Полный текст (2 848 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.
стр. 2696
ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (٢٧) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠) وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ (٣١) كَلَّا وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (٣٤) إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧) كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧) فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)
стр. 2697
فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١) بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (٥٢) كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ (٥٣) كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (٥٤) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (٥٦)
стр. 2698
الربع الثاني من الحزب الثامن والخمسين
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
في حديث هذا اليوم نتناول تفسير الربع الثاني من الحزب الثامن والخمسين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى في سورة "المزمل" المكية: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾، إلى قوله جل علاه في ختام سورة "المدثر" المكية: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ * وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾.
ــ
تعود الآيات الكريمة في مطلع هذا الربع إلى الحديث مرة أخرى عن " قيام الليل " الذي كان أوجبه الله على المسلمين في فجر الإسلام، وعلى رأسهم أول المسلمين سيد الأنام، ﵊، فقد اقتضت حكمة الله، إعدادا لنبيه، واختبارا للطائفة الأولى من المؤمنين، أن يفرض عليه وعليهم التهجد بالليل، واستمرت هذه الفريضة سارية المفعول مدة غير قصيرة، وإلى فرضها أشار قوله تعالى في الربع الماضي: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾.
стр. 2699
وروي عن عائشة أنها قالت: " إن الله افترض قيام الليل في أول هذه السورة - تقصد سورة المزمل- فقام رسول الله وأصحابه حولا، حتى انتفخت أقدامهم، وأمسك الله خاتمتها في السماء اثني عشر شهرا، ثم أنزل الله التخفيف في آخر هذه السورة، فصار قيام الليل تطوعا، من بعد ما كان فريضة، وإلى هذا " التخفيف " وجعل قيام الليل تطوعا بعد أن كان فرضا يشير قوله تعالى في هذا الربع الذي هو موضوع حديث اليوم: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾، قال ابن كثير: " وقد قال ابن عباس وعكرمة ومجاهد والحسن وقتادة وغير واحد من السلف إن هذه الآية نسخت ما كان الله قد أوجبه على المسلمين أولا من قيام الليل ".
ورغما عن إسقاط فريضة " التهجد " فإن رسول الله ﷺ بقي يتهجد بالخصوص طوال عهد الرسالة، إلى أن انتقل إلى الرفيق الأعلى، ولم يقل قيامه عن ثلث الليل، وكان ﷺ يوتر بإحدى عشرة ركعة، فلما تقدم به السن أخذ يوتر بسبع ركعات، ثم يصلي ركعتين وهو جالس، كما روي عن عائشة ﵂، وذلك امتثالا لقوله تعالى خطابا لرسوله: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾. قالت عائشة: " كان رسول الله ﷺ يقرأ السورة فيرتلها، حتى تكون أطول من أطول منها "، وسئلت أم سلمة عن قراءة رسول الله، فقالت: " كان
стр. 2700
يقطع قراءته آية آية: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾، أي: إنه سبحانه يطيل من هذا، ويقصر من ذاك فيطول الليل وينقص، ويأخذ هذا من هذا أحيانا، ويعتدلان أحيانا، طبقا للناموس الذي وضعه الله لهما.
وقوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾، إشارة إلى فرض قيام الليل، الذي كان الله قد فرضه على المسلمين اختبارا لهم، وإن كان يعلم عجزهم عن موالاة القيام به دائما، وها هو الحق سبحانه يخففه عنهم، حتى لا يكون عليهم في الدين من حرج، ويشهد لمعنى هذه الآية قوله تعالى في آية أخرى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ (الأنفال: ٦٦).
وقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾، إذْنٌ من الله تعالى للمؤمنين بأن يكتفوا بقراءة ما تيسر من القرآن، أثناء صلاة الليل، وفسر ابن كثير هذه الآية بمعنى: " قوموا من الليل ما تيسر " من غير تحديد، لا بثلثي الليل ولا بنصفه ولا بثلثه ".
وقوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، إشارة إلى حكمة الله في التخفيف عن المسلمين من فريضة قيام الليل، وجعل قيامه تطوعا لا غير، فهنالك
стр. 2701
" مرضى " لا يسمح لهم بقيام الليل، وهناك " مسافرون " يضربون في الأرض، سعيا في طلب الرزق والتكسب بالتجارة، ابتغاء فضل الله، قد يضطرون إلى السفر ليلا فضلا عن النهار، وهنالك " مجاهدون " ينتظر أن يكرسوا حياتهم للجهاد في سبيل الله، قد تدعوهم الضرورة إلى الانتفاع بالسُرى والمشي إلى ساحة الجهاد ليلا، " وعند الصباح يحمد القوم السرى " كما يقول المثل العربي.
ثم عقب كتاب الله على هذه الأعذار الشرعية المعقولة وما ماثلها، بإعادة أمر " التخفيف " وتكريره مرة أخرى فقال تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾، أي الآن خفف الله عنكم، فخففوا إذن على أنفسهم، واكتفوا بقراءة ما تيسر من القرآن فيما تيسر من صلاة الليل، حسبما تسمح به ظروفكم، دون مشقة زائدة ولا إرهاق، وكان الحسن البصري يرى أن من الواجب على حملة القرآن أن يقوموا بقراءة شيء منه في الليل.
ونبه ابن كثير إلى أن ذكر " القتال في سبيل الله " في هذه السورة المكية، ولم يكن القتال قد شرع بعد، يعد من أكبر دلائل النبوة، لأنه من باب الإخبار بالمغيبات المستقبلة.
وقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾، يفيد صدور الأمر الإلهي للمسلمين بأداء الصلاة مع إيتاء الزكاة منذ كانوا بمكة، وقبل أن ينتقلوا إلى المدينة، قال ابن كثير: " وهذا يدل لمن قال إن فرض الزكاة نزل بمكة، لكن مقادير النصب والمخرج منها لم يبين إلا بالمدينة، والله أعلم ".
стр. 2702
وقوله تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾، أي: أن ما تقدمونه بين أيديكم لآخرتكم تجدونه عند الله خيرا لكم مما أبقيتم وراءكم في دنياكم. روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: " إنما مال أحدكم ما قدم، ومال وارثه ما أخر "، رواه البخاري في صحيحه والنسائي في سننه.
وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، إشارة إلى الأثر الطيب الذي يثمره العمل الصالح، فإنه طريق إلى غفران الله ونيل رضوانه.
ولننتقل الآن إلى سورة " المدثر " المكية أيضا، مستعينين بالله، وقد ثبت في صحيح البخاري عن جابر بن عبد الله أنه كان يقول: " أول شيء نزل من القرآن ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾، فقد سأله أبو سلمة بن عبد الرحمن عن أول ما نزل من القرآن، فقال له: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾، قال أبو سلمة: قلت: يقولون: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، قال له جابر: لا أحدثك إلا ما حدثنا رسول الله ﷺ ، ورواه مسلم أيضا وفيه: أن جابر بن عبد الله سمع رسول الله ﷺ يحدثه عن فترة الوحي، وأنه نزل عليه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾، ثم حمي الوحي وتتابع. قال ابن كثير: " وخالف الجمهور جابر بن عبد الله، فذهبوا إلى أن أول القرآن نزولا قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (العلق: ١)، ثم بين أن الجمع بين رواية جابر بن عبد الله ورأي الجمهور
стр. 2703
ممكن وغير متعذر، على أساس أن ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ هو أول قرآن نزل على رسول الله، لأول ما تلقى الوحي من عند الله، ثم فتر الوحي مدة، وبعد استيناف الوحي إلى رسول الله كان أول شيء ينزل عليه من القرآن سورة " المدثر ": ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ﴾، إلى آخر الآيات.
وقوله تعالى: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾، انتداب وجهه الحق إلى رسوله للقيام بتلقي الرسالة وتبليغها إلى الناس، وإغراء له على استقبال مرحلة جديدة من الحياة، هي حياة الكفاح والجهاد في سبيل الله، والتطوع الدائم لهداية الخليقة إلى خالقها، وإرشاد الإنسانية إلى مبدعها.
وقوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾، أمر من الله لرسوله بالطهارة التي هي من أولى شعائر الإسلام وضرورياته. ونبه ابن كثير إلى أن هذه الآية قد تشمل الطهارة من الذنوب، والطهارة من الإثم، وطهارة الجسم والثياب، وطهارة القلب أيضا. فإن العرب تطلق لفظ " الثياب " حتى على القلب، بحيث يكون من جملة معاني الآية: " وقلبك فطهر ".
وقوله تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾، أي: حارب الأصنام والأوثان، وادع الناس إلى هجرها.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾، قال ابن عباس: أي: " لا تعط العطية تلتمس أكثر منها "، وقال الحسن البصري: " لا تمنن بعملك على ربك تستكثره "، واختاره ابن جرير.
стр. 2704
وقوله تعالى: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾، أمر للرسول ﵇ بالتأهب والاستعداد لتحمل تكاليف الرسالة وأعباءها، وعدم التأثر بما يقف في طريقها من العقبات والعراقيل، وأنواع الأذى على غرار قوله تعالى في سورة " المزمل " السابقة: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا * وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾، وكما أن " الصبر الجميل " هو الذي لا شكوى معه " فالهجر الجميل " هو الذي لا عتاب معه.
وقوله تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا * سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾، توعّد من الله ﷻ لمن أنعم عليه ربه بأجل النعم، فكفر بأنعم الله، وقابلها بالجحود والعصيان، ولم يعترف لربه بأي شكر أو امتنان، على غرار قوله تعالى في سورة " المزمل " السابقة: (١٠ - ١٢) ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا * إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا * وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً﴾، أي: ما جعلنا خزنة جهنم، المكلفين بها، إلا من الملائكة، وقد وصف الحق سبحانه في آية أخرى خزنة جهنم بأنهم " غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون " فالمراد " بأصحاب النار " في هذه الآية بالخصوص خزنة جهنم، لا نفس المعذبين فيها، بينما المراد " بأصحاب النار " في غيرها من الآيات أهل النار أنفسهم، المعذبون فيها على الدوام.
стр. 2705
وتحدث كتاب الله في الآيات الباقية من هذا الربع عن إيمان المؤمنين الذين يزداد إيمانهم على مر الأيام، وعن نفاق المنافقين الذين في قلوبهم مرض، وعن جنود الله المبثوثة في أرجاء الكون، والتي لا يحصيها إلا خالقها، ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾، وعن عذاب النار وأهوالها، وما يلقاه المجرمون فيها، وعن نعيم الجنة المقيم، وما يلقاه المؤمنون فيها من الرعاية والتكريم.
ووضح كتاب الله " حيثيات الحكم الإلهي " العادل، الصادر بعذاب المجرمين، إذ قال تعالى حاكيا لاعترافاتهم وعلى لسانهم: ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾، ثم عقب كتاب الله على اعترافاتهم قائلا: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾، إشارة إلى القرآن العظيم، ورسالته السامية التي يؤديها للخلق، فهو الذي يذكر الناسين، وينبه الغافلين، ويهدي الضالين.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾، تنبيه إلى وجوب الأدب مع الله في كل ما يأتيه المؤمن من أعمال وتصرفات، بحيث يربطها في ذهنه ويقينه دائما بمشيئة الله العليا، فهو الذي بيده مقاليد الكون الظاهرة والباطنة، وكما أنه سبحانه " أهل " لأن يتقيه عباده، ويلتزموا طاعته وتقواه، فهو سبحانه أيضا " أهل " لأن يغفر لعباده إذا أنابوا إلى ربهم وتابوا إليه من ذنوبهم، ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾.
стр. 2706
الربع الثالث من الحزب الثامن والخمسين
في المصحف الكريم (ق)
ــ
٧٥ - سورة القيامة مكية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢) أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (٤) بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (٥) يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (٦) فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩) يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) كَلَّا لَا وَزَرَ (١١) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢) يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣) بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (١٥) لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩) كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (٢٠) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ (٢١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (٢٤) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (٢٥) كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (٢٦) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (٢٧) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (٢٨) وَالْتَفَّتِ
стр. 2707
السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (٣٠) فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢) ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (٣٣) أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٥) أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)
٧٦ - سورة الإنسان مدنية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣) إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا (٤) إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (٦) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (١٠) فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (١١) وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (١٢) مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا (١٣) وَدَانِيَةً
стр. 2708
عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (١٤) وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (١٦) وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (١٧) عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (١٨)
стр. 2709
الربع الثالث من الحزب الثامن والخمسين
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
موضوع حديث اليوم تفسير الربع الثالث من الحزب الثامن والخمسين في المصحف الكريم، وبدايته قوله تعالى في فاتحة سورة "القيامة" المكية: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾، ونهايته قوله جل علاه في سورة "الإنسان" المكية أيضا: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا * عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾.
ــ
في مطلع هذا الربع وهو فاتحة سورة " القيامة " المكية، إشارة إلى أمرين اثنين: الأمر الأول القيامة وأهوالها. والأمر الثاني: النفس وأحوالها، وكأن فاتحة هذه السورة براعة استهلال، فقد استغرق الحديث عن هذين الأمرين السورة بتمامها، من بدايتها إلى نهايتها، ﴿بسم الله الرحمن الرحيم لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾، والمقسم عليه في هذا المقام هو نفي ما يزعمه المشركون، من أنه لا قيام للساعة ولا بعث للإنسان، والتأكيد على إثبات المعاد، وبعث الأجساد.
أما " يوم القيامة " فمعروف، وأما " النفس اللوامة " فقد قال
стр. 2710
مجاهد: " هي التي تندم على ما فات وتلوم عليه "، وقال الحسن البصري: " إن المؤمن - والله- ما نراه إلا يلوم نفسه، ما أردت بكلمتي؟ ما أردت بأكلتي؟ ما أردت بحديث نفسي؟، وإن الفاجر يمضي قدما ما يعاتب نفسه "، والأشبه بظاهر التنزيل في رأي ابن جرير أن " النفس اللوامة " هي التي تلوم صاحبها على الخير والشر، وتندم على ما فات، وقال ابن عطية: " كل نفس متوسطة ليست بمطمئنة ولا أمارة بالسوء، فإنها لوامة في الطرفين، مرة تلوم على ترك الطاعة، ومرة تلوم على فوت ما تشتهي، فإذا اطمأنت خلصت وصفت، ولعل كلمة " الضمير " بالمعنى المتعارف اليوم ترادف كلمة " النفس اللوامة "، ولا سيما إذا كان ضميرا حيا لا ميتا، فوخز الضمير يشابه لوم النفس من عدة وجوه.
وتساءل كتاب الله عن الوهم الذي يداخل بعض النفوس الضعيفة، ولا سيما نفوس المشركين، وهو استبعادهم إعادة الحياة إلى الإنسان بعد موته، المعبر عنها هنا " بجمع عظامه بعد افتراقها " حيث قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ﴾، ثم أجاب كتاب الله على هذا التساؤل الغريب بما يفيد أن الله قادر على ذلك وعلى أكثر منه، وليس بعزيز على قدرته سبحانه أن ينشئ الإنسان في خلق جديد، أو أن يعيد تكوينه على ما كان عليه بأدق أجزاءه وجميع تفاصيله، بحيث لا ينقص من الإنسان المعروف أي عضو من أعضائه مهما صغر، ولا يتبدل فيه شكل أي عضو مهما دق، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾، ولا غرابة في هذا، فإن الإنسان
стр. 2711
ليس إلا مخلوقا من صنع الله وإبداعه، وهو سبحانه الذي انفرد بإنشائه سلالة ونوعا وأفرادا، منذ ظهر على وجه الأرض إلى يوم الدين: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ (الكهف: ٥١).
ثم بين كتاب الله لماذا يميل ضعاف النفوس إلى عدم الإيمان بالبعث والنشأة الآخرة، موضحا أن السبب في ذلك هو ما يطغى عليهم من الشهوات واللذات، وما يغرقون فيه من أنواع الفسق والفجور، وما يحرصون عليه من تفادي كل ما ينغص عليهم هذا النوع التافه من " العيش البهيمي " الذي ألفوه ولا يستطيعون عنه انفكاكا، وإلى هذا المعنى يشير قوله تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾، قال مجاهد: " ليفجر أمامه " أي: ليمضي أمامه راكبا رأسه.
ووضح كتاب الله نفسية ضعاف النفوس الفجرة، وإصرارهم على ما هم فيه من فسق وفجور، ومحاولتهم بكل الوسائل لدفع " شبح " البعث والنشأة الآخرة عن خيالهم المريض، وذلك بتكذيبهم لوجوده حينا، واستبعادهم لوقوعه حينا آخر، وإلى هذا المعنى يشير قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ﴾، أي: يسأل ذلك الإنسان عنه سؤال استبعاد لوقوعه، حتى لا يقض مضجعه، ولا ينغص عيشه، لأنه يرغب في أن يفجر، وأن يمضي في فجوره باستمرار، دون مكدر ولا معقب، لكن الإنسان المكذب بالبعث، المستبعد لوقوعه، حرصا على الاستمتاع بشهواته دون حساب، لا يلبث أن يفاجأ بالحقيقة المرة، عندما يرى أن القيامة قد قامت، وأن ساعة
стр. 2712
البعث قد حلت، فيتساءل إلى أين الفرار؟ ويجد نفسه وقد سقط في شرك الأقدار، أحقر وأعجز من فار: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ * وَخَسَفَ الْقَمَرُ * وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ * يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ﴾.
ويرد كتاب الله على سؤال الفاجر المستهتر، المكذب بالبعث والنشور، ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ﴾، أي: ها أنت قد وقعت في قبضة الله، وليس لك أي مكان تعتصم فيه من عذاب الله، ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾، أي: إليه المرجع والمصير، ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾، أي: يخبر الإنسان بجميع أعماله، أولها وآخرها، قديمها وحديثها، صغيرها وكبيرها، ما قدمه قبل وفاته من الأعمال، وما يترتب على تلك الأعمال بعد وفاته من الآثار، هل سن سنة حسنة فيكون له أجرها وأجر من عمل بها؟ أو سن سنة سيئة فيكون عليه وزرها ووزر من عمل بها؟ وها هنا ينكشف الستار، وتسقط الأعذار، فها هو الإنسان قد اطلع على كتابه، وها هو قد تلقى سجل حسابه، وكفى بنفسه عليه حسيبا، وشاهدا ورقيبا: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾.
واتجه الخطاب الإلهي بعد ذلك إلى خاتم الأنبياء والمرسلين، ملقنا إياه الكيفية التي ينبغي أن يكون عليها عند تلقي الوحي من عند الله، والمراحل التي تتبع ذلك، فقال تعالى في خطابه لنبيه: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾، فالحالة الأولى بعد تلقيه
стр. 2713
القرآن من الملك جمعه في صدره ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ﴾، والحالة الثانية تلاوته: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾، والحالة الثالثة تفسيره وإيضاح معناه: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ معناه إذا تلاه عليك الملك عن الله تعالى فاستمع له، ثم اقرأه كما أقرأك.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾، أي: بعد حفظه وتلاوته نبينه لك، ونلهمك معناه على ما أردنا وشرعنا، كما فسره ابن كثير، وإلى هذا الموضوع نفسه يشير قوله تعالى في آية أخرى: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (طه: ١١١)، قال المفسر الشهيد: " إن الإيحاء الذي تتركه في النفس هذه الآيات هو تكفل الله المطلق بشأن هذا القرآن، وحيا وحفظا وجمعا وبيانا، وإسناده إليه سبحانه بكليته، ليس للرسول ﷺ من أمره إلا حمله وتبليغه، ثم لهفة الرسول ﷺ وشدة حرصه، على استيعاب ما يوحى إليه، وخشيته أن ينسى منه عبارة أو كلمة، مما كان يدعوه إلى متابعة جبريل ﵇ في التلاوة آية آية، وكلمة كلمة، يستوثق أن شيئا منها لم يفته، ويتثبت من حفظها فيما بعد ".
ثم عاد كتاب الله إلى مخاطبة الغافلين المغرورين الذين يستغرقون كل حياتهم في الشهوات والملذات دون أن يحسبوا لما بعدها أي حساب، فقال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ﴾، وكأن في هذا الخطاب تلويحا إلى ما في طبع الإنسان
стр. 2714
من غريزة " العجلة ": ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ (الأنبياء: ٣٧)، فبحكم هذه الطبيعة البدائية يميل الإنسان الغافل إلى الاستمتاع بيومه قبل غده، ويلتهم العيش التهاما، دون أن يفكر في العواقب، على حد قول القائل: " ولك الساعة التي أنت فيها "، لكن العاقل من شغل عمره بما يستمر ويبقى، لا من يشغله بما يمر ويفنى. ولعل هذا هو السر في وصف القرآن الكريم للدنيا في هذه الآية باسم " العاجلة " إيماء إلى قصر مدتها، وسرعة فنائها، وإشارة إلى استغراق الغافلين المغرورين في شهواتها وملذاتها، خشية فواتها.
وانتقل كتاب الله بعد ذلك إلى وصف ما أعده الله في الآخرة للمتقين المصدقين، وما أعده فيها للمحرومين المكذبين: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾.
ويتساءل كتاب الله سؤال استنكار واستغراب: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾، أي: أيظن الإنسان أنه خلق ليترك في حياته هملا لا يؤمر ولا ينهى، وأنه خلق ليترك بعد موته منسيا لا يحاسب ولا يعاقب: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾.
ومن هنا ننتقل إلى سورة " الإنسان " المكية أيضا، مستعينين بالله، سائلين منه الهداية والتوفيق.
стр. 2715
وفي مطلع هذه السورة الكريمة يعود الحديث من جديد إلى موضوع الإنسان الذي لم يخلقه الله سدى، ويبين كتاب الله أنه قد مضى زمن طويل على العالم دون أن يكون فيه للإنسان وجود ولا ذكر، ويشير إلى أن وجوده فيه إنما هو طارئ عليه، لحكمة إلهية اقتضت إيجاده وإمداده، وهي حكمة الابتلاء والتكليف والخلافة عن الله في الأرض، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا * إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾.
وواصل كتاب الله الحديث عن الأبرار والفجار من بني الإنسان، فوصف كلا الفريقين، ووضح جزاء الطرفين، فعن الفجار وجزائهم قال تعالى هنا: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا﴾ وعن الأبرار وجزائهم قال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾.
وعرض كتاب الله في نفس السياق مكارم الأخلاق التي يدخل بها الناس في عداد " الأبرار " السعداء حيث قال تعالى في وصفهم: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا * وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾.
ثم عاد كتاب الله إلى الحديث عن جزاء الأبرار حيث قال
стр. 2716
تعالى في حقهم: ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا * وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا * مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾ إلى قوله تعالى في نهاية هذا الربع: ﴿عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾.
стр. 2717
الربع الأخير من الحزب الثامن والخمسين
في المصحف الكريم (ق)
ــ
وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (١٩) وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (٢٠) عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (٢١) إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (٢٢) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (٢٤) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٢٥) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا (٢٦) إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (٢٧) نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا (٢٨) إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٣١)
стр. 2718
٧٧ - سورة المرسلات مكية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (٢) وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (٣) فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (٤) فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (٥) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (٦) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (٧) فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨) وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ (٩) وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ (١٠) وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (١١) لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥) أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (١٧) كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (١٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٩) أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٢٠) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (٢٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٤) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (٢٦) وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا (٢٧) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٨) انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٩) انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (٣٠) لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (٣١) إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢) كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ (٣٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٤) هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦)
стр. 2719
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٧) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨) فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (٣٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٠) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (٤١) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٤٢) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٤٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٥) كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (٤٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٧) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (٤٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٩) فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (٥٠)
стр. 2720
الربع الأخير من الحزب الثامن والخمسين
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
في حديث هذا اليوم نتناول تفسير الربع الأخير من الحزب الثامن والخمسين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى في سورة "الإنسان" المكية: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا﴾، إلى قوله جل علاه في ختام سورة "المرملات" المكية أيضا: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾.
ــ
تواصل الآيات الكريمة في بداية هذا الربع وصف ما أعده الله لعباده " الأبرار " من ضروب النعيم وصنوف الإحسان، وفي خلال هذا الوصف يقول الله تعالى في خطابه لنبيه: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾، أي: إذا رأيت يا محمد الجنة وما هي عليه رأيت نعيما حقيقيا لا ينغصه أي منغص، ولا يساويه أي نعيم عرفه الناس، ورأيت ملكا إلهيا كبيرا، تتضاءل دونه جميع مظاهر الملك البشري المحدود، فملك الله لا يعادله غيره في السلطان الباهر، والنفوذ القاهر. ولا غرابة فيما يفاجأ به الذين آمنوا بالله ورسوله في دار النعيم، فقد وعدهم الله أن يكرمهم " بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ".
стр. 2721
وفي خلال هذا الوصف يقول الله تعالى بشأن عباده الأبرار: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾، وقد فسره ابن كثير بأن الله تعالى طهر بواطنهم من الحسد والحقد والغل والأذى وسائر الأخلاق الرديئة، اعتمادا منه على أثر روي في الموضوع عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وبذلك جمع لهم الحق بين نظارة الظاهر وجمال الباطن، إذ قال تعالى في حقهم في الربع السابق: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾.
وتفضل الحق ، فأعلن إلى عباده " الأبرار " أنه قد بر بوعده، وأوفى بعهده، فقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾، بمعنى أن هذا النعيم المقيم الذي يتقلبون فيه- على سعته وعظمته- هو إحسان من الله إليهم، تكريما لتقواهم، وتقديرا لنواياهم، بالرغم من أنه لا نسبة بين عملهم المحدود المنتهي في الدنيا، ونعيم الله الواسع الذي لا نهاية له في دار الخلود.
وانتقل كتاب الله إلى دعوة الرسول ﵇ إلى الثبات على الحق، وإلى تبشيره بمدد روحاني جديد يمده الله به من عنده، حتى يقوى على مواجهة قريش بعنادها وإصرارها وتكتلها، ومن ورائها إذ ذاك- من الجهة المعنوية- قوات الشرك والكفر والطغيان في العالم أجمع، مذكرا له بالرسالة العظمى التي أنزلها عليه في الذكر الحكيم، آمرا له بالاعتصام بالصبر والثبات، في وجه جميع العراقيل والعقبات، داعيا إياه إلى مكافحة الإثم والكفر كفاحا لا هوادة فيه ولا تنازل، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى:
стр. 2722
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا * فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾.
ولا بأس من التنبيه هنا على أن التعبير في هذه الآية وأمثالها بصيغة " نزل ": ﴿نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾، يفيد بمقتضى الاستعمال اللغوي لهذه الصيغة بالذات أن كتاب الله لم ينزل على رسوله دفعة واحدة، وإنما نزل بالتدريج وبالتتابع على دفعات، حسب التخطيط الإلهي لمناسبات نزوله، وحسب الوقائع والأحداث، وبذلك يؤدي لفظ " نزّل " في هذا السياق معنى خاصا لا يؤديه غيره من الأفعال الأخرى المشتقة من هذه المادة.
ثم اتجه الخطاب الإلهي إلى الرسول الأعظم ﵊، آمرا له بالذكر والعبادة والتسبيح والسجود، ولا سيما في خلوات الليل، فقال تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا * وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾، على غرار قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ (الإسراء: ٧٩)، وذلك لأن العبادة بكافة أشكالها وأنواعها عون عظيم على تحمل الأعباء الجسام، ولا سيما أعباء الرسالة، وإلى هذا المعنى ينظر قوله تعالى في آية أخرى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾.
والتنويه " بعبادة الليل " في هذا المقام، وحض الرسول عليها بالخصوص، يناسب ما يمتاز به الليل من السكون والهدوء، وما يساعد عليه من جمع الفكر والتأمل والتدبر في آيات الله القرآنية
стр. 2723
والكونية، والاستغراق في مناجاته دون انقطاع، على حد قوله تعالى في سورة (المزمل: ٥): ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾، بمعنى أن قيام الليل هو أشد مواطأة بين القلب واللسان، وأجمع للخاطر عند تلاوة القرآن.
وعاد كتاب الله مرة أخرى إلى التنديد بموقف المشركين والكفار، وما هم عليه من الاستغراق في الشهوات والاستهتار، فقال تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾، وقد جاء التعبير عن الدنيا في هذه السورة أيضا باسم " العاجلة " على غرار ما سبق في سورة (القيامة: ٢٠، ٢١)، إذ قال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ﴾، " فالعاجلة " هي الحياة الدنيا، التي مهما طالت فهي قصيرة الأجل، ومهما أبطأت فهي مسرعة الخطى، وحظ كل إنسان منها أسرع وأقصر، بحيث لا يستحق أن يذكر، " واليوم الثقيل " الذي تركوه أمامهم، وتشير إليه الآية هنا، هو " يوم القيامة "، فهو " ثقيل " بتبعاته الكبيرة، ومسؤولياته الخطيرة، حيث يحشر الخلق أمام خالقهم للعرض والحساب، وهو " ثقيل " بنتائجه وعواقبه، حيث يتلقى الخلق أحكام خالقهم، إما بالثواب وإما بالعقاب.
وانتقلت الآيات الكريمة إلى التهوين من شأن " أصحاب العاجلة " المغرورين المستغرقين في شهواتهم، المنتهكين لحرمات الله، والمتعدين لحدوده، مبينة أنهم مدينون بكل شيء لله الذي خلقهم، والذي أمدهم بكل ما يستعملونه من طاقات وملكات، وأن ما يسيئون التصرف فيه، من نعم الله وعطاياه، إنما
стр. 2724
هو عارية مستردة، وسيحاسبون عليها حسابا عسيرا، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾، وقوله تعالى في نهاية السياق: ﴿وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.
وقوله تعالى هنا: ﴿وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا﴾، يمكن تفسيره بمعنى أن الله تعالى قادر على أن يبعثهم يوم القيامة ويعيد خلقهم من جديد، من باب الاستدلال بالنشأة الأولى على النشأة الآخرة، ويمكن تفسيره بمعنى أن الله تعالى إذا شاء أبادهم من الدنيا عقابا لهم، وأتى بغيرهم من الناس، على حد قوله تعالى في آية ثانية: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ (النساء: ١٣٣)، وقوله تعالى في آية ثالثة: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ (فاطر: ١٦، ١٧).
وعادت الآيات الكريمة مرة أخرى إلى الحديث عن " كتاب الله " والتنويه بما جاء به من الهداية والنور للإنسانية جمعاء مع الإشارة إلى أن في طليعة أهدافه تذكير الناسين، وتنبيه الغافلين، إلى ما عليهم من حقوق الله وحقوق لمخلوقاته يلزمهم القيام بها، وصرف الوجهة إليها، وذلك قوله تعالى هنا، ونفس هذا النص سبق نظيره في سورة (المزمل: ١٧): ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾، ولا طريق إلى الله والوصول إلى معرفته ورضاه، أفضل وأضمن من كتاب الله، روي عن أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه أنه سأل عن المخرج من الفتن فقال: " المخرج منها كتاب الله، فيه نبأ من قبلكم، وخبر ما
стр. 2725
بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، فهو حبل الله المتين، ونوره المبين، والذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا تتشعب معه الآراء، ولا يشبع منه العلماء، ولا تمله الأتقياء، ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، من علم علمه سبق، ومن قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أجر، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم ". قال ابن كثير: " وقد وهم بعضهم في رفع هذا الحديث ".
وقوله تعالى هنا: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾، يمكن أن يفهم على وجهين:
- الوجه الأول: أن المؤمن ينبغي له أن يربط أعماله وتصرفاته بمشيئة الله، أدبا مع الله من جهة، وتوكلا عليه من جهة أخرى، بحيث لا يعتقد أن إرادته المحدودة هي الكل في الكل، وذلك على حد قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (الكهف: ٢٣).
- والوجه الثاني: أن المؤمن ينبغي له أن يلتجئ إلى الله دائما، ويطلب منه الهداية منه والتوفيق فيما يقدم عليه من أعمال وتصرفات، حتى ييسر له أسباب النجاح من جميع الوجوه، وقد سبق في ختام سورة " المدثر " قوله تعالى: ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾، وهو يشابه تمام المشابهة قوله تعالى هنا: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾.
стр. 2726
ثم عقب كتاب الله على ذلك بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾، أي: " عليما " بنواياكم في أعمالكم وتصرفاتكم، " حكيما " في تيسير أسبابها والتصديق عليها إن كانت خيرا، أو في تعطيل أسبابها، والتعرض لها، إن كانت شرا، ولله الحجة الدامغة، والحكمة البالغة.
والآن فلننتقل بعون الله وتوفيقه إلى سورة " المرسلات " المكية أيضا، وهذه السورة الكريمة تتناول بالوصف مشاهد القيامة وأهوالها بالنسبة لجميع الأكوان، ولا سيما ما يتعرض له الإنسان، وكما سبق في سورة " الرحمن " التعقيب على كل نعمة من نعم الله بقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، وتكرر ذلك إحدى وثلاثين مرة، نجد التعقيب ها هنا على كل حجة وبرهان، من حجج الله القاطعة، وبراهينه الساطعة، بقوله تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾، ويتكرر ذلك عشر مرات، عقب مختلف الآيات.
وقد سجلت هذه السورة في مطلعها قسما غليظا بعدد من القوات المسخرة لله، المبثوثة في الآفاق، وهذا القسم ينصب على أن ما وعد به من قيام الساعة، والبعث، والحشر، والجزاء، واقع لا محالة، وإن كذب به المكذبون، وأنكره المنكرون، وذلك قوله تعالى: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا * فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا * وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا * فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا * فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا * عُذْرًا أَوْ نُذْرًا * إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ﴾.
والمراد " بالمرسلات " هنا الرياح، بناء على ما يستفاد من
стр. 2727
قوله تعالى في آية ثانية: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ (الحجر: ٢٢)، وفي آية ثالثة: ﴿هُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ (الأعراف: ٥٧)، و " العاصفات " و " الناشرات " هنا وصفان للرياح " المرسلات "، إذ كثيرا ما تصحب الرياح عواصف تهب معها، وسحب تنتشر في السماء إثرها.
والمراد بـ ﴿الْفَارِقَاتِ فَرْقًا﴾، ﴿الْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا﴾ الملائكة المكرمون، كما قاله ابن مسعود وابن عباس ومن تابعهما، فإن الملائكة تنزل بأمر الله على رسله بما يفرق بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والحلال والحرام، وتلقى إلى رسله من الوحي ما فيه إعذار للخلق حينا، وما فيه إنذار لهم حينا آخر، وذلك معنى قوله تعالى: ﴿ذِكْرًا * عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾.
ثم عرض كتاب الله على جميع الأنظار صورة حية من مشهد الانقلاب العظيم الذي سيشهده الكون عندما ينفرط عقده، وتتقوض أركانه، وهذا المشهد قادم لا محالة بشهادة القرآن العظيم أولا، وهذه الشهادة عندنا هي الأساس، واعتراف البحث العلمي الحديث ثانيا، وهذا الاعتراف لمن له به استئناس، فسيأتي يوم تتفجر فيه القوى المخزونة في الكون، ويكفي أن يقع الانفجار في كوكب واحد ليمتد منه الانفجار إلى الكواكب الأخرى فيحيلها دخانا وغبارا، وإلى ذلك يشير قوله تعالى: ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾، أي: ذهب ضوءها ونورها، ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ﴾، أي: انفطرت وانشقت، ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ﴾، أي: أصبحت هباء منثورا بعد نسفها واقتلاعها من أصلها.
стр. 2728
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ * لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾، إشارة إلى أن يوم القيامة هو الموعد الذي يقدم فيه الرسل إلى بارئهم حساباتهم مع الذين أرسلوا إليهم من البشر، ويعرضون فيه النتائج التي أثمرتها الرسالة الإلهية إلى مختلف الأمم والشعوب، سلبا وإيجابا، على حد قوله تعالى في آية ثانية: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾، (الزمر: ٦٩)، وقوله تعالى في آية ثالثة: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ (المائدة: ١٠٩)، فقد أجل هذا الموعد الفصل: ﴿لِيَوْمِ الْفَصْلِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾.
ومضى كتاب الله يتحدث عن مصارع الأمم الغابرة، وعن آيات الكون الباهرة، وعن أهوال الآخرة، وعما يكون فيه المتقون من النعيم المقيم: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾، وعما يكون فيه المجرمون المكذبون من العذاب الأليم: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ﴾.
وللمرة العاشرة جاء قوله تعالى في هذا السياق: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ثم جاء التعقيب عليه بسؤال مقتضب يثير الاستغراب والعجب، ألا وهو قوله تعالى في ختام هذه السورة: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾؟ أي: إذا أصروا على التكذيب بالقرآن، ولم يؤمنوا بما فيه من حكمة وبيان، وحجة وبرهان، وهو ﴿الذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾ الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ
стр. 2729
خَلْفِهِ﴾ فبماذا سيؤمنون؟ أيؤمنون بالرأي العقيم، والفكر السقيم، ويعطلون ملكة العقل السليم والفهم القويم؟ وقد سبق في سورة (الأعراف: ١٨٥) وضع هذا السؤال في سياق قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾.
стр. 2730
الربع الأول من الحزب التاسع والخمسين
في المصحف الكريم (ق)
ــ
٧٨ - سورة النبأ مكية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣) كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٥) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (٧) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (٨) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (١١) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (١٣) وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (١٤) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (١٦) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (١٧) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (١٨) وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (١٩) وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (٢٠) إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (٢١) لِلطَّاغِينَ مَآبًا (٢٢) لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥) جَزَاءً وِفَاقًا (٢٦) إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (٢٧) وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا (٢٨) وَكُلَّ شَيْءٍ
стр. 2731
أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (٢٩) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا (٣٠) إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (٣١) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (٣٢) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (٣٣) وَكَأْسًا دِهَاقًا (٣٤) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا (٣٥) جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا (٣٦) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا (٣٧) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (٣٨) ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا (٣٩) إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا (٤٠)
٧٩ - سورة النازعات مكية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (١) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (٢) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (٣) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (٤) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥) يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (٩) يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (١٠) أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (١١) قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (١٢) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤) هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (١٥) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٦) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (١٧)
стр. 2732
فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (١٩) فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (٢٠) فَكَذَّبَ وَعَصَى (٢١) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (٢٢) فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٢٦) أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٣) فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (٣٤) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (٣٥) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (٣٦) فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١)
стр. 2733
الربع الأول من الحزب التاسع والخمسين
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
موضوع حديث اليوم تفسير الربع الأول من الحزب التاسع والخمسين في المصحف الكريم، وبدايته قوله تعالى في فاتحة سورة "النبأ" المكية: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ * الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾، ونهايته قوله جل علاه في سورة "النازعات" المكية أيضا: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾.
ــ
في مطلع هذا الربع، وهو فاتحة سورة " النبأ " المكية، يتحدث كتاب الله مرة أخرى عن البعث " يوم الفصل " الذي يصدق به المؤمنون، ويكذب به الكافرون، فهم في شأنه مختلفون، وقد سماه الله تعالى في فاتحة هذه السورة الكريمة (بالنبأ العظيم)، فقال تعالى: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ * الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ * كَلَّا سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾، أي: أن هذا النبأ نبأ صادق مطابق للواقع، وليس لصدقه ولا لوقوعه من دافع، وسيرونه عيانا، ويذعنون له إذعانا، ثم انقطع الحديث عن " يوم الفصل " في هذا السياق، لينتقل إلى
стр. 2734
استعراض جملة من آيات الله في الأنفس والآفاق، وكلها تدل على قدرة الله التي لا يحد طاقتها حد ولا يصعب عليها شيء، وهذا الانتقال إنما هو في الحقيقة تمهيد للعودة إلى تفسير " النبأ العظيم "، ووصفه وصفا كاشفا مثيرا، فقال تعالى مبكتا للشاكين في النبأ العظيم والمكذبين به، ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا * وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا * وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا * وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا * وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا * وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا * وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا * وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا * لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا * وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾.
ومن هنا عاد الحديث " إلى النبأ العظيم " وهو البعث " يوم الفصل "، فقال تعالى في شأنه أولا: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا * يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا * وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا * وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا﴾، وقال تعالى في شأنه أخيرا في ختام هذه السورة: ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا * يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا * ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا * إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾. وقال مجاهد: " النبأ العظيم هو القرآن ".
وتناول كتاب الله بهذه المناسبة الحديث عن " الطاغين " وعقابهم، فقال تعالى في شأنهم: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا * لِلطَّاغِينَ مَآبًا * لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا * لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا * إِلَّا
стр. 2735
حَمِيمًا وَغَسَّاقًا * جَزَاءً وِفَاقًا﴾، وكشف الحق سبحانه عن أكبر ذنب ارتكبوه، واستحقوا من أجله العقاب والعذاب، إذ قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا * وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا * وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا * فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾.
ثم عرج كتاب الله على ذكر " المتقين " وثوابهم، فقال تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا * حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا * وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا * وَكَأْسًا دِهَاقًا * لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا * جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا﴾.
والآن فلنقف وقفة خاصة عند بعض الآيات من هذه السورة الكريمة:
فقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾، امتنان من الله تعالى على الإنسان بأن منحه راحة النوم، وجعل نومه قطعا للحركة اليومية وتوقفا عنها، حتى يستريح جسمه ويستجم، وتهدأ أعصابه من مواصلة السعي وكثرة التردد، علاوة على ما في سكون النوم من تعويض عن الجهد المبذول خلال اليقظة، وأثناء الانشغال بمتاعب الحياة، وشاءت حكمة الله ورحمته أن يتم النوم بطريقة غيبية وقهرية، لا دخل فيها لتصرف الإنسان، ولا قدرة له على مقاومتها متى حل موعد النوم.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا﴾، إشارة إلى السحب التي تثيرها الرياح، فيتساقط ما فيها من الماء، وينزل على الأرض لصالح من فيها، من الإنسان والنبات والحيوان، و " الماء الثجاج " هو المتتابع الصب، وإلى هذا المعنى يشير قوله
следующие страницы →