Полный текст (2 848 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.
стр. 1891
فراحة الاستغراق في النوم خصص لها الحق فترة الليل، المناسبة للهدوء والسكون، والسعي المتواصل للعمل وكسب الرزق خصص له الحق فترة النهار، المناسبة للحركة والنشاط، على أن القليل من الاسترخاء والنوم الخفيف خلال بعض فترات النهار كالقيلولة، مما يساعد على تهدئة الأعصاب، وتجديد النشاط، ومضاعفة الإنتاج، حسبما دلت عليه الأبحاث الحديثة، وبذلك نفهم السر في قوله تعالى: ﴿مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾، قال جار الله الزمخشري (ويجوز أن يراد منامكم في الزمانين وابتغاؤكم فيهما)، إذ من الناس من ينام في الليل ومنهم من ينام في النهار، ومن الناس من يسعى لكسب رزقه في النهار: ومنهم من يسعى لكسب رزقه في الليل، حسب ظروف كل واحد ونوع عمله، وهذا هو ما عليه الحال في عصرنا الحاضر، ومقتضى هذه الآية وما شابهها أن الإنسان مطالب من ربه بالكد والعمل على مر الأيام، معترف له في نفس الوقت بحق الراحة والاستجمام.
واستعرض كتاب الله آية أخرى من آيات الله في الآفاق، وهي آية الغيث والمطر، الذي ينزله من سمت السماء على الأرض، عذبا زلالا، فيحيي به الإنسان والحيوان والنبات، ويختزنه بقدرته وحكمته في خزائن أرضه لصالح الأحياء كافة، فيجريه عيونا وينابيع وأنهارا تسد حاجاتهم باستمرار ودون انقطاع، وذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
стр. 1892
وحيث إن البرق والرعد وتحريك الرياح وتسخير السحاب من الظواهر التي تسبق أو ترافق نزول المطر، طبقا لسنة الله المنظمة للكون، نجد كتاب الله في غير ما آية يلفت إليها الأنظار، لما تحتوي عليه من حكم وأسرار، جديرة بالدرس والتحليل والتأمل والاعتبار.
وقوله تعالى هنا: ﴿خَوْفًا وَطَمَعًا﴾، إشارة إلى ما يتقلب فيه الإنسان بطبعه من الخوف والرجاء، فالإنسان عندما يشاهد وميض البرق، أو يسمع هدير الرعد، يخشى أن يكون البرق برقا خلبا لا مطر فيه، أو يكون نذيرا بالصواعق المزمجرة، والزلازل المدمرة، أو يكون مصحوبا بأمطار طوفانية تهلك الحرث والنسل، كما أنه يأمل ويرجو أن يكون البرق مصحوبا بالغيث النافع، فيغاث به الإنسان والحيوان، وتحيى به الأرض بعد موتها، فتنبت من كل زوج بهيج، وسبق بهذا المعنى في سورة الرعد قوله تعالى مع مزيد من البيان: (١٢: ١٣): ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ * وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾.
أما محاولة (استمطار) السحاب بطريقة صناعية فهي محاولة قاصرة، إذ لا بد من توافر الرياح الصاعدة التي تلقح السحاب ببخار الماء حتى يجود بالمطر، والله تعالى وحده القادر على أن يرسل الرياح نشرا بين يدي رحمته، لأن إرسال الرياح وتصريفها يحتاج إلى طاقة عظمى وتدبير كبير هما
стр. 1893
فوق طاقة الإنسان وقدرته المحدودة.
ثم جاء كتاب الله ب آية أخرى تبهر الأبصار والبصائر، وتثير في الإنسان أعجب الخواطر وأعمق المشاعر، ألا وهي آية قيام الكرة الأرضية في الفضاء، في موقعها المحدد لها بأمر الله، واستمرار أجرام السماء سابحة في الفضاء، في نفس الأماكن والمدارات المقدرة لها من عند الله، دون أن تزيغ عن مسارها، أو يصطدم بعضها ببعض في فضاء الكون الفسيح، دون أن تعتمد على أعمدة أو دعائم، مما اعتاده الإنسان في كل بناء قائم، وذلك ما يفصح عنه كتاب الله هنا في إيجاز وإعجاز، إذ يقول: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾. . ويزيد هذا المعنى توضيحا وتفصيلا قوله تعالى فيما سبق من سورة الرعد (٢): ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾، وقوله تعالى فيما سبق من سورة الحج (٦٥): ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾، وقوله تعالى فيما سيأتي من سورة فاطر (٤١): ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾.
وهذه الظاهرة الكونية هي التي اصطلح العلم الحديث فيما وصل إليه حتى الآن من بحث واستطلاع، على تسميتها "بقوة الجاذبية" وهذه الجاذبية قائمة بين الأرض وما عليها، وبين الأرض وما عداها من الكواكب، وبين كل كوكب وآخر.
ومن وصف آيات الله في الأنفس والآفاق اتجه كتاب الله
стр. 1894
إلى تذكير الغافلين والجاحدين بحقيقة البعث التي لا مجال للشك فيها، وحقيقة السطوة الإلهية المبسوطة على خلقه، الأحياء منهم والأموات، ولو كان بعض المتكبرين منهم لها كارهين، وذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ * وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ أي خاضعون لأمره المطاع: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
وإنما قال: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ تقريبا للفهم، وجريا على المعتاد بين الناس، من أن إنشاء الشيء لأول مرة يكون أصعب من إعادته، وإعادته تكون أسهل من إنشائه، وإلا فالحق قادر على كل شيء بدءاً وإعادة: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٨٢: ٣٦)، وهذا التنزيه عن التشبيه هو المراد بقوله تعالى في نفس السياق: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾، أي هو فوق تصورات الخلق وتخيلاتهم، وله الوصف الأعلى الذي ليس لغيره مثله إذ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾.
ثم تصدى كتاب الله للاعتراض على المشركين البسطاء، الذين يشركون بالله والأوثان والأصنام، إذ يقولون: (لبيك لا شريك لك) إلا شريكا هولك، تملكه وما ملك)، مبينا تناقضهم وتهافتهم في منطقهم الساذج البسيط، عندما لا يقبلون أن يكون مماليكهم شركاء لهم في شيء، نظرا للفرق الشاسع الذي يعتقدونه قائما بين الفئتين، بينما هم يعتبرون أصنامهم مملوكين لله
стр. 1895
وشركاء له في وقت واحد، الأمر الذي لا يرضونه لأنفسهم بالنسبة لمماليكهم، وذلك قوله تعالى خطابا للمشركين ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾. وواضح أن كتاب الله يجعل الرزق مشتركا ومشاعا بين جميع الفئات، ولا يرضى بأن تحتكره طبقة من الطبقات، وإلى ذلك يشير قوله تعالى هنا: ﴿فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾.
وبعد أن استوفى كتاب الله في هذا الربع وصف عدد من آيات الله في الأنفس والآفاق عقب على ذلك كله قائلا: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ فجعل ملكة العقل هي مفتاح الإقناع والاقتناع، متى استعملها الإنسان استعمالا موضوعيا ومنهجيا سليما، وكان باحثا عن الحق الصراح والحقيقة المجردة دون هوى سابق، ولا تعصب لاحق، وتأكيدا لهذا المعنى قال تعالى في ختام هذا الربع: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾.
стр. 1896
الربع الثالث من الحزب الواحد والأربعين
في المصحف الكريم (ق)
ــ
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢) وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٤) أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (٣٥) وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ (٣٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ
стр. 1897
وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَ آيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣٧) فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٣٨) وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٠) ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (٤٢) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (٤٣) مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (٤٤) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٤٥) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٤٦)
стр. 1898
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧) اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٨) وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (٤٩) فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٥٠) وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ (٥١) فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٥٢) وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِ آيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٥٣)
стр. 1899
الربع الثالث من الحزب الواحد والأربعين
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
في حصة هذا اليوم نتناول تفسير الربع الثالث من الحزب الواحد والأربعين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾، إلى قوله تعالى: ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
ــ
في بداية هذا الربع وجه كتاب الله الخطاب إلى خاتم الأنبياء والمرسلين، وعن طريقه إلى كافة المؤمنين، يثبت فؤادهم على الدين الحنيف، ويدعوهم إلى التفاني في التمسك به والثبات عليه، دون التفات لما سواه، ويذكرهم بأن الإسلام هو (دين الفطرة) القيم، الذي لا تناقض في عقيدته، ولا اعوجاج في شريعته، فهو الملائم للفطرة المنسجم معها منذ البداية، وهو الموافق للنظر الصحيح، والمطابق للعقل السليم في النهاية، وكيف لا وهو الدين الوحيد الذي يعلن وحدة النوع الإنساني على اختلاف ألسنته وألوانه وأقوامه، ويعلن وحدة الكون على اختلاف أجزائه وتنوع أجرامه، ويعلن وحدة المكون المدبر للكون
стр. 1900
والمهيمن على قيامه ووحدة نظامه، وذلك قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾، قال جار الله الزمخشري موضحا لمعنى ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾: (من اهتم بالشيء عقد عليه طرفه، وسدد إليه نظره، وقوم له وجهه مقبلا عليه) وقال أبو حيان في توضيح معنى (الفطرة): (رجح الحذاق أن الفطرة هي القابلية التي في الطفل للنظر في مصنوعات الله، والاستدلال بها على وجوده، فيؤمن به ويتبع شرائعه، لكن قد تعرض له عوارض تصرفه عن ذلك، كتهويد أبويه له وتنصيرهما، وإغواء شياطين الإنس والجن)، ونقل القرطبي عن شيخه أبي العباس قوله في تحليل معنى الفطرة: (إن الله تعالى خلق قلوب بني آدم مؤهلة لقبول الحق، كما خلق أعينهم وأسماعهم قابلة للمرئيات والمسموعات، فما دامت باقية على ذلك القبول وعلى تلك الأهلية أدركت الحق، ودين الإسلام هو الدين الحق).
وقوله تعالى هنا: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ إما أن يكون خبرا بمعنى الطلب، وإما أن يكون خبرا على بابه، فعلى الوجه الأول يكون معناه النهي عن إفساد الفطرة وتغييرها بالتربية الفاسدة، والقدوة السيئة، والاعتقاد الباطل، والإبقاء على الفطرة كما خلقها الله، مع توجيهها في نفس الاتجاه، وعلى الوجه الثاني يكون معناه الإخبار بأنه لا تبديل للقابلية التي توجد في الطفل من قبل الخالق، فقد ساوى بين الناس في الفطرة السليمة وجعلهم فيها سواسية.
стр. 1901
ثم أمر الحق عباده المؤمنين بالإنابة إليه وتقواه، وإقامة الصلاة والاعتصام بحبل الله، وحذرهم مما كان عليه غيرهم من الفرقة والاختلاف، حتى يظلوا في أخوة وائتلاف، وذلك قوله تعالى: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾.
وانتقل كتاب الله إلى وصف بعض الحالات النفسية التي يكون عليها ضعفاء النفوس وضعفاء الإيمان، عندما تنزل بهم نائبة من النوائب فيضطرهم الخوف والجزع، إلى أن يتوجهوا إلى الله بالدعاء، حتى إذا تخلصوا من أزماتهم أشركوا بالله غيره، ومن الشرك أن يتخذ الواحد منهم إلهه هواه، وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾، و (الضر) هنا الشدة، و (الرحمة) الخلاص منها ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾، أي ليمعنوا في تجاهل نعمتنا والكفر بإحساننا، ﴿فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾: هذا إشعار لهم بأن العذاب ينتظرهم، ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا﴾، أي: كتابا فيه حجة لهم وبرهان، ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾.
وكذلك الأمر إذا نالوا حسنة انبسطت لها أسارير وجوههم غبطة وسرورا، وإذا نزلت بهم سيئة أصابهم اليأس والقنوط، واعتبروا ما نزل بساحتهم لعنة وثبورا، وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا
стр. 1902
قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾.
ثم عقب كتاب الله على ذلك بما يفيد أن سعة الرزق لا تتعلق بإرادة الإنسان وحده، بل تتدخل فيها عدة عوامل، ومردها في النهاية كما في البداية إلى الله، ولذلك وجد بين الناس موسر ومعسر، ووجد في البلدان بلد يزخر بالثروات الطبيعية، وبلد يكاد يكون قاعا صفصفا، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
لكن كتاب الله بادر في الحين بالتوجه إلى كل من وسع الله رزقه، فعرفه بأن عليه في ماله حقوقا للغير، وطالبه بأداء تلك الحقوق لأصحابها كفاية لحاجتهم، وذكر على سبيل المثال ذوي القربى، والمساكين، وعابري السبيل، ممن تنقطع بهم الأسباب وهم في سفر، ولا يجدون ما ينفقون، وذلك قوله تعالى في نفس السياق: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ وقدم (ذا القربى)، لأن بره فيه صدقة وصلة للرحم.
وقوله تعالى هنا: ﴿لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾، إشارة إلى أن الاعتبار بالنية والقصد، لا بمجرد الفعل وحده، ومعنى ﴿وَجْهَ اللَّهِ﴾ أن يكون العطاء خالصا لله، وسعيا في رضاه، نظير قوله تعالى في آية أخرى (٢٠: ٩٢): ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾.
стр. 1903
ثم انتقل كتاب الله إلى الموازنة بين الربا والزكاة، وما يحل بساحة المرابين من نقص مادي ونفسي، وما يناله المزكون من نماء مادي وروحي، فقال تعالى مخاطبا للفريق الأول: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ وقال تعالى مخاطبا للفريق الثاني: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾.
وهكذا أنذر الله المرابين الذين يمارسون الربا لتنمو أموالهم على حساب الآخرين، بأن أموالهم لا بد أن تؤول إلى نقصان، وإن كانت في الظاهر تنمو وتزداد باستمرار، والأعمال والأمور بخواتيمها، أما النقصان النفسي الذي يصيبهم فقد تضمنه قول الله تعالى فيما سبق من سورة البقرة (٢٧٥): ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾، وعلى العكس من ذلك بشر الله الذين لا يستغلون الخلق، بل يتبادلون النفع معهم، ويزكون أموالهم ابتغاء مرضاته، بنماء أرزاقهم، ومضاعفة ثوابهم، وهذا معنى قوله تعالى هنا: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾، على غرار قوله تعالى في آية أخرى (٢٤٥: ٢): ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾، وفي آية ثالثة: (٢٧٦: ٢): ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾، أي ينميها ويضاعفها.
ولتذكير الأشحاء والبخلاء من الأغنياء، المقصرين في أداء حقوق المعوزين والفقراء، بأنهم مدينون لله سبحانه بنعمة الإيجاد
стр. 1904
ونعمة الإمداد، قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾، فالخلق كله من صنع الله، والرزق كله من عند الله، والحياة والموت بيد الله، وما على الإنسان إذا كان عاقلا إلا أن يتذكر هذه الحقائق البديهية، ويستخلص نتائجها الحتمية، ثم قال تعالى ردا على المشركين: ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
وتصدى كتاب الله بعد ذلك للكشف عن حقيقة اجتماعية وأخلاقية بعيدة الأثر، ألا وهي أن الإنسان وحده هو العنصر الأساسي في كل فساد يقع في الأرض، وكل انحراف يصيب المجتمع، وأنه هو المسؤول مباشرة عن نتائج فساده وإفساده ماديا وروحيا، فما عليه إلا أن يتحمل نتائج عمله انحلالا واختلالا، خرابا وزوالا، ولو وقف الإنسان في سلوكه عند حد الصلاح والإصلاح، اللذين من أجلهما توجه الله بالخلافة عنه في عمارة الأرض، لما وقع في الأرض فساد، ولسعدت البلاد والعباد، وذلك ما ينطق به قوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾.
ومن مظاهر الفساد في الأرض الإباحية التي تتحدى كل القيم والأخلاق، واحتكار الثروات والأرزاق، والتنكر لدين الحق، وتجاهل الخالق واحتقار الخلق، ومن آثار الفساد زوال الطمأنينة، وانتشار الخوف، وفقدان الثقة بين الأفراد والدول، والتلوث
стр. 1905
الساري في مختلف الأجواء والأرجاء، والنقص من الأموال، والأنفس والثمرات. وإلى ما يتعرض له الإنسان من الابتلاء والامتحان، يشير قوله تعالى هنا: ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾.
وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، إشارة إلى أن الله تعالى لا يريد الانتقام من عباده، عندما يسلط عليهم آثار أعمالهم، وإنما هي بمنزلة السوط يؤدبهم به، عسى أن يغيروا ما بأنفسهم، ويعودوا إلى صراط الله الحميد، فيبسط لهم من جديد بساط نعمته، ويخلع عليهم رداء رحمته، وبنفس هذا المعنى جاء قوله تعالى في آية أخرى (١٦٨: ٧): ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.
وقوله تعالى هنا: ﴿كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾ دليل على أن الذين عاقبهم الله على الفساد والإفساد لم يكونوا كلهم مشركين، بل بعضهم مشرك، وبعضهم ليس بمشرك، ولكنه من عصاة المؤمنين المصرين على المعصية، وإذن فما دون الشرك من المعاصي يؤدي إلى نفس النتيجة، ويكون سببا فيما ينزل بالخلق من الشدائد والأزمات، والنوائب والملمات.
ووجه كتاب الله الخطاب إلى كل إنسان عاقل يريد تحقيق إنسانيته، مع السلامة في الدنيا من الآفات، والنجاة في الآخرة من الأهوال والشدائد، داعيا إلى الإقبال على دين الله الذي هو الدين القيم، والتعلق به، وعدم الالتفات إلى غيره، فقال تعالى:
стр. 1906
﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾، أي: يتفرقون: فريق في الجنة وفريق في السعير، ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾، من (المهد والمهاد) بمعنى الفراش، أي: يوطئون لأنفسهم في القبر مضجعا مريحا، وفي الجنة مقرا فسيحا، ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾.
ثم لفت كتاب الله أنظار البشر جميعا إلى ما من عليهم به من تحريك الرياح وتصريفها، طبقا لنواميس كونية محكمة، تسهل عليهم الوصول إلى تحصيل منافعهم، وتحقيق مصالحهم في البر والبحر، فقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾، أي: مبشرات بالمطر، لأنها تسبقه وتتقدمه، ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾، وهي رحمة الغيث والخصب، ﴿وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ﴾، أي: عند هبوب الرياح وغيرها من الوسائل الملائمة للملاحة في البحر ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾، والمراد (بالفضل) هنا الحصول على الرزق من طريق الكسب والتجارة ونحوها، ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، أي تتوجهون بالشكر لله على نعمه الظاهرة والباطنة.
وانتقل كتاب الله إلى مخاطبة خاتم أنبيائه ورسله، مذكرا إياه بالمآل الذي يصير إليه المجرمون المكذبون برسالات الله، ومعرفا له بمصير رسله والمؤمنين، وأنه نصر مؤزر من عند الله، وفتح مبين، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى
стр. 1907
قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
وعاد كتاب الله مرة أخرى إلى الكشف عن أسرار الرياح التي ينفرد بتحريكها وإرسالها من له الخلق والأمر، والدور الذي تقوم به في إثارة السحب وإنزال الأمطار، وإغاثة للعباد ورفقا بهم، وذلك قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾، والإشارة هنا إلى السحاب عندما يكون متصلا يملأ أرجاء الأفق: ﴿وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾، أي: قطعا، والإشارة هنا إلى السحاب عندما يكون متقطعا، ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ﴾، أي: المطر، ﴿يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾، أي: من خلال السحاب، ﴿فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾، فرحا منهم بنزول الغيث، لحاجتهم إليه، وتوقفهم عليه، ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾، أي: كانوا قبل نزول المطر في ذهول وحيرة، قانطين من نزوله، لطول عهدهم بالجدب، مكتئبين خوفا من القحط والمجاعة التي تهدد حياتهم، ولهذا كان استبشارهم على قدر إبلاسهم واغتمامهم.
وكون الرياح هي التي تثير السحاب وتلقحه ببخار الماء لكي يمطر، حقيقة علمية كبرى كشف الستار عنها عالم الغيب الذي يعلم السر في السماوات والأرض، منذ أنزل كتابه العزيز قبل أربعة عشر قرنا، عندما قال هنا: ﴿يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾، وقال في آية أخرى سبقت في سورة الحجر: (٢٢):
стр. 1908
﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾، ولم يهتد العلم الحديث لإدراك هذه الحقيقة، ودراسة دورات الرياح العامة والخاصة إلا في العهد الأخير. ثم قال تعالى مذكرا ومعقبا: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
ووصف كتاب الله حال الزراع الذين تتعرض مزارعهم أحيانا لريح تجعل زرعهم يابسا مصفرا، وبدلا من الرضى بالقضاء والقدر يظهرون السخط والامتعاض، ناسين ما أنعم الله عليهم به من قبل، وذلك قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا﴾، أي: رأوا زرعهم مصفرا، ﴿لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾.
وختم هذا الربع بخطاب إلهي رقيق، موجه إلى الرسول الأعظم حتى لا يضيق صدره ولا يحزن، بعدما بلغ الرسالة وأدى الأمانة: ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ (١٠: ١٠٨)، ولا مسؤولية على الرسول بعد ذلك، ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ (٩٩: ٥)، وذلك قوله تعالى مبرئا لرسوله من كل تقصير أو إهمال: ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
стр. 1909
الربع الأخير من الحزب الواحد والأربعين
في المصحف الكريم (ق)
ــ
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (٥٤) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٥٦) فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٥٧) وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِ آيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ (٥٨) كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٥٩) فَاصْبِرْ إِنَّ
стр. 1910
وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)
٣١ - سورة لقمان مكية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (٢) هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٦) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (٨) خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (١٠) هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١١) وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (١٢) وَإِذْ قَالَ
стр. 1911
لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥) يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦) يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧) وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩) أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ
стр. 1912
اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٢١)
стр. 1913
الربع الأخير من الحزب الواحد والأربعين
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
في حصة هذا اليوم نتناول تفسير الربع الأخير من الحزب الواحد والأربعين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى في سورة الروم: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ إلى قوله تعالى في سورة لقمان المكية: ﴿قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾.
ــ
في أواخر الربع الماضي تحدث كتاب الله عن تصريف الرياح وإثارة السحب وإنزال الأمطار، ونبه كل إنسان متبصر إلى آثارها الحميدة في الأرض، مما يستوجب شكر الله والاعتراف بفضله وكرمه، إذ قال تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾، وهذه الظواهر الطبيعية كلها من آيات الله في الآفاق.
وفي بداية هذا الربع أورد كتاب الله آية أخرى من آياته في الأنفس، فتحدث عن خلق الإنسان والمراحل التي يتقلب فيها من ضعف إلى قوة، ومن قوة إلى ضعف منذ عهد الطفولة إلى عهد
стр. 1914
الشيخوخة، مما يمر به النوع الإنساني في حياته الطبيعية، وذلك قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾.
وواضح أن أمام الإنسان في كل مرحلة من تلك المراحل مجالا واسعا للتأمل والاعتبار، وفرصة مناسبة للتعمق فيما يحيط بنشأته وتكوين بنيته، وأجهزة جسمه، من لطائف وأسرار، مما يساعده على اكتشاف أثر رحمة الله وبالغ حكمته، ويحمله على الاقتناع التام بواسع علم خالقه وعظيم قدرته: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ (٨: ٣٠)، ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ (٢١: ٥١)، وقد شغلت الدراسات والبحوث المتعلقة بالإنسان حيزا كبيرا من العلوم والمعارف، التي تحاول أن تكشف عما في الإنسان من عجائب خلق الله وبدائع صنعه، عضويا ونفسيا، عقليا وروحيا، لكن لا تزال جوانب عديدة من هذا الكائن المعلوم و (المجهول) في آن واحد، الذي هو الإنسان، لغزا من ألغاز الخليقة، وسرا من أسرار الطبيعة، إلى الآن وحتى الآن: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٨٥: ١٨).
وكما وصف كتاب الله الإنسان بكونه مخلوقا من عجل عندما قال (٣٧: ٢١): ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾، ليلتزم الأناة في مساعيه، والتؤدة في تصرفاته، وصفه هنا بكونه مخلوقا من ضعف: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾، رغما عما منحه من قوة فكرية، ولياقة بدنية، تنبيها له على التماس أسباب القوة المادية
стр. 1915
والروحية، حتى يعوض النقص الذي يعانيه في كل مرحلة من مراحل حياته المتتالية.
وكما قال تعالى في الربع الماضي في شأن السحاب الذي تثيره الرياح: ﴿فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾، قال هنا في هذا الربع، عقب ذكره للمراحل التي يمر بها الإنسان: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ ردا على الجاحدين، وتنبيها للغافلين وتذكيرا للناس أجمعين، بأن إرادة الله ﴿الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ مهيمنة على الكون بصفة مستمرة، وأن مشيئة الله التي لا تحدها حدود هي التي تحدد النواميس لتكوين الإنسان، وغيره من بقية الأكوان، فلا شيء من سنن الكون خارج عن إرادته، بل الكل متعلق بتدبيره وجار وفق مشيئته، ولذلك جاء التعقيب بقوله تعالى في نفس السياق: ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾، الذي أحاط بكل شيء علما، وهو على كل شيء قدير.
وانتقل كتاب الله إلى وصف حال المعاندين البسطاء، المكذبين بالبعث، عندما يُفاجأون بقيام الساعة، فيحاولون الاعتذار عن كفرهم، زاعمين أنهم لم يتمكنوا من معرفة الحق خلال حياتهم القصيرة: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ﴾، أي: كما كانوا يمارسون الإفك والكذب في الدنيا ها هم يحاولون أن يمارسوه من جديد في نفس الآخرة، مؤكدين كذبهم بالقسم واليمين، ﴿يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾، على غرار قوله تعالى في آية أخرى (١٨: ٥٨): ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ
стр. 1916
أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾، لكن لا يلبث (أولو العلم والإيمان) أن يتصدوا في الآخرة لزعمهم بالرد، ولكذبهم بالرفض، كما تصدوا لذلك في الدنيا: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
وبين كتاب الله أنه عندما تقوم الساعة لا يقبل من الظالمين أي اعتذار، لانصرام الآجال المحددة للإعذار، وذلك قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾، إذ لا مجال للتوبة والتلاوم والعتاب، بعد أن حقت عليهم كلمة العذاب.
ثم جدد كتاب الله التعريف برسالة القرآن، مؤكدا أنه جعل هذه الرسالة ميسرة للفهم والإدراك في متناول الناس أجمعين، وأن كتاب الله قد وضح معالمها، بما لا يدع مجالا للشك فيها، ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (١٧: ٥٤)، فلا غموض ولا إبهام في الرسالة، ولا تقصير ولا إهمال من جانب الرسول، واللوم كل اللوم يقع على عاتق المعاندين المبطلين، الذين يجادلون في الله بغير علم، وإلى ذلك يشير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ * كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾، أي: يطبع الله على قلوب الجهلة المعاندين عندما تقسو وتصدأ، ولا يرجى منهم قبول للحق ولا انقياد إليه، وكيف لا وهم يسمون المحقين (مبطلين) متحدين الله
стр. 1917
ورسوله والمؤمنين، ﴿لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ﴾، بينما هم في الواقع أعرق الناس في الباطل.
وأخيرا وجه كتاب الله الخطاب إلى الرسول الأعظم، وإلى كل مؤمن بصدق رسالته، آمرا رسوله ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، بالصبر على أذى المخالفين، والثبات أمام استفزاز الجاحدين، مؤكدا له ولمن اهتدى بهديه أن وعد الله بالنصر المكين، والفتح المبين، وعد لا يتخلف، لأنه وعد حق، صادر عن الحق، ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ (٦: ٣٠)، وذلك قوله تعالى في ختام سورة الروم المكية: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾.
ومن سورة الروم المكية ننتقل إلى سورة لقمان المكية أيضا سائلين من الله الإعانة والمدد، وهذه السورة هي سادس سورة وردت مبدوءة بالحروف الهجائية المقطعة، المتعارفة (بفواتح السور) في نسق واحد وسلسلة واحدة، ابتداء من فاتحة سورة الشعراء ﴿طسم﴾ فسورة النمل ﴿طس﴾ فسورة القصص ﴿طسم﴾ فسورة العنكبوت ﴿الم﴾ فسورة الروم ﴿الم﴾ فسورة لقمان التي نحن بصدد تفسيرها ﴿الم﴾ وقد بينا في عدة مناسبات ما ترمز إليه هذه الحروف، وكونها تأتي متبوعة بالحديث عن الذكر الحكيم، والتعريف به والانتصار له، إما تلويحا وإما تصريحا كما في هذه السورة: ﴿الم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ إشارة إلى أن الحروف العادية التي ينطق بها الناس تنقلب إلى وحي سماوي بالغ الحكمة والإعجاز، عندما ينفخ فيها
стр. 1918
الحق من سر علمه وحكمته، وينزل بها على قلب رسوله (الروح الأمين)، ومثل ذلك يجري في العناصر الطبيعية التي هي ملقاة بين أيدي الناس، لكنهم لا يستطيعون أن يخلقوا منها كائنا حيا يضاهون به صنع الله ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾.
وإنما سميت هذه السورة (سورة لقمان) لورود اسمه فيها مقرونا بجملة من الوصايا النافعة التي وعظ بها ابنه، حيث قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ﴾ الآية.
وكما قال تعالى فيما سبق من (سورة يونس) عقب الافتتاح بالحروف الهجائية: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ قال تعالى هنا في (سورة لقمان): ﴿الم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ وسبقهما في سورة آل عمران قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾.
وإنما وصف الكتاب بكونه (حكيما) أي: ذا حكمة، لأن الحكمة هي إصابة الحق في الاعتقاد والقول والفعل، والسلوك الخاص والعام، للأفراد والجماعات، وما تضمنه كتاب الله في هذه المجالات صادر عن أحكم الحاكمين، العليم الحكيم، الذي لا يضل ولا ينسى، والذي يعلم السر والخفي: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٦: ٢٥)، ومن أجل ذلك كان عيارا على ما سواه، ومهيمنا على ما عداه، فما وافقه حق، وما خالفه باطل، سواء كان سابقا أو لاحقا.
стр. 1919
ووصف الحق كتابه بكونه: ﴿هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ و (المحسنون) هم الذين أحسنوا فهمه، وأحسنوا تطبيقه، وأحسنوا الدفاع عنه، وراقبوا منزل الكتاب، فلم يهجروا الكتاب، وبذلك يكون (هدى لهم) فلا تختلط عليهم السبل، ولا يعمهم الجهل والضلال، ويكون (رحمة لهم) فلا تصيبهم الشرور والآفات، ولا تحل بساحتهم الأزمات تلو الأزمات، وإنما يندرجون في عداد المحسنين، فينعموا بهداية الله ورحمته، إذا أدوا ما عليهم من حقوق الله وحقوق العباد، وحق الله الأول: هو إقامة الصلاة على الوجه الأكمل ظاهرا وباطنا، والدوام عليها في أوقاتها دون انقطاع، وحق العباد الأول: هو إيتاء الزكاة للمعسرين، وحصولهم على ما يكفي حاجتهم من مال إخوانهم الموسرين، وهذان الحقان متلازمان لا يفترق أحدهما عن الآخر، ولا يغني أحدهما عن الآخر، ولذلك وصف كتاب الله المحسنين بقوله: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ على غرار قوله تعالى في فاتحة سورة البقرة: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾، إشارة إلى أن الإيمان لا يكون تاما وكاملا إلا إذا اندرج فيه الإيمان بعالم الشهادة وعالم الغيب، والإيمان بالنشأة الأولى والنشأة الآخرة، لأنهما متلازمان تلازم المقدمة والنتيجة. والإيمان بالآخرة يتضمن الإيمان بجزاء الله، لمن ابتغى بعمله وجه الله، أما الإيمان بالشهادة دون الإيمان بالغيب فلا فضل فيه لأحد، إذ يستوي فيه المؤمن والكافر، والبر والفاجر ثم نوه كتاب الله
стр. 1920
بالمؤمنين المحسنين فقال: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، وبهذه الصيغة نفسها، نوه كتاب الله في بداية سورة البقرة، بالمؤمنين المتقين.
وانتقل كتاب الله إلى الحديث عن المترفين المتكبرين في الأرض، الذين يضلون الناس بغير علم، ووصف تفننهم في أساليب الترف والتمويه والتضليل، وسخاءهم ببذل المال في هذا السبيل، واستعمالهم لمختلف وجوه الإغراء والإغواء، حتى يعودوا الناس على حياة اللهو والعبث وعدم المبالاة، وخلع برقع الحياء، فينصرف الناس عن سماع الحق واستيعابه، ولا يطرقون بعد ذلك بابا من أبوابه، وإلى ذلك يشير قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا﴾، أي: يتخذ سبيل الله، ﴿هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ * وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾، أي: ثقلا وصمما، ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، وجزاء الكبر الإهانة، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (١٧٨: ٣)، إذ الجزاء من جنس العمل، وعلى العكس من ذلك يكون جزاء الصالحين من المؤمنين، الذين يمارسون الصالحات، فينفعون وينتفعون، وذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ * خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾، أي: لا خلف فيه ولا تراجع، ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
وأعاد كتاب الله في هذا المقام الحديث عن جملة من الظواهر الكونية في السماء والأرض، ليلفت إليها الأنظار، عسى
стр. 1921
أن تهتدي بها البصائر والأبصار.
الظاهرة الأولى: قيام السماوات، وثباتها في أماكنها دون استناد إلى عمد.
والظاهرة الثانية: استقرار الأرض، وتوازنها بالجبال الرواسي من فوقها، حتى لا تضطرب بمن عليها من الإنسان والحيوان، وما عليها من معالم الحضارة والعمران.
والظاهرة الثالثة: عمارة الأرض بسلالات الإنسان، وغيره من أصناف الحيوان، على اختلاف الصور والأحجام والألوان.
والظاهرة الرابعة: إنزال المطر من السماء أي: إنزاله من جهتها وسمتها، وإنبات النبات في الأرض بعد موتها.
وذلك قوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾، أي: حتى لا تهتز ولا تضطرب، ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾.
ولا يسع الإنسان العادي أمام كل ظاهرة من هذه الظواهر الكونية، فضلا عن الباحث المتطلع إلى معرفة أسرار الكون، والمعني بالكشف عن نواميس الطبيعة، إلا أن يقف مبهورا أمامها، مأخوذا بعظمة مبدعها وصانعها، هاتفا من أعماق قلبه مع كتاب الله إذ يقول: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (١١: ٣١).
стр. 1922
وانتقل كتاب الله إلى الحديث عن لقمان الحكيم ووصاياه الخالدة التي وجهها إلى ابنه وهو يعظه، حتى يسلك مسلكه كل أب رشيد، وقد سجل كتاب الله من بينها خمس وصايا:
الوصية الأولى: أن يؤمن بوجود الله ووحدانيته وربوبيته، ولا يشرك به أحدا، ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾.
الوصية الثانية: أن يراقب الله في حركاته وسكناته، وخواطره ومتمنياته، لأن الله تعالى لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ﴿إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾.
الوصية الثالثة: أن يقيم الصلاة ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويوطن نفسه على تحمل الأذى في هذا السبيل، ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾.
الوصية الرابعة: أن يتواضع لعباد الله، ويقبل عليهم بوجهه مستأنسا، وأن يبتعد عن مظاهر الكبر والخيلاء في حديثه معهم، ومشيته بينهم، ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾.
الوصية الخامسة: أن لا يجهر بأكثر من الحاجة ولا يرفع صوته على الناس، فضلا عن أن ينهرهم مهددا متوعدا، أو
стр. 1923
ساخطا وغاضبا، ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾.
وبتسجيل هذه الوصايا الخمس من وصايا لقمان (الحكيم)، في آيات الذكر الحكيم، فتح كتاب الله الباب على مصراعيه في وجه (حكمة) الحكماء، وبين أن الحكمة تؤخذ من كل أحد إذا كانت حكمة صحيحة موافقة للدين والأخلاق، وليست مجرد مهاترة أو هراء كما هو الشأن في المتطفلين على الحكمة من الأدعياء.
وتخللت الحديث عن لقمان ووصاياه الخمس عدة آيات كريمة، في طليعتها آية تحدثت عن تلقين الله الحكمة للقمان، ودعوته إلى شكر الله على نعمه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾، ثم آيتان في التذكير بحقوق الوالدين والبرور بهما فيما لا معصية فيه، وإبراز الأهمية الخاصة لدور الأم في حياة الأسرة، ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ الآية، ثم آية أخرى توجه فيها الخطاب الإلهي إلى كافة البشر، ممتنا عليهم بنعمه الظاهرة والباطنة، وتسخير ما في الكون من الطاقات والثروات لمنفعتهم، ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾.
وخُتِمَ هذا الربع ب آيتين كريمتين كشف فيهما كتاب الله الستار عن عناد الذين استولى عليهم التقليد الأعمى، فأخذوا
стр. 1924
يجادلون في الحق دون حجة ولا برهان، وسندهم الوحيد هو التمسك بالهوى ومتابعة الشيطان، وذلك قوله تعالى في نهاية هذا الربع: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾.
стр. 1925
الربع الأول من الحزب الثاني والأربعين
في المصحف الكريم (ق)
ــ
وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢) وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٢٣) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (٢٤) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٥) لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٦) وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧) مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي
стр. 1926
اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٩) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٣٠) أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَ آيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣١) وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِ آيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (٣٢) يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٣٣) إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)
٣٢ - سورة السجدة مكية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)
стр. 1927
أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٤) يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥) ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٩) وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ (١٠)
стр. 1928
الربع الأول من الحزب الثاني والأربعين
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
في هذه الحصة نشرع في تفسير الحزب الثاني والأربعين بالمصحف الكريم، وبداية الربح الأول منه قوله تعالى في سورة لقمان المكية: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ ونهاية هذا الربع قوله تعالى في سورة السجدة المكية أيضا: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾.
ــ
تتحدث الآيات الأولى في هذا الربع عمن أسلم وتمسك بالإسلام، وعمن كفر وأصر على كفره، فالمسلم عندما يسخر مواهبه لطاعة الله، ويتصرف في حياته طبقا لمنهج الله، يأوي إلى ركن ركين، وينال الفوز المبين، لأنه انسجم مع الفطرة التي فطر الله الناس عليها، ومع التعاليم الإلهية التي أرشدهم إليها، ومن كانت حياته في وئام وانسجام، مع نواميس الطبيعة والنظام الخلقي العام، كان أهلا لكل عون ورعاية وإكرام، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾، وكما قال
стр. 1929
تعالى هنا: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾، لتوقف الطاعة على (الإحسان)، قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾، لتوقف العمل الصالح، نية وثوابا، على (الإيمان)، و (العروة الوثقى) من باب التمثيل، فكما أن من أراد التدلي من شاهق مثلا مع ضمان النجاة من السقوط لا يسعه إلا أن يستمسك بأوثق عروة في أمتن حبل، كذلك من أراد النجاة لنفسه في الدنيا والآخرة لا يجد عروة يستمسك بها أوثق من الإسلام، أما من كفر وأصر على كفره فسيقضي فترة حياته القصيرة في المتع والشهوات، لكنه سيعاقب على استهتاره وتهاونه عقابا لا يجد منه خلاصا ولا انفكاكا، وإلى ذلك يشير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾.
ونبَّه كتابُ الله أن فريقا من الكافرين والجاحدين عندما يوجه إليهم السؤال عن خلق السماوات والأرض لا يجدون مناصا من الإقرار بربوبية الله وخلقه للكون، لكنهم لا يستخلصون النتائج الحتمية لهذا الإقرار، فيطيعوا الله ورسوله، بل يصرون على أن ينكروا فروع الدين وأصوله، وذلك قوله تعالى في إيجاز وإعجاز: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، أي: يقفون عند حد (القول) دون العمل، ويتجاهلون قواعد الدين، لتعودهم على الإهمال والخمول والكسل، وقوله تعالى في وسط هذه الآية: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ تلقين لكل مؤمن أن يحمد الله ويشكره على ما هداه
стр. 1930
إليه من نعمة الإيمان، إذ لا نعمة تعادلها بالنسبة لسعادة الإنسان ثم جاءت الآية التالية تؤكد إيمان المؤمنين، وتمسكهم بالحق المبين، ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾.
وبعد أن تحدث كتاب الله عن خلق السماوات والأرض، وانفراد الحق بتخطيط الكون وتدبيره، وتنظيمه وتسييره، أشار إلى أن (كتاب الكون) الفسيح لا تقف الكتابة فيه أبدا، بل إن الأوامر الإلهية بشأنه لا تقف عن الصدور، ولا يسع كلماته كتاب مسطور، ولا رق منشور، وكما أنه لا نهاية لقدرته ولا لمقدوراته، فلا نهاية لعلمه ولا لكلماته، إذ (الأبدي لا يتناهى) وهذا معنى قوله تعالى الوارد هنا على وجه التمثيل والتقريب: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، قال القفال: (لما ذكر الله تعالى أنه سخر لهم ما في السماوات وما في الأرض، وأنه أسبغ عليهم النعم، نبه على أن الأشجار لو كانت أقلاما، والبحار مدادا، فكتبت بها عجائب صنع الله، الدالة على قدرته ووحدانيته، لم تنفد تلك العجائب)، وقال القرطبي: (وإنما قرب الأمر على أفهام البشر بما يتناهى، لأنه غاية ما يعهده البشر من الكثرة، لا أن كلماته تنفد بأكثر من هذه الأقلام والبحور).
وإقناعا لمن لا يزال في شك من أمر البعث، قال تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ
следующие страницы →