← Тафсир

Тафсир · id 115129

التيسير في أحاديث التفسير

محمد المكي الناصري

Полный текст (2 848 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

الربع الأخير من الحزب العاشر في المصحف الكريم (ق) ــ وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (١٣٠) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (١٣١) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٣٢) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (١٣٣) مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (١٣٤) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا

стр. 387

أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٣٥) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (١٣٧) بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٣٨) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (١٣٩) وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠) الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ

стр. 388

اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١) إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (١٤٣) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (١٤٤) إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦) مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (١٤٧)

стр. 389

الربع الأخير من الحزب العاشر في المصحف الكريم (ت) عباد الله حصة هذا اليوم تستوعب الربع الأخير من الحزب العاشر في المصحف الكريم، وأول آية من هذا الربع قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ وآخر آية فيه قوله تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾. ــ بعدما حض كتاب الله في نهاية الربع الماضي أعضاء الأسرة المسلمة على ضرورة تفادي الفراق والطلاق بكل ما يمكن من الوسائل، وأورد مادة الصلح والتصالح والإصلاح أربع مرات متوالية في سياق واحد جاءت أول آية في هذا الربع لتتحدث عن الفراق، الذي يقع بعد استنفاد كافة وسائل الوفاق، وكأن هذه الآية الكريمة تشير إلى الحالة التي لم يعد فيها أحد الزوجين يطيق الحياة مع الآخر، أو لم يعد فيها كل واحد منهما قادرا على العيش بجانب الآخر، وإذن تكون وضعية أحدهما أو وضعيتهما معا وضعية الأسير الذي يتمنى الخلاص من رق الأسر، أو وضعية السجين الذي يبحث عن النور ليخرج من الظلام، ففي هذه الحالة وحدها يعد الله الزوج أو الزوجة أو يعدهما معا بأنه سبحانه وتعالى

стр. 390

سيعوضهما عن بعضهما خير العوض، وسيفتح لهما أبواب الأمل والرجاء في زواج أسعد، وعيش أفضل، وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ وإنما جاءت الآية بهذه الصيغة التي فيها إيماء إلى الرضى والعطف والمصادقة على الفراق، لأن الفراق في هذه الحالة أصبح هو الحل الوحيد لمشكلة سبق لها أن تأزمت، واتخذت لحلها جميع الوسائل دون جدوى، فكان الفراق هو المخرج الوحيد منها، بمنزلة العملية الجراحية التي يلجأ إليها في نهاية مراحل العلاج، بعد استنفاد المراحل الأخرى كلها. وقوله تعالى: ﴿وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ في هذا السياق، مطابقان كل المطابقة للمشكل القائم الذي حله الإسلام عن طريق الطلاق، ففي سعة رحمة الله وعظيم فضله ملاذ لكل من الزوجين المتفارقين، وفي إذن الله بالفراق بعد استنفاد وسائل الوفاق، منتهى الحكمة في القضاء على أسباب الخلاف والشقاق. ثم انتقل كتاب الله في نفس هذا المقام إلى التذكير بفريضة التقوى وعدم التعدي لحدود الله، مبينا أن التقوى وصية عامة وصى الله بها أهل الكتاب كما وصى بها المسلمين على السواء، وشأن الوصية من الناس بعضهم لبعض أن توضع موضع الاحترام والتنفيذ، وأن لا يقع فيها تبديل ولا كتمان، فما بالك بوصية الله المنزلة في كتبه، المنقولة على الناس على لسان رسله؟ إنها أجدر الوصايا كلها وأحقها بالتنفيذ الدقيق والاحترام التام. وكأن في هذا التذكير إشارة إلى أن من اعتصم بتقوى الله

стр. 391

يتفادى الوقوع في كثير من المشاكل، ويعينه الحق على تخطي العقبات عندما تنزل بساحته النوازل ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ وذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾. ومن هنا اتجه كتاب الله إلى مخاطبة خلقه أجمعين، ولا سيما الكافرين منهم وعصاة المؤمنين في سياق الوعيد والتهديد، لافتا نظرهم جميعا إلى حقيقة هي أكبر الحقائق وأصدقها جميعا، ألا وهي غنى الله المطلق عن خلقه، أساؤوا أم أحسنوا، أطاعوا أم عصوا، وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾، ثم قدرة الله القاهرة على إفناء الموجود، وإنشاء المعدوم، وقلب أوضاع العالم رأسا على عقب، تأديبا منه للمتمردين على طاعته، وعقابا للعصاة من خلقه، وتعويضا عنهم بمن هم أطوع لإرادة الله وأمره، وبمن هم أحرص على رضاه، وأشد تمسكا بتقواه، وذلك قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا * إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾. وكأن في هذا الخطاب الإلهي تحذيرا من الهزات والانقلابات والنكبات والكوارث الطبيعية، ودعوة موجهة للمؤمنين إلى أن يقوموا بواجبهم الكامل في تحقيق مراد الله وإعلاء كلمته في الأرض، وإعطاء الخلافة عن الله التي وكلها إليهم في أرضه حقها من الامتثال والفعالية، حتى تكون التوجيهات الإلهية حاكمة عليها،

стр. 392

مسيرة لها، بارزة في جميع جنباتها، وإلا نزع الله يده منهم، ووكلهم إلى أنفسهم، وسلط عليهم النقمة، بدلا من النعمة، وفي هذا المعنى جاءت آيات كريمة أخرى تزيده وضوحا وبيانا، وذلك قوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ أي وما ذلك عليه بممتنع، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾. وتعود الآيات الكريمة في هذا الربع إلى الحديث عن العدل المجرد من الهوى، والشهادة الخالصة من الزور، مبينة ما يجب أن يكون عليه المؤمنون المحكومون والحاكمون، في شؤونهم الخاصة والعامة، من العدل في أحكامهم، والصدق في أقوالهم، والإخلاص في أعمالهم، داعية إياهم إلى نسيان القرابات الحاملة على التحيز للأقرباء، وإلى نسيان الخصومات الحاملة على التحيز ضد الخصوم. وطالب كتاب الله كل مؤمن أن يأخذ الحق لغيره من نفسه، وأن يقول كلمة الحق ولو على نفسه، وألزم المؤمن بأن لا تأخذه في الحق لومة لائم، ولو كان الأمر يتعلق بالوالدين، إذ لا علاقة للبرور والعقوق، بما على الوالدين لغيرهما من الحقوق. ونبه كتاب الله إلى أن ميزان الحق والعدل يجب أن لا يؤثر في رجحان كفته أو انخفاضها ما يتأثر به ضعاف الناس من المؤثرات العاطفية، والاعتبارات الشخصية والاجتماعية، وذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ أي بالعدل ﴿شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا

стр. 393

أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ أي لا ترعاه لغناه، ولا تشفق عليه لفقره، فحق الله أولى بالرعاية والإشفاق، كما أنه لا يسوغ لك الميل بالهوى مع الفقير والتساهل معه لضعفه، والميل على الغني والتحامل عليه لغناه، فكن مع الحق أينما كان، واتبع الحق حيث كان ﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾ أي لا يحملكم الهوى على ترك العدل، بل ألزموه في كل حال كما في الآية الأخرى ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ أي إذا حرفتم أو ماطلتم، أو غلبتم الهوى وتجنبتم العدل فإن الله تعالى لا يغيب عن علمه ما عملتم من تحريف أو انحراف، بل يعلمه ويؤاخذكم عليه. وقد سبق لنا في نفس هذه السورة-سورة النساء- قوله تعالى في موضوع العدل والأمانة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾. وفي آيات هذا الربع عود على بدء، بالنسبة لاتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين، فها هنا يندد الحق مرة أخرى بموالاة الكافرين من دون المؤمنين ومصادقتهم والتودد إليهم، ويحذر من اتخاذهم بطانة قريبة تطلع على الأسرار والأخبار، وفي نفس الوقت ينعى كتاب الله على المنافقين كونهم اتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين، ويكشف الستار عن سرهم الدفين، مبنيا أن غرضهم الحقيقي من موالاتهم، وهدفهم الأول من الارتباط

стр. 394

الوثيق بهم، هو تعزيز جانبهم بتلك الموالاة وذلك الارتباط، على اعتبار أن الكافرين أعزاء أقوياء، يعطون لمن والاهم وارتبط بهم من عزتهم عزة، ومن قوتهم قوة، ثم عقب كتاب الله على هذا الوهم بالنقض والإبطال، مذكرا بأن العزة كل العزة إنما هي لله وحده لا لسواه، فمن أراد العزة فما عليه إلا أن يعتز بالله، وذلك قوله تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ثم وجه كتاب الله إلى المؤمنين سؤالا فيه استغراب واستنكار هل يريدون موالاة الكافرين، بالرغم مما تجلبه لهم من سخط الله وغضبه - ولله الحجة البالغة - فقال تعالى: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ أي حجة عليكم في عقوبته إياكم. انتهى الجزء الأول

стр. 395

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ التيسير في أحاديث التفسير

стр. 396

التيسير في أحاديث التفسير من إملاء سماحة الشيخ محمد المكي الناصري الجزء الثاني دار الغرب الإسلامي

стр. 397

الطبعة الأولى ١٤٠٥هـ - ١٩٨٥م دار الغرب الإسلامي

стр. 398

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الربع الأول من الحزب الحادي عشر في المصحف الكريم (ق) ــ لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (١٤٨) إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (١٤٩) إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٥٢) يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ

стр. 399

ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا (١٥٣) وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (١٥٤) فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩) فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦١) لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ

стр. 400

مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (١٦٢) إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (١٦٣) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤) رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥) لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (١٦٦) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا (١٦٧) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٦٩) يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧٠)

стр. 401

الربع الأول من الحزب الحادي عشر في المصحف الكريم (ت) عباد الله في حديث هذا اليوم نشرع في تفسير الحزب الحادي عشر من المصحف الكريم، ويبتدىء الربع الأول منه بقوله تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ وينتهي نفس الربع بقوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾. ــ يتناول كتاب الله في هذا الربع، بادئ ذي بدء موضوعا أخلاقيا خطيرا، ألا وهو الجهر بقالة السوء بين عامة الناس ونشر المرذول من الأقاويل بينهم، وترويج البذيء من الإشاعات المغرضة في أوساطهم، فكما يبغض الإسلام أولئك الأبالسة المفسدين الذين يتاجرون بالأعراض والعقول، ويشيعون الفاحشة بين أفراد المجتمع، والذين يضربون بسلوكهم أسوأ الأمثال لمن عداهم فيصبحون قدوة في الفساد، كذلك يبغض الإسلام من يتعمدون الجهر بالسوء، ويقومون بترويج الإشاعات الكاذبة والتلفيقات المضللة، ويتحدثون عن الناس بما يلوث أعراضهم، ويضيع الثقة منهم وفيهم، إذ بذلك ينتشر سوء الظن بين الناس

стр. 402

جميعا، وتضعف ثقة بعضهم ببعض، أو تزول بالمرة، ويصبح المجتمع كله - بحكم العدوى والتقليد والبلبلة - مجتمع سوء لا خير فيه، ولا ثقة بين أفراده، بل ما منهم من أحد إلا هو يتربص بأخيه الدوائر، لينقض عليه انقضاض الأسد على فريسته، دون شفقة ولا رحمة، ومن غير تقزز ولا مضض، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ﴾. غير أن الإسلام الذي يعطي للمظلوم الحق في دفع الظلم عنه، ويأذن له بالعمل على رفعه، لا يقف حجر عثرة في سبيل تشهير المظلوم بالظالم، لإقامة الحجة عليه، وتحذير الناس منه، حتى لا يكونوا من ضحاياه، وذلك ما ينبغي أن نفهم من قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ أي أن المظلوم لا يحرمه الإسلام من التمتع بحق التنفيس عن كربه، وبالتحدث عن مظلمته، حديثا قد يسيء إلى الظالم في سمعته ومكانته، ما دام ذلك في حدود الواقع، ودون مبالغة فيه ولا زيادة عليه. وقوله تعالى في التعقيب على هذا السياق ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ إشارة إلا أن الحق لا يخفى عليه من أقوال القائلين شيء، بل يسمع أقوالهم كيفما كانت، لا فرق بين من قال سوءا أو قال خيرا، كما أنه سبحانه مطلع على نياتهم ومقاصدهم، يعلم منهم المظلوم من الظالم، والصادق من الكاذب، والمفسد من المصلح. ثم أخد كتاب الله ينبه المؤمنين إلى ما ينبغي أن يشغلوا به ألسنتهم من قول الخير، بدلا من قول السوء، ويحضهم على إبراز

стр. 403

خصال الخير وإشهار فضائله والتنويه بمظاهره، وعلى ضرب المثل للناس بالعفو عن السوء كلما بدرت بادرته من مسيء، ومضى كتاب الله في توكيد هذا المعنى وإغراء المؤمنين به، لافتا نظرهم إلى أن من صفات الكمال التي اتصف بها الحق صفة (العفو) مع كامل القدرة، وإذن فمن أدب المؤمن، بل من الواجب عليه أن يتحلى في هذا المجال بخلق ربه، فيعفوا عمن أساء إليه، حتى ولو كان قادرا عليه، وهذا ما نستوحيه من قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾. ومما تجب ملاحظته في هذه الآية أنها ابتدأت في الذكر بإبداء الخير وإبرازه، فقالت ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا﴾ لأن في إبداء الخير وإظهاره وإشهاره بين الناس تشجيعا عليه، ودفعا إليه، وضربا للمثل الصالح والقدوة الحسنة. ولا يخفى على بصير أن تقليد الناس ومحاكاة بعضهم لبعض، وتشبه فريق منهم بفريق، ظاهرة اجتماعية ونفسية لا تتخلف بالنسبة للخير والشر، وللصلاح والفساد، فإشاعة الفاحشة وقالة السوء تدفع بالمجتمع إلى أن يصير مجتمعا فاحشا ومجتمع سوء وإشاعة الخير قولا وفعلا تدفع بالمجتمع إلى أن يصير مجتمعا خيرا، ومن هنا نادى الإسلام في غير ما آية وغير ما حديث بضرورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك حتى تضيق دائرة الشر، وتحاصر بؤرة الفساد فلا يتسرب إلى البلاد والعباد. وعلى ضوء هذا التفسير يتضح المقصود من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي

стр. 404

الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. وفي هذا الربع يعود كتاب الله إلى الحديث بمنتهى القوة وبالحجج البالغة عن وحدانية الله، ووحدة الوحي الإلهي، ووحدة الرسالة السماوية، ووحدة الرسل والأنبياء جميعا، وكما أن الكون بسائر أصنافه وأشكاله وألوانه، وعلى اختلاف أنواعه، تتجلى فيه وحدة المكون وحكمته، من خلال نواميسه القائمة وسننه الثابتة، فعالم الإنسان الذي هو جزء لا يتجزأ من الكون لا يختلف عن هذه الحقيقة الكبرى، وما الوحي وما الرسالة وما الرسل إلا فرع من شجرة الوحدة الكبرى، وحدة الواحد الأحد الذي له الخلق والأمر، الخلق لجميع العوالم، والأمر لعالم المكلفين من بني آدم وغيرهم من بقية العوالم ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾. وقد حمل كتاب الله بمنتهى الشدة على من يدعون الإيمان ببعض الرسل وبعض الكتب، وهم يكفرون ببقية الرسل والكتب، واصفا لهم بصفة الكفر المطلق، وبأنهم في الواقع يكفرون بجميع الرسالات والرسل ولا يؤمنون منها بشيء، إذ إن ظاهرة النبوة والرسالة، وظاهرة الوحي إلى الأنبياء والرسل، هي في الواقع ظاهرة واحدة متماثلة، ومتسلسلة، في موكب الأنبياء والرسل، من فاتحهم إلى خاتمهم. وقصر الإيمان على البعض منهم دون الآخر لا يقضي به منطق، ولا يبرره أي برهان، وإنما هو أثر من آثار التعصب البغيض، والتقليد الأعمى، والهوى المتبع، وذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ

стр. 405

الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا * وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا * وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾. والإسلام عندما يقرر وحدة الوحي، ووحدة الرسالة، ووحدة الرسل، إنما يؤكد بذلك وحدة الإنسان نفسه، ووحدة التوجيه الإلهي للناس جميعا، لا فرق بين مختلف الأجناس والألوان والفئات، فالإنسانية في حقيقتها واحدة، ودين الله كما أوحاه إلى رسله وأنزله في كتبه واحد في مصدره، واحد في جوهره، واحد في أثره، والأثر الذي يهدف إليه هو هداية الإنسان عن طريق الوحي الإلهي، وإمداد الإنسان عن طريق التوجيه الإلهي، حتى لا يبقى للإنسان على الله حجة، إذ كما أنعم عليه بنعمة الخلق والإيجاد، أنعم عليه بنعمة التوجيه والإمداد، وذلك قوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾. وفي آية أخرى من كتاب الله بسورة طه ما يزيد هذا المعنى وضوحا وبيانا، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى * وَلَوْ أَنَّا

стр. 406

أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى * قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى﴾.

стр. 407

الربع الثاني من الحزب الحادي عشر في المصحف الكريم (ق) ــ لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (١٦٦) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا (١٦٧) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٦٩) يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧٠) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ

стр. 408

وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٧١) لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (١٧٢) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٧٣) يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (١٧٥) يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ

стр. 409

الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦) ٥ - سورة المائدة مدنية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (١) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)

стр. 410

الربع الثاني من الحزب الحادي عشر في المصحف الكريم (ت) عباد الله تتناول حصة هذا اليوم الربع الثاني من الحزب الحادي عشر في المصحف الكريم، وأول آية فيه قوله تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ وهي تقع في الثمن الأخير من سورة النساء. وآخر آية منه قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ وهي تقع في الثمن الأول من سورة المائدة. وبذلك نجمع في هذه الحصة المباركة بين اختتام سورة وافتتاح أخرى مستعينين بالله، معتمدين عليه. ــ يبتدئ هذا الربع بالحديث عن الوحي الإلهي الذي أكرم الله به خاتم النبيئين، وشهادة الله والملائكة بصدقه ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾. ويتجه الحديث إثر ذلك إلى وصف الكافرين ووصف إعراضهم وظلمهم وضلالهم، وما ينتظرهم عند الله من الخلود في عذاب الجحيم ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾.

стр. 411

ثم يخاطب كتاب الله كافة الناس دون استثناء، فيدعوهم إلى الإيمان بالحق الذي جاءهم من ربهم، مبينا لهم أن خيرهم فيه لا في غيره ﴿فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾. ومن هنا تنتقل الآيات الكريمة إلى التنديد بغلو أهل الكتاب، وما أضافوه إلى دين الله من تلقاء أنفسهم من العقائد الباطلة، وما خلعوه على أنبيائهم من صفات الألوهية ودعاوى الربوبية، التي هم بريئون منها كل البراءة ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ - ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾. ويعود كتاب الله إلى الحديث عن عذاب ﴿الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ وعن ثواب ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾. ثم يتجه الخطاب الإلهي إلى كافة الناس، يدعوهم جميعا إلى الإيمان بكتاب الله، والاعتصام بحبله، والالتفاف من حوله، مبينا لهم أن القرآن الكريم هو آخر برهان من ربهم أنزله إليهم، حتى لا يبقى بعده للناس، أقل عذر أو أدنى التباس ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾. والآن ونحن على أبواب الانتهاء من سورة النساء نرى من المناسب أن نلفت النظر إلى ما نقله المفسرون عن عبد الله بن

стр. 412

مسعود وعن عبد الله بن عباس من تنويه خاص ببعض الآيات الواردة في هذه السورة، وهي آيات قال عنها الأول (ما يسرني أن لي بها الدنيا وما فيها) وقال عنها الثاني: (هي خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت). الآية الأولى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. الآية الثانية: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾. الآية الثالثة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. الآية الرابعة: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾. الآية الخامسة: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. الآية السادسة: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. الآية السابعة: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾. الآية الثامنة: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾. والآن ونحن نشرع في سورة المائدة نرى من الواجب أن نفتح القول فيها بكلمة خاصة عن سبب تسميتها "بسورة المائدة"،

стр. 413

وبكلمة عامة عن موضوعات هذه السورة الكريمة. أما تسميتها بسورة المائدة فلعلها والله أعلم مبنية على ما نزل في هذه السورة من الآيات الكريمة المتعلقة بقصة المائدة، وذلك في قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ * قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ * قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾. وأما موضوعاتها فهذه السورة تشتمل على موضوعات تشريعية وأخلاقية واعتقادية متنوعة، وفيها بالخصوص أحكام تمس العلاقات الدولية بين المسلمين وغيرهم، وأحكام تمس العلاقات الاجتماعية فيما بين المسلمين بعضهم مع بعض، مما هو قاصر على الأسرة أو ممتد إلى المجتمع، وقد نقل القاضي أبو بكر (ابن العربي) المعافري في كتابه (أحكام القرآن) عن أبي ميسرة أنه قال: "في المائدة ثمان عشرة فريضة" ثم عقب على كلامه قائلا: "فأما قول أبي ميسرة إن فيها ثمان عشرة فريضة، فربما كان فيها ألف فريضة، وقد ذكرناها نحن في هذا المختصر للأحكام". وأول آية افتتحت بها هذه السورة مبدوءة بنداء هو أحب نداء

стр. 414

يوجهه الحق إلى عباده المؤمنين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قال عبد الله بن مسعود لرجل سأله أن يعهد إليه ويوصيه وصية خير: "إذا سمعت الله يقول ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك، فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه". وبمجرد ما يصدر النداء الإلهي المحبب إلى المؤمنين ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يصدر الأمر الإلهي إليهم بوجوب الوفاء بالعقود على اختلاف أنواعها، ما كان منها باسم الأفراد فيما بينهم، وما كان منها باسم الدولة الإسلامية التى تمثلهم، فيما بينها وبين الدول الأخرى من العقود والمواثيق، ويدخل في الوفاء بالعقد بطريق الأصالة الوفاء بالعقد الذي عقده الله بين المسلمين ورسولهم، على الاعتصام بكتابه الكريم، والتزام العمل بشريعته الفاضلة. ومن الآيات التي يجب الوقوف عندها في هذا السياق قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ يشير إلى ما قام به المشركون عدة مرات من الحيلولة بين المسلمين وبين الحج إلى بيت الله الحرام، أفرادا وجماعات، وخاصة ما قاموا به من التعرض لرسول الله ﷺ وهو في طريقه إلى الحج، فكان من ذلك "صلح الحديبيه" الشهير، فالله تعالى يأمر سوله والمؤمنين- عندما فتح في وجوههم مكة وجزيرة العرب من أدناها إلى أقصاها فتحا مبينا، وغلبهم على الشرك والوثنية- بأن لا ينتقموا من قريش، ولا يقابلوا عدوانها بعدوان مثله، وأن يعفوا ويصفحوا عما سلف، فالإسلام دين العفو لا دين الانتقام. ثم يأمر كتاب الله المسلمين السابقين من المهاجرين والأنصار،

стр. 415

والمسلمين اللاحقين بهم، الذين استسلموا لحكم الإسلام ودخلوا في دين الله أفواجا، أن ينسوا الماضي، ويتأهبوا للمستقبل، ويبعثوا طاقاتهم جميعا لخدمة الإسلام، والعمل في سبيل الله، على أساس من التعاون الصادق، بتوجيه من الله ورسوله، وذلك قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾. وهكذا تم الفتح الإسلامي لمكة وجزيرة العرب، طبقا لتقاليد الشرف والشهامة والحكمة، وبرزت الدولة الإسلامية وشعارها البر دون الاثم، والتقوى دون العدوان، والتعاون دون التناكر، وذلك هو دستور الإسلام الذي تركه أمانة في أعناق أولي الأمر المسلمين، يلتزمونه يهتدون بهديه، كلما تم لهم الغلب، أو آتاهم الله فتحا من عنده، فيكون شعارهم العفو دون الانتقام، وتجنيد الجميع في خدمة الصالح العام، عملا بدستور الفتح في الإسلام.

стр. 416

الربع الثالث من الحزب الحادي عشر في المصحف الكريم (ق) ــ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣) يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤) الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ

стр. 417

حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٥) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦) وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ

стр. 418

قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٨) وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١٠) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١)

стр. 419

الربع الثالث من الحزب الحادي عشر في المصحف الكريم (ت) عباد الله في حديث هذا اليوم نتناول الربع الثالث من الحزب الحادي عشر في المصحف الكريم، ويبتدىء بقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ الآية. وينتهي بقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. ــ يستوعب هذا الربع من كتاب الله موضوع الحلال والحرام من المأكولات في الإسلام، كما يتحدث عن طعام أهل الكتاب بالنسبة لأهل للمسلمين، وطعام المسلمين بالنسبة لأهل الكتاب، ويشير إلى موضوع الزواج بالكتابيات، كما يشير إلى موضوع الطهارة المائية والطهارة الترابية عند القيام للصلاة، ويعين الأعضاء المطلوب غسلها أو مسحها، ويجدد الحديث عن العدل بالنسبة للصديق والعدو، ويذكر امتنان الله على المسلمين بنعمه التي لا تحصى، وعلى رأسها نعمة تمكين الدين وإكماله، ورضى الله عن أهله. ونظرا لضيق الوقت نعالج في هذا الحديث الموضوع الأول، تاركين بقية الموضوعات لمناسبة قادمة، ففي موضوع الحلال والحرام

стр. 420

من المأكولات حرم كتاب الله على المسلمين أكل الميتة، وهي ما مات من الحيوانات ميتة طبيعية، من غير ذكاة ولا اصطياد، وحرم الدم المسفوح الجاري، وقد كان أهل الجاهلية يأكلون منهما، وحرم أكل الخنزير، ما كان منه انسيا أو وحشيا، وتحريم لحم الخنزير يستلزم تحريم شحمه، إذ ما من لحم إلا فيه شحم، ومن جملة حكم الله في تحريم هذه الأشياء حمايته للمسلمين مما فيها من الميكروبات والجراثيم والمواد الضارة، التي لم يهتد الأطباء لمعرفتها إلا في عهد متأخر جدا. قال القاضي أبو بكر (ابن العربي): (اتفقت الأمة على أن لحم الخنزير حرام بجميع أجزائه، والفائدة في ذكر اللحم أن الخنزير حيوان يذبح للقصد إلى لحمه، وقد شغفت المبتدعة بأن تقول: فما بال شحمه، بأي شيء حرم؟ وهم أعاجم، لا يعلمون أن من قال لحما قال شحما، ومن قال شحما فلم يقل لحما، إذ كل شحم لحم، وليس كل لحم شحما من جهة اختصاص اللفظ، وهو لحم من جهة حقيقة اللحمية). كما حرم الله على المسلمين أكل الذبائح التي ذبحت لغير الله، وذكر عليها عند الذبح اسم غيره من الأصنام والأوثان وما شابهها ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ والتحريم هنا لعلة اعتقادية، لها علاقة وثيقة بالشرك والوثنية. ومن المحرمات من هذا النوع الذبائح التي كان المشركون يذبحونها وينضحون بدمائها الأحجار المنصوبة من حول الكعبة

стр. 421

﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ - ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، ومن بين المحرمات التي لها نفس الحكم الميتة ما مات مخنوقا بحبل أو غيره، إما عمدا وإما صدفة ﴿الْمُنْخَنِقَةُ﴾. وما مات مضروبا بالحجر أو العصا أو الخشب أو غير ذلك، من كل شيء ثقيل غير محدد ﴿الْمَوْقُوذَةُ﴾. وما مات ساقطا من جبل أو سطح أو هوى في بئر، أو تردى من مكان شاهق ﴿الْمُتَرَدِّيَةُ﴾، ويلحق بها ﴿الْمُتَنَدِّيَةُ﴾ وهي الدابة التي انْفَلتت من وثاقها وَشَرَدَتْ، فوقعت مطاردتها لإرجاعها، ورميت بسيف أو رمح فماتت. وما مات منطوحا بقرون بهيمة أخرى ﴿النَّطِيحَةُ﴾. وما وقع فريسة للوحوش المفترسة ﴿مَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ وكان أهل الجاهلية إذا أكل السبع شاة أكلوا بقيتها. فهذه كلها محرمات ملحقة بالميتة، اللهم إلا إذا وقع تداركها بالذبح وهي تحرك يدا أو رجلا ولا تزال فيها الروح ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾. قال القاضي أبو بكر (ابن العربي): (اختلف قول مالك في هذه الأشياء، فروي عنه أنه لا يوكل إلا ما كان بذكاة صحيحة. والذي في (الموطأ) عنه أنه إن كان ذبحها ونفسها يجري وهي تطرف فليأكلها. ثم عقب ابن العربي على ذلك قائلا: (وهذا هو الصحيح من قوله الذي كتبه بيده، وقرأه على الناس من كل بلد، عمره، فهو أولى من الروايات الغابرة).

стр. 422

ومما ورد تحريمه في هذا السياق اللحوم التي يتم الوصول إليها وتقع قسمتها بين المقامرين عن طريق الاستقسام بالأزلام، وهي القداح والقراطيس التي كان المشركون يستشيرونها بحضرة أصنامهم في الإقدام على الأمور أو الإحجام عنها، والتي كانوا يقامرون بها أحيانا أخرى في الميسر، فكل من خرج له قدح أو قرطاس نال من لحم الجزور بقدر ما خصص لذلك القدح أو القرطاس، فيمثلون ما يخرج لهم، ويعتقدون أن ذلك هداية من الصنم لمطلبهم ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾. وهذه المحرمات جميعا هي التي استوعبها قوله تعالى في هذا الربع: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ - إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ - وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾. وسبقت في سورة البقرة آية أخرى لها علاقة بهذا الموضوع، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾. غير أن الحق تخفيفا عن عباده، وحفظا لهم من خطر الهلاك في حالة الإضطرار - أباح لهم عند عدم وجود الحلال من المأكولات أن يأكلوا ما يدفعون به ألم الجوع وينقذهم من الخطر، ولو كان محرما، في انتظار وجود ما هو حلال، بشرط أن لا يتعمدوا أكل ذلك الحرام عن شهوة مقصودة، وإنما يتناولونه عن ضرورة ملحة لا خلاص لهم منها، وذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ على

стр. 423

غرار قوله تعالى في آية أخرى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾. وفي نفس هذا المعنى سبقت آية أخرى في سورة البقرة، وهي قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. ومعنى قوله تعالى: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾. عند المحققين من المفسرين: غير طالب شرا ولا متجاوز حدا، فيدخل تحت لفظ الباغي كل خارج عن الإمام وقاطع للطريق ومن في معناهما، ويدخل تحت لفظ (العادي) كل من تجاوز حد الضرورة إلى حد الاختيار، ولأجل ذلك لا يستبيح العاصي بسفره رخص السفر، لأن الله تعالى إنما أباح ذلك عونا، والعاصي لا تحل إعانته، فإن أراد الانتفاع بالرخصة فليتب أولا، ثم ليترخص ثانيا. ثم مضت الآيات الكريمة تشرح تساؤل المسلمين من جديد عن هذا الموضوع، وكأنهم أخذوا يتحرجون من أكل بعض الأشياء الأخرى التي اعتادوا أكلها قبل الإسلام، فهم يستفسرون الرسول ﷺ عنها لمعرفة حكم الله فيها، وذلك قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾. ومعنى هذا الجواب أن الله تعالى لم يحرم على المؤمنين شيئا من ﴿الطَّيِّبَاتُ﴾، وإنما حرم عليهم ﴿الْخَبَائِثَ﴾ وحدها: الخبائث بطبعها،

стр. 424

والخبائث بالقصد منها، وأضاف إلى ما هو حلال نوعا آخر هو أكل ما وقع صيده بواسطة الكلاب المعلمة) والكلب المعلم (هو الذي إذا أشليته انشلى، وإذا زجرته انزجر، وإذن فصيد الكلب المعلم هو الحلال، لا نفس الكلب المعلم، وإنما يكون صيدا حلالا إذا أخذ الكلب الصيد وأمسكه حتى يجيء إليه صاحبه، وكان الصائد قد ذكر اسم الله عند إرساله للصيد، طبقا لقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ويلحق بالكلب المعلم الفهود وجوارح الطير، فقد روى أشهب وغيره عن الإمام مالك أن الباز والصقر والعقاب وما أشبه ذلك من الطير إذا كان معلما يفقه ما يفقه الكلب فإنه يجوز صيده، وبه قال عامة العلماء. وانتقل كتاب الله إلى الحديث عن طعام أهل الكتاب، مبينا أن ذبائح الكتابيين من اليهود والنصارى وأطعمتهم حلال للمسلمين، بخلاف المجوس فلا تؤكل ذبائحهم ولا أطعمتهم، وذلك قول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾. قال القاضي أبو بكر (ابن العربي): (فإن قيل: فما أكلوه على غير وجه الذكاة كالخنق وحطم الرأس. فالجواب: إن هذه ميتة، وهي حرام بالنص، وإن أكلوها فلا نأكلها نحن، كالخنزير فإنه حلال لهم، ومن طعامهم، وهو حرام علينا، فهذه أمثلة، والله أعلم). ثم عاد فقال: (ولقد سئلت عن النصراني يفتل عنق الدجاجة ثم يطبخها، هل يأكل معه، أو تؤخذ طعاما منه؟ فقلت: تؤكل

стр. 425

لأنها طعامه وطعام أحباره ورهبانه وإن لم تكن هذه ذكاة عندنا، ولكن الله تعالى أباح طعامهم مطلقا). وذكر ابن كثير في تفسيره أن أصحاب مالك يحرمون على المسلمين أكل ما يعتقد اليهود تحريمه من ذبائحهم، إذ ليس من طعامهم، فلا يندرج تحت قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾. وفصل ابن رشد في كتابه ﴿بداية المجتهد﴾ القول في هذا الموضوع فقال، (والحق أن ما حرم عليهم أو حرموه على أنفسهم - يقصد أهل الكتاب - هو في وقت شريعة الإسلام أمر باطل، إذ كانت ناسخة لجميع الشرائع، فيجب أن لا يراعى اعتقادهم في تحليل الذبائح اعتقاد المسلمين، ولا اعتقاد شريعتهم، لأنه لو اشترط ذلك لما جاز أكل ذبائحهم بوجه من الوجوه، لكون اعتقاد شريعتهم في ذلك منسوخا، واعتقاد شريعتنا لا يصح منهم. وإنما هذا حكم خصهم الله تعالى به، فذبائحهم - والله أعلم - جائزة لنا على الإطلاق، وإلا ارتفع حكم آية التحليل جملة، فتأمل هذا فإنه بين، والله أعلم). أما قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ فمعناه أن الله تعالى أباح للمسلمين أن يطعموا من ذبائحهم أهل الكتاب، أي ولكم أن تطعموهم من ذبائحكم كما أكلتم من ذبائحهم. وقال ابن كثير: (وهذا من باب المكافأة والمقابلة والمجازاة. فأما الحديث الذي فيه
следующие страницы →