رافقها وتعاقب عليها في تسلسلها التاريخي من الرسالات الإلهية، من عهد آدم أب البشر أجمعين، إلى عهد خاتم الأنبياء والمرسلين. على أن إيراد قصص الأنبياء في عدة سور لا يعد من قبيل التكرار، إذ لا تعاد القصة في أية سورة بنفس ألفاظها وبكامل عناصرها وجميع حلقاتها،

стр. 1634

وإنما يؤتي منها في كل مقام بالعنصر المناسب للسياق، وبالحلقة التي لها بالموضوع ارتباط وثيق والتصاق، فيزيد ذلك أسلوب القرآن تألقا وجمالا، ويضيف إلى إعجازه تفوقا وكمالا. وقد اختار كتاب الله أن يختم كل قصة من القصص الواردة في هذه السورة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ فأعيدت هذه الآية سبع مرات بعدد القصص السبع، علاوة على ورودها قبل ذلك في صدر السورة، تعقيبا على ما في خلق النبات وتنوع أصنافه، من حكمة إلهية، ومصلحة إنسانية، إذ قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾. وإنما أعيد ذكر هذه الآية عقب كل قصة من قصص الأنبياء السابقين، إشارة إلى أن كل واحدة منها كافية لاستخلاص العبر واستذكار المثلات، بالنسبة لما مضى وما هو آت، فالرسول ﵊ يأخذ منها العبرة التي تناسب منصب الرسالة، بما له من مسؤوليات وتبعات، وما يتطلب القيام به على الوجه الأكمل من المتاعب والتضحيات، كما يستخلص العبرة منها من آمن من قومه ومن كفر، إذ فيما أصاب أقوام الرسل السابقين، من النجاة والخلاص، أو الهلاك والخسران، اللذين تضمنهما كل قصة، عبرة لمن اعتبر، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾، وهي تتضمن فوق ذلك تقرير حقيقة تاريخية ثابتة، ألا وهي أن انتصار الرسل وانتشار الرسالات لا يعني القضاء التام على أولياء الشيطان، الذين تعهد بإغوائهم

стр. 1635

والإيحاء إليهم في كل زمان، فالدنيا دار ازدواج وامتزاج يعيش فوق سطحها البر والفاجر، ويصطدم في ساحتها المومن بالكافر ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، وتنتهي الآية المشار إليها بخطاب كريم، من رب رحيم، يوجهه الحق إلى خاتم أنبيائه ورسله، مذكرا إياه أن الله لأعدائه بالمرصاد، ولأوليائه بالرحمة والإمداد ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ بالنسبة لأعدائه ﴿الرَّحِيمُ﴾ بالنسبة لأوليائه. والآن وقد قدمنا فكرة عامة عما تضمنته سورة الشعراء من موضوعات نركز القول على مجموعة مختارة من آياتها البينات. - فقوله تعالى في فاتحة السورة: ﴿طسم﴾ يقال فيه ما قيل في مغزى بقية الحروف الهجائية المقطعة، التي يأتي بعدها مباشرة ذكر " كتاب الله " تصريحا أو تلويحا، وكأن لسان حالها يقول: هذه الحروف التي تجري على ألسنتكم بكلام عادي باهت هي التي نفخ الله فيها من روحه، فتحولت إلى كلام إلهي معجز لا قبل لكم بمثله، فكيف لا تدركون الفرق بين كلامكم وكلام الله ﴿طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾. - وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ إشفاق من الله على رسوله، وإشارة إلى ما كان يعتري الرسول ﵊ من هم وغم، وحزن وكمد، عندما يدعو قومه فلا يستجيب لدعوته إلا فريق قليل منهم، ويظل الفريق الآخر على كفره وعناده، مع أن الرسول ﵊ مثابر على دعوتهم وإرشادهم، حريص على هدايتهم وإسعادهم، وهذا

стр. 1636

الخطاب الذي خاطبه به ربه هنا يماثله في معناه قوله تعالى في سورة الكهف: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: ٦]. ويوضح مغزاه قوله تعالى في سورة فاطر: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ الآية٨ وقوله تعالى في سورة لقمان: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الآية: ٢٣]. - وقوله تعالى: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ تذكير من الله لرسوله بأنه لو شاء إلجاء الكافرين إلى الإيمان، لما وجد كافر على وجه الأرض منذ قديم الزمان، فضلا عن بقائه إلى الآن وحتى الآن، لكن الحكمة الإلهية اقتضت أن يكون البشر أحرارا في اختياراتهم، مسؤولين وحدهم عن كفرهم وإيمانهم، فلا مجال لإخضاعهم بالقهر والاضطرار، وإنما هي الدعوة والإقناع ثم الاقتناع عن طواعية واختيار، مصدقا لقوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، وقوله تعالى في آية ثانية: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩]. - وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ * فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، إشارة إلى أن خصوم الرسالات الإلهية يتوارثون الكفر بالله وكتبه جيلا بعد جيل، ولا ينفكون عما طبعوا عليه من الجحود والعناد والتضليل، وكلما من الله على خلقه بإنزال كتاب

стр. 1637

إلهي جديد، لهدايتهم إلى دين الحق والتوحيد، أعرضوا عن هدايته، وتصدوا لمحاربته، وإن كان تنزيل آياته يتجدد على فترات، وتعلمه والعمل به في متناول جميع الفئات، فهم على باطلهم مصرون في كل حين، إلى يوم الدين. - وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾، إشارة إلى ظاهرة كونية يواجهها كل إنسان، وبدونها لا يستطيع العيش لا هو ولا غيره من الحيوان، وهذه الظاهرة هي ظاهرة النبات، الذي هو بالنسبة للإنسان والحيوان أساس الغذاء والاقتيات، فكم من حكمة باهرة فيما مهد به للنبات، من أرض صالحة ومطر يحيي الموات، ثم كم لله من حكمة باهرة فيما تنبته الأرض من حبوب وثمار وازهار وأشجار، متنوعة الأوراق والأغصان، وفواكه وخضر مختلفة الطعوم والأحجام والأشكال والألوان. ومما يزيد معنى هذه الآية توضيحا وتفسيرا قوله تعالى في سورة الرعد: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الآية: ٤]، وقوله تعالى في سورة فاطر: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا﴾ [الآية: ٢٧]. - وقوله تعالى في هذا الربع ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ يمكن حمله على أمر ظاهر للناس جميعا، وهو أن النوع الواحد

стр. 1638

من أنواع النبات توجد منه أصناف متعددة، لكل صنف مزيته الخاصة، مثل أصناف العنب وأصناف التمر وأصناف البرتقال، وغيرها مما لا يحصى عدا، ووصف النبات " بالكرم " في هذه الآية جار على ما هو متعارف في لسان العرب، يقال نخلة " كريمة " أي كثيرة التمر، ويمكن أن يكون قوله تعالى هنا: ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ شاهدا من الذكر الحكيم على معنى جديد لم يهد إليه العلم الحديث إلا أخيرا، وهذا المعنى هو مبدأ ثنائية الكائنات وازدواجها على اختلاف أنواعها، وهو المبدأ الذي ينص على أن كل شيء من الكائنات، من أوائل أو مركبات، ثنائي مزدوج، يجتمع فيه السالب والموجب، وهذا المبدأ العلمي العام يشهد له قوله تعالى على وجه العموم: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات: ٤٩]، وقوله تعالى في آية ثانية: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يس: ٣٦]. وانطلق كتاب الله يقص في هذا الربع قصة موسى مع فرعون وقومه، فنبه إلى ما كان عليه فرعون وقومه من الظلم والطغيان ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾، ووصف بعض المواقف التي تبرز ظلمه وطغيانه عندما أعلن إليه موسى انه " رسول رب العالمين " فخاطبه فرعون قائلا: ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾،وخاطب السحرة الذين آمنوا بموسى قائلا: ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ

стр. 1639

لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾، وقطع الأيدي والأرجل من خلاف تهديد بقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى، وخاطب الملأ حوله منددا بموسى، ومستهزئا برسالته، ومحرضا على مقاومته، ومتهما له بأشنع التهم، قائلا: ﴿قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾ - ﴿قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ - ﴿قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾. وحكى كتاب الله القسم الذي كان قوم فرعون يقسمون به في المواقف الحاسمة، واستعمله السحرة عند مواجهتهم لموسى: ﴿وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾ جريا على أن فرعون هو ربهم الأعلى، وهذا النوع من الكبر والاستعلاء والتشويه والتسفيه الذي واجه به فرعون وملاؤه دعوة موسى ﵇ لا يختلف عنه موقف قادة الشرك من دعوة خاتم الأنبياء والمرسلين، فقد تعرضت دعوته ﷺ لنفس التشنيع والتهديد، وتعرض كثير من أصحابه الأولين لنفس الوعيد والعذاب الشديد. وتضمنت قصة موسى إشارة إلى القاسم المشترك الذي تلتقي فيه جميع الرسالات الإلهية، وأنها رسالة تحرير للإنسان أيا كان من الرق والاستبداد، وإنقاذ له من معتقدات الشرك والوثنية التي هي الحليف الطبيعي للتخلف والاستعباد، فمن المعنى الأول: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ - ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ومن المعنى الثاني: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ * قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ - ﴿قَالَ رَبُّ

стр. 1640

الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾. كما تضمنت إشارة إلى أن الحكمة الإلهية اقتضت أن تسلح كل رسول بالمعجزة التي تثبت صدقه وصدق رسالته، حتى يستطيع أن يتحدى المعاندين الجاحدين بمعجزته، ويقنع الشاكين الباحثين عن الحق والحقيقة بدعوته: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ * قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾ - ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وبذلك كانت قصة موسى التي قصها كتاب الله على خاتم أنبيائه ورسله عبارة عن شريط يرى فيه نموذجا مما بتعرض له الرسل وتتعرض له الرسالات، من مختلف الإذايات، كما يرى فيه ما يكرم الله به رسله من حسن العاقبة وخفي الألطاف، في نهاية المطاف ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨].

стр. 1641

الربع الأخير من الحزب السابع والثلاثين في المصحف الكريم (ق) ــ قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (٥٠) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (٥١) وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٥٢) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٥٣) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (٥٥) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (٥٦) فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩) فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (٦٠) فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢) فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ

стр. 1642

مُؤْمِنِينَ (٦٧) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦٨) وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (٦٩) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (٧٠) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (٧١) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٧٤) قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢) رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (٨٣) وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (٨٥) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (٨٦) وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩) وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٩٠) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (٩١) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣) فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ

стр. 1643

أَجْمَعُونَ (٩٥) قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (٩٩) فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١) فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٢) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٠٤) كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٠٦) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١١٠)

стр. 1644

الربع الأخير من الحزب السابع والثلاثين في المصحف الكريم (ت) عباد الله في حصة هذا اليوم نتناول الربع الأخير من الحزب السابع والثلاثين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى في سورة الشعراء المكية: ﴿قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾ إلى قوله تعالى في نفس السورة: ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾. ــ واصل كتاب الله في القسم الأول من هذا الربع ذكر حلقات أخرى من قصة موسى مع فرعون وقومه، وتناول في القسم الذي يليه قصة إبراهيم، وجزءا من قصة نوح ﵉، ويواجهنا في بدايته جواب السحرة الذين بهرتهم معجزة موسى فسجدوا لله وآمنوا برب العالمين، دون أن يحسبوا حسابا لفرعون وملائه، والجمع الحاشد الذي كان من حوله، معلنين في جوابهم أنهم لا يهابون الموت والاستشهاد في سبيل الله، بل يتحملون أذى فرعون وعذابه الموقوت، طمعا في رضوان الحي الذي لا يموت، إذ لا ينقطع رضوانه ولا يفوت ﴿قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ * إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وهكذا

стр. 1645

انتقل السحرة من حال إلى حال، وكان لهول المفاجأة في نفس فرعون وملائه وقع الصاعقة أو الزلزال، فبعد أن كانوا " سحرة كفرة " يقسمون " بعزة فرعون "، انقلبوا إلى " مؤمنين بررة " يرجون من الله العفو، فسبقوا إلى الإيمان، من حضر موقف التحدي والرهان، وإذا كان جوابهم قد جاء في هذه السورة موجزا مجملا، فقد سبق في سورة طه مطولا ومفصلا، ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الآيتان: ٧٢، ٧٣]. ثم بين كتاب الله موقف فرعون وملائه من رسالة موسى وما اتخذه من الوسائل الزجرية، والتعبئة النفسية والعسكرية، لمقاومتها والحيلولة دون تحقيق أهدافها، وإلى ذلك يشير قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ* إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾ كما بين كتاب الله بنفس الإيجاز والإعجاز ما قام به موسى ﵇، من التدابير الجريئة والخطط المحكمة، التي بلغت الغاية في التنظيم والإحكام، لكونها مسددة الخطى، مؤيدة من الله بالوحي والإلهام، إذ قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ - ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾ وسجل كتاب الله مشاهد المعركة الدائرة بين الحق والباطل بقيادة موسى ﵇ من جهة، وقيادة فرعون من جهة أخرى، فقال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ

стр. 1646

رَبِّي سَيَهْدِينِ فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ * وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾، وأنهى كتاب الله قصة موسى في هذا الربع، ببيان العاقبة التي آل إليها أمر فرعون ومن معه، وموسى ومن معه، فقال تعالى مشهرا بعاقبة الفريق الأول، ومنذرا بنفس العاقبة لكل من سار على نهجه ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ وقال تعالى منوها بعاقبة الفريق الثاني، ومبشرا كل من اهتدى بهديه: ﴿وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ﴾. ولا شك أن ما تضمنته قصة موسى، من المواقف والمشاهد والمثلات والعبر، كان يشابه أو يقارب إلى حد كبير ما يواجهه خاتم الأنبياء والمرسلين في الحال، وما سيواجهه في المستقبل المنتظر، فقد عبأ مشركو قريش جميع قواهم المادية والأدبية للطعن في رسالته، وحاولوا بكل الوسائل محاصرة دعوته، وكما فارق موسى وقومه معه مصر، لينجوا من طغيان فرعون وقومه، هاجر خاتم الأنبياء والمرسلين مع أصحابه من مكة، لينجوا من طغيان الشرك وأهله، وكما كان النصر على فرعون حليف موسى في عاقبة أمره، سيكون النصر حليف الرسول وصحبه في نهاية عمره ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾. ومن التذكير بقصة موسى انتقل كتاب الله إلى التذكير بقصة إبراهيم ﵇، فقال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ * قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ *

стр. 1647

قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ * قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾. وهذا الحوار الصريح الذي دار بين إبراهيم وأبيه وقومه أبرز ما كان سائدا بينهم من السذاجة والجهل والتقليد الأعمى، الأمر الذي جعل إبراهيم ﵇ يعلن براءته من الأصنام التي يعبدونها، وعداوته لها، دون تحفظ ولا تردد ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾. وكان هذا الرد المفحم من إبراهيم الخليل على قومه الضالين، صدمة بالغة لهم، ومحاولة جادة لنقلهم من عبادة الأصنام إلى عبادة الله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لا يستحق العبادة سواه، فهو الذي يعبده إبراهيم ويطيعه ويتولاه، ﴿إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾. وبهذه الأوصاف التي وصف بها إبراهيم ربه عرفهم بخصائص الألوهية ومظاهر الربوبية، كما عرفهم ببداية الحياة ونشأة الأحياء، وما يؤول إليه مصير الإنسان في دار البقاء. ومن لطائف التفسير ما يلاحظ في قوله تعالى هنا حكاية عن إبراهيم الخليل: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ فقد أسند في هذه الجملة المرض إلى نفسه، وإن كان عن قضاء الله وقدره، أدبا مع الله، وتربية للعارفين بالله، أضف إلى ذلك ان كثيرا من أسباب المرض تحدث بتفريط من نفس الإنسان، لكن لا يتم شفاؤها إلا بإذن الرحيم الرحمن.

стр. 1648

وإذا كان الحوار الإبراهيمي مفيدا ومنتجا بالنسبة للماضي في مهاجمة الشرك والوثنية، والتعريف بخصائص ومظاهر الربوبية، فإن التذكير به في كتاب الله على عهد الرسالة المحمدية، أعظم فائدة، وأعم عائدة، لا سيما ومشركو قريش يعتبرون أنفسهم " عربا إسماعيلية " فهم بالنسبة لإبراهيم الخليل أقرب الأقرباء، ودعوة إبراهيم للتوحيد ضد الشرك الذي هم عليه سند قوي يؤكد دعوة خاتم الأنبياء، ولذلك جاء التعقيب عليها بما ينتظر مشركي قريش وغيرهم من المشركين، من عذاب يوم الدين، فقال تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ * وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ * فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ * وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ * قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ * فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ * فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، ثم ختمت قصة إبراهيم بما يشير إلى الحكمة من إيرادها، والفائدة من تذكير الرسول وقومه بها، فقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾. أما قصة نوح ﵇ التي استغرقت من هذا الربع في نهايته ست آيات لا غير، فلنؤجل تفسير ما ورد منها في هذه السورة إلى الربع المقبل بحول الله، حتى نلقي عليها نظرة شاملة. ولنلتفت الآن إلى شرح بعض المفردات الواردة في هذا

стр. 1649

الربع، فقوله تعالى في قصة موسى: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾ من الشروق، والمراد به شروق الشمس وطلوعها، وهو بيان لوقت وصول فرعون وجنوده والتقائهم بموسى ومن معه. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ معناه أن " أصحاب موسى " كانوا يتوقعون أن يدركهم فرعون بجنوده. وقوله تعالى: ﴿فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾، المراد بالفرق في الأصل هو الفج الواقع بين جبلين، والطود هو الجبل الكبير، وقوله تعالى: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾ أي قربنا الآخرين من البحر، والمراد " بالآخرين " فرعون وجنوده. وقوله تعالى في قصة إبراهيم حكاية عن قومه: ﴿فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾ أي نظل مقيمين على عبادة الأصنام ودعائها. وقوله تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي قربت الجنة وأدينت من أهلها. وقوله تعالى: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾ أي كشف عنها وعن أهوالها للغاوين المسوقين إليها. وقوله تعالى: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا﴾ أي كبوا فيها وألقي بعضهم على بعض. وقوله تعالى حكاية عن نفس الغاوين الضالين: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ معناه أنهم يتمنون العودة إلى الدنيا، زاعمين انهم إذا عادوا إليها أطاعوا وأصلحوا، بدلا مما كانوا عليه من المعصية والفساد، لكن المتوقع خلاف ما زعموا ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨]. ومما ينبغي التنبيه إليه في هذا المقام ما حكاه كتاب الله على لسان إبراهيم الخليل، من أدعية صالحة كلها ابتهال إلى الله وتعظيم وتبجيل:

стр. 1650

الدعاء الأول: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾. والدعاء الثاني: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾. والدعاء الثالث: ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾. والدعاء الرابع: ﴿واغفر لأبي إنه كان من الضالين﴾. والدعاء الخامس: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. فالدعاء الأول يتضمن التماس المزيد من الرشد والحكمة والالتحاق بزمرة الصالحين المصلحين. والدعاء الثاني يتضمن التماس الذكر الجميل المستمر على وجه الدهر في كل جيل، والمراد " بلسان الصدق " الثناء الحسن الذي لا تزيد فيه ولا مبالغة. والدعاء الثالث يتضمن التماس الفوز في الجنة بالنعيم المقيم، حيث لا لغو ولا تأثيم. والدعاء الرابع يتضمن التماس الغفران لأبيه، إن تاب إلى الله وأناب إليه. والدعاء الخامس يتضمن التماس العز والكرامة، وعدم التعرض للهوان والذل يوم القيامة، فهذه الأدعية الصالحة التي دعا بها إبراهيم أب الأنبياء، هي خير ما يتوجه به إلى الله الصالحون الأتقياء، وهي دليل على مزيد تعلقه بالله، ومبلغ خشيته من الله ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨].
следующие страницы →