← Тафсир

Тафсир · id 115129

التيسير في أحاديث التفسير

محمد المكي الناصري

Полный текст (2 848 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

رسول الله ﷺ الفيء على فقراء المهاجرين، فعاتب الله من تأثر منهم من ذلك التوزيع، وأمرهم بقبول أي نصيب يعطيه لهم الرسول من الفيء إن أعطاهم، وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه﴾، أي: خذوا ما أعطاكم، كما أمرهم بعدم مطالبته بالفيء إن لم يعطهم شيئا، وهذا هو معنى: ﴿وما نهاكم عنه فانتهوا﴾، إذ " الإمام " مفوض في توزيع الفيء تمام التفويض، وذلك قطعا لكل نزاع في هذا الشأن، وإلى مثل هذا المعنى ومثل هذا الموقف أشار قوله تعالى في سورة " التوبة " (٥٨): ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾. ومن هنا ننتقل إلى سورة " الصف " المدنية، وإنما أطلق عليها هذا الاسم، أخذا من قوله تعالى فيها: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾، وهذه السورة تبتدئ بتسبيح الله وتنزيهه، على لسان العالم العلوي والعالم السفلي: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، ثم يتجه الخطاب فيها إلى فريق من المؤمنين يعدون ولا يفون بوعدهم، ويقولون ولا يلتزمون بقولهم، فينكر عليهم كتاب الله هذا الموقف المتناقض: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. وبينت الآيات الكريمة، للذين كانوا يتمنون الجهاد في سبيل الله قبل أن

стр. 2592

يفرض عليهم، أن الوقت قد حان لتحقيق أمنيتهم، فما عليهم إلا أن يبادروا للتضحية والفداء: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾. وأشار كتاب الله إلى موسى وعيسى ﵉، ووقوف قومهما منهما موقف الزيغ والعناد: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾، وسجل كتاب الله بشارة عيسى لبني إسرائيل برسول يأتي من بعده، وبكون هذا الرسول سيحمل اسم " أحمد " وهو خاتم الأنبياء والمرسلين، ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾، كما تحدثت الآيات الكريمة عن الهدى ودين الحق المرسل بهما إلى العالمين. ووجه كتاب الله الدعوة إلى المؤمنين ليكونوا أنصارا لله كما كان الحواريون أنصارا لله، وأمرهم بالجهاد في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، ووعدهم على ذلك بالفوز العظيم، وبنصر من الله وفتح قريب: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وخُتِم هذا الربع بوعد من الله لا يتخلف، عما سيؤول إليه أمر الإسلام والمسلمين من ظهور وانتشار، في مختلف القارات والأقطار، ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾.

стр. 2593

الربع الأول من الحزب السادس والخمسين في المصحف الكريم (ق) ــ ٦٢ - سورة الجمعة مدنية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤) مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥) قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦) وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٧) قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى

стр. 2594

عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠) وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١) ٦٣ - سورة المنافقون مدنية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٣) وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٤) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٥)

стр. 2595

سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٦) هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (٧) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨)

стр. 2596

الربع الأول من الحزب السادس والخمسين في المصحف الكريم (ت) عباد الله موضوع حديث اليوم تفسير الربع الأول من الحزب السادس والخمسين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى في فاتحة سورة "الجمعة" المدنية: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾، إلى قوله جل علاه في سورة "المنافقين" المدنية أيضا: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. ــ وفاتحة هذا الربع التي هي بداية " سورة الجمعة " تنطق بحقيقة كونية رائعة، ألا وهي اعتراف جميع المخلوقات ناطقها وجامدها، علويها وسفليها، بألوهية الحق وربوبيته، وبعبوديتها له، وافتقارها إليه، إذ هو سبحانه " مالك " أمرها، والمتصرف فيها على الحقيقة في كل حين، وهو سبحانه المتصف بجميع صفات الكمال، " والمقدس " عن النقائص والمنزه عنها على اختلاف أنواعها، وهو سبحانه " العزيز " الذي يخضع له، ويضطر إلى طرق بابه، والتمرغ على أعتابه، أشد الخلق

стр. 2597

سطوة، وأكثرهم قوة، فضلا عن الضعفاء والمستضعفين، وهو سبحانه " الحكيم " في جميع تصرفاته الكونية، وكافة أحكامه الشرعية، وإلى ذلك يشير قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾. ثم تحدث كتاب الله ممتنا على المسلمين الأولين، الذين اختارهم الله لتلقي رسالة الإسلام ونقلها إلى العالمين، فبعد ما كانوا محرومين من نور الله، يعيشون في صحرائهم منعزلين على هامش الحياة، وبعدما ظلوا فترة طويلة " أمّيّين " محرومين من الوحي والرسالة، أكرمهم الله برسالة سيدنا محمد ﵇، وأنزل الله عليه " الذكر الحكيم " ليكون دستور الإنسانية وقانونها العام، وبين الحق سبحانه أن كتاب الله إنما أنزله ليؤدي مهمتين اثنين في وقت واحد، فهو من جهة: كتاب يعلم الإنسانية ما لم تكن تعلم، إذ ينقذها من الجهل والضلال، ومن جهة أخرى: يزكّي الإنسانية، إذ يهذب أخلاقها ويطهرها من تقاليد الجهالة والفساد، وبذلك كانت مهمة القرآن الكريم مهمة مزدوجة: مهمة تعليمية تثقيفية، ومهمة أخلاقية تربوية، وبفضله تكونت المدرسة الإسلامية المثالية، الجامعة بين تثقيف الفكر وتهذيب النفس، على أساس من التناسق والتكامل والانسجام، وذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. ولا بد من لفت النظر إلى حكمة يتضمنها قوله تعالى هنا:

стр. 2598

﴿وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ﴾، فقد جاء اللفظ الدال على التزكية " ويزكيهم " مقدما، بينما اللفظ الدال على التعليم " ويعلمهم " جاء مؤخرا، والسر في ذلك -والله أعلم- أن الإسلام يهتم بتربية النفس وتهذيب الأخلاق في الدرجة الأولى، ويهتم بتثقيف العقل وتوسيع معلوماته في الدرجة الثانية، بحيث إذا خيّر الإنسان بين علم واسع مع خلق فاسد، وعلم محدود مع خلق فاضل، كانت الأولوية لمكارم الأخلاق ولو مع قليل من العلم، لا لكثرة العلم مع فساد الأخلاق، إذْ فساد الأخلاق يضيع ثمرة العلم، ويجعل صاحبه أخطر من الجاهل بالمرة. وقوله تعالى هنا: ﴿الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾، إشارة إلى ما أكرم الله به هذه الأمة، فقد آتاها (الكتاب)، وبالكتاب أخرجها من " الأمية "، كما آتاها (الحكمة)، وبالحكمة أخرجها من " الجاهلية ". وقوله تعالى: ﴿رَسُولًا مِنْهُمْ﴾، امتنان خاص على العرب، فبفضل رسول الله وخاتم رسله أصبحت الأمة العربية ذات مكانة خاصة بين الأمم، وبفضل الإسلام الذي كان العرب أول من حمل لواءه قام العرب بدور بارز في تاريخ الإنسانية يغبطهم عليه أكثر الأمم، وبفضل القرآن الكريم الذي نزل " بلسان عربي مبين " أصبحت اللغة العربية لغة الدين والعلم والحضارة في دنيا الإسلام الواسعة. ثم أشار كتاب الله إلى الأجيال الإسلامية القادمة بعد الجيل الإسلامي الأول من عرب وعجم، ومن كافة الأمم، وهي

стр. 2599

الأجيال التي ستتلقى شعلة الإسلام من أيدي العرب، لتنير أرجاء العالم عبر القرون، فقال تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾. قال مجاهد: " هم الأعاجم وكل من صدق النبي ﷺ من غير العرب ". وأشار ابن كثير إلى الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي في شأن نزول سورة " الجمعة " على رسول الله، وفيها هذه الآية، ودليل على عموم بعثته ﷺ إلى جميع الناس، ولهذا كتب كتبه إلى فارس والروم وغيرهم من الأمم يدعوهم إلى الله ، وإلى إتباع ما جاء به ". وعقّب كتاب الله على هذا الموضوع كله بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾، فهو سبحانه ذو " العزة " التي لا تضام، و " الحكمة " التي لا ترام، وهو المتفضل على خلقه، يمنح فضله لمن يشاء، فنبوة سيدنا محمد ﷺ ، من فضل الله عليه، واختيار المسلمين الأولين لحمل الرسالة وتبليغها إلى غيرهم من الأمم، من فضل الله عليهم، وتقدير الله في أزله هداية الأجيال القادمة من مختلف الشعوب، ودخولها في الدين الحنيف، من فضل الله عليها، ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. وضرب كتاب الله المثل للمسلمين بما وقع لبني إسرائيل، حيث أنزل الله التوراة على نبيهم موسى ﵇، وبدلا من أن يحافظوا عليها، ويعملوا بمقتضاها، ويتفادوا تحريفها، ضيعوا

стр. 2600

أمانتها، ولم يحملوها على الوجه المطلوب، بل حرفوها وأولوها طبقا للهوى المتبع والرأي المرغوب، وكتاب الله بذكره للتوراة وما أصابها من الإهمال، وإشارته إلى العوامل التي قضت على كثير من أحكامها بالإبطال، يريد أن يحذر المسلمين من الوقوع في نفس الغلط وارتكاب نفس الهفوة، بالنسبة للقرآن الكريم، ويريد أن يحضهم على التمسك بكتاب الله وشريعته قولا وفعلا، وعلى حمل أمانته باستمرار، وحفظه والمحافظة عليه جيلا بعد جيل، وذلك قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. ومن هنا اتجه الخطاب الإلهي إلى رسول الله ﵊، يلقنه ما ينبغي أن يرد به على بعض دعاوى اليهود، فقد كانوا يفخرون على غيرهم بأن الله يخصهم بالحب والموالاة دون بقية الناس، وهذه الدعوى تقتضي أن يحرصوا على مفارقة الحياة الدنيا بسرعة، وأن يحبوا الموت العاجل، رغبة في لقاء الله، حتى يتمتعوا في الآخرة برضوان الله، لكنهم على العكس من ذلك يفرون من الموت، ويكرهون لقاءها والتعرض لها، بسبب ما قدمته أيديهم من السيئات، وهم " أحرص الناس على حياة "، وإلى هذا المعنى يشير قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ

стр. 2601

الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. وانتقل كتاب الله إلى تقعيد قاعدة أساسية من قواعد الإسلام، وتأصيل أصل عظيم من أصول الدين، ذلك أن الدين الإسلامي دين توازن وتوسط واعتدال، لا يرجح جانب الروح على حساب المادة، ولا جانب المادة على حساب الروح، بل يعطي لكلا الجانبين حقهما المشروع، ويحض المؤمن على أن يعمل لينال في الدنيا حسنة، ويعمل لينال في الآخرة حسنة. وهذا المعنى واضح كل الوضوح فيما دعا إليه كتاب الله من إيقاف البيع عند النداء لصلاة الجمعة، والسعي إلى ذكر الله مع جمهرة المؤمنين المصلين، ثم ما دعا إليه من الانتشار في الأرض، وابتغاء فضل الله عند الانتهاء من صلاة الجمعة، وبذلك جمع كتاب الله بين مصلحة المؤمن المادية وحاجته الروحية، دون إجحاف بأي واحد منهما، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، ولذكر " الجمعة " وصلاتها في هذه الآية سميت السورة " سورة الجمعة "، والمراد بقوله تعالى هنا: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾: أي تأهبوا لصلاة الجمعة واهتموا بالسير إلى حيث تقام، قال ابن كثير: " وليس المراد بالسعي هنا المشي السريع، وإنما هو الاهتمام بها كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ (الإسراء: ١٦)، فأما المشي السريع إلى

стр. 2602

الصلاة فقد نهي عنه، لما أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﵇ أنه قال: " إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتمّوا ". وبهذه المناسبة عاتب الله فريقا من المؤمنين كانت لهم علاقات تجارية مع قافلة لدحية بن خليفة وصلت المدينة، والرسول ﷺ يخطب على المنبر، واستعملت الطبول لإعلام زبنائها، فتركوا رسول الله قائما يخطب على المنبر، وذهبوا لقضاء مصالحهم خشية الفوت، وإلى ذلك يشير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾، أي: ترجوك قائما تخطب الناس، ﴿قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾. والآن وقد ختمنا بفضل الله سورة " الجمعة " المدنية ننتقل لتفسير سورة " المنافقين " المدنية أيضا، مستعينين بالله، وإنما أطلق عليها هذا الاسم، أخذا من آيتها الأولى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾. ففي مطلع هذه السورة يتحدث كتاب الله عن تصريحات المنافقين وأقوالهم المعسولة: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾، كما يتحدث عن الأيمان المغلظة والفاجرة التي يكثرون منها، تدعيما لأحاديثهم، وتأييدا لدعاويهم، وتغطية لمواقفهم، وعصمة لدمائهم وأموالهم، إذ إنهم يحسون من أعماق قلوبهم شك الناس فيهم وفي دعاويهم، فقد " كاد المريب

стр. 2603

أن يقول خذوني " كما يقول المثل العربي. ووصف كتاب الله ما يكون عليه المنافقون عادة من حسن الهندام وذلاقة اللسان، وما يكونون عليه أيضا من جبن وهلع، وخوف وفزع، إذ إنهم يخشون الفضيحة ويتوقعونها دائما: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾، ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾، ثم عقّب كتاب الله على ذلك بتحذير رسول الله والمؤمنين من طائفة " المنافقين " التي هي أخطر من الكفار والمشركين، فقال تعالى: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾. وبين كتاب الله ما عليه " المنافقون " من صلف وكبر، وما يقومون به من تثبيط العزائم، وبث روح الهزيمة في نفوس المؤمنين، حتى لا يبروا بإخوانهم الفقراء الملتفين من حول الرسول ﵇، وحتى يكفوا عن بذل أموالهم في سبيل الله، وإلى ذلك يشير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾. لكن الحق رد على المنافقين وسفه رأيهم، وعطل تدبيرهم، وأكد أن الوقع الذي يتوقعونه من دعاياتهم ودسائسهم لن يكون له أي تأثير، بالنسبة إلى خزائن الله الواسعة، التي لا هيمنة عليها، لا لهم ولا لغيرهم من الناس، ومادامت رسالة الإسلام ودعوته مؤيدة من عند الله، فالله تعالى قد تكفل بإمدادها على الدوام، وذلك قوله تعالى:

стр. 2604

﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. كما تكفل الحق سبحانه بإعزازها وإذلال خصومها، وذلك قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾.

стр. 2605

الربع الثاني من الحزب السادس والخمسين في المصحف الكريم (ق) ــ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩) وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١١) ٦٤ - سورة التغابن مدنية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣) يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ

стр. 2606

وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٤) أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٦) زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧) فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨) يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٠) مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٢) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا

стр. 2607

فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦) إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)

стр. 2608

الربع الثاني من الحزب السادس والخمسين في المصحف الكريم (ت) عباد الله في حديث هذا اليوم نعالج تفسير الربع الثاني من الحزب السادس والخمسين في المصحف الكريم، وبدايته قوله تعالى في سورة "المنافقين" المدنية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾، ونهايته قوله تعالى في ختام سورة "التغابن" المدنية أيضا: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. ــ في بداية هذا الربع تواجهنا آية كريمة تلفت نظر المؤمنين إلى أن خُطة الاعتدال والتوسط هي أرشد خطة يسلكها المؤمنون، بالنسبة لأداء الحقوق والواجبات، بحيث يؤدون حقوق الله كما يؤدون حقوق أنفسهم وحقوق أهلهم وحقوق عامة الناس دون إفراط ولا تفريط، وبناء على هذا الأساس لا ينبغي للمؤمنين أن تلهيهم أموالهم، أو يلهيهم أولادهم عن حقوق الله، فيهملوها ويضيعوها، بدعوى أن مشاغلهم المالية أو العائلية لا تترك لهم وقتا للتفكير في أداء هذه الحقوق، وإذا كان الإسلام يعتبر للإنسان على نفسه حقا، ولأهله وأولاده عليه حقا، ويشجعه على الوفاء بهذه

стр. 2609

الحقوق، بل يطالبه بها إن قصر فيها أو أهملها بالمرة، فإنه لا يسمح للمسلم أن يسلك مسلك " الإفراط " في العناية بحقوقه الشخصية والعائلية، ويسلك مسلك " التفريط " فيما لله عليه من حقوق، وإلى هذا المعنى يشير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾، فمصب النهي في هذه الآية وما شابهها ليس مجرد العناية بالأموال والأولاد، وإنما مصب النهي بنص الآية هو الانهماك في الاشتغال بشؤون الأموال والأولاد، إلى حد أن ينسى معه المسلم القيام بواجباته نحو الله، بحيث يستغرق استغراقا تاما في حظوظ نفسه وحظوظ عائلته، وفي ترضية شهواته المختلفة دون انقطاع، ويلهيه ماله وولده عن الله. وانتقل كتاب الله إلى حضّ المسلمين مرة أخرى على إنفاق أموالهم في سبيل الله، فقد كانت فريضة الجهاد التي فرضها الله عليهم - وهم بالمدينة- دفاعا عن حوزة الإسلام ودولته الأولى، فريضة كبرى تحتاج إلى مدد لا ينقطع، وتضحية مستمرة بالأموال والأنفس. وبين كتاب الله أن " خير البر عاجله " وأن الصدقة قبل " حلول الأجل " أضمن منها عند حلوله وأكثر ثوابا، إذ عند " حلول الأجل " لا يبقى أي مجال للانتظار ولا لتدارك ما فات، وذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ *

стр. 2610

وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. والآن فلننتقل إلى " سورة التغابن " المدنية أيضا، وقد سميت بهذا الاسم أخذا من قوله تعالى فيها: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾، وهي آخر السور المبدوءة بتسبيح الله، المعروفة " بالمسبحات " بين سور القرآن الكريم. وبعدما سجلت فاتحة هذه السورة توجّه جميع المخلوقات إلى ربها بالتنزيه والحمد: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، إن لم يكن منها كلها بلسان المقال، فبلسان الحال في كل الأحوال، انتقلت الآيات الكريمة إلى التعبير عن حقيقة طبيعية ونفسية ميز الله بها الإنسان من بين المخلوقات، ألا وهي تزويده بالاستعداد التام، للاتجاه نحو الخير إن أراده، والاتجاه نحو الشر إن رغب فيه، وجعله حرا في اختيار ما يشاء من الهدى أو الضلال، وهذا المعنى هو المراد بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾، أي أن من اختار الكفر منكم كفر، ومن اختار الإيمان منكم آمن، ومن حرية الاختيار التي زود الله بها الإنسان نشأت مسؤوليته عن عمله، وجزاؤه خيرا إن عمل خيرا، وشرا إن عمل شر. أما من ناحية الخلق والتكوين فقد خلق الله الإنسان متساويا مزودا بنفس الملكات اللازمة، ونفس الأجهزة الضرورية، وله بعد ذلك أن يختار، وعليه أن يتحمل مسؤولية اختياره في الدنيا وفي الآخرة، وقد جاء التعقيب المناسب على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾،

стр. 2611

أي: أنه سبحانه يحصي أعمالكم، ويراقب اختياراتكم، ثم يجازيكم عليها بما أنتم أهل له. وعاد كتاب الله إلى التذكير بقدرة الله، والتنويه بحكمته، المتجلية في خلق السماوات والأرض، وفي تصوير الإنسان على أحسن صورة، وفي ذلك تنبيه للإنسان - ولا سيما إذا كان منحرفا عن الحق- إلى أن يعود إلى الله، ودعوة له إلى أن يتدبر آياته في الآفاق والأنفس، إذ لا فضل عليه لأحد سواه، فهو الذي خلقه أحسن خلق، وصوّره أحسن صورة، وسخر له ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه، وهو الذي يستحق أن يُحمد ويُشكر ويُعبد ولا يُكفر، لا سيما وأن منه كان البدء، وإليه ستكون العودة، وذلك قوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾. وقوله تعالى هنا: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾، يشير بالأصالة إلى تكوين الخلقة الإنسانية وصنعها في حد ذاتها، وإلى هندستها الفريدة بين المخلوقات، وإلى ما ميزها الله به من أجهزة ووظائف وخصائص جعلت الإنسان عموما " سيد الأحياء " المتفوق عليها جميعا، ولو كان شكل بعض أفراده دميما وغير جميل، فجمال الخلقة الإنسانية وكمال التركيب الإنساني لا يختلفان، بالنسبة لغيره من الحيوانات غير الناطقة، وإن كانت أشخاص الإنسان تتفاوت بعضها عن بعض في نسبة الجمال والتناسب. ثم وضح كتاب الله أن علم الخالق سبحانه محيط بجميع

стр. 2612

خلقه، بحيث لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، فهو سبحانه مطلع على ظواهر الناس وبواطنهم دون أي فرق ولا استثناء، وبذلك لا يستطيع الإنسان - وإن أسرّ ما في نفسه، وأخفى ما في صدره- أن يتملّص من رقابة الله، أو أن يتخلص من عين الله التي تراه " فإن لم تكن تراه فإنه يراك "، فما على المؤمن إلا أن يحسب الحساب لرقابة الله عند كل خطوة يخطوها نحو الخير أو الشر، وأن يقدر نتائج عمله وعواقبه كل التقدير، وإلى هذا المعنى ينبه قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. وذكر كتاب الله مشركي قريش ومن لف لفهم بمصرع الأمم الغابرة التي تمردت على طاعة الله، وتنكرت لأنبيائه ورسله، واستكثرت على أفراد من البشر يعيشون بين ظهرانيها أن يختارهم الله لرسالته، بدلا من إرسال ملائكته، فأنفت من طاعتهم، واستكبرت عن إتباعهم، فعاقبها الله بالخبال والوبال، وقضى عليها بالخراب والدمار، وذلك قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ﴾ أي: استغنى عنهم، ﴿وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾. وكتاب الله عندما يذكر مشركي قريش بهذه الحقائق والوقائع يريد أن يبطل اعتراضهم على رسالة سيدنا محمد ﷺ ، فاعتراضهم هو من جنس اعتراض الأمم الغابرة التي أصبحت في خبر كان، ولو حققوا في الأمر لأدركوا أن الرسالة المحمدية

стр. 2613

وما سبقها من الرسالات إنما هي كرامة من الله للجنس البشري الذي استخلفه في الأرض، وحمله أمانة " التكليف "، وإذا كان الحق سبحانه قد أوجد الإنسان من العدم، ونفخ فيه روح الحياة الناطقة، التي ميزه بها على بقية الأحياء، فما المانع أن يختار من بين خلقه من يؤهلهم لاستقبال رسالته، وتلقيها من الملأ الأعلى، ثم حملها وتبليغها إلى كافة الناس: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (الأنعام: ١٢٤). وأثار كتاب الله من جديد قضية " البعث والنشأة الآخرة " ورد على مزاعم المشركين والكافرين، المنكرين لهذه الحقيقة الثابتة، مبينا أن " النشأة الآخرة " في منطق العقلاء هي أيسر وأقرب من " النشأة الأولى " لو كانوا يعقلون. قال ابن كثير: " أمر الله رسوله أن يقسم بربه على وقوع المعاد ووجوده في ثلاث آيات من كتاب الله: - الآية الأولى في سورة (يونس: ٥٣): ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾. - الآية الثانية في سورة (سبأ: ٣): ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾. - والآية الثالثة هنا في سورة التغابن: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾. وبعد قسم الرسول ﷺ بربه على توكيد أمر البعث ثلاث

стр. 2614

مرات في ثلاث سور لا يبقى محل لأي توكيد آخر ". ووجه كتاب الله خطابه إلى المؤمنين ليزدادوا إيمانا بالله ورسوله، وليستضيئوا بالنور الذي نزل معه، وهو " نور القرآن "، فهو في حقيقته نور منبثق من نور الله: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (النور: ٣٥)، وهو في آثاره الظاهرة والباطنة نور لا يعادله أي نور، فبه تشرق القلوب، وتنشرح الصدور، وبه يخرج الناس من الظلمات إلى النور، وذلك قوله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾، ويتصل بهذا المعنى قوله تعالى في هذا الربع وفي هذه السورة أيضا: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. وانتقلت الآيات الكريمة للحديث عن يوم القيامة، وما يناله فيه المؤمنون " المصدقون "، والكافرون " المكذبون " وبين كتاب الله أن " يوم الجمع " هو " يوم التغابن " وسمي يوم القيامة " يوم الجمع " لأنه سيجمع فيه الأولون والآخرون في صعيد واحد، من جميع الأجيال ومن جميع الخلائق. بما فيهم ملائكة الرحمن، وسمي يوم القيامة أيضا " يوم التغابن " نظرا لأنه يفوز فيه فريق بدخول دار النعيم، ويخسر فيه فريق بدخول دار الجحيم، فالخاسر " مغبون " بالنسبة للفائز، ولا أمل له في الرجوع " بالغبن " أبدا. وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾. وكما ابتدأت الآيات في هذا الربع بحض المؤمنين على

стр. 2615

عدم الاستغراق في الشؤون الشخصية والعائلية، إلى حد أن تضيع معه حقوق الله، التي لا يسوغ التفريط فيها، إذ قال تعالى فيما سبق: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾، عادت الآيات الكريمة إلى الحديث في آخر هذا الربع عن نفس الموضوع، فبينت أن تكاليف الزوجات والأولاد، ورغباتهم وشهواتهم، قد تعرض الزوج والوالد إلى التفريط في حقوق الله، أو تدفعه إلى الاعتداء على حقوق الناس، وذلك حرصا منه على تلبية رغبات عائلته وخدمة مصالحها، وبذلك تنقلب الزوجة " عدوا " لزوجها، وينقلب الأولاد " أعداء " لوالدهم، إذ يورطونه فيما لا تحمد عقباه، مع الناس ومع الله، ويوقعونه في مآزق لا مخرج له منها إن لم يصحبه لطف الله، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾، وهذا تنبيه من الله للزوجات والأولاد، حتى لا يكثروا من الضغط على الأزواج والوالدين، إذ ربما دفعهم ذلك الضغط إلى ارتكاب ما لا يرضى عنه الخلق والدين، ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (الأعراف: ١٢٨).

стр. 2616

الربع الثالث من الحزب السادس والخمسين في المصحف الكريم (ق) ــ ٦٥ - سورة الطلاق مدنية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١) فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣) وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ

стр. 2617

أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (٤) ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (٥) أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (٦) لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا (٨) فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا (٩) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا (١١) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)

стр. 2618

الربع الثالث من الحزب السادس والخمسين في المصحف الكريم (ت) عباد الله موضوع حديث اليوم تفسير الربع الثالث من الحزب السادس والخمسين في المصحف الكريم، وهذا الربع يستغرق بتمامه سورة "الطلاق" المدنية من بدايتها، وهي قوله تعالى: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾، إلى نهايتها، وهي قوله تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾. ــ أكثر ما يدور عليه الحديث في هذا الربع من كتاب الله المحتوي على سورة " الطلاق " المدنية هو بيان أحكام الله في الطلاق وتوابعه، اهتماما بشؤون الأسرة الإسلامية، وحرصا على ضمان حقوق أعضائها في مختلف الظروف، وقد وجه الخطاب في أول هذه السورة إلى النبي ﷺ بصفته المسلم الأول والرئيس الأعلى للأمة الإسلامية جمعاء. فقال تعالى في بداية الخطاب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾، ثم وجه الخطاب بعده مباشرة إلى أمته: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ الآية، والشأن في خطاب الله

стр. 2619

الموجه إلى رسوله أن يكون شاملا له ولأمته، كما يكون خطاب الله الموجه إلى الأمة شاملا لها وللرسول، إلا فيما اختص به الرسول ﵇ من " الخصائص ". وقوله تعالى هنا: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾، أمر من الله للزوج المسلم إذا اضطر إلى طلاق زوجته بأن لا يطلقها وهي حائض، وإنما يطلقها بعد أن تطهر من الحيض، وتكون في طهر لم يباشرها فيه بالمرة. روي عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾، أنه قال: " لا يطلقها وهي حائض، ولا في طهر قد جامعها فيه، لكن يتركها، حتى إذا حاضت وطهرت طلقها تطليقة "، أي: واحدة، وقال عكرمة: " لا يطلقها وقد طاف عليها، ولا يدري حبلى هي أم لا ". قال ابن كثير: " ومن هنا أخذ الفقهاء أحكام الطلاق، وقسموه إلى طلاق " سنة " وطلاق " بدعة ". " فطلاق السنة " أن يطلقها طاهرة من غير جماع، أو يطلقها حاملا قد استبان حملها، و " البدعي " هو أن يطلقها في حال الحيض، أو في طهر قد جامعها فيه، ولا يدري أحملت أم لا. وطلاق ثالث لا سنة فيه ولا بدعة، وهو طلاق الصغيرة، والآيسة، وغير المدخول بها ". وقوله تعالى: ﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾، أمر بإحصاء أيام " العدة " لمعرفة بدايتها ونهايتها، حتى لا يقع الغلط بالزيادة، فتطول مدتها على المرأة، ويتأخر زواجها من الغير، أو بالنقص فتقصر مدة

стр. 2620

العدة، وتتزوج المرأة قبل انتهاء أمد العدة المحدود. وتوكيدا لامتثال هذا الأمر والتدقيق في تنفيذه عقب عليه كتاب الله بقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ﴾، أي: التزموا تقوى الله في هذا المجال، ولا تعرضوا أوامره للإهمال أو للإبطال. وقوله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾، يقتضي أنه إذا طلق الرجل زوجته فليس له الحق في أن يخرجها من بيته ما دامت في عدتها، إذ هي " معتدة " منه بالخصوص، وبذلك كان لها على الزوج المطلق حق السكنى، واختيار القرآن الكريم لاستعمال لفظ " بيوتهن "، بدلا من استعمال لفظ " بيوتكم " تأكيد للنهي عن إخراجهن، وإشارة إلى أن حق الزوجة في السكنى لا يزال قائما بحكم " الاستصحاب " وما دامت المرأة معتدة فإنها تعتبر كأنها في بيتها، وكما أنه لا يجوز للزوج إخراجها من البيت، فإنها لا يجوز لها أيضا الخروج منه، صيانة لحق الزوج أيضا، روي أن رسول الله ﷺ قال: " إنما السكنى والنفقة للمرأة إذا كان لزوجها عليها رجعة " الحديث. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾، يقتضي أن المرأة لا تخرج من بيتها إلا إذا ارتكبت فاحشة مبينة، و " الفاحشة المبينة " تشمل الزنا كما قاله ابن مسعود وابن عباس، ومن وافقهما، وتشمل ما إذا نشزت المرأة، أو بذت على أهل الرجل وآذتهم في الكلام والفعال، كما قاله أبي بن كعب وعكرمة، ومن وافقهما، وحملها ابن عمر على " خروج المرأة من البيت بغير حق ".

стр. 2621

وقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾، يقتضي وجوب احترام المسلمين لشرائع الله كما شرعها، وعدم انتهاككم لحرماته كما يقتضي تحذيرهم من الخروج عنها، وترك الائتمار بها، لأن في الخروج عنها وعدم احترامها إضرارا من الإنسان بنفسه قبل غيره، فمن أهمل جزءا من الشرائع ولو قل، احتاج إليه ولم يجده، وصدق عليه المثل العربي: " على نفسها جنت براقش ". وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾، إشارة إلى الحكمة التي توخاها الشارع في إبقاء المرأة المطلقة خلال مدة العدة ساكنة في منزل الزوجية، وحيث " أن أبغض الحلال إلى الله الطلاق "، كما قال ﷺ فقد شرع الله العدة عقب وقوع الطلاق، وألزم الزوج بإبقاء زوجته المطلقة في بيتها خلال مدة العدة، عسى أن يندم الزوج على طلاق زوجته، ويلقي الله في روعه الرغبة في ارتجاعها، فيكون أمر ارتجاعها أيسر وأسهل، وهذا هو المراد بقوله تعالى: ﴿أَمْرًا﴾ في الآية، وهو دليل واضح على كراهة الإسلام للطلاق وعدم تشجيعه عليه، وتهيئته الجو الصالح للندم، والعودة إلى الحياة الزوجية العادية، روي عن فاطمة بنت قيس في تفسير قوله تعالى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾، قالت: " هي الرجعة "، وكذا قال قتادة وعطاء والثوري والشعبي ومن وافقهم. وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾، يقتضي أنه إذا " قاربت " المرأة المطلقة وقت

стр. 2622

انقضاء عدتها، وعزم الزوج على ارتجاعها وإعادتها إلى عصمته، فله الحق في إمساكها بالرجعة، والاستمرار بها على ما كانت عليه عنده، لكن مع الإحسان إليها في عشرتها وصحبتها بالمعروف، كما أنه إذا أصر على مفارقتها، ولم يلحقه أي ندم ولا تراجع خلال فترة العدة فله ذلك، لكن يجب عليه أن يفارقها بالمعروف وعلى وجه جميل، دون مقابحة ولا مشاتمة ولا تعنيف ولا ضرار. وقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، أمر من الله بالإشهاد على الرجعة إذا عزم الزوج على ارتجاع زوجته المطلقة، وكان عطاء يقول: " لا يجوز في نكاح ولا طلاق ولا رجاع إلا شاهدا عدل كما قال الله ، إلا أن يكون من عذر "، وسئل عمران بن حصين عن الرجل يطلق المرأة ثم يقع بها، ولا يشهد على طلاقها ولا على رجعتها فقال للسائل ولعله هو نفس الرجل: " طلقت لغير سنة، وراجعت لغير سنة، أشهد على طلاقها وعلى رجعتها، ولا تعد ". وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، حض للمؤمنين على احترام ما أمر الله به من الإمساك بالمعروف، والفراق بالمعروف، والإشهاد على الرجعة بعد الطلاق، مثل الإشهاد على النكاح حين العقد. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾، حمله عكرمة على أن المراد به " من طلق كما أمره الله "، أي: التزم في فراقه لزوجته عند اضطراره لفراقها

стр. 2623

مقتضيات الإحسان والمروءة والمعروف، " يجعل الله له مخرجا "، وبهذا التفسير جعل عكرمة هذه الآية مرتبطة بنفس الموضوع. ونفس هذا الرأي روي عن ابن عباس والضحاك. وقال السدي: " معنى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾، أي: من يطلق للسنة، ويراجع للسنة، يجعل الله له مخرجا " يريد بذلك من اتبع السنة في طلاقه وفي رجعته، ولم يحد عنها مطلقا. وحمل ابن مسعود هذه الآية على معنى أوسع وأعم فقال: " أن أكبر آية في القرآن فرجا، هي: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾، يقتضي أن المرأة إذا يئست من الحيض لكبرها وانقطاع الحيض عنها فإن عدتها إذا طلقها زوجها تنحصر في ثلاثة أشهر، وذلك بدلا من " الثلاثة قروء " المقررة في حق المرأة التي تحيض، حسبما سبق في سورة البقرة (٢٢٨)، كما أن المرأة الصغيرة التي لم تبلغ سن الحيض إذا كانت متزوجة وفارقها زوجها فإن عدتها تنحصر في ثلاثة أشهر أيضا مثل عدة الكبيرة الآيسة سواء بسواء. وقوله تعالى هنا: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾، معناه إن ارتبتم في حكم عدتهن ولم تعرفوه فهو ثلاثة أشهر، وهذا التفسير مروي عن سعيد بن جبير. قال ابن كثير: " وهو اختيار ابن جرير الطبري، وهو أظهر في المعنى ". وقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ

стр. 2624

حَمْلَهُنَّ﴾، يقتضي أن المرأة المطلقة إذا كانت حاملا فعدتها تنتهي بمجرد وضع حملها، فالعبرة بوضع الحمل لا غير. قال ابن كثير: " وهذا هو قول جمهور العلماء من السلف والخلف، كما هو نص هذه الآية الكريمة، وكما وردت به السنة النبوية ". وقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾، هذا أمر من الله للأزواج بإسكان الزوجة المطلقة إلى أن تنقضي عدتها، ومعنى ﴿مِنْ وُجْدِكُمْ﴾، أي: من سعتكم. قال قتادة: " إن لم تجد إلا جنب بيتك فأسكنها فيه ". وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾، يقتضي منع الرجل من الضغط على المرأة، بغية أن تفتدي منه بمالها، أو بغية أن يخرجها من مسكنها. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، حمله البعض على المطلقة " طلاقا بائنا " إذا كانت حاملا، فإن الرجل يطالب بالإنفاق عليها حتى تضع حملها، وإلى هذا التفسير ذهب ابن عباس وطائفة من السلف والخلف. وحمله البعض على المطلقة " طلاقا رجعيا " باعتبار أن السياق كله في الرجعيات. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، يقتضي أنه إذا وضعت المرأة المطلقة حملها فقد بانت بانقضاء عدتها، ولها حينئذ أن ترضع الولد، ولها أن تمتنع عن رضاعه، لكن بعد أن تغذيه " بباكورة اللبن " الذي لا قوام للمولود غالبا إلا

стр. 2625

به، فإن عاقدت أباه أو وليه كان لها من الأجرة على رضاعه ما اتفقا عليه، وإن لم تعاقد على ذلك استحقت أجرة مثلها. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾، يقتضي أنه إذا اختلف الرجل والمرأة في أجرة الرضاع فله أن يسترضع لولده غير أمه، لكن إذا رضيت الأم بما يستأجر به غيرها كانت أحق بولدها. وقوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾، أي لينفق والد المولود أو وليه على الولد، بحسب استطاعته وقدرته. وخُتمت سورة " الطلاق " بالإشارة إلى عاقبة المكذبين، ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا * فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا﴾، وبدعوة المؤمنين إلى تقوى الله والعمل الصالح، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ وبوصف ما ينتظر الفريق الأول من العقاب، ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾، وما ينتظر الفريق الثاني من الثواب، ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾، وبتذكير المؤمنين بقدرة الله الواسعة وعلمه المحيط بكل شيء، ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾.

стр. 2626

الربع الأخير من الحزب السادس والخمسين في المصحف الكريم (ق) ــ ٦٦ - سورة التحريم مدنية يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢) وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣) إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (٤) عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا (٥) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ

стр. 2627

شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٨) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٩) ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١١) وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (١٢)

стр. 2628

الربع الأخير من الحزب السادس والخمسين في المصحف الكريم (ت) عباد الله في حديث هذا اليوم نتناول تفسير الربع الأخير من الحزب السادس والخمسين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله في سورة "التحريم" المدنية: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾، إلى قوله تعالى في ختام نفس السورة: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ ــ وأول ما يلفت النظر في هذا الربع أن الآية الأولى منه لها علاقة وثيقة بقوله تعالى في سورة المائدة (٨٧): ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾، غير أن الصيغة التي وردت بها في هذا المقام، والسؤال الذي جاء في سياقها، وتوجيه الخطاب بالخصوص فيها إلى الرسول ﵇ دون غيره، جعلها تكتسي صبغة خاصة، وتتضمن معنى جديدا زائدا على ما في آية " المائدة ". وهذا المعنى لا يخرج عن كونه عتابا رقيقا من الحق لنبيه ﵇ في بعض شؤونه العائلية، وتنبيها خفيفا إلى الحل الأمثل في أمره، فقد كان

стр. 2629

الوحي الإلهي يتتبع خطوات الرسول بالتوجيه والرعاية باستمرار لا فرق في ذلك بين حياته العامة، وحياته الخاصة، وصدق رسول الله ﷺ عندما قال: " أدّبني ربي فأحسن تأديبي ". وكما أدّب رسول الله ﷺ زوجاته على ما فاه به بعضهن من الهفوات في حقه أوفي حق شريكاتهن، فاعتزلهن " من شدة موجدته عليهن " ها هو كتاب الله يدعوه إلى وضع حد لذلك الحادث الطارئ، واستيناف حياته العائلية في وئام وانسجام، بينه وبين زوجاته، وبين زوجاته بعضهن مع بعض، طبقا لما هو معهود في بيته الشريف. وليس غريبا من أمر الرسول ﵇ أن يتأثر شعوره الرقيق من هفوات بعض الزوجات، لما تثيره بينهن من الحساسيات، ما دام ﵇ هو في وقت واحد " بشرا رسولا "، وإن كان عند ربه وعند الناس بشرا لا كالبشر، وخاتم الأنبياء والمرسلين، ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم: ٤). كما أنه ليس غريبا أن يقف كتاب الله إلى جانب رسوله في هذه الحادثة بالتوجيه والتسديد، ثم بالتأييد المطلق والتعضيد. وإلى الموقف الذي اتخذه الرسول ﵇ من الامتناع عن معاشرة زوجاته، واعتزالهن فترة من الزمن في مشربة خاصة، يشير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، وإلى السبب المباشر الذي حدا بالرسول إلى اتخاذ هذا الموقف يشير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ

стр. 2630

النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾، ولا يبعد أن يكون لذلك الموقف أسباب أخرى كانت قد أدت من قبل إلى شيء من التوتر بين زوجات الرسول بعضهن مع بعض، فلما طرأ هذا الحادث الأخير رأى رسول الله من الحكمة والحزم أن يقف منه موقفا حاسما، ويضع له حدا فاصلا، حتى لا يتكرر مثله مرة أخرى، وحتى لا يشغله شيء من هذا النوع عن مهام الرسالة العظمى، التي وكلها الله إليه. أما تأييد الله لرسوله ووقوفه إلى جانبه موقف التعضيد، هو وجنوده التي لا يحصيها إلا هو، فقد فصل كتاب الله القول فيه تفصيلا، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾، وفي هذه الآية الكريمة إنذار صريح بعاقبة التجني على رسوله الأمين، واشتباك في الحرب مع الله والملائكة والمؤمنين، ثم قال تعالى: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾، ففي هذه الآية الكريمة أيضا تحذير صريح، لأمهات المؤمنين، من مضايقة الرسول ﵇، وشغله بأمور جانبية يتعذر معها الوئام والانسجام، وفيها توجيه خاص لأمهات المؤمنين " الثيبات منهن والأبكار "، إلى المزيد من التحلي بجميع الصفات الفاضلة التي تتناسب مع مقام زوجات الرسول، من " إسلام " يهيمن على
следующие страницы →