← Тафсир

Тафсир · id 115129

التيسير في أحاديث التفسير

محمد المكي الناصري

Полный текст (2 848 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

الربع الثالث من الحزب الرابع والخمسين في المصحف الكريم (ق) ــ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٠) أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢) فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٨٧) فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤) إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦) ٥٧ - سورة الحديد مدنية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) لَهُ مُلْكُ

стр. 2522

السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢) هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣) هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٥) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٦) آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (٧) وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٩) وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٠) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ

стр. 2523

اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١١) يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (١٣) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (١٤) فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٥)

стр. 2524

الربع الثالث من الحزب الرابع والخمسين في المصحف الكريم (ت) عباد الله موضوع حديث اليوم تفسير الربع الثالث من الحزب الرابع والخمسين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى في سورة "الواقعة" المكية: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾، إلى قوله في سورة "الحديد" المدنية: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. ــ أول ما يفتتح به هذا الربع قسم من الله تعالى: ﴿بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ على أن القرآن الكريم إنما هو تنزيل من عند الله، نزله على رسوله الصادق الأمين وليس كما يزعم المشركون ومن لف لفهم، شعرا أو سحرا أو كهانة، أو من أساطير الأولين، وذلك قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ * تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. والمراد " بمواقع النجوم " منازلها ومطالعها ومشارقها، وقد كان أغلب الذين عاصروا هذا الخطاب الإلهي عند نزوله لا

стр. 2525

يعرفون عن النجوم ومواقعها الشيء الكثير، وتبعا لذلك لا يستطيعون أن يقدروا قسم الله بها كامل التقدير، إذ لم تكن لديهم مراصد عظيمة، ولا آلات دقيقة لرصد النجوم وتتبع حركاتها في الأجواء البعيدة، ولكن خطاب الله موجه إلى كل عصر وجيل، والعصر الذي نعيش فيه أصبح يعرف عن النجوم ومواقعها ما يجعل الإنسان مبهوتا حائرا أمام قدرة الله وحكمته، ويستطيع أن يقدر تقديرا أوفى قسم الله العظيم، الذي أقسمه " بمواقع النجوم "، ومن ذلك أن مجموعة واحدة من مجموعات النجوم التي لا تحصى وهي " مجموعة المجرة " التي تنتمي إليها الشمس تبلغ ألف مليون من النجوم، وهذه النجوم منها ما يمكن أن تراه العين المجردة، ومنها ما لا تراه العين إلا بالأجهزة الفلكية والمجاهر، ومنها ما لا تراه العين ولوعن طريق الأجهزة الفلكية، وإنما تحس به الأجهزة وحدها دون أن تراه، وما من نجم إلا وهو منسق بقدرة الله -في آثاره وتأثيراته- مع بقية النجوم والكواكب، فلا اصطدام في الفضاء الواسع بين نجم وآخر، ولا تطاول من أي نجم على المجال المغناطيسي الخاص بغيره من النجوم، بل الكل يسير طبقا لتدبير الله وتقديره نحو هدفه المرسوم، إلى ميقات يوم معلوم، فمن عرف أسرار الأفلاك وعجائب النجوم أدرك إلى أي حد كان قسم الله عظيما " بمواقع النجوم "، وأن ذلك القسم يعد أكبر تزكية لخاتم الأنبياء والمرسلين، وأصدق شاهد على صحة الوحي المبين، وهكذا كلما مرت الأيام، وتقدمت معارف البشر، ازداد برهان القرآن وضوحا، وازداد نوره توهجا، وازدادت عقيدة الإيمان نصرا وفلجا.

стр. 2526

وقوله تعالى: ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾، نفي قاطع لمزاعم المشركين والكافرين الذي ادعوا أنه قد تنزلت به الشياطين، إذ لا يتصور عاقل أن كتاب الله المصون في علمه، والمحفوظ بحفظه، يمكن أن تسطو عليه الشياطين من قريب أو بعيد، وهي على ما هي عليه من الرجس والخبث والشر والطرد من رحمة الله، وإنما تتنزل بكلام الله على رسله الملائكة الأبرار الأطهار، فهذه إحدى المهام السامية الموكولة إليهم، والمقصورة عليهم، ولذلك جاء التعقيب المباشر بقوله تعالى: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وإلى هذا المعنى ينظر قوله تعالى في آية أخرى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ * إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾. (الشعراء: ٢١٠، ٢١١، ٢١٢). ثم وجه كتاب الله الخطاب إلى المشركين المكذبين بالنشأة الآخرة والبعث والنشور، يستغرب تكذيبهم لما يقصه عليهم الحق سبحانه في كتابه المبين، ويستغرب جحودهم لنعم الله الظاهرة والباطنة، دون أي اعتراف بمنته عليهم، وذلك قوله تعالى: ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾، أي: مكذبون غير مصدقين، ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾، أي: بدلا من أن تشكروا الله، تكذبون كلام الله. وتساءل كتاب الله عماذا سيفعلون عندما تبلغ الروح حلوقهم حين الاحتضار، وهم في منتهى العجز والحيرة والجزع والاضطراب والذهول، ينظرون ذلك المشهد الرهيب، دون أن

стр. 2527

يستطيعوا لشبح الموت ولا لسكراتها ردا، وملائكة الرحمن حاضرة لذلك المشهد قريبة منه، لكنها لا تقع عليها أنظار البشر المحدودة، وذلك قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾. ويواصل كتاب الله تقريع المشركين وإحراجهم بالسؤال، عندما يستفسرهم هل أنتم قادرون على إرجاع الروح إلى مقرها الأول، بعد أن بلغت الحلقوم وهي في طريقها إلى مفارقة الجسد بالمرة؟. هل في إمكانكم أن تحجزوا الروح في مكانها فلا تدعوها تفلت من صاحبها، وتحولوا بينها وبين ما هي ذاهبة إليه بأمر الله، من حساب وجزاء عند الله؟. هذا وأنتم حولها مبهوتون مقهورون، وعن ردها عاجزون، وذلك قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، ومعنى " غير مدينين " أي غير محاسبين كما قال ابن عباس، من " الدين " بمعنى الجزاء. وعادت الآيات الكريمة إلى الحديث عن الأصناف الثلاثة الذين ينقسم إليهم البشر يوم القيامة، دون أي اعتبار خاص في التقسيم والتصنيف، ما عدا اعتبار العمل الذي قاموا به في الدنيا، والجزاء الذي استحقوه في الآخرة. وذلك قوله تعالى عن " السابقين " المقربين: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾، وقوله تعالى عن " أصحاب الميمنة ": ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾، وقوله تعالى عن " أصحاب المشأمة ": ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ

стр. 2528

الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾. وختمت سورة " الواقعة " المكية بما يؤكد أن ما جاء به كتاب الله من حقيقة البعث والنشور والنشأة الآخرة هو عين الحق ومنتهى اليقين، وأن ما خالفه من المعتقدات الباطلة هو الضلال المبين، وذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾. والآن فلننتقل لسورة " الحديد " المدنية، مستعينين بالله، سائلين منه الهداية والتوفيق، وقد أطلق عليها هذا الاسم، أخذا من قوله تعالى في آيتها الخامسة والعشرين: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾. وأول ما نلاحظه في هذه السورة الكريمة أنها بدأت بتنزيه الله وتقديسه، والتوجه إليه بالتسبيح والتعظيم، على غرار ما جاء في خاتمة سورة " الواقعة " السابقة، ففاتحة سورة " الحديد " في غاية التناسب والتناسق مع تلك الخاتمة، وذلك قوله تعالى: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. والفرق الوحيد بين خاتمة سورة " الواقعة " المكية وفاتحة سورة " الحديد " المدنية أن تلك الخاتمة تتضمن أمرا للرسول ﵊ -ولجميع المؤمنين عن طريقه- بتسبيح الله وتعظيمه، وهذه الفاتحة تتضمن الإخبار بأن جميع المخلوقات في الأرض والسماوات تدين لله بالطاعة، وتعترف له بالعبودية، وتلتزم

стр. 2529

السير بموجب السنن التي سنها لتسيير الكون، لا تتخلف عن أمره، ولا تتصرف على غير مراده، وذلك بالنسبة إليها هو منتهى " التسبيح " والتنزيه. وقوله تعالى في نفس السياق: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، إشارة إلى الصفة التي جعلت الحق سبحانه هو وحده المستحق لأن يكون منزها معظما مطاعا من كافة خلقه، فهو سبحانه الذي خضع كل شيء لعزته، وهو الذي تجلى في تقديره وتدبيره وتشريعه بالغ علمه وحكمته. واستعرضت الآيات الكريمة بعد ذلك جملة من أسماء الله وصفاته، ومظاهر قدرته، ليزداد الذين آمنوا إيمانا، وليعيد المشركون النظر فيما هم عليه من جحود وعناد، وذلك قوله تعالى: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، إلى قوله جل علاه: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. ونقل البخاري في صحيحه تفسير معنى " الظاهر والباطن " عن يحيى حيث قال: " الظاهر على كل شيء علما، والباطن على كل شيء علما "، والمراد بيحيى هنا يحيى بن زياد الفراء صاحب كتاب " معاني القرآن ". وقال ابن كثير: " قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾، أي: رقيب عليكم، شهيد على أعمالكم حيث كنتم وأين ما كنتم، من بر أو بحر، في ليل أو نهار، في البيوت أو في القفار، الجميع في علمه على السواء، وتحت بصره وسمعه، فيسمع كلامكم، ويرى مكانكم، ويعلم سركم

стр. 2530

وجهركم كما قال تعالى: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ (الرعد: ١٠) ". ثم وجه كتاب الله خطابه إلى المؤمنين، داعيا إياهم إلى البذل في سبيل الله، والإنفاق مما رزقهم الله، مذكرا لهم بأن الرزق رزقه، والمال ماله، وإنما هو وديعة بين أيديهم استخلفهم فيها، ليبلغوها إلى أهلها، وليصرفوها في الوجوه المشروعة لصرفها، وذلك قوله تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾، وقوله تعالى أيضا: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾. وتحدث كتاب الله عن الحالة التي يكون عليها المؤمنون في دار النعيم، وما أكرمهم الله به من نور يسعى بين أيديهم، وبأيمانهم، كما وصف كتاب الله الحالة التي يكون عليها المنافقون والكافرون في دار الجحيم، حيث يلتمسون النور دون جدوى، فلا يجدون بين أيديهم ولا من حولهم إلا ظلمات، بعضها فوق بعض، فقال تعالى في وصف المؤمنين السعداء: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. وقال تعالى في وصف المنافقين والكافرين الأشقياء: ﴿يَوْمَ

стр. 2531

يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾. وبين كتاب الله ما يصيب المنافقين من خيبة وحسرة، وما يحاولونه من التطفل على المؤمنين السعداء والسير في ركابهم، وما يسمعونه من تقريع وتوبيخ، جزاء وفاقا: ﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.

стр. 2532

الربع الأخير من الحزب الرابع والخمسين في المصحف الكريم (ق) ــ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧) إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١٨) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١٩) اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ

стр. 2533

وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (٢٠) سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١) مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (٢٣) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٤) لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٢٦) ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ

стр. 2534

الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٢٧) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨) لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)

стр. 2535

الربع الأخير من الحزب الرابع والخمسين في المصحف الكريم (ت) عباد الله في حديث هذا اليوم نتناول تفسير الربع الأخير من الحزب الرابع والخمسين في المصحف الكريم، وبداية قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾، ونهايته قوله جل علاه: ﴿وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. ــ يتحدث كتاب الله في مطلع هذا الربع عن المؤمنين الذين أكرمهم الله بما أنزل عليهم من الذكر الحكيم، وبما هداهم إليه من الحق المبين، ومع ذلك لا يزالون متقاعسين عن الاستجابة لنداءاته، بعيدين عن التجاوب معه، مخلين بتطبيقه في حياتهم اليومية، فلا قلوبهم تخشع لذكر الله، ولا نفوسهم تستشعر عظمة الله ولا جوارحهم تأتمر بأمر الله. وفي معرض هذا العتاب الإلهي الرقيق الرفيق يذكر كتاب الله الغافلين عنه من المؤمنين، بما وقع فيه أهل الكتاب قبلهم من الغفلة عما أنزل إليهم، والتهاون بحقه، والإهمال لشأنه، ونسيان تعاليمه، وتحريف كلمه عن مواضعه، ونقضهم

стр. 2536

الميثاق الذي واثقوا الله به وعاهدوه عليه، منبها للمؤمنين من هذه الأمة المحمدية إلى أن لا يسلكوا مسلك أهل الكتاب قبلهم، فيتخذوا القرآن " مهجورا " لأن ذلك سيؤدي بهم إلى أسوأ العواقب دينا ودنيا، وذلك قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾، وقد بين كتاب الله في غير ما آية، ماذا صدر من أهل الكتاب، وما عوقبوا به من العقاب، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ (المائدة: ١٣). ثم نبه كتاب الله إلى أنه إذا وقع المؤمنون في غفلة عن كتاب الله المنزل لهدايتهم، وطال عليهم الأمد وقست قلوبهم، كما طال الأمد على أهل الكتاب قبلهم وقست قلوبهم، فإن باب التوبة يظل مفتوحا في وجوه المؤمنين، وفي إمكانهم أن يعودوا إلى الله، ويرجعوا إليه تائبين خاشعين، وبذلك تلين قلوبهم لذكر الله، ويعتصمون من جديد بحبل الله، وتشرق عليهم شمس الإيمان بضيائها وحرارتها وجاذبيتها، ويعود كتاب الله بين أظهرهم حيا مذكورا، بعد أن تركوه في فترة الغفلة مهجورا، وإلى هذا المعنى يلوح قوله تعالى في نفس السياق: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، وإذا كانت الأرض تحيا بفضل الله بعد موتها، فتزخر بالخيرات والثمار، وتصبح مضرب المثل في الخصب والنماء والازدهار،

стр. 2537

فإن القلوب القاسية لا تقل عن الأرض الميتة استعدادا للخير والصلاح، وفي إمكانها أن تلين أيضا بذكر الله بعد قسوتها، وأن تحيا بهدايته بعد موتها، وأن ينجلي بنوره الصدأ عن مرآتها، وأن يعود إليها الإشراق والتألق الذي تمتاز به قلوب المؤمنين حقا، المعتصمين بكتاب الله، والملتزمين لرضاه. وانتقل كتاب الله مرة أخرى إلى الحض على الإنفاق في سبيل الله، والتنويه ببذل المال ابتغاء مرضاته، وهذا أصل أساسي من أصول الإسلام، لا تقوم بدونه أسرة ولا أمة ولا دولة، والتنويه به يتكرر في غير ما آية وفي غير ما مناسبة، إذ المال قوام الأعمال، ولولا أن المسلمين الأولين من سلفنا الصالح ﵃ استجابوا لله ورسوله، ولم يبخلوا بأموالهم ولا بأنفسهم في سبيل الملة والأمة، لما ارتفع للإسلام لواء، ولما ملأت دعوته الخافقين، وبلغت رسالته المشرقين والمغربين، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾، وهو تأكيد قوي لما سبق في الربع الماضي، عند قوله تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾، وعند قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾، فقد تعهد الحق سبحانه لمن أنفق في سبيله بالأجر على ما أنفق، والخلف عما أنفق، ووصف سبحانه في الربع الماضي نوع الأجر أولا بأنه " أجر كبير " ووصفه ثانيا بأنه " أجر كريم " وكرر وصفه في هذا الربع أيضا بأنه " أجر

стр. 2538

كريم "، ولينفق المؤمن في سبيل الله عن سخاء وطواعية، ولا يبخل بما استخلفه الله فيه يكفيه أن يتذكر وعد الله له على ما أنفقه " بالأجر الكبير والكريم " الكبير مرة، والكريم مرتين، وأجر يصفه الغني الكريم نفسه " بالكبر والكرم " أجل من أن يوصف، وأكبر من أن يقدر، فما عليك أيها المؤمن إلا أن تنفق في سبيل الله، وأن تقول كما قال رسول الله: " أنفق بلالا، ولا تخش من ذي العرش إقلالا "، ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ (الروم: ٦٠)، ولا تكن ممن يبخلون أو يدعون الناس إلى البخل، فقد ذمهم الحق سبحانه وأعلن سخطه عليهم، وأنه غني عنهم وعن عطائهم، فقال تعالى في نفس هذا الربع: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾. وبين كتاب الله أن في إمكان المؤمن في أي عصر وفي أي جيل أن يبلغ درجات الإيمان التي بلغها السابقون الأولون، وهي درجة " الصديقية " متى آمن بالله ورسوله إيمانا قويا يهيمن على حياته، ويقوده في جميع خطواته، بحيث تصبح حركاته وسكناته انعكاسا حقيقيا لعقيدته، ومرآة صادقة لدخيلة نفسه، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾. وبعد ما بينت الآيات الكريمة فيما سبق فضل الإنفاق في سبيل الله ونوهت ببذل المال في وجوه الخير النافعة للإسلام والمسلمين، انتقلت إلى بيان ما في التضحية بالنفس، وبذل

стр. 2539

المهج والأرواح، والشهادة في سبيل الله، من أجر عظيم، ونور عميم، بالإضافة إلى ما يناله الإسلام على أيدي جنوده وشهدائه من الفتح المبين، والعز والتمكين، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾، وقد نزلت في نفس المعنى عدة آيات قرآنية، ووردت عدة أحاديث نبوية. ولعل تسمية هذا النمط الرفيع من المؤمنين باسم " الشهداء " جاءت من أنهم أعطوا الدليل بتضحيتهم، وبذل أرواحهم في سبيل دينهم، على صدق إيمانهم، وحماسهم لعقيدتهم، وبذلك جاوزوا العتبة، وأصبحوا فوق متناول الشبهات، كما أنهم بتضحيتهم بأنفسهم أعطوا الدليل أيضا على أن العقيدة الإسلامية إذا خالطت بشاشتها القلوب تفعل بمعتقديها الأعاجيب، وترفع نفوسهم إلى درجة عليا من السمو والإيثار والتفاني والإخلاص، بحيث يهون عليهم في سبيلها كل غال ورخيص، ويجودون من أجلها بالنفس والنفيس، ثم ذكرت الآيات الكريمة في هذا السياق -على وجه المقارنة- ما يكون عليه الكافرون والمكذبين يوم القيامة من العذاب الأليم، وذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾. واتجه خطاب الله إلى البشر عموما، والمؤمنين خصوصا، ليعرفهم بحقيقة طالما غفلوا عنها وهم يرونها كل يوم، ألا وهي أن الحياة الدنيا بجميع علائقها ومتعلقاتها حياة عابرة لا ثبات لها ولا استقرار، وهي سائلة، مثل الزمن الذي تتم فيه، دون أن يقر لها قرار، ومهما طالت حياة الإنسان فحياته عبارة عن " يوم

стр. 2540

مكرر "، وإذا أدرك الإنسان رغباته اليوم فسيفتقر إلى نفس الرغبات التي تتجدد له غدا، بحيث يظل طيلة حياته أسيرا لشهواته ورغباته، في دوامة لا تفتر ولا تنقطع، حتى إذا أقبل عليه نذير النقلة إلى الدار الآخرة وجد نفسه فارغ الوفاض، بادي الإنفاض، ولم يتزود بأي زاد، وأصبحت حياته التي قضاها في الدنيا - بالنسبة إلى حياته المقبلة- عبارة عن فراغ شامل، وإفلاس كامل، إذ لم يدخر من الدار الفانية للدار الباقية، لا قليلا ولا كثيرا. وهذا ما يحرص كتاب الله على لفت الأنظار إليه، حتى تكون حياة الناس متوازنة ومتكاملة، فيها للدنيا نصيب، وفيها للآخرة نصيب. فقال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا﴾. فقوله تعالى هنا: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ﴾، أي: كمثل مطر نزل من السماء بعد اليأس والقنوط الناشئ عن الجدْب والجفاف. وقوله تعالى: ﴿أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾، أي: أعجب الزراع ما أنبته الغيث، و " الكافر " هنا بمعناه اللغوي هو الزارع، وفي اختيار هذا التعبير هنا تلميح إلى شدة اهتمام الكفار وإعجابهم بالحياة الدنيا، فهم أكثر الناس حرصا عليها، وميلا إليها، وقوله سبحانه: ﴿ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا﴾، أي: بعد ما كان النبات خضرا نضرا يصبح مصفر اللون وقت الحصاد. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا﴾، أي: يصير يابسا متحطما، وكذلك شأن الحياة على سطح الأرض في أطوارها المختلفة، وشأن الإنسان نفسه فوقها،

стр. 2541

فالإنسان في أول عمره وعنفوان شبابه يكون غضا طريا لين الأعطاف، بهي المنظر، ولا يكاد يدخل في طور الكهولة حتى تتغير طباعه، ويفقد بعض قواه، ثم يكبر فيصير شيخا ضعيف القوى قليل الحركة، يعجزه الشيء اليسير. قال ابن كثير: " ولما كان هذا المثل دالا على زوال الدنيا وانقضائها، وأن الآخرة كائنة لا محالة، حذر من عذابها، ورغب فيما فيها من الخير "، فقال تعالى: ﴿وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ﴾، أي ليس في الآخرة إلا هذا أو هذا، فإما العذاب الشديد، وإما المغفرة والرضوان، فليختر العاقل لنفسه ما يشاء. ثم قال تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾، أي: إنما هي متاع مهما طال فهو فان، فلا ينبغي للعاقل أن يركن إليها، ويقصر اهتمامه عليها، فضلا عن أن يخادع نفسه ويعتقد أنه لا دار سواها، ولا معاد وراءها. وانتقل كتاب الله إلى تبيين عقيدة أساسية في الإسلام تجعل المؤمن بها أقرب إلى الرضى والاغتباط، بما يعتريه في حياته من عسر ويسر، وشدة ورخاء، بحيث لا يصيبه أي ذهول أو حيرة، أمام أحداث الحياة ومفاجآتها المتنوعة. " فما أصاب المؤمن لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه "، ما دامت القدرة الإلهية من وراء الإنسان، ولها الكلمة الأولى والأخيرة في كل شأن وفي كل آن، وذلك ما يتضمنه قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾، أي: من قبل أن نخلق الخليقة،

стр. 2542

﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾، لأنه سبحانه كما يعلم ما كان وما يكون، يعلم ما لم يكن لو كان كيف يكون، ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾، أي: لكي لا تحزنوا وتأسفوا على ما فاتكم، إذ لو قدر شيء لكان، ﴿وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾، أي: لكيلا تفخروا على غيركم بما أنعم الله به عليكم، فلا تتخذوا نعم الله أشرا وبطرا، وفخرا وزهوا، إذ مرجعها قبل كل شيء إلى فضل الله وإحسانه، لا إلى مجرد سعيكم وكدكم، كما قد يخيل إليكم: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾، أي أنه سبحانه لا يحب كل متكبر فخور على غيره، قال عكرمة: " ليس أحد إلا وهو يفرح ويحزن، لكن اجعلوا الفرح شكرا، والحزن صبرا ". وأوضح كتاب الله مرة أخرى حكمة الحق سبحانه في إرسال الرسل وإنزال الكتب، وأنها لا ترمي إلا إلى شيء واحد وهو إسعاد الإنسان بالهداية والإرشاد، وإقامة ميزان العدل والمساواة بين العباد، وذلك قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾. و" الكتاب " هنا إشارة إلى سجل الوحي الإلهي المتضمن للشرائع والأحكام، و " الميزان " هنا رمز إلى العدل الإلهي الذي أرسل الله به ولإقامته جميع الرسل والأنبياء، وكما جاء " الميزان " هنا معطوفا على " الكتاب " لأنه هو هدفه الأسمى وغايته الأخيرة، فقد جاء " الكتاب والحكم " و " الكتاب والحكمة " متعاطفين في عامة القرآن، تأكيدا لتلازم الشريعة الإلهية مع الحكم بها بأسلوب حكيم، وإقامة العدل على أساسها السليم. وذكْرُ القرآن الكريم

стр. 2543

"للميزان" في هذا السياق بصفته " رمزا للعدل " هو السبب الذي نبه غير المسلمين إلى أن يقتبسوا منه هذا الرمز، ويجعلوا صورة " الميزان " رمزا للعدالة في أختامهم ومنشوراتهم الخاصة بالقضاء. وأشار كتاب الله إلى ما أنعم به على البشر من خلق معدن " الحديد " وتسخيره لحاجاتهم المدنية والعسكرية، فقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾. أما ما فيه من " البأس الشديد " فيتجلى في ردعه للمعتدين، وفي فصله الحاسم بين المتنازعين وأما ما فيه من " المنافع للناس " فشيء يفوق العد، ويتجاوز القياس، وما من حِرفة حِرفة وصناعة صناعة إلا وللحديد فيها سهم كبير، وللحديد في تطورها وازدهارها أكبر تأثير. وقوله تعالى في نفس هذا السياق: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ﴾، تلميح إلى الجهاد بالسلاح في سبيل الله، حماية لنشر دينه، ودفاعا عن دعوته، مما يقوم به المسلمون بين الحين والحين، حفظا لوجودهم وكيانهم، وضمانا لنفوذهم وسلطانهم على بلدانهم، وعقب كتاب الله على ذلك، بما يفيد أن قوة الله وعزته لا تفتقران إلى نصرة أحد ولا إلى تأييده، لا بسلاح ولا بغيره، وأن مرد النصرة والدفاع في الحقيقة إنما هو نفس الدعوة الإسلامية وأهلها، الذين يجب أن يكونوا على أهبة الدفاع عن عقيدتهم وسيادتهم دائما، وإلى ذلك يشير قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾. وأشار كتاب الله إلى ما وقع من تحريف للرسالات الإلهية،

стр. 2544

وخاصة على أيدي أهل الكتاب، مبينا أنه إلى جانب العدد القليل الذي اهتدى منهم قد وجد فيهم كثير من المنافقين: ﴿فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾، ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾. ثم اتجه الخطاب الإلهي في ختام هذا الربع إلى المؤمنين، مبشرا لهم برحمة الله وغفرانه، ومعرفا بما خصهم به من رعايته ورضوانه، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾.

стр. 2545

الربع الأول من الحزب الخامس والخمسين في المصحف الكريم (ق) ــ ٥٨ - سورة المجادلة مدنية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١) الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢) وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤) إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا

стр. 2546

عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٦) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٨) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩) إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٠) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١)

стр. 2547

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٣)

стр. 2548

الربع الأول من الحزب الخامس والخمسين في المصحف الكريم (ت) عباد الله موضوع حديث اليوم تفسير الربع الأول من الحزب الخامس والخمسين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى في فاتحة سورة المجادلة، المدنية: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾، إلى قوله تعالى في نفس السورة: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. ــ في مطلع هذا الربع، وهو فاتحة سورة " المجادلة ": ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾، تناول كتاب الله بالتهذيب والتشذيب عادة من عادات " الجاهلية " التي كانت شائعة بين العرب، وكانوا يطلقون عليها اسم " الظهار "، وهي من جملة العادات السيئة التي كان فيها عدوان على حقوق المرأة، فقد كان الرجل " الجاهلي " إذا غضب على امرأته اعتبرها مثل أمه، فحرم على نفسه مساسها كحرمة مساس أمه عليه سواء بسواء، وقال لها تعبيرا عن قصده: " أنت علي كظهر أمي " وبذلك تصبح علاقته

стр. 2549

الزوجية معها منقطعة حسب العرف " الجاهلي " لكنها بالرغم من تحريمها عليه تبقى " معلقة " دون طلاق، بحيث لا يمكن لها أن تتزوج من غيره، فلا هي حل له في رأيه حتى تستمر علاقتها الزوجية معه قائمة، ولا هي مطلقة منه حتى تكون حرة في نفسها، وتبحث عن زوج آخر. ولأول ما صدر هذا العمل من أحد الأزواج المسلمين رفعت زوجته المسلمة شكوى به إلى رسول الله ﷺ تستفتيه في أمرها، وتسأله الفصل في نزاعها مع زوجها، وبمناسبة وقوع هذه الحادثة التي هي الأولى من نوعها في المجتمع الإسلامي الناشئ نزل كتاب الله مبينا حكم الله فيها خصوصا، وفي شأن " الظهار " عموما، وابتدأت الآيات الكريمة بالإشارة أولا إلى الشكوى المرفوعة إلى رسول الله، وإلى الحوار الذي دار بينه وبين الزوجة المشتكية حول ظروف الحادثة وملابساتها، وما قد يترتب عليها من آثار، وقد حفظت دواوين السنة اسم الزوجة واسم زوجها، فهي خولة بنت ثعلبة، وهو أوس بن الصامت، وكان لهما صبية صغار، وكان قد تقدم به السن وساء خلقه في معاملة زوجته، فلما اشتد به الغضب قال لها: " أنت علي كظهر أمي "، فقالت له: والله ما أراك إلا قد أثمت في شأني، لبست جدتي، وأفنيت شبابي، وأكلت مالي، حتى إذا كبرت سني، ورق عظمي، واحتجت إليك فارقتني "، ولما ذهب عنه الغضب قال لها: " ما أكرهني لذلك "، ثم أقبل عليها وحاول مساسها من جديد، فقالت له: " والذي نفس خويلة بيده -تشير إلى اسمها بصيغة التصغير والدلال- لا تخلص

стр. 2550

إلي وقد قلت ما قلت، حتى يحكم الله ورسوله بيننا بحكمه "، فقال لها: " اذهبي إلى رسول الله ﷺ فانظري هل تجدين عنده شيئا في ذلك ". وهذه الواقعة هي التي يشير إليها قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾، وفي هذه الآية دليل على مبلغ عناية الله بهداية خلقه وإرشادهم، وإصلاح ما فسد من أحوالهم، وعلى تمام رعايته للمظلومين، ونصرته لهم، برفع الظلم الواقع عليهم ولو من أقرب الأقربين. وبين كتاب الله في الآيات التالية حكم الشريعة الإسلامية في " الظهار "، وخلاصة الحكم الشرعي فيه: أن " الظهار " يستلزم تحريم مساس المرأة على الزوج، وتحريم جميع أنواع الاستمتاع، إلا أن مجرد " الظهار " لا يعتبر في الإسلام نوعا من أنواع الطلاق ولا قائما مقامه، نعم، إن رغبة الزوج في مساس زوجته والاستمتاع بها بعد ظهاره منها، وعودته إلى ما حرمه على نفسه بالظهار، لا بد أن تسبقه " كفارة " يكفر بها الزوج، عن الإثم الذي وقع فيه بالإقدام على إعلان الظهار. وهذه الكفارة مطالب فيها بالترتيب والتدريج، فتبدأ أولا بتحرير رقبة من الرق، وذلك في حق الزوج القادر على العتق، بحيث لا يسمح الشرع له بمساس امرأته إلا بعد تحرير تلك الرقبة، فإن لم يكن بيده من المال ما يستطيع به إنقاذ رقبة من الرق وتحريرها، وجب عليه صيام شهرين على التتابع والتوالي، بحيث يلزمه أن يصوم ستين أو٥٩ يوما دون فصل بينهما ولا

стр. 2551

انقطاع، وبعد انتهاء صومه شهرين كاملين يباح له الاتصال بزوجته التي كان قد ظاهر منها، فإن كان عاجزا عن تحرير رقبة من الرق، وعاجزا عن صيام شهرين متتابعين لعذر يقبله الشرع، لم يبق أمامه إلا مخرج واحد من الورطة التي تورط فيها، وهذا المخرج هو القيام بإطعام ستين مسكينا مقابل ما عجز عنه من صيام ستين يوما. قال الزمخشري: " فإن قلت: هل للمرأة أن ترافع المظاهر إذا امتنع من الكفارة؟ قلت: لها ذلك - وعلى القاضي أن يجبره على أن يكفر وأن يحبسه، ولا شيء من الكفارات يجبر عليه ويحبس إلا كفارة الظهار وحدها، لأنه يضر بالمرأة في ترك التكفير والامتناع من الاستمتاع، فيلزم أيضا حقها ". وفي نفس الوقت الذي شرع فيه كتاب الله هذه الحدود والقيود للظهار، حتى لا يقبل عليه المسلمون كما كان الأمر في " الجاهلية "، نادى كتاب الله بتسفيه رأي أولئك الذين يعتقدون أنهم بمجرد ما يشبهون زوجاتهم بوالداتهم تصبح زوجاتهم في حكم الأمهات فعلا، مبينا أن أمهاتهم على الحقيقة وفي هذا المقام هنّ النساء اللاتي ولدنهم، لا غيرهن من النساء، أما في غير هذا المقام فإن " المرضعات " ملحقات بالأمهات، وكذلك أزواج رسول الله ﷺ " أمهات المؤمنين " لأن الله حرم نكاحهن على الأمة، فدخلن بذلك في حكم الأمهات، كما نادى كتاب الله باعتبار " صيغة الظهار " التي تعارفها العرب في الجاهلية صيغة

стр. 2552

منكرة وزورا من القول في نظر الإسلام، إذ إن أم الزوج هي التي ولدته، ولا يعقل أن تصبح الزوجة أُمّا للزوج بمجرد كلمة يفوه بها، تعسفا واعتباطا، وهي ليست أما له في الحقيقة، ولا داخلة في حكم الأمهات، وهذه المعاني في جملتها هي التي تضمنتها الآيات الكريمة التالية حيث قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ * وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. وجاء في " موطأ " الإمام مالك ﵀ ما نصه: " قال مالك في قول الله ﵎: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾، قال: سمعت أن تفسير ذلك أن يتظاهر الرجل من امرأته، ثم يجمع على إمساكها وإصابتها، فإن أجمع على ذلك فقد وجبت عليه الكفارة، وإن طلقها ولم يجمع بعد تظاهره منها على إمساكها وأصابتها فلا كفارة عليه، قال مالك: فإن تزوجها بعد ذلك، أي بعد طلاقه لها دون كفارة، لم يمسها حتى يكفر كفارة المتظاهر ". وبعدما بينت الآيات الكريمة حدود الله في شأن " الظهار "، ووضعت بذلك حدا للهوى والتعسف واستبداد الأزواج بزوجاتهم، مما كان شائعا في " الجاهلية " قبل الإسلام، عقب كتاب الله بما

стр. 2553

يفيد أن الذين لا يقفون عند حدود الله التي حدها لهم الشرع إنما يجنون على أنفسهم جناية كبرى، فسيعاقبهم الحق سبحانه بالخزي والهوان، جزاء تمردهم على الشريعة واستنكافهم عن الانقياد لنظمها، وعدم اعترافهم بسلطتها. وإلى ذلك يشير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾. وانتقل كتاب الله إلى مزيد من الوصف لعلم الله الشامل الكامل، إذ لا يغيب عن علمه شيء، فهو يعلم السر والنجوى، " السر " المكتوم الذي يحتفظ به كل واحد منهم دون أن يطلع عليه الغير و " النجوى " التي يكشف بعضهم خلالها عما في نفسه للبعض الآخر، لكن في تستر وحذر، وإذا كان الناس ينسون أعمالهم ولا يتذكرونها في أغلب الأحيان، فإن الله سبحانه يحصي عليهم أنفاسهم، ويسجل لهم أعمالهم، وينبئهم بما عملوا متى حل موعد الحساب والجزاء، وذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، على غرار قوله تعالى في آية أخرى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا﴾، أي وملائكتنا، ﴿لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ (الزخرف: ٨٠).

стр. 2554

وتحدث كتاب الله عن طائفة من المنافقين والكافرين يفضلون الاجتماع في غفلة عن الأنظار، بدلا من أن يجتمعوا على مرأى ومسمع من الناس وذلك بغية التآمر في اجتماعاتهم الخاصة، وأشار إلى النهي الذي وُجّه إليهم من قبل حتى لا يعقدوا مثل هذه الاجتماعات التي يبيّتون فيها الشر والأذى للإسلام والمسلمين، لكنهم بالرغم من النهي الذي وجّه إليهم عادوا لما نهوا عنه، من التناجي فيما بينهم بما فيه " ضرر خاص " وهو المعبر عنه هنا (بالإثم)، وبما فيه " ضرر عام " وهو المعبر عنه هنا (بالعدوان)، وأكبر عدوان هو ما يتآمرون عليه من معصية الرسول، وعدم التنفيذ لأوامره، والخروج على تعليماته، وهذا المعنى هو ما يشير إليه قوله تعالى في خطابه لنبيه ﵇: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾. ووصف كتاب الله ما تنطوي عليه نفوس طائفة من المنافقين، وما يبرز على ألسنتهم من عبارات السخرية والتعريض، وعدم التوقير الواجب لمقام الرسالة، وما تحدثهم به أنفسهم عند ذلك، من أنه لو كان الرسول رسولا حقا لعذّبوا في الحين، جزاء ما يقولونه في حقه من الأقوال الخارجة عن حدود الأدب ومقتضيات الإيمان، وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. ووجه كتاب الله خطابه إلى المؤمنين، داعيا إياهم، عندما

стр. 2555

يجتمعون للتناجي فيما بينهم في اجتماعات خاصة، إلى أن يتجنبوا في أحاديثهم كل ما فيه ضرر فردي أو جماعي، وأن يتناجوا فيما بينهم بالبر والتقوى دون الإثم والعدوان، وأن يستبعدوا من مذاكراتهم كل ما تشم منه رائحة التمرد وعدم الامتثال، وكل ما يؤدي إلى معصية الرسول، فطاعة الله وطاعة رسوله دعامتان أساسيتان من دعائم العقيدة الإسلامية، وركنان من أركان الدولة الإسلامية، وإلى ذلك يشير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾. ونبه كتاب الله إلى أنه لا ينبغي للمؤمن أن يناجي آخر فيسر إليه بالحديث، ما دام حاضرا معهما مؤمن ثالث لا يعرف ما يدور بينهما، وقد يتأذى من حديثهما الذي يجهل فحواه، إذ توسوس إليه نفسه أن الحديث الذي هو نجوى بين الإثنين، ويتسارّان به فيما بينهما، يتضمن استهزاء به، أو تآمرا عليه، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾، وفي مثل هذا المعنى قال رسول الله ﷺ : " إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث إلا بإذنه، فإن ذلك يحزنه ". وهذا النص انفرد بإخراجه مسلم في صحيحه. وبدلا من استعمال " الشعر " وسيلة لقضاء الحاجات، حسبما كان متعارفا عند العرب، لأنه من أفضل ما عندهم، فكان الرجل يقدمه أمام حاجته " يستمطر به الكريم، ويستنزل به اللئيم " على

стр. 2556

حد قول عمر بن الخطاب، جاء كتاب الله بنمط جديد يتفق مع روح الإسلام وأهدافه الإنسانية السامية، فخاطب المؤمنين الذين يرغبون في مناجاة الرسول والتحدث إليه في شؤونهم الخاصة أن يتقربوا إلى الله قبل لقاء الرسول، بتقديم الصدقات إلى الفقراء المسلمين، ثم يأتوا إليه وقد ازدادوا طهرا وصفاء، أما الذين لا يملكون ما يتصدقون به على الفقراء، لكونهم من نفس الفقراء، فلا حرج عليهم في لقائه ومناجاته دون تقديم أية صدقة، وإلى هذا المعنى يشير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾، أي: أردتم ذلك، ﴿فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، ثم وسع الله عليهم ولم يضيق، فقال تعالى: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. ولعل من بين أسرار هذا التوجيه الإلهي الحكيم ما كان عليه المسلمون من التزاحم على لقاء رسول الله، ورغبة كل فرد في الاختلاء به والاستئثار بوقته واهتمامه، لقضاء الحاجات، وتلقي التوجيهات، الأمر الذي لو لم يوضع له حد لأصبح من الصعب عليه القيام بالمهام الكبرى التي تستلزم تكريس وقته لأدائها أولا بأول، وذلك لخير الجماعة الإسلامية جمعاء، فلما تلقى المسلمون هذا التوجيه الإلهي كان لهم بمنزلة " الفطام ". وكان فيه نوع من التخفيف على رسول الله، حتى يستطيع التفرغ للقيام بمهام الرسالة الجسام، عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام.

стр. 2557

الربع الثاني من الحزب الخامس والخمسين في المصحف الكريم (ق) ــ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٥) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٦) لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٧) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٨) اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٩) إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١) لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ

стр. 2558

كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢) ٥٩ - سورة الحشر مدنية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ (٢) وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (٣) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤) مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (٥) وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ

стр. 2559

قَدِيرٌ (٦) مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧) لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)

стр. 2560

الربع الثاني من الحزب الخامس والخمسين في المصحف الكريم (ت) عباد الله في حديث هذا اليوم نتناول تفسير الربع الثاني من الحزب الخامس والخمسين في المصحف الكريم، وبدايته قوله تعالى في سورة "المجادلة" المدنية: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، ونهايته قوله جل علاه في سورة "الحشر" المدنية أيضا: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. ــ وكتاب الله في مطلع هذا الربع يحذر الرسول ﵇ من طائفة المنافقين، ويبين له ما هم منطوون عليه من موالاة اليهود الذين لا يضمرون أي خير للعرب، لا للعرب المسلمين، ولا حتى للعرب المنافقين الذين يمالئونهم في الباطن. ويهتك كتاب الله الستر عن أسلوب التضليل والتدجيل الذي يستعمله " المنافقون " تقليدا لليهود لجلب المؤمنين الصادقين إلى صفهم والتأثير عليهم، ولا سيما ما يقسمون به من الأيمان المغلظة،
следующие страницы →