← Тафсир

Тафсир · id 115129

التيسير في أحاديث التفسير

محمد المكي الناصري

Полный текст (2 848 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾، معناه أن الإنسان سيعرض عليه يوم القيامة كل ما عمله في حياته من خير أو شر، وأنه سينال على سعيه وعمله جزاءه العادل، دون زيادة ولا نقصان، على غرار قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾، (الزلزلة: ٧، ٨)، وقوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (التوبة: ١٠٥). وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾، معناه أن مآل الإنسان ومصيره المحتوم هو الرجوع إلى الله، أحب أم كره رضي أم سخط، فلا مأوى له في نهاية المطاف إلا في دار النعيم أو في دار الجحيم، وفي هذا تنبيه للإنسان إلى أن يفكر ويقدر منذ بداية رحلته في هذه الحياة، حتى يلاءم سلوكه مع نهايته المحتومة، ويكيف حياته الفانية، بما ينسجم مع حياته الباقية. وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا * وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى﴾، إشارة إلى جملة من عجائب صنع الله في خلقه، ولا سيما ما في خلق الإنسان وتكوينه من أسرار ظاهرة وباطنة، لم يصل الإنسان نفسه حتى الآن إلى تحديدها، واستكناه حقيقتها، رغما عن مرور القرون الطويلة على حياته فوق سطح الأرض. وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾، إشارة إلى

стр. 2487

النجم الذي هو أثقل من الشمس بعشرين مرة، والذي تبلغ قوة نوره خمسين ضعفا من نور الشمس، وقد كان لهذا النجم من يرصده ويعبده من دون الله فبين الحق سبحانه أن " الشعرى " ليست إلا جزءا بسيطا من مخلوقاته، وأنه هو " رب الشعرى " ورب كل النجوم صغيرها وكبيرها، بل رب السماوات والأرض وما بينهما: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ (البقرة: ٢٥٥)، والحديث عن " الشعرى " في هذه السورة الكريمة مناسب لاسمها الذي هو " سورة النجم " التي نفسرها، فقد تصدر مطلعها قسم الله العظيم على صدق رسوله، إذ قال: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾. وقوله تعالى: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾، إشارة إلى ما سلف من الأخبار عن الأقوام التي هلكت في سالف الزمان كما فسره أبو مالك الغفاري، وقال قتادة ومحمد بن كعب وأبو جعفر: إنه إشارة إلى رسول الله ﷺ الذي افتتحت به هذه السورة في أولها، تأكيدا لأنه ﵇ ليس بدعا من الرسل، وأنه نذير من بين " النذر " الذين أرسلهم الله إلى خلقه على التتابع، لهدايتهم إلى سواء السبيل. كما أشارت الآيات التالية إلى قرب الساعة بعد ظهور الرسالة المحمدية، وذلك أمر لا غرابة فيه، ما دامت الرسالة المحمدية هي آخر الرسالات الإلهية إلى الخلق، فلا رسالة بعدها، ولا رسول بعد الرسول الذي جاء بها، روي أن رسول الله ﷺ قال: " مثلي ومثل الساعة كهاتين "، وفرق عليه

стр. 2488

السلام بين أصبعيه الوسطى والتي تلي الإبهام، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾، على غرار قوله تعالى في السورة الآتية: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾. وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ أي: لا يكشف هولها وخطبها إلا الحق ، أو لا يكشف عن وقت حلولها سوى الله، وكلا التفسيرين صحيح. وسجل كتاب الله ما يوحى به إعراض المشركين عن القرآن العظيم، من التعجب والاستغراب، فبدلا من أن يتعظوا به عند سماعه، وتقشعر جلودهم، وتخشع قلوبهم، يضحكون منه، ويعرضون عنه، وذلك قوله تعالى: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ * فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾. والآن فلنلق نظرة على سورة " القمر " المكية أيضا، وسنجد بدايتها مرتبطة أوثق ارتباط بالآيات الختامية لسورة " النجم " السابقة عليها في الترتيب، ومنسجمة معها كل الانسجام، فقد سبق لنا في نهاية سورة " النجم " قوله تعالى: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ * لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾، وها هي سورة " القمر " تبتدئ بقوله تعالى: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾، مما يؤكد نفس المعنى ويقويه. وقوله تعالى: ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾، يشير إلى ظاهرة كونية تعرض لها القمر في الماضي، وسيتعرض في المستقبل لما هو أخطر منها وأكبر، وذلك عند قيام الساعة، على غرار قوله تعالى

стр. 2489

في سورة (القيامة: ١٠، ٩، ٨، ٧) ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ * وَخَسَفَ الْقَمَرُ * وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ * يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ﴾، وقوله تعالى في سورة (الانشقاق: ٢، ١): ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾، والإتيان " بانشقاق القمر " في سياق الحديث عن " اقتراب الساعة "، دليل واضح على ما بينهما من ارتباط وثيق، فما علينا إلا التصديق بآيات الله الشرعية والكونية، ولله في خلقه شؤون. وإثبات القرآن " لانشقاق القمر " دليل على أن ما أصابه سيصيب غيره من بقية الكواكب، ولا سيما عند قيام الساعة، وفي ذلك رد قوي وحجة بالغة على " الدهريين-الماديين " الذين ينكرون " أن الساعة آتية "، بدعوى أن العالم لا بداية له ولا نهاية، وأنه سيظل على حاله مهما طال الزمان، وسيبقى فيه ما كان على ما كان، قال فخر الدين الرازي: " إن منكر خراب العالم ينكر انشقاق السماء وانفطارها، وكذلك قوله في كل جسم سماوي من الكواكب، فإذا انشق بعضها ثبت خلاف ما يقول به، وأن خراب العالم جائز "، وما قاله الرازي من جواز خراب العالم هو ما يثبته العلم الحديث بمختلف فروعه في هذا العصر، مؤكدا أن للعالم بداية ونهاية. وذلك ما سبق إلى إثباته كتاب الله الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (فصلت: ٤٢). وأخيرا استنكر كتاب الله ما عليه المشركون من تجاهل لآيات الله التي تتعاقب أمام أنظارهم يوما بعد يوم، دون أن

стр. 2490

ينزجروا عن غيهم، أو يتراجعوا عن ضلالهم المبين، وذلك قوله تعالى: ﴿وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾، ثم قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ * حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ * فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ * خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ * مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾.

стр. 2491

الربع الأخير من الحزب الثالث والخمسين في المصحف الكريم (ق) ــ فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (١٤) وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (١٦) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧) كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (١٨) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (٢١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٢٢) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (٢٣) فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٢٤) أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (٢٥) سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (٢٦) إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (٢٧)

стр. 2492

وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (٢٨) فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (٢٩) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٠) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (٣١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٣٢) كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (٣٣) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (٣٥) وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ (٣٦) وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٧) وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ (٣٨) فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٩) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٤٠) وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١) كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (٤٢) أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ (٤٣) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (٤٦) إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا

стр. 2493

أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٥١) وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)

стр. 2494

الربع الأخير من الحزب الثالث والخمسين في المصحف الكريم (ت) عباد الله في حديث هذا اليوم نتناول تفسير الربع الأخير من الحزب الثالث والخمسين في المصحف لكريم، وبدايته قوله تعالى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ * فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ﴾، ونهايته قوله جل علاه: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾. ــ لا نزال نتذكر أن كتاب الله - في نهاية الربع الماضي- أعاد إلى الأذهان قصة نوح وقومه حيث قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ﴾، وفي بداية هذا الربع يتوالى الحديث عن نفس القصة، إذ يبين كتاب الله أن نوحا ﵇، بعد جهود متواصلة وتضحيات متوالية، وصل إلى مرحلة قطع فيها كل رجاء وأمل في إصلاح حال قومه، أو إنقاذهم من الضلال الذي هم فيه، فلم يجد نوح ﵇ بدا من أن يعلن أمام ربه عجزه عن إصلاحهم، ويستنجد عليهم بقوة الله القاهر فوق عباده، وذلك قوله تعالى هنا حكاية عن نوح: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾، وعلم الله الذي أحاط بكل شيء لم

стр. 2495

يفاجئه يأس نوح من قومه، ولا طلبه النصر عليهم من الله، فقد كان دعاء نوح مجرد سبب، لأن ينال قوم نوح من العذاب الأليم ما هم أهل له، وما أسرع ما وقع انتصار الله لدينه ولنبيه، بتسليط طوفان عارم على قوم نوح، اشتركت فيه السماء والأرض على السواء، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾. ونجى الله نوحا من عذاب الطوفان على ظهر سفينة كانت تكلؤها عناية الله، وتحميها من كل خطر، كما قال تعالى: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾، و " الدسر " مسامير السفينة أو أضلاعها. ثم قال تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾، أي تجري بأمرنا وتحت حفظنا. وقوله تعالى: ﴿جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾، إما أن يكون المراد به رعاية الله لنوح، وحمله ومن آمن معه في " سفينة النجاة " إكراما له من الله، وإنقاذا له من كفران قومه به وبرسالته، وإما أن يكون المراد به عذاب الطوفان الذي سلطه الله على قوم نوح، جزاء لهم على كفرهم وعنادهم، وسوء معاملتهم لنوح ﵇. وأشار كتاب الله إلى أن الحكمة في عرض مثل هذه القصة على المشركين والكافرين هي تذكيرهم بما وقع للأقوام والأمم من قبلهم، حتى يعودوا إلى رشدهم، ويتجنبوا الوقوع تحت ضربات السوط الإلهي الذي يمهل ولا يهمل، وتعريفهم بأن عاقبة الصلاح واحدة، وعاقبة الفساد واحدة، إذ " ما جرى على المثل يجري على المماثل ". وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا

стр. 2496

آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ * فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾، على غرار قوله تعالى في آية أخرى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ * لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ (الحاقة: ١١). ثم أورد كتاب الله قصة عاد مع هود ﵇ وما حل بهم من العقاب الإلهي الشديد، وقد كانت منازلهم في جنوب جزيرة العرب، إذ سلط الله عليهم ريحا عنيفة في منتهى البرودة، فأخذت تقتلعهم من الأرض حتى تغيبهم عن الأبصار، ثم تنكسهم وتلقي بهم على رؤوسهم، فيسقطون صرعى وهم جثث هامدة، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ * إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ * تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ * فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾. واتجه الخطاب الإلهي إلى كل من يسمع القرآن ويتلى عليه من الناس، مذكرا أربع مرات في هذا الربع، بأن هذا الذكر الحكيم الذي أكرم الله به البشر قد جعله الله ميسرا للفهم، ميسرا للحفظ، ميسرا للتلاوة، بحيث يكفي أن ينصت إليه الإنسان، وأن يفتح له عقله وقلبه، ليدرك أثره في نفسه ومشاعره، وفي حياته كلها دون إبطاء، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾، ومعنى قوله : ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾، فيما نقله الإمام البخاري تعليقا عن مطر الوراق: " هل من طالب علم، فيعان عليه؟ ". وأشارت الآية الكريمة في هذا السياق إلى قصة ثمود مع

стр. 2497

صالح ﵇، وقد كانت منازلهم في شمال جزيرة العرب، وما واجهوه به من السفه والتحدي والعناد، وعدم الطاعة والانقياد، وما ابتلاهم الله به من أمر " الناقة " التي قاسمتهم الماء: يوم لها ويوم لهم، فضاقوا بها ذرعا ولم ينقادوا لأمر الله، ولم يصبروا على ابتلائه، وذلك قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ * فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ * أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ * سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ * إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ * وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ * فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ * فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ * إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾. وقوله تعالى هنا: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾، إشارة إلى عاقر الناقة الذي كان أشقى واحد في قومه، وإليه يشير قوله تعالى في سورة (الشمس: ١٢): ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾، وهو أحد الرهط المفسدين الذين يشير إليهم قوله تعالى في سورة (النمل: ٤٨): ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾. وقوله تعالى هنا: ﴿كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾، أي: أنهم بادوا عن آخرهم ولم يبق منهم باقية، كما يقع للزرع والنبات عندما ييبس ويحترق وتذروه الرياح. وانتقلت الآيات الكريمة إلى التذكير مرة أخرى بقصة لوط، حيث سلط الله عليهم ريحا تحمل حجارة من طين، فاقتلعت

стр. 2498

قراهم، وقضت عليهم القضاء المبرم، جزاء تمردهم على الله، وانحرافهم عن الفطرة التي فطر الله الناس عليها، بممارسة الشذوذ الجنسي البغيض، حتى وصل بهم الأمر إلى مراودة ضيوف لوط ﵇، ومحاولة الاعتداء عليهم أنفسهم، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ * إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ * نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ * وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ * وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ * وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ * فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ﴾، ثم تعرض كتاب الله لقصة فرعون وقومه، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ * كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾. ووجه كتاب الله بعد ذلك كله إلى المشركين عدة أسئلة كلها تقريع واستنكار: هل يعتبرون أنفسهم خيرا من كل من سبقهم من الأقوام والأمم، التي عاقبها الله أشد العقاب على كفرها وعنادها؟ هل إن عند المشركين صكا إلهيا مسجلا في الكتب المنزلة من عند الله يعطيهم حصانة دائمة، وبراءة قاطعة من كل عقاب وعذاب؟ هل يعتقدون أن لهم من القوة والمنعة ما يتقون به الخذلان والهزيمة، وما يقف في وجه القوة الإلهية التي لا تغلب ولا تغالب؟

стр. 2499

وإلى ذلك كله يشير قوله تعالى: ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ * أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾. ورد الحق سبحانه على المشركين ردا مفحما فقال: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ * بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾. وتحدث كتاب الله عن مصير المجرمين الذين أصروا على الشرك والكفر، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ * يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾. وأكد كتاب الله مرة أخرى ما للحق سبحانه من حكم بالغة في خلقه، ومن أسرار باهرة في صنعه، وما لقدرته من سرعة الإبداع والإنجاز، والتنفيذ والقضاء، وذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ * وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾. وعقب كتاب الله على ما سبق من قصص الرسل مع أقوامهم، وما عاقب به مكذبيهم، فقال تعالى مخاطبا لمشركي قريش، الذين هم ورثة أولئك المكذبين: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ * وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ * وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾. وخُتِمَ هذا الربع من كتاب الله بما أعده الله للمتقين من عباده، فقال تعالى منوها بهم، وممتنا عليهم بمغفرته ورضوانه: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾.

стр. 2500

الربع الأول من الحزب الرابع والخمسين في المصحف الكريم (ق) ــ ٥٥ - سورة الرحمن مدنية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤) الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (٥) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (٦) وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (٧) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (٨) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (٩) وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (١٠) فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (١١) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (١٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٣) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (١٥) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٦) رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٨) مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (٢٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ

стр. 2501

رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢١) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٣) وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٢٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٥) كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٨) يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٠) سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (٣١) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٢) يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (٣٣) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٤) يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ (٣٥) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٦) فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (٣٧) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٨) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٠) يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (٤١) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٢) هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٥)

стр. 2502

وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٧) ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (٤٨) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٩) فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (٥٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥١) فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (٥٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٣) مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ (٥٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٥) فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٥٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٧) كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (٥٨) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٩) هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦١) وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (٦٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٣) مُدْهَامَّتَانِ (٦٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٥) فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ (٦٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٧) فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٩) فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (٧٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧١) حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (٧٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٣) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٧٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٥) مُتَّكِئِينَ

стр. 2503

عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ (٧٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٧) تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٧٨)

стр. 2504

الربع الأول من الحزب الرابع والخمسين في المصحف الكريم (ت) عباد الله موضوع حديث اليوم تفسير الربع الأول من الحزب الرابع والخمسين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى في فاتحة سورة "الرحمن" المكية: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ إلى قوله تعالى في ختام نفس السورة: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾. ــ تتضمن هذه السورة الكريمة امتنان الله على خلقه، بإنزال القرآن عليهم وتعليمه لهم، وامتنانه سبحانه بخلق الإنسان، وما منحه من المنطق والبيان، ثم تستعرض السورة آيات الله الناطقة، ونعمه السابغة، التي بثها في العالم العلوي والعالم السفلي، من شمس وقمر، ونجم وشجر، وسماء وأرض، وما خلقه من جن وإنس، ومشرق ومغرب، وماء أجاج وماء عذب، وتعقب السورة على ذلك كله بمشهد الفناء المطلق لجميع الخلائق، ومشهد البقاء المطلق لوجود الخالق. فقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾، امتنان من الله على عباده بنزوله، وتيسير حفظه وفهمه، وهدايتهم بإتباع تعاليمه،

стр. 2505

وإسعادهم بتطبيق شرائعه، وتهذيبهم بالتخلق بأخلاقه. وقوله سبحانه: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾، امتنان على الإنسان بخلقه في أحسن تقويم، وتزويده بالنطق والفهم والإدراك السليم، على غرار قوله تعالى في آية أخرى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ (النمل: ٧٨). وقوله تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾، إشارة إلى تسخير الله لهما بالخصوص لخير الإنسان. نعم، إن هنالك من النجوم ما هو أكبر وأعظم، ولكن ليست له علاقة مباشرة بحياة الإنسان، ولا تأثير مباشر على سطح الأرض " كالشعرى " و " السماك الرامح " و " سهيل " وإن كان نورها أقوى من نور الشمس أضعافا مضاعفة، أما " الشمس " فهي أهم شيء بالنسبة للإنسان ولحياته، إذ لولا ضوء الشمس وحرارتها وجاذبيتها لما أمكن للإنسان أن يعيش على سطح الأرض، فضلا عن النبات والحيوان، اللذين تتوقف عليهما حياة الإنسان، وكذلك الشأن في " القمر " فرغما عن كونه تابعا صغيرا للأرض يعتبر ذا أثر قوي في حياتها، وحياة الإنسان المستقر فوقها، وقد ربط الله بالقمر حركة المد والجزر في البحار، وهذه الحركة الدائمة هي التي عليها في فن الملاحة المدار. وقوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾، إشارة إلى خضوع جميع الكائنات لمكونها ومبدعها، وإلى سلطة الله

стр. 2506

المبسوطة على جميع خلقه، فالكل مرهون بربوبيته، بحيث لا يتخلف عن مشيئته أي مخلوق، جل شأنه أو صغر، في الأرض أو في السماء، والكل ينشأ وينمو ويفنى طبقا للسنن الثابتة، التي رسمتها للجميع قدرة الله وحكمته وعلمه، وذلك على غرار قوله تعالى في آية أخرى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ (الحج: ١٨). وقوله سبحانه: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾، تنبيه للإنسان على استجلاء عظمة الله وبالغ قدرته، من خلال هذا الفضاء الواسع المترامي الأطراف الذي تسبح فيه ملايين الملايين من النجوم، على اختلاف أصنافها وأحجامها وأبعادها، دون أن تصطدم بعضها ببعض، ودون أن يصيبها خلل أو فتور، و " الميزان " الذي وضعه الله لهذا الكون هو تقديره المحكم الذي لا يختل، القائم على أساس التناسق والتناسب والانسجام والتكامل. وقوله تعالى: ﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾، تنبيه للمؤمنين إلى أنهم ينبغي أن يتخلقوا بخلق الله، وأن يستمدوا من سنن الله الثابتة في خلقه منهاج سلوكهم في حياتهم، بالنسبة لأنفسهم وبالنسبة لبقية الناس، وذلك أن يقيموا حياتهم على أساس من الحكمة والعدل، وحسن التقدير والتدبير، حتى لا يلحقها خلل كبير أو صغير. وقوله سبحانه: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ * فِيهَا فَاكِهَةٌ

стр. 2507

وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ * وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ﴾، إشارة إلى ما أنعم الله به على الإنسان من تمهيد للأرض، كي يسهل عليه الاستقرار فوقها، ويستطيع الانتفاع بخيراتها وثمراتها، ولو لم تكن الأرض ممهدة كالفراش لاستحال عيش الإنسان فوقها بالمرة، ويكفي أن نتخيل منطقة بركانية أو زلزالية في حركة دائبة تنفث الرعب، واللهب، لندرك استحالة العيش فيها، وتعذر الحياة بين جنباتها، ولنقدر ماذا يكون عليه الإنسان من شقاء سرمدي وتشرد أبدي. وقوله تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾، إشارة إلى شروق الشمس وشروق القمر، وغروب الشمس وغروب القمر، وذلك بمناسبة ذكرهما والامتنان بهما في الآية السابقة: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾، ويمكن أن يفهم من " المشرقين " مشرق الصيف ومشرق الشتاء، ومن " المغربين " مغرب الصيف ومغرب الشتاء، كما جاء في آية أخرى قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ (المعارج: ٤٠)، إشارة إلى اختلاف مطالع الشمس وتنقلها في كل يوم، بالإضافة إلى ما يتضمنه الشروق والغروب في حد ذاتهما من المنافع والفوائد للإنسان وبقية الأحياء. وقوله سبحانه: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾، إشارة إلى ما أقامته القدرة الإلهية من حاجز حصين يفصل ماء البحر المالح عن الماء العذب المستودع في الأنهار، رغما عن اتصالها بالبحار، فلا ماء البحر ينقلب حلوا، ولا ماء

стр. 2508

النهر ينقلب ملحا، إذ بينهما برزخ إلهي غير منظور، يحول دون تجاوز كل منهما لحده المقدور. وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾، إشارة إلى الفلك التي تمخر البحار، والتي لولا تسخير الله لها لما استطاعت - وهي فوق الماء وبين الأمواج- أن يقر لها أي قرار. وقوله سبحانه: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾، إشارة إلى تفرد الحق سبحانه بالبقاء، وإلى اختفاء أشباح الخلائق وظلالها عندما يدق ناقوس الفناء. وقوله تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾، إشارة إلى الحصار الإلهي المضروب من حول خلقه، أقوياء وضعفاء، أغنياء وفقراء، مرؤوسين ورؤساء، فلا سبيل لهم إلى الإفلات من قبضة الله، ولا مفر من الوقوع بين يديه، والانتهاء في نهاية المطاف إليه. وإذا أصبح في إمكان الإنسان أن يجول بين بعض ﴿أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، وداخلها فإن ذلك لا ينفي أنه عاجز كل العجز عن أن يتجاوزها ويفارقها ويخرج منها بالمرة، وذلك هو " النفاذ منها ". وانتقلت الآيات الكريمة إلى الحديث عن قيام الساعة، وما يبرز فيها من ظواهر كونية خارقة للعادة: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾، وإلى الحديث عن مصير المجرمين من

стр. 2509

خصوم الرسالات الإلهية، وما يلقونه من العذاب الأليم: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾، وعن مصير المتقين، الصادقين الراشدين، وما ينالونه من النعيم المقيم، ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾، ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، الذي تكرر في سياق هذه السورة إحدى وثلاثين مرة، معناه كما قاله مجاهد وغيره: " بأي النعم يا معشر الثقلين من الإنس والجن تكذبان "، أن النعم ظاهرة عليكم، وأنتم مغمورون بها، فكيف تستطيعون إنكارها وجحودها. وختمت سورة الرحمن بتمجيد اسم الله وتقديس جلاله وعظمته، وهو سبحانه أهل لأن يشكر ويذكر، ولا ينسى ولا يكفر، وذلك قوله في ختام هذه السورة الكريمة، وختامها مسك: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾.

стр. 2510

الربع الثاني من الحزب الرابع والخمسين في المصحف الكريم (ق) ــ ٥٦ - سورة الواقعة مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (٣) إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (٦) وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤) عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥) مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ (١٦) يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (١٩) وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١) وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣) جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (٢٦) وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ

стр. 2511

مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (٣١) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (٣٣) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤) إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرَابًا (٣٧) لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ (٣٨) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠) وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (٤٤) إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (٤٥) وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (٤٦) وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٤٧) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (٤٨) قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥) هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (٥٦) نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ (٥٧) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (٥٩) نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦١) وَلَقَدْ

стр. 2512

عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ (٦٢) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧) أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (٧٠) أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (٧٢) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ (٧٣) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)

стр. 2513

الربع الثاني من الحزب الرابع والخمسين في المصحف الكريم (ت) عباد الله في حديث هذا اليوم نتناول تفسير الربع الثاني من الحزب الرابع والخمسين في المصحف الكريم، وبدايته فاتحة سورة "الواقعة" المكية: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾، ونهايته قوله تعالى في نفس السورة: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾. ــ موضوع سورة " الواقعة " المكية التي نفتتح بها هذا الربع هو وصف يوم القيامة، ذلك اليوم الذي تحيطه هالة من الرهبة والجلال، ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ (الحج: ٢)، ثم عرض قضية " النشأة الآخرة " على وجه يبطل شبه المشركين والمكذبين. وبذلك يطابق موضوع السورة نفس الاسم الذي سميت به، إذ لفظ " الواقعة " هنا مرادف في معناه ليوم القيامة، وإنما سمي يوم القيامة " بالواقعة " لتحقق وقوعه، رغما عن جدل المجادلين، وشك الشاكين، وذلك معنى قوله تعالى:

стр. 2514

﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾، قال قتادة: " أي ليس فيها ارتداد ولا رجعة، فلا صارف يصرفها، ولا دافع يدفعها "، وهذه الآية على غرار قوله تعالى في آية أخرى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ (الشورى: ٤٧)، قال ابن جرير: " الكاذبة " هنا مصدر، كالعاقبة والعافية. وقوله تعالى: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾، معناه أنها تخفض أقواما وترفع آخرين، قال محمد بن كعب: " تخفض رجالا كانوا في الدنيا مرتفعين، وترفع رجالا كانوا في الدنيا مخفوضين ". وقال السدي: " خفضت المتكبرين، ورفعت المتواضعين "، وذلك لأن القيم المتعارف عليها بين الناس كثيرا ما يكون ميزانها مختلا، فلا يستقيم ميزان القيم على الوجه الصحيح إلا بين يدي الله. وقوله تعالى: ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا * وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا * فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾، إشارة إلى ما يعتري الأرض عند قيام الساعة من الاضطراب والحركة والاهتزاز طولا وعرضا، كقوله تعالى في آية أخرى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ (الزلزلة: ١)، وقوله تعالى أيضا: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ (الحج: ١). كما أن فيه إشارة إلى ما يعتري رواسي الجبال الصلبة من نسف وتفتت يجعل الجبال عبارة عن فتات طائر في الهواء، كالهباء الذي يطير من النار إذا اضطرمت، والشرر الذي يقع منها فلا يبقى له أي أثر. وانتقلت الآيات الكريمة إلى تحديد الأصناف التي سيكون

стр. 2515

عليها الناس يوم القيامة، وتصنيفهم درجات على أساس جديد، وبينت أنهم سينقسمون باعتبار أعمالهم والجزاء عليها فقط، لا باعتبار الغنى والفقر، ولا بحسب القوة والضعف، ولا على أساس الرياسة والتبعية، ولا على أساس فوارق الجنس واللون، مما تعارف عليه البشر فيما بينهم، فالناس يوم القيامة وأمام ربهم لا يخرجون عن ثلاثة أقسام: القسم الأول هم " السابقون " والقسم الثاني هم " أصحاب الميمنة "، والقسم الثالث هم " أصحاب المشأمة "، وذلك قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً * فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾، على غرار قوله تعالى في سورة (فاطر: ٣٢): ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. قال ابن عباس: " وكنتم أزواجا ثلاثة " أي: فرقا ثلاثة. وقال عثمان بن سراقة: " وكنتم أزواجا ثلاثة "، أي: اثنان في الجنة وواحد في النار. و" السابقون " إنما أطلق عليهم هذا الوصف، لأنهم سابقون بين يدي الله : ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾، فهم أخص وأحظى وأقرب من " أصحاب اليمين " الذين يلونهم في المنزلة، وعلى رأس السابقين الرسل والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، ثم الصديقون والشهداء والصالحون، وألحق ابن كثير بالقسم الأول، وهم " السابقون " جميع الذين

стр. 2516

بادروا إلى فعل الخيرات، امتثالا لقوله تعالى: ﴿سَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ (آل عمران: ١٣٣)، وقوله تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ (الحديد: ٢١)، فمن سابق في هذه الدنيا وسبق إلى الخير كان في الآخرة من السابقين إلى الكرامة، فإن الجزاء من جنس العمل، وكما تدين تدان. وستأتي الإشارة إلى هذه الأقسام الثلاثة مرة أخرى في آخر هذه السورة الكريمة، تأكيدا لما ورد في أولها، مما يدل على الأهمية الخاصة التي يوليها كتاب الله لهذا التقسيم الشامل والعادل. وقوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾، إخبار من الله تعالى عن هؤلاء السابقين المقربين، وأنهم بالنسبة إلى غيرهم كثرة في الأولين، وقلة في الآخرين اختارهم الله، وآتاهم من الرعاية والعناية، ما أعانهم على أن يخترقوا الصفوف، ويكونوا في طليعة الطليعة إخلاصا وصلاحا، وعزما وصبرا وطاعة وتقوى. والمراد في هذه الآية " بالأولين " الأمم الماضية، " وبالآخرين " الأمة الإسلامية، فيما روي عن مجاهد والحسن البصري، وهذا التفسير اختاره ابن جرير. ورجح ابن كثير أن المراد " بالأولين " صدر هذه الأمة الإسلامية، و " بالآخرين " الذين يلونهم من بعدهم إلى يوم الدين، ونسب إلى ابن سيرين القول

стр. 2517

بأن الجميع من هذه الأمة. ثم عقب ابن كثير على ذلك بقوله: " ويحتمل أن تعم الآية جميع الأمم، كل أمة بحسبها، ولهذا ثبت في الصحاح وغيرها من غير وجه أن رسول الله ﷺ قال: " خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم " الحديث. ووصف كتاب الله مآل " السابقين " المقربين، وما ادخر لهم الحق سبحانه من مختلف العطايا، وميزهم به من المزايا في جنات النعيم، وعقب على ذلك بما يفيد أن الله تعالى قد صدقهم وعده: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وأنهم أثناء إقامتهم في دار الخلد، ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا * إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾. ثم انتقل كتاب الله إلى وصف مآل " أصحاب الميمنة " الذين يلون السابقين المقربين في المنزلة، فقال تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ * فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ * وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ * وَظِلٍّ مَمْدُودٍ * وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ * وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ * وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾، إلى قوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ أي: جماعة كثيرة من الأولين، وجماعة كثيرة من الآخرين، مما يفيد أن عدد " أصحاب اليمين " أكثر من عدد " السابقين " المقربين. ومن " أصحاب اليمين " ينتقل كتاب الله إلى وصف ما ينتظر " أصحاب المشأمة " من عذاب أليم، وسموم وحميم، فقال تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ * فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ

стр. 2518

وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ * لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ﴾. ويذكر كتاب الله في نفس السياق بما كان عليه " أصحاب الشمال " في حياتهم من الغفلة والترف، وما كانوا يمارسونه من الكذب والزور، وما كانوا ينكرونه من البعث والنشور، ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ * وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ * وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾، ثم يبادر كتاب الله بالرد على دعواهم الباطلة قائلا: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾. ويعود كتاب الله إلى المخاطبة " أصحاب المشأمة " وهم يتلقون عذاب الله في جهنم، فيواجههم قائلا: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ * لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ * فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ * فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾، ويعقب كتاب الله على ذلك بقوله: ﴿هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ إشارة إلى أن هذا النوع من المآكل والمشارب هو ضيافتهم المفضلة يوم حسابهم، تدشينا لعذابهم، وإنه لعذاب دائم لا راحة بعده أبدا. وعادت الآيات الكريمة إلى عرض جملة من آيات الله الكونية البارزة في خلقه، ووصف طائفة من نعمه السابغة، التي يتقلب فيها الإنسان ليل نهار صباح مساء دون أن يحسب لها حسابا:

стр. 2519

- فهذه آية " الحياة " والنشأة الأولى التي أكرم الله بها الإنسان: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ * أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ * أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾. - وهذه آية " الموت " في انتظار النشأة الآخرة، التي يجازى فيها الإحسان بالإحسان: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ * عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ * وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾. - وهذه آية " الزرع " الذي منه يقتات الإنسان " ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ * لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾، حتى إذا ما وقع ذلك، وأصبح الزرع حطاما يئستم وحرتم وقال بعضكم لبعض: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾. - وهذه آية " الماء " الذي يروى به الإنسان والنبات والحيوان: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ * لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾. - وهذه آية " النار " التي لولا أن الله أنعم بها على الإنسان لما استطاع أن يتقدم خطوة واحدة في ميدان الحضارة والصناعة والعمران: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ﴾. وعقب كتاب الله على آية " النار " التي ننتفع بها في هذه الدنيا بما يشير إلى نار الله الموقدة، التي تطلع على الأفئدة، في

стр. 2520

الدار الآخرة، فقال تعالى: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾، أي: تذكركم بالنار الكبرى، كما قال مجاهد وقتادة. روى البخاري من حديث مالك، ومسلم من حديث أبي الزناد أن رسول الله ﷺ قال: " نار بني آدم التي يوقدون جزء من سبعين جزءا من نار جهنم، فقالوا يا رسول الله: إن كانت لكافية. فقال: " إنها قد فضلت عليها بتسعة وستين جزءا ". وأشار كتاب الله إلى ما في النار من منافع وفوائد لجميع البشر، فقال تعالى: ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾، أي متاعا للمستمتعين، من الناس أجمعين. قال ابن كثير: " وهذا التفسير أعم من غيره، فإن الحاضر والبادي من غني وفقير، الجميع محتاجون إلى النار للطبخ والاصطلاء والإضاءة، وغير ذلك من المنافع ". وانتهت الآيات الكريمة في هذا السياق بتمجيد الله وتقديس اسمه الأعظم، بعد أن استعرضت آثار قدرته في الأكوان، وما تفضل به على الإنسان، من نعم سابغة تقوي في القلب روح الإيمان، وتستوجب الطاعة والإذعان، وتستحق مضاعفة الشكر والامتنان. وذلك قوله تعالى في ختام هذا الربع من كتاب الله الكريم: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾.

стр. 2521

الربع الثالث من الحزب الرابع والخمسين في المصحف الكريم (ق) ــ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٠) أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢) فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٨٧) فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤) إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦) ٥٧ - سورة الحديد مدنية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) لَهُ مُلْكُ

стр. 2522

السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢) هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣) هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٥) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٦) آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (٧) وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٩) وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٠) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ

стр. 2523

اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١١) يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (١٣) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (١٤) فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٥)

стр. 2524

الربع الثالث من الحزب الرابع والخمسين في المصحف الكريم (ت) عباد الله موضوع حديث اليوم تفسير الربع الثالث من الحزب الرابع والخمسين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى في سورة "الواقعة" المكية: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾، إلى قوله في سورة "الحديد" المدنية: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. ــ أول ما يفتتح به هذا الربع قسم من الله تعالى: ﴿بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ على أن القرآن الكريم إنما هو تنزيل من عند الله، نزله على رسوله الصادق الأمين وليس كما يزعم المشركون ومن لف لفهم، شعرا أو سحرا أو كهانة، أو من أساطير الأولين، وذلك قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ * تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. والمراد " بمواقع النجوم " منازلها ومطالعها ومشارقها، وقد كان أغلب الذين عاصروا هذا الخطاب الإلهي عند نزوله لا

стр. 2525

يعرفون عن النجوم ومواقعها الشيء الكثير، وتبعا لذلك لا يستطيعون أن يقدروا قسم الله بها كامل التقدير، إذ لم تكن لديهم مراصد عظيمة، ولا آلات دقيقة لرصد النجوم وتتبع حركاتها في الأجواء البعيدة، ولكن خطاب الله موجه إلى كل عصر وجيل، والعصر الذي نعيش فيه أصبح يعرف عن النجوم ومواقعها ما يجعل الإنسان مبهوتا حائرا أمام قدرة الله وحكمته، ويستطيع أن يقدر تقديرا أوفى قسم الله العظيم، الذي أقسمه " بمواقع النجوم "، ومن ذلك أن مجموعة واحدة من مجموعات النجوم التي لا تحصى وهي " مجموعة المجرة " التي تنتمي إليها الشمس تبلغ ألف مليون من النجوم، وهذه النجوم منها ما يمكن أن تراه العين المجردة، ومنها ما لا تراه العين إلا بالأجهزة الفلكية والمجاهر، ومنها ما لا تراه العين ولوعن طريق الأجهزة الفلكية، وإنما تحس به الأجهزة وحدها دون أن تراه، وما من نجم إلا وهو منسق بقدرة الله -في آثاره وتأثيراته- مع بقية النجوم والكواكب، فلا اصطدام في الفضاء الواسع بين نجم وآخر، ولا تطاول من أي نجم على المجال المغناطيسي الخاص بغيره من النجوم، بل الكل يسير طبقا لتدبير الله وتقديره نحو هدفه المرسوم، إلى ميقات يوم معلوم، فمن عرف أسرار الأفلاك وعجائب النجوم أدرك إلى أي حد كان قسم الله عظيما " بمواقع النجوم "، وأن ذلك القسم يعد أكبر تزكية لخاتم الأنبياء والمرسلين، وأصدق شاهد على صحة الوحي المبين، وهكذا كلما مرت الأيام، وتقدمت معارف البشر، ازداد برهان القرآن وضوحا، وازداد نوره توهجا، وازدادت عقيدة الإيمان نصرا وفلجا.
следующие страницы →