Полный текст (2 848 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.
стр. 2661
الربع الثالث من الحزب السابع والخمسين
في المصحف الكريم (ق)
ــ
فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (٢٢) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (٢٣) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (٢٦) يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (٢٩) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (٣٢) إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣٤) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (٣٥) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ (٣٧) فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣) وَلَوْ تَقَوَّلَ
стр. 2662
عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٥٢)
٧٠ - سورة المعارج مكية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (٢) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (٣) تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤) فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (٥) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧) يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (٩) وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠) يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ (١٤) كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (١٦) تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧) وَجَمَعَ فَأَوْعَى (١٨) إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (٢٣) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (٢٦) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ
стр. 2663
عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٢٧) إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (٢٨) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٢٩) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٣١) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٣٢) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (٣٣) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٣٤) أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (٣٥) فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ (٣٧) أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨) كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (٣٩)
стр. 2664
الربع الثالث من الحزب السابع والخمسين
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
موضوع حديث اليوم تفسير الربع الثالث من الحزب السابع والخمسين في المصحف الكريم، وبدايته قوله تعالى في سورة "الحاقة" المكية: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾، ونهايته قوله جل علاه في سورة "المعارج" المكية أيضا: ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ * كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ﴾.
ــ
في بداية هذا الربع يواصل كتاب الله وصفه لمشاهد القيامة، وما يكون عليه أصحاب اليمين وأصحاب الشمال، ويشير إلى أن من أوتي كتابه بيمينه يدرك لأول وهلة أنه ممن كتبت لهم السعادة، فيتناول كتابه هاشا باشا، ولا يخجل من أن يعرضه على إخوانه السعداء من أهل الجنة المكرمين، مؤكدا أنه كان على يقين بحساب الله وجزائه، ولم يكن يداخله أدنى شك في عقيدة البعث والحياة الآخرة، ولذلك يكرمه الله تعالى بالعيش الطيب في الجنة، وينعم عليه بكل ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، جزاء وفاقا لما أسلفه من العمل الصالح في حياته، وما كان عليه من
стр. 2665
طاعة الله والسعي في مرضاته، وذلك قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾، أي: كنت موقنا بأن هذا اليوم قادم لا محالة، ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾، أي عيشة مرضية، ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾، أي: ثمارها سهلة القطف. وقوله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾، حكاية لخطاب التكريم والامتنان، الذي يوجهه إليهم ملائكة الرحمن من خزنة الجنان، بينما أصحاب الشمال بمجرد ما يؤتون كتابهم بشمالهم، يدركون أنهم من الأشقياء المعذبين عند الله، وفي الحين تنطق ألسنتهم بما يعبر عن دخائل نفوسهم، إذ يتمنون لو أنهم لم يعرفوا أي حساب، ويتمنون لو أنهم ماتوا موتة واحدة لا حياة بعدها ولا عقاب، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾.
ويفاجأ أصحاب الشمال بالحقيقة المؤلمة التي لم يكونوا ينتظرونها ولا يحسبون لها أي حساب، وهي أن " مالهم " الذي كانوا يتبجحون به على الفقراء، " وسلطانهم " الذي كانوا يستعلون به على الضعفاء، لا يغنيان عنهما من الله شيئا، فالآخرة إنما هي " دار الجزاء " على العمل: الجزاء بالثواب على العمل الصالح، والجزاء بالعقاب على العمل الفاسد، ولا عبرة فيها بما تواطأ عليه الناس من الاعتبارات السطحية، والقيم الوهمية وذلك ما ينطق
стр. 2666
به لسان الشقي من أصحاب الشمال إذ يقول: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾.
ثم يصف كتاب الله ما يصدر إلى خزنة جهنم من الأوامر الإلهية الرهيبة، بشأن كل واحد من أصحاب الشمال الضالين المضلين، إذ قال لهم: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾، أي: ضعوا في عنقه الأغلال، ﴿ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾، أي: اغمروه في جهنم من قمة رأسه إلى أخمص قدميه، ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾، أي: أدخلوه.
ووضح كتاب الله أن عقاب الله لأصحاب الشمال إنما هو عقاب عادل، لا غبار عليه، ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (الكهف: ٤٩)، فقد كانوا فرادى وجماعات ينكرون حقيقة الحقائق، وهي الإيمان بالله، وكانوا ينكرون كل ما لله من صفات العظمة والكمال، ومظاهر الجلال والجمال، وكانوا حجر عثرة في طريق انتشار دعوته، وتبليغ رسالته، وحربا على كتبه المنزلة وشريعته، وكانوا عنصر فساد وتخريب في الأرض، لا يؤدون لعيال الله وعبيده أي حق، ولا يقدمون إليهم أي عون مما آتاهم من الرزق، وإلى " حيثيات هذا الحكم الإلهي العادل "، الذي صدر بعقاب أصحاب الشمال يشير قوله تعالى هنا: ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾، أي: أنه كان لا يؤدي حقوق الله ولا حقوق الناس، ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ﴾، أي: ليس له من صديق حميم يستطيع أن يخلصه وينقذه من عذاب الله، أو يتطوع بالنيابة عنه في تحمل العقاب
стр. 2667
المحكوم به عليه، ﴿وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ * لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ﴾، و " الغسلين " شر طعام أهل النار كما فسره قتادة.
وانتقلت الآيات الكريمة إلى دعوة الناس أجمعين للإيمان بكتاب الله المنزل من عنده، والاهتداء بهديه، مؤكدة أن ما احتوى عليه كتاب الله من عقائد وآداب، وشرائع وشعائر، وحقائق كونية ونفسية، هو حق اليقين، ولب الحكمة، وأصدق العلم. وأبطلت الآيات الكريمة ما يلفقه المشركون ومن لف لفهم من اتهام الرسول بالشعر والكهانة والافتراء على الله، وأكد كتاب الله أنه لو تجرأ أي رسول على الله وتقول عليه لعاقبه الله عقابا شديدا لا يعاقب به غيره من العالمين، وللتدليل على صدق هذه الحقائق بأقوى الدلائل أقسم الحق بكل ما خلقه في كونه، من محسوس وغير محسوس، من منظور وغير منظور، في عالم الغيب وعالم الشهادة، فقال تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لَا تُبْصِرُونَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾، أي: أنه قول صادر من الله يقوم بتبليغه إليكم رسول كريم، ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ * وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ * تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾، أي: لا يقدر أحد منكم أن يحول بينه وبين عقاب الله، لو تقول على الله. ﴿وَإِنَّهُ﴾، أي: كتاب الله، ﴿لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ * وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ * وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، أي: أن كتاب الله يثير في نفوس الكافرين، وهم في الدنيا، مشاعر الأسى والحسرة على ما
стр. 2668
هم غارقون فيه من الأوحال، كما يكون عليهم حسرة في الآخرة، بما ينالهم من عذاب الله، طبقا لما هو مسجل في كتاب الله: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾، أي: أنه هو الخبر الصادق، والشرع العادل، والعقيدة الصحيحة.
وخُتِمت سورة " الحاقة " المكية بالأمر بتسبيح الله، وتنزيه اسمه وصفاته عن كل نقص أو عيب، فقال تعالى مخاطبا لنبيه وللمؤمنين عن طريقه: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾.
ومن هنا ننتقل إلى سورة " المعارج " المكية أيضا، وتبتدئ هذه السورة الكريمة بالحديث عن البعث والنشور والحساب والعقاب، وأطلق عليها اسم سورة " المعارج " لورود كلمة " المعارج " في الآية الثالثة منها: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ * مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ﴾، أي: تساءل سائل عن العذاب المنتظر، يستعجل به لماذا لم ينزل عليه في الحين، على حد ما ورد في قوله تعالى في آية ثانية: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ (الحج: ٤٧)، وما ورد في قوله تعالى في آية ثالثة: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (الأنفال: ٣٢).
وقوله تعالى: ﴿ذِي الْمَعَارِجِ﴾، أي: معارج السماء، كما قال مجاهد، أو المراقي في السماء كما قال الحسن.
وقوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾، الضمير هنا
стр. 2669
يعود على الله، والمراد عرشه، أي تصعد الملائكة إلى العرش، كما تصعد أرواح بني آدم إليه عند قبضها حين الموت.
وقوله تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾، إما أن يكون إشارة إلى يوم القيامة، وما فيه من طول الموقف والشدائد والأهوال، وإما أن يكون إشارة إلى مدة اليوم الذي يعرج فيه الملك، وأن مقدار مسافته لو عرجه آدمي خمسون ألف سنة، من أيام البشر، ونسب أبو حيان هذا القول إلى " ابن عباس وابن إسحاق وجماعة من الحذاق منهم القاضي منذر بن سعيد ". وسبق في سورة " الحج " ذكر اليوم الذي يعدل بألف سنة، حيث قال تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ (الحج: ٤٧)، وبهذا يكون كلا اليومين من الأيام التي تندرج في عداد " أيام البشر "، إذ حساب أيام البشر تابع للزمان المعتاد بينهم، والمعهود عندهم، وهذه أيام أخرى ليست من جنس أيامهم، ولله في خلقه شؤون.
ودعا كتاب الله الرسول ﵇ إلى المزيد من الصبر، ومن " الصبر الجميل " الذي لا شكوى معه ولا يأس ولا قنوط، فقال تعالى مخاطبا لنبيه: ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾.
ثم عادت الآيات الكريمة إلى وصف يوم القيامة وأهواله، وما يقع فيه للمخلوقات من اضطراب وتناكر، وحرص كل فرد على النجاة بنفسه إن استطاع النجاة والخلاص، ناسيا كل الروابط التي كانت تربطه بغيره، ومتجاهلا كل العلاقات التي كانت تجمع
стр. 2670
بينه وبين أقربائه وأصدقائه، فالكل يقول: " نفسي نفسي "، ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ * وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا * يُبَصَّرُونَهُمْ﴾، أي لا يسأل صديق عن صديق، ولا قريب عن قريب، وإن كان يراه في أسوأ الأحوال، إذ هو مشغول بنفسه قبل كل شيء، ومعنى " المهل " ما أذيب من المعادن، مثل مذاب الذهب، أو مذاب الفضة، أو مذاب النحاس والرصاص والحديد، وسبق في سورة (الدخان: ٤٣، ٤٦)، قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الْأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾، ومعنى " العهن " الصوف المصبوغ الذي تطيره الريح إذا كان " منفوشا "، وسيأتي في سورة (القارعة: ٥)، قوله تعالى: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾، ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ * وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ * كَلَّا إِنَّهَا لَظَى * نَزَّاعَةً لِلشَّوَى * تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى * وَجَمَعَ فَأَوْعَى﴾، أي أن النار تدعو إليها الكافرين والمجرمين، الذين يحاولون الفرار منها، كما تدعو الأغنياء والمترفين الذين كانوا يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله، ويمنعون الفقراء من حق الله.
ثم تحدث كتاب الله عن بعض الصفات اللاصقة بالإنسان إذا كان فارغا من الإيمان، ذلك أنه يكون " هلوعا جزوعا " إذا مسه الشر، و " بخيلا منوعا " إذا ناله الخير، بخلاف المؤمن الذي هو على صلة دائمة بالله، عن طريق الذكر والصلاة، فإنه يكون محافظا على حقوق إخوانه المؤمنين يؤديها لهم، كما يؤدي ما
стр. 2671
عليه من حقوق الله سواء بسواء، وبهذه المناسبة تناولت الآيات الكريمة بالشرح والتحليل تعداد صفات المؤمنين، وما يميزهم عن غيرهم من الكفار والمنافقين، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ * وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ * وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾.
وتساءل كتاب الله مرة أخرى، منكرا على الكفار والمشركين ما هم عليه من عناد ونفور، واستكبار وغرور، رغما عما يقرع أسماعهم، ويزعزع كيانهم، من آيات الله البينات، وما يشاهدونه كل يوم على يد رسوله من المعجزات، ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾، أي: ما لهؤلاء الكافرين نافرين، ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ﴾، أي متفرقين يمينا وشمالا، معرضين مستهزئين، ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾، أي: أيطمع كل واحد من هؤلاء الفارين المستهزئين المغرورين أن يدخل الجنة وهو على ما هو عليه، عنادا للحق، وإصرارا على الكفر، ثم يجيب الله ردا على ما يتمنونه من الأماني الفارغة، ﴿كَلَّا﴾، أي لا سبيل لهم إلى دخول الجنة أبدا،
стр. 2672
﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ﴾، أي: أنهم يعرفون من أي شيء خلقناهم، فلا مفر لهم من الاعتراف بالخالق الذي خلقهم، والمبدع الذي أنشأهم، ولا سبيل لهم إلى الجنة إلا سلوك الطريق الوحيدة المؤدية إليها، ألا وهي طريق الإيمان بالله وبكتبه ورسله واليوم الآخر، ولا سيما الإيمان بالذكر الحكيم، والتصديق برسالة خاتم الرسل عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم. وقوله تعالى هنا: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾، يشبه قوله تعالى في آية أخرى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ (المدثر: ٤٩).
стр. 2673
الربع الأخير من الحزب السابع والخمسين
في المصحف الكريم (ق)
ــ
فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (٤٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٤١) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٤٢) يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (٤٤)
٧١ - سورة نوح مكية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١) قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤) قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (٦) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (٧) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (٨) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ
стр. 2674
وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (٩) فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢) مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤) أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (١٦) وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (١٨) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (١٩) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (٢٠) قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (٢١) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا (٢٤) مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا (٢٥) وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (٢٧) رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا (٢٨)
стр. 2675
الربع الأخير من الحزب السابع والخمسين
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
في حديث هذا اليوم نعالج تفسير الربع الأخير من الحزب السابع والخمسين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى في سورة "المعارج" المكية: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ * عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾، إلى قوله جل علاه في ختام سورة "نوح" المكية أيضا: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾.
ــ
في بداية هذا الربع يؤكد كتاب الله أن للقدرة الإلهية من إمكانات الخلق والإبداع على غير مثال سابق، ما يشمل الكون كله من أدناه إلى أقصاه، إذ الحق هو رب المشارق وهو رب المغارب على تعدادها، والكل منه وإليه، ولن يعجزه ما قدره من المعاد والبعث والنشور، كما يزعم المشركون، الذين سيطر عليهم الجهل والغرور، بل إن الله تعالى قادر على أن يعيدهم بنفس الأجساد التي كانوا عليها في الدنيا، وقادر على أن يبدلهم من أجسادهم في الدنيا أشكالا أخرى خيرا منها في
стр. 2676
الآخرة، وما دام الحق هو الذي خلق الإنسان على غير مثال سابق، وهو سبحانه غير مسبوق بغيره في خلق الإنسان وإبداعه، فأمر إعادة الإنسان بعد موته شيء يسير وهين بالنسبة لقدرته وحكمته، ولا حاجة إلى القسم عليه، وإلى هذا المعنى يشير قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ * عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾، وإلى هذا المعنى ينظر قوله تعالى في آية أخرى: ﴿عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (الواقعة: ٦١).
وهناك تفسير آخر لقوله تعالى: ﴿أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ﴾، بمعنى أن نخلق بدلهم أمة أخرى تطيع الله ولا تعصيه، وتصدق بيوم الدين ولا تشك فيه، على غرار قوله تعالى في آية ثانية: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ (محمد: ٣٨)، وقوله تعالى في آية ثالثة: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ (إبراهيم: ١٩). وهذا التفسير الأخير، هو الذي اختاره ابن جرير.
واتجه الخطاب الإلهي إلى الرسول ﵇، آمرا له بالإعراض عن المشركين والكافرين، بعد أن بلغ الرسالة إليهم، وأقام الحجة عليهم، مبينا أن من اختار منهم الضلال على الهدى والكفر على الإيمان، سيلقى جزاءه مقرونا بالذلة والهوان، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ * يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي
стр. 2677
كَانُوا يُوعَدُونَ﴾، ومعنى " يوفضون " يسرعون، و " النصب " ما نصب للإنسان من علم أو بناء أو صنم، فهو يقصده مسرعا إليه.
ومن هنا ننتقل إلى سورة " نوح " المكية أيضا، وفي بدايتها يتحدث كتاب الله عن الرسالة الأولى التي كلف الله بها رسوله نوحا ﵇، وما دعاهم إليه من عبادة الله وتقواه، وما حضهم عليه من طاعة الله ورسوله لنيل غفرانه ورضاه، وما حذرهم منه من حلول الأجل وهم غافلون، وحلول النقمة وهم مستكبرون، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ * يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، ففي هذه الآية يؤكد كتاب الله لرسوله والمؤمنين والناس أجمعين، أن مصدر الرسالة، ومنبعها الأول والأخير، كان ولا يزال في جميع العهود، وبالنسبة لجميع الأنبياء والرسل، من عهد نوح ﵇ إلى عهد سيدنا محمد خاتم النبيئين والمرسلين، هو الله تعالى خالق الخلق ومصدر الوجود، فهو الذي خلق الخلق وأرسل إليهم الرسل، لهدايتهم إلى سواء السبيل، وهو الذي كلف رسله جميعا بالدعوة إلى عبادة الله وتقواه، وإلى طاعة رسله فيما يبلغونه عن الله: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾، لكن قوم نوح لم تزدهم دعوة رسولهم إلا عنادا واستكبارا، ولم يزدهم إلحاحه على هدايتهم، وحرصه على إنقاذهم، إلا نفورا منه وفرارا، وأصروا
стр. 2678
على كفرهم إصرارا، رغما عن كل ما بذله نوح ﵇ من محاولات طويلة ومضنية لإصلاح حالهم، وما عرض عليهم من وعد الله حينا ووعيده حينا، ورغما عما لفت أنظارهم إليه من دلائل القدرة الإلهية، وآثار الحكمة الربانية، في آفاق الكون الظاهرة، وآفاق النفس الباطنة، وإلى ذلك يشير قوله تعالى حكاية على لسان نوح ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا * فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا * مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا * أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا * وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا * وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا * لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا﴾.
ومما يجب التنبيه إليه في هذا المقام أن " أسلوب الدعوة " الذي حكاه كتاب الله عن نوح ﵇ لا يختلف في شيء عن أسلوب الدعوة الذي استعمله خاتم النبيين والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، كما أن الحجج والبراهين الكونية والنفسية التي كان نوح يقارع بها قومه هي نفس الحجج والبراهين التي واجه بها رسول الله مشركي قريش ومن لف لفهم،
стр. 2679
وسلك طريقهم، مما يوضح لكل ذي عينين أن طبيعة الرسالة الإلهية واحدة، وأن مصدر الوحي الإلهي واحد، وأن الشبه التي تعرض لقصار النظر، والضلالات التي يقعون فيها، على تباعد ما بين العصور والأجيال، هي شبه وضلالات متقاربة، إن لم تكن متماثلة في أغلب الأحيان، وكما أن الداء البشري واحد، فالدواء الإلهي واحد.
وبعدما قام نوح ﵇ بتبليغ الرسالة عن ربه، واستعمل مع قومه جميع وسائل الترغيب والترهيب، وقضى أكبر قسم من حياته الطويلة في أداء الواجب دون الوصول معهم إلى جدوى أخذ يستعيذ بالله من كفرهم وعصيانهم، ويبرأ إليه من مكرهم وعدوانهم، وذلك ما يحكيه عنه قوله تعالى: ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا * وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا﴾، أي: مكرا كبيرا وعظيما.
ووصف كتاب الله الدعوة الضالة المضلة التي كان يقوم بها قوم نوح لإفساد الناس، وتحريضهم على الاستمساك بالشرك والوثنية، والتزام عبادة الأصنام، كما وصف كتاب الله أثر دعوتهم الضالة في النفوس، واستيلاءها على الأفكار، فقال تعالى حكاية عنهم: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا * وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾.
وهذه الأصنام وغيرها قد استمرت تقاليد عبادتها إلى حين ظهور الإسلام، إذ انتقلت عدواها من قوم نوح إلى العرب، فكان لقبيلة كلب صنم يدعى " ودا "، وكان لقبيلة هذيل صنم يدعى
стр. 2680
باسم " سواع "، وكان لقبيلة مراد ثم لبني غطيف صنم يدعى باسم " يغوث "، وكان لقبيلة همدان صنم يدعى باسم " يعوق "، وكان " نسر " صنما لقبيلة حمير.
وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾، إشارة إلى هذا المعنى، إذ إن السابقة الخبيثة والسنة السيئة التي سنها قوم نوح قد انتقلت عدواها منهم إلى غيرهم من البشر، ولا تزال عبادة الأصنام قائمة إلى اليوم في عدة شعوب أضلها سادتها وكبراؤها، ولولا أن من الله على البشرية بالإسلام لكان كثير من أبنائها حتى اليوم غارقا في عبادة الأصنام، وإلى تقرير هذه الحقيقة نفسها يشير دعاء إبراهيم الخليل بعد نوح ﵉، فقد حكى الله تعالى عن إبراهيم قوله في دعائه: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ (إبراهيم: ٣٥، ٣٦).
ثم أخذت الآيات الكريمة تسجل أدعية نوح على الضالين المضلين من قومه، بعد أن استفرغ جهده في هدايتهم، واستنفد طاقته في دعوتهم، ولم يصل معهم إلى أية نتيجة مرضية، وذلك قوله تعالى حكاية عن نوح ﵇: ﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا﴾، وقوله تعالى عنه أيضا: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾، أي: لا تبق منهم أحدا على وجه الأرض.
وبينت الآيات الكريمة أن الله قد استجاب دعاء نوح عليه
стр. 2681
السلام، فأهلك جميع من كان على وجه الأرض من الكافرين وأغرقهم، ولم يستثن منهم أحدا حتى ولد نوح من صلبه، الذي كان اعتزل عن أبيه، كما قال تعالى في سورة هود: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ * قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾، فرد عليه أبوه نوح قائلا: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾، ولم يجد ولد نوح وسيلة للخلاص من العذاب، ﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾، وإنما نجى الله سفينة نوح وحدها بمن فيها أصحابه المؤمنين، ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، وإلى إغراق قوم نوح في الدنيا وعذابهم في الآخرة يشير قوله تعالى هنا: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا﴾.
على أن الدافع الذي دفع نوحا ﵇ إلى الدعاء على قومه بالإبادة والهلاك لم يكن مجرد الرغبة في الانتقام منهم، على عدم استجابتهم إلى دعوته، وعدم إيمانهم برسالته، وإنما كان دعاؤه عليهم اقتناعا منه بأنهم قد بلغوا في الانحراف والفساد والضلال، إلى حد أنه لم يبق أي أمل في هدايتهم، ولا أدنى رجاء في إصلاحهم، فقد أصبح مرضهم مزمنا وداؤهم عضالا، والعضو المتآكل لا ينفع فيه إلا البتر، " وآخر الدواء الكي " وإلى هذا المعنى المبرر لدعاء نوح ﵇ على قومه، يشير قوله تعالى حكاية عنه وهو يخاطب ربه قائلا: ﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾.
стр. 2682
وبعدما عرض كتاب الله دعاء نوح على الكافرين، نقل إلينا صورة حية من دعائه للمؤمنين إلى يوم الدين، وفي نقل القرآن لهذه الصورة من الدعاء الصالح توجيه وإرشاد إلى كيفية الدعاء، وإلى صيغته وآدابه، وإلى من يستحق الدعاء له بالخير ومن لا يستحقه، وذلك قوله تعالى حكاية عن نوح ﵇: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾، أي: لا تزد الظالمين إلا هلاكا وخسارا.
стр. 2683
الربع الأول من الحزب الثامن والخمسين
في المصحف الكريم (ق)
ــ
٧٢ - سورة الجن مكية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (٢) وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (٣) وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا (٤) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (٥) وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦) وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا (٧) وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩) وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (١٠) وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا (١١) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا (١٢) وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا
стр. 2684
الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا (١٣) وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (١٤) وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥) وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (١٧) وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨) وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (١٩) قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا (٢٠) قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٢) إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (٢٣) حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا (٢٤) قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا (٢٥) عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (٢٨)
стр. 2685
٧٣ - سورة المزمل مكية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦) إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (٧) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (٨) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (٩) وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (١٠) وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (١١) إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (١٢) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا (١٣) يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا (١٤) إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا (١٦) فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (١٧) السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا (١٨) إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (١٩)
стр. 2686
الربع الأول من الحزب الثامن والخمسين
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
موضوع حديث اليوم تفسير الربع الأول من الحزب الثامن والخمسين في المصحف الكريم، وبدايته قوله تعالى في فاتحة سورة "الجن" المكية: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾، ونهايته قوله جل علاه في سورة "المزمل" المكية أيضا: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾.
ــ
تستغرق سورة " الجن " المكية أكبر جزء من هذا الربع، وإنما سميت باسم سورة " الجن " لما ورد فيها من الإخبار باستماع نفر من الجن إلى كتاب الله، وما كان له من وقع عظيم في نفوسهم، وتأثير قوي على مشاعرهم.
وهذه السورة الكريمة توضح عدة حقائق كانت قبل نزول القرآن مجهولة عند العرب وغيرهم من الأمم.
- الحقيقة الأولى: أن عالم الجن يشابه عالم الإنس في الاستعداد للخير والشر، وأنه يمكن أن يختار الهدى فيكون من
стр. 2687
المهتدين، وأن يختار الضلال فيكون من الضالين، اللهم إلا إبليس اللعين الذي طرده الله من رحمته، فأقسم على أن يغوي الناس أجمعين، وإلى هذه الحقيقة يشير قوله تعالى هنا في سورة " الجن ": ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾، ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ﴾.
- الحقيقة الثانية: أن عالم الجن لا سلطة له على عالم الإنس، وأن مخاوف الناس من الجن ترجع إلى أسباب وهمية أكثر مما ترجع إلى حقيقة واقعية، وهذا رد على مشركي قريش ومن لف لفهم من العرب وغير العرب، الذين كانوا يعتقدون أن للجن سلطانا على الأرض، وأن لهم قدرة على النفع والضر، حتى كان الواحد منهم إذا نزل بواد أو قفر استعاذ " بعظيم الجن " الذي يعتقد أنه حاكم في تلك الأرض قائلا: " أعود بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه "، بينما الجن لا ينفعون الإنس حين يلوذون بهم، بل يزيدون في إرهاقهم ما داموا يعوذون بهم ولا يستعيذون بالله، وإلى هذه الحقيقة يشير قوله تعالى هنا في سورة " الجن ": ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾.
- الحقيقة الثالثة: أن عالم الجن لا يعرف من " علم الغيب " شيئا، وأن علم الغيب مقصور على الله تعالى وحده، وهذا إبطال لما كان شائعا في الجاهلية، ولا يزال شائعا حتى اليوم في أوساط الجهّال، من أن الجن تطّلع على الغيب وتخبر به الكهان والعرافين، فذلك إنما هو محض ادعاء وافتراء على الله، ولا سيما
стр. 2688
بعد نزول كتاب الله، حيث لم يعد " استراق السمع " ممكنا، وإلى هذه الحقيقة يشير قوله تعالى هنا في سورة " الجن ": ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا * وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾، وبذلك أبطل كتاب الله الكهانة والعرافة من الأساس، وأعلن تحرير العقل البشري من هذا الوسواس.
- الحقيقة الرابعة: أن عالم الجن الذي وجد بين الناس من يعبده من دون الله، ووجد بين مشركي العرب من ينسب إلى الله سبحانه أنه اتخذ من بين أفراده زوجة هي التي تلد له الملائكة، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، هو نفسه يكذّب هذا الإدعاء، ويسفه هذا الاعتقاد، منكرا على من يعبدون الجن عبادتهم، ومنكرا على من ينسبون الزوجة والولد إلى الله نسبتهم، وإلى هذه الحقيقة يشير قوله تعالى هنا في سورة " الجن ": ﴿وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا * وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾.
- الحقيقة الخامسة: أن عالم الجن يعترف بعجزه وقصوره وضعف حيلته أمام قدرة الله، وبذلك يبين لمن يستعين بهم من الإنس، ولمن يجعل بينهم وبين الله نسبا مثل مشركي قريش، أن القوة الوحيدة والغالبة والمتصرفة في الكون هي قوة الله وحده دون سواه، باعتراف الجن أنفسهم، فالكل مقهور لقدرته، ولا يستطيع الفرار من قبضته، وإلى هذه الحقيقة يشير قوله تعالى هنا في
стр. 2689
سورة " الجن ": ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾.
وبعدما بيّنا الحقائق التي تحتوي عليها سورة " الجن " المكية فلنتناول الآيات الكريمة الواردة في هذا السياق على التتابع.
فقوله تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾، إشارة إلى إخبار الله لرسوله بأن طائفة من الجن -والطائفة ما بين الثلاثة والتسعة- وهذا هو " النفر " - قد استمعت إليه وهو يرتل كتاب الله أثناء صلاته بالمسلمين. وقد أكد ابن عباس أن النبي ﷺ ما قرأ على الجن ولا رآهم بنفسه أبدا، وإنما أخبره الله باستماعهم إلى تلاوته لا غير، قال شيخ الإسلام المصلح الكبير المرحوم السيد محمد الخضر حسين في تعليقه على " موافقات الشاطبي ": " مضى صدر الإسلام، وليس من مدع رؤية الجن، أو التلقي عنهم، أو التزوج بهم، أو استحقاقهم لأن يتقرب إليهم بالذبائح والأطعمة، حتى قام من يزعم ذلك كله، واتسع خرق هذه الضلالة، فكانت إحدى العلل التي فتكت بعقول كثيرة. وألقت بها في تخيلات سخيفة، ومزاعم يتبرأ منها الشرع الحكيم، قبل أن يتهكم بها النظر الصحيح ".
وقوله تعالى: ﴿فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾، حكاية لوقع القرآن الكريم في نفوس هذا النفر من الجن، وأنهم وجدوه " عجبا "، أي: على غير المألوف والمعهود في كلام الخلق، لأنه تحيطه هالة من الهيبة والجلال، وتنبعث منه
стр. 2690
أشعة نورانية تخترق جميع الحجب، بوصفه " كلام الله "، وأنهم وجدوه " يهدي إلى الرشد "، أي: يفتح الأبصار، وينير البصائر، ويوجه نحو الطريق السوي في السلوك والمعاملة والتصرف، وأنهم بعدما تأثروا بأسلوبه وروحه ومحتواه لم يسعهم إلا الإيمان به دون تردد: ﴿فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾.
وقوله جل علاه: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾، تنزيه لله تعالى واعتراف بعظمته، وتقدير له حق قدره، " فالجد " هنا بمعنى القدر والمقام، وهذه الآية تكذيب من مؤمني الجن لمشركي قريش فيما كانوا يعتقدونه من تناسل الملائكة عن الجن، ونسبة الصاحبة والولد، إلى الواحد الأحد، الذي لم يلد ولم يولد.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا﴾، استنكار من مؤمني الجن لما يقوله سفهاء الجن وكفارهم من الافتراء على الله، نظير ما يقوله سفهاء الإنس وكفارهم.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾، أي: ما حسبنا أن الإنس والجن يتمالئون على الكذب والبهتان، فينسبون لله ما يستحيل في حقه من الزوجات والولدان.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾، أي: إن الجن لما رأت أن الإنس يعوذون بهم لخوف الإنس منهم زادوهم تخويفا وإرهابا، وازدادت
стр. 2691
الجن بذلك جرأة على الإنس.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا﴾، أي: إن أولئك الرجال من الإنس الذين كانوا يعوذون برجال من الجن ظنوا كما يظن كفار الجن أن الله لن يبعث رسولا عقب " الفترة " التي مرت منذ بعثة عيسى ﵇، لكن ها هو الرسول قد بعثه الله، وها هو الكتاب قد أنزله الله.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾، يفيد أن الجن كانوا خلال " عقد الفترة " بين رسالة عيسى ﵇ ورسالة خاتم الأنبياء والمرسلين يحاولون الاتصال بالملأ الأعلى لاستراق السمع، لكن هذه المحاولة لم يبق لها مكان ولا إمكان، منذ بعث الله رسوله محمدا ﵇، وأنزل القرآن، فالطريق إلى الملأ الأعلى محروس بحرس شديد من عند الله، ويحيط به خط من الشهب الموجهة للحيلولة دون التطاول على أسرار علم الله.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾، اعتراف من مؤمني الجن بأنهم لا يعلمون الغيب، وأنهم تبعا لذلك لا يعرفون حكمة الله فيما أحاط به مكنون السماء، من الحرس الشديد، والشهب الثاقبة.
ومن اللطائف هنا ما في التعبير المحكي عنهم من الأدب مع الله، فقد أسندوا " الشر " إلى المجهول، ولم يبينوا فاعله:
стр. 2692
﴿لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾، بينما أسندوا " الخير " مباشرة إلى الله تعالى: ﴿أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾، تقرير لأن عالم الجن يشبه عالم الإنس، بما فيه من الاستعداد للالتحاق بركب الصالحين أو بغير الصالحين، فهم أيضا مختلفون في الاتجاه والعمل، منهم الكافر ومنهم المؤمن.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾، إشارة إلى إيمانهم بأن قدرة الله حاكمة عليهم، وأنهم حتى لو حاولوا الهروب منها لما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا﴾، إعراب عن إيمانهم بكتاب الله بعد سماعه، وعن اهتدائهم بهديه، وعن ثقتهم بوعد الله الذي لا يظلم أحدا من عباده مثقال ذرة.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا * وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾، تأكيدا لأنه يوجد بين الجن مؤمنون وكافرون. ومن اللطائف هنا التعبير عن " الكافر " بلفظ " قاسط " أي: ظالم، لأن الكفر يجامع الظلم ويماشيه، بينما وقع التعبير عما يقابل " القاسط " أي الظالم بكلمة " مسلم "، كأن لفظ " مسلم " مرادف للفظ " عادل "، وذلك إشارة إلى أن المسلم متى كان مسلما حقا لا يكون إلا ملتزما للعدل مطبوعا على الإحسان، عدوا للظلم والظالمين.
стр. 2693
وانتقلت الآيات الكريمة إلى الحديث عن الاستقامة وما يترتب عليها من الآثار الطيبة في الدنيا والآخرة: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾، وإلى الحديث عن حرمة المساجد وقداستها ورسالتها في الإسلام: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾، وإلى الحديث عما يتحمله رسول الله ﷺ من أذى المشركين وتكتلهم ضد الدين الحنيف: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾.
واتجه الخطاب الإلهي إلى خاتم النبيين والمرسلين، ملقنا إياه ما يرد به هجمات المشركين، وما يبطل ادّعاءاتهم، ويوقف اعتداءاتهم، مشيرا إلى ما يحرس به رسوله من الحفظة الكرام، حتى يبلغ رسالة ربه في حفظ الله ورعايته: ﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا * لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾.
ومن هنا ننتقل إلى سورة " المزمل " المكية، وفي مطلعها أمر من الله ورسوله ﵇ بالقيام والخروج من دفء البيت إلى أكبر معترك في الحياة، ألا وهو أداء الرسالة، التي أعدته لها الأقدار الإلهية، إلى الناس كافة، وذلك قوله تعالى: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾.
стр. 2694
ومنذ صدر هذا الأمر الإلهي لخاتم الأنبياء والمرسلين وهو قائم على قدم وساق يبلغ الرسالة، ويؤدي الأمانة، حوالي ثلاث وعشرين سنة، دون ملل ولا فتور، ممتثلا أمر ربه بالصبر على أذى المكذبين، محذرا إياهم من عذاب يوم الدين: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا * وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا * يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾، ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا * السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا﴾.
وختم هذا الربع بالإشارة إلى أن هذه السورة، بما فيها من آيات بينات، إنما هي موعظة لمن أراد أن يتعظ، وتذكرة لمن أراد أن يتذكّر، والسعيد كل السعيد من اتعظ وتذكر، وفكر في عاقبة أمره وتدبر، ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾.
стр. 2695
الربع الثاني من الحزب الثامن والخمسين
في المصحف الكريم (ق)
ــ
إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٠)
٧٤ - سورة المدثر مكية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (٧) فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠) ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤)
стр. 2696
ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (٢٧) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠) وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ (٣١) كَلَّا وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (٣٤) إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧) كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧) فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)
стр. 2697
فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١) بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (٥٢) كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ (٥٣) كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (٥٤) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (٥٦)
стр. 2698
الربع الثاني من الحزب الثامن والخمسين
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
في حديث هذا اليوم نتناول تفسير الربع الثاني من الحزب الثامن والخمسين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى في سورة "المزمل" المكية: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾، إلى قوله جل علاه في ختام سورة "المدثر" المكية: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ * وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾.
ــ
تعود الآيات الكريمة في مطلع هذا الربع إلى الحديث مرة أخرى عن " قيام الليل " الذي كان أوجبه الله على المسلمين في فجر الإسلام، وعلى رأسهم أول المسلمين سيد الأنام، ﵊، فقد اقتضت حكمة الله، إعدادا لنبيه، واختبارا للطائفة الأولى من المؤمنين، أن يفرض عليه وعليهم التهجد بالليل، واستمرت هذه الفريضة سارية المفعول مدة غير قصيرة، وإلى فرضها أشار قوله تعالى في الربع الماضي: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾.
стр. 2699
وروي عن عائشة أنها قالت: " إن الله افترض قيام الليل في أول هذه السورة - تقصد سورة المزمل- فقام رسول الله وأصحابه حولا، حتى انتفخت أقدامهم، وأمسك الله خاتمتها في السماء اثني عشر شهرا، ثم أنزل الله التخفيف في آخر هذه السورة، فصار قيام الليل تطوعا، من بعد ما كان فريضة، وإلى هذا " التخفيف " وجعل قيام الليل تطوعا بعد أن كان فرضا يشير قوله تعالى في هذا الربع الذي هو موضوع حديث اليوم: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾، قال ابن كثير: " وقد قال ابن عباس وعكرمة ومجاهد والحسن وقتادة وغير واحد من السلف إن هذه الآية نسخت ما كان الله قد أوجبه على المسلمين أولا من قيام الليل ".
ورغما عن إسقاط فريضة " التهجد " فإن رسول الله ﷺ بقي يتهجد بالخصوص طوال عهد الرسالة، إلى أن انتقل إلى الرفيق الأعلى، ولم يقل قيامه عن ثلث الليل، وكان ﷺ يوتر بإحدى عشرة ركعة، فلما تقدم به السن أخذ يوتر بسبع ركعات، ثم يصلي ركعتين وهو جالس، كما روي عن عائشة ﵂، وذلك امتثالا لقوله تعالى خطابا لرسوله: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾. قالت عائشة: " كان رسول الله ﷺ يقرأ السورة فيرتلها، حتى تكون أطول من أطول منها "، وسئلت أم سلمة عن قراءة رسول الله، فقالت: " كان
стр. 2700
يقطع قراءته آية آية: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾، أي: إنه سبحانه يطيل من هذا، ويقصر من ذاك فيطول الليل وينقص، ويأخذ هذا من هذا أحيانا، ويعتدلان أحيانا، طبقا للناموس الذي وضعه الله لهما.
وقوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾، إشارة إلى فرض قيام الليل، الذي كان الله قد فرضه على المسلمين اختبارا لهم، وإن كان يعلم عجزهم عن موالاة القيام به دائما، وها هو الحق سبحانه يخففه عنهم، حتى لا يكون عليهم في الدين من حرج، ويشهد لمعنى هذه الآية قوله تعالى في آية أخرى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ (الأنفال: ٦٦).
وقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾، إذْنٌ من الله تعالى للمؤمنين بأن يكتفوا بقراءة ما تيسر من القرآن، أثناء صلاة الليل، وفسر ابن كثير هذه الآية بمعنى: " قوموا من الليل ما تيسر " من غير تحديد، لا بثلثي الليل ولا بنصفه ولا بثلثه ".
وقوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، إشارة إلى حكمة الله في التخفيف عن المسلمين من فريضة قيام الليل، وجعل قيامه تطوعا لا غير، فهنالك
следующие страницы →