← Тафсир

Тафсир · id 115129

التيسير في أحاديث التفسير

محمد المكي الناصري

Полный текст (2 848 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

الربع الأول من الحزب الثاني والخمسين في المصحف الكريم (ت) عباد الله موضوع حديث اليوم تفسير الربع الأول من الحزب الثاني والخمسين في المصحف الكريم، وبدايته قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا * وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾، ونهايته قوله جل علاه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾. ــ تتحدث الآيات الكريمة في مطلع هذا الربع عن " بيعة الرضوان " التي دعا إليها رسول الله ﷺ في السنة السادسة للهجرة كل من رافقه من المسلمين عندما كانوا بالحديبية، وذلك في فترة انتظاره لجواب قريش، بعدما بلغهم عزمه على زيارة البيت الحرام محرما بالعمرة، وبصحبته ألف وأربعمائة من أصحابه، وكانت قريش قد احتبست عندها عثمان بن عفان الذي وجهه رسول الله ﷺ إليها لإبلاغها ما عزم عليه، وراجت إشاعة قوية مؤداها أن قريشا قد قتلت عثمان بن عفان مبعوث رسول الله إليها

стр. 2417

في هذه المهمة، فنادى منادي رسول الله: " ألا إن روح القدس قد نزل على رسول الله ﷺ وأمر بالبيعة، فاخرجوا على اسم الله تعالى " وكان المسلمون قد تفرقوا في ظلال الشجر، فما كادوا يسمعون المنادي حتى ساروا إلى رسول الله ﷺ وهو تحت الشجرة، وأحدقوا به من كل جانب، وتسابقوا إلى بيعته، فبايعوه على الاستماتة والثبات معه إلى النهاية، فأرعب ذلك المشركين من أهل مكة، وأرسلوا من احتبسوه عندهم من المسلمين، ودعوا رسول الله والمؤمنين إلى الموادعة والصلح، فكان من ذلك كله " صلح الحديبية ". ومما يستحق الذكر في هذا المقام أن عثمان بن عفان رسولَ رسولِ الله إلى قريش بمكة كان غائبا حين ابتدأ عقد هذه البيعة، إذ لم يزل عثمان آنذاك محتبسا عندهم، فلما بايع الناس رسول الله ﷺ تولى الرسول بنفسه النيابة عن عثمان في بيعته إياه، وقال ﷺ : " اللهم إن عثمان في حاجة الله تعالى وحاجة رسوله "، ثم ضرب الرسول ﷺ بإحدى يديه على الأخرى، إيذانا ببيعة عثمان له، فحلت يد رسول الله محل يد عثمان، وكانت بالنسبة إليه خيرا من أيدي بقية المسلمين لأنفسهم، كما روى ذلك أنس بن مالك ﵁. ومن لطائف " بيعة الرضوان " أن عمر بن الخطاب ﵁ قبل أن يبلغه خبر البيعة كان قد وجه ابنه عبد الله بن عمر، للإتيان بفرس له عند أحد الأنصار المرافقين للرسول ﵊، إذ كان عمر يستلئم للقتال، واحتاج إلى فرسه ليقاتل

стр. 2418

عليه إذا دعت الضرورة، نظرا للإشاعات القوية التي بلغت المسلمين عن عزم قريش على مقاومتهم، والإشاعة التي راجت عن قتل قريش لعثمان بن عفان مبعوث الرسول إلى مشركي مكة، وبينما عبد الله بن عمر في طريقه للإتيان بفرس أبيه إذا به قد وجد المسلمين يبايعون رسول الله فبايعه أولا، ثم ذهب إلى الفرس فجاء به إلى أبيه عمر، وأخبره أن رسول الله يبايع تحت الشجرة، فانطلق فذهب معه حتى بايع رسول الله ﷺ ، ومن هنا تحدث الناس أن ابن عمر أسلم قبل عمر. والحق أن الوالد أسلم قبل ولده، روى مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله قال: " كنا يوم الحديبية ألفا وأربعمائة فبايعناه وعمر آخذ بيده تحت الشجرة، وهي سمرة " الحديث. وروى مسلم أيضا عن معقل بن يسار قال: " لقد رأيتني يوم الشجرة والنبي ﷺ يبايع الناس، وأنا رافع غصنا من أغصانها على رأسه، ونحن أربع عشرة مائة " الحديث. وحدث جابر بن عبد الله أيضا أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه يوم بيعة الرضوان: " أنتم خير أهل الأرض اليوم " وما قاله لهم رسول الله ﷺ يومئذ هو مصداق قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا * وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا﴾، ومن أجل رضى الله عن المؤمنين بسبب هذه البيعة سميت " بيعة الرضوان ". أما الشجرة التي كان رسول الله ﷺ يتلقى البيعة -وهو مستظل بظلها- فقد كانت شجرة سمرة كما سبق في حديث جابر الذي رواه مسلم، وأما ما انطوت عليه قلوب المؤمنين وهم يبايعون رسول الله ﷺ في الحديبية، فهو

стр. 2419

الوفاء والصدق، والثبات على الحق، وكظم غيظهم أمام حرب الأعصاب التي شنها المشركون عليهم، عن طريق الاستفزاز والتهديد، والتزام السمع والطاعة لله ورسوله في المنشط والمكره، وأما " السكينة " التي أنزلها الله على المؤمنين فهي ما ألقاه في قلوبهم من الطمأنينة على مصير الإسلام، ومن الثقة بوعد الله الذي لا يستطيع أحد أن يحول دون إنجازه مهما بلغ من القوة والعناد، وأما " الفتح القريب " الذي عوضهم به الحق عن زيارة بيت الله الحرام في ذلك العام، فهو صلح الحديبية نفسه، الذي أجراه الله على أيديهم بينهم وبين أعدائهم، إذ كان بداية لفتوح كثيرة متتالية، من بينها فتح " خيبر " وكان على رأسها فتح مكة الذي تم بعد سنتين من صلح الحديبية فقط، ثم فتح سائر البلاد والأقاليم في دنيا الإسلام، قال الزهري: " ما فتح في الإسلام فتح قبل صلح الحديبية كان أعظم منه، إنما كان القتال حيث التقى الناس، فلما كانت الهدنة - أي: صلح الحديبية، وأمن الناس بعضهم بعضا والتقوا لم يكلم أحد في الإسلام يعقل شيئا إلا دخل فيه، ولقد دخل في تينك السنتين، أي: بين صلح الحديبية وفتح مكة مثل من كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر "، قال بن هشام: " والدليل على قول الزهري أن رسول الله ﷺ خرج إلى الحديبية في ألف وأربعمائة، ثم خرج عام فتح مكة بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف ". وقوله تعالى في التعقيب على ذلك: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ فيه إشارة إلى ما أكرم الله به المؤمنين من " العزة "

стр. 2420

المنافية للذلة، فقد أمدهم من عزته بما أدى إلى حفظ كرامتهم وحفظ كرامة الإسلام، كما أن فيه إشارة إلى " الحكمة الإلهية " التي كانت تقود خطوات الرسول ﷺ عندما عزم على زيارة بيت الله الحرام، استعمالا لحق المسلمين الذي أنكره عليهم المشركون منذ الهجرة، ثم عندما قرر تأجيل هذه الزيارة إلى العام القابل، على أساس صلح الحديبية الذي فتح في وجه الدعوة الإسلامية آفاقا جديدة، وكسب لها حقوقا واسعة، هي بداية النهاية للشرك والمشركين. وقوله تعالى: ﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا﴾، قال مجاهد " هي جميع الغنائم إلى اليوم، يريد جميع المغانم التي تقع عليها أيدي المجاهدين أثناء جهادهم في سبيل الله إلى يوم الدين، وها هنا لابد من التنبيه إلى أن كتاب الله عندما يذكر " المغانم " في سياق الجهاد لا يذكرها باعتبار أنها هدف أساسي من الجهاد في سبيل الله، وإنما يذكرها عرضا في هذا السياق، إيحاء للمسلمين بضمان الفوز والغلبة لهم، والنصر على أعداءهم، إذ " الغنيمة لا تقع تحت يد الغالب إلا بعد هزيمة المغلوب، فالغنيمة إنما تكون بعد الهزيمة ". وقوله تعالى: ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾، إشارة إلى صلح الحديبية نفسه كما روي عن ابن عباس ﵁، وقوله تعالى: ﴿وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ﴾، إشارة إلى أن الله كفى المؤمنين القتال هذه المرة فلم ينلهم أعداؤهم بسوء رغما عما أضمروه واستعدوا له من الحرب والقتال.

стр. 2421

وقوله تعالى: ﴿وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ إشارة إلى نفس وقعة الحديبية وصلحها الشهير، فقد كان هذا الصلح مفاجأة كبرى لبعض المسلمين أول الأمر، حتى خيل إليهم أن فيه شيئا من التراجع إلى الوراء، لكن الله الذي يسدد خطوات نبيه بالوحي من عنده، هو الذي كان يعلم ما لهذا الصلح من عواقب محمودة الأثر، سريعة الظهور، وها هو الحق يثبت للمؤمنين أن هذا الصلح نفسه سيكون آية لهم، ومعجزة جديدة للإسلام، وكذلك كان الأمر، فصدق الله وعده، ونصر جنده. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾، إشارة إلى ما أقدم عليه فريق من مشركي مكة: حيث تسللوا وهم مسلحون إلى المكان الذي ينزل فيه رسول الله ومن معه بالحديبية، عسى أن ينالوا منه ومن المسلمين شيئا، فسيقوا أسارى إلى رسول الله ﷺ ، فقال لهم ﵇: ّهل جئتم في عهد أحد؟ أو هل جعل لكم أحد أمانا؟ فقالوا: لا " فعفا عنهم وخلى سبيلهم، كما رواه النسائي في سننه. وانتقل كتاب الله إلى وصف هذه الواقعة المؤثرة، والدور الذي لعبته قريش فيها، وإلى ذكر ما أنزله الله من السكينة على رسوله والمؤمنين، حتى أخذت الأحداث مجرى آخر لصالح الإسلام والمسلمين، فقال تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾، وقال

стр. 2422

تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾. ثم عرج كتاب الله على قصة الرؤيا التي رآها الرسول ﵊ في منانه، وأخبر بها أصحابه وهو بالمدينة قبل عام الحديبية، وهو " أنه دخل مكة وطاف بالبيت "، فلما سار في طريقه إلى مكة ظن جماعة منهم أن تعبير تلك الرؤيا سيتم في نفس العام، ونبه كتاب الله إلى أن رؤيا رسول الله ﷺ إذا لم تتحقق في نفس هذا العام، أي: في السنة السادسة للهجرة، فإنها ستصدق في فرصة أخرى، لأنها رؤيا صالحة، " والرؤيا الصالحة جزء من النبوة "، وهي واقعة لا محالة بحول الله وقوته: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ﴾، فلما كان ذو القعدة من العام السابع للهجرة، وهو العام التالي لصلح الحديبية، خرج رسول الله ﷺ إلى مكة معتمرا هو ومن كان معه في الحديبية، فأحرم من ذي الحليفة، وساق معه الهدي إلى ذي طوى، ودخل مكة ومعه أصحابه يلبون، وهو على ناقته القصواء، وهي نفس الناقة التي كان يركبها ﵊ في الحديبية من العام الماضي، وعبد الله بن رواحة الأنصاري يقود ناقته، وكل من في مكة من الرجال والنساء والولدان يتطلعون إلى طلعته البهية من مختلف المنازل والطرق، ما عدا رؤوس الشرك الذين لم يستطيعوا رؤية ذلك المشهد العظيم، ففارقوا مكة طيلة

стр. 2423

زيارة الرسول، وبذلك تحققت رؤيا رسول الله، وتم وعد الله وأكد كتاب الله أن الخطة التي اختطها رسوله لحل أزمة الحديبية عن طريق الصلح كانت بوحي الله وتوفيقه: ﴿فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾. وتنبأ كتاب الله بنصرة دينه وإظهاره على بقية الأديان، وذلك ما تم على يديه وعلى أيدي خلفائه الراشدين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا * مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾، ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾.

стр. 2424

الربع الثاني من الحزب الثاني والخمسين في المصحف الكريم (ق) ــ ٤٩ - سورة الحجرات مدنية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣) إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٤) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦) وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ

стр. 2425

وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨) وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢) يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)

стр. 2426

الربع الثاني من الحزب الثاني والخمسين في المصحف الكريم (ت) عباد الله في حديث هذا اليوم نعالج تفسير الربع الثاني من الحزب الثاني والخمسين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى في فاتحة سورة "الحجرات" المدنية: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، إلى قوله جل علاه: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾. ــ هذه السورة الكريمة سميت " سورة الحجرات " أخذا من قوله تعالى فيها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾، وأول ما يلفت النظر في هذه السورة الكريمة على العموم، وخاصة في الربع المخصص لهذا اليوم، أن آياتها البينات تعنى على الخصوص بإرشاد المؤمنين إلى ما ينبغي أن يكونوا عليه في سلوكهم نحو الله ورسوله، بعضهم نحو بعض، وما ينبغي أن يكونوا عليه في سلوكهم جميعا نحو غيرهم من بقية الناس.

стр. 2427

ففيما يتعلق بسلوك المؤمنين الواجب عليهم نحو الله ورسوله أوصاهم الحق بأن لا يسرعوا في معالجة الأمور قبله، وأن لا يفتاتوا على رسول الله بشيء، حتى يقضي الله فيه من عنده، بحيث يكونون تبعا له، بدلا من أن يتقدموا بين يديه، فالمؤمن ينبغي له أن لا يسبق ربه في أمر ولا نهي، وعليه أن يوجه رأيه وإرادته في الطريق السوي المرسوم من ربه، ابتغاء مرضاة الله، وذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، قال الضحاك: " أي لا تقضوا أمرا دون الله ورسوله من شرائع دينكم ". وفيما يتعلق بسلوك المؤمنين نحو رسول الله خاصة أوصى الله عباده المؤمنين بأن يحترموا مقام الرسول ﵊، فلا يرفعوا أصواتهم على صوته إذا كانوا في مجلسه الشريف، وذلك يستلزم أمرهم -من باب أولى وأحرى- بأن لا يتجادلوا فيما بينهم أمامه، فضلا على أن يجادلوا الرسول أو يعارضوه فمقام الرسول عند ربه وفي أمته ليس هو مقام بقية الناس بعضهم مع بعض، وما جاز للصحابة في معاملة بعضهم لبعض لا يجوز لهم في معاملة الرسول الأعظم عليه صلوات الله وسلامه، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾، وحذر كتاب الله من عاقبة سوء الأدب مع الرسول ورفع الصوت عليه، فقد ينتهي ذلك بما لا تحمد عقباه، ويؤدي إلى إحباط عمل المؤمن وخسرانه، وذلك قوله تعالى:

стр. 2428

﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾، أي إنما نهيناكم عن ذلك خشية أن يحبط عملكم. جاء في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: " إن الرجل ليتكلم بالكلمة في رضوان الله تعالى لا يلقي لها بالا يكتب له بها الجنة، وأن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى لا يلقي لها بالا يهوي بها في النار أبعد ما بين السماء والأرض ". ثم ندب الله تعالى المؤمنين إلى خفض أصواتهم عندما يكونون بمحضر رسول الله، فذلك دليل على ما يملأ قلوبهم من إخلاص وسكينة وهيبة لمقام الرسول، وإلى هذا المعنى يشير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾. ومما يتصل بهذا المقام ما روى عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه في عهد خلافته كان بمسجد النبي ﷺ ، فسمع رجلين قد ارتفعت أصواتهما في المسجد، فأقبل عليهما قائلا: " أتدريان أين أنتما؟ ثم قال: من أين أنتما؟ فقالا من أهل الطائف، فقال لهما عمر: " لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما ضربا ". ونص العلماء على أنه يكره رفع الصوت عند قبره ﵊، كما كان رفع الصوت أمامه مكروها في حياته سواء بسواء، لأنه ﷺ محترم حيا، ومحترم في قبره دائما. ومضت الآيات الكريمة في نفس السياق، فنبهت إلى أن الاستعجال بمناداة الرسول ﷺ من خارج بيته الشريف، للخروج إلى الناس، واستقبالهم لقضاء حاجاتهم، بدلا من انتظار خروجه

стр. 2429

دون مناداة ولا إزعاج، إن دل على شيء فإنما يدل على الجهل وسوء الأدب وقلة العقل، وبذلك يحض كتاب الله على وجوب انتظار المسلمين للرسول، إلى أن يفرغ من شؤونه الخاصة. ويخرج إليهم، وإذ ذاك يقبل عليه من له عنده حاجة، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وفيما يتعلق بسلوك المسلمين بعضهم مع بعض نبهت الآيات الكريمة بادئ ذي بدء إلى وجوب التثبت في كل ما ينسب إلى الغير من أقوال وأفعال، فكثيرا ما يكون الأمر المنسوب إلى الغير كذبا، وكثيرا ما تكون نسبته إلى الغير خطئا، وإذا لم يقع التثبت في نسبة الأقوال والأفعال هل هي حق أم باطل، وإذا لم يحصل التحقق منها ومن ملابساتها، وقع المسلمون في البلبلة أحيانا، وفي الظلم أحيانا، وارتكبوا من الشطط وسوء التقدير، ما يؤدي إلى سوء المصير، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾، قال ابن كثير: " من ها هنا امتنع طوائف من العلماء من قبول رواية مجهول الحال، لاحتمال فسقه في نفس الأمر ". ثم لفتت الآيات الكريمة أنظار المؤمنين إلى أن رسول الله ﷺ ليس ملزما بموافقة أصحابه وترضيتهم في جميع ما يعرضون عليه من رغبات وآراء، فقد يرغبون في شيء يظنونه خيرا

стр. 2430

وليس بخير، وقد يرون الرأي يعتقدونه صالحا وهو غير صالح، فالمرجع الأعلى للمسلمين يجب أن يظل دائما وأبدا هو مقام الرسالة الأسمى، وذلك ما يشير إليه قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾، أي: اعلموا أن بين أظهركم رسول الله، فعظموه وانقادوا لأمره، فإنه أعلم بمصالحكم، ورأيه فيكم أتم من رأيكم لأنفسكم، ولو أطاعكم في جميع ما تختارونه لأدى ذلك إلى الحرج الذي ليس من الدين، وإلى مثل هذا المعنى ينظر قوله تعالى في آية أخرى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ (المؤمنون: ٧١). وقوله تعالى هنا: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾، هذا بالنسبة إليه وهو لا يزال على قيد الحياة بين أظهر المسلمين، فإذا فارقهم الرسول وانتقل إلى الرفيق الأعلى كان حاضرا بينهم أيضا، إذ إن كتاب الله وسنة رسوله حاضران وخالدان بين المسلمين على الدوام، فلا بد من الرجوع إليهما والاهتداء بهديهما، على حد قوله ﷺ : " تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي: كتاب الله وسنتي ". ثم عقب كتاب الله بما يقوي في المسلمين روح الطاعة والامتثال، ويدفعهم إلى المزيد من التأدب مع مقام الرسالة، والمزيد من التفاني في تحقيق الأهداف التي رسمتها للمسلمين، وذلك قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ

стр. 2431

فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، وهذه الآيات ترسم في نفس الوقت معالم الإيمان الصحيح لكل من يريد أن يلتحق بركب المؤمنين الصادقين في أي جيل من الأجيال، أو عصر من العصور، ألا وهي محبة الإيمان وكره الكفر، ومحبة التقوى وكره الفسوق، والتزام الطاعة لله ورسوله، وعدم التجرؤ على عصيانهما، فمن كان على هذه الوتيرة خرج من دائرة " السفهاء " ودخل في عداد " الراشدين ". ولعل التعبير " بالراشدين " في هذه الآية، هو السند الذي استند إليه السلف الصالح في إطلاق لقب " الخلفاء الراشدين " على خلفاء الرسول ﵊ الأولين، ﵃ أجمعين، علاوة على الحديث الوارد في شأنهم بهذا اللقب. وفيما يتعلق بسلوك المؤمنين بعضهم مع بعض في حالة الاضطرابات والقلاقل أوصى كتاب الله بفض كل نزاع قد يقع بينهم، على أساس العدل المطلق، وفي إطار الأخوة الإسلامية الصميمة، التي تعتبر المؤمنين كلهم إخوة في دين الله، وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. ثم عادت الآيات الكريمة مرة أخرى إلى ذكر الآداب السامية التي يجب أن يلتزمها المسلمون في معاملة بعضهم

стр. 2432

لبعض، منبهة إلى وجوب تبادل الاحترام وحسن الظن فيما بينهم، وعدم الولوغ في أعراض الآخرين، سواء كانوا حاضرين أو غائبين، وذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾. وخُتِمت آيات هذا الربع بخطاب موجه إلى بني الإنسان عموما وإلى المسلمين خصوصا، يتضمن الإشارة إلى أن " الإنسانية " رغم ما فيها من اختلاف في الأجناس والألوان والأديان، تعتبر وحدة مترابطة فيما بينها، فلا بد للمسلمين إذن من التعارف مع غيرهم، ومن التعاون مع كل من يجنح إلى التعاون معهم على ما فيه خير الإنسانية عموما، وخير الإسلام خصوصا، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾.

стр. 2433

الربع الثالث من الحزب الثاني والخمسين في المصحف الكريم (ق) ــ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥) قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٦) يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨) ٥٠ - سورة ق مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ

стр. 2434

الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣) قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (٤) بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (٥) أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨) وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (١١) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (١٢) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (١٣) وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (١٤) أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (١٥) وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨) وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (٢٠) وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (٢١)

стр. 2435

لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢) وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (٢٣) أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (٢٥) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ (٢٦)

стр. 2436

الربع الثالث من الحزب الثاني والخمسين في المصحف الكريم (ت) عباد الله موضوع حديث اليوم تفسير الربع الثالث من الحزب الثاني والخمسين في المصحف الكريم، وبدايته قوله تعالى في سورة "الحجرات" المدنية: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾، ونهايته قوله جل علاه في سورة "ق" المكية: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ * الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ﴾. ــ كما تحدث كتاب الله في سورة " الفتح " عن المخلفين من الأعراب الذين تخلفوا عن الخروج مع رسول الله عام الحديبية، لظنهم بالله ظن السوء، تحدث كتاب الله في مطلع هذا الربع من سورة " الحجرات " المدنية عن طائفة أخرى من الأعراب دخلوا في الإسلام، ثم أخذوا يتبجحون ويمنون على رسول الله، بأنهم انضموا إلى صفوف المسلمين ولم يقاتلوهم، كما قاتلهم غيرهم من العرب. وقد فهم الإمام البخاري من الآيات الواردة في هذا الربع،

стр. 2437

بشأن هذه الطائفة من الأعراب أنهم داخلون في عداد المنافقين، بينما فهمها ابن عباس وإبراهيم النخعي وقتادة على أن القصد منها هو أن أولئك الأعراب لم يكونوا منافقين، وإنما لم يستحكم الإيمان في قلوبهم، وادعوا لأنفسهم مقاما أعلى مما وصلوا إليه، فأدّبوا على ذلك حتى لا يمنوا على الله ورسوله بشيء، ولو كانوا منافقين بالمرة لعنفوا وفضحوا كما عنف غيرهم في سورة أخرى، وهذا الفهم هو الذي اختاره ابن جرير الطبري في تفسيره وارتضاه ابن كثير، ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾، فقيل لهم تأديبا: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾، أي: لم تؤمنوا الإيمان الكامل، ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾، أي استسلمنا وسالمنا، فالإسلام هنا لا يزيد على الاعتراف باللسان، والانقياد والجوارح، وعصمة الدم والمال، ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾، أي ولم يتمكن الإيمان الكامل من قلوبكم بعد، ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾، أي أن الله تعالى -رغما عن أن إيمانكم لم يصل بعد إلى درجة الكمال- لا ينقصكم من أجوركم شيئا إذا التزمتم الطاعة لله ورسوله، فلن تضيع أعمالكم كما تضيع أعمال الكفار، ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ " غفور " لمن تاب، " رحيم " لمن أناب. ثم وصفت الآيات الكريمة خصال المؤمنين الكاملين الذين يضرب بهم المثل في الإيمان، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾، أي: المؤمنون الكاملون إيمانا، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾، أي ثبتوا بعد إيمانهم على وثيرة واحدة من

стр. 2438

التصديق القلبي الخالص، دون تردد ولا تزعزع ولا اضطراب، فقد يؤمن الشخص العادي ثم تعرض له عوارض وطوارئ تزعزع إيمانه، وتهز كيانه، أما المؤمن الحق فلا يزعزع إيمانه أي شيء، لا في الشدة ولا في الرخاء، لا في السراء ولا في الضراء، وهذه الآية: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾، واردة على غرار قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ (فصلت: ٣٠)، فالسر كله في " الاستقامة " إذ عن طريقها ومن خلالها يبرز ما ينطوي عليه القلب من عقيدة صالحة وإيمان صحيح. وقوله تعالى: ﴿وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، هذه صفة أخرى مميزة لكاملي الإيمان، فهم يؤمنون بأن كل ما يملكونه من نفس ونفيس إنما هو عطية من الله وهبة منه، ولذلك فهم لا يبخلون ببذل هباته وعطاياه، بما فيها المهج والأرواح، ما دامت في سبيله وابتغاء مرضاته. وعقب كتاب الله على هذه الصفات المثالية لأهل الكمال من المؤمنين، بما يفيد أن المتصفين بها قولا وعملا، والعاملين بمقتضاها سرا وعلنا، هم " الصادقون " في إيمانهم، إذ تشهد بذلك تصرفاتهم وتضحياتهم، كما يشهد به وفاؤهم وثباتهم، فقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾، بخلاف أولئك الأعراب الذين يمنون على رسول الله بإعلان إسلامهم، وكونهم لا يقاتلونه مثل بقية العرب، فهؤلاء لا زالوا في المرحلة الأولى من مراحل الإيمان، وهم يتدرجون في طريقهم إلى بقية المراحل، بقدر ما

стр. 2439

تخالط بشاشة الإيمان قلوبهم يوما بعد يوم. ثم خاطب كتاب الله أولئك " الأعراب السذج "، مبينا لهم أن الحق الذي يعلم السر وأخفى- غني عن أن يكشفوا له عما في ضمائرهم، فمن أحاط بكل شيء علما، وهو يعلم ما في السماوات وما في الأرض، لا يتوقف على تصريحاتهم، ليطلع على مكنوناتهم، ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. وكشفت الآيات الكريمة الستار عن طبيعة الموقف الساذج الذي وقفه أولئك الأعراب، والذي دعا إلى تأديبهم وتهذيبهم حتى لا يعودوا لمثله، فقال تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ﴾، ثم يتجه إليهم خطاب الله على سبيل التنزل، بأنهم على فرض أنهم صادقون في الجمع بين الإسلام والإيمان، فإن المنة في إسلامهم وإيمانهم إنما هي لله ورسوله، إذ هو الذي هداهم إلى طريق الإيمان أولا وأخيرا، وذلك قوله تعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. وخُتِمَت سورة " الحجرات " المدنية بما يؤكد إحاطة علم الله بكل شيء، ولا سيما العلم بغيب السماوات والأرض، بما فيه غيب السرائر والضمائر، وذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.

стр. 2440

والآن فلنقبل على تفسير سورة (ق) المكية، مستعينين بالله جلت قدرته وأول شيء يستلفت النظر في هذا المقام هو أن رسول الله ﷺ كان يقرأ هذه السورة الكريمة يوم الجمعة على المنبر إذا خطب الناس، كما روى ذلك مسلم في صحيحه، وأبو داود والنسائي وابن ماجة في السنن، وقد تلقاها من لسان رسول الله ﷺ وحفظها عدد من الصحابة عن هذا الطريق، قال ابن كثير: " والقصد أن رسول الله ﷺ كان يقرأ بهذه السورة في المجامع الكبار كالعيد والجمع، لاشتمالها على ابتداء الخلق، والبعث والنشور، والمعاد والقيام، والحساب، والجنة والنار، والثواب والعقاب، والترغيب والترهيب ". وأول ما تتحدث عنه آيات هذه السورة الكريمة، كتاب الله المجيد، الملتف في حلل المجد والعظمة، وها هنا نجد الحق سبحانه يقسم به، دلالة على عظيم منزلته عنده، وإرشادا إلى المنزلة العظمى التي يجب أن يحتلها في قلوب الناس وفي حياتهم اليومية. وحرف (ق) الذي هو أول حرف في كلمة " قرآن " وأول حرف ورد في هذه السورة حتى سميت باسمه، إشارة إلى أن كتاب الله المعجز للبشر يتألف لفظه من نفس الحروف التي ننطق بها، غير أنه لا يقدر على تأليفه المعجز أحد سوى الله، ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾، (الشورى: ٥٢)، كما أن المادة التي يتكون منها الأحياء ملقاة على قارعة الطريق، بحيث يراها الناس ويعيشون معها، ولكنهم لا يستطيعون أن يؤلفوا

стр. 2441

منها ولو كائنا حيا واحدا في أبسط صوره وأشكاله، لأن ذلك من صنع الله وحده. ويشير كتاب الله إلى تعجب المشركين واستغرابهم من إرسال رسول إليهم من بينهم، أي من البشر لا من الملائكة، ومن العرب، لا من بني إسرائيل، بعد أن ظلت النبوة والرسالة مستمرة في بني إسرائيل زمنا طويلا، وذلك قوله تعالى: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ * بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾. وعرج كتاب الله على عقيدة " البعث " التي هي عقيدة أساسية في دين الله الذي لا يتبدل، والتي دعا إلى الإيمان بها كافة الأنبياء والرسل، وتحدث عن الشبه السخيفة والحجج الواهية، التي يلوكها بألسنتهم من لا يؤمنون بهذه العقيدة الثابتة، ومرد شبههم كلها إلى استبعاد الحياة من بعد الموت، نظرا لما يلحق جثث الأموات من تحلل وفناء، ناسين أو متناسين أن الله الذي أنشأ الحياة قبل الموت هو الذي تكفل بأن ينشئ الحياة بعد الموت، فنشأة الحياة بالنسبة إلى قدرته عملية سابقة أولا، ومكررة ثانيا، وليس فيها ما يستغرب ممن هو على كل شيء قدير، وهو بكل شيء عليم، وذلك قوله تعالى حكاية عنهم: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾، أي: بعيد الوقوع، ثم يتولى الحق الرد عليهم قائلا: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾، وهذا هو الجواب عن القسم الذي جاء في مطلع سورة " ق " حسبما حكاه

стр. 2442

ابن جرير الطبري عن بعض النحاة، كما رد الحق سبحانه على منكري البعث ردا مفحما إذ قال: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾. ويعرض كتاب الله بعض آيات الله البارزة في الآفاق، مما يدل على قدرته وعلمه وحكمته، ويصف بالخصوص كيف يحيي الله الأرض بعد موتها، مبينا أن حياة الإنسان بعد موته شبيهة بها كل الشبه: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ * وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ * رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾، فخروج الإنسان من تحت الأرض بعد موته، وبعثه في الوقت المعلوم، عملية لا تختلف في جوهرها كثيرا عما يراه الناس في كل وقت دون أن ينتبهوا إليه، إذ تكون الأرض هامدة قاتمة ميتة من أثر القحط والجدب، فينزل عليها المطر من عند الله، وإذا بها تصبح مضرب الأمثال في الخصب والنماء والإنتاج، ﴿كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾. وأشارت الآيات الكريمة إلى مصير المكذبين بالرسالة، وفي طليعتهم: ﴿قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ * وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾، والمراد " بالرس " هنا البئر المطوية، غير المبنية والمراد " بالأيكة " الشجر الملتف الكثيف، وسبق ذكر " أصحاب الأيكة " في الآية الثامنة والسبعين من سورة " الحجر " وفي الآية السادسة والسبعين بعد المائة من سورة " الشورى "، وفي الآية الثالثة عشرة من سورة " ص ".

стр. 2443

واستعرض كتاب الله حالة الإنسان المتمرد على طاعة الله، كيف يكون أثناء حياته، وعند موته، وحين بعثه، ووقت حسابه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾، أي: أقرب إليه من العرق الذي يجري فيه دمه، وتتم بواسطته دورته الدموية، ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾، ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾، ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾، ﴿فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ﴾. وأجمل كتاب الله في إحدى آيات هذا الربع ما يكون عليه المكذبون بالحق في كل عصر وجيل، أفرادا وأمما، من اضطراب في الفكر، وتناقض في الرأي، وقلق في النفس، وحيرة في الاتجاه، بسبب أنهم لم يعتصموا بالحق، فتقاذفتهم الأهواء المختلفة من كل جانب، وتجاذبتهم التيارات المتعارضة من كل فج، وذلك قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾، قال ابن كثير: " والمريج المختلف المضطرب الملتبس، كقوله تعالى في سورة " الذاريات " التالية: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ * يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾. وهذا حال كل من خرج عن جادة الحق، وارتمى في أحضان الباطل، مهما قال أو فعل بعد ذلك فهو باطل، لأنه دخل في تيه الحيرة والغواية، الذي لا تعرف له بداية ولا نهاية.

стр. 2444

الربع الأخير من الحزب الثاني والخمسين في المصحف الكريم (ق) ــ وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (٢٣) أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (٢٥) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ (٢٦) قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (٢٧) قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٢٩) يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠) وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٣٥) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧) وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨) فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ (٤٠) وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ

стр. 2445

مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٤١) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (٤٢) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (٤٣) يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ (٤٤) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (٤٥) ٥١ - سورة الذاريات مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (١) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (٢) فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (٣) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (٤) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (٥) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (٦) وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (٧) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (٩) قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (١٠) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ (١١) يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (١٢) يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (١٤) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦) كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩) وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١) وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣)

стр. 2446

هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥) فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٢٧) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٢٨) فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (٢٩) قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٣٠)

стр. 2447

الربع الأخير من الحزب الثاني والخمسين في المصحف الكريم (ت) عباد الله في حديث هذا اليوم نتناول تفسير الربع الأخير من الحزب الثاني والخمسين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى في سورة "ق" المكية: ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾، إلى قوله جل علاه في سورة "الذاريات" المكية أيضا: ﴿قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾. ــ في نهاية الربع الماضي تحدث كتاب الله عن الملك الموكل بتسجيل عمل ابن آدم، وأنه سيشهد على ابن آدم يوم القيامة، بكل ما فعل، إذ يكون السجل الذي أعده عن حياته مهيئا حاضرا من غير إبطال ولا انتظار، ودون زيادة ولا نقصان ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾، فيصدر حكم العلي الأعلى في حقه بما هو أهل له من ثواب أو عقاب. وفي بداية هذا الربع تحدث كتاب الله عن قرين للإنسان من نوع آخر، ألا وهو " قرين السوء " الذي يزين له الشر، ويوقعه في شباك الخبال والضلال، وقرين السوء الأكبر هو الشيطان الرجيم، ثم أولياؤه ومساعدوه الأقربون، المجندون تحت لوائه

стр. 2448

لإغواء الخلق، من الدعاة المفسدين، فهذا القرين الذي يكون من بين قرناء السوء مستشارا للإنسان، ومحلا لثقته طيلة حياته، هو نفسه الذي يتبرأ من ابن آدم يوم القيامة أمام الله، ملقيا على عاتقه وحده تبعة أعماله وتصرفاته، متهما إياه بأنه هو الذي اختار لنفسه بمحض إرادته الضلال على الهدى، والشر على الخير: ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾، وقد جاء ما يشبه هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (إبراهيم: ٢٢). ثم أشارت الآيات الكريمة إلى ما ينتظر أن يقوم يوم القيامة بين الشيطان وضحاياه، من تلاؤم وتخاصم أمام الله، فيأمر الحق سبحانه بوضع حد للخصام والملام، إذ لا محل لهما في ذلك المقام: ﴿قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾. ويصف كتاب الله الحالة التي تكون عليها جهنم، وهي تستقبل أفواج المشركين والكافرين، والمصرين على الذنب والعصيان من العصاة المذنبين، ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾. وينتقل كتاب الله إلى وصف الجنة التي أعدت للمتقين، وما يلقونه فيها لدى ملائكة الرحمن من الثناء العاطر وحسن

стр. 2449

الاستقبال، جزاء ما قاموا به وما مارسوه في حياتهم من صالح الأعمال، ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾، إذ كل ما هو آت قريب، وفي خلال هذا الوصف نوهت الآيات الكريمة بالأوصاف التي رشحت أهل الجنة للجنة، وذلك قوله تعالى: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾، و " الأواب " هو الذي إذا أذنب بادر إلى الإقلاع عن ذنبه وتاب منه توبة نصوحا، و " الحفيظ " هو الذي إذا عاهد الله حفظ العهد، وحافظ عليه من المهد إلى الحد، ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾، أي: من راقب الله وإن كان غائبا عن أعين الرقباء، وهذه الآية شبيهة بقوله ﷺ في الحديث الشريف: " ورجل ذكر الله تعالى خاليا ففاضت عيناه "، من بين السبعة الذين يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله. ﴿وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾، أي لقي الله بقلب سليم يملؤه الخشوع والخضوع. وقوله تعالى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾ إشارة إلى التحية التي يتلقى بها ملائكة الرحمن ضيوفهم من أهل الجنة، عندما يأذنون لهم بالدخول إلى دار الخلود، التي لا يفارقونها ولا يبغون عنها حولا: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا﴾، أي: مهما اختاروا وجدوا، ومهما طلبوا أحضر لهم، وقوله تعالى هنا: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ كقوله تعالى في سورة يونس (٢٦): ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ وقوله جل علاه في سورة التوبة (٧٢): ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. وعادت الآيات الكريمة مرة أخرى إلى تذكير المشركين بمصارع الأمم الغابرة التي أصرت قبلهم على الضلال، فأصبحت

стр. 2450

مضرب الأمثال بين بقية الأجيال، ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ﴾، على غرار قوله تعالى في آية أخرى سابقة: ﴿كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (غافر: ٨٢)، قال قتادة: " نقبوا في البلاد "، أي: ساروا فيها يبتغون الأرزاق والمكاسب والمتاجر أكثر مما طفتم، يقال لمن طوف في البلاد " نقب فيها ". وقوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾، أي: لا مفر لهم ولا لكم من عذاب الله، وكما أن قوتهم، وثروتهم لم تحولا دون قضاء الله وقدره، فلن تفلتوا أيها المشركون من قبضة الله القاهر فوق عباده. ثم عقب كتاب الله على ما استعرضه من أحوال أهل الجنة وأحوال أهل النار، وعلى ما وصفه من مصارع الغابرين، ومواقف المكذبين بالرسالة من السابقين واللاحقين، بما يفيد أن الحكمة في هذا الاستعراض إنما هي تنبيه من له قلب حي وذهن متيقظ، إلى استخلاص العبرة والانتفاع بالذكرى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾. وانتقلت الآيات الكريمة إلى التذكير بقدرة الله، بديع السماوات والأرض، والتذكير بكونه سبحانه منزها عن أن يلحقه أي تعب أو إعياء، لا بالنسبة لإيجاد المخلوقات، ولا بالنسبة لإمدادها، لا بالنسبة للنشأة الأولى، ولا بالنسبة للنشأة الآخرة، ويدخل في ذلك دخولا أوليا عملية البعث والنشور، وذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾، أي ما مسنا تعب ولا نصب، وإلى

стр. 2451

نفس هذا المعنى يشير قوله تعالى في سورة (الأحقاف: ٣٣): ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وقوله تعالى في سورة (النازعات: ٢٧) ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ﴾، وقوله تعالى في سورة (غافر: ٥٧): ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾. وقد نبهنا في حديث سابق إلى أن " الأيام الستة " التي خلق الله فيها السماوات والأرض وما بينهما ليست من جنس أيامنا التي نقضيها فوق هذا الكوكب الأرضي، وإنما هي من الأيام التي أشار إليها قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ (الحج: ٤٧)، وقوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ (المعارج: ٤). واتجه الخطاب الإلهي إلى الرسول الأعظم ﵊ داعيا إياه إلى المزيد من الصبر على أذى المشركين، وإلى الإلتجاء إلى الله بالعبادة والتسبيح والدعاء: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾. وخُتِمت سورة (ق) بنفس الموضوع الذي كان فاتحة لها، وهو موضوع البعث والحياة بعد الموت: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ * يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ * إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ * يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا

стр. 2452

ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ * نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾. ومن هنا ننتقل إلى سورة " الذاريات " المكية أيضا، وفي بدايتها نجد التذكير بنفس البعث والمعاد، والقسم من الله على وقوعهما: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا * فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا * فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا * فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا * إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ * وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾، والمراد " بالذاريات ذروا " الرياح، والمراد " بالحاملات وقرا " السحب، لأنها تحمل المياه، والمراد " بالجاريات يسرا " السفن، لأنها تجري في البحر بسهولة، والمراد " بالمقسمات أمرا " الملائكة، لأنها تنزل بأوامر الله الكونية والشرعية وهذا التفسير مروى عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب ﵄. وتحدث كتاب الله عن " الخراصين " المرتابين الذين يكذبون على الله ورسوله: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾، وعن المتقين وما ادخر لهم الحق سبحانه في دار النعيم، جزاء إيمانهم وإحسانهم، ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾. وأشار كتاب الله إلى ما لله من آيات ناطقة بقدرته، متجلية في الأرض والسماء والأنفس، فقال تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ * وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾.

стр. 2453

وخُتم هذا الربع بالحديث عن قصة إبراهيم وضيوفه من الملائكة المكرمين، وكيف أن إبراهيم الخليل ﵇ استقبل ضيوفه أحسن استقبال، حتى أصبح عمله دستورا في " آداب الضيافة " معمولا به عند السلف والخلف، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى في هذه القصة: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ﴾، ثم قوله تعالى: ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ﴾، أي أن إبراهيم جاء لضيوفه بالطعام بسرعة ودون سابق إشعار، ﴿فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ أي أنه أتى بأفضل ما عنده، وهو عجل فتي مشوي ﴿فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ﴾ أي وضعه بين أيديهم، ثم قال لهم على سبيل العرض والتلطف، لا على سبيل الأمر والتكلف: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾؟. واشتمل سياق هذه القصة على تبشير الملائكة لإبراهيم بغلام يولد له: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾، لكن امرأته استغربت من هذه البشرى، نظرا لكونها تشعر أنها ﴿عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ إلا أن الملائكة ردوا عليها ردا يزيل من ذهنها كل تعجب واستغراب، ﴿قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾، وقد حقق الله لإبراهيم وزوجه هذه البشرى بولادة إسحاق ﵇، لأن الأقدار الإلهية هي التي تكون نافذة الأحكام على الدوام، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (يس: ٨٢)

стр. 2454

الربع الأول من الحزب الثالث والخمسين في المصحف الكريم (ق) ــ قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٣١) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (٣٤) فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦) وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٣٧) وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٣٨) فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٣٩) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (٤٠) وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١) مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢) وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (٤٣) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٤٤) فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ (٤٥) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٤٦) وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧) وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا

стр. 2455

فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ (٤٨) وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٤٩) فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١) كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٥٣) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ (٥٤) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥) وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨) فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٦٠) ٥٢ - سورة الطور مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦) إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ (٨) يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا (١٠) فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١١) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (١٢) يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤)
следующие страницы →