Полный текст (2 848 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.
стр. 2626
الربع الأخير من الحزب السادس والخمسين
في المصحف الكريم (ق)
ــ
٦٦ - سورة التحريم مدنية
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢) وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣) إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (٤) عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا (٥) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ
стр. 2627
شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٨) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٩) ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١١) وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (١٢)
стр. 2628
الربع الأخير من الحزب السادس والخمسين
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
في حديث هذا اليوم نتناول تفسير الربع الأخير من الحزب السادس والخمسين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله في سورة "التحريم" المدنية: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾، إلى قوله تعالى في ختام نفس السورة: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾
ــ
وأول ما يلفت النظر في هذا الربع أن الآية الأولى منه لها علاقة وثيقة بقوله تعالى في سورة المائدة (٨٧): ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾، غير أن الصيغة التي وردت بها في هذا المقام، والسؤال الذي جاء في سياقها، وتوجيه الخطاب بالخصوص فيها إلى الرسول ﵇ دون غيره، جعلها تكتسي صبغة خاصة، وتتضمن معنى جديدا زائدا على ما في آية " المائدة ". وهذا المعنى لا يخرج عن كونه عتابا رقيقا من الحق لنبيه ﵇ في بعض شؤونه العائلية، وتنبيها خفيفا إلى الحل الأمثل في أمره، فقد كان
стр. 2629
الوحي الإلهي يتتبع خطوات الرسول بالتوجيه والرعاية باستمرار لا فرق في ذلك بين حياته العامة، وحياته الخاصة، وصدق رسول الله ﷺ عندما قال: " أدّبني ربي فأحسن تأديبي ".
وكما أدّب رسول الله ﷺ زوجاته على ما فاه به بعضهن من الهفوات في حقه أوفي حق شريكاتهن، فاعتزلهن " من شدة موجدته عليهن " ها هو كتاب الله يدعوه إلى وضع حد لذلك الحادث الطارئ، واستيناف حياته العائلية في وئام وانسجام، بينه وبين زوجاته، وبين زوجاته بعضهن مع بعض، طبقا لما هو معهود في بيته الشريف.
وليس غريبا من أمر الرسول ﵇ أن يتأثر شعوره الرقيق من هفوات بعض الزوجات، لما تثيره بينهن من الحساسيات، ما دام ﵇ هو في وقت واحد " بشرا رسولا "، وإن كان عند ربه وعند الناس بشرا لا كالبشر، وخاتم الأنبياء والمرسلين، ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم: ٤). كما أنه ليس غريبا أن يقف كتاب الله إلى جانب رسوله في هذه الحادثة بالتوجيه والتسديد، ثم بالتأييد المطلق والتعضيد.
وإلى الموقف الذي اتخذه الرسول ﵇ من الامتناع عن معاشرة زوجاته، واعتزالهن فترة من الزمن في مشربة خاصة، يشير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، وإلى السبب المباشر الذي حدا بالرسول إلى اتخاذ هذا الموقف يشير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ
стр. 2630
النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾، ولا يبعد أن يكون لذلك الموقف أسباب أخرى كانت قد أدت من قبل إلى شيء من التوتر بين زوجات الرسول بعضهن مع بعض، فلما طرأ هذا الحادث الأخير رأى رسول الله من الحكمة والحزم أن يقف منه موقفا حاسما، ويضع له حدا فاصلا، حتى لا يتكرر مثله مرة أخرى، وحتى لا يشغله شيء من هذا النوع عن مهام الرسالة العظمى، التي وكلها الله إليه.
أما تأييد الله لرسوله ووقوفه إلى جانبه موقف التعضيد، هو وجنوده التي لا يحصيها إلا هو، فقد فصل كتاب الله القول فيه تفصيلا، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾، وفي هذه الآية الكريمة إنذار صريح بعاقبة التجني على رسوله الأمين، واشتباك في الحرب مع الله والملائكة والمؤمنين، ثم قال تعالى: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾، ففي هذه الآية الكريمة أيضا تحذير صريح، لأمهات المؤمنين، من مضايقة الرسول ﵇، وشغله بأمور جانبية يتعذر معها الوئام والانسجام، وفيها توجيه خاص لأمهات المؤمنين " الثيبات منهن والأبكار "، إلى المزيد من التحلي بجميع الصفات الفاضلة التي تتناسب مع مقام زوجات الرسول، من " إسلام " يهيمن على
стр. 2631
الجوارح، و " إيمان " يعمر القلوب ويشرح الصدور، و " قنوت " يتجلى أثره في الطاعة والخشوع، و " توبة " تدفع إلى تدارك ما فات، والحذر مما هو آت، و " عبادة " تصل المخلوق بالخالق، و " سياحة " بالصوم أحيانا، والتأمل بالفكر والروح في ملكوت الله الواسع، وملكه الشاسع، أحيانا أخرى.
وفي خلال هذه الآيات البينات وجه كتاب الله الخطاب مباشرة إلى الزوجتين اللتين كان لهما أثر في إثارة هذا الحادث، يدعوهما من الآن فصاعدا إلى تجنب فلتات اللسان، والتحفظ في كل ما ينبغي فيه التحفظ والكتمان، حفظا لذات البين بين جميع أمهات المؤمنين، عليهن الرحمة والرضوان، فقال تعالى مشعرا لهما بوجوب المبادرة إلى التوبة مما فرط منهما في حق الرسول ﵇، وداعيا لهما إلى الاعتصام بحسن الظن وصفاء السريرة على الدوام: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾.
وبعد أن ألقينا بعض الأضواء على الحادث الطارئ الذي أزعج هناء البيت النبوي الشريف، وجمعنا في نسق واحد الآيات التي ألمت بجميع أطرافه، وما تضمنته من توجيهات إلهية خاصة بالرسول الكريم وأزواجه الطاهرات، ننتقل إلى الآيات الكريمة الأخرى، التي لها طابع توجيهي عام لجميع المؤمنين والمؤمنات، وذلك قوله تعالى في الآية الثانية من هذه السورة: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ إلى آخر الآية، وقوله تعالى في الآية السادسة منها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾، إلى آخر الآية.
стр. 2632
ففيما يخص الطريقة المثلى للتحلل من اليمين إذا ظهر عند التدبر في عواقبه أن غيره خير منه شرعا وطبعا ينبغي للمؤمن أن لا يتأخر عن فعل ما هو خير، بدلا مما حلف عليه، وفي نفس الوقت يكفّر عن يمينه، طبقا لما شرعه الله في " كفارة اليمين "، تعظيما لاسم الله الأقدس، الذي وقع الحلف به، وعملا بمقتضى الرعاية الإلهية، والحكمة الربانية، والعلم المحيط بخلجات النفوس، ﴿وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾. وهذه الكفارة هي التي سبق بيانها بالتفصيل في الآية الواحدة والتسعين من سورة " المائدة " حيث قال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
وفيما يخص المثل الأعلى لتربية النفس والأهل والأولاد دعا كتاب الله الجميع إلى أن يجعلوا بينهم وبين ما يوجب عقاب الله وعذابه في الدنيا والآخرة وقاية فعالة وحجابا منيعا: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾، والأهل يشمل الزوجة والأولاد وما ألحق بهم، والوقاية السابقة خير من العلاج اللاحق، ووقاية النفس تكون بالسلوك الحسن الذي يقيها من الزلات والعثرات، ووقاية الأهل تكون بحسن توجيههم وتقويم اعوجاجهم، ووقاية الأولاد تكون بحسن تربيتهم، والعمل المتواصل على إعدادهم للحياة الصالحة دينا ودنيا منذ الطفولة الأولى. قال أبو بكر (ابن العربي)
стр. 2633
المعافري: (فعلى الرجل أن يصلح نفسه بالطاعة، ويصلح أهله إصلاح الراعي للرعية، وكما يؤدب ولده في مصلحتهم يؤدب أهله فيما يصلحه ويصلحهم أدبا خفيفا ". وقال أبو بكر الرازي الجصاص: " وهذا يدل على أن علينا تعليم أولادنا وأهلينا الدين والخير، وما لا يستغنى عنه من الآداب، وهو مثل قوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ (طه: ١٣٢)، ونحو قوله تعالى للنبي ﷺ : ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (الشعراء: ٢١٤)، ويدل على أن للأقرب فالأقرب منا مزية، في لزومنا تعليمهم، وأمرهم بطاعة الله تعالى، ويشهد له قول النبي ﷺ : " كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته "، ومعلوم أن الراعي كما عليه حفظ من استرعي وحمايته والتماس مصالحه فكذلك عليه تأديبه وتعليمه. وبذلك يكون الأزواج والآباء " قوامين " بالمسؤولية الدينية والاجتماعية الملقاة على عواتقهم خير مقام، وتكون حياتهم الشخصية والعائلية في مأمن من الهزات والأزمات، وإلا حقت عليهم وعلى من يقع تحت ولايتهم كلمة العذاب، في الدنيا قبل الآخرة. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ (طه: ١٢٤). وروي عن رسول الله ﷺ أنه قال: " ما نحل والد ولدا خيرا من أدب حسن ".
ووصف كتاب الله " وقود النار " التي تهدد النفس والأهل والولد بكونه من الناس أولا، ومن الحجارة ثانيا، كما وصف المكلفين بايقادها من الملائكة بكونهم " غلاظا شدادا " على من استحقوا عذاب الله، جزاء تفريطهم في حقوق العباد وحقوق الله،
стр. 2634
وذلك قوله تعالى: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾.
ثم دعا كتاب الله جميع المؤمنين إلى التوبة مما اقترفوه من الذنوب " توبة نصوحا "، مبينا لهم أن باب التوبة مفتوح على مصراعيه في وجوههم دون واسطة أي مخلوق، فما عليهم إذا أغراهم الشيطان وانخدعت له النفس الأمارة بالسوء إلا أن يبادروا إلى ذكر الله واستحضاره، والإنابة إليه واستغفاره، ليستأنفوا حياتهم الأولى، حياة الطاعة والتقوى والخشوع والإنابة، وذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾.
و" التوبة النصوح " فيما قاله العلماء: هي أن يقلع المؤمن عن الذنب في الحاضر، ويندم على ما سلف منه في الماضي، ويعزم على أن لا يفعل الذنب في المستقبل. روي عن الحسن أنه قال: " التوبة النصوح أن تبغض الذنب كما أحببته، وتستغفر منه إذا ذكرته ". قال ابن كثير: " فأما إذا جزم بالتوبة وصمم عليها فإنها تجبّ ما قبله من الخطيئات، كما ثبت في الصحيح: " الإسلام يجبُّ ما قبله، والتوبة تجبّ ما قبلها ".
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، هذا وعد صادق من الله
стр. 2635
لنبيه وللمؤمنين، وامتنان عليهم بالنور الإلهي الذي سيشع عليهم، فيعرفون به من بين الأمم، ويهتدون به وسط الزحام الرهيب يوم الحشر إلى مقرهم في جنة الخلد، متميزين بذلك عن بقية الخلائق والأمم.
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾، هذا تجديد من الله لأوامره الصارمة، بمكافحة الكفر والنفاق، ومواجهة الكفار والمنافقين، بمنتهى الحزم والصرامة، حتى تقلم أظفارهم، ولا يستطيعوا إلحاق أي أذى بالإسلام والمسلمين.
ثم ضربت الآيات الكريمة المثل بنساء كافرات كن في بيوت الأنبياء، ومع ذلك لم تنفعهن معايشة الأنبياء ولا معاشرتهن لهم في الخلاص من عذاب الله، لأنهن لم يكن مؤمنات بالدين الذي جاء به أولئك الأنبياء، ومثال ذلك امرأة نوح ﵇، وامرأة لوط ﵇، فقال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا﴾، أي: كانتا على غير دينهما، ﴿فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾.
وضربت الآيات الكريمة المثل بنساء مؤمنات كن يعشن في بيوت الكفار، فعاملهن الله بالحسنى، وأكرمهن بالرحمة والغفران، والجنة والرضوان، دون أن تؤثر في مصيرهن مخالطتهن للكفار، ولا معاشرتهن لهم، إذ كن مؤمنات بدين الحق، ولا يشاركن
стр. 2636
أولئك الكفار في عقيدتهم الباطلة، فقال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾.
ولعل في هذه الأمثال التي ضربها كتاب الله بالنوع الأول والنوع الثاني من النساء بالخصوص في هذه السورة بالذات، تنبيها لأمهات المؤمنين، فضلا عن غيرهن، إلى ما يجب عليهن من مزيد التفاني في طاعة الله ورسوله، وما يلزمهن من البعد كل البعد عن كل ما ينغص عليه العيش، أو يجلب له الأذى، حيث أن مجرد القرب من الأنبياء لا يغني عن القيام بالواجب نحوهم، ولا يشفع في إهمال أي حق من حقوقهم، والله أعلم.
стр. 2637
الربع الأول من الحزب السابع والخمسين
في المصحف الكريم (ق)
ــ
٦٧ - سورة الملك مكية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢) الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (٤) وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ (٥) وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٦) إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (٧) تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (٩) وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ (١١)
стр. 2638
إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢) وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥) أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧) وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (١٨) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (١٩) أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ (٢٠) أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (٢١) أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢) قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٢٣) قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٥) قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٦)
стр. 2639
فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ (٢٧) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٨) قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (٣٠)
٦٨ - سورة القلم مكية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣) وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤) فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٧) فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩) وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣) أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (١٤) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦) إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (١٨)
стр. 2640
الربع الأول من الحزب السابع والخمسين
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
موضوع حديث اليوم م تفسير الربع الأول من الحزب السابع والخمسين من المصحف الكريم، وبدايته قوله تعالى في فاتحة سورة "الملك" المكية: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، ونهايته قوله جل علاه في سورة "القلم" المكية أيضا؛ ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلَا يَسْتَثْنُونَ﴾، وفي هذا الربع سنتناول بحول الله وقوته تفسير سورة "الملك" المكية بأكملها، وتفسير جزء من سورة "القلم" المكية أيضا.
ــ
وسورة " الملك " تدعو إلى التأمل في الحياة والموت وما وراءهما، وتبعث على التفكير في العالم العلوي، والتملي من مظاهر الإبداع الإلهي، المبثوتة في آفاقه الواسعة، وتحدو أسراء الحس إلى استبطان دخائل نفوسهم، والاهتمام بمراقبة ضمائرهم، علاوة على ضبط حواسهم، وتحض على التفكير في مصدر الرزق، وما يتعرض له من سعة وضيق، وإمساك وإطلاق، وهي إلى جانب هذا كله تصف حال المؤمنين وحال الكافرين، ومصير المهتدين ومصير الضالين.
стр. 2641
وقد تفرعت آيات هذه السورة كلها عن فاتحتها المتضمنة لحقيقة " الملك " وحقيقة " القدرة " إذ قال تعالى: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
فمن " الملك " ومن " القدرة " كان خلق الموت والحياة، وكان الابتلاء بهما، وكان خلق السماوات وتزيينها بالمصابيح، وكان العلم بالسر والجهر، وكان الرزق كما يشاء الله، ومتى شاء، وكان عذاب الكافرين، وكان نعيم المؤمنين.
فقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ﴾، إشارة إلى زيادة بركة الله ومضاعفة نعمته، وشمول رحمته، وذلك نوع من تمجيد الله، والتسبيح باسمه.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾، تذكير لكافة الخلائق، ولا سيما الإنسان، بأن الله تعالى هو وحده الذي يملك -على وجه التحقيق- التصرف الكامل الشامل، في جميع أجزاء الكون، بكل ما فيه، من رقاب ومنافع، وناطق وأعجم، وحي وجامد، وشاهد وغائب، وهو الذي له الملك الحقيقي في الدنيا، والمنفرد بالملك في الآخرة.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، تذكير لكافة الخلائق، ولا سيما الإنسان، بأن الله تعالى هو وحده الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وأنه سبحانه قادر على أن يرفع الإنسان إلى " أعلى عليين " إذا ائتمر بأمره وانتهى بنهيه،
стр. 2642
وقادر على أن يرده " أسفل سافلين " إذا خالف عن أمره وأعرض عن وحيه.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾، تأكيد لما له سبحانه من سلطان شامل كامل على خلقه، وتصرف حر مطلق فيهم من البداية إلى النهاية، فهو سبحانه وحده الذي ينشئهم من العدم، وينفخ فيهم روح الحياة متى شاء، وهو سبحانه وحده الذي يوقف فيهم تيار الحياة ويطفئ مصابيحها في اللحظة التي يريد، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ (الأنبياء: ٢٣)، ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ (الطلاق: ٣)، ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ (المنافقون: ١١). وما دام الإنسان غير قادر على أن يقدم موعد قدومه إلى عالم الأحياء، وغير قادر على أن يؤخر موعد سفره من هذا العالم إلى الوقت الذي يشاء، فهو عاجز كل العجز، ومقهور كامل القهر، وإن ادعى من القدرة والسطوة لنفسه أكبر نصيب.
وقوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾، بيان لحكمة الله في خلق الإنسان، وفي تزويده بملكة العقل والتمييز والاختيار، ذلك أن الله تعالى يريد أن يبرز لكل إنسان ما في نفسه من طاقات كامنة، ومن استعدادات للخير والشر، ومن قدرة على اختيار الهدى أو اختيار الضلال، والإنسان لا يكتشف نفسه على حقيقتها إلا عندما تكون وسائل العمل حاضرة بين يديه، وأجهزة التنفيذ متوافرة لديه، وإذ ذاك يتضح اختياره، وتنكشف أسراره، ويتحمل مسؤولية عمله، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، فالله تعالى لم يخلق الإنسان عبثا، ولم يتركه سدى، وإنما خلقه ليقوم بدور
стр. 2643
مرسوم له في هذه الأرض، وهذا الدور هو الخلافة عن الله في عمارتها وصلاحها، وإقامة شريعة العدل والحق بين أهلها، ومجال السباق فيها مفتوح على مصراعيه أمام المتسابقين " والعاقبة للمتقين ".
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾، إشارة إلى أن الحق سبحانه وإن كان " عزيزا غالبا " منيع الجناب، فإنه سبحانه يصفح عن الذنوب ويغفر الخطايا لمن تاب إليه وأناب.
وانتقل كتاب الله إلى التحدث عن آثار قدرته، ومظاهر حكمته، فأشار إلى ما خلقه الله من السبع الطباق، وما تميزت به من الضبط الذي لا خلل معه، والنظام الذي لا فوضى بعده، ووجه كتاب الله الدعوة مكررة إلى الإنسان، ليتذكر " صنع الله " في السماوات، ويرى هل يكتشف في صنعه بعض النقائص والآفات، وإلى ذلك يشير قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾، أي: طبقات على أبعاد متفاوتة، ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾، أي لا عيب فيه ولا خلل ولا تنافر، ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾، أي: هل ترى من شقوق وخروق، ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾، أي: مرتين، مرة بعد أخرى، ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾، أي: كليل من الإعياء بعد تكرار النظر، دون اكتشاف أي نقص، ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾، أي: زينا السماء القريبة إلى الأرض، بالكواكب والنجوم الظاهرة للعين، ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾، أي: جعلنا جنس المصابيح رجوما للشياطين، وذلك في صورة " شهب "
стр. 2644
كما جاء في سورة (الصافات: ٦، ١٠)، ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ * وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ * لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ * دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ * إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ ثم قال تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾، أي: علاوة على الشهب التي يرجم الله بها الشياطين في الدنيا أعد الله لهم في الآخرة عذاب جهنم. وتحذيرا من استعمال " علم الفلك والتنجيم " استعمالا سيئا قال قتادة: " إنما خلقت هذه النجوم لثلاث خصال، خلقها الله زينة للسماء، ورجوما للشياطين، وعلامات يهتدى بها، فمن تأول فيها غير ذلك فقد قال برأيه، وأخطأ حظه، وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به " وهذه الخصال الثلاث التي ذكرها قتادة لا تمنع وجود خصال أخرى وأسرار كبرى يكشف الله عنها لمن يشاء، في الوقت الذي يشاء.
وانتقل كتاب الله، من الإشارة إلى رجم الشياطين بالشهب في الدنيا وعقابهم بعذاب جهنم في الآخرة، إلى الحديث عن " أولياء الشياطين " من الكفار، وما ينتظرهم من العقاب الشديد والعذاب الأليم، واصفا شهيق جهنم وغيظها من كفرهم وعنادهم، واستقبال خزنتها لهم أسوأ استقبال، فقال تعالى: ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا﴾، أي: صياحا، ﴿وَهِيَ تَفُورُ﴾، أي تغلي بهم، ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾، أي: تكاد تتمزق من شدة حنقها عليهم، ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾،
стр. 2645
وذلك لإقامة الحجة عليهم، ﴿قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ * وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾، أي: أنهم عادوا على أنفسهم باللوم، وندموا حيث لا ينفعهم الندم.
ثم تحدث كتاب الله عن مراقبة الله في " الغيب "، تلك المراقبة الدقيقة التي لا يتم الإيمان بالغيب دونها، وهي أن ينكفّ المؤمن عن معصية الله، وإن كان لا يراه أحد، وأن يقوم بطاعة الله، وإن كان لا يشاهده أحد، " كمن دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، وكمن تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه " فاستحقا أن يكونا من " السبعة الذين يظللهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله "، كما ثبت عن رسول الله ﷺ في الصحيحين. وإلى هذا المعنى يشير قوله تعالى هنا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ * وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾.
وامتَنَّ كتاب الله على عباده بالأرض التي سخرها لهم، وأعدها لانتفاعهم، إذ بارك فيها وقدر فيها أقواتها، ودعاهم إلى التمتع بما آتاهم من رزقه، فقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾.
ثم أعاد كتاب الله الكرة مرة أخرى ليلفت نظر الإنسان إلى
стр. 2646
أن جميع ما آتاه الله من النعم معرض للزوال والسلب، إن لم يقابله بالشكر والامتنان، والطاعة والإذعان.
- فهذه الأرض الذلول المستقرة، من الممكن أن يحل بها الخسف والاضطراب، ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾.
- وهذه السماء التي ترسل " الغيث " من الممكن أن ترسل " ريحا حاصبا " تأتي على الأخضر واليابس، ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾.
- وهذا الرزق الذي لا يعيش بدونه الإنسان، من الممكن أن يمسكه الله عنه، فيعرضه للجوع والحرمان، ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾.
- وهذا الماء الذي يشرب منه الناس ويسقون به الزروع والدواب، من الممكن أن " يغور "، ولا يجدوا منه قطرة واحدة ولو في أعماق الأرض، ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾.
ومن هنا ننتقل إلى سورة " القلم " المكية أيضا، وفي مطلعها قسم من الله عظيم " بالقلم والكتابة "، تنويها بهما، وتبيينا لعظم منفعتهما، في حفظ العلم والدين، ونقل ثمرات الحضارة والتمدين، ﴿بسم الله الرحمن الرحيم ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾.
- ثم تحدث كتاب الله عما أكرم به خاتم الأنبياء والمرسلين
стр. 2647
من الخلق العظيم، وإنه لتنويه فوق كل تنويه، بمقام الرسول الكريم، فقال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ * وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، واتجه الخطاب الإلهي إلى نبيه، منبها إياه إلى رفض كل مساومة من طرف المشركين: ﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ * وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾.
وسجل كتاب الله وصفا دقيقا لبعض أقطاب الشرك وزعماء الوثنية، وبذلك عرض على المسلمين نموذجا حيا من نماذج الخبال والضلال التي يصادفونها في حياتهم، والتي يجب أن يتجنبوها كل التجنب، ويمقتوها كل المقت، فقال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ * أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ * إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾.
- فهو " حلاف "، أي كثير الحلف، ولا يكثر الحلف إلا الكاذب.
- وهو " مهين "، أي: لا يحترم نفسه ولا يحترم الناس.
- وهو " هماز "، أي: يهمز الناس ويعيبهم في حضورهم وغيبتهم.
- وهو " مشاء بنميم "، أي: يمشي بين الناس بما يفسد قلوبهم، ويقطع أرحامهم.
- وهو " مناع للخير "، أي: يمنع الخير عن نفسه وعن الناس.
стр. 2648
- وهو " معتد "، أي " متجاوز للعدل وللحق باستمرار.
- وهو " أثيم "، أي: يرتكب المعاصي ويمارس الآثام على الدوام.
- وهو " عتل "، أي: غليظ جافي الطبع، لئيم النفس، سيء المعاملة.
- وهو " زنيم "، أي: مشهور بالخبث والشر إن لم يكن " ظنينا " في النسب.
وعقابا لهذا الصنف من المشركين ومن لف لفهم في سائر العصور والأجيال، عقب كتاب الله قائلا: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾، و " الخرطوم " طرف الأنف من الخنزير الوحشي، وذلك تلويح إلى ما هو أهل له من التحقير والتأنيب، والإهانة والتعذيب، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾. (فصلت: ٤٦).
стр. 2649
الربع الثاني من الحزب السابع والخمسين
في المصحف الكريم (ق)
ــ
فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠) فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (٢٢) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (٢٣) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤) وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (٢٥) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (٢٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧) قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (٢٨) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (٣٠) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (٣١) عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (٣٢) كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٣٣) إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٣٤) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦) أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ (٣٨) أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ (٣٩) سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ (٤٠) أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٤١)
стр. 2650
يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (٤٣) فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٤٥) أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٦) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤٧) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨) لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (٤٩) فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٥٠) وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١) وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٥٢)
٦٩ - سورة الحاقة مكية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣) كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (٤) فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥) وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (٧) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (٨) وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ (٩) فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً (١٠) إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي
стр. 2651
الْجَارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (١٢) فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١٥) وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (١٦) وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (١٧) يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (١٨)
стр. 2652
الربع الثاني من الحزب السابع والخمسين
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
في حديث هذا اليوم نتناول الربع الثاني من الحزب السابع والخمسين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى في سورة "القلم" المكية: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾، إلى قوله ﷻ في سورة "الحاقة" المكية أيضا: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ * يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾.
ــ
في آخر الربع الماضي فسرنا الآيات الكريمة التي تناولت بالوصف والتحليل، ما كان عليه بعض أقطاب الشرك والتدجيل من عقلية جامدة، وأخلاق فاسدة، وقد وصفها الحق سبحانه لعباده المؤمنين، حتى يتجنبوها ويقاطعوا كل من اتصف بها من الفاسدين المفسدين، حيث قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾، إلى قوله تعالى في نفس الآية: ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ * إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾. وبذلك أشار كتاب الله إلى أن هذا النموذج المنحرف من نماذج الضلال والخبال كان يستعلي على الرسول والمؤمنين، وكان يتكاثر بما
стр. 2653
عنده من مال وبنين، ناسيا أن الله له بالمرصاد، وأنه إنما يملي له ويستدرجه من حيث لا يعلم.
وبمناسبة ما أشار إليه كتاب الله في هذا الموضوع من استكبار هذا النموذج المتكبر، وبطره بنعمة الله، انتقلت الآيات الكريمة مباشرة من الحديث عنه إلى الحديث عن قصة قديمة، لها علاقة وثيقة بهذا الصنف من الناس، الذين يقابلون نعمة الله بالكفر لا بالشكر، فينتزعها الله منهم، ويعاقبهم بالسلب والحرمان، والحديث عن هذه القصة العجيبة هو الذي يستغرق الآيات الأولى من الربع الذي نفسره اليوم.
وخلاصة هذه القصة فيما تنقله الروايات، أن جماعة من أهل اليمن كانت لهم قرب صنعاء ضيعة مزدهرة، تحتوي على أنواع الثمار والفواكه، وهي في غاية النضارة والازدهار، فلما حل أوان قطف ثمارها، أخذوا يتذاكرون فيما بينهم، هل عندما يقطفون ثمارها يعطون من محصولها جزءًا للمساكين صدقة عليهم، وشكرا لله على فضله، أم أنهم يستأثرون لأنفسهم بكل شيء، ولا يعطون للمساكين شيئا، وكان من بينهم واحد يحب الخير والإحسان، فأشار عليهم بأن لا يهملوا حق المساكين من ثمرات تلك الضيعة، غير أن الأغلبية منهم رفضت قبول نصيحته، رغبة في الاستئثار بمجموع المحاصيل، والانفراد باستغلالها والانتفاع بها المائة في المائة، واتفقت تلك الأغلبية على قطف ما في الضيعة دون التصدق منه بقليل ولا كثير، وتواعد أفراد الجماعة فيما بينهم على موعد القطف، وتستّروا ما أمكنهم التستر، حتى لا
стр. 2654
يبلغ الخبر إلى المساكين، فيضايقونهم بطلب الصدقة منهم حين قطف الثمار، لكن الله الذي يعلم السر وأخفى، اطلع على ما بيّتوه من سوء، فلما حان موعد القطف، ووصلوا إلى الضيعة فوجئوا أقبح مفاجأة، إذ وجدوا كل ما فيها أصبح هشيما أسود كالحا، كأنه أصابه الحريق، فقد علم الله ما بيتوا وعاملهم بنقيض قصدهم، وسلط على ضيعتهم آفة سماوية أهلكت الضيعة بكل ما فيها. ولشدة هول المفاجأة التي واجهتهم، أخذوا يتساءلون فيما بينهم، أهذه هي ضيعتنا أم هي ضيعة أخرى؟ إذ كانت بالأمس مثمرة في غاية النضارة، واليوم أصبحت قاتمة محترقة في غاية الذبول، وبدّلت الأرض غير الأرض. وبعدما تأكدوا أن الضيعة هي نفس ضيعتهم، شرعوا يتلاومون فيما بينهم، ويعترفون بسوء نيتهم، وبسوء تصرفهم، وأدركوا أن الله المطلع على الغيب قد عاقبهم على كفرهم بنعمته، فحرمهم منها بالمرة حرمانا تاما، وبذلك خسروا رأس مالهم، وخسروا الربح الذي ينتظرونه من رأس المال، جزاء ما بيّتوه من هضم حقوق المساكين، والامتناع من الصدقة على المحرومين، التي هي من أعظم حقوق الله وحقوق العباد.
وإلى هذه القصة المليئة بالعبر، لمن تقدم أو تأخر، يشير قوله تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ﴾، أي: اختبرناهم، ﴿كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾، أي: أصحاب الضيعة، ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلَا يَسْتَثْنُونَ﴾، أي: حلفوا أن يقطعوا ثمارها صبيحة الغد، ويستأثروا بها وحدهم، دون أن يقولوا: " إن شاء الله "،
стр. 2655
﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ﴾، أي: أصابتها آفة سماوية بأمر الله في الوقت الذي كانوا يغطّون في نومهم، ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾، أي: أصبحت كأنها مقطوعة الثمار، لأن الآفة السماوية قضت على ثمارها، ﴿فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ * أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ﴾، أي: لما كان وقت الصبح، نادى بعضهم بعضا أن يذهبوا إلى قطف الثمار، ﴿فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ * أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ * وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾، أي: ذهبوا وهم يتكلمون بصوت منخفض، يحذر بعضهم بعضا من أن يدخل عليهم المساكين وهم يقطفون الثمار، لأنهم لا يعترفون للمساكين بأي حق فيما آتاهم الله من فضله، ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ﴾، أي: لمّا رأوا مزرعتهم على حالة يرثى لها، ظنوا أنهم دخلوا إلى مزرعة أخرى غير مزرعتهم، وذلك من هول المفاجأة، ولمّا تأكدوا أنها هي بنفسها لا غيرها، قالوا: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾، أي: أدركوا أن الله عاقبهم وعاملهم بالحرمان، جزاء كفرهم بنعمته وعدم شكره عليها، ولما تيقنوا من عقاب الله، ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ﴾، أي: ذكرهم أرجحهم عقلا وأفضلهم سلوكا، بما كان قد نصحهم به من قبل، من إعطاء المساكين حقهم في ثمرات تلك المزرعة، شكرا لله على ما آتاهم، ولما عرفوا أنه كان محقا فيما نصحهم به، ﴿قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ * فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ﴾، أي: أخذ بعضهم يلوم البعض الآخر، واعترفوا بذنبهم جميعا، ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾، أي: كنا على غير حق فيما بيتناه من هضم حقوق
стр. 2656
المساكين وحرمانهم، وها نحن قد أصابنا ما أصابنا جزاء أنانيتنا وطغياننا. ثم التجأوا إلى الله مضطرين، ولم يذكروه إلا في ذلك الحين، طالبين مغفرته وإحسانه قائلين: ﴿عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾، لكن كتاب الله أكد أنهم، علاوة على العذاب الذي نالهم في الدنيا، سينالهم في الآخرة عذاب أكبر وأشد، ﴿كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.
وكتاب الله عندما سجل هذه القصة بين دفتي المصحف الكريم إنما يريد ضرب المثل لكافة المؤمنين، حتى يؤدوا للمساكين والمحرومين ما لهم من حقوق معلومة في أموالهم وثمراتهم، فبأداء تلك الحقوق تزكو أموالهم، وتنمو ثرواتهم، وإلا ضاع عليهم رأس المال والربح، جزاء ما ضيعوه من الصدقة والزكاة، وخسروا خسرانا مبينا.
وتساءل كتاب الله هل يعقل أن يكون الذين آمنوا واتقوا، -عند ربهم- في درجة الذين كفروا وأجرموا، وإنه لسؤال لا يصعب الجواب عنه جوابا منطقيا: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾.
ثم وجه كتاب الله إلى المشركين عدة أسئلة " استنكارية " تعجزهم وتفحمهم، إذ لا يستطيعون الجواب عنها بأي جواب مقنع
- هل عندكم أيها المشركون " كتاب منزل " تتدارسونه فيما
стр. 2657
بينكم، تستمدون منه هذه الأحكام السخيفة التي تحكمون بها لأنفسكم، وتحكمون بها على غيركم، طبقا لشهواتكم وأهوائكم: ﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ * إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾.
- هل عندكم أيها المشركون عهود ومواثيق من الله أعطاها لكم، وعاهدكم عليها، وواثقكم بمقتضاها، حتى تفعلوا ما تشتهون، وتحكموا بما تشاءون، ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾.
ثم أمر الحق سبحانه نبيه ﵇ أن يسأل المشركين: من منهم تكفل لهم بتلك العهود، وضمن لهم تلك المواثيق: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾، ودعا كتاب الله المشركين أن يحضروا معهم شركاءهم من الأصنام والأوثان، إن كان شركاؤهم صادقين في بذل العون لهم عند الحاجة، وإغاثتهم وقت الضيق: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾، وبين كتاب الله أن أولئك الشركاء لن يعينوا المشركين الذين أشركوهم بالله في قليل ولا كثير، بل سيسلمونهم إلى مصيرهم المفجع يوم القيامة: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾. ثم اتجه الخطاب الإلهي إلى رسول الله ﵇ طالبا منه أن يكل عاقبة أمر المشركين إلى سطوة الله وقدرته القاهرة، ليفعل بهم ما يشاء، ويقضي فيهم بما يريد، مبينا له أن الله تعالى إنما يعطيهم ليسلبهم، وإنما يمدهم ليحرمهم، وإنما يمهلهم ولن يهملهم: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ
стр. 2658
سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾.
وعقب كتاب الله على ذلك كله بدعوة الرسول ﵇ إلى المزيد من الصبر على تحمل أذى المشركين الذي لا ينقطع، والمزيد من الصبر على القيام بأعباء الرسالة التي لا يثقل الكاهل مثلها شيء، لافتا نظره إلى أن لا يسلك مسلك أخيه نبي الله " يونس " ﵇، الذي تخلى عن حمل أعباء الرسالة عندما ضاق صدره وذهب مغاضبا لقومه، سائحا في أرض الله، حتى وجد قوما يركبون سفينة في البحر، فركبها معهم، وانتهى الأمر به إلى أن يلتقمه الحوت، ويحفظه في بطنه إلى حين، فنادى ربه وهو في بطن الحوت، ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (الأنبياء: ٨٧). فتداركه لطف الله، وألقاه الحوت في أرض عراء، وأنبت الله عليه شجرة من يقطين، ليأكل من ثمرها، ويستظل بظلها، وإذ ذاك فهم عن الله، وعاد إلى قومه وكان سروره بالغا عندما وجدهم قد اهتدوا بدعوته، وآمنوا برسالته، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ * لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ * فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾، فالمراد بصاحب الحوت هنا هو يونس ﵇ كما سبق في سورة " الصافات ".
وتحذيرا من أن يفهم بعض المؤمنين من هذه الآيات الكريمة تنقيصا من قدر يونس ﵇ نبه رسول الله ﷺ أمته إلى احترام مقامه وتوقيره، وعدم المفاضلة بينه وبين يونس،
стр. 2659
فقال ﷺ كما روي في الصحيحين: " لا ينبغي لأحد أن يقول أنا خير من يونس بن متى ".
وأشار كتاب الله إلى ما كان للمشركين من حنق على رسول الله ﷺ ، وبغض له ولدينه، من شدة وقع الإسلام عليهم، وتسفيه لمعتقداتهم، وبين أنه لولا حفظ الله لنبيه، وعصمته له من الناس، لآذاه المشركون بأعينهم الشريرة إذاية بالغة، وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ * وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾. وعلق ابن كثير على هذه الآية قائلا: " إن فيها دليلا على إصابة العين، كما وردت بذلك الأحاديث المروية من طرق متعددة ".
وهنا تنتهي سورة "القلم" المكية، وتبتدئ سورة " الحاقة " المكية أيضا، والحديث في مطلعها يتعلق بيوم القيامة، فمن أسماء هذا اليوم اسم " الحاقة "، لأن فيه يتحقق الوعد والوعيد اللذان نزلت بهما الكتب الإلهية، وجاء بهما الأنبياء والرسل.
وذكر كتاب الله بأنواع العذاب التي أصابت في الدنيا طائفة من الأمم الخالية، جزاء كفرها وعنادها، فبادت واندثرت ولم يبق لها أي أثر: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ * وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾، ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ * فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً﴾.
ووصف كتاب الله أهوال الساعة، وما يصيب الأرض والسماء عند حلولها من ظواهر كونية خارقة للعادة، تؤدي إلى
стр. 2660
انقلاب في العالم علويه وسفليه، ولا يبقى على ما هو عليه إلا عرش الله ووجهه الكريم، ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً * فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ * يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾، فما على عقلاء المؤمنين إلا أن يحسبوا لهذا اليوم ألف حساب، وأن يتفانوا في العمل الصالح ويقدموا بين أيديهم ما يستحقون به عند الله الأجر والثواب.
стр. 2661
الربع الثالث من الحزب السابع والخمسين
في المصحف الكريم (ق)
ــ
فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (٢٢) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (٢٣) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (٢٦) يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (٢٩) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (٣٢) إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣٤) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (٣٥) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ (٣٧) فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣) وَلَوْ تَقَوَّلَ
стр. 2662
عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٥٢)
٧٠ - سورة المعارج مكية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (٢) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (٣) تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤) فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (٥) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧) يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (٩) وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠) يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ (١٤) كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (١٦) تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧) وَجَمَعَ فَأَوْعَى (١٨) إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (٢٣) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (٢٦) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ
стр. 2663
عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٢٧) إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (٢٨) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٢٩) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٣١) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٣٢) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (٣٣) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٣٤) أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (٣٥) فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ (٣٧) أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨) كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (٣٩)
стр. 2664
الربع الثالث من الحزب السابع والخمسين
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
موضوع حديث اليوم تفسير الربع الثالث من الحزب السابع والخمسين في المصحف الكريم، وبدايته قوله تعالى في سورة "الحاقة" المكية: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾، ونهايته قوله جل علاه في سورة "المعارج" المكية أيضا: ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ * كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ﴾.
ــ
في بداية هذا الربع يواصل كتاب الله وصفه لمشاهد القيامة، وما يكون عليه أصحاب اليمين وأصحاب الشمال، ويشير إلى أن من أوتي كتابه بيمينه يدرك لأول وهلة أنه ممن كتبت لهم السعادة، فيتناول كتابه هاشا باشا، ولا يخجل من أن يعرضه على إخوانه السعداء من أهل الجنة المكرمين، مؤكدا أنه كان على يقين بحساب الله وجزائه، ولم يكن يداخله أدنى شك في عقيدة البعث والحياة الآخرة، ولذلك يكرمه الله تعالى بالعيش الطيب في الجنة، وينعم عليه بكل ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، جزاء وفاقا لما أسلفه من العمل الصالح في حياته، وما كان عليه من
стр. 2665
طاعة الله والسعي في مرضاته، وذلك قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾، أي: كنت موقنا بأن هذا اليوم قادم لا محالة، ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾، أي عيشة مرضية، ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾، أي: ثمارها سهلة القطف. وقوله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾، حكاية لخطاب التكريم والامتنان، الذي يوجهه إليهم ملائكة الرحمن من خزنة الجنان، بينما أصحاب الشمال بمجرد ما يؤتون كتابهم بشمالهم، يدركون أنهم من الأشقياء المعذبين عند الله، وفي الحين تنطق ألسنتهم بما يعبر عن دخائل نفوسهم، إذ يتمنون لو أنهم لم يعرفوا أي حساب، ويتمنون لو أنهم ماتوا موتة واحدة لا حياة بعدها ولا عقاب، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾.
ويفاجأ أصحاب الشمال بالحقيقة المؤلمة التي لم يكونوا ينتظرونها ولا يحسبون لها أي حساب، وهي أن " مالهم " الذي كانوا يتبجحون به على الفقراء، " وسلطانهم " الذي كانوا يستعلون به على الضعفاء، لا يغنيان عنهما من الله شيئا، فالآخرة إنما هي " دار الجزاء " على العمل: الجزاء بالثواب على العمل الصالح، والجزاء بالعقاب على العمل الفاسد، ولا عبرة فيها بما تواطأ عليه الناس من الاعتبارات السطحية، والقيم الوهمية وذلك ما ينطق
следующие страницы →