← Тафсир

Тафсир · id 115129

التيسير في أحاديث التفسير

محمد المكي الناصري

Полный текст (2 848 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا (٨٤) مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (٨٥) وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (٨٦)

стр. 352

الربع الأخير من الحزب التاسع في المصحف الكريم (ت) عباد الله في حديث هذا اليوم سنلقي نظرة على الربع الأخير من الحزب التاسع في المصحف الكريم، وهو يبتدىء من قوله تعالى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ وينتهي بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ ــ عندما نتأمل الآية الأولى في هذا الربع، وهي قوله تعالى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ الآية، نجدها مرتبطة كل الارتباط بالآيتين الأخيرتين من الربع الماضي ومبنية عليهما. ففي الآيتين الأخيرتين من الربع الماضي وصف كاشف لشعور المنافقين الدفين، وموقفهم الحقيقي من الجهاد والمجاهدين، إذ يبين كتاب الله ما عليه المنافقون من التخلف والتباطؤ عن تلبية نداء الرسول الأعظم ﷺ ، وما يقومون به علاوة على تخلفهم عن ركب المجاهدين من تثبيط لعزائم المسلمين، حتى لا يجاهدوا المشركين.

стр. 353

ورغما عن موقف التلكؤ والتخاذل والتثبيط الذي يقفونه كلما خرج المسلمون للجهاد في سبيل الله، فإنهم بحكم روح النفاق والطمع، والانتهازية التي هم عليها، يأسفون بالغ الأسف عندما ينتصر المسلمون، ويرجعون من جهادهم سالمين غانمين، ويتمنون لو أنهم حضروا معهم وكانوا من بين الفائزين كما أنهم بحكم روح النفاق والجبن والأنانية التي عليها يفرحون كامل الفرح بتخلفهم وعدم حضورهم، عندما يرجع المجاهدون وقد خلفوا من ورائهم في ساحة الجهاد عددا من الشهداء في سبيل الله. ويشير كتاب الله في نفس هاتين الآيتين إلى أن نفس التعبير الغامض الذي يستعمله المنافقون في الحديث عن المؤمنين ينبئ عن دخيلتهم، إذ لا يذكرونهم بوصفهم المميز، وإنما يستعملون في الحديث عنهم " ضمير الغائب المبهم " مما يدل على أنهم لا يجمعهم بهم أدنى رابطة، وعلى أن كل ما يتظاهرون به من المودة لهم محض زور وبهتان، وذلك ما يتضمنه قوله تعالى في ختام الربع الماضي ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا * وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. وعلى هذا المعنى الذي تتضمنه هاتان الآيتان وقع التعقيب بالآية الأولى في هذا الربع، وهي دعوة صادرة من الله تعالى إلى أولئك الذين استرخصوا أرواحهم في سبيله، لأن يقوموا بواجب الجهاد المقدس، غير ملتفتين إلى تخلف المنافقين وتثبيط المثبطين، كما

стр. 354

أنها وعد صادق من الحق لهم بالأجر العظيم والثواب الجسيم، سواء منهم من غلب وعاد، ومن وقع شهيدا في ساحة الجهاد. وذلك قوله تعالى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. وفي هذا الربع يتحدث كتاب الله عن طائفة أخرى لا تملك من الشجاعة والاستعداد للتضحية القدر الكافي لمواجهة أعباء الجهاد، ويتضمن الحديث عنها معنى الاستغراب والتعجب، حيث إن هذه الطائفة بالذات، في الوقت الذي كانت أوامر الله وتعليماته تصدر إلى المسلمين بالانتظار والصبر وتحمل الأذى إلى حين، كانت تتحرق شوقا إلى الجهاد، وتطلب من الرسول الإذن لها بالقتال، فلما حل موعد الجهاد وكتب عليها القتال أخذت تتراجع إلى الوراء، وتتمنى لو أن هذه الفريضة لم تفرض، وأجلت إلى موعد آخر، بل إنها أخذت تتساءل في دهشة واستغراب عن السر الذي من أجله فرض الله الجهاد على المسلمين وذلك كله حرصا منها على الحياة، وتشبثا بمصالحها المادية الخاصة، وخوفا على الأموال والنساء والأولاد من عواقب الجهاد. وبعدما وصف كتاب الله هذا الصنف الرعديد من الناس، وما هو عليه من ضعف في النفس، وتمسك بالعيش الهنيء، جاء التعقيب على ذلك بمقارنة بين الدنيا ومتاعها والآخرة وثوابها، وأن الله يجازي من جاهد في سبيله بكامل العدل ومنتهى الكرم، كما يجازي القاعدين والمتخلفين بما هم أهله، وأن الموت الذي يخشونه

стр. 355

سيدركهم لا محالة حيثما كانوا قاعدين أو مجاهدين. وإلى مجموع هذه المعاني يشير قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا * أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾. وبعدما وصف كتاب الله ما عليه المذبذبون والمنافقون من غريب الأطوار والأحوال، وما يبيتونه في نفوسهم ويجري على ألسنتهم من سخيف الأقوال، وما يغلب عليهم من ميل إلى التمرد والخلاف، بدلا من التزام الطاعة والتمسك بالائتلاف، اتجه الخطاب الإلهي رأسا إلى الرسول الأعظم ﷺ ، داعيا إياه في نفس السياق إلى القيام بواجب الجهاد الذي كلفه الله به، وألقاه على عاتقه قبل كل الناس، ليبادر إلى أدائه، دون أن ينظر إلى أي اعتبار آخر، وآمرا له في نفس الوقت بأن يحض المؤمنين على الجهاد في سبيل الله، بغض النظر عن تخاذل المتخاذلين، وتثبيط المثبطين، وتراجع ضعفاء النفوس العاجزين، مبينا لرسوله والمؤمنين أن هدف الجهاد في سبيل الله إنما هو كف أذى الكافرين عن المؤمنين، وخضد شوكة المشركين وذلك قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾. ونظرا لأن الهدف الأساسي من القتال في سبيل الله هو تحرير

стр. 356

الفرد المسلم حتى لا يفتن في دينه، وتحرير الجماعة المسلمة حتى لا تفتن في دينها اختار كتاب الله أن يبرز هذا الهدف بشكل قوي، حتى تلتفت إليه جميع النظار، فجعله في مطلع هذا الربع منذ البداية، لأنه هو المقصد والغاية، وما يتبعه ويليه إنما هو وسيلة إليه، وذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾. فاستثار كتاب الله حمية المسلمين، لإنقاذ إخوانهم المستضعفين الذين لم يستطيعوا الهجرة من مكة إلى المدينة بجانب بقية المهاجرين، ممن أصبحوا مغلوبين فيها على أمرهم، معرضين لسائر صنوف الأذى من طرف المشركين. ووصف كتاب الله بمنتهى الدقة، وبصيغة بالغة التأثير تثير المشاعر، الحالة النفسية القلقة لأولئك المستضعفين من الرجال والنساء والولدان المعذبين من أجل عقيدة الإيمان، وما هم عليه من تبرم بنوع الحياة الجهنمية التي يتحملونها بمكة، وما يتوجهون به إلى الله صباح مساء من دعاء خاشع وابتهال صادق، ليعينهم على الخلاص من ربقة الشرك، والخروج من القرية الظالم أهلها إلى المدينة التي آمن أهلها، أملا في اللحاق بالرسول وصحبه من المهاجرين والأنصار، وذلك قوله تعالى: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾. وفي هذا السياق بين كتاب الله الفرق الجوهري والأساسي بين جهاد المؤمنين وقتال الكافرين، فالجهاد الذي فرضه الإسلام

стр. 357

ليس من أجل السيطرة والاستغلال، ولا من أجل الاستعباد والإذلال، وإنما هو من أجل نصرة الحق وبسط العدل، وبث الخير والمعروف بين الناس، وهو في النهاية لإقامة دين الله، وإعلاء كلمته في الأرض على من سواه. وعلى العكس من ذلك القتال الذي يقوم به الكافرون، فهو من أجل تدعيم العدوان، ومساندة الطغيان واستعباد الإنسان لأخيه الإنسان، وهو في النهاية للدفاع عن عبادة الأصنام والأوثان، وسدنتها من السحرة والكهان، وذلك ما تشير إليه في إيجاز وإعجاز هذه الآية الكريمة: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾. ثم حرض كتاب الله المؤمنين على قتال الكافرين لوضع حد لعدوانهم، وفرض احترام الإسلام عليهم، وتمكين هيبته في نفوسهم، ونشر دعوتهم بكل حرية في أوساطهم، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله. ونبه كتاب الله إلى الحلف الشيطاني المعقود بين الشيطان وأوليائه الكافرين إذ إنهم عن إيحائه يصدرون، وبإغرائه يمكرون، مؤكدا أن كيد الشيطان مطبوع بطابع الضعف والهزال، محكوم عليه بالفشل والزوال، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾.

стр. 358

الربع الأول من الحزب العاشر في المصحف الكريم (ق) ــ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧) فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (٨٨) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٨٩) إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (٩٠) سَتَجِدُونَ آخَرِينَ

стр. 359

يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (٩١) وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢) وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ

стр. 360

عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٩٤) لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٩٦) إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩)

стр. 361

الربع الأول من الحزب العاشر في المصحف الكريم (ت) عباد الله تتناول حصة هذا اليوم الربع الأول من الحزب العاشر في المصحف الكريم، وبدايته قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ ونهايته قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ ــ يتوالى الحديث في هذا الربع عن الجهاد في سبيل الله، وعن بيان الظروف التي يسوغ فيها أولا يسوغ. فمن ذلك أن طائفة كانت قد أظهرت الإسلام بمكة قبل الهجرة، فلما جاء وقت الهجرة وهاجر الرسول ومن معه بقيت هذه الطائفة مستقرة بمكة مع المشركين، دون أن تلحق بالنبي المهاجر، وذات يوم خرجت تطلب حاجة لها خارج مكة على أن تعود إليها ولا تهاجر، مطمئنة إلى أن أصحاب محمد إن لقوها فليس عليها منهم بأس، على حد تعبيرها الخاص، فبلغ خبر خروجها إلى المؤمنين من المهاجرين والأنصار، وانقسم الرأي العام بالمدينة في شأن هذه الطائفة، فمن قائل: يجب التعرض لهؤلاء الجبناء وقتلهم،

стр. 362

بحجة أنهم يظاهرون العدو، ومن قائل: أتقتلون قوما قد تكلموا بمثل ما تكلمتم به، وتستحلون دماءهم وأموالهم من أجل أنهم لم يهاجروا ولم يتركوا ديارهم؟ وافترق المسلمون في الرأي إلى فئتين، ورسول الله ﷺ لا ينهى أي فريق من الفريقين عن رأيه، حتى نزلت آيات كريمة لفض هذا الخلاف في الرأي، وأكدت هذه الآيات رأي الفريق الذي نادى بقتالهم، إن لم يفارقوا مكة نهائيا، ويلحقوا برسول الله مهاجرين معه، وبينت أن " الفرقان " بين نفاق هذه الطائفة وإيمانها هو الإقدام على الهجرة في سبيل الله دون تردد، والتضحية من أجلها بالنفس والنفيس، وإلا حقت على هذه الطائفة كلمة العذاب، واعتبرها المسلمون ملحقة بالمشركين، يعمها ما يعمهم من الأسر والسبي والقتال، وذلك قوله تعالى في شأن هذه الطائفة، وموقف المؤمنين منها ووجه الحق في مصيرها مخاطبا للمؤمنين ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا * وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾، أي ما لكم تفرقتم فرقتين في شأن قوم نافقوا نفاقا ظاهرا ولم تبتوا القول بكفرهم. ومن ذلك أن طائفة أخرى بمكة كان لها نوع ارتباط وتحالف بمن لهم مع المسلمين حلف وميثاق، فهذه الطائفة ألزم كتاب الله بعدم المساس بها، رعاية واحتراما للميثاق الذي بين المسلمين وبين الطرف المعاهد الذي لها به علاقة وارتباط، وهذا معنى قوله تعالى:

стр. 363

﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾. أي فاجعلوا حكمهم كحكمهم. ومن ذلك أن طائفة ثالثة التزمت الحياد بالنسبة للمسلمين وبالنسبة للمشركين، فلا هي تقاتل المسلمين إلى جانب أهل الشرك، ولا هي تشارك المسلمين في قتالهم للمشركين، فهذه الطائفة إن حافظت على حيادها وبقيت ملتزمة للسلم تجاه المسلمين لم ينالوها بسوء، وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾. أي لم تسمح له ضمائرهم ﴿أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ﴾. أي لم يتعرضوا لكم ﴿فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾. ومن ذلك أن طائفة رابعة تتظاهر بالحياد إزاء المؤمنين وإزاء الكافرين، لكن لا بوازع قلبي سليم وإنما بدافع مصلحتها الخاصة، حيث إنها ترى من فائدتها أن تلعب على حبلين، حتى تضمن مصالحها لدى كل من الطرفين، فهي في الباطن من الفتنة وإليها، وهي في جانب الشرك وأهله، وإن كانت في الظاهر تقف موقف الحياد، وتتظاهر بالإسلام أمام أهله، وهذه الطائفة أباح الله للمسلمين دماءها وأموالها إذا تعرضت للمسلمين ولم تعتزلهم وتسالمهم ظاهرا وباطنا، وجعل الله للمسلمين عليها حق القتال بكافة توابعه ونتائجه، وهذا معنى قوله تعالى مخاطبا المؤمنين: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ

стр. 364

أُرْكِسُوا فِيهَا﴾. أي انهمكوا في تدبيرها ﴿فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ﴾. بل تعرضوا لكم ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾. أي حيث تمكنتم منهم ﴿وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾. ثم وجه كتاب الله خطابه إلى المؤمنين يدعوهم إلى مزيد التثبت ومنتهى التحري قبل الحكم على أي شخص أو أية طائفة بالكفر، وقبل معاملتهم لأي واحد منهما على ذلك الأساس، ونبههم إلى أنهم إذا كانوا يجوبون الأرض في سبيل الله وعثروا على من يعلن أنه مسالم لا محارب، ويدعي أنه مؤمن، لا كافر ولا منافق، فإنهم لا يسوغ لهم أن يبادروا إلى قتله لمجرد سوء الظن به وعدم معرفته، بل يجب عليهم التثبت من أمره، والاطلاع على حقيقته، والحكم بعد ذلك له أو عليه، وأكد كتاب الله أكثر من مرة في نفس السياق ضرورة التحري من جانبهم في شأنه، حتى لا يحمل عملهم على مجرد الطمع في الاستيلاء على ماله بعد قتله. وذكرت الآية الكريمة المؤمنين الذين هاجروا مع الرسول ﷺ أن منهم من كان مؤمنا وكان يخفي إيمانه، حتى من الله عليهم وأذن لهم بإعلان إيمانهم أمام الملأ، وأنه يبعد أن يكون هذا الذي سقط بين أيديهم الآن وأعلن إيمانه هو أيضا في نفس الوضع الذي كانوا عليه من قبل، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ

стр. 365

كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾. وأخيرا استعرض كتاب الله حال طائفة أخرى آثرت البقاء بمكة تحت سلطان الشرك والوثنية، لا لأن أفرادها من المستضعفين الذين أقعدهم العجز والضعف عن الهجرة إلى المدينة، ولكن لأن هواهم من هوى المشركين، ومصالحهم تقضي عليهم بمجاملة الشرك وأهله، والرضى بالبقاء تحت أمره ونهيه، والوقوف بجانبه عند الحاجة، ويعتبر كتاب الله أفراد الطائفة (ظالمي أنفسهم) لا مظلومين ولا مستضعفين. ويصف القرآن الكريم حوارا يدور بينهم بعد موتهم وبين الملائكة، يتبين من خلاله ما تعودوا عليه من كذب ونفاق وميل إلى التضليل، وينتهي هذا الحوار بكشف الستار عنهم، وبسقوط ادعائهم الباطل، وبعقابهم من الله عقابا شديدا. ثم يستثني كتاب الله من هذه الطائفة الظالمة المؤمنين المظلومين والمستضعفين حقا، وهم أولئك الذين لم يجدوا حيلة للخروج من مكة، ولا قدرة على الهجرة إلى المدينة، من الرجال العاجزين، والنساء الضعيفات، والولدان الصغار، ويفتح كتاب الله في وجه هؤلاء المستضعفين باب الأمل والرجاء في عفوه ومغفرته، جزاء ثقتهم بالله، وتعلقهم به، وهجرتهم بقلوبهم إلى الله ورسوله. ونقل عن ابن عباس أنه قال: (كنت أنا وأمي ممن عذر الله ، من المستضعفين، من النساء والولدان).

стр. 366

وهذه المعاني هي التي يتضمنها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾.

стр. 367

الربع الثاني من الحزب العاشر في المصحف الكريم (ق) ــ وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٠) وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١) وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ

стр. 368

كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٠٢) فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣) وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٠٤) إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (١٠٧) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (١٠٨) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (١٠٩) وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ

стр. 369

يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠) وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١١) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (١١٢) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)

стр. 370

الربع الثاني من الحزب العاشر في المصحف الكريم (ت) عباد الله في حديث هذا اليوم نتناول الربع الثاني من الحزب العاشر، وأول آية منه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ وآخر آية فيه قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ ــ يتوالى الحديث في بداية هذا الربع عن الهجرة في سبيل الله، وما أعده الله للمهاجرين من خير عاجل وثواب آجل، وذلك ترغيبا لمن تخلفوا بمكة في الهجرة إلى المدينة، للالتحاق بجمهرة المسلمين، وتحريضا لهم على مفارقة المشركين، ففي الهجرة في أرض الله الواسعة سعة للمسلم من الضيق، وفيها مندوحة له عن الأذى، وفيها فوق ذلك كله تمكين له من ممارسة دينه بكل حرية واطمئنان، والمسلم إذا فارق بيته بنية الهجرة وأدركه الموت في الطريق يكون له عند الله ثواب المهاجر الذي أتم هجرته، وذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ

стр. 371

مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. ويندرج تحت هذه الآية ما صح الحديث به عن رسول الله ﷺ كما في صحيحي البخاري ومسلم والموطأ برواية محمد بن الحسن الشيباني عن عمر بن الخطاب ﵁ قال رسول الله ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه). وينتقل كتاب الله من الحث على الهجرة وتبيين فوائدها وفضائلها إلى تبيين الكيفية التي يؤدي بها المسلمون صلواتهم عندما يكونون مشتبكين في حالة حرب مع أعدائهم، حيث إن الإسلام لا يعفيهم من الصلاة ولو في هذه الحالة، نظرا إلى أن الصلاة عماد الدين وعموده الفقري، لا غنى عنها في حضر أو سفر، ولا في صحة أو مرض، ولا في حال أمن أو خوف، وأرشدهم الحق إلى نوع التخفيف الذي خففه عنهم بالنسبة للحالة التي يخشون فيها فتنة العدو وهم في مواجهته، وذلك بالإذن لهم في قصر الصلاة، والاقتصار فيها على ركعة واحدة أو ركعتين اثنتين، على أن يقسموا أنفسهم بالتناوب إلى طائفتين: طائفة تقوم بالصلاة، وأخرى بالحراسة، فتصطف الطائفة الأولى وراء الإمام وتصلي معه ركعة واحدة، ثم تتم ركعتها الثانية وحدها وتسلم، في الوقت الذي تكون فيه الطائفة الثانية قائمة بحراستها من مفاجآت العدو لها أثناء الصلاة.

стр. 372

وعند انتهاء الطائفة الأولى من صلاتها تبادر فتأخذ مراكز الطائفة الأخرى التي حرستها من قبل وتحل محلها في الحراسة، وتأتي الطائفة الثانية لتلتحق بدورها في الصلاة وراء الإمام، الذي يثبت قائما في انتظارها بركعته الثانية، فتأتم به فيها، ثم تضيف إلى الركعة التي أدركتها معه ركعة أخرى وحدها تتم بها ركعتين وتسلم، وفي الحين تعود إلى مراكزها في صف القتال. وهكذا يحافظ المؤمنون على صلواتهم التي هي صلتهم بالله في كل الظروف، يستمدون عن طريقها المدد الإلهي والعون الروحي لمواجهة مسؤولياتهم بقلب ثابت، وعزم صادق، ويقين في الله لا يداخله أدنى شك أو وهن، وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا * وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾. ومما تجدر ملاحظته في هذا الصدد ما قرره الشارع في كيفية هذه الصلاة من الجمع بين مقتضيات العبادة ومقتضيات الدفاع على أكمل وجه من التوفيق والتنسيق، فأعطى لواجب العبادة حقه من جهة، وأعطى لضرورة الدفاع حقها من جهة أخرى، وهكذا لم يكتف الإسلام من جنوده بالعبادة وحدها مع التفريط في مقتضيات الدفاع والتعرض للخطر، كما لم يكتف منهم بالواجب العسكري وحده والتحرز من العدو، مع نسيان الله وإهمال الصلاة.

стр. 373

وتلك هي خطة الإسلام المرسومة دائما في مختلف مجالات الحياة، بالنسبة للجوانب الروحية والجوانب المادية، لا يضحي بجانب منها في سبيل الجانب الآخر، وإنما يعمل على إعطاء كل جانب من الجانبين حظه من العناية والاهتمام، ويسعى للتوفيق بينهما حفظا للتوازن وحرصا على الانسجام. وطبقا لما هو متعارف في تشريع الكتاب والسنة من تنبيه الشارع إلى حكمة التشريع في عدة مناسبات جاء التعقيب على الكيفية التي شرعها الله لصلاة المسلمين وهم في مواجهة العدو، بما يبين السر فيها وفي تقسيمهم إلى طائفتين: طائفة تصلي وطائفة تحرس المصلين، ألا وهو اتخاذ الاحتياط والتزام الحذر، إزاء مباغتات العدو وهجومه المنتظر، وذلك قوله تعالى: ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾. ويؤكد هذا المعنى ما جاء في الأثر أن رسول الله ﷺ في إحدى المناسبات التي واجه فيها المشركين صلى بأصحابه صلاة الظهر أربع ركعات بركوعهم وسجودهم وقيامهم جميعا، فهم بهم المشركون أن يغيروا على أمتعتهم وأثقالهم، فشرع الله للمسلمين في هذه الآيات نوع الصلاة المناسبة لظروف القتال، وجعلها جامعة بين التحرز من العدو والتعبد لله في نفس الوقت. ثم رخص الله لجنود الإسلام أن يضعوا أسلحتهم لعذر المرض والمطر، لكن مع ترك الاستسلام ووجوب الاحتياط وأخذ الحذر، وذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا

стр. 374

حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾، قال القاضي أبو بكر (ابن العربي) المعافري: " قوله تعالى: (خذوا حذركم) أمر الله سبحانه للمؤمنين أن لا يقتحموا على عدوهم على جهالة، حتى يتحسسوا إلى ما عندهم، ويعلموا كيف يردون عليهم، فذلك أثبت للنفوس، وهذا معلوم بالتجربة، فإن الجيش ما جاءه قط مصاب إلا من تفريط في حذر ". وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾. خطاب للمجاهدين من المؤمنين الذين أقاموا الصلاة وهم في مواجهة العدو، على الكيفية المخففة التي شرعها الله لهم، أن يوالوا بعد فراغهم من الصلوات ذكر الله أثناء الجهاد والقتال، سواء كانوا قائمين أو قاعدين أو مضطجعين، لا فرق بين مختلف الأحوال، وذلك لما يؤدي إليه الذكر من حضور القلب مع الله، وما يعين عليه من تلقي مدده ورضاه، على غرار قوله تعالى في خطابه لنبيه: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾. معناه أنه إذا ذهب عنكم الخوف من فتنة العدو وأصبحتم في حالة اطمئنان تام فعليكم أن تتركوا الكيفية المخففة للصلاة التي بينتها الآيات السالفة، وتعودوا إلى إقامة الصلاة على وجهها الكامل كيفا وكما، هيئة وعددا. وغني عن البيان أن الصلاة التي حددها كتاب الله لحالة القتال، والتي وصفتها آيات هذا الربع هي المعبر عنها في لسان

стр. 375

علماء الشريعة باسم (صلاة الخوف) وذلك أخذا من الحالة التي تقع فيها هذه الصلاة، وهي حالة اشتباك المسلمين مع عدوهم، وخوفهم من أن يفتنهم في صلاتهم وهم في مواجهته. وهنا قد يتساءل البعض عن قصر الصلاة في السفر دون قتال ولا خوف، هل قصرها داخل في سياق هذه الآيات، أم أن له سندا شرعيا آخر؟ والجواب عن ذلك ما رواه ابن جرر الطبري في كتابه في التفسير ونقله عنه ابن كثير: أن أمية بن عبد الله قال لعبد الله بن عمر: إنا نجد في كتاب الله قصر صلاة الخوف، ولا نجد قصر صلاة المسافر، فقال عبد الله: " إنا وجدنا نبينا ﷺ يعمل عملا فعملنا به ". فقد سمي صلاة الخوف مقصورة، وحمل الآية عليها، لا على قصر صلاة المسافر، وأقره ابن عمر على ذلك، واحتج على قصر الصلاة في السفر بفعل الشارع، لا بنص القرآن. ونقل (ابن العربي) المعافري سؤال أمية بن عبد الله لعبد الله بن عمر على الوجه الآتي: (إنا نجد صلاة الحضر وصلاة الخوف في القرآن، ولا نجد صلاة السفر). (يعني لا نعلم شيئا، فإنا نفعل كما رأيناه يفعل ". كما نقل (ابن العربي) أيضا مقالة يعلى بن أمية لعمر بن الخطاب نفسه في نفس الموضوع، وذلك بالصيغة الآتية، وهي مروية في سنن ابن ماجة: " إن الله تعالى يقول: فليس عليكم

стр. 376

جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم، فها نحن قد أمنا ". قال عمر: (عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله ﷺ فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته). هذا وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: (إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة) مما يدل على أن قصر الصلاة في السفر ثابت بالسنة الفعلية والسنة القولية، والسنة كما هو معلوم مصدر ثان للتشريع، بجانب الكتاب الذي هو المصدر الأول، غير أن هذه الرخصة لا يعقل الانتفاع بها في سفر المعصية، وإنما يعمل بها في سفر الطاعة وحده إن طرأ في السفر ما يدعو إليها. وأخيرا أكد كتاب الله في ختام هذا الموضوع معنى أن الصلاة لازمة للمسلمين مفروضة عليهم في جميع أحوالهم لا يعفيهم منها شئ، وأن الشارع حرصا منه على قيامهم بها رخص لهم بإقامتها على الوجه الذي يستطيعونه بحسب كل حال من الأحوال، حتى أنه اكتفى منهم في بعض حالات الأعذار بطهارة التيمم التي هي أيضا طهارة رمزية، وذلك تنبيها على أن الصلاة لا تستباح إلا بطهارة، حتى تبقى النفس متشوفة إلى استعمالها، ولا تتعود على إهمالها.

стр. 377

الربع الثالث من الحزب العاشر في المصحف الكريم (ق) ــ لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤) وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥) إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١١٦) إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ

стр. 378

فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (١١٩) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (١٢١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (١٢٢) لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤) وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (١٢٦) وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ

стр. 379

اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (١٢٧) وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٢٨) وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٢٩)

стр. 380

الربع الثالث من الحزب العاشر في المصحف الكريم (ت) عباد الله تستوعب حصة هذا اليوم الربع الثالث من الحزب العاشر في المصحف الكريم، وبدايته قوله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ونهايته قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. ــ يتناول هذا الربع موضوعات متنوعة، اعتقادية وأخلاقية، كما يتناول جوانب من العبادات، وأخرى من المعاملات. وأول آية فيه تبين أن أكثر ما يتناوله الناس في أحاديثهم من القيل والقال لا خير فيه، ولا فائدة من ورائه، وأن أحسن الحديث الذي ينبغي أن يشغل المسلمون أنفسهم به هو حديث البر والمعروف وإصلاح ذات البين، وذلك بقصد حضهم على الاتجاه وجهة الخير، وتنفيرهم من الاتجاه وجهة الشر، فيما يتبادلونه من آراء وأفكار، حيث إن الفكر عادة هو الذي يدفع إلى العمل، فإذا كانت أحاديث الناس ومحاوراتهم تنحو نحو الهدم اتجهت أعمالهم

стр. 381

للهدم لا محالة، وعلى العكس من ذلك إذا كانت مشاغلهم الفكرية تنحو نحو البناء اتجهت أعمالهم إلى البناء بدل الهدم، وذلك قوله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾. وفي معناه قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾. وثاني آية في هذا الربع تبين حكم الله فيمن تعمد مخالفة الرسول والمؤمنين بعدما ظهر له وجه الحق فتحدى ملته وأمته، وذهب برأيه وهواه في واد، وترك الملة والأمة في واد، وأصبح معتزلا وحده في شق، وهما بريئتان منه في الشق الآخر. ومن هنا جاء التعبير بكلمة (الشقاق) في هذا الصدد، وحكم الله فيه هو اعتباره خارجا عن جماعة المسلمين، متمردا على إجماع المؤمنين، له عذاب جهنم وبيس المصير، وذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. وعلى هذه الآية نفسها اعتمد الإمام الشافعي ﵁ في الحكم بحجية الإجماع، وما يجب له من الإتباع، نظرا إلى أن الشريعة قد ضمنت العصمة من الخطأ لمجموع الأمة " لا تجتمع أمتي على خطأ " فما ثبت في شأنه اتفاقها وتحقق إجماعها عليه، حق لا ريب فيه. قال ابن كثير بعد ما ذكر احتجاج الشافعي بهذه الآية على

стр. 382

حجية الإجماع وأنه اهتدى إلى ذلك بعد التروي والفكر الطويل: " وهو من أحسن الاستنباطات وأقواها ". وقوله تعالى: ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾. معناه نكله إلى نفسه في رأيه واختياره، ونستدرجه من حيث لا يعلم، على حد قوله تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ﴾. وثالث آية في الربع تؤكد من جديد خطورة الشرك بالله، وتقرر مرة أخرى أن هذا الذنب الأكبر على نقيض بقية الذنوب لا غفران له عند الله، بينما غيره يمكن أن يغفره الله لمن يريد، بشرط التوبة وعدم الإصرار. والسر في ذلك أن الشرك بالله لا يمكن أن يختلط أمره على ذي عقل سليم، وهو ظلم لمقام الألوهية عظيم، إذ أقل نظرة يلقيها العاقل على نفسه وعلى ما حوله ومن حوله تؤكد له وحدانية بديع السماوات والأرض الحكيم العليم، وذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا * لَعَنَهُ اللَّهُ﴾. إشارة إلى ما تواطأ عليه المشركون من عبادة الشيطان واللات والعزى وما شابههما من الأوثان، وإلى الملائكة الذين وصفوهم بالأنوثة والبنوة لله، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وفي مثل هذا السياق جاء قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ

стр. 383

سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾. ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾. ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ﴾. وانتقل كتاب الله بعد ذلك إلى التحذير من متابعة الشيطان والسير في ركابه، وبين ما في اتباعه من الخسران المبين، وأشار إلى أن الشيطان لا يقدم لأوليائه الأقربين، ومتبعي وصاياه المطيعين، إلا الوعود الخلابة والأماني الكاذبة، فهم كالدمى بين أصابع الشيطان، يغرهم ويغرر بهم، وينزل بهم إلى درك أسفل من درك الحيوان، وذلك لقوله تعالى حكاية عن إبليس ووصفا لوساوسه ودسائسه: ﴿وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا * وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ﴾. ﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا * يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا * أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾، ومصداق الغرور المشار إليه في هذه الآية قوله تعالى في آية أخرى ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾. ثم وضح كتاب الله مبدأ من المبادئ الأساسية في العقيدة الإسلامية، وهي أن الجزاء من جنس العمل، والجزاء الحسن مرتبط بالعمل الصالح، وأن مجرد الأماني دون سعي ولا عمل ولا اكتساب للخير لا ينفع المسلمين كما لا ينفع أهل الكتاب، سواء بسواء، ولذلك فإن من يعمل سوءا يجز به ومن يعمل صالحا يجز به، في الدنيا أولا، وفي الآخرة أخيرا، سواء كان العامل ذكرا أو كان أنثى، وذلك قوله تعالى في خطابه للمؤمنين: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا

стр. 384

نَصِيرًا * وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾. قال ابن كثير في تفسيره: (والمعنى في هذه الآية أن الدين ليس بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال. وليس كل من ادعى شيئا حصل له بمجرد دعواه، ولا كل من قال: إنه هو على الحق سمع قوله بمجرد ذلك، حتى يكون له من الله برهان، أي ليس لكم ولا لهم النجاة بمجرد التمني، بل العبرة بطاعة الله سبحانه، وإتباع ما شرعه على ألسنة الرسل (الكرام). وروي أنه لما نزلت هذه الآية شق أمرها على كثير من الصحابة، وكان أبو بكر الصديق ممن استفسر رسول الله ﷺ عن قوله تعالى فيها ﴿وَمَن يَعمَل سُوءاً يجز بِه﴾. فأجابه ﵇ قائلا: (غفر الله لك يا أبا بكر، ألست تمرض، ألست تنصب، ألست تحزن، ألست تصيبك اللاواء (الشدة والمحنة) قال بلى، قال: (فهو مما يجزون به). وروى علي بن أبي طالب عن ابن عباس تعقيبا على قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾: إلا أن يتوب فيتوب الله عليه. وقوله تعالى (نقيرا) المراد بالنقير النقرة التي في ظهر نواة التمرة، ومما يتصل به لفظ (القطمير)، والمراد به اللفافة التي على نواة التمرة، ولفظ (الفتيل)، والمراد به الخيط الذي في شق النواة، وهذه الألفاظ الثلاثة كلها وردت في القرآن الكريم.

стр. 385

فكلمة " النقير " وردت في القرآن مرتين إحداهما في هذا الربع ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ والثانية في الربع الثاني من الحزب التاسع من هذه السورة ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ وكلمة " الفتيل " وردت في القرآن ثلاث مرات، مرتين في هذه السورة سورة النساء، وذلك في قوله تعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ وفي قوله تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾، ومرة ثالثة في سورة الإسراء في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾. وكلمة " القطمير " وردت في القرآن مرة واحدة في سورة فاطر ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾. وأخيرا عادت الآيات الكريمة إلى موضوع معاملة النساء والولدان الصغار واليتامى، وهذا الموضوع أحد الموضوعات الرئيسية لسورة النساء ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ وفي سياق هذه الآيات وردت مادة (الصلح) و (الإصلاح) أربع مرات متتالية، مما يوضح بشكل قوي وصريح حرص الشارع الأكيد على سلامة الأسرة المسلمة، وحثه على ضمان استقرارها، ووجوب اتخاذ كل الوسائل، واستنفاد جميع المساعي للحيلولة دون الفراق بين الزوج والزوجة، ودون تعريض الأسرة بكافة أفرادها للتسكع والضياع والشتات، وذلك قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ - ﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.

стр. 386

الربع الأخير من الحزب العاشر في المصحف الكريم (ق) ــ وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (١٣٠) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (١٣١) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٣٢) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (١٣٣) مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (١٣٤) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا

стр. 387

أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٣٥) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (١٣٧) بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٣٨) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (١٣٩) وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠) الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ

стр. 388

اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١) إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (١٤٣) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (١٤٤) إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦) مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (١٤٧)

стр. 389

الربع الأخير من الحزب العاشر في المصحف الكريم (ت) عباد الله حصة هذا اليوم تستوعب الربع الأخير من الحزب العاشر في المصحف الكريم، وأول آية من هذا الربع قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ وآخر آية فيه قوله تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾. ــ بعدما حض كتاب الله في نهاية الربع الماضي أعضاء الأسرة المسلمة على ضرورة تفادي الفراق والطلاق بكل ما يمكن من الوسائل، وأورد مادة الصلح والتصالح والإصلاح أربع مرات متوالية في سياق واحد جاءت أول آية في هذا الربع لتتحدث عن الفراق، الذي يقع بعد استنفاد كافة وسائل الوفاق، وكأن هذه الآية الكريمة تشير إلى الحالة التي لم يعد فيها أحد الزوجين يطيق الحياة مع الآخر، أو لم يعد فيها كل واحد منهما قادرا على العيش بجانب الآخر، وإذن تكون وضعية أحدهما أو وضعيتهما معا وضعية الأسير الذي يتمنى الخلاص من رق الأسر، أو وضعية السجين الذي يبحث عن النور ليخرج من الظلام، ففي هذه الحالة وحدها يعد الله الزوج أو الزوجة أو يعدهما معا بأنه سبحانه وتعالى

стр. 390

سيعوضهما عن بعضهما خير العوض، وسيفتح لهما أبواب الأمل والرجاء في زواج أسعد، وعيش أفضل، وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ وإنما جاءت الآية بهذه الصيغة التي فيها إيماء إلى الرضى والعطف والمصادقة على الفراق، لأن الفراق في هذه الحالة أصبح هو الحل الوحيد لمشكلة سبق لها أن تأزمت، واتخذت لحلها جميع الوسائل دون جدوى، فكان الفراق هو المخرج الوحيد منها، بمنزلة العملية الجراحية التي يلجأ إليها في نهاية مراحل العلاج، بعد استنفاد المراحل الأخرى كلها. وقوله تعالى: ﴿وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ في هذا السياق، مطابقان كل المطابقة للمشكل القائم الذي حله الإسلام عن طريق الطلاق، ففي سعة رحمة الله وعظيم فضله ملاذ لكل من الزوجين المتفارقين، وفي إذن الله بالفراق بعد استنفاد وسائل الوفاق، منتهى الحكمة في القضاء على أسباب الخلاف والشقاق. ثم انتقل كتاب الله في نفس هذا المقام إلى التذكير بفريضة التقوى وعدم التعدي لحدود الله، مبينا أن التقوى وصية عامة وصى الله بها أهل الكتاب كما وصى بها المسلمين على السواء، وشأن الوصية من الناس بعضهم لبعض أن توضع موضع الاحترام والتنفيذ، وأن لا يقع فيها تبديل ولا كتمان، فما بالك بوصية الله المنزلة في كتبه، المنقولة على الناس على لسان رسله؟ إنها أجدر الوصايا كلها وأحقها بالتنفيذ الدقيق والاحترام التام. وكأن في هذا التذكير إشارة إلى أن من اعتصم بتقوى الله
следующие страницы →