← Тафсир

Тафсир · id 115129

التيسير في أحاديث التفسير

محمد المكي الناصري

Полный текст (2 848 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

أقل مدة يمكن أن يقع فيها الحمل وهي ستة أشهر، وإلى أطول مدة يمكن أن يتم فيها الرضاع وهي أربعة وعشرون شهرا. ومن وصية الله للإنسان بالإحسان إلى الوالدين انتقل كتاب الله إلى وصف نموذجين من نماذج الأولاد التي يواجهها الآباء والأمهات في حياتهم باستمرار: الأول: نموذج الولد البار المهتدي الذي يمتثل وصية الله بالإحسان إلى والديه، ويقوم بها حق القيام، وهذا له الجزاء الحسن عند الله. والثاني: نموذج الولد العاق الضال، الذي يهمل وصية الله، فيعامل والديه بالإساءة والتأفف دون أي اعتبار، وجزاؤه الخسران والهوان في الدنيا والآخرة. وإلى النموذج الأول وهو الولد البار المهتدي يشير قوله تعالى: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾، أي ألهمني، ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾، وإلى ما ادّخره الله له من الجزاء الحسن يشير قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾. وإلى النموذج الثاني وهو الولد العاق الضال يشير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ﴾، أي أبعث، ﴿وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي﴾، أي: مضى

стр. 2382

الأموات من قبلي ولم يرجع منهم أحد، ﴿وَهُمَا﴾، أي: والداه، ﴿يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ﴾، أي: الولد العاق الضال، ﴿مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾، وإلى ما أعده الله له من العذاب والنكال يشير قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾، أي: حق عليهم العذاب، ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾. وعقب كتاب الله على نموذج الولد البار المهتدي، ونموذج الولد العاق الضال فقال: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.

стр. 2383

الربع الثاني من الحزب الواحد والخمسين في المصحف الكريم (ق) ــ وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٢١) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٢) قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٣) فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (٢٥) وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٢٦)

стр. 2384

وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧) فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٨) وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٢) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٤) فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ

стр. 2385

وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (٣٥) ٤٧ - سورة محمد مدنية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ (٢) ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ (٣) فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (٦) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (٨) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٩)

стр. 2386

الربع الثاني من الحزب الواحد والخمسين في المصحف الكريم (ت) عباد الله في حديث هذا اليوم نتناول تفسير الربع الثاني من الحزب الواحد والخمسين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى في سورة "الأحقاف" المكية: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾، إلى قوله تعالى في سورة "محمد" المدنية: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾. ــ في هذا الربع يوالي كتاب الله إمداد رسوله الأعظم ﵊ بأخبار من سبقه من الرسل، وأخبار من سبق أمته من الأمم، وهو إذ يستعرض أمام رسوله هذه الأخبار يثبت قلب رسوله على الحق، كما يثبت قدم رسوله في محاربة الباطل، وإذ يستعرضها أمام مشركي قريش ينذرهم بعاقبة الإنكار والجحود، ويحذرهم من الإصرار على معارضة الرسالة الإلهية التي هي خاتمة الرسالات، ومن الوقوف في وجهها، ويذكرهم بالهلاك والدمار الذي أصاب قوما آخرين سبقوهم، وهم من نفس جنسهم ومن جيرانهم الأقربين.

стр. 2387

وفي هذا السياق يتناول كتاب الله قصة هود ﵇ وعادا قومه، فيذكر نوع الدعوة الإلهية التي دعا إليها جميع الأنبياء والرسل، وهي الدعوة إلى الإيمان بالله واليوم الآخر: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، ثم يحكي كتاب الله الرد الذي قابلت به عاد دعوة هود ﵇، وما يتضمنه هذا الرد من شك وتكذيب وعناد، وما احتوى عليه من التحدي لقدرة الله، رغما عن أنه القاهر فوق عباده: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا﴾. أي لتصدنا عنها، ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، أي فأتنا بالعذاب الذي تنذرنا به من عند الله. ويتصدى هود ﵇ لجواب قومه عاد جوابا خاليا من الادعاء والتطاول على الله: ﴿قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ﴾، أي فهو سبحانه الذي يعلم متى يذيقكم العذاب، ﴿وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾، أي تصرون على الجهل بوحدانية الله وقدرته، وتردون دعوة الله الموجهة إليكم ردا غير جميل. ويمضي كتاب الله في وصف ما آل إليه أمر عاد في النهاية، إذ تعرضوا لغضب الله، جزاء عنادهم وإصرارهم وتحديهم لقدرة الله، فقد نقلت الروايات أن عاد أصابها الحر الشديد، وطال عليها الجفاف والجدب، واحتبس عنها المطر، حتى أصبحت جميع الأنظار فيها متطلعة نحو السماء، تنتظر تصريف

стр. 2388

الرياح وتسخير السحب بالغيث النافع، فلما رأوا السحاب مقبلا على أوديتهم فرحوا واعتقدوا أنه سحاب غيث وإحياء، لا سحاب هلاك وإفناء: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾، ولكن الحق الذي ينجز وعده بالثواب لمن يستحقه، لا يخلف وعيده بالعقاب لمن تحدى أمره وتحدى رسله، رغما عن توالي الحجج والبينات، وها هو لسان القدرة يعيد على أسماعنا في كتاب الله نفس الجواب الحاسم، الذي تلقته عاد، أشد ما تكون خيبة أمل، وكأنها تستمع إليه الآن: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾، ثم يصف كتاب الله مشهد الدمار والخراب الشامل، الذي حل بعاد فأصبحت أثرا بعد عين، ولم يبق من ذكرياتها إلا مساكنها، لكنها خالية موحشة ينعق فيها البوم: ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾. ويتعرض كتاب الله في أعقاب هذا الحديث إلى ما كانت عليه عاد من الذكاء والقوة، لكنها لم تستعملها في مرضاة الله، إذ لم تستجب إلى دعوته. فعاقبها وأخذها أخذا وبيلا: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. وقوله تعالى في بداية هذه القصة: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ﴾، إشارة إلى هود ﵇ نفسه، لكن كتاب الله ذكره هنا بصفته

стр. 2389

لا باسمه، تنبيها إلى رابطة الأخوة التي كانت تربطه بقومه، وتستوجب عطفه عليهم، وحرصه على هدايتهم. وقوله تعالى: ﴿إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾، إشارة إلى موطن عاد في جنوب جزيرة العرب بين اليمن وعمان، وقد قامت دولة عاد الأولى في جنوب الجزيرة العربية قبل ميلاد المسيح بعشرين قرنا، وقبل الهجرة النبوية بسبعة وعشرين قرنا، و " الأحقاف " جمع " حقف " وهو الكثيب المرتفع، أو الجبل المستطيل من الرمال. وقوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾، إشارة إلى أن الظواهر الكونية على اختلافها - والريح من جملتها- إنما هي كائنات مسخرة بأمر الله، لا تتحرك إلا وفق مراده، طبقا لنواميس كونية معلومة، ولا تنفذ إلا خططا إلهية مرسومة. ثم عقب كتاب الله على قصة عاد وما أصابها من الهلاك والدمار، بآية أخرى تذكر مشركي قريش بما أصاب الأقوام الذين كانوا من حولهم عموما، وما حل بديار أولئك الأقوام من العذاب الشديد، وما نالهم من الخيبة واليأس، عندما رأوا المعبودات التي كانوا يدعونها ويتقربون إليها بالقرابين عاجزة عن إغاثتهم وإنقاذهم في وقت الشدة واليأس، وقد تخلت عنهم وتجاهلتهم، لأنها في الحقيقة لا تملك لهم ضرا ولا نفعا، وذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، أي وألينا عليهم مختلف الآيات والقوارع،

стр. 2390

واحدة بعد واحدة، عسى أن تؤثر فيهم هذه الآية إن لم تنفع فيهم الأخرى، ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً﴾، أي: فهل نصرتهم معبوداتهم عند احتياجهم إليها في وقت الشدة، ﴿بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾. والإشارة في قوله تعالى هنا: ﴿مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى﴾، إلى أقوام من العرب أيضا يشاركون مشركي قريش في نفس الجنس والسلالة، وهم " عاد " بالأحقاف، و " سبأ " باليمن وكلاهما في جنوب الجزيرة العربية، وثمود ومدين في شمالها بين الحجاز والشام، ولوط التي يمر ببحيرتها تجار قريش في رحلتهم إلى الشام، والمعنى المقصود من هذه الإشارة هو أن عاقبة الجحود والعناد واحدة بالنسبة للجميع، بالنسبة لغير العرب ولنفس العرب، وإذا كانت الآيات القرآنية تحدثت في مكان آخر من كتاب الله عن مصير فرعون وقومه في مصر البعيدة عن جزيرة العرب، فها هي تتحدث الآن عن مصارع أقوام من نفس العرب، قريبة من المشركين، بحيث يرون آثارها، ويشاهدون أطلالها، ويرون أخبارها، عسى أن تكون الموعظة بمن هم من جنسهم، وحول ديارهم، أوقع في النفس، وأعمق في التأثير. وكما سجل كتاب الله في سورة أخرى أن جميع المخلوقات تدين الله بالتسبيح والتنزيه، إلا أن البشر لايفهمون تسبيحها، إذ قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ (الإسراء: ٤٤)، تحدثت الآيات الكريمة في هذا الربع عن نفر من الجن هداهم الله للاستماع إلى القرآن،

стр. 2391

فأنصتوا إليه خاشعين، ثم ولوا إلى قومهم منذرين، محذرين إياهم من الضلال المبين، وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾، ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ﴾، ﴿وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. قال ابن عباس ﵁: " ّما قرأ رسول الله ﷺ على الجن ولا رآهم، فلما سمعوا القرآن وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر استمعوا له "، وقال الحسن البصري: " أنه ﷺ ما شعر بأمرهم حتى أنزل الله تعالى عليه خبرهم ". ويتصل بهذا الموضوع قوله تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ (الجن: ١)، وفيه دليل على أنه ﷺ إنما عرف قول الجن، عن طريق الوحي الذي أنزل عليه، كما رواه البخاري ومسلم. ثم اتجه الخطاب الإلهي إلى الرسول ﵊ آمرا له بالثبات على الحق، والصبر إلى النهاية على تكاليف الدعوة ومتاعبها، ومسؤولياتها وأخطارها، ضاربا له المثل بصبر " أولي العزم " من الرسل، وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى، ليكون خامسهم وخاتمهم، وقد ورد ذكر أسمائهم جميعا في آيتين من سورة الأحزاب وسورة الشورى، ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾. والآن ونحن ننتهي من سورة " الأحقاف " المكية تستقبلنا

стр. 2392

سورة مدنية لا مكية، يطلق عليها " سورة محمد " لذكر اسمه الشريف فيها، كما يطلق عليها " سورة القتال " لأنها تضمنت الإذن للرسول وصحبه بالجهاد في سبيل الله، ردا لعدوان المشركين، وحماية لحمى المؤمنين، ﴿فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ﴾ (محمد: ٢٠)، وذلك قوله تعالى: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾، ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾.

стр. 2393

الربع الثالث من الحزب الواحد والخمسين في المصحف الكريم (ق) ــ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (١٠) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (١١) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ (١٣) أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (١٤) مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (١٥) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا

стр. 2394

مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (١٦) وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧) فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ (١٨) فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ (٢٠) طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ (٢١) فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (٢٣) أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤) إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (٢٥) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (٢٦) فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ

стр. 2395

يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (٢٧) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٢٨) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (٢٩) وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ (٣٠) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (٣١) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ (٣٢)

стр. 2396

الربع الثالث من الحزب الواحد والخمسين في المصحف الكريم (ت) عباد الله موضوع حديثنا اليوم تفسير الربع الثالث من الحزب الواحد والخمسين في المصحف الكريم، وبدايته قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾، ونهايته قوله جل علاه: ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ﴾. ــ يتساءل كتاب الله في مطلع هذا الربع عن مشركي قريش بشيء من الاستغراب، كيف أنهم لم يعتبروا بمصير الأقوام الذين سبقوهم فسقطوا صرعى، ولا بمصير الديار التي عمرها أولئك الأقوام فأصبحت بعدهم بلاقع، وكيف أنهم يصرون على الجحود والعناد، والفساد في البلاد، غافلين عن المصير السيئ الذي يمكن أن يكون مصيرهم: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾. ويصف كتاب الله حالة الكافرين الذين ملأ الكفر قلوبهم، وأحاطت بهم خطيئاتهم من كل جانب، وما يكونون عليه من

стр. 2397

الانهماك في اللذات، والإسراف في الشهوات، على نحو بهيمي سافل، فيقول: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾، فهم لا يعرفون إلا شهوتي البطن والفرج، يقبلون عليها بنهم وشبق وهمجية بالغة، وهم قلقون متهافتون في كل لحظة من اللحظات على هذا النوع من العيش باستمرار، إذ يرون أن حياتهم على سطح الأرض قصيرة الأجل، محدودة المدى، ولا أمل لهم ولا رجاء فيما وراءها، لأنهم لا يؤمنون بحياة ثانية أطول أمدا، وأفضل نعمى، كما هو شأن المؤمنين الذين يدخرون من يومهم لغدهم، ومن دنياهم لآخرتهم والذين تنتظرهم عند الله حياة أدوم وأخلد، وأفضل وأسعد، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾. ويشير كتاب الله في هذا الربع إلى الضغط المادي والأدبي الذي مارسه مشركوا قريش لمحاصرة الدعوة الإسلامية، حتى اتجه الرسول ومن معه من أصحابه إلى مفارقة مكة والانتقال عنها إلى المدينة، الأمر الذي يوازي في لغة الواقع إخراج قريش للرسول من مكة، مهد الرسالة ومنزل الوحي الأول، مبينا أن ما تعتز به قريش - المهيمنة إذ ذاك على مقاليد مكة - من القوة والمال والرجال، لا يقف أمام قوة الله وقدرته، فقد أهلك الله قبلها ديارا

стр. 2398

لا تحصى عدا كانت أشد منها قوة وأكثر منعة، وذلك قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾، ويكشف كتاب الله السر فيما أصاب تلك الديار، من الهلاك والبوار، وأن إتباع الهوى، والفساد في الأرض، يجران دائما إلى الخراب والدمار: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾. وتصف الآيات الكريمة مشهدا من مشاهد " المنافقين " بالمدينة، وهم أولئك الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر، عجزا منهم عن المجاهرة بالعداء للإسلام، إذ أصبح له جنود وأنصار، وقوة تزخر بها الديار، فهم بحكم انتمائهم إلى الإسلام يحضرون مجالس الرسول ﵊، ويستمعون إليه وهو يتلوا القرآن، لكنهم بحكم ما انطووا عليه من الكفر لا يجدون في أنفسهم أي استعداد لفهم ما أنزل عليه، بل هم في حيرة وخبال، والتباس دائم وإشكال، وذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾. وفي مقابل هذا الوصف الذي كشفت به الآيات الكريمة وقع القرآن في نفوس المنافقين جاءت بوصف آخر لوقع القرآن في نفوس المؤمنين حتى تتم المقارنة بين الفريقين، إذ قالت: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾.

стр. 2399

وتصدى كتاب الله مرة أخرى لوصف المنافقين فهم العنصر الجديد والعنيد، الذي أصبح يقوم في المدينة بالدور الذي يقوم به المشركون في مكة، وها هنا يصف الحق وقع القرآن في نفوس المنافقين عندما تنزل أوامره بذكر الجهاد في سبيل الله، فبحكم أنهم ينتمون إلى الإسلام في الظاهر يجب عليهم أن يتقدموا للفداء في سبيله، وبحكم أنهم أعداء للإسلام في الباطن لا يرون مبررا للتضحية بأرواحهم في سبيله، ولا مصلحة لهم في ترجيح كفته على كفة الشرك، الذي هو في الحقيقة سندهم الأصيل، ومنطلق حبهم الأول، وذلك ما يسجله عليهم قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾، وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ * أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾. وعاد كتاب الله إلى الحديث عن المنافقين تلويحا وتعريضا، داعيا إياهم إلى التبصّر في العواقب وحسن الاختيار، إذ إن نجاتهم من عذاب الله متوقّفة على طاعة الله ورسوله، وعلى تطهير القلب من الوسواس، وصيانة اللسان من منكر القول والزور، وذلك قوله تعالى: ﴿فَأَوْلَى لَهُمْ * طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾. ويمضي كتاب الله في هذا السياق إلى نهايته، موجها خطابه للمنافقين، متسائلا عن احتمال عودتهم إلى الشرك مرة ثانية،

стр. 2400

وبصفة علانية، بدلا من الإسلام الذي يتظاهرون به، فيبين أن مآل أمرهم إذا ارتدوا إلى الشرك هو العودة إلى ما كانوا عليه في الجاهلية من الفساد في الأرض وسفك الدماء، وأنهم إن عادوا إلى شركهم الأول، بدلا من أن يمضوا قدما في الإخلاص للإسلام، فلن يكونوا سوى عبيد مسخرين للشيطان وذلك قوله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ﴾. ويهتك كتاب الله أستار المنافقين بالمرة، فينبه إلى المؤامرات والدسائس التي يدبرونها مع حلفائهم من المشركين والكتابيين ضد الإسلام، ويبين أن الله عالم بأسرارهم وأنه لو شاء لعرّفهم لرسوله بسيماهم، وفي لحن القول الذي يجري على ألسنتهم، ويكشف عن دخائل نفوسهم " فمن أسر سريرة ألبسه الله رداءها " وذلك قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ * وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾. ويتنبأ كتاب الله بالمصير المفجع الذي ينتظر المنافقين والكافرين جزاء نفاقهم وكفرهم: ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ

стр. 2401

وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾، كما يتنبأ بما سينالهم من العذاب الأليم عند موتهم أولا، ومن الخسران المبين عند بعثهم أخيرا، وذلك قوله تعالى في ختام هذا الربع: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ﴾.

стр. 2402

الربع الأخير من الحزب الواحد والخمسين في المصحف الكريم (ق) ــ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (٣٣) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (٣٤) فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (٣٥) إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ (٣٦) إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ (٣٧) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (٣٨) ٤٨ - سورة الفتح مدنية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا

стр. 2403

تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (٣) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٤) لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (٥) وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٦) وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (٧) إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٩) إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١٠) سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ

стр. 2404

شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١١) بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا (١٢) وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا (١٣) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٤) سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥) قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦) لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا (١٧)

стр. 2405

الربع الأخير من الحزب الواحد والخمسين في المصحف الكريم (ت) عباد الله في حديث هذا اليوم نتناول الربع الأخير من الحزب الواحد والخمسين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى في سورة "محمد" المدنية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾، إلى قوله تعالى جل علاه في صورة "الفتح" المدنية أيضا: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. ــ لا تزال التوجيهات الإلهية تترى على المسلمين الأولين بما يهديهم ويسدد خطواتهم، ويقيم دعائم دولتهم الأولى بالمدينة المنورة، على أساس متين، من الحق المبين. ففي هذا الربع يتجه الخطاب الإلهي إلى المؤمنين بأحب وصف إليهم، وأعز شعار عليهم، وهو وصف " الإيمان " بالدين الحنيف، وشعاره المنيف: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ثم يؤكد الحق أمره لهم بطاعة الله وطاعة رسوله، طاعة كاملة مطلقة، لا تردد فيها ولا التواء، وذلك حذرا من إبطال

стр. 2406

أعمالهم، وإحباط مساعيهم، إذا لم يبادروا إلى الامتثال، أو ظهرت منهم بوادر الإهمال: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾. ثم يتحدث كتاب الله عن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله، بما يضعونه في طريق المؤمنين من العراقيل، وما يدبرونه من المؤامرات والدسائس لعرقلة الدعوة الإسلامية، حتى لا تتمكن من تحقيق أهدافها، والوصول إلى غاياتها، وينذر هؤلاء الأعداء الألداء للإسلام والمسلمين بأنهم إذا واصلوا نفس الخطة تجاه الإسلام، ولم يتراجعوا عنها إلى أن أدركهم الموت، فإنه لا سبيل إلى غفران ذنوبهم، ولا إلى نجاتهم من العذاب الأليم الذي ينتظرهم، ومعنى هذا أن فرصتهم الوحيدة المواتية إلى الآن وحتى الآن هي تدارك ما فات بالدخول في حظيرة الإسلام، والتوقف عما اعتادوه من الدسائس والآثام، فإذا تابوا إلى الله قبل أن يدركهم الموت توبة نصوحا كان لهم في الإسلام ردء وأي ردء، وجنة واقية من عذاب الله، إذ الإسلام يجب ما قبله، وإلى ذلك يشير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾. واتجه خطاب الله بعد مرة أخرى إلى المؤمنين جميعا، ناهيا لهم عن الرضى بالوهن والفشل والتخاذل، وعن الميل إلى موادعة الأعداء ومسالمتهم، إن كانت تلك المواعدة والمسالمة لا خير فيهما للإسلام، ولا نفع من ورائهما للمسلمين، وذلك قوله تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ﴾، قال القاضي أبو بكر

стр. 2407

(ابن العربي): " إن الصلح إنما هو إذا كان له وجه يحتاج فيه إليه، ويفيد فائدة ". ووضح كتاب الله السر في نهي المسلمين عن التخاذل والوهن، وعن الصلح إذا لم تكن فيه فائدة محققة للإسلام، فقال تعالى: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾، إشارة إلى أن الدعوة الإسلامية التي يدافع المسلمون عن حريتها، ويجاهدون في سبيل استقرارها واستمرارها دعوة سامية يجب أن يكتب لها البقاء، لأنها أجلّ قدرا وأعظم مقاما، وأجدى نفعا للبشرية جمعاء، من دعوة الشرك والجاهلية التي هي دعوة سافلة منحطة يجب القضاء عليها إلى الأبد، ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾. يضاف إلى ذلك أن الدعوة الإسلامية دعوة إلهية من الملأ الأعلى تسدد خطواتها إرادة الله النافذة، وحكمته البالغة، فمن نصرها وحمل لواءها كان الله معه في حركاته وسكناته: ﴿وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾، ومن كان الله معه لم يقف في وجهه شيء: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ (النساء: ٤٥)، ثم قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾، أي لن يقطع عنكم جزاء أعمالكم، بل يمنحكم الجزاء الأوفى. وانتقلت الآيات الكريمة إلى التهوين من شأن المصالح المادية، والمنافع الشخصية، التي قد تعوق الإنسان عن الفداء والتضحية في سبيل عقيدته السامية، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ﴾، إشارة إلى أن خير زاد يتزود به المسلم في هذه الدار لتلك الدار هو ما يملأ به قلبه من الإيمان، وما يشغل به جوارحه من الأعمال الصالحة

стр. 2408

المزدوجة النفع، دنيا وأخرى، فذلك هو الزاد الذي يدوم ويبقى، أما ما عداه من الشهوات والملذات، والأغراض البشرية الصرفة التي يصرف الناس فيها حياتهم، فمآلها إلى الانصراف والزوال، وهي تنتهي بانتهاء وقتها في الحال. واتجه كتاب الله إلى مخاطبة المسلمين في موضوع حساس بالنسبة لحياتهم المادية، ألا وهو موضوع البذل في سبيل الله، والإنفاق على الدعوة الإسلامية، وعلى الجهاد الإسلامي المشروع، لحماية هذه الدعوة وضمان وجودها، منبها إلى أن الحق لا يأمر المسلمين بإنفاق كل ما يملكونه في هذا السبيل، لأنه لو أمرهم بإنفاق كل ما يملكون لشق عليهم هذا التكليف وضاقوا به ذرعا، إذ يكون فيه نوع من الإحراج: ﴿وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ * إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ﴾، ومبدأ الإسلام الأساسي: " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها " وقاعدته الأصلية: " يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر " لكن المطلوب من المسلمين هو أن لا يتخلفوا عن واجباتهم الأساسية، وأن يبذلوا من أموالهم في سبيل تحقيقها والوفاء بها ما هو ضروري لذلك في حدود المستطاع، وامتثال المسلمين لهذا الأمر الإلهي يعود عليهم قبل غيرهم بالصلاح والرشاد، ويضمن لهم القوة والهيبة بين العباد، فإذا بخلوا بأموالهم، وتخلوا عن واجباتهم جنوا ثمرة بخلهم ضعفا في أنفسهم، وهوانا على الله وعلى الناس، وإلى هذا المعنى يشير قوله تعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ

стр. 2409

مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾. قال ابن كثير: " وصف الله بالغنى وصف لازم له، ووصف الخلق بالفقر وصف لازم لهم لا ينفكون عنه "، وهذا أمر واضح، ما داموا فقراء إلى رزقه في الدنيا، وإلى أجره في الآخرة. وخُتِمت سورة " محمد " أو سورة " القتال " بخاتمة تعتبر إنذارا أو شبه إنذار، مما كان له وقع عظيم عند المسلمين الأولين، ذلك أنها تعلن في حزم وصراحة أن الدعوة الإسلامية التي وكلها الله إلى رسوله والمؤمنين إنما هي أمانة مودعة بين أيديهم، شرفهم الله بها وميزهم بفضلها على بقية الناس، فإن وفوا بها، وقاموا بحقها، وضحوا في سبيلها، كانوا أهلا لها، ومضوا في حمل أمانتها إلى يوم الدين، وإن تخلوا عنها، أو أهملوا شأنها، أو بخلوا في سبيلها ببذل النفس والمال نزع الله أمرها من بين أيديهم، واستبدل بهم غيرهم، وجعل هذا الغير أفضل منهم في القيام بحقها، والوفاء لها، والتفاني في سبيلها، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى في خطابه للمؤمنين: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾. ومن هنا ننتقل إلى سورة " الفتح " المدنية أيضا، وهذه السورة نزلت في السنة السادسة من الهجرة عقب " صلح الحديبية " الشهير، " والفتح " الذي تشير إليه هو صلح الحديبية نفسه، باعتبار ما كان فيه من المصلحة في البداية، وما آل إليه أمره في النهاية، لا " فتح مكة " كما يتبادر إلى بعض الأذهان، قال عبد الله

стр. 2410

بن مسعود: " إنكم تعدون (الفتح) فتح مكة، ونحن نعد الفتح صلح الحديبية "، وقال جابر: " ما كنا نعد الفتح إلا يوم الحديبية "، وروى البخاري بسنده عن البراء قال: " تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحا، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية ". إلى آخر الحديث. ذلك أنه مضت خمسة أعوام منذ هجرة الرسول ﷺ إلى المدينة والمشركون يمنعونه ويمنعون المؤمنين من دخول مكة ولو في الأشهر الحرم، حتى كان العام السادس للهجرة، فخرج رسول الله ﷺ لزيارة بيت الحرام في رفقة ألف وأربعمائة من المسلمين، وذلك في شهر ذي القعدة، وخرج " معتمرا " لا يريد حربا، وساق معه الهدي سبعين بدنة، إيذانا للمشركين بأنه فعلا غير عازم على حربهم ولا على فتح مكة، لكن قريشا لبسوا " جلود النمور " وخرجوا لملاقاته، إذ تعاهدوا فيما بينهم على أن لا يدخلها أبدا، وتبودلت الرسل بين الفريقين، وكان عثمان بن عفان رسول الله إلى قريش، وكان سهيل بن عمرو رسول قريش إلى رسول الله، وانتهى الأمر بكتابة صلح الحديبية الشهير، الذي كان من جملة ما تضمنه أن يرجع الرسول عامه ذاك، ثم يأتي إلى مكة من العام القابل، وكان علي ﵁ كاتب الصحيفة المتضمنة لشروط الصلح، وعند منصرف رسول الله ﷺ من الحديبية وهو في طريقه إلى المدينة المنورة نزلت عليه سورة " الفتح " المدنية التي نحن بصدد تفسيرها الآن. وبمناسبة نزولها قال رسول الله ﷺ كما رواه البخاري والترمذي والنسائي من طرق عن مالك بن أنس: " نزل علي البارحة سورة هي أحب إلي من الدنيا وما فيها: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا

стр. 2411

لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾، فقد كان هذا الخطاب الإلهي الكريم بشرى مضاعفة لرسول الله ﷺ بما يناله في الدنيا وما يناله في الآخرة، وذلك بالإضافة إلى ما تضمنه من تصديق لمعاهدة الصلح التي عقدها مع قريش، ومن إعلان الله رضاه عن الأهداف السامية الموفقة، التي رمت إليها تلك الخطة النبوية الكريمة. وقوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾، يتضمن إحدى الخصائص التي يختص بها رسول الله ﷺ ولا يشاركه فيها غيره من الناس. قال ابن كثير: " وليس في حديث صحيح في ثواب الأعمال لغير رسول الله ﷺ أنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فهذا تشريف عظيم لرسول الله، هذا هو ﷺ في جميع أموره على الطاعة والبر والاستقامة، التي لم ينلها بشر سواه، لا من الأولين ولا من الآخرين ". وانتقلت الآيات إلى الحديث عن " السكينة " التي أنزلها الله في قلوب المؤمنين، وما ينتظرهم من الجزاء الحسن عند الله، وما ينتظر المنافقين والمشركين من العذاب الأليم، وبينت الآيات أن مبايعة المؤمنين لرسول الله تحت الشجرة في " بيعة الرضوان " بالحديبية إنما هي مبايعة لله: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾، ولم يهمل كتاب الله الحديث عن موقف المنافقين من الأعراب الذين تخلفوا عن رسول الله، وعن الأعذار التي ينتظر أن ينتحلوها ليبرروا بها تخلفهم عنه، ويفضح كتاب الله نواياهم الحقيقية، ومخاوفهم الوهمية: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ

стр. 2412

أَبَدًا﴾، ويحدد كتاب الله الموقف المناسب اتخاذه منهم، فيما يستقبل من معارك الجهاد الإسلامي، كما يتنبأ بما سيمتحنون به في مستقبل الأيام: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾. ويعرج كتاب الله في نهاية هذا الربع على الأعذار المقبولة شرعا للتخلف عن الجهاد، والإعفاء من الواجبات العسكرية، وفي هذه الأعذار ما هو لازم ودائم، كالعمى والعرج المستمر، وما هو عارض ومؤقت، كالمرض الذي يطرأ ثم يزول، إذ يعتبر المريض ملحقا بذوي الأعذار العارضة حتى يبرأ من مرضه، وذلك قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾. وتختم آيات هذا الربع بنفس المبدأ الذي كان فاتحة لها، ألا وهو مبدأ الطاعة لله والطاعة لرسوله، وما يناله المطيع من الجزاء بالحسنى، وما يناله العاصي من العذاب الأليم، وذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.

стр. 2413

الربع الأول من الحزب الثاني والخمسين في المصحف الكريم (ق) ــ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨) وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٩) وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢٠) وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (٢١) وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٢٢) سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٢٣) وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ

стр. 2414

بَصِيرًا (٢٤) هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٢٥) إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٢٦) لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (٢٧) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨) مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ

стр. 2415

فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)

стр. 2416

الربع الأول من الحزب الثاني والخمسين في المصحف الكريم (ت) عباد الله موضوع حديث اليوم تفسير الربع الأول من الحزب الثاني والخمسين في المصحف الكريم، وبدايته قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا * وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾، ونهايته قوله جل علاه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾. ــ تتحدث الآيات الكريمة في مطلع هذا الربع عن " بيعة الرضوان " التي دعا إليها رسول الله ﷺ في السنة السادسة للهجرة كل من رافقه من المسلمين عندما كانوا بالحديبية، وذلك في فترة انتظاره لجواب قريش، بعدما بلغهم عزمه على زيارة البيت الحرام محرما بالعمرة، وبصحبته ألف وأربعمائة من أصحابه، وكانت قريش قد احتبست عندها عثمان بن عفان الذي وجهه رسول الله ﷺ إليها لإبلاغها ما عزم عليه، وراجت إشاعة قوية مؤداها أن قريشا قد قتلت عثمان بن عفان مبعوث رسول الله إليها

стр. 2417

في هذه المهمة، فنادى منادي رسول الله: " ألا إن روح القدس قد نزل على رسول الله ﷺ وأمر بالبيعة، فاخرجوا على اسم الله تعالى " وكان المسلمون قد تفرقوا في ظلال الشجر، فما كادوا يسمعون المنادي حتى ساروا إلى رسول الله ﷺ وهو تحت الشجرة، وأحدقوا به من كل جانب، وتسابقوا إلى بيعته، فبايعوه على الاستماتة والثبات معه إلى النهاية، فأرعب ذلك المشركين من أهل مكة، وأرسلوا من احتبسوه عندهم من المسلمين، ودعوا رسول الله والمؤمنين إلى الموادعة والصلح، فكان من ذلك كله " صلح الحديبية ". ومما يستحق الذكر في هذا المقام أن عثمان بن عفان رسولَ رسولِ الله إلى قريش بمكة كان غائبا حين ابتدأ عقد هذه البيعة، إذ لم يزل عثمان آنذاك محتبسا عندهم، فلما بايع الناس رسول الله ﷺ تولى الرسول بنفسه النيابة عن عثمان في بيعته إياه، وقال ﷺ : " اللهم إن عثمان في حاجة الله تعالى وحاجة رسوله "، ثم ضرب الرسول ﷺ بإحدى يديه على الأخرى، إيذانا ببيعة عثمان له، فحلت يد رسول الله محل يد عثمان، وكانت بالنسبة إليه خيرا من أيدي بقية المسلمين لأنفسهم، كما روى ذلك أنس بن مالك ﵁. ومن لطائف " بيعة الرضوان " أن عمر بن الخطاب ﵁ قبل أن يبلغه خبر البيعة كان قد وجه ابنه عبد الله بن عمر، للإتيان بفرس له عند أحد الأنصار المرافقين للرسول ﵊، إذ كان عمر يستلئم للقتال، واحتاج إلى فرسه ليقاتل

стр. 2418

عليه إذا دعت الضرورة، نظرا للإشاعات القوية التي بلغت المسلمين عن عزم قريش على مقاومتهم، والإشاعة التي راجت عن قتل قريش لعثمان بن عفان مبعوث الرسول إلى مشركي مكة، وبينما عبد الله بن عمر في طريقه للإتيان بفرس أبيه إذا به قد وجد المسلمين يبايعون رسول الله فبايعه أولا، ثم ذهب إلى الفرس فجاء به إلى أبيه عمر، وأخبره أن رسول الله يبايع تحت الشجرة، فانطلق فذهب معه حتى بايع رسول الله ﷺ ، ومن هنا تحدث الناس أن ابن عمر أسلم قبل عمر. والحق أن الوالد أسلم قبل ولده، روى مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله قال: " كنا يوم الحديبية ألفا وأربعمائة فبايعناه وعمر آخذ بيده تحت الشجرة، وهي سمرة " الحديث. وروى مسلم أيضا عن معقل بن يسار قال: " لقد رأيتني يوم الشجرة والنبي ﷺ يبايع الناس، وأنا رافع غصنا من أغصانها على رأسه، ونحن أربع عشرة مائة " الحديث. وحدث جابر بن عبد الله أيضا أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه يوم بيعة الرضوان: " أنتم خير أهل الأرض اليوم " وما قاله لهم رسول الله ﷺ يومئذ هو مصداق قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا * وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا﴾، ومن أجل رضى الله عن المؤمنين بسبب هذه البيعة سميت " بيعة الرضوان ". أما الشجرة التي كان رسول الله ﷺ يتلقى البيعة -وهو مستظل بظلها- فقد كانت شجرة سمرة كما سبق في حديث جابر الذي رواه مسلم، وأما ما انطوت عليه قلوب المؤمنين وهم يبايعون رسول الله ﷺ في الحديبية، فهو

стр. 2419

الوفاء والصدق، والثبات على الحق، وكظم غيظهم أمام حرب الأعصاب التي شنها المشركون عليهم، عن طريق الاستفزاز والتهديد، والتزام السمع والطاعة لله ورسوله في المنشط والمكره، وأما " السكينة " التي أنزلها الله على المؤمنين فهي ما ألقاه في قلوبهم من الطمأنينة على مصير الإسلام، ومن الثقة بوعد الله الذي لا يستطيع أحد أن يحول دون إنجازه مهما بلغ من القوة والعناد، وأما " الفتح القريب " الذي عوضهم به الحق عن زيارة بيت الله الحرام في ذلك العام، فهو صلح الحديبية نفسه، الذي أجراه الله على أيديهم بينهم وبين أعدائهم، إذ كان بداية لفتوح كثيرة متتالية، من بينها فتح " خيبر " وكان على رأسها فتح مكة الذي تم بعد سنتين من صلح الحديبية فقط، ثم فتح سائر البلاد والأقاليم في دنيا الإسلام، قال الزهري: " ما فتح في الإسلام فتح قبل صلح الحديبية كان أعظم منه، إنما كان القتال حيث التقى الناس، فلما كانت الهدنة - أي: صلح الحديبية، وأمن الناس بعضهم بعضا والتقوا لم يكلم أحد في الإسلام يعقل شيئا إلا دخل فيه، ولقد دخل في تينك السنتين، أي: بين صلح الحديبية وفتح مكة مثل من كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر "، قال بن هشام: " والدليل على قول الزهري أن رسول الله ﷺ خرج إلى الحديبية في ألف وأربعمائة، ثم خرج عام فتح مكة بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف ". وقوله تعالى في التعقيب على ذلك: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ فيه إشارة إلى ما أكرم الله به المؤمنين من " العزة "

стр. 2420

المنافية للذلة، فقد أمدهم من عزته بما أدى إلى حفظ كرامتهم وحفظ كرامة الإسلام، كما أن فيه إشارة إلى " الحكمة الإلهية " التي كانت تقود خطوات الرسول ﷺ عندما عزم على زيارة بيت الله الحرام، استعمالا لحق المسلمين الذي أنكره عليهم المشركون منذ الهجرة، ثم عندما قرر تأجيل هذه الزيارة إلى العام القابل، على أساس صلح الحديبية الذي فتح في وجه الدعوة الإسلامية آفاقا جديدة، وكسب لها حقوقا واسعة، هي بداية النهاية للشرك والمشركين. وقوله تعالى: ﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا﴾، قال مجاهد " هي جميع الغنائم إلى اليوم، يريد جميع المغانم التي تقع عليها أيدي المجاهدين أثناء جهادهم في سبيل الله إلى يوم الدين، وها هنا لابد من التنبيه إلى أن كتاب الله عندما يذكر " المغانم " في سياق الجهاد لا يذكرها باعتبار أنها هدف أساسي من الجهاد في سبيل الله، وإنما يذكرها عرضا في هذا السياق، إيحاء للمسلمين بضمان الفوز والغلبة لهم، والنصر على أعداءهم، إذ " الغنيمة لا تقع تحت يد الغالب إلا بعد هزيمة المغلوب، فالغنيمة إنما تكون بعد الهزيمة ". وقوله تعالى: ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾، إشارة إلى صلح الحديبية نفسه كما روي عن ابن عباس ﵁، وقوله تعالى: ﴿وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ﴾، إشارة إلى أن الله كفى المؤمنين القتال هذه المرة فلم ينلهم أعداؤهم بسوء رغما عما أضمروه واستعدوا له من الحرب والقتال.
следующие страницы →