Полный текст (2 848 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.
стр. 1926
اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٩) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٣٠) أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَ آيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣١) وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِ آيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (٣٢) يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٣٣) إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)
٣٢ - سورة السجدة مكية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)
стр. 1927
أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٤) يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥) ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٩) وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ (١٠)
стр. 1928
الربع الأول من الحزب الثاني والأربعين
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
في هذه الحصة نشرع في تفسير الحزب الثاني والأربعين بالمصحف الكريم، وبداية الربح الأول منه قوله تعالى في سورة لقمان المكية: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ ونهاية هذا الربع قوله تعالى في سورة السجدة المكية أيضا: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾.
ــ
تتحدث الآيات الأولى في هذا الربع عمن أسلم وتمسك بالإسلام، وعمن كفر وأصر على كفره، فالمسلم عندما يسخر مواهبه لطاعة الله، ويتصرف في حياته طبقا لمنهج الله، يأوي إلى ركن ركين، وينال الفوز المبين، لأنه انسجم مع الفطرة التي فطر الله الناس عليها، ومع التعاليم الإلهية التي أرشدهم إليها، ومن كانت حياته في وئام وانسجام، مع نواميس الطبيعة والنظام الخلقي العام، كان أهلا لكل عون ورعاية وإكرام، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾، وكما قال
стр. 1929
تعالى هنا: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾، لتوقف الطاعة على (الإحسان)، قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾، لتوقف العمل الصالح، نية وثوابا، على (الإيمان)، و (العروة الوثقى) من باب التمثيل، فكما أن من أراد التدلي من شاهق مثلا مع ضمان النجاة من السقوط لا يسعه إلا أن يستمسك بأوثق عروة في أمتن حبل، كذلك من أراد النجاة لنفسه في الدنيا والآخرة لا يجد عروة يستمسك بها أوثق من الإسلام، أما من كفر وأصر على كفره فسيقضي فترة حياته القصيرة في المتع والشهوات، لكنه سيعاقب على استهتاره وتهاونه عقابا لا يجد منه خلاصا ولا انفكاكا، وإلى ذلك يشير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾.
ونبَّه كتابُ الله أن فريقا من الكافرين والجاحدين عندما يوجه إليهم السؤال عن خلق السماوات والأرض لا يجدون مناصا من الإقرار بربوبية الله وخلقه للكون، لكنهم لا يستخلصون النتائج الحتمية لهذا الإقرار، فيطيعوا الله ورسوله، بل يصرون على أن ينكروا فروع الدين وأصوله، وذلك قوله تعالى في إيجاز وإعجاز: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، أي: يقفون عند حد (القول) دون العمل، ويتجاهلون قواعد الدين، لتعودهم على الإهمال والخمول والكسل، وقوله تعالى في وسط هذه الآية: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ تلقين لكل مؤمن أن يحمد الله ويشكره على ما هداه
стр. 1930
إليه من نعمة الإيمان، إذ لا نعمة تعادلها بالنسبة لسعادة الإنسان ثم جاءت الآية التالية تؤكد إيمان المؤمنين، وتمسكهم بالحق المبين، ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾.
وبعد أن تحدث كتاب الله عن خلق السماوات والأرض، وانفراد الحق بتخطيط الكون وتدبيره، وتنظيمه وتسييره، أشار إلى أن (كتاب الكون) الفسيح لا تقف الكتابة فيه أبدا، بل إن الأوامر الإلهية بشأنه لا تقف عن الصدور، ولا يسع كلماته كتاب مسطور، ولا رق منشور، وكما أنه لا نهاية لقدرته ولا لمقدوراته، فلا نهاية لعلمه ولا لكلماته، إذ (الأبدي لا يتناهى) وهذا معنى قوله تعالى الوارد هنا على وجه التمثيل والتقريب: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، قال القفال: (لما ذكر الله تعالى أنه سخر لهم ما في السماوات وما في الأرض، وأنه أسبغ عليهم النعم، نبه على أن الأشجار لو كانت أقلاما، والبحار مدادا، فكتبت بها عجائب صنع الله، الدالة على قدرته ووحدانيته، لم تنفد تلك العجائب)، وقال القرطبي: (وإنما قرب الأمر على أفهام البشر بما يتناهى، لأنه غاية ما يعهده البشر من الكثرة، لا أن كلماته تنفد بأكثر من هذه الأقلام والبحور).
وإقناعا لمن لا يزال في شك من أمر البعث، قال تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ
стр. 1931
بَصِيرٌ﴾، ومادامت عملية الخلق ونفخ روح الحياة في الأحياء متجددة في كل لحظة وكل ساعة، فما الذي يمنع من تجديد الحياة في الموتى وبعثهم عند (قيام الساعة)؟.
ثم أشار كتاب الله إلى تعاقب الليل والنهار والشمس والقمر، مذكرا بما وراء هذا التخطيط الإلهي الحكيم، الملائم لحياة الإنسان والحيوان والنبات، من منافع ومصالح، لولاها لما عرفت الأرض عمرانا ولا ازدهارا، ولما استطاع أحد من الأحياء عيشا فوقها ولا استقرارا، وذلك قوله تعالى موجها الخطاب إلى كل إنسان: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.
و (إيلاج الليل في النهار) يقع عند طول الأول وقصر الثاني، كما يقع (إيلاج النهار في الليل) عندما يصبح النهار طويلا والليل قصيرا، وهكذا يتبادلان القصر والطول، تبعا لاختلاف الفصول، أما جريان الشمس والقمر فلا يقف إلا بانتهاء أجلهما المحدود، عند حلول اليوم الموعود.
وتعقيبا على هذه الظواهر الكونية التي سخرها الله لكافة الخلق، ولا يستطيع تدبيرها وتسييرها إلا الإله الخالق الحق، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ فالعاجز عن الإيجاد والإمداد، ليس له من ذاته أي اعتبار ولا اعتداد، وصدق الشاعر القائل: "ألا كل شيء ما خلا الله باطل".
стр. 1932
وأضاف كتاب الله إلى ما سبق من ظواهر الطبيعة ظاهرة كونية أخرى هي ظاهرة الملاحة، التي تقوم بها السفن في البحر فتطفو على سطح الماء، فلولا أن الله تعالى خلق الماء في البحر على الصفة التي يمكن معها جريان السفن، ولولا أن الله هدى الإنسان إلى الطريقة الصالحة لبناء السفن، وهداه إلى الكشف عن العلاقة القائمة بين كثافتها وكثافة الماء، ولولا أن الله هداه إلى معرفة التيارات المائية والهوائية المنتظمة، لبقيت البشرية، بسبب تعذر المواصلات البحرية، في قطيعة تامة، طيلة قرون وأجيال، ولما انتظم بين أبنائها تبادل ولا اتصال. قال الحسن البصري: (مفتاح البحار السفن، ومفتاح الأرض الطرق، ومفتاح السماء الدعاء)، وإلى هذه الظاهرة يشير قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ﴾، و (نعمة الله) هنا تصدق بلطفه وتسخيره للسفن في البحر، كما تصدق بما تحمله السفن من صادرات وواردات، وما تقوم به من مبادلات تجارية نافعة. وذكر (الصبر والشكر) في هذا السياق مناسب للمقام غاية المناسبة، فالملاحة البحرية لا يقوم بها ولا يتحمل مسؤوليتها إلا من تحلوا بالصبر، ومن جنى ثمارها وعرف قدرها لا يسعه إلا التوجه إلى الله بالحمد والشكر، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾.
وفي نطاق الملاحة بالبحر، وما يعرض لها من شدائد وأهوال، تولى كتاب الله وصف بعض الحالات التي قد يتعرض لها ركاب السفن، وما يصيبهم من انزعاج وهلع، عندما تحيط
стр. 1933
بهم أمواج البحر العاتية من كل جانب، فيحسون بالخطر الداهم، ويلجأون إلى الله خاشعين، داعين أن ينجيهم من الغرق، حتى إذا هدأت الأمواج وزال شبح الخطر، وانتهى السفر، عاد كل واحد إلى حالته التي كان عليها من قبل، ونسي الخطر والنجاة، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾، و (الظلل) هنا جمع ظلة، وهي كل ما أظلك من جبل أو سحاب أو غيرهما، فقد ترتفع الأمواج في البحر حتى تشبه الجبال، وقد تشبه في لونها وكثافتها (السحاب الثقال).
ومعنى قوله تعالى هنا: ﴿فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ أي: من الذين نجوا من الغرق من بقي متوسطا في عمله، رغم ما شاهده من أهوال كانت حرية بأن تدفعه إلى المزيد من طاعة الله، شكرا على الخلاص والنجاة، وتفسير لفظ ﴿مُقْتَصِدٌ﴾ هنا بمعنى المتوسط في العمل مطابق لتفسيره في قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ (٣٢: ٣٥)، على أن من الذين نجوا من خطر الغرق من عاهد الله، ثم نقض عهده وغدر، فكان (ختارا) ولم يشكر الله على نجاته، بل جحد وكفر، فكان (كفورا) كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾.
ووجه كتاب الله الخطاب إلى الناس كافة، داعيا إياهم إلى تقوى الله والاستعداد لليوم الآخر، و (التقوى) هي السبيل الوحيد (لوقايتهم) من الآفات والعاهات، والشدائد والأزمات، فحول هذه
стр. 1934
(الوقاية) تدور الأوامر والنواهي والوصايا والمواعظ، مبينا أن كل فرد سيقف أمام الله مسؤولا عن نفسه وعمله، فلا والد ينفع يوم الفصل ولده، ولا مولود ينفع والده، رغما عما بينهما من قرابة وتعاطف وشفقة، ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ (١٠١: ٢٣)، ناهيا لهم عن الغرور بالحياة الدنيا وطول الأمل، منبها إلى أن العبرة كلها بالتقوى وصالح العمل، وذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ وهو الموت والبعث والحساب والجزاء، ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾، والمراد (بالغرور) هنا هو الشيطان، الذي يطيل حبل الأمل للإنسان، مصداقا لقوله تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ (النساء: ١٢٠).
وخُتمت سورة لقمان بذكر (مفاتح الغيب) الخمس التي لا يعلمها على وجه التحقيق إلا الله، فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾، والمراد بالساعة هنا الساعة التي يأذن الله فيها بحدوث انقلاب شامل في الكون، فتبدل الأرض غير الأرض والسماوات، فالعلم الجازم بموعدها، والمحيط بكيفية حدوثها، خاص بالله تعالى وحده ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ (١٨٧: ٧).
ثم قال تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾، والغيث هنا هو المطر الذي يحيي الله به الأرض بعد موتها، عندما يأذن بتحريك الرياح وإثارة السحب، فيكرم به البشر أجمعين، على النطاق العالمي
стр. 1935
كله، دون تفريق بين بلد وبلد وجنس وجنس، ودون تكاليف ولا مصاريف. وتحريك الرياح في الكرة الأرضية، الذي هو العامل الأكبر في إثارة السحب ونزول الأمطار، لا يقوى عليه إلا الله تعالى وحده، ولا يعلم مواعيده ومواعيد نزول المطر، ومبلغ كمياته قبل أن ينزل، على وجه التحقيق والتدقيق، إلا خالق الخلق ورازقهم.
ثم قال تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾، وكلمة (ما) لفظ عام يشمل أولا تصوير الله للأجنة في الأرحام، ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ (٦: ٣)، والعلم بما يستقر في الأرحام وما يسقط، ﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ (٥: ٢٢)، والعلم بكون ما في الرحم ذكرا أو أنثى، واحدا أو متعددا، أبيض أو أشقر أو ملونا، ذكيا أو غبيا، سعيدا أو شقيا، طويلا أو قصيرا، غنيا أو فقيرا، معمرا أو قصير العمر، ويشمل العلم بمدة حمله هل تنقص عن المعتاد أم تزداد، أو تنتهي في الوقت المعتاد، على أن قوله تعالى: ﴿مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾، لا يخص أرحام النساء وحدهن، بل يشمل أرحام الحوامل من كل الإناث، سواء في ذلك إناث الإنسان وإناث غيره من الحيوان، فعلم الله تعالى محيط شامل، وإحصاؤه لخلقه إحصاء كامل، مصداقا لقوله تعالى في آية أخرى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ (٨: ١٣)، وصدق الله العظيم إذ قال (٣٢: ٥٣): ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾.
стр. 1936
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾، فقد يعزم الإنسان على عمل الخير ثم لا يوفق إليه ويتورط في الشر، وقد ينوي القيام بمشروع مهم فتحول دونه الموانع، وقد يكون معوزا فيفاجأ بهبة من صديق، أو وصية من قريب، وقد يكون معتمدا على راتبه من الوظيف الذي يشغله، فيفاجأ بالطرد من الوظيف والتعرض للخصاصة والفقر، وقد يكون منتظرا لربح عظيم، فتنزل به خسارة عظمى، أو يقبض الله روحه فجأة، فتنتقل مكاسبه في الحين إلى ورثته، وهكذا دواليك.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾، فقد يكون الإنسان مصرا على أن يقضي حياته ببلده إلى الموت، ثم ترمي به الأقدار خارج بلده لسياحة أو تجارة أو علاج، أو طلب علم أوصلة رحم، فإذا به يلقى الموت في بلد لم يخطر له ببال، ويموت ويقبر حيث يشاء الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾.
والآن وقد انتهينا من تفسير سورة لقمان ننتقل إلى سورة السجدة المكية أيضا، وهي آخر سورة في سلسلة السور المبدوءة بالحروف الهجائية المقطعة، التي وردت متتابعة على التوالي، ابتداء من سورة الشعراء، وانتهاء عند هذه السورة. وسميت (سورة السجدة) أخذا من قوله تعالى في الآية الخامسة عشر: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾.
وقد تصدى كتاب الله في بداية هذه السورة للرد على خصوم القرآن، وتبيين الرسالة العظمى التي جاء بها لهداية الخلق،
стр. 1937
فقال تعالى: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم الم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾.
ثم تحدث كتاب الله عن خلق السماوات والأرض، وتدبير الخالق الحكيم للكون، وعلمه المحيط بكل شيء، فقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ * يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾، وحتى لا يظن ظان أن (الأيام الستة) التي تم فيها خلق الكون من جنس أيامنا القصيرة المحدودة، قال تعالى في نفس السياق: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ * ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.
وبين كتاب الله ما في خلق الله وصنعه من إحكام وإتقان، وضرب المثل بالمراحل التي مر بها نوع الإنسان، ونوه بالخصائص الممتازة التي ميزه بها على سائر الحيوان، فقال تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾.
وخُتِم هذا الربع بالإشارة إلى ما يستغربه منكرو البعث من أن يبعثوا بعد موتهم، وقد تحللت أجسامهم إلى تراب، واختلطت بتراب الأرض، حتى لم يعد من الممكن التمييز بين الاثنين،
стр. 1938
ناسين أن الله تعالى الذي خلق الإنسان عند نشأته الأولى من تراب، قادر على أن يبعثه عند نشأته الثانية أيضا من تراب، وذلك قوله تعالى في نهاية هذا الربع: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾، أي: اختلط تراب أجسامنا بترابها، ﴿إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾.
стр. 1939
الربع الثاني من الحزب الثاني والأربعين
في المصحف الكريم (ق)
ــ
قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١) وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢) وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣) فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٤) إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِ آيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ
стр. 1940
مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧) أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠) وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢١) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِ آيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (٢٢) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٣) وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِ آيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٢٥) أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَ آيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ (٢٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ
стр. 1941
أَفَلَا يُبْصِرُونَ (٢٧) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٨) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٢٩) فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (٣٠)
стр. 1942
الربع الثاني من الحزب الثاني والأربعين
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
موعدنا في هذه الحصة مع الربع الثاني من الحزب الثاني والأربعين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ إلى قوله تعالى في ختام سورة السجدة: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾
ــ
في بداية هذا الربع خاطب الحق رسوله الأمين، آمرا له أن ينذر الذين كفروا بلقاء الله، بأنهم مهما ترددوا، وعاندوا وتمردوا، فلن يفلتوا من قبضة الله، الذي خلق الموت والحياة، وأنهم في النهاية راجعون إليه، وواقفون وقفة الذلة والضراعة بين يديه، ووقتئذ يُصَدِّقُ الخُبْرُ الخَبَرَ، ولا يبقى مجال لما اعتادوا التفوه به من الهراء والهذر، أما ما يعبرون عنه بعد فوات الوقت من مظاهر الإيمان والندم، فلا عبرة به، لأنه بمنزلة العدم، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١) وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا
стр. 1943
نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾، ومعنى ﴿يَتَوَفَّاكُمْ﴾ سيتوفى روحكم وينتزعها من الجسم، فتنتقل إلى عالم الأرواح، ومعنى ﴿وُكِّلَ بِكُمْ﴾ أن ملك الموت لا يغفل عنكم، فإذا جاء أجلكم لا يؤخركم لحظة واحدة، ومعنى ﴿نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ أنهم يكونون مطأطئي الرؤوس من الذل والخزي الذي يلحقهم، والندم والغم الذي يصيبهم، ومعنى ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾، أي: عند محاسبة ربهم لهم على كفرهم بلقاء الله، ومعنى قوله: ﴿إِنَّا مُوقِنُونَ﴾، أي: زالت عنا الشكوك الآن، وآمنا بالبعث الذي كنا ننكره، وقبض الروح وتوفي الأنفس مرده في الحقيقة إلى الله سبحانه، مصداقا لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ (الزمر: ٤٢)، وقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ (الجاثية٢٦)، وقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ (الملك: ٢)، وينسب (التوفى) مجازا إلى الملائكة عموما، كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ (الأنعام: ٦١)، وإلى ملك الموت خصوصا، كما في آية هذا الربع: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾، إشارة إلى أن الملائكة يتولون قبض الأرواح بأمر الله.
وجوابا عما قد يدور في الأذهان، أو يجري على اللسان، لماذا وجد الضال إلى جانب المهتدى، والفاجر إلى جانب المتقى، والكافر إلى جانب المؤمن، والشقي إلى جانب السعيد، قال تعالى في نفس السياق: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾، أي لو أراد الله أن يخلق الإنسان على نمط الملائكة
стр. 1944
المسخرين، الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، لتمت كلمته، وتحققت إرادته، لكن الله تعالى شاءت حكمته أن يخلق الإنسان حرا مختارا، وأن يجهزه بملكات وطاقات يستطيع أن يستعملها في الخير أو الشر، وتبعا لما آتاه من حرية واختيار وضع على عاتقه أمانة التكليف، وحدد له المنهج الذي يتبعه في حياته دون زيغ ولا تحريف، فكان بذلك مسؤولا عن تصرفاته، لكونه شخصية حرة مدبرة، لا آلة صماء مسخرة، مصداقا لقوله تعالى في آية أخرى: (٨: ٩١): ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾، وقوله تعالى في آية ثانية: ﴿فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ (فصلت: ١٧)، وقوله تعالى في آية ثالثة: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ (التكوير: ٢٨)، وكما قال تعالى هنا: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾، وقال تعالى فيما سبق في سورة (الأنعام: ٣٥)، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾، وقال تعالى فيما سبق من سورة (يونس: ٩٩)، ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾، إشارة إلى مصير الذين اختاروا الضلالة على الهدى والكفر على الإيمان، من عصاة الجن والأنس، وأنهم سيلقون ما يستحقونه من العقاب.
وانتقل كتاب الله إلى مخاطبة المكذبين بلقائه وباليوم الآخر، فأخبرهم أن الله تعالى سيعاملهم في الآخرة بالإهمال، فلا
стр. 1945
يمن عليهم بعفوه ورحمته، ولا بدخول جنته، جزاء إهمالهم في الدنيا لعبادته وطاعته، وإصرارهم على متابعة الباطل بدلا من اتباع هدايته، وذلك معنى قوله تعالى هنا (على وجه المقابلة): ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
وكما يستعمل (الذوق) في الإحساس بالمطعوم يستعمل فيما تحس به النفس من مختلف الإحساسات وإن لم يكن شيئا مطعوما، ومن الاستعمال الثاني قوله تعالى هنا: ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ ... وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ﴾، وقوله في آية أخرى: ﴿فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾، و (عذاب الخلد)، هو العذاب الدائم الذي لا ينقطع.
وبعدما تحدث كتاب الله عن الفئة الغافلة المستكبرة، المصرة على التمسك بضلالها وإهمالها، أخذ يتحدث عن الفئة الواعية المؤمنة، الخاشعة لله، التي لا تفارقها خشية الله في جميع اللحظات، فوصفها بأن سماعها لكلام الله يزيدها هدى وإيمانا، فلا تلبث أن تخر ساجدة لجلاله وجماله، وتسبح في تهجدها بحمده وكماله، وإذا نامت فإنها لا تستغرق في النوم، بل تظل قلقة في مضاجعها بين الخوف والرجاء، ويهجم عليها الأرق ما بين فترة وأخرى، فتجد راحتها في التوجه إلى الله بالدعاء وعقد النية على التوجه إلى الخلق بالرفد والعطاء، وذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ * تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ على غرار قوله
стр. 1946
تعالى فيما سيأتي من سورة الذاريات (١٧ - ١٩): ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾.
وعقب كتاب الله على ذلك بالكشف عما أعده الله للصالحين من عباده في دار النعيم، فتقربه أعينهم، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وذلك قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
ونبه كتاب الله إلى الفرق الشاسع بين الكفر والإيمان، والطاعة والعصيان، وأنهما لا يستويان أبدا، ولذلك كان جزاء كل واحد منهما مناقضا للآخر، لا متماثلا ولا متحدا، وذلك ما يتضمنه قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ * أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ و (النزل) ما يهيأ للضيف النازل عند وصوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾.
ثم عرفنا كتاب الله بأن عذاب الله الذي يسلطه على الكفار والعصاة من خلقه، لتأديبهم وعقابهم، نوعان: النوع الأول (العذاب الأدنى) وهو الأصغر، والنوع الثاني (العذاب الأبعد) وهو الأكبر، أما (العذاب الأدنى) فهو عذاب الدنيا، ويصدق بالمصائب والأسقام التي يبتلى بها الخلق، تأديبا لهم، حتى يتوبوا إلى الله ويرجعوا
стр. 1947
إلى صراطه المستقيم، ومما يندرج في هذا النوع من العذاب حدود الجرائم والقتل، والأسر في الحرب، والقحط والغلاء، واضطراب حبل الأمن في السلم، وأما (العذاب الأبعد) فهو عذاب الآخرة بشدائده وأهواله، على اختلاف أصنافه وأحواله، وإلى ذلك يشير قوله تعالى في إيجاز وإعجاز: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى﴾، وهو العذاب الأصغر ﴿دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾، وهو العذاب الأبعد ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، فإن أفاد الأول في التأديب، لم تبق حاجة إلى ما فوقه من أنواع التعذيب، ومن لطائف التفسير ما نبه إليه فخر الدين الرازي في هذه الآية، من أن وصف عذاب الدنيا بكونه (قريبا) هو الذي يصلح للتخويف والإنذار، لا كونه صغيرا، لأن العذاب العاجل - وإن كان قليلا - يحترز منه الناس أكثر مما يحترزون من العذاب الشديد إذا كان آجلا، ووصف عذاب الآخرة بكونه (كبيرا وعظيما) هو الذي يصلح للتخويف والإنذار، لا كونه بعيدا، فاختار كتاب الله في كلا العذابين الوصف الذي هو أصلح للتخويف بهما، بدلا من مقابلهما غير المناسب، ولذلك قال في عذاب الدنيا: ﴿الْعَذَابِ الْأَدْنَى﴾، ولم يقل العذاب الأصغر، وقال في عذاب الآخرة: ﴿الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾، ولم يقل العذاب الأبعد.
وعقَّب كتاب الله على ما ذكره من وصف أحوال الفريقين ووصف مصيرهما في الدار الآخرة، بأنه لا ظالم لنفسه أظلم ممن عرض عليه كتاب الله، الذي فيه أهدى الهدى، وأحكم الحكمة، وشفاء الصدور من الشك والغم ومنتهى الرحمة، وبدلا من أن
стр. 1948
يُقبِل عليه إقبال الظمآن على الماء يعرض عن آياته دون خجل ولا استحياء، وذلك، قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾.
وعاد كتاب الله مرة أخرى إلى مخاطبة خاتم أنبيائه ورسله، مذكرا إياه، بأنه كما أنزل على موسى التوراة أنزل عليه الذكر الحكيم، ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ (٤٨: ٥)، وكما لاقى موسى العنت من فرعون وملئه، ومن بني إسرائيل أنفسهم، دون أن يتراجع أو يتقهقر، فإن خاتم الأنبياء والرسل لن يضيق ذرعا بما سيلقاه من عنت المشركين والكافرين، وكما اختار الحق سبحانه من بين ذرية موسى وقومه أئمة يهدونهم بين الفترة والأخرى، فسيختار من الأمة المحمدية أئمة عدولا يحملون هذا الدين، ويبلغونه للعالمين، ويجددون شبابه كلما احتاج للتجديد إلى يوم الدين، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ * وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾، وهذا الصبر نوعان: صبر على حمل الدين وممارسته بكل ثبات ويقين، وصبر على تحمل الأذى في سبيل حمله وتبليغه والدفاع عنه ضد هجمات المدعين والمبتدعين، وبالصبر مع العلم واليقين، تنال الإمامة في الدين.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾، إشارة إلى أن القول الفصل فيما بين البشر من نزاعات واختلافات حول العقائد والأديان، والحكم العدل فيها
стр. 1949
وفي غيرها من شؤون الإنسان، سيصدر عن رب العالمين وأحكم الحاكمين، عندما يجمع الناس ليوم لا ريب فيه وطبقا لقوله الفصل الصادر في شأنهم، وحكمه العدل، المقضي به لهم أوعليهم، يلتحقون بدار الجحيم، ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (٤٩: ١٨).
ووجه كتاب الله بعد ذلك أنظار الجاحدين والمكذبين إلى الاعتبار ب آيتين من آياته الكونية البارزة: الأولى آية يتجلى فيها مبلغ غضب الله ونقمته، والثانية آية يتجلى فيها مبلغ إحسانه ونعمته، أما الآية الكونية الأولى فيتضمنها قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ﴾، وأما الآية الكونية الثانية فيتضمنهما قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾.
وفي الآية الأولى إشارة إلى ما يتعرض له خصوم الرسالات الإلهية من هلاك، وما تتعرض له مساكنهم من تدمير، عندما لا يرجى لهم صلاح، وتذكير بأخبار القرى البائدة والقرون الخالية المتواترة، التي يتناقلها جيل عن جيل، فما بالهم لا يعتبرون بها بعد سماعها ويعودون إلى حظيرة الحق؟.
وفي الآية الثانية إشارة (إلى الماء الذي يسوقه الله إلى الأرض اليابسة التي لا تنبت، من السيول والأمطار، والعيون والأنهار، فلا تلبث أن تهتز وتربو، وتؤتي أكلها لخير الإنسان والحيوان، فما بالهم لا يعتبرون بها وهم يرون رأي العين أثر
стр. 1950
رحمة الله، المهداة إلى كافة الخلق؟.
وكما قال تعالى هنا: ﴿تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ﴾، بتقديم ذكر الأنعام على الأنفس، قال تعالى فيما سبق من سورة الفرقان (٤٩): ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾، ولعل في ذلك إشارة إلى أن الإنعام على الأنعام بالسقي من الماء، والأكل من الزرع، هو في الحقيقة إنعام من الله على الإنسان نفسه، لما للإنسان في الأنعام من منافع ومصالح لا تستقيم حياته بدونها.
وعلق أبو حيان على قوله تعالى هنا: ﴿فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ﴾، فقال: خص الزرع بالذكر، وإن كان يخرج الله بالماء أنواعا كثيرة من الفواكه والبقول والعشب المنتفع به في الطب وغيره، تشريفا للزرع، ولأنه أعظم ما يقصد من النبات، وأوقع (الزرع) موقع النبات، وقدمت الأنعام، لأن ما ينبت تأكله الأنعام أولا بأول، قبل أن يأكل بنو آدم الحب).
ووصف كتاب الله لونا من ألوان السخرية والاستهزاء التي كان يلجأ إليها الجاحدون والمكذبون، متسائلين عن الساعة واليوم الآخر: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، والمراد (بالفتح) هنا الفصل والقضاء، والحكم الأخير الذي يقع يوم القيامة، وهو (يوم الفتح)، ثم رد عليهم كتاب الله قائلا: ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾، مؤكدا بذلك أن من لم يؤمن قبل الموت لا يقبل منه يوم القيامة إيمان ولا
стр. 1951
عمل، ولا حق له في أي رجاء أو أمل، وسيأتي في سورة سبأ (٢٦) قوله تعالى: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ﴾، أي: يقضي بيننا بالحق، ﴿وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾.
قال ابن كثير: (ومن زعم أن المراد من هذا الفتح (فتح مكة) فقد أبعد النجعة، وأخطأ فأفحش، فإن يوم الفتح قد قبل فيه رسول الله ﷺ إسلام (الطلقاء) وقد كانوا قريبا من ألفين، ولو كان المراد فتح مكة لما قبل إسلامهم، لقوله تعالى: ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾.
وحرصا على كرامة الرسول الأعظم من سفه السفهاء وجدلهم الفارغ، دعاه الحق إلى الإعراض عنهم عندما يقوم بتبليغ الرسالة، ماداموا لا يبحثون عن الحق، وإنما يجادلون من أجل الباطل، كما دعاه إلى ملازمة الصبر، في انتظار النصر. وكما ينتظر الرسول والمؤمنون معه نصر الله، ينتظر الكافرون والجاحدون عذاب الله، وذلك قوله تعالى في ختام سورة السجدة المكية ونهاية هذا الربع، ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾.
стр. 1952
الربع الثالث من الحزب الثاني والربعين
في المصحف الكريم (ق)
ــ
٣٣ - سورة الأحزاب مدنية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٢) وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٣) مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤) ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥) النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى
стр. 1953
بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (٦) وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٧) لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (٨) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩) إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (١١) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (١٢) وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (١٣) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا (١٤) وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ
стр. 1954
مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا (١٥) قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٦) قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٧)
стр. 1955
الربع الثالث من الحزب الثاني والربعين
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
في حصة هذا اليوم نتناول تفسير الربع الثالث من الحزب الثاني والأربعين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى في سورة الأحزاب المدنية: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾
ــ
في ختام الربع الماضي انتهينا من تفسير (سورة السجدة) المكية، وفي بداية هذا الربع نشرع بعون الله في تفسير (سورة الأحزاب) المدنية، وقد أطلق عليها سورة (الأحزاب)، أخذا من قوله تعالى في آيتها العشرين: ﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ﴾ وقوله تعالى في آيتها الثانية والعشرين: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾.
وفي بداية هذه السورة خاطب الحق خاتم
стр. 1956
أنبيائه ورسله، والخطاب يعم كل فرد من أفراد أمته، فأمره بالتقوى، والأمر بتقوى الله لمن هو متلبس بها، بل بأعلى درجاتها - كما هو حال الرسول - أمر بالازدياد منها، والديمومة عليها، كما حذره من كيد الكافرين وخداع المنافقين، حتى لا يركن إليهم إذا تقدموا إليه برأي أو مشورة أو طلب، وما أكثر الحبائل التي نصبوها لدعوته، والحيل التي دبروها لتثبيطه عن أداء رسالته، ودعاه إلى اتباع الوحي الذي ينزل عليه من ربه، والعمل به دون تساهل ولا هوادة، فباتباعه يتحصن من مكر أعداء الله وخداعهم، وينجو من دسائسهم ومؤامراتهم، ثم أمره بعد ذلك بالتوكل على الله، والاعتماد - بعد اتخاذ الأسباب - على تدبير مولاه.
وفي خلال هذه الأوامر والتوجيهات الإلهية اختار كتاب الله جملة من أسماء الله وصفاته، لها علاقة وثيقة بالموضوع، ومناسبة تامة للمقام، ألا وهي اسم (العليم)، لأن الله هو الذي يعلم حق العلم الحق من الباطل، والصواب من الخطأ، واسم (الحكيم) لأن الله هو الذي يدبر أمر عباده أحكم تدبير، ويضع الأشياء مواضعها دون خلل ولا تقصير، واسم (الخبير)، لأن الله هو الذي يعلم سرائر الخلق وأسرار الخليقة، على وجه الحقيقة، واسم (الوكيل) لأن الله هو الذي يتولى حفظ أوليائه، ويعصمهم من كيد أعدائه، وبهذا التفسير المستطاب، يتضح معنى الآيات الأولى من سورة الأحزاب. قال تعالى: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ
стр. 1957
كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا * وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾.
وقوله تعالى في بداية هذه السورة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾، كقوله تعالى في سورة الأنفال (٦٤): ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وقوله في سورة التوبة (٧٣) وسورة التحريم (٩): ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾، هذا أسلوب قرآني خاص، يستعمله كتاب الله عند مناداة رسوله الأعظم، فيناديه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ أو ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾، تنويها بقدره، وتشريفا لأمره، بينما يقتصر في نداء غيره من الرسل والأنبياء، على مجرد ذكر الأسماء، فيقول مثلا: يا آدم، يا نوح، يا إبراهيم، يا موسى، يا داوود، يا عيسى، وهذا لا ينقص من قدرهم، إذ هم جميعا في أصل النبوة والرسالة سواء، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
ثم قال تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾، إشارة إلى أنه لا يمكن أن يجتمع في قلب واحد إيمان وكفر، كما يتصور المنافقون، إذ يحاولون التظاهر بالإيمان، بينما قلوبهم منطوية على الكفر، فالكفر لا يجتمع مع الإيمان، كما لا يجتمع الشك مع اليقين، والشرك مع التوحيد، والانزعاج مع الطمأنينة في وقت واحد، وحالة واحدة.
وجاء كتاب الله في نفس السياق بحالتين عرفتهما الجاهلية قبل الإسلام، فدعا إلى الحد منهما وإبطال مفعولهما: الحالة الأولى هي (الظهار) من الزوجة، واعتبارها بمنزلة (الأم) والحالة
стр. 1958
الثانية هي (تبني أولاد الغير) واعتبارهم بمنزلة الأولاد الأصليين.
ففي حالة " الظهار " وهي الحالة الأولى، يقول الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾، بمعنى أن المرأة الواحدة لا يمكن أن تكون زوجة للرجل وأما له في نفس الوقت، فهناك فرق كبير بين الوضعيتين والحالتين ماديا وأدبيا، وما جرى عليه العرب في جاهليتهم من مفارقة زوجاتهم عند غضبهم، وقطع العشرة الزوجية معهن، بمجرد قول الزوج لزوجته: (أنت علي كظهر أمي)، لم يعد له نفس الاعتبار في الإسلام، بل أصبح هذا النطق في نظر الإسلام منكرا من القول وزورا، وأصبح تحريم مساس الزوجة والاستمتاع بها بمقتضى هذا القول أمرا مؤقتا، ويمتد إلى غاية محدودة، هي القيام بالكفارة من طرف الزوج، و (كفارة الظهار) حسب الترتيب في الدرجة الأولى: تحرير رقبة، وفي الدرجة الثانية: صيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا، وفي الدرجة الثالثة: إطعام ستين مسكينا، طبقا لما يأتي من الآيات في سورة المجادلة. قال جار الله الزمخشري: (فإن قلت ما معنى قولهم أنت علي كظهر أمي؟ قلت: أرادوا أن يقولوا: أنت علي حرام كبطن أمي؟ فكنوا عن البطن بالظهر، لئلا يذكروا البطن الذي ذكره يقارب الفرج، وإنما جعلوا الكناية عن البطن بالظهر، لأنه عمود البطن)، وكما قال تعالى هنا: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾، قال تعالى في سورة المجادلة الآتية (٢): ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ
стр. 1959
الْقَوْلِ وَزُورًا﴾.
وفي حالة (التبني)، وهي الحالة الثانية، يقول الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾، بمعنى أن تبني ولد أو بنت ليس من صلب المتبني، وإنما هو أو هي من صلب رجل آخر، معروف أو مجهول، عمل غير مشروع لا يرضى عنه الله، ولا يقبله الشرع، لأنه مجرد تزوير، وقلب للحقائق، ومن أجل ذلك سمى كتاب الله هذا الولد المتبني كالبنت المتبناة (دعيا) أي ولدا ليس بأصيل، والجمع (أدعياء) وبالرغم عن تسميته ابنا من طرف الأب الطارئ المتبني، فإن الله تعالى يرفض قبوله ابنا للمتبني، ويعتبره دخيلا في الأسرة ومتطفلا عليها. وتأكيدا لرفض بنوته وإن ادعاها المتبني قال تعالى في نفس السياق: ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾، أي: لا عبرة به شرعا، لأنه مخالف للواقع وكذب على الله، ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾، لا يرضى بسواه بديلا، ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾، فما أقره اتبعناه، وما أنكره رفضناه.
وقد كان هذا النوع المصطنع من الأبوة والبنوة معروفا عند العرب في الجاهلية، ولا سيما بالنسبة للأولاد الذكور، كما كان معروفا عند غيرهم، لكن كتاب الله أعلن فساده وبطلانه، وفرض على المسلمين أن لا يغيروا خلق الله، وأمرهم أن ينسبوا الولد أو البنت إلى الأب الحقيقي ما دام الأب معروفا، أو يكتفوا في معاملته كأخ في الدين، أو كمولى من موالي القبيلة أو العشيرة، إن كان مجهول الأب مجهول النسب، وذلك قوله تعالى مخاطبا
стр. 1960
لعباده المتقين: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾.
ونبه كتاب الله على أن من نسب ولدا إلى غير أبيه وكان ذلك صادرا منه على وجه الخطأ لا على وجه العمد، فإنه لا إثم عليه، لكن المتعمد لنسبة الولد إلى غير أبيه، مثل متبنيه، قاصدا لذلك مصرا عليه، سيؤاخذ بما تورط فيه من قول الزور، ما لم يتب إلى الله، وذلك معنى قوله تعالى هنا: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾.
والحكمة في تحريم (التبني) ومنعه شرعا منعا باتا أن مرتكبه يعمل على إفساد الأنساب واختلاطها، بدلا مما أمر الله به من حفظ الأنساب وصيانتها، كما يعمل على انتزاع الحقوق من أهلها وتمكين الغير منها دون حق، لأنه يجعل ولد الغير ولدا للطلب، وبذلك يصبح غير المحارم، من زوجة المتبني وأولاده الأصليين، وقرابته الأقربين، محارم لمن تبناه، وهو في الحقيقة أجنبي عنهم، يحل لهم منه ما يحل منهم لغيره، ويصبح الولد المتبنى شريكا لهم في الإرث، دون أن يكون له أدنى حق فيه، إلى غير ذلك من التعقيدات والمضاعفات التي تغير طابع الأسرة المسلمة، وتفسد نظامها من الأساس، وإذا كان الإسلام قد أقفل باب التبني ولم يأذن به لما يترتب عليه من مفاسد ومضار، فإنه فتح باب الإحسان في وجه من يريد الإحسان لأطفال المسلمين، ولو كانوا مجهولي الآباء، متى تعرض المجتمع الإسلامي لآفات اجتماعية، أو كوارث طبيعية، وذلك بتربيتهم وتعليمهم، والأخذ بيدهم في
стр. 1961
المراحل الأولى من حياتهم، وتخصيص الهبات والوصايا لصالحهم، عندما يبلغ أحدهم أشده، وبهذه الطريقة يتم إدماجهم في المجتمع الإسلامي بصورة مشروعة، فيها نفع لهم من جهة وليس فيها ضرر على الأسرة المسلمة ولا اعتداء على حقوقها الشرعية من جهة أخرى، ويجب على من تورط في عملية التبني أن يعرف الولد المتبنى في الوقت المناسب بأنه ليس ولدا له من الصلب، وإنما هو أخ في الدين، له حق العون والإحسان، لا حقوق الأولاد الأصليين، وليكن ذلك على وجه لا يشعره بخزي ولا عار، ولا سيما إذا كان في الأمر ما ينبغي ستره من الأسرار.
وكما يحرم على الغير نسبة الابن إلى غير أبيه، فإن انتساب الشخص، من تلقاء نفسه إلى غير أبيه يكون حراما من باب أولى وأحرى، جاء في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: (من ادعى إلى غير أبيه) أي: انتسب، (وهو يعلم أنه غير أبيه، فالجنة عليه حرام)، ثم قال تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، أي: غفورا للمتعمد إذا تاب، رحيما بالمخطئ، حيث رفع عنه إثم الخطأ.
ثم تصدى كتاب الله لتحديد العلاقة القائمة بين عامة المسلمين ورسوله الصادق الأمين، وبينهم وبين أزواج الرسول من أمهات المؤمنين، والعلاقة القائمة بين الأقارب من أولى الأرحام بعضهم من بعض، فقال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾، ومعنى كون الرسول ﵇ أولى بالمؤمنين من أنفسهم أنه أرأف بكل واحد منهم، وأشفق عليه من نفسه
стр. 1962
التي بين جنبيه، إذ هو يدعو كل مؤمن إلى النجاة دائما، بينما النفس الأمارة بالسوء تدعوه إلى الهلاك غير ما مرة، ومثل هذا المعنى يؤخذ من قوله تعالى في وصف رسوله الأعظم (١٢٨: ٩): ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾، وقوله تعالى في وصفه أيضا (١٥٧: ٧): ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾، وقد اتسع نطاق رأفته ﷺ بالمؤمنين ورحمته لهم، حتى أخذ يسدد دين من مات منهم وعليه دين، طبقا لقوله ﷺ ، ونصه كما رواه البخاري في كتاب الفرائض من صحيحه: (أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن مات وعليه دين ولم يترك وفاء فعلينا قضاؤه، ومن ترك مالا فلورثته).
ومعنى قوله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾، أن أزواج النبي ﷺ أنزلن منزلة أمهات المؤمنين في وجوب البرور والتوقير والاحترام، وكذلك في منع الزواج بهن من بعده، مصداقا لقوله تعالى في آية أخرى (٣٥: ٣٣): ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾. أما بنات أزواجه وأخواتهن فالزواج بهن حلال بالإجماع، وإن كان بعض الأئمة يتساهل في التعبير، فيطلق على بنات أزواج النبي (أخوات المؤمنين).
ومعنى قوله ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾، أن ذوي القرابات من أهل الفرائض أحق من غيرهم بالتوارث فيما بينهم، وبذلك يمنع إشراك الولد المتبنى مع
стр. 1963
ولد الصلب في إرث أبيه أو أمه، لأنه لا رحم بينه وبينهما، وليس من أولادهما الشرعيين الأصليين.
وبمقتضى قوله تعالى في هذه الآية: ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾، وضع كتاب الله حدا للتوارث بمجرد الهجرة والمؤاخاة في الدين التي كانت قد حلت مؤقتا محل القرابة، بين الأنصار والمهاجرين فعاد الأمر إلى نصابه، وعادت المواريث إلى أهلها من ذوي القرابات، الذين لهم حق في الميراث، سواء في ذلك أولو الأرحام من عموم المؤمنين أو خصوص المهاجرين، طبقا لقوله تعالى في نفس السياق: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾، باب واسع فتحه كتاب الله في وجه من يريد الإحسان إلى من له به علاقة خاصة، لكن لاحق له في الإرث، إما لكون درجة قرابته رغم إسلامه لا تعطيه صفة الوارث شرعا، وإما لأنه على غير ملة الهالك، كالزوجة الكتابية التي لم تسلم، ففي هذه الحالة التي لا إرث فيها لا مانع من البر والإحسان، عن طريق الهبة أو (الوصية) التي جاء بها القرآن.
وليؤكد كتاب الله من جديد وجوب قصر التوارث على أولي الأرحام بعضهم مع بعض، وإلغاء كل ما خالف ذلك مما سبق في الجاهلية أو وقع في صدر الإسلام، قال تعالى: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾، بمعنى أن هذا الحكم هو الحكم الأساسي الذي شرعه الإسلام على وجه الاستمرار الدوام.
стр. 1964
وليثبت الحق فؤاد خاتم أنبيائه ورسله على الحق المبين، حتى يقف في وجه الكافرين والمنافقين، ويتحمل كل عناء في سبيل تربية أصحابه المؤمنين، وتبليغ رسالته إلى العالمين، ذكره كتاب الله بالميثاق الذي أخذه عليه وعلى كافة الأنبياء في هذا الصدد، مؤكدا أن ذلك الميثاق (ميثاق غليظ)، لجسامة أمره، وجلالة شأنه، مخبرا بأن الصادقين من أتباعه وأتباع الأنبياء السابقين، سيسألون يوم القيامة عن مدى تصديقهم لذلك الميثاق، ومدى تنفيذهم له في دنياهم، لينالوا أحسن الجزاء في أخراهم، أما الذين كفروا بميثاق الأنبياء فسينالون ما يناسبهم من العقاب والجزاء، وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا * لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾، وكما يسأل أتباع الرسل عن هذا الميثاق يسأل عنه الرسل أنفسهم، مصداقا لقوله تعالى (١٠٩: ٥): ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾.
ويلاحظ في هذه الآية البدء بذكر خاتم الأنبياء قبل نوح: ﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾، ثم ذكر بقية أولي العزم من مشاهير الرسل -حسب تسلسلهم التاريخي قبل الرسالة المحمدية - لأنه هو وارثهم وممثلهم، وخاتمهم الذي أرسله الله إلى الناس جميعا، بينما ورد ذكره بعد ذكر نوح في قوله تعالى: (١٣: ٤٢): ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ الآية، لأن المراد في هذه
стр. 1965
الآية وصف دين الإسلام بالأصالة والقدم. قال جار الله الزمخشري: (فكأنه قال: شرع لكم الدين الأصيل الذي بعث عليه نوح في العهد القديم، وبعث عليه محمد خاتم الأنبياء في العهد الحديث، وبعث عليه من توسط بينهما من الأنبياء المشاهير).
وكمثال بارز لحرص الرسول الأعظم والصادقين من أصحابه على تنفيذ ميثاق الله، الذي أخذ عليه وعلى بقية الأنبياء، مهما كلفهم من تضحيات، قص كتاب الله قصة أحزاب الشرك والكفر التي تألبت عليه وعلى المسلمين، بتحريض من يهود بني النضير، وقررت الزحف على مدينة الرسول بعشرة آلاف مقاتل، علاوة على يهود بني قريظة، للقضاء على الإسلام والمسلمين، فتصدى رسول الله ﷺ ، والمؤمنون الصادقون معه للوقوف في وجه زحف تلك الأحزاب، وأقاموا حول المنطقة المكشوفة من المدينة -بإشارة سلمان الفارسي- خندقا كان الرسول ﵇ على رأس من يقوم بحفره، وتفتيت صخره، ونقل ترابه، والغبار يتراكم على جسمه الشريف، وهو يرتجز برجز ابن رواحة، تشجيعا لأصحابه بالقول والعمل والأسوة الحسنة، واستعد الرسول والمؤمنون معه لمواجهة زحف الشرك والكفر، وإن كان عددهم لا يتجاوز ثلاثة آلاف وعدد الأحزاب أكثر من عشرة آلاف، واستمر الحصار مضروبا على المدينة شهرا كاملا، وباءت محاولات اقتحام الخندق كلها بالفشل، وخذل الله أحزاب الشرك والكفر، وسلط عليهم ريحا قوية قلعت الأوتاد، وقطعت أطناب الخيام،
следующие страницы →