← Тафсир

Тафсир · id 115129

التيسير في أحاديث التفسير

محمد المكي الناصري

Полный текст (2 848 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

حد قول عمر بن الخطاب، جاء كتاب الله بنمط جديد يتفق مع روح الإسلام وأهدافه الإنسانية السامية، فخاطب المؤمنين الذين يرغبون في مناجاة الرسول والتحدث إليه في شؤونهم الخاصة أن يتقربوا إلى الله قبل لقاء الرسول، بتقديم الصدقات إلى الفقراء المسلمين، ثم يأتوا إليه وقد ازدادوا طهرا وصفاء، أما الذين لا يملكون ما يتصدقون به على الفقراء، لكونهم من نفس الفقراء، فلا حرج عليهم في لقائه ومناجاته دون تقديم أية صدقة، وإلى هذا المعنى يشير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾، أي: أردتم ذلك، ﴿فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، ثم وسع الله عليهم ولم يضيق، فقال تعالى: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. ولعل من بين أسرار هذا التوجيه الإلهي الحكيم ما كان عليه المسلمون من التزاحم على لقاء رسول الله، ورغبة كل فرد في الاختلاء به والاستئثار بوقته واهتمامه، لقضاء الحاجات، وتلقي التوجيهات، الأمر الذي لو لم يوضع له حد لأصبح من الصعب عليه القيام بالمهام الكبرى التي تستلزم تكريس وقته لأدائها أولا بأول، وذلك لخير الجماعة الإسلامية جمعاء، فلما تلقى المسلمون هذا التوجيه الإلهي كان لهم بمنزلة " الفطام ". وكان فيه نوع من التخفيف على رسول الله، حتى يستطيع التفرغ للقيام بمهام الرسالة الجسام، عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام.

стр. 2557

الربع الثاني من الحزب الخامس والخمسين في المصحف الكريم (ق) ــ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٥) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٦) لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٧) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٨) اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٩) إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١) لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ

стр. 2558

كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢) ٥٩ - سورة الحشر مدنية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ (٢) وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (٣) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤) مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (٥) وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ

стр. 2559

قَدِيرٌ (٦) مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧) لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)

стр. 2560

الربع الثاني من الحزب الخامس والخمسين في المصحف الكريم (ت) عباد الله في حديث هذا اليوم نتناول تفسير الربع الثاني من الحزب الخامس والخمسين في المصحف الكريم، وبدايته قوله تعالى في سورة "المجادلة" المدنية: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، ونهايته قوله جل علاه في سورة "الحشر" المدنية أيضا: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. ــ وكتاب الله في مطلع هذا الربع يحذر الرسول ﵇ من طائفة المنافقين، ويبين له ما هم منطوون عليه من موالاة اليهود الذين لا يضمرون أي خير للعرب، لا للعرب المسلمين، ولا حتى للعرب المنافقين الذين يمالئونهم في الباطن. ويهتك كتاب الله الستر عن أسلوب التضليل والتدجيل الذي يستعمله " المنافقون " تقليدا لليهود لجلب المؤمنين الصادقين إلى صفهم والتأثير عليهم، ولا سيما ما يقسمون به من الأيمان المغلظة،

стр. 2561

تأييدا لدعاويهم، وتدعيما لأكاذيبهم، ويبين كتاب الله أن الأيمان المغلظة التي يحلفونها إنما هي ستار كثيف يخفون به مقاصدهم، وسلاح خفيف يحمون به أنفسهم، حتى لا تفتضح نياتهم، ولا تنكشف عوراتهم، وحتى تستمر أحكام الإسلام الظاهرة جارية عليهم، باعتبار أنهم " مسلمون ". وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾. ثم يتحدث كتاب الله عن المصير السيئ الذي ينتظر " المنافقين " يوم القيامة، وأن أموالهم وأولادهم لا تغني عنهم في الآخرة من الله شيئا، إذ لا يستطيعون فدية رقابهم بالمال، ولا يستطيعون نصرة أنفسهم بالرجال، وإلى ذلك يشير قوله تعالى: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. وحيث أن من عاش على شيء مات عليه، وحيث أن المنافقين قد تمكن النفاق من قلوبهم، واعتادوا الحلف بالأيمان الكاذبة وهم على قيد الحياة في الدنيا، واتخذوا من أيمانهم الفاجرة وقاية يتقون بها سطوة الإسلام وسلطانه، فإنهم سيواصلون نفس الخطة وهم في الآخرة، وسيحلفون أمام الله على الكذب، كما كانوا يحلفون عليه أمام رسوله والمؤمنين، جهلا منهم بأن الله يعلم السر والنجوى، وظنا منهم أن ذلك سينجيهم من عذاب الله،

стр. 2562

مثل ما أنجاهم كذبهم في الدنيا من متابعة الناس، وإلى هذا المعنى يشير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾. ونظرا لأن البشر على اختلاف أجناسهم إنما هم فريقان: فريق يدعوا إلى " الحق " ويسعى في الصلاح، وفريق يدعو إلى " الباطل " ويسعى في الفساد، فقد اعتنت الآيات الكريمة هنا بتحديد الفروق الواضحة والسمات المميزة التي يتميز بها الفريق الأول وهو " حزب الله " عن الفريق الثاني وهو " حزب الشيطان "، وذلك ليعرف المؤمنون عن بينة، في جهة من يجب أن يضعوا ثقتهم، وفي يد من يجب أن يضعوا أيديهم: - فأما " حزب الشيطان " الذي يقود الشيطان خطواته، ويوحي إلى أهله زخرف القول غرورا، فهو الذي استحوذ عليه الشيطان استحواذا تاما، بحيث أنساه ذكر الله بالمرة، فلا هو من يؤمن بالرسل ورسالاتهم، ولا هو من يؤمن بالكتب المنزلة وشرائعها، ولا هو من يؤمن بالآخرة وعذابها، بل هو يتحدى أوامر الله ونواهيه تحديا صارخا، فينتهك الحرمات، ويتعدى الحدود، ويحاول أن يقف في وجه كل شيء له علاقة بتوحيد الله وهدايته، ويعمل كل ما في وسعه جاهدا لطمس معالم الوحي والدين، بين البشر أجمعين، وإلى هذا الحزب الضال المضل من البشر يشير قوله تعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.

стр. 2563

- وأما " حزب الله " فهو الذي شرح الله صدره للإيمان، وحببه إليه، وأقره في قلبه، وأيده بروح منه، وثبته بالقول الثابت، في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وألقى في قلبه محبة المؤمنين بالله ورسوله ومودتهم، وعداوة غيرهم إلى الأبد، ولو كان هذا الغير من أقرب الأقربين. وإلى حزب الله من الهادين المهتدين، الذين هم النبراس المضيء في الدنيا والدين، يشير قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. ومما يجب التنبيه إليه ما جاء في سياق التفرقة بين حزب الله وحزب الشيطان من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ * كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾، فهذه الآية " تتوعد حزب الشيطان " بأن مصيره المحتوم هو الخزي والذل والهوان، مهما تطاول على الله وجاهره بالشنآن والعدوان. كما أنها " تعد حزب الله " الذي يرعاه الله، ويتصدره " أولو العزم " من الرسل، بالغلبة على حزب الشيطان والنصر عليه، لا في الآخرة وحدها، ولكن حتى في الدنيا قبلها، طبقا لصريح قوله تعالى في آية أخرى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ (غافر: ٥١)، وقد صدق الله وعده لحزبه فعلا، فغلب الإيمان

стр. 2564

على الكفر، وانتصر التوحيد على الشرك في رقعة واسعة من العالم، وأظهر الله دينه الحنيف على كثير من المعتقدات الزائفة، والتقاليد الباطلة، التي كانت قبل ظهوره سائدة في جميع أطراف الأرض، فآمنت بالله ورسوله، ودانت بدين الله، مآت الملايين من البشر، شرقا وغربا، شمالا وجنوبا، وها هو مد الإسلام، لا يزال في امتداد مستمر على الدوام، رغما عما تعرض له المسلمون عبر الأجيال والقرون من بطش وضغط، ومكر سيء، وكيد خفي، يلاحقهم به أعداء الإيمان، في كل مكان. أما موجات الكفر والإلحاد التي تتصاعد في بعض الفترات وفي بعض الأجيال، وفي بعض البقاع، فإن مآلها دائما إلى تقهقر وتراجع، أمام تيار الإيمان الصاعد، الذي يمده كل يوم مدد جديد من العلم بأسرار الكون، والمعرفة بعجائبه، والاكتشافات الحديثة لآفاقه الواسعة، وبذلك كله تتحقق الغلبة لله ولرسله في الدنيا كما هي محققة في الآخرة. وقوله تعالى في التعقيب على هذا المعنى: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾، إشارة إلى أن " قوة " الله التي لا تعادلها قوة، وإلى أن " عزته " التي لا يلحقها ضيم، هما أكبر ضمان لحزب الله في صراعه مع حزب الشيطان، وما دام الأمر كذلك فمن تمسك بحبل الله، وانضم إلى حزب الله، كان أقوى من كل قوي، وأعز من كل عزيز، إذ أنه يأوي إلى ركن ركين، ويعتمد على سند متين. والآن فلننتقل إلى سورة " الحشر " المدنية أيضا، وقد سميت " سورة الحشر " أخذا من قوله تعالى في الآية الثانية منها: ﴿هُوَ

стр. 2565

الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾، وهذه السورة الكريمة تشير إلى يهود " بني النضير "، وجلائهم عن المنازل التي كانوا يسكنونها، والحصون التي كانوا يتحصنون بها خارج " المدينة " على أميال منها من الناحية الشرقية، وذلك بعدما حاصرهم رسول الله والمؤمنون ست ليال، على رأس ستة أشهر من " غزوة أحد " أوائل السنة الرابعة من الهجرة، فنزلوا واستسلموا، على أساس الكف عن دمائهم، والجلاء عن منازلهم وحصونهم، وأن لهم ما أقلّته إبلهم وحملته من الأموال والأمتعة، فاحتملوا من أموالهم ما استقلت به الإبل، إلاّ " الحلقة " وهي السلاح الكثير، فلم يسمح لهم بحمله معهم، واتجه فريق من بني النضير إلى " خيبر "، واتجه فريق آخر إلى " أذرعات " من أعالي الشام. والسبب المباشر لحصار " بني النضير " ونزولهم على " الجلاء " فيما يذكره أصحاب المغازي والسير هو أنهم تواعدوا مع رسول الله على أن يخرج إليهم في طائفة من أصحابه، وأن يخرج إليه منهم طائفة من أحبارهم، حتى يلتقي الفريقان ويسمعوا منه، فيؤمنوا به إن صدقه أحبارهم، فلما حل الموعد غدا عليهم رسول الله ﷺ وقال لهم: " إنكم لا تؤمنون عندي إلا بعهد تعاهدونني عليه "، فأبوا أن يعطوه عهدا، رغما عن مهادنته لهم منذ هجرته إلى المدينة، وما أعطوه له من العهد والذمة إذ ذاك، وبهذه المناسبة خلا بعضهم ببعض، فقالوا: " إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه، وكان رسول الله مستندا إلى

стр. 2566

جنب جدار من بيوتهم، فهل من رجل يعلو على هذا البيت فيلقي صخرة على محمد فيريحنا منه؟ " وانتدبوا لذلك واحدا منهم، فصعد أشقاهم ليلقي الصخرة على رسول الله ﷺ ، ورسول الله في نفر من أصحابه فيهم أبو بكر وعمر وعلي، فأوحى الله إلى رسوله بما أراد القوم من اغتياله، وقفل وحده راجعا إلى المدينة، ولما أقبل عليه أصحابه أخبرهم بخيانة " بني النضير " ونقضهم للعهد الذي عاهدوا عليه الرسول، ومحاولتهم للغدر به وهو بين أظهرهم، وأمر رسول الله ﷺ بالتهيؤ لحربهم والمسير إليهم، ولما أعدوا العدة سار إليهم بالكتائب حتى نزل بهم، فتحصنوا في الحصون، وبعد مضي مدة الحصار الإسلامي المضروب على حصونهم طلبوا الصلح، وسألوا رسول الله أن يحقن دماءهم ويجليهم عن ديارهم، فصالحهم على ذلك، وتم جلاء " بني النضير " عن منازلهم التي كانوا بها خارج المدينة، ولم يسلم منهم بهذه المناسبة إلا رجلان أسلما على أموالهما فأحرزاها، وهما يامين بن عمرو وأبو سعد بن وهب. وإلى الواقعة تشير الآيات الكريمة الواردة في " سورة الحشر " وكان ابن عباس يطلق عليها أيضا " سورة بني النضير ". وقد ابتدأت هذه السورة بما يفيد خضوع جميع المخلوقات، في الأرض والسماوات، لعزة الله وجلاله، وتنزيهها لخالقها عن كل نقص أو عجز، واعترافها بحكمته وكماله، وذلك قوله تعالى: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.

стр. 2567

ثم شرعت الآيات الكريمة في وصف حصار " بني النضير " وجلائهم، فقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾، وفي هذه الآية إشارة إلى أن الوضع المادي الذي كان عليه " بنو النضير " من المال والسلاح والحصون كان يوحي إليهم بأنهم في عز ومنعة، بحيث لا يستطيع أن يطاولهم أحد، فضلا عن أن ينتصر عليهم: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ﴾، كما كان هذا الوضع نفسه يوحي إلى الجماعة الإسلامية الناشئة بأن الاستيلاء على " بني النضير " يحتاج إلى تضحيات جُلى، إن لم يكن في حكم المتعذر بالمرة، ﴿مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا﴾، فلما فتحوا أبواب حصونهم وخرجوا منها مستسلمين، يعرضون بأنفسهم على رسول الله ﷺ أن يكف عن قتالهم، وأن يجليهم عن ديارهم، كان ذلك أمرا إلهيا خارقا للعادة، ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾، إذ لم يكن هذا المصير الذي انتهوا إليه بعد ست ليال من حصارهم منتظرا، لا عند المسلمين، ولا عند " بني النضير " أنفسهم، وقد كان في الإمكان أن يطول الحصار أسابيع وشهورا. وإذن " فالرعب " الذي ألقاه الله في قلوبهم، والهزيمة التي استولت على نفوسهم، هما العاملان الأساسيان في خروج " بني النضير " من حصونهم، واستسلامهم للرسول والمؤمنين، ورضاهم بالجلاء عن " المدينة " عاصمة الإسلام الأولى، وفي هذا الإطار من الظروف والملابسات نستطيع أن نفهم المراد بقوله تعالى في هذا

стр. 2568

السياق: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾. وقوله تعالى: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ﴾، في وصف " بني النضير " وهم يتأهبون للجلاء عن ديارهم، إشارة إلى ما قاموا بهدمه من مبانيهم، وما قاموا بنقضه من سقوفهم، وما قاموا بقلعه من أخشاب أبوابهم، وما قاموا بحمله من مختلف الأمتعة والرياش التي كانت بمنازلهم، وبذلك خرّبوا بيوتهم بأيديهم وتركوها خرابا يباباً. وقوله تعالى: ﴿وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾، إشارة إلى ما قام به المسلمون أثناء حصارهم " لبني النضير "، فقد كان المسلمون إذا ظهروا على درب أو دار هدموا حيطانها ليتسع المكان للقتال. وقوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ تعقيب على ما في هذه الواقعة الفريدة من نوعها من مختلف العظات والعبر، فهي درس عملي أعطاه الإسلام للمشركين، وللمنافقين، وللكافرين من أهل الكتاب على السواء. وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، إشارة إلى " الفيء " الذي آل إلى المسلمين من أموال " بني النضير "، وفي حكمه كل ما يؤول إلى المسلمين من هذا النوع، والمراد " بالفيء " كل مال أخذ من الكفار أثناء الجهاد من غير إيجاف خيل ولا ركاب، أي:

стр. 2569

من غير مبارزة ولا مصاولة، ولا ركض بخيل أو جمال، والشأن في هذا النوع أن يرد على المسلمين، ويصرف في وجوه البر والمصالح العامة. ثم بين كتاب الله " مصاريف الفيء " الذي يؤول إلى المسلمين أثناء جهادهم في سبيل الله، والوجوه التي ينبغي أن يصرف فيها فقال تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾. وقوله تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾، معناه كما قال ابن كثير: " جعلنا هذه المصاريف لمال الفيء، كي لا يبقى مأكلة يتغلب عليها الأغنياء، ويتصرفون فيها بمحض الشهوات والآراء، ولا يصرفون من الفيء شيئا إلى الفقراء ". وللزيادة في بيان من يستحق الأخذ من مال " الفيء " ضرب كتاب الله المثل " بفقراء المهاجرين " الذي أخرجوا من ديارهم وأموالهم، وبهذه المناسبة نوّه " بالأنصار " الذين آووهم وآثروهم على أنفسهم، وذلك قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾، إلى آخر الآية.

стр. 2570

وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾، إلى آخر الآية إشارة إلى قسم ثالث يستحق فقراؤهم أن يصرف إليهم من " مال الفيء "، ما دام الجهاد قائما في سبيل الله. بالإضافة إلى فقراء المهاجرين وفقراء الأنصار هناك فقراء المؤمنين التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، على غرار قوله تعالى في سورة التوبة (١٠٠): ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾، والمراد " بالتابعين لهم بإحسان "، كما قال ابن كثير: " المتبعون لآثارهم الحسنة، وأوصافهم الجميلة، الداعون لهم في السر والعلانية "، ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.

стр. 2571

الربع الثالث من الحزب الخامس والخمسين في المصحف الكريم (ق) ــ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١١) لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (١٢) لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (١٣) لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (١٤) كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٥) كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ

стр. 2572

قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (١٦) فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (١٧) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (١٩) لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠) لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)

стр. 2573

٦٠ - سورة الممتحنة مدنية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١) إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (٢) لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣) قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٤) رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٥) لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦)

стр. 2574

الربع الثالث من الحزب الخامس والخمسين في المصحف الكريم (ت) عباد الله موضوع حديث اليوم تفسير الربع الثالث من الحزب الخامس والخمسين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى في سورة "الحشر" المدنية: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ﴾، إلى قوله جل علاه في سورة "الممتمحة" المدنية أيضا: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾. ــ في بداية هذا الربع تناول كتاب الله وصف الدّور السافل الذي قام به " المنافقون " في قصة " بني النضير "، حيث شجعوهم على نقض عهد رسول الله ومخالفته، والتآمر عليه وعلى المسلمين، ووعدوهم بالنجدة والنصرة إذا تعرضوا لاصطدام مع القوة الإسلامية الفتية، فأطلع الله رسوله على هذه المؤامرة عن طريق الوحي المبين، وذلك قوله تعالى مخاطبا لنبيه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ

стр. 2575

لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾، وقد كان عبد الله بن أبي ابن سلول وعصابته من النافقين بعثوا إلى يهود " بني النضير ": " إن اثبتوا وتمنعوا، فإنا لن نسلمكم، إن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن خرجتم خرجنا معكم "، فتربص " بنو النضير " ذلك، وانتظروا نصر المنافقين لهم أثناء فترة الحصار الإسلامي، لكن الله قذف في قلوب المنافقين الرعب فلم ينتصروا لليهود، وقذف في قلوب " بني النضير " الرعب فاستسلموا للمسلمين، وذلك قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾، وبين كتاب الله السر في فشل يهود " بني النضير " وحلفائهم وإخوانهم من النافقين، وهو أنهم يخافون الخلق أكثر مما يخافون الخالق فقال تعالى مخاطبا رسوله والمؤمنين: ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾. ووصفت الآيات الكريمة ما عليه يهود " بني النضير " ومن لف لفهم من الجبن والهلع، فهم لا يقدرون على مواجهة " كتائب " الإسلام الفتية، ومبارزتها وجها لوجه في الفضاء الطلق، وإنما يتسترون ويتترّسون بالحصون والجدر، ليقاتلوا من ورائها، وهم في مأمن من المفاجآت والمغامرات، وذلك قوله تعالى: ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾، ثم يكشف كتاب الله عن سر دفين يتبين من خلاله مقدار ما بين المنافقين وكفار أهل الكتاب من التضامن والتعاون، وأن تحالف الفريقين إنما هو تحالف مصالح وأغراض إن اتفقت حينا اختلفت

стр. 2576

أحيانا، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾. وأعاد كتاب الله إلى أذهان المؤمنين ما أصاب كفار قريش " يوم بدر "، مشيرا إلى أن العاقبة كانت عليهم أيضا لا لهم، فما أصاب " بني النضير " إنما هو تتمة لما أصاب كفار قريش من قبل، وذلك قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. وشبه كتاب الله موقف " المنافقين " الذين شجعوا يهود " بني النضير " على نقض العهد، والتآمر على حياة الرسول ﵇، والذين وعدوهم بالنصرة والتأييد، ثم أخلفوا وعدهم وأسلموهم لسوء العاقبة، بموقف الشيطان من الإنسان، عندما يغريه بالكفر فيغتر به، ويكفر تحت تأثير إغرائه، حتى إذا كان يوم القيامة تبرأ الشيطان منه براءة تامة، وتنصل من تبعة عمله كل التنصل، وذلك قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾. واتجه الخطاب الإلهي إلى المؤمنين يناديهم بأحب الصفات إليهم، داعيا إياهم إلى تقوى الله، مكررا أمره بالتقوى في هذا السياق مرتين على التوالي، و " تقوى الله " تقتضي أن يقي المؤمن نفسه من عذاب الله وسخطه، وذلك بالتزام الصلاح والاستقامة،

стр. 2577

وسلوك الطريق السوي، وامتثال الأوامر واجتناب النواهي، " فالغد " الذي هو عبارة عن الحياة القادمة والدائمة مهما كان بعيدا فهو قريب، والتزود له أمر تقضي به الحكمة والرشد، ويستلزمه حسن التدبير، وسلامة التفكير، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾. وتحدث كتاب الله من جديد عن روحانية القرآن الكريم، وكونه " روحا من أمر الله " يشع من خلال كلماته كل ما لله من صفات الكمال، ومظاهر القدرة والحكمة والجلال، وذلك قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾. وختمت سورة " الحشر " بعقد نفيس من أسماء الله الحسنى يذكر المؤمنين بجملة من مظاهر ربوبيته، وآثار ألوهيته، في الآفاق وفي أنفسهم: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾، ثم يكون " مسك الختام " تسبيحا لله وتنزيها، على لسان جميع المخلوقات في الأرض وفي السماوات، وكما ابتدأت سورة " الحشر " هكذا: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا

стр. 2578

فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، تنتهي بنفس المعنى هكذا: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، وبذلك انسجمت البداية مع النهاية. ولننتقل الآن إلى سورة " الممتحنة: المدنية، مستعينين بالله معتمدين عليه، وأطلق عليها هذا الاسم، أخذا من قوله تعالى في الآية العاشرة منها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾، وأول ما يستقبلنا من هذه السورة الكريمة نداء من الله إلى فريق خاص من المؤمنين، يحذرهم فيه من أن يتخذوا أعداءه أولياء، أو يلقوا بالمودة إلى من كفروا بالحق، وألجئوا الرسول والمؤمنين إلى الخروج من " منزل الوحي الأول " مبينا لهم أن " رابطة العقيدة " هي الرابطة التي يجب أن يرعوها حق رعايتها، وما عداها من الأواصر والروابط العائلية أو المالية يجب إخضاعه لهذا الاعتبار قبل أي اعتبار آخر، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾. ثم بين كتاب الله لهذا الفريق من المؤمنين الذين كانوا لا يزالون على شيء من السذاجة والبساطة أنهم لو سقطوا في أيدي مشركي قريش لنكلوا بهم شر تنكيل، ولفعلوا بهم أقبح الأفاعيل، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً

стр. 2579

وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾. وكشف كتاب الله السر في تحذيره لهذا الفريق من المؤمنين، فقد كانوا لا يزالون متأثرين بروابط القرابة والرحم التي تربطهم بأقربائهم من مشركي مكة، وكانوا يحنون إليهم ما بين الحين والحين، فقال تعالى مخاطبا لهم: ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. وضرب الله المثل لهذا الفريق من المؤمنين ببراءة إبراهيم الخليل من قومه ومن آمن معه ورميه برابطة القرابة معهم عرض الحائط، عندما أصبح الأمر يتعلق بعقيدة التوحيد والإيمان بالله فقال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾، وكان استغفار إبراهيم لأبيه قبل أن يستيقن إصرار أبيه على الشرك، مصداقا لقوله تعالى في سورة التوبة (١١٤): ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾. وختم هذا الربع بما يؤكد نفس الغرض ونفس التوجيه، فقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾.

стр. 2580

الربع الأخير من الحزب الخامس والخمسين في المصحف الكريم (ق) ــ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧) لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠) وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ

стр. 2581

أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (١١) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ (١٣) ٦١ - سورة الصف مدنية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣) إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (٤) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٥) وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا

стр. 2582

جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٧) يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (١٤)

стр. 2583

الربع الأخير من الحزب الخامس والخمسين في المصحف الكريم (ت) عباد الله في حديث هذا اليوم نعالج تفسير الربع الأخير من الحزب الخامس والخمسين في المصحف الكريم، وبدايته قوله تعالى في سورة "الممتحنة" المدنية: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، ونهايته قوله جل علاه في سورة "الصف" المدنية أيضا: ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾. ــ في بداية هذا الربع عاد كتاب الله إلى فتح باب الأمل والرجاء في وجه فريق من " المهاجرين " كانوا يعانون بعض القلق النفسي من مقاطعة أهلهم وعشيرتهم الذين لا زالوا على شركهم بمكة، فبعدما أمرهم الله تعالى بعداوة المشركين والبراءة منهم ولو كانوا من ذوي الأرحام ومن أقرب الأقربين إسوة بإبراهيم الخليل ﵇ الذي تبرأ من أبيه نفسه، أشارت الآية الكريمة إلى أن الأمل في إنقاذهم لم ينقطع، وإلى أن الرجاء لا يزال معقودا على هداية الله لهم إلى الحق، فهو سبحانه قادر على أن يشرح صدورهم للإيمان، فيدخلوا تحت طاعة الإسلام، ويعملوا تحت

стр. 2584

لوائه، وإذ ذاك يجمع الله شمل الجميع في ظل الإسلام الحنيف، ولا يبقى أي مبرر لعداوتهم، ولا للبراءة منهم، بل تصبح مودتهم واجبة، بمقتضى رابطة العقيدة الإسلامية المشتركة، التي هي أقوى رابطة بين المسلمين، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى في مطلع هذا الربع: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وانتقل كتاب الله إلى تقعيد قاعدة أساسية في معاملة المسلمين لغيرهم من أهل الملل الأخرى، ألا وهي معاداة من اعتدى على المسلمين أو تضامن مع المعتدي عليهم، ومسالمة من لم يعتد على المسلمين ولم يتضامن مع المعتدي عليهم. يعتبر " معتديا على المسلمين " كل من قام باعتداء على ديارهم، بعد ما سالمهم، أو خان عهدهم بعد ما عاهدهم، أو حال بينهم وبين أن ينشروا عقيدتهم، أو منعهم من أن يطبقوا شريعتهم، ويمارسون شعائرهم، وإلى هذه القاعدة الأساسية في الإسلام يشير قوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. والآن فلنتحدث عن " آية الامتحان " التي بها سميت السورة المدنية الكريمة سورة " الممتحنة ". لقد تضمن " صلح الحديبية " الذي انعقد بين المسلمين وكفار

стр. 2585

قريش قبل فتح مكة بسنتين فقرة فيها شيء من الغموض، يقول نصها ما يأتي: " على أنه لا يأتيك منا أحد وإن كان على دينك إلا رددته إلينا "، وبينما رسول الله ﷺ لا يزال بأسفل الحديبية عقب عقد الصلح بينه وبين قريش أقبل عليه نساء مسلمات، ممن كن مقيمات بمكة يرغبن في مفارقة أزواجهن المشركين، ويطلبن الهجرة إلى المدينة مع إخوانهن المسلمين، فأنزل الله على نبيه " آية الامتحان " تستثني النساء المسلمات من تلك الفقرة الغامضة التي تضمنها " صلح الحديبية " حتى لا يقع ردهن إلى أيدي المشركين، نظرا لحرمة الإسلام التي يتمتعن بها من جهة، ورقتهن وضعفهن من جهة أخرى، وتبين بذلك أن " شرط الرد إنما كان في الرجال لا في النساء " وأن الشيء الوحيد الذي يرد إلى الأزواج المشركين إنما هو صداق زوجاتهم المسلمات اللائي فارقنهم وأردن الهجرة مع رسول الله إلى " المدينة " وذلك حتى لا يقع عليهم خسران مزدوج: خسران الزوجة وخسران المال، كما طالب كتاب الله المشركين بنفس الشيء إذا جاءتهم امرأة من طرف المسلمين أن يردوا صداقها إلى زوجها المسلم، وذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾، أي: أن المسلمات من الآن فصاعدا أصبحن حراما على المشركين، كما أن المشركين أصبحوا حراما على المسلمات: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾، أي: ادفعوا إلى المشركين الذين كانوا أزواجا للمسلمات المهاجرات ما أنفقوا عليهن من الأصدقة، وينفذ لهم

стр. 2586

ذلك من " بيت المال "، ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، أي لا حرج عليكم في الزواج بأولئك المسلمات المهاجرات، المفارقات لأزواجهن المشركين إذا دفعتم لهن صداقا من عندكم وانقضت عدتهن: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾، أي: حرام عليكم أيها المسلمون أن تتزوجوا بالمشركات من الآن فصاعدا، كما أن استمرار زواجكم بالمشركات اللاتي سبق تزوجكم بهن أصبح حراما، وهذه دعوة صريحة إلى فراقهن: ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا﴾، أي: طالبوا المشركين بما أنفقتم من صداق على زوجاتكم إن ارتدت إحداهن وذهبت إليهم بمحض اختيارها، كما أن للمشركين أن يطالبوكم بما أنفقوا من صداق على زوجاتهم المسلمات اللاتي هاجرن مع المسلمين وهذه المطالبة تقوم على أساس المعاملة بالمثل: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾، أي: هو حكم الله يحكم به في " صلح الحديبية " فلا ردّ للمسلمات بعد الآن إلى أزواجهن المشركين، طبقا لحكم القرآن، قال ابن كثير: " فعلى هذه الرواية تكون الآية مخصصة للسنة، وهذا من أحسن الأمثلة لذلك ". ونبه القاضي أبو بكر (ابن العربي) المعافري إلى أن الوضع الخاص الذي عالجه " صلح الحديبية " للتبادل بين المشركين والمسلمين على الأساس الذي قررته هذه الآية، إنما كان " مخصوصا بذلك الزمان، وفي تلك النازلة خاصة بإجماع الأمة " ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.

стр. 2587

أما الطريقة التي كان يتم بها امتحان المؤمنات المهاجرات اللاتي يفارقن أزواجهن من المشركين، رغبة في الهجرة مع المسلمين، فهي فيما وصفه قتادة: " أن يستحلفن بالله ما أخرجهن النشوز، وما أخرجهن إلا حب الإسلام وأهله، وحرص عليه "، فإذا قلنَ ذلك قبل منهن، وفيما وصفه عكرمة يقال لها: " ما جاء بك إلا حب الله ورسوله، وما جاء بك عشق رجل منا، ولا فرار من زوجك "، فإذا قالت ذلك قبل منها. وفيما وصفه مجاهد: " أن يسألن عما جاء بهن، فإن كان بهن غضب على أزواجهن، أو سخطة، أو غيرة، ولم يؤمن أرجعن إلى أزواجهن ". وتحدث كتاب الله عن حالة ما إذا لم يكن بين المسلمين والمشركين أي عهد خاص، وذهبت امرأة من طرف المسلمين إلى المشركين، ورفض المشرك الذي تزوجها أن يرد إلى زوجها المسلم السابق ما كان قد دفعه زوجها المسلم من صداق، فها هنا يقوم المسلمون أنفسهم بتعويض أخيهم المسلم عن المهر الذي كان قد دفعه لها، وذلك إما من الفيء، أو من الغنيمة، أو مما فضل بأيدي المسلمين من مهور أزواج المشركين، وإلى الحكم بتعويض المسلمين لأخيهم المسلم عن مهر زوجته التي ذهبت إلى الكفار يشير قوله تعالى مخاطبا للمؤمنين: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ﴾، أي: من المؤمنين، ﴿مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾، أي: مثل ما أنفقوه على أزواجهم من قبل، قال الزهري في بيان سبب نزول هذه الآية: " إن المؤمنين أقروا بحكم الله، فأدوا ما أمروا به من

стр. 2588

نفقات المشركين التي أنفقوا على نسائهم، لكن المشركين أبوا أن يقروا بحكم الله فيما فرض عليهم من أداء نفقات المسلمين، فقال الله تعالى للمؤمنين به: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ الآية، وعقب كتاب الله على هذه الأحكام بما يفيد وجوب تطبيقها والعمل بها في الظروف الخاصة التي شرعت فيها، فقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ قال ابن عطية: " هذه الآية كلها قد ارتفع حكمها "، وكلمة ﴿فعاقبتم﴾ في هذه الآية هي من قولهم: " عاقب الرجل صاحبه في كذا " أي: جاء فعل كل واحد منهما يعقب فعل الآخر. وبمناسبة الحديث عن حرص المسلمات على مفارقة دار الشرك والالتحاق برسول الله ﷺ في " دار الهجرة " وما نص عليه كتاب الله من امتحانهن لمعرفة الأسباب الحقيقية التي دفعتهن إلى القيام بالهجرة جاء كتاب الله بآية " المبايعة " التي تحدد شروطها، فكان رسول الله ﷺ يمتحن بهذه الآية من هاجر إليه من المؤمنات، قالت عائشة ﵂ فيما رواه البخاري: " فمن أقر بهذا الشرط من المؤمنات قال لها رسول الله ﷺ : " قد بايعتك كلاما، ولا والله ما مست يده يد امرأة في المبايعة قط، ما يبايعهن إلا بقوله: قد بايعتك على ذلك "، وهذا لفظ البخاري في الصحيح. وإلى هذه المبايعة وشروطها يشير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ

стр. 2589

لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾، يعني من جاءك منهن يبايع على هذه الشروط فبايعها على أن لا يشركن بالله شيئا الآية. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَسْرِقْنَ﴾، أي: لا يسرقن أموال الغير، وللزوجة إذا كان زوجها مقصرا في نفقتها أن تأكل من ماله بالمعروف، في حدود ما جرت به العادة بالنسبة لأمثالها، وإن كان ذلك من غير علمه، عملا بقوله ﷺ لهند بنت عتبة التي اشتكت إليه شح زوجها وتقصيره في نفقتها: " خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك "، أخرجه البخاري ومسلم في صحيحهما. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾، أي: لا يقتلن الأولاد بعد ولادتهم كما كان يفعل بعض أهل " الجاهلية " وكذلك الأمر بالنسبة للجنين، فلا يسوغ لهن التسبب في قتله بالإجهاض ونحوه. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾، أي: لا يلحقن بأزواجهن، ولا ينسبن إليهم أولادا غير أولادهم. روى أبو داود في سننه عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: " أيّما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم فليست من الله في شيء، ولن يدخلها الله الجنة، وأيّما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله منه، وفضحه على رءوس الأولين والآخرين ".

стр. 2590

وقوله تعالى في ختام شروط البيعة: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾، أي: لا يعصينك فيما أمرتهن به من معروف ونهيتهن عنه من منكر. قال ميمون بن مهران: " لم يجعل الله طاعته لنبيه إلا بالمعروف، والمعروف طاعة ". ومن المناسب أن نقف وقفة خاصة عند هذا الشرط الذي يعتبر أحد قواعد الدستور الإسلامي الخالد، فهو يستلزم بالأصالة طاعة الرعية لإمامها، ويستلزم بالتّبع استجابة الإمام لرغبة رعيته فيما يأتمران به معا، من معروف يتفق مع أحكام الشريعة وأصول الملة وشعائر الدين، فالإمام المسلم والأمة الإسلامية إنما ينظمان علاقاتهما بمقتضى شريعة الله، إذ لا حكم عليهما لسواه، ومصدر السلطات بالنسبة للمسلمين هو شرع الله الذي جاء به الرسول، وإمام المسلمين نائب عنهم في حراسته والحفاظ عليه، فإذا عرض لهم أمر لا نص عليه فيما جاء به الرسول استنبطوا له حكما شرعيا يوافق ما جاء به. وفي مثل هذا السياق يستدل كثير من الناس بقوله تعالى في سورة " الحشر " من الربع الثاني في هذا الحزب: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، فيحملون هذه الآية على معنى أنه مهما أمركم الرسول بأمر فافعلوه، ومهما نهاكم عن أمر فاجتنبوه، كما فسرها ابن كثير، اعتمادا على تأويل عبد الله بن مسعود، بينما هذه الآية وردت بالأصالة في موضوع توزيع " الفيء " الذي أفاءه الله على المسلمين بعد جلاء بني النضير، وما حصل من التأثر عند بعض الأنصار، بعدما وزع

стр. 2591

رسول الله ﷺ الفيء على فقراء المهاجرين، فعاتب الله من تأثر منهم من ذلك التوزيع، وأمرهم بقبول أي نصيب يعطيه لهم الرسول من الفيء إن أعطاهم، وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه﴾، أي: خذوا ما أعطاكم، كما أمرهم بعدم مطالبته بالفيء إن لم يعطهم شيئا، وهذا هو معنى: ﴿وما نهاكم عنه فانتهوا﴾، إذ " الإمام " مفوض في توزيع الفيء تمام التفويض، وذلك قطعا لكل نزاع في هذا الشأن، وإلى مثل هذا المعنى ومثل هذا الموقف أشار قوله تعالى في سورة " التوبة " (٥٨): ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾. ومن هنا ننتقل إلى سورة " الصف " المدنية، وإنما أطلق عليها هذا الاسم، أخذا من قوله تعالى فيها: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾، وهذه السورة تبتدئ بتسبيح الله وتنزيهه، على لسان العالم العلوي والعالم السفلي: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، ثم يتجه الخطاب فيها إلى فريق من المؤمنين يعدون ولا يفون بوعدهم، ويقولون ولا يلتزمون بقولهم، فينكر عليهم كتاب الله هذا الموقف المتناقض: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. وبينت الآيات الكريمة، للذين كانوا يتمنون الجهاد في سبيل الله قبل أن

стр. 2592

يفرض عليهم، أن الوقت قد حان لتحقيق أمنيتهم، فما عليهم إلا أن يبادروا للتضحية والفداء: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾. وأشار كتاب الله إلى موسى وعيسى ﵉، ووقوف قومهما منهما موقف الزيغ والعناد: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾، وسجل كتاب الله بشارة عيسى لبني إسرائيل برسول يأتي من بعده، وبكون هذا الرسول سيحمل اسم " أحمد " وهو خاتم الأنبياء والمرسلين، ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾، كما تحدثت الآيات الكريمة عن الهدى ودين الحق المرسل بهما إلى العالمين. ووجه كتاب الله الدعوة إلى المؤمنين ليكونوا أنصارا لله كما كان الحواريون أنصارا لله، وأمرهم بالجهاد في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، ووعدهم على ذلك بالفوز العظيم، وبنصر من الله وفتح قريب: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وخُتِم هذا الربع بوعد من الله لا يتخلف، عما سيؤول إليه أمر الإسلام والمسلمين من ظهور وانتشار، في مختلف القارات والأقطار، ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾.

стр. 2593

الربع الأول من الحزب السادس والخمسين في المصحف الكريم (ق) ــ ٦٢ - سورة الجمعة مدنية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤) مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥) قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦) وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٧) قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى

стр. 2594

عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠) وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١) ٦٣ - سورة المنافقون مدنية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٣) وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٤) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٥)

стр. 2595

سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٦) هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (٧) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨)
следующие страницы →