Полный текст (2 848 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.
стр. 2451
نفس هذا المعنى يشير قوله تعالى في سورة (الأحقاف: ٣٣): ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وقوله تعالى في سورة (النازعات: ٢٧) ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ﴾، وقوله تعالى في سورة (غافر: ٥٧): ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾.
وقد نبهنا في حديث سابق إلى أن " الأيام الستة " التي خلق الله فيها السماوات والأرض وما بينهما ليست من جنس أيامنا التي نقضيها فوق هذا الكوكب الأرضي، وإنما هي من الأيام التي أشار إليها قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ (الحج: ٤٧)، وقوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ (المعارج: ٤).
واتجه الخطاب الإلهي إلى الرسول الأعظم ﵊ داعيا إياه إلى المزيد من الصبر على أذى المشركين، وإلى الإلتجاء إلى الله بالعبادة والتسبيح والدعاء: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾.
وخُتِمت سورة (ق) بنفس الموضوع الذي كان فاتحة لها، وهو موضوع البعث والحياة بعد الموت: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ * يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ * إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ * يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا
стр. 2452
ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ * نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾.
ومن هنا ننتقل إلى سورة " الذاريات " المكية أيضا، وفي بدايتها نجد التذكير بنفس البعث والمعاد، والقسم من الله على وقوعهما: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا * فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا * فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا * فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا * إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ * وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾، والمراد " بالذاريات ذروا " الرياح، والمراد " بالحاملات وقرا " السحب، لأنها تحمل المياه، والمراد " بالجاريات يسرا " السفن، لأنها تجري في البحر بسهولة، والمراد " بالمقسمات أمرا " الملائكة، لأنها تنزل بأوامر الله الكونية والشرعية وهذا التفسير مروى عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب ﵄.
وتحدث كتاب الله عن " الخراصين " المرتابين الذين يكذبون على الله ورسوله: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾، وعن المتقين وما ادخر لهم الحق سبحانه في دار النعيم، جزاء إيمانهم وإحسانهم، ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾.
وأشار كتاب الله إلى ما لله من آيات ناطقة بقدرته، متجلية في الأرض والسماء والأنفس، فقال تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ * وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾.
стр. 2453
وخُتم هذا الربع بالحديث عن قصة إبراهيم وضيوفه من الملائكة المكرمين، وكيف أن إبراهيم الخليل ﵇ استقبل ضيوفه أحسن استقبال، حتى أصبح عمله دستورا في " آداب الضيافة " معمولا به عند السلف والخلف، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى في هذه القصة: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ﴾، ثم قوله تعالى: ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ﴾، أي أن إبراهيم جاء لضيوفه بالطعام بسرعة ودون سابق إشعار، ﴿فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ أي أنه أتى بأفضل ما عنده، وهو عجل فتي مشوي ﴿فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ﴾ أي وضعه بين أيديهم، ثم قال لهم على سبيل العرض والتلطف، لا على سبيل الأمر والتكلف: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾؟.
واشتمل سياق هذه القصة على تبشير الملائكة لإبراهيم بغلام يولد له: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾، لكن امرأته استغربت من هذه البشرى، نظرا لكونها تشعر أنها ﴿عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ إلا أن الملائكة ردوا عليها ردا يزيل من ذهنها كل تعجب واستغراب، ﴿قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾، وقد حقق الله لإبراهيم وزوجه هذه البشرى بولادة إسحاق ﵇، لأن الأقدار الإلهية هي التي تكون نافذة الأحكام على الدوام، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (يس: ٨٢)
стр. 2454
الربع الأول من الحزب الثالث والخمسين
في المصحف الكريم (ق)
ــ
قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٣١) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (٣٤) فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦) وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٣٧) وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٣٨) فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٣٩) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (٤٠) وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١) مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢) وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (٤٣) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٤٤) فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ (٤٥) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٤٦) وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧) وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا
стр. 2455
فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ (٤٨) وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٤٩) فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١) كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٥٣) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ (٥٤) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥) وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨) فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٦٠)
٥٢ - سورة الطور مكية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦) إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ (٨) يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا (١٠) فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١١) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (١٢) يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤)
стр. 2456
أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (١٥) اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٦) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧) فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (١٨) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٩) مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٢٠) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (٢١) وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢٢)
стр. 2457
الربع الأول من الحزب الثالث والخمسين
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
موضوع حديث اليوم تفسير الربع الأول من الحزب الثالث والخمسين في المصحف الكريم، ابمداء من قوله تعالى في سورة "الذاريات" المكية: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾، إلى قوله جل علاه في سورة "الطور" المكية أيضا: ﴿يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾.
ــ
في بداية هذا الربع يواصل كتاب الله الحديث عن إبراهيم وضيوفه من الملائكة المكرمين، ويبين لنا كيف استفسر إبراهيم ضيوفه عن المهمة التي أرسلوا لإنجازها في هذه الرحلة المستعجلة، كما يعرض علينا كتاب الله فحوى الجواب الذي أجابوا به إبراهيم عن سؤاله: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾، أي ما شأنكم، وفيم جئتم أيها المبعوثون، ﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾، والمراد " بالقوم المجرمين " هنا قوم لوط حسبما يؤخذ من قوله تعالى في آية أخرى عن قصة إبراهيم وضيوفه: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ * إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ *
стр. 2458
يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ (هود: ٧٦، ٧٥، ٧٤). ثم يكشف ضيوف إبراهيم لمضيفهم الكريم، كما في نفس هذه الآية، عن الغرض الأساسي من بعثهم وإرسالهم إلى قوم لوط، ألا وهو إنزال العقاب الإلهي بهم، بانتقاء نوع خاص من الحجارة وقع عليه الاختيار الإلهي، ورجمهم به من السماء، فيفعل بهم فعل الطاعون والوباء، وذلك قوله تعالى على لسان ضيوف إبراهيم: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾.
غير أن الله جلت قدرته، ودقت حكمته، لم يجمع في عذابه بين " المسرفين " و " المؤمنين "، فيؤاخذ هؤلاء بجرم أولئك، بل نجى من العذاب لوطا ومن كان معه من المؤمنين، وذلك قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، وقد نص كتاب الله في آية أخرى على أن امرأة لوط - واسمها " واغلة " فيما يرويه المؤرخون- لم تكن من بين الناجين، بل كانت من الهالكين، كما قال تعالى في سورة (العنكبوت: ٣٢) ﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾.
ولا يستغربنَّ أحد اهتمام إبراهيم الخليل بقصة قوم لوط، وحواره مع ضيوفه في شأن لوط وقومه، فعلاقة إبراهيم الخليل بلوط ﵉ علاقة وثيقة جدا، إذ إن لوطا هو ابن أخ إبراهيم، وكان إبراهيم الخليل يحبه حبا شديدا، واشترك معه في رحلته إلى الشام، إلى جانب امرأته " سارة " فاستقر إبراهيم
стр. 2459
بفلسطين، واستقر لوط بالأردن، وأرسله إلى أهل " سدوم " وما يليها، وكانوا كفارا يأتون من الفواحش ما لم يسبقهم به أحد من العالمين؛ إذ استغنى الرجال بالرجال والنساء بالنساء، فلما طال تماديهم في غيهم ولم ينزجروا دعا عليهم لوط ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾ (العنكبوت: ٣٠)، فأجاب الله دعاءه، وانتصر له بإهلاك مكذبيه، ودمر قرى قوم لوط، فأصبحت أثرا بعد عين، كما قال تعالى: ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ﴾ (هود: ٨).
ثم عقب كتاب الله على ما دار من الحوار بين إبراهيم الخليل وضيوفه حول مصير قوم لوط، بما يفيد أن العذاب الأليم الذي استحقوه إنما ضرب الله به المثل لمن يأتي بعدهم، حتى يكون لغيرهم عبرة وذكرى، وذلك قوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾، وقد أثبت البحث أن المكان الذي كان يعيش فيه قوم لوط قد تحول منذ حل بهم عذاب الله إلى بحيرة خبيثة منتنة يتجنبها الناس.
ثم أعاد كتاب الله الكرة بذكر قصص الأمم الغابرة التي كذبت الرسل وأعرضت عن رسالات الله، وورد ذلك هنا على وجه الإجمال، بعد ذكرها مفصلة في سور أخرى، وفي أول القائمة قصة " فرعون " وقومه وما أصابهم من الغرق، وقصة " عاد " وما أصاب ديارهم من دمار بالريح، وقصة " ثمود " وما فعلت بهم الصاعقة، وقصة " قوم نوح " وما فاجأهم من الطوفان، وذلك قوله
стр. 2460
تعالى: ﴿وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾، أي بحجة قاطعة، ﴿فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ﴾، أي اغتر فرعون بقوته، واعتمد على قومه، ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾، أي الريح التي تهلك ولا تنتج شيئا، ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾، أي: إلا قضت عليه بالذبول والفناء، كالجسم المنحل الفاني، ﴿وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ * فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ * فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ﴾. وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (فصلت: ١٧)، ويتصل بها قوله تعالى: ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ (هود: ٦٥)، ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ﴾، أي: واذكر قوم نوح من قبل بقية الأقوام، لأنهم سبقوهم جميعا، ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾.
وانتقل كتاب الله إلى تذكير عباده بوجوب النظر والتأمل في كتاب الكون الأكبر، المفتوحة صفحاته لعقول الناس وقلوبهم جميعا، بما فيه من سماء وأرض وأحياء، وما فيه من أنواع وأصناف بلغت في التعدد والتنوع إلى حد يفوق كل إحصاء، وذلك قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾، أي بنيناها بقوة، ﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا﴾، أي جعلناها مستقرا ملائما لحياة الإنسان فقد مهدنا له فيها سبل العيش، ووفرنا له فوق سطحها وسائل الحياة
стр. 2461
وإمكاناتها، ﴿فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾ ثم قال تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾، أي: أن قدرة الله بلغت غاية الغاية في الإنشاء والإبداع على غير مثال سابق: حتى أنها لم تكتف بخلق جنس واحد أو نوع واحد بل انفردت بخلق مختلف الأجناس والأنواع والأصناف، وشمل ذلك جميع المخلوقات، بما فيها الحيوانات والنباتات والجمادات، فهناك على سبيل المثال سماء وأرض، وبر وبحر، وشمس وقمر، وليل ونهار، وضياء وظلام، وحياة وموت، وسعادة وشقاء، وهكذا إلى ما لا نهاية له، حتى " الذرة " نفسها مؤلفة من زوج من الكهرباء: موجب وسالب.
وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ تنبيه على أن استخلاص العبرة، والوصول إلى معرفة الله عن طريق إعمال الفكر في مخلوقاته، هو الثمرة المرجوة من النظر فيها، والتأمل في عجائبها وأسرارها، ولذلك وقع التعقيب على هذه الآية مباشرة بقوله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾، والفرار إلى الله معناه التخفف من أثقال البشرية، والتحرر من أغلالها الوهمية، وفي الطليعة الفرار من عبادة الأوثان، إلى عبادة الرحمن، والفرار من الضلال إلى الهدى، ومن الجهل إلى العلم، ومن العبودية للأصنام والطواغيت إلى العبودية لله وحده، وبها يتم التحرر الكامل الشامل، ويتحقق الاعتماد الكلي في جميع الأمور على خالق الخلق، ورازقهم الذي يحيي ويميت: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾.
وذكر كتاب الله بظاهرة غريبة سجلها تاريخ النبوات
стр. 2462
والرسالات منذ البداية إلى النهاية، ألا وهي تصدي طائفة من البشر لمحاربة الرسل، والتشنيع عليهم، والتشهير بهم، ووصفهم بأقبح الصفات، حتى كأن خصوم الرسالات الإلهية يتواصون فيما بينهم عبر الأجيال بنفس الادعاءات، إذ يرددون على ألسنتهم دائما نفس الاتهامات، وإلى هذه الظاهرة الغريبة يشير قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾، وإلى هذا المعنى نفسه يشير قوله تعالى: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ (فصلت: ٤٣).
وكَأَنَّ كتاب الله عندما ذكر خاتم الرسل ﵊ بهذه الظاهرة الغريبة التي واجهها جميع الأنبياء والرسل من قبله أراد أن يهدئ من روعه، ويخفف عنه وقع الاتهامات التي يوجهها إليه المشركون من قومه، ولذلك أتبعها بدعوته إلى تجاهل ما يوجهونه إليه من الأذى والتعنيف، والإعراض عنه كأنه لم يكن، فقال تعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ * وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾، إشارة إلى أن الحق متصف بصفة " الغنى المطلق "، فهو غني عن خلقه على الدوام، كما أن فيه إشارة إلى أن تحقق رعاية خالقه، وإحسان رازقه، كاف لأن يجعله مقبلا
стр. 2463
على الله، يبتغي طاعته ويلتمس رضاه، ويرجو نواله ونعماه، وإلا فكيف يعقل أن يعرف المخلوق أنه " مخلوق " ثم يتجاهل الله الذي خلقه ورزقه، وأوجده من العدم؟، ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾.
والآن وقد فرغنا من تفسير " سورة الذاريات " المكية نشرع في تفسير سورة " الطور " المكية أيضا، مستعينين بالله. وأول ما يستقبلنا في هذه السورة الكريمة قسم من الله عظيم، على أن " الساعة " آتية لا ريب فيها، وعلى أن المعاد حق بكل توابعه ونتائجه، وذلك قوله تعالى: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم وَالطُّورِ ** وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ * وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ * وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ * وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ * يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا * وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا * فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ * يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا * هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ * اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، ومعنى " الطور " الجبل إذا كان فيه شجر، ومعنى " البحر المسجور " الذي يتأجج نارا، و " المور " تحرك السماء بأمر الله وموج بعضها عند قيام الساعة، ومعنى " يدعون إلى نار جهنم " يدفعون إليها ويساقون.
وبعدما وصفت الآيات الكريمة حالة المكذبين بالرسل، وما أعد الله لهم في جهنم من العذاب الأليم، تولت بالشرح والوصف والمقارنة حالة المتقين وهم في جنات ونعيم، وأشارت
стр. 2464
بالخصوص إلى ما يتفضل به الحق سبحانه عليهم، إذ يجمع شمل المؤمنين من الآباء والأبناء في مقام واحد، ويقر أعين الآباء، فيلحق بهم ما لهم من أبناء، وإن كان بعضهم أعلى درجة من البعض الآخر عند الله، بالنسبة إلى عمله الصالح وتقواه، وذلك قوله تعالى " ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾.
ولما أخبر كتاب الله عن " مقام الفضل " وهو رفع درجة الأبناء إلى منزلة الآباء، من غير عمل كاف يقتضي ذلك، أخبر عن " مقام العدل "، وهو أنه لا يؤاخذ أحدا منهم بذنب الآخر وأن كل امرئ مرتهن بعمله، لا يحمل عليه ذنب غيره من الناس، سواء كان أبا أو ابنا، فقال تعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾، ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ (الأنعام ١١٥).
стр. 2465
الربع الثاني من الحزب الثالث والخمسين
في المصحف الكريم (ق)
ــ
وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (٢٤) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٥) قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (٢٦) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (٢٧) إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (٢٨) فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (٢٩) أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (٣١) أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٣٢) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٣٤) أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (٣٦) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (٣٧) أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ
стр. 2466
فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٣٨) أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (٣٩) أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٠) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤١) أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (٤٢) أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٣) وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ (٤٤) فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (٤٥) يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٦) وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٤٧) وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ (٤٩)
٥٣ - سورة النجم مكية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (١٢) وَلَقَدْ رَآهُ
стр. 2467
نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨) أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (٢٣) أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى (٢٤) فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى (٢٥)
стр. 2468
الربع الثاني من الحزب الثالث والخمسين
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
في حديث هذا اليوم نعالج تفسير الربع الثاني من الحزب الثالث والخمسين في المصحف الكريم، وبدايته قوله تعالى في سورة "الطور" المكية: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾، ونهايته قوله تعالى في سورة "النجم" المكية أيضا: ﴿أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى * فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى﴾.
ــ
في بداية هذا الربع يصف كتاب الله نوع الأحاديث التي يتبادلها أهل الجنة فيما بينهم، عندما يستقرون، بفضل الله، في " دار الخلود " فها هم أولاء يقبل بعضهم على بعض في مودة وإخاء، ويسأل بعضهم بعضا في ثقة واطمئنان وها هم يستعيدون ذكرياتهم عما مضى لهم في الحياة الدنيا، وها هم يحللون حالتهم النفسية والخلقية التي كانوا عليها في " دار التكليف " وها هم يستخلصون النتائج والعبر مما كانوا عليه، ومما صاروا إليه، وذلك ما تضمنه قوله تعالى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾.
стр. 2469
ومعنى قول أهل الجنة: ﴿إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ أي كنا في حد ذاتنا، وفيما بين أهلنا ووسط عشيرتنا، ملتزمين لتقوى الله، متجنبين لمعصية الله، خائفين من حساب الله، ولم نكن طاغين ولا متمردين ولا غافلين، ومعنى قول أهل الجنة: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾، أن الله تعالى تفضل علينا بما آتانا من النعيم المقيم، وبما نجانا منه من العذاب الأليم. واعترافهم في هذا المقام " بمنة الله عليهم " دون " الامتنان عليه " بعملهم، أو باستحقاقهم للجزاء عليه، يدل على مبلغ ما هم عليه من أدب مع الله، فهم يعتبرون الأعمال الصالحة التي عملوها في " دار الفناء " مجرد توفيق من الله، ويعدون الجزاء الحسن عليها في " دار الجزاء " مجرد منة من الله، وذلك منتهى الكمال في الأدب، في الدنيا والآخرة.
ومعنى قول أهل الجنة: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾، أنهم كانوا على الدوام يطرقون باب الله، دون أن يملوا من الدعاء والتضرع والابتهال، إذ كانوا واثقين بأن " الدعاء هو مخ العبادة " كما جاء في الحديث الشريف، بحيث يلتجئون إليه سبحانه في السراء والضراء، والشدة والرخاء، إيمانا منهم بأنه لا ضار ولا نافع سواه، وتجاوبا منهم مع التوجيه الإلهي القاطع: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ (النمل: ٦٢)، وهم عندما كانوا يتوجهون بدعائهم، ويتجهون فيه إلى الله وحده، لم يكن يداخلهم أدنى شك في بر الله لهم، ورحمته إياهم، إذ هو سبحانه " البر الرحيم " بأوسع معاني البر، وأعم وجوه الرحمة.
стр. 2470
وانتقل كتاب الله إلى تثبيت قلب الرسول ﵇، وحمله على الصبر إلى النهاية، في سبيل تبليغ الرسالة، دون أن يتأثر بما يوجهه إليه أعداد الله من قذف بالكهانة حينا، وبالجنون حينا، فقد حماه الله منهما، وأنعم عليه بأكبر النعم، إذ اختاره لأمر عظيم، وذلك قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ﴾.
ثم استنكر كتاب الله ما يلفقه المشركون أحيانا أخرى من وصف الرسول ﵇ بأنه مجرد " شاعر "، على نمط ما اعتادوه من الشعراء المغرفين في الخيالات والنزوات والأحلام، وإن كانوا يعرفون حق المعرفة أن كلام الله الذي يتلى عليهم ليس من الشعر ولا من النثر في شيء، وذلك قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾، أي: يزعمون أنه مجرد شاعر، ويرون أنه لا بأس -إذا اقتضى الحال- بغض الطرف عنه، في انتظار أن يدركه الموت، فيستريحوا منه ومن شعره، كما كان أمرهم مع الشعراء الأولين، ثم يرد عليهم كتاب الله قائلا: ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾، أي: قل لهم يا محمد: انتظروا فإني منتظر معكم. وكأنه يقول لهم: إن الأمر هنا على خلاف ما تظنون، فهو يتعلق برسالة خالدة إلى يوم الدين، يموتون هم جميعا ولا تموت هي أبدا، وإن الأمر يتعلق بكتاب إلهي خالد، قد تكفل الحق بحفظه في الصدور، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وليس الأمر متعلقا -كما يدعون- " بشعر جاهلي " يعيش في ظل الجاهلية، ثم يموت وينتهي مفعوله
стр. 2471
إلى الأبد. كما استنكر كتاب الله ما يدعيه المشركون في مناسبات أخرى، من أن الوحي الذي تنزل على رسول الله ﷺ إنما هو مجرد " تقوّل " من عنده وافتراء على الله، متحديا لهم أن يأتوا بمثله إذا كان ما يدعونه حقا وصدقا، وذلك قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ * فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾، وهيهات لهم ذلك، فإن كتاب الله تسري فيه روح من أمر الله، ومعانيه نابعة من معين علم الله، الذي أحاط بكل شيء علما، وأحسن في كل شيء صنعا.
وعرج كتاب الله مرة أخرى على قصة " بدأ الخليقة "، ومركز الإنسان الحقيقي بالنسبة لبقية المخلوقات، وتحدى المشركين الذي يجهلون أو يتجاهلون أن الله واحد أحد، وأنه لم يلد ولم يولد، وذلك قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ * أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ * أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ * أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
واستغرب كتاب الله ما عليه المشركون من إعراض عن الرسالة العظمى التي جاءهم بها الرسول ﵇، رغما عن أن هذه الرسالة مجرد عطية إلهية، وهبة ربانية، تكرم عليهم بها الحق ، هداية لهم، وأخذا بيدهم، ورغما عن أن القائم بها والداعي إليها لا يطلب لنفسه أي أجر عليها، ولا
стр. 2472
يلزمهم بأداء أي مغرم خف أو ثقل، مقابل تبليغها لهم، ونشرها بينهم، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾.
وأشار كتاب الله إلى أن العذاب الذي يسلطه الله على المشركين والمكذبين، ومن لف لفهم من العصاة المذنبين، والمسرفين الظالمين، نوعان اثنان:
النوع الأول: " العذاب الأكبر " وهو العذاب الماحق الساحق، الذي ينتهي بالإبادة والفناء في الدنيا، وبالخلود في جهنم في الآخرة.
النوع الثاني: " العذاب الأدنى " وهو العذاب الذي يراد به مجرد التذكير والتأديب والتلوم في الدنيا، عسى أن يقبل المشركون على الإيمان بالله، وعسى أن يعود العصاة إلى طاعة الله، وعسى أن ينتهي الطغاة عن تعدي حدود الله.
فبالنسبة للنوع الأول قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾، أي: إن يروا عذابا نازلا عليهم من السماء يقولوا جحودا وعنادا إنه سحاب مقبل عليهم بالماء والحياة والبركة، ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ * يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾.
وبالنسبة للنوع الثاني قال تعالى في نفس السياق: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ﴾، وهذا النوع من العذاب يبتلى به الله الأمم التي انحرفت عن الطريق السوي، ولا يرفعه عنها إلا
стр. 2473
إذا عادت إلى رشدها، وخرجت من تيه الغواية والضلال، وإلى هذا المعنى يشير قوله تعالى في آية أخرى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (السجدة: ٢١).
وينتقل كتاب الله من محاجة المشركين، والرد على إدعاءاتهم الباطلة، ووصف ما هم عليه من الجحود والعناد، إلى مخاطبة الرسول ﵇، ودعوته إلى الاستمرار على ما هو عليه من صبر مزدوج: صبر في أداء الرسالة بكل تفان وثبات وإخلاص، وصبر على أذى المشركين الذي لا ينقطع أبدا، والذي يأخذ كل يوم لونا جديدا من التقولات والادعاءات وحرب الأعصاب، وذلك قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾، أي: أن الله تعالى قد تكفل بأن يعصمك من الناس، وبأن يرعاك بعينه التي لا تنام. وفي هذا الخطاب الإلهي الرقيق منتهى التأييد والإعزاز والإكرام.
ثم دعا نبيه ﵇ إلى الاستعانة على ما هو بصدده من أعباء الرسالة العظمى، بالعبادة والدعاء والتسبيح، فذلك أكبر مدد يمد الله به أصفياءه من خلقه: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾.
وبهذا العرض الواضح نختم سورة " الطور " المكية، وننتقل إلى سورة " النجم " المكية أيضا، وأول ما يواجهنا في هذه السورة الكريمة قسم من الله عظيم على صدق الرسول في رسالته،
стр. 2474
وعلى تصديق الوحي الذي ينزل عليه من عند الله، وذلك قوله تعالى: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾.
ويشير كتاب الله في إيجاز وإعجاز إلى أول لقاء وتعارف تم بين رسول الله ﷺ وجبريل ﵇ في بداية نزول الوحي، عندما بعثه الله على رأس الأربعين، ورأى جبريل على صورته، وذلك قوله تعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ﴾، أي: ذو قوة، والمراد به هنا جبريل، ﴿فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾، أي: على بعد ما بين القوسين أو أدنى، تعبيرا عن منتهى القرب منه، ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾، أي: أوحى جبريل إلى عبد الله ورسوله ما أوحاه إليه ربه: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾، أي: أن رؤية النبي ﵇ لجبريل الذي نزل عليه بالوحي كانت رؤية مشاهدة وعيان، ويقين قاطع، بحيث لا تقبل شكا ولا جدالا: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾.
ثم أشار كتاب الله بالخصوص إلى لقاء آخر تم بين رسول الله ﷺ وجبريل ﵇، إذ رآه على هيئته التي خلقه الله عليها ليلة الإسراء والمعراج، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾.
стр. 2475
وقوله تعالى هنا: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾، يستفاد منه معنيان: المعنى الأول أن رؤية النبي ﷺ لجبريل ﵇ ليلة الإسراء كانت رؤية حقيقية ليس فيها أدنى غلط في المشاهدة، مما قد يعتوِر أعين الناس العاديين حيث يقع لهم أحيانا غلط في الرؤية، وخلط في النظر بالبصر، والمعنى الثاني أن رسول الله ﷺ لم يجاوز في هذا المقام العظيم ما أمر به، ولم يتطلع لكشف ما لم يؤذن له فيه، ولم يسأل أكثر مما أعطي، فلا زهو ولا إلحاح ولا تطاول. بل كان ﵇ في منتهى الطاعة ومنتهى الثبات ومنتهى الأدب. قال ابن كثير: " وما أحسن ما قال الناظم:
"رأى جنة المأوى وما فوقها ولو ... رأى غيره ما قد رآه لتاها".
وقوله تعالى هنا: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾، تنويه بما أطلع الله عليه خاتم الرسل ﵊، من آثار قدرته الباهرة، ودلائل سطوته القاهرة، في العالم العلوي الفسيح، وذلك علاوة على ما أوحاه إليه في كتابه المبين، من الدلائل القاطعة، والحجج الساطعة. وحكمته سبحانه في ذلك كله أن يزود رسوله بأكبر زاد من المعرفة واليقين، وأن يعده لحمل رسالته على أكمل وجه إلى العالمين.
وانتهى هذا الربع بتسفيه معتقدات المشركين ومقدساتهم من الأصنام والأوثان: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾، وبين كتاب الله أنهم لا يعتمدون في معتقداتهم الباطلة إلا على مجرد الظنون والأهواء والأماني، وكل
стр. 2476
منها لا يصلح أساسا للاعتقاد، ولا سندا للسلوك: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى * أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى * فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى﴾.
стр. 2477
الربع الثالث من الحزب الثالث والخمسين
في المصحف الكريم (ق)
ــ
وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى (٢٧) وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (٢٨) فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٢٩) ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى (٣٠) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (٣٢) أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى (٣٤) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى (٣٥) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧)
стр. 2478
أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (٤١) وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢) وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (٤٣) وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (٤٤) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٤٥) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (٤٦) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى (٤٧) وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى (٤٨) وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى (٤٩) وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (٥٠) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (٥١) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (٥٢) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (٥٣) فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (٥٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (٥٥) هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى (٥٦) أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧) لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ (٥٨) أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (٦١) فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢)
٥٤ - سورة القمر مكية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (٣) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (٥) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦)
стр. 2479
خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (٧) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (٩)
стр. 2480
الربع الثالث من الحزب الثالث والخمسين
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
موضوع حديثنا هذا اليوم تفسير الربع الثالث من الحزب الثالث والخمسين في المصحف الكريم. ابتداء من قوله تعالى في سورة "النجم" المكية: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾، إلى قوله تعالى في سورة "القمر" المكية أيضا: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ﴾
ــ
كانت آخر آية في نهاية الربع الماضي هي قوله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى﴾، وأول آية تليها في ربع اليوم هي قوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾، والآيتان مرتبطتان كل الارتباط، فكتاب الله يريد أن يؤكد للجميع، وخصوصا لمن أشركوا بالله غيره، فعبدوا الأصنام والأوثان والشياطين، أو الملائكة، أن جميع ما يخيل إليهم أنهم يتقربون بعبادته، ويتوسلون به، ويعلقون عليه الآمال، من غير الله، لن ينفعهم في الدنيا ولا في الآخرة، ذلك أن الحياة الأولى -وهي الدنيا- لا تفلت من قبضة الله، وأن الحياة الآخرة لا أمر فيها ولا
стр. 2481
سلطان لغير الله، ﴿فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى﴾، ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (غافر: ١٦). وما دامت هذه هي الحقيقة الناصعة التي لا حقيقة سواها، فكل ما يمني به المشركون أنفسهم ومن لف لفهم من شفاعة الشفعاء يوم القيامة لا يغني عنهم من الله شيئا، وذلك قوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾، اللهم إلا إذا أذن الله للشفيع بأن يشفع، وللمشفوع فيه بأن يناله حظ الشفاعة، وذلك قوله تعالى: ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾، على غرار قوله تعالى في آية الكرسي: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ (البقرة: ٢٥٥)، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾، (سبأ: ٢٣)، قال ابن كثير: " فإذا كان هذا في حق الملائكة المقربين، فكيف ترجون أيها الجاهلون شفاعة هذه الأصنام والأنداد عند الله، وهو تعالى لم يشرع عبادتها ولا أذن فيها، بل قد نهى عنها على ألسنة جميع رسله، وأنزل بالنهي عن ذلك جميع كتبه " فالأمر إذن متعلق بدءا وختاما بمشيئة الله ورضاه، وعليه لا على غيره يجب أن يكون الاعتماد، وإليه لا إلى غيره يلزم أن يكون التوجه. على أن نفس أولئك المقربين الذين تعلق عليهم آمال الشفاعة للمذنبين، لا يسمح لهم مقتضى ما هم عليه من الأدب مع الله، والمعرفة الكاملة بمدى جلاله وعظيم سلطانه، أن يتقدموا بين يديه، دون إذنه ورضاه، أو أن يشفعوا فيمن يعرفون أنهم أعداء الله، فضلا عن أن يضمنوا للمستشفعين بهم مسبقا الغفران والرضوان، ودخول الجنان.
стр. 2482
وأشارت الآيات الكريمة إلى معتقد باطل من معتقدات المشركين التي جاء لمحاربتها القرآن، ألا وهو اعتقادهم أن الملائكة إناث وبنات، بناء على مجرد الظنون والأوهام، وذلك قوله تعالى " ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى * وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾.
ثم توجه الخطاب الإلهي إلى الرسول ﵇، طالبا منه الإعراض عن المشركين الذين أصروا على معتقدات الشرك، مع علمهم بأنها ضلال في ضلال وخبال في خبال، ما داموا قد اختاروا لأنفسهم الاستمتاع البهيمي المطلق، بملذات الحياة وشهواتها، وفضلوا عدم التقيد بأي قيد من قيود الدين والأخلاق، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾.
وعاد كتاب الله مرة أخرى للحديث عن الجزاء العادل الذي يناله المحسنون والمسيئون، مبينا أن كل ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما، بما فيهم الشفعاء والمقربون الذين تعلق عليهم الآمال، من طرف المقصرين المهملين لصالح الأعمال، إنما هو ملك لله وفي قبضته، وتحت قهره ومشيئته، وإذن فلا مفر للمسيئين من انتظار العقاب، ولا سبيل لحرمان المحسنين من انتظار الثواب، وذلك قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا
стр. 2483
بِالْحُسْنَى﴾، فتفرد الحق بملكه وحكمه هو الضمانة الوحيدة للجزاء العادل، الذي ينتظره الخلق جميعا يوم القيامة، على يد أحكم الحاكمين.
ومن هذا الموضوع انتقلت الآيات الكريمة إلى وصف " المحسنين " الذين تنتظرهم " الحسنى " عند الله، فأوضح كتاب الله أن شأن المحسنين أن يجتنبوا كبائر الإثم، وأن يجتنبوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وأن يتوبوا إلى الله توبة نصوحا، بمجرد ما يقع منهم أدنى تقصير أو تفريط، " فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم " كما قال ﵇، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾.
وعقب كتاب الله على ما وصف به المحسنين من عباده، بما يفيد أن الإنسان العادي قد خلق ضعيفا عن مقاومة شهواته ونزواته في كل الأوقات، وأنه بحكم ضعفه البشري قد يتعرض لارتكاب بعض الذنوب في بعض الفترات، ودواء ذلك هو المبادرة بالإقلاع عن الذنب، وعدم الإصرار عليه، والتوبة منه توبة نصوحا، وفي هذا السبيل أعفى الحق عباده من ادعاء ما ليس فيهم، وأعلن أنه لا يرضى منهم بتزكية أنفسهم وتقديسها، ومدحها أمام الغير بسلوك نهج الاستقامة والتقوى على الدوام، فالجواد يكبو، والسيف ينبو، كما يقول المثل العربي الشهير، وإلى هذا المعنى يشير قوله تعالى: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا
стр. 2484
أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾.
وانتقل كتاب الله إلى وصف نموذج من الناس تفيض فيهم عاطفة البر والإحسان، فيبادرون في بعض الأحيان إلى إسداء الخير لمستحقيه، وبذل المعروف لأهله، ثم تجف في قلوبهم هذه العاطفة النبيلة، فينقلبون إلى بخلاء أشحاء، موسوسين بالتفكير في " اليوم الأسود " الذي يفاجئهم بالعسر بعد اليسر، وبالفقر بعد الغنى، وأبطل كتاب الله مخاوف هذا الصنف من الناس الذين يقبضون أيديهم بعدما بسطوها بالبر والإحسان، مؤكدا لهم أن علم الغيب أمر قاصر على الله، وأنه لا مبرر لخوفهم من المستقبل المظلم، من جراء مداومتهم على عمل البر، فذلك أمر لا يتفق مع التصديق بوعد الله، وإلى هذا المعنى يشير قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى * وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى * أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى﴾.
ثم استعرضت الآيات الكريمة جملة من التعليمات الإلهية، والعقائد الدينية الإسلامية، التي احتوت عليها صحف إبراهيم وموسى، مما يعتبر تراثا دينيا خالدا مشتركا بين جميع الأنبياء والمرسلين، وكافة المؤمنين، وذلك قوله تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (٤١) وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢) وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (٤٣) وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (٤٤) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٤٥) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (٤٦) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى (٤٧) وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى (٤٨) وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى (٤٩) وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (٥٠) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (٥١) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا
стр. 2485
هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى * وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى * فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى﴾.
فقوله تعالى: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، معناه أنه لا تحمل نفس حمل أخرى، وإنما تحمل كل نفس وزرها وحدها، دون أن يسمح للغير بالتخفيف عنها، ولا أن يسمح لها بتثقيل كفة الغير.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾، معناه أن الإنسان كما لا يحمل وزر غيره، فإنه لا يؤجر إلا على عمله الخاص، ولا يشارك غيره فيما يناله الغير من أجر على العمل الذي قام به دونه. قال ابن كثير: " فأما الدعاء والصدقة فهما مجمع على وصول ثوابهما إلى الميت، ومنصوص من الشارع عليهما "، وأما الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: " قال رسول الله ﷺ ، إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث، من ولد صالح يدعو له، أو صدقة جارية من بعده، أو علم ينتفع به " فهذه الثلاثة في الحقيقة هي من سعي الإنسان وكده وعمله، كما جاء في الحديث: " إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه ". والصدقة الجارية، كالوقف ونحوه هي من آثار عمله، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ (يس: ١٢)، والعلم الذي نشره في الناس، فاقتدى به الناس بعده، هو أيضا من سعيه وعمله، وثبت في الصحيح: " من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه، من غير أن ينقص من أجورهم شيئا ". انتهى ما أورده ابن كثير.
стр. 2486
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾، معناه أن الإنسان سيعرض عليه يوم القيامة كل ما عمله في حياته من خير أو شر، وأنه سينال على سعيه وعمله جزاءه العادل، دون زيادة ولا نقصان، على غرار قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾، (الزلزلة: ٧، ٨)، وقوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (التوبة: ١٠٥).
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾، معناه أن مآل الإنسان ومصيره المحتوم هو الرجوع إلى الله، أحب أم كره رضي أم سخط، فلا مأوى له في نهاية المطاف إلا في دار النعيم أو في دار الجحيم، وفي هذا تنبيه للإنسان إلى أن يفكر ويقدر منذ بداية رحلته في هذه الحياة، حتى يلاءم سلوكه مع نهايته المحتومة، ويكيف حياته الفانية، بما ينسجم مع حياته الباقية.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا * وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى﴾، إشارة إلى جملة من عجائب صنع الله في خلقه، ولا سيما ما في خلق الإنسان وتكوينه من أسرار ظاهرة وباطنة، لم يصل الإنسان نفسه حتى الآن إلى تحديدها، واستكناه حقيقتها، رغما عن مرور القرون الطويلة على حياته فوق سطح الأرض.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾، إشارة إلى
стр. 2487
النجم الذي هو أثقل من الشمس بعشرين مرة، والذي تبلغ قوة نوره خمسين ضعفا من نور الشمس، وقد كان لهذا النجم من يرصده ويعبده من دون الله فبين الحق سبحانه أن " الشعرى " ليست إلا جزءا بسيطا من مخلوقاته، وأنه هو " رب الشعرى " ورب كل النجوم صغيرها وكبيرها، بل رب السماوات والأرض وما بينهما: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ (البقرة: ٢٥٥)، والحديث عن " الشعرى " في هذه السورة الكريمة مناسب لاسمها الذي هو " سورة النجم " التي نفسرها، فقد تصدر مطلعها قسم الله العظيم على صدق رسوله، إذ قال: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾.
وقوله تعالى: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾، إشارة إلى ما سلف من الأخبار عن الأقوام التي هلكت في سالف الزمان كما فسره أبو مالك الغفاري، وقال قتادة ومحمد بن كعب وأبو جعفر: إنه إشارة إلى رسول الله ﷺ الذي افتتحت به هذه السورة في أولها، تأكيدا لأنه ﵇ ليس بدعا من الرسل، وأنه نذير من بين " النذر " الذين أرسلهم الله إلى خلقه على التتابع، لهدايتهم إلى سواء السبيل.
كما أشارت الآيات التالية إلى قرب الساعة بعد ظهور الرسالة المحمدية، وذلك أمر لا غرابة فيه، ما دامت الرسالة المحمدية هي آخر الرسالات الإلهية إلى الخلق، فلا رسالة بعدها، ولا رسول بعد الرسول الذي جاء بها، روي أن رسول الله ﷺ قال: " مثلي ومثل الساعة كهاتين "، وفرق عليه
стр. 2488
السلام بين أصبعيه الوسطى والتي تلي الإبهام، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾، على غرار قوله تعالى في السورة الآتية: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ أي: لا يكشف هولها وخطبها إلا الحق ، أو لا يكشف عن وقت حلولها سوى الله، وكلا التفسيرين صحيح.
وسجل كتاب الله ما يوحى به إعراض المشركين عن القرآن العظيم، من التعجب والاستغراب، فبدلا من أن يتعظوا به عند سماعه، وتقشعر جلودهم، وتخشع قلوبهم، يضحكون منه، ويعرضون عنه، وذلك قوله تعالى: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ * فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾.
والآن فلنلق نظرة على سورة " القمر " المكية أيضا، وسنجد بدايتها مرتبطة أوثق ارتباط بالآيات الختامية لسورة " النجم " السابقة عليها في الترتيب، ومنسجمة معها كل الانسجام، فقد سبق لنا في نهاية سورة " النجم " قوله تعالى: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ * لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾، وها هي سورة " القمر " تبتدئ بقوله تعالى: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾، مما يؤكد نفس المعنى ويقويه.
وقوله تعالى: ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾، يشير إلى ظاهرة كونية تعرض لها القمر في الماضي، وسيتعرض في المستقبل لما هو أخطر منها وأكبر، وذلك عند قيام الساعة، على غرار قوله تعالى
стр. 2489
في سورة (القيامة: ١٠، ٩، ٨، ٧) ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ * وَخَسَفَ الْقَمَرُ * وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ * يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ﴾، وقوله تعالى في سورة (الانشقاق: ٢، ١): ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾، والإتيان " بانشقاق القمر " في سياق الحديث عن " اقتراب الساعة "، دليل واضح على ما بينهما من ارتباط وثيق، فما علينا إلا التصديق بآيات الله الشرعية والكونية، ولله في خلقه شؤون.
وإثبات القرآن " لانشقاق القمر " دليل على أن ما أصابه سيصيب غيره من بقية الكواكب، ولا سيما عند قيام الساعة، وفي ذلك رد قوي وحجة بالغة على " الدهريين-الماديين " الذين ينكرون " أن الساعة آتية "، بدعوى أن العالم لا بداية له ولا نهاية، وأنه سيظل على حاله مهما طال الزمان، وسيبقى فيه ما كان على ما كان، قال فخر الدين الرازي: " إن منكر خراب العالم ينكر انشقاق السماء وانفطارها، وكذلك قوله في كل جسم سماوي من الكواكب، فإذا انشق بعضها ثبت خلاف ما يقول به، وأن خراب العالم جائز "، وما قاله الرازي من جواز خراب العالم هو ما يثبته العلم الحديث بمختلف فروعه في هذا العصر، مؤكدا أن للعالم بداية ونهاية. وذلك ما سبق إلى إثباته كتاب الله الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (فصلت: ٤٢).
وأخيرا استنكر كتاب الله ما عليه المشركون من تجاهل لآيات الله التي تتعاقب أمام أنظارهم يوما بعد يوم، دون أن
стр. 2490
ينزجروا عن غيهم، أو يتراجعوا عن ضلالهم المبين، وذلك قوله تعالى: ﴿وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾، ثم قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ * حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ * فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ * خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ * مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾.
следующие страницы →