← Тафсир

Тафсир · id 115129

التيسير في أحاديث التفسير

محمد المكي الناصري

Полный текст (2 848 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.

стр. 2731

أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (٢٩) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا (٣٠) إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (٣١) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (٣٢) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (٣٣) وَكَأْسًا دِهَاقًا (٣٤) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا (٣٥) جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا (٣٦) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا (٣٧) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (٣٨) ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا (٣٩) إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا (٤٠) ٧٩ - سورة النازعات مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (١) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (٢) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (٣) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (٤) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥) يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (٩) يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (١٠) أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (١١) قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (١٢) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤) هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (١٥) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٦) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (١٧)

стр. 2732

فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (١٩) فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (٢٠) فَكَذَّبَ وَعَصَى (٢١) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (٢٢) فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٢٦) أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٣) فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (٣٤) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (٣٥) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (٣٦) فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١)

стр. 2733

الربع الأول من الحزب التاسع والخمسين في المصحف الكريم (ت) عباد الله موضوع حديث اليوم تفسير الربع الأول من الحزب التاسع والخمسين في المصحف الكريم، وبدايته قوله تعالى في فاتحة سورة "النبأ" المكية: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ * الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾، ونهايته قوله جل علاه في سورة "النازعات" المكية أيضا: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾. ــ في مطلع هذا الربع، وهو فاتحة سورة " النبأ " المكية، يتحدث كتاب الله مرة أخرى عن البعث " يوم الفصل " الذي يصدق به المؤمنون، ويكذب به الكافرون، فهم في شأنه مختلفون، وقد سماه الله تعالى في فاتحة هذه السورة الكريمة (بالنبأ العظيم)، فقال تعالى: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ * الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ * كَلَّا سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾، أي: أن هذا النبأ نبأ صادق مطابق للواقع، وليس لصدقه ولا لوقوعه من دافع، وسيرونه عيانا، ويذعنون له إذعانا، ثم انقطع الحديث عن " يوم الفصل " في هذا السياق، لينتقل إلى

стр. 2734

استعراض جملة من آيات الله في الأنفس والآفاق، وكلها تدل على قدرة الله التي لا يحد طاقتها حد ولا يصعب عليها شيء، وهذا الانتقال إنما هو في الحقيقة تمهيد للعودة إلى تفسير " النبأ العظيم "، ووصفه وصفا كاشفا مثيرا، فقال تعالى مبكتا للشاكين في النبأ العظيم والمكذبين به، ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا * وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا * وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا * وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا * وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا * وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا * وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا * وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا * لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا * وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾. ومن هنا عاد الحديث " إلى النبأ العظيم " وهو البعث " يوم الفصل "، فقال تعالى في شأنه أولا: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا * يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا * وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا * وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا﴾، وقال تعالى في شأنه أخيرا في ختام هذه السورة: ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا * يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا * ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا * إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾. وقال مجاهد: " النبأ العظيم هو القرآن ". وتناول كتاب الله بهذه المناسبة الحديث عن " الطاغين " وعقابهم، فقال تعالى في شأنهم: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا * لِلطَّاغِينَ مَآبًا * لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا * لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا * إِلَّا

стр. 2735

حَمِيمًا وَغَسَّاقًا * جَزَاءً وِفَاقًا﴾، وكشف الحق سبحانه عن أكبر ذنب ارتكبوه، واستحقوا من أجله العقاب والعذاب، إذ قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا * وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا * وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا * فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾. ثم عرج كتاب الله على ذكر " المتقين " وثوابهم، فقال تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا * حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا * وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا * وَكَأْسًا دِهَاقًا * لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا * جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا﴾. والآن فلنقف وقفة خاصة عند بعض الآيات من هذه السورة الكريمة: فقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾، امتنان من الله تعالى على الإنسان بأن منحه راحة النوم، وجعل نومه قطعا للحركة اليومية وتوقفا عنها، حتى يستريح جسمه ويستجم، وتهدأ أعصابه من مواصلة السعي وكثرة التردد، علاوة على ما في سكون النوم من تعويض عن الجهد المبذول خلال اليقظة، وأثناء الانشغال بمتاعب الحياة، وشاءت حكمة الله ورحمته أن يتم النوم بطريقة غيبية وقهرية، لا دخل فيها لتصرف الإنسان، ولا قدرة له على مقاومتها متى حل موعد النوم. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا﴾، إشارة إلى السحب التي تثيرها الرياح، فيتساقط ما فيها من الماء، وينزل على الأرض لصالح من فيها، من الإنسان والنبات والحيوان، و " الماء الثجاج " هو المتتابع الصب، وإلى هذا المعنى يشير قوله

стр. 2736

تعالى في آية أخرى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ (الروم: ٤٨). وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾، المراد " بالصور " شيء يشبه البوق، سينفخ فيه يوم القيامة لدعوة الخلائق إلى ميقات جمعهم المعلوم، ولم يضف كتاب الله إلى ذكر اسمه أي بيان عنه ولا عن كيفيته، فذلك من " علم الغيب ". وقوله تعالى: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا﴾، أي: أن الجبال التي كانت ثابتة في مكانها قبل يوم القيامة لا يبقى منها عند قيام الساعة عين ولا أثر، نظير المعنى الوارد في قوله تعالى: ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ (النور: ٣٩). وقوله تعالى " للطاغين " الوارد في مقابلة قوله تعالى " للمتقين " في هذه السورة، إشارة إلى أن " تقوى الله " من شأنها أن تحول بين صاحبها وبين انتهاك حرمات الله، وأن لا تسمح له بتعدي حدود الله، وبذلك يكون بعيدا عن الظلم والطغيان، ملتزما في تصرفاته للعدل والإحسان. وقوله تعالى في شأن الطاغين: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾، أي: ماكثين في جهنم أحقابا، والأحقاب جمع " حقب " كما ورد في قوله تعالى: ﴿لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ (الكهف: ٦٠)، والحقب هو المدة الطويلة من الدهر،

стр. 2737

" والحقبة " من الدهر تجمع على حقب وحقوب، وهذه الآية حملها خالد ابن معدان على " أهل التوحيد "، ومثلها عنده قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ في (سورة هود: ١٠٧)، بمعنى أن العصاة من المؤمنين إذا عذبوا بجهنم فإنهم لا يخلدون فيها، وإنما يلبثون فيها مدة محدودة، ثم يفارقونها إلى الجنة بمغفرة من الله ورحمة منه، وحمل قتادة هذه الآية: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾، على غيرهم، أي أن " الطاغين " يعذبون في جهنم عذابا لا انقطاع له، بحيث كلما مضى " حقب " جاء بعده حقب آخر، وهذا التفسير هو الذي رجحه ابن جرير فقال: " والصحيح أنها أي الأحقاب لا انقضاء لها كما قال قتادة والربيع بن أنس، ويشهد لهذا التفسير ويؤكده قوله تعالى في نفس هذه السورة وفي نفس السياق: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾، أي: يقال لأهل النار: ذوقوا ما أنتم فيه، فلن نزيدكم إلا عذابا من جنسه، على حد قوله تعالى في سورة (ص: ٥٦ - ٥٧): ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ * وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾. قال عبد الله بن عمرو: " لم ينزل على أهل النار آية أشد من هذه الآية، فهم في مزيد من العذاب أبدا "، وقوله تعالى في شأن " الطاغين ": ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًاأي: تكذيبا، وهو مصدر من غير الفعل. وقوله تعالى في شأن المتقين: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا﴾، أي: أن أسماعهم لا يؤذيها سماع اللغو العاري عن الفائدة، ولا سماع التكذيب المتبوع بالجدل، وما داموا في " دار السلام "، فهم في دار لا خصام فيها ولا ملام، وإلى هذا المعنى

стр. 2738

ينظر قوله تعالى في آية أخرى: ﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾ (الطور: ٢٣)، وقوله تعالى في آية ثانية: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (يوسف: ٩٢). وقوله تعالى: ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا﴾، أي: عطاء كافيا وافيا، تقول العرب أعطاني فأحسبني أي: كفاني، ومنه " حسبي الله " أي: أن الله كفاني، ويشبهه قوله تعالى في آية سالفة: ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ (الإنسان: ٢٢). وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾، أي: يوم يقوم جبريل والملائكة معه، استنادا إلى قوله تعالى عن جبريل: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (الشعراء: ١٩٣). وقوله تعالى: ﴿لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾، يشابه قوله تعالى في " آية الكرسي ": ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ (البقرة: ٢٥٤) وقوله تعالى في آية أخرى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ (هود: ١٠٥). وقوله تعالى حكاية عن الكافر: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾، معناه أن الكافر حين يعاين عذاب الله يوم القيامة يود أن لم يخلق، ولم يخرج إلى الوجود، ويتمنى لو أنه كان ترابا، ولم يكن إنسانا. ومن هنا ننتقل إلى سورة " النازعات " المكية أيضا،

стр. 2739

مستعينين بالله، وفي مطلع هذه السورة إشارة إلى جملة من القوات الكونية التي سخرها الله وبثها في الكون، لتنفيذ أمره فيه، وتدبير شؤونه طبقا لمشيئته، ووفقا لحكمته. فقال تعالى: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا * وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا * وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا * فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا * فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا * يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾. ولتقريب معنى هذه الأشياء المقسم بها من الأذهان يمكن أن يكون معنى ﴿النَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾ كل ما أودعت فيه قوة نزع الأشياء من مقارها بشدة، وأن يكون معنى ﴿النَّاشِطَاتِ نَشْطًا﴾ كل ما أودعت فيه قوة إخراج الأشياء في خفة ولين، وأن يكون معنى ﴿السَّابِحَاتِ سَبْحًا﴾ كل ما أودعت فيه قوة السرعة في تأدية وظائفه بسهولة ويسر، وأن يكون معنى ﴿السَّابِقَاتِ سَبْقًا﴾ كل الأشياء التي تسبق في أداء ما وكل إليها سبقا عظيما، وأن يكون معنى ﴿الْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ كل الكائنات التي وكل الله إليها تدبير الأمور وتصريفها، بما أودع فيها من خصائص، وهذه المعاني التي اختارتها لجنة (المنتخب في تفسير القرآن الكريم)، هي أعم ما يمكن أن تحمل عليه المفردات الواردة في مطلع هذه السورة، المقسم بها على قيام الساعة وزلزلتها العظمى، ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ (الحج: ١)، وبذلك يقع تفادي ما وقع في تفسير هذه المفردات من تضارب واختلاف عند قدماء المفسرين، وقال ابن عباس: " الراجفة والرادفة هما النفختان الأولى والثانية " وقال مجاهد: " أما الأولى وهي قوله تعالى هنا: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ

стр. 2740

الرَّاجِفَةُ﴾، فهي كقوله تعالى جلت عظمته: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾ (المزمل: ١٤)، وأما الثانية وهي قوله تعالى هنا: ﴿تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾، فهي كقوله جل علاه: ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ (الحاقة: ١٤). ويمكن حمل " الرادفة " على السماء، بمعنى أنها تردف الأرض وتتبعها في الانقلاب الكوني عند فناء العالم، حيث تنشق وتتناثر كواكبها. وقوله تعالى: ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ * أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ﴾، إشارة إلى ما يملك القلوب يوم القيامة من الهلع والخوف، وما يصيب الأبصار من الذل والانكسار، لهول الموقف وشدته. وقوله تعالى حكاية عن المشركين المكذبين ومن لف لفهم: ﴿أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ * أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً﴾، معناه أنهم يستبعدون الخروج من القبور، ويشكون في البعث والنشور، ويتساءلون كيف " يردون " أحياء بعدما أصبحوا عظاما نخرة، ثم لا يلبثون أن يتخيلوا أن " البعث " قد وقع، وأنهم كانوا على غير حق في استبعاده، فيعودون على أنفسهم باللوم قائلين: ﴿قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾، أي: قال المشركون الذين ينكرون البعث: لئن أحيانا الله بعد الموت لنخسرن خسارة مؤكدة، وخسارتهم آتية من تكذيبهم بالله ورسوله واليوم الآخر. وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾، إشارة إلى أرض المحشر التي يحشر إليها الخلائق، وموقع هذه الأرض هو من " علم الغيب " الذي اختص الله به دون خلقه. وقال مجاهد: " كانوا

стр. 2741

بأسفل الأرض فأخرجوا إلى أعلاها ". وانتقل كتاب الله من وصف يوم القيامة وذكر أحواله وأهواله إلى الحديث عن قصة موسى وفرعون، باعتبارهما نموذجا لانتصار الحق على الباطل، فبين الدعوة التي وجهها موسى ﵇ إلى فرعون مصر بأمر الله، وبين ما كان عليه فرعون وملاؤه من الكبر والغرور والتطاول على الله: ﴿فَحَشَرَ فَنَادَى * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى * فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾. وعاد كتاب الله إلى التذكير بآيات الله البارزة في كونه، التي لا يجادل فيها إلا أعمى البصر والبصيرة: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ﴾. وخُتِمَ هذا الربع باستيناف الحديث عن النشأة الآخرة، وما يناله " الطاغون " من عذاب، " والمتقون " من ثواب، فقال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى * يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى * فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾.

стр. 2742

الربع الثاني من الحزب التاسع والخمسين في المصحف الكريم (ق) ــ يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (٤٤) إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (٤٥) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (٤٦) ٨٠ - سورة عبس مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦) قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢) كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (٢٣) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥)

стр. 2743

ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٢) فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢) ٨١ - سورة التكوير مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧) وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠) وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ (١١) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (١٤) فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦) وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣) وَمَا

стр. 2744

هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (٢٥) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)

стр. 2745

الربع الثاني من الحزب التاسع والخمسين في المصحف الكريم (ت) عباد الله في حديث هذا اليوم نتناول الربع الثاني من الحزب التاسع والخمسين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى في سورة "النازعات" المكية: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾، إلى قوله ﷻ في ختام سورة "التكوير" المكية أيضا: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. ــ في بداية هذا الربع، وهي نهاية سورة " النازعات " المكية يواصل كتاب الله الحديث عن قيام الساعة، وتساؤل الناس عن موعدها، وخاصة منهم المكذبين الذين يشكون في قيامها، والذين يستعجلون العذاب ليتأكدوا من حساب الله وعقابه، وذلك قوله تعالى حكاية لسؤالهم: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾. ثم يخاطب الله نبيه ﵇، منبها إياه إلى أن أمر الساعة أعظم وأخطر من أن يسأل عنه سائل، أو يجيب عنه مجيب، وأن الرسول ﵇ مهما سئل عن موعدها وألح عليه السائلون في الجواب فإنه لا يستطيع أن يعطيهم جوابا شافيا، لأن العلم بموعد الساعة مرده إلى الله، فقد انفرد به دون

стр. 2746

سواه، ولا أحد من الخلق -مهما علت منزلته- ولو كان رسولا أو نبيا، يعلم وقتها على التحديد والتعيين، وذلك قوله تعالى خطابا لنبيه: ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا * إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾. ولفت الوحي الإلهي نظر الرسول ﵇ إلى أن مهمته الوحيدة، ورسالته المحدودة، بالنسبة لقيام الساعة، لا تتجاوز حد التعريف بها وبأشراطها، والإنذار بها وبأهوالها، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾. وبين كتاب الله أن عمر الحياة الدنيا مهما طال فهو قصير بالنسبة إلى الحياة القادمة، فستقوم الساعة في موعدها المحدد الذي لا يعلمه إلا الله وحده، وسيبعث الناس من قبورهم عند قيامها، وسيدركون لأول وهلة أن الفترة التي قضوها قبل البعث -بما فيها فترة الحياة والموت معا- كأنها عشية من العشايا، أو ضحوة من الضحايا، في قصرها وسرعة انقضائها، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾، " عشية " أي: ما يعادل فترة العصر إلى الغروب الشمس " أو ضحاها " أي: ما يعادل فتره طلوع الشمس إلى الزوال. وهنا ننتهي من سورة " النازعات " المكية لننتقل إلى سورة " عبس " المكية أيضا، سائلين من الله التوفيق. ومطلع هذه السورة يخصصه كتاب الله لأمر جلل، ألا وهو التنبيه إلى التزام " مبدأ المساواة " بالنسبة لجميع السائلين والمستفتين، في نشر الهداية وتعليم الدين، وإيثار " الراغب في

стр. 2747

الحق " بإعطائه الأسبقية في العون والإرشاد، بدلا من إيثار " الراغب عن الحق "، الذي لا يزال متأرجحا بين الصلاح والفساد، فقد بني الإسلام على أن أحق الناس في نظره بالإكرام والاعتبار والتقدير هو أقواهم إيمانا، وأشدهم استقامة، وأكثرهم تقوى، طبقا لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. وقد أراد كتاب الله أن يركز هذا المعنى في أذهان المؤمنين، ويقوي أثره في نفوسهم، حتى تكون " المساواة " في العلم والدين شريعتهم الأولى والأخيرة، فاتخذ الوحي الإلهي من إحدى المناسبات التي كان فيها رسول الله ﷺ جالسا مع زمرة من صناديد قريش، - وكان يتصدى لهم كثيرا ويحرص على أن يؤمنوا بالله ورسوله- ثم أقبل عليهم في نفس الوقت، وانضم إلى مجلسهم فجأة عبد الله بن أم مكتوم الذي كان ضريرا فقيرا، مناسبة لتأكيد المبدأ الإسلامي الأصيل، في اعتبار القيم الأخلاقية والمعنوية للناس، قبل القيم المادية والاجتماعية المتعارفة: ذلك أن رسول الله ﷺ كان في مجلسه هذا مشغولا بالنفر الذين قدموا عليه من صناديد قريش إذ ذاك، مستغرقا في الحديث معهم يعرض عليهم الإسلام، ويحاول أن ينتزع من صدورهم رواسب الشرك، عسى أن يشرح الله صدورهم للإيمان، ويكونوا قوة للإسلام والمسلمين، فلما جاء عبد الله بن أم مكتوم وهو ضرير لا يرى ولا يعرف من هم الجالسون مع رسول الله ﷺ ، أخذ يقطع على رسول الله حديثه معهم، وأخذ يلح عليه في تعليمه بعض آيات من الذكر الحكيم، ويقول له: يا رسول الله:

стр. 2748

(علمني مما علمك الله)، وصادف أن رسول الله ﵇ لم يجبه في الحين إلى ما طلب، لأنه كان في ذلك المجلس منهمكا في إقناع صناديد قريش بالإسلام، حرصا منه على استجابتهم لله ورسوله، وقياما بما أوجب الله عليه من تبليغ الرسالة وأداء الأمانة، ولا سيما لهؤلاء الذين لا يزالون على شركهم، والذين ينتظر أن يكونوا مددا جديدا للإسلام لو دخلوا في دين الله، أما عبد الله بن أم مكتوم فقد كان إذ ذاك مؤمنا بالله ورسوله، بل مؤذن رسول الله الثاني بعد بلال، مؤذنه الأول. وعما حدث بهذه المناسبة يتحدث كتاب الله فيقول: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾، إشارة إلى مجيء عبد الله بن أم مكتوم وانضمامه إلى مجلس الرسول ﵇، والرسول مستغرق في عرض الإسلام على أولئك النفر من صناديد قريش، وإلى تأثر الرسول ﵇ من قطع ابن أم مكتوم عليه حديثه معهم، ومن إلحاحه عليه أن يعلمه فورا بعض آيات الذكر الحكيم، بينما كان في إمكانه أن ينتظر، إذ هو مؤمن أولا، ومرافق للرسول وفي صحبته دائما. وبعد هذا العتاب الإلهي المسوق في صيغة الغائب: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾، تخفيفا من وقعه على رسول الله ﷺ ، يتجه الخطاب الإلهي إلى الرسول ﵇ وجها لوجه، قائلا له: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾، وفي هذا النص بيان لأولوية ابن أم مكتوم ومن كان في معناه من المؤمنين، الراغبين في المزيد من العلم والمعرفة بالدين.

стр. 2749

ثم قال تعالى: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾، إشارة إلى أولئك النفر من صناديد قريش إذ ذاك، وما هم عليه من رغبة عن الحق، وتظاهر بالاستغناء عن الإسلام وعدم الحاجة إليه، إذ لا يزالون يحاجون الله ورسوله، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى﴾، وليس المراد بلفظ " استغنى " معنى الغنى وكثرة المال، كما قد يتبادر إلى بعض الأذهان. وقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾، إشارة إلى أن واجب الرسول ﵇ هو مجرد التبليغ، بحيث إذا قام بهذا الواجب تبرأ ذمته: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ (الشورى: ٤٨). وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾، إشارة إلى ابن أم مكتوم ومن كان في معناه من المؤمنين، الذين يرغبون في الحق ويقبلون عليه، فالله تعالى يحض رسوله - وعن طريقه يحض كافة المسلمين- على الاهتمام بطلاب الحق وتلبية رغبتهم، والأخذ بيدهم في طريق الهداية والإرشاد والتعبير " بالتلهّي " هنا إشارة إلى استغراق رسول الله ﷺ في حديثه مع وفد قريش حول الدعوة الإسلامية، وكأن في هذا التعبير تلميحا إلى أن الله قد اطلع على قلوب ذلك الوفد القرشي، وعلم أن الدعوة لا تثمر فيهم ولا تجدي، رغما عما بذله الرسول ﵇ من جهد بالغ في سبيل إقناعهم، على حد قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (الرعد: ٣٣). وانتقلت الآيات الكريمة إلى التحدث عن " الذكر الحكيم "،

стр. 2750

وأثره في النفوس المتعطشة إلى الحق، ومنزلته العظمى عند الله ومنزلته في الملأ الأعلى، تنويها بقدره، وحضا للمؤمنين على تقديسه وتعظيمه، والاهتداء بهديه، فقال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا﴾، أي: آيات القرآن الكريم، ﴿تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ * فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾. ثم عاد كتاب الله إلى الحديث عن كفر الإنسان وجحوده وتجاهله لنعم الله، بينما الإنسان، بجميع ما يملكه من طاقات وملكات وممتلكات، إنما هو " هبة " من الله أولا وأخيرا، فليس له من نفسه ولا من أمره شيء، فقال تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ﴾، أي: لعن الإنسان الجاحد، ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾، أي: ما أشد كفره وجحوده، ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾، أي: بين له الطريق وهداه إليه، ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ * كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾، أي: أن الإنسان يستغرق في غفلته حتى يموت ويبعث، دون أن يكون قد أدى ما أوجب الله عليه من حقوق، ودون أن يكون قد نفذ ما أمره به من أوامر، وبذلك تكون خسارته كبرى لا تعدلها خسارة. وأخذ كتاب الله في تذكير الإنسان بنعم الله عليه، ولا سيما نعمة الرزق والغذاء، التي بدونها يتعرض للإملاق والفناء: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾. وعاد الحديث في ختام هذه السورة إلى " القيامة " وأهوالها، وما يجازي به الحق سبحانه عباده المؤمنين الأبرار، وما يعاقب الله

стр. 2751

به الكفار والفجار: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ * أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾. ومعنى ﴿مُسْفِرَةٌ﴾: مستنيرة، وال ﴿غَبَرَةٌ﴾ من الغبار، وال ﴿قَتَرَةٌ﴾ بمعنى السواد، كناية عما يصيب تلك الوجوه من تغير وغم. ومن هنا ننتقل إلى سورة " التكوير " المكية أيضا، مستعينين بالله، والآيات الأولى من هذه السورة الكريمة تعرض على البشر مشاهد القيامة، مشهدا مشهدا، ولا سيما الانقلاب الكوني الشامل، بما يصحبه من تغيرات مفاجئة في العالم العلوي والعالم السفلي، وذلك قوله تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ * وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ * وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾، ثم قوله تعالى: ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ﴾، وعن مشهد النشر والحشر، قال تعالى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ * وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ * وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾، ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ * وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾. وقد ذهب المفسرون لهذه الآيات إلى أن المراد " بتكوير " الشمس إظلامها وذهاب نورها، و " بانكدار " النجوم انتثارها، على غرار قوله تعالى في آية أخرى: ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ (الانفطار: ٢)، و " بتسيير " الجبال تحركها من مكانها ونسفها وزوالها، وأن المراد " بتعطيل العشار " إهمال خيار الإبل من النوق

стр. 2752

الحوامل، وتركها من طرف أصحابها دون رعاية ولا انتفاع، لانشغالهم عنها، رغما عن كونهم من أرغب الناس فيها، وأحرصهم على تربيتها، ولفظ " العشار " يطلق على النوق إذا بلغت مدة حملها عشرة أشهر، والمراد " بحشر الوحوش " خروجها منزعجة من أوكارها وأحجارها لهول الموقف، على غرار قوله تعالى في آية ثانية: ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾ (ص: ١٩)، والمراد " بتسجير البحار " اشتعالها نارا، على غرار قوله تعالى في آية أخرى: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ (الطور: ٦) والمراد " بكشط السماء " طيها، مصداقا لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ (الأنبياء: ١٠٤) والمراد " بتزويج النفوس " جمع كل شكل إلى نظيره في الجنة والنار، على غرار قوله تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ (الصافات: ٢٢). وقوله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾، معناه أنه إذا وقعت هذه الأمور كلها فحينئذ سيكشف لكل نفس عما عملت من خير أو شر، على غرار قوله تعالى في آية أخرى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ (آل عمران: ٣٠). وانتهى هذا الربع بالحديث عن الوحي الإلهي الذي أكرم الله به رسوله وبلغه إليه بواسطة جبريل ﵇، وجاء هذا الحديث في صيغة القسم توكيدا لأهميته، وعظيم منزلته، والمقسم به في هذا السياق هي الكواكب التي تبدوا ليلا لكنها

стр. 2753

" تخنس " بالنهار و " تكنس " كالظباء فتتوارى عن الأنظار، ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾، ثم الليل عند إدباره، والصبح عند إقباله، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ * وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾، والمقسم عليه هو كتاب الله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾، أي: أنه لتبليغ من الله إلى رسوله على لسان جبريل، وبهذه المناسبة وصفت الآيات الكريمة ما جبل عليه جبريل من الخصال الرفيعة، وما أكرمه به من المكانة عنده، فقال تعالى: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾، كما وصفت الآيات الكريمة ما تحقق من رؤية الرسول ﷺ له مشاهدة وعيانا: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾. وخُتمت سورة " التكوير " بالتنويه بكتاب الله، ودعوة العالمين إلى الاهتداء بهديه والاستنارة بنوره، فقال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ * لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾.

стр. 2754

الربع الثالث من الحزب التاسع والخمسين في المصحف الكريم (ق) ــ ٨٢ - سورة الانفطار مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥) يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨) كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢) إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (١٥) وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (١٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩)

стр. 2755

٨٣ - سورة المطففين مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦) كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١) وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧) كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (١٩) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (٢١) إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (٢٦) وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (٢٨) إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ

стр. 2756

يَتَغَامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (٣٢) وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (٣٣) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦) ٨٤ - سورة الانشقاق مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (٤) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٥) يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (٦) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (١١) وَيَصْلَى سَعِيرًا (١٢) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (١٣) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤) بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا (١٥)

стр. 2757

الربع الثالث من الحزب التاسع والخمسين في المصحف الكريم (ت) عباد الله موضوع حديث اليوم تفسير الربع الثالث من الحزب التاسع والخمسين في المصحف الكريم، وبدايته قوله تعالى في فاتحة سورة "الانفطار" المكية: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ * وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾، ونهايته قوله جل علاه في سورة "الانشقاق" المكية أيضا: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ * بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا﴾. ــ في مطلع هذا الربع، وهو فاتحة سورة " الانفطار " المكية يتناول كتاب الله الحديث عن انفطار السماء، وانتثار الكواكب، وتفجير البحار، وبعثرة القبور، ويشير إلى أن هذه الظواهر الكونية الغريبة التي تزعزع كيان الكون، وتقلبه رأسا على عقب، سترافقها وستصاحبها ظاهرة أخرى تزعزع كيان الإنسان، لا تقل عنها قوة ولا تأثيرا، ألا وهي ظاهرة كشف الإنسان عن حقيقة نفسه بنفسه، واطلاعه على دخيلة أمره، حتى لا تبقى زاوية من زواياه، ولا سر من أسراره، إلا وقد انكشف له انكشافا تاما،

стр. 2758

وألقيت عليه الأضواء من كل جانب، والإنسان -حسبما يعيش عليه في دنياه - يكذب على نفسه كثيرا، ويخيل إليه غير ما مرة أنه أحسن مما هو عليه في الواقع، ويحاول أن ينسى كل ما ارتكبه من سيئات ومخالفات، وأن يتناسى كل ما يصبه على غيره من إذايات وإساءات، ويخادع نفسه كلما دعته الضرورة إلى خداعها، تفاديا من وخزها وتبكيتها، فإذا جاء الموعد لاطلاعه على حقيقته كما هي، وظهر عاريا من كل الأصباغ ومساحيق التجميل، التي اعتاد استعمالها لتستر ما ظهر من عيوبه وما بطن، فستكون مفاجأته بنفسه على حقيقتها أكبر مفاجأة، وسيخيب ظنه في نفسه، قبل أن يخيب ظنه فيما كان يمني به نفسه من الجزار الحسن، وقبل أن يخيب ظن غيره فيه، ممن كان يحاول أن يظهر أمامهم في دنياه بمظهر الصلاح والاستقامة وحسن السلوك، فيكتشفون في الآخرة -بدورهم- أنه إنما كان مجرد وحش في صورة إنسان، وشبح ملك في حقيقة شيطان، وإلى ذلك يشير قوله تعالى: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ * وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾. ويتجه الخطاب الإلهي بعد ذلك إلى الإنسان المملوء زهوا وغرورا، لافتا نظره إلى أنه لا ينبغي له أن يبقى سادرا في غلوائه، متجاهلا ما عليه نحو ربه وخلقه من حقوق وواجبات، وإلى أن كرم الله على الإنسان بنعمة الإيجاد والإمداد أولى أن يكون حافزا للإنسان على شكر مولاه وطاعته، والسعي في

стр. 2759

مرضاته، بدلا من أن يكون دافعا له إلى كفر نعمه، وجحود كرمه، وهكذا يوجه كتاب الله إلى الإنسان، هذا العتاب الإلهي الرقيق، عسى أن يحرك في قلبه أوتار الإيمان: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾. ويلتفت كتاب الله مرة أخرى إلى الذين لا يزالون يكذبون بالمعاد والجزاء، مؤكدا لهم أنه قد وكل بهم ملائكة يحفظون أعمالهم، فلا سبيل إلى نسيانها، ويسجلونها بالكتابة، فلا سبيل إلى محوها، وكأن الحق سبحانه يغري عباده في نفس الوقت بالاستقامة والصلاح والتقوى، حتى لا يثيروا اشمئزاز الحفظة الكرام وسخطهم، فضلا عن أن يثيروا بمعاصيهم سخط الله وغضبه، إذ " المعاصي بريد الكفر "، والمعصية تجر إلى أختها، ثم تدفع إلى ما هو أكبر منها، وإلى ذلك يشير قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ * وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾. وينتقل كتاب الله إلى التذكير بمصير الأبرار ومصير الفجار من خلقه، وما أعده في الآخرة لكلا الفريقين، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ * يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ * وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ﴾. وبين كتاب الله أهمية " يوم الدين "، وهو يوم الجزاء الأكبر، يوم تفصل شؤون الخلائق أمام محكمة العلي الأعلى القاهر فوق

стр. 2760

عباده، والذي لا معقب لحكمه، وإلى ذلك يشير قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾. ولننتقل الآن بعون الله وتوفيقه إلى سورة " المطففين " وهي مكية في قول ومدنية في قول آخر، وقد سميت بهذا الاسم، لما ذكر فيها من أمر " المطففين "، والمراد " بالمطففين " التجار الذين ينقصون الكيل إذا كالوا للناس، وينقصون الوزن إذا وزنوا لهم بينما إذا كالوا أو وزنوا لأنفسهم يأخذون أكثر من حقهم، وإذا كان التطفيف في الكيل والميزان يتمشى مع روح " الجاهلية الأولى "، وما عرف فيها من الربا الفاحش والعقود الفاسدة، فإنه لا ينسجم مع روح الإسلام في قليل ولا كثير، ولذلك نزل كتاب الله لمحاربته، والتنفير منه ومن أصحابه، وتهديدهم بالخسران والهلاك والويل، فقال تعالى: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾. وتولى كتاب الله بنفسه تفسير المعنى المراد " بالمطففين " فقال تعالى في وصفهم: ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾، أي: إذا اكتالوا لأنفسهم من الغير بأن كانوا هم المشترين والغير هو البائع أخذوا حقهم بالوافي والزائد، ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾، أي: وإذا كالوا أو وزنوا لغيرهم -بأن كانوا هم البائعون وكان الغير هو المشتري- نقصوا من حقه في الكيل والوزن، وأعطوه أقل مما يستحق، وألحقوا به الخسارة عن طريق " التطفيف ". ثم توعّد الحق سبحانه هؤلاء اللصوص المحترفين، الذين

стр. 2761

يختلسون أموال الناس عن طريق التطفيف في الكيل والميزان، في كل جيل وفي كل زمان، وهددهم بالحساب العسير يوم القيامة أمام الله، فقال تعالى: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، أي: يوم يكون الناس كلهم واقفين أمام الله في موقف رهيب، ينطق كل ما فيه بالعظمة والجلال، ويوحي بالرهبة والخوف من الكبير المتعال. ثم أخذ كتاب الله يصف حالة " الأبرار " وحالة " الفجار "، إذ لا عبرة في الآخرة إلا بهذا الاعتبار، فأما " الأبرار " الذين عملوا الصالحات، واتبعوا في حياتهم مقتضى الآيات البينات، فقد نزل في وصفهم وجزائهم -ترغيبا في سلوك طريقهم والاقتداء بهم- قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ * إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ * وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾. وأما الفجار الذين عملوا السيئات وانتهكوا الحرمات، ووقفوا في وجه ما جاءت به النبوات والرسالات، فقد نزل في وصفهم وجزائهم -تنفيرا من تقليدهم وإتباعهم- قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾، وقوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ * ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ * ثُمَّ يُقَالُ

стр. 2762

هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾. وألقت الآيات الكريمة في هذه السورة بعض الأضواء الكاشفة على السر الدفين، الذي يدفع الفجار إلى التكذيب " بيوم الدين " ألا وهو ما هم عليه من الإغراق في الظلم والعدوان، ومن الاستغراق في المعاصي والآثام، وهذه الحالة الجنونية التي يكونون عليها، ولا ينفكون عنها طيلة حياتهم، تجعلهم حريصين كل الحرص على أن يبعدوا عن خيالهم كل الأشباح المزعجة، التي تدينهم على ما يرتكبونه من المظالم والآثام، ولو كانت أشباحا وأحلاما في المنام، فما بالك بعذاب الله، الذي ينتظرهم يوم الحساب أمام الله، وإلى هذا المعنى يشير قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾، أما " المقسطون " الذين لا يعتدون ولا يظلمون، وأما " الصالحون " الذين لا يعصون ولا يأثمون، فإنهم يحبون لقاء الله ويشتاقون إلى يوم اللقاء، أضعاف أضعاف اشتياق الظمآن إلى الماء. " ومن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه " كما في الحديث الشريف. وكشف كتاب الله الستار عن الاستخفاف والتهوين من " قيمة المسلمين "، في نظر الكفار، وأن الكفار يضحكون من الذين آمنوا ويستهزؤون بهم، ويعتبرونهم ضالين عن سواء السبيل، ولا يحملون لهم أدنى تقدير أو احترام، بينما الكفار في خاصة أنفسهم يعتزون بما هم عليه، ويعودون إلى بيوتهم وهم بالمسلمين يهزءون، وبأحوالهم يتفكهون، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا

стр. 2763

كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾، ثم قال تعالى: ﴿وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ﴾، إشارة إلى ما في الكفار من الفضول الزائد، وتتبع أحوال المؤمنين والانشغال بهم، وإن كانوا غير مسئولين عنهم. وقوله تعالى: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾، يمكن تفسيره على وجهين: - الوجه الأول: أن مجازاة الكفار على معاملتهم للمسلمين، بالتنقيص من قدرهم، والاستهزاء بهم - وهي موضوع السؤال- قد تولاها الحق سبحانه بنفسه، وسيعاقبهم " يوم الفصل " بما يستحقون. - الوجه الثاني: أن يكون السؤال واردا بمعناه الأصلي، إشارة إلى أن معاملة الكفار للمسلمين يجب أن يرد عليها المسلمون بالمثل، فيفرضوا احترامهم على الغير، ولا يسمحوا للغير بأن يجعلهم محل استهزاء أو سخرية، وذلك لا يتم تحقيقه إلا بالتزام الوصايا الإلهية والتوجيهات الإسلامية في معاملة غير المسلمين. ولننتقل الآن إلى سورة "الانشقاق" المكية، مستعينين بالله، والحديث في مطلعها يتناول فناء العالم، وظواهر الانقلاب الكوني الشامل ﴿بسم الله الرحمن الرحيم إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾.

стр. 2764

ثم يوجه الله تعالى خطابه إلى الإنسان الغافل المتثاقل الخطى، مذكرا له بأن رحلته على ظهر الأرض مهما طالت فهي رحلة قصيرة، وبأن حياته فيها مهما امتدت فهي حياة عابرة، علاوة على ما في الحياة بطبيعتها من متاعب ومشاق، وشدائد وأهوال، وكد وجهد، فإن لم يدخر الإنسان من يومه لغده، ومن حياته الأولى لما بعدها، كانت صفقته صفقة خاسرة، وكان من الأخسرين أعمالا، ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ (الكهف: ١٠٤)، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾، وكأن الله تعالى يقول لعبده "الخاوي" الوفاض، البادي "الإنفاض" بماذا ستلاقي ربك؟ هل ستلاقيه باليد الفارغة والكتاب الأسود؟ إن الأمر ليس أمر هزل، ولكنه أمر جد، فماذا أنت فاعل أيها الإنسان الوسنان؟. ثم يعقب كتاب الله على هذا النداء المباشر بذكر أصحاب اليمين وأصحاب الشمال، وما يناله كلا الفريقين، عسى أن تتحرك همم الكسالى المتخاذلين: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا * إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا * إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾، أي: أنه كان يعتقد أنه لن يرجع إلى الله، ولن يبعث بعد الموت، و"الحور" هو الرجوع، ﴿بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا﴾.

стр. 2765

الربع الأخير من الحزب التاسع والخمسين في المصحف الكريم (ق) ــ فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (١٧) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩) فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (٢١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ (٢٣) فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٤) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٢٥) ٨٥ - سورة البروج مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣) قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (٦) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٩) إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ

стр. 2766

جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (١٠) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (١١) إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٦) هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (١٨) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (١٩) وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ (٢٠) بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢) ٨٦ - سورة الطارق مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (٣) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (٤) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ (١٠) وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (١٢) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ (١٤) إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (١٧)

стр. 2767

الربع الأخير من الحزب التاسع والخمسين في المصحف الكريم (ت) عباد الله في حديث هذا اليوم نتناول تفسير الربع الأخير من الحزب التاسع والخمسين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى في سورة "الانشقاق" المكية: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ * وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ * وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ * لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾، إلى قوله تعالى في ختام سورة "الطارق" المكية أيضا: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾. ــ أول ما يواجهنا في هذا الربع من كتاب الله هو التلويح بالقسم على أنه لا مفر للإنسان من التقلب في عدة أطوار، خلال حياته الأولى وعند مماته، ثم في حياته الثانية، طبقا لمشيئة الله وحكمته، وقد استعرض كتاب الله أمام الإنسان عدة مشاهد كونية تدفعه إلى مزيد من التأمل والتدبر والاعتبار، واختار الوحي الإلهي هذه المشاهد هنا من بين مشاهد الليل، لا من بين مشاهد النهار، إذ الليل أجمع للفكر، وظواهره أدعى إلى التأمل العميق، والاعتبار الدقيق، فأشار كتاب الله في هذا السياق إلى " الشفق الأحمر " الذي يلاحق غروب الشمس في أول الليل، ويمتد إلى

стр. 2768

وقت العشاء، ولمنظره روعة وأية روعة، وإيحاء وأي إيحاء. وأشار كتاب الله في نفس السياق إلى " الليل المظلم " وما يرافق قدومه من مظاهر وظواهر تختلف كل الاختلاف عن مظاهر النهار وظواهره، ولظلام الليل رهبة وأية رهبة، وجلال وأي جلال. وأشار كتاب الله في نفس السياق إلى " القمر المنير "، ولتكامل نوره إذا استدار تأثير وأي تأثير، وجمال وأي جمال. وإذا كانت قوات الكون كلها مسخرة لله تتحرك بأمره كما يشاء، وتؤدي وظيفتها كما يريد على أحسن الوجوه، إلى ميقات يوم معلوم، فهل يستطيع الإنسان، وهو جزء صغير من هذا الكون الذي لا يتجزأ، أن يفلت من قبضة الله، أو أن يتحرك على خلاف مشيئته وبعكس إرادته؟ إنه لن يستطيع ذلك، ولا بد من أن يندمج في ناموس الكون العام، مصداقا لقوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ * وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ * وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ * لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾. ومعنى قوله تعالى ﴿وَمَا وَسَقَ﴾، أي: وما جمع، ومن جملة ما يجمعه الليل الظلام والنجوم والحيوان والإنسان، عندما يأوي كل منهما إلى مأواه، ومعنى قوله تعالى ﴿إِذَا اتَّسَقَ﴾، أي: إذا استدار وتكامل نوره، ومعنى قوله تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾، أي: لتتقلبون في حياتكم من حال إلى حال، منذ بدايتها إلى نهايتها، ومن ذلك أن يصبح أحدكم رضيعا ثم فطيما، بعد ما كان جنينا، وكهلا ثم شيخا، بعد ما كان شابا، وأن ينتقل من شدة إلى رخاء، ومن رخاء إلى شدة، ومن فقر إلى غنى، ومن

стр. 2769

غنى إلى فقر، ومن سقم إلى صحة، ومن صحة إلى سقم، كما يتضمن قوله تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾، معنى ثانيا: وهو ما سيلقاه الإنسان بعد موته وحين بعثه من الشدائد والأهوال، أثناء الحشر والحساب والجزاء في عرصات القيامة نفسها. فمعاناة الإنسان لهذه الأطوار والأحوال كلها في حياته الأولى وحياته الثانية هي التي عبر عنها الذكر الحكيم هنا " بالركوب ": ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾، جريا على المعهود في اللسان العربي من التعبير " بركوب الأخطار "، إشارة إلى معاناتها وتحملها، والتقلب فيها عند الاضطرار، على حد قول الشاعر العربي: إذا لم تكن إلا الأسنة مركبا ... فما حيلة المضطر إلا ركوبها ومن هنا انتقل كتاب الله إلى التساؤل، باستغراب وتعجب، لماذا يصر الكافرون على عنادهم، ويتمسك الجاحدون بجحودهم، ضاربين صفحا عن الاستجابة لما يحييهم، وكتاب الله يتلى أمامهم، ويقرع أسماعهم، فقال تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾، أي: أن كل ما تعرضه الدعوة الإسلامية على خصومها والمكذبين بها من آيات كونية وآيات قرآنية، إنما يدفع إلى الإيمان لا إلى الكفر، وإنما يعين على إيقاظ الضمير وإثارة الشعور، لا على الغفلة والغرور، ومن هنا جاء التساؤل والاستغراب في هذا الباب. ثم عقب كتاب الله بما يؤكد أنه عليم بذات الصدور، مطلع على ما يضمره الكافرون من إصرار على التكذيب وإمعان في الغرور، داعيا نبيه إلى إنذارهم بالعذاب الأليم، وتبشير المؤمنين

стр. 2770

بالنعيم المقيم، فقال تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ * وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾، أي أعلم بما تنطوي عليه صدورهم، ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، واستعمال " البشارة " هنا فيه نوع من المفاجأة والتبكيت، إذ لو رغبوا في " البشرى " على وجهها الصحيح لسلكوا إليها طريقها الوحيد، وهو طريق الإيمان والإذعان، ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾، أي: لكن المؤمنين المتقين لهم أجر غير منقوص ولا مقطوع، على حد قوله تعالى في آية أخرى: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ (هود: ١٠٨)، وانتقد ابن كثير قول بعضهم في تفسير آية ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾، أن معناها لهم أجر غير ممنون عليهم، فإن الله له المنة على أهل الجنة في كل حال، وإنما دخلوها بفضله ورحمته، لا بأعمالهم، فله عليهم المنة دائما سرمدا. ولننتقل الآن إلى سورة " البروج " المكية أيضا، معتمدين على الله. وهذه السورة الكريمة تتحدث عن قصة " أصحاب الأخدود " وهم فئة من المؤمنين الأولين كانوا قد آمنوا قبل ظهور الإسلام، وتعرضوا للعذاب بالنار على يد الكفار من إخوانهم، عقابا لهم على إيمانهم. وقد ابتدأت السورة الكريمة باستعراض جملة من الأشياء التي ينبغي الوقوف عندها وقفة خاصة، والتأمل فيها وفيما وراءها، بقصد الذكرى والاعتبار، ففي مطلعها إشارة إلى السماء مع
следующие страницы →