← Тафсир

Тафсир · id 115129

التيسير في أحاديث التفسير

محمد المكي الناصري

Полный текст (2 848 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

الربع الثاني من الحزب التاسع عشر في المصحف الكريم (ت) عباد الله في حصة هذا اليوم نتناول تفسير الربع الثاني من الحزب التاسع عشر في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى في سورة الأنفال المدنية: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ إلى قوله تعالى في سورة التوبة المدنية أيضا: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾. ــ بعدما نبه كتاب الله في نهاية الربع الماضي إلى ما قد يتعرض له المؤمنون من دسائس ومؤامرات، يبيتها لهم أعداء الإسلام، وخاصة ما يقوم به أولئك الأعداء من خيانة متوالية للعهود، ونقض مستمر للمواثيق، إذ لا عهد لهم ولا ميثاق، فقال تعالى في شأنهم: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ﴾. وبعدما دعا كتاب الله إلى وجوب التنكيل بأعداء الإسلام

стр. 737

الخائنين للعهود، والضرب على أيديهم عند لقائهم دون هوادة، حتى يعتبر بهم غيرهم من بقية الأعداء، وحتى لا يحدثوا أنفسهم بالعدوان من جديد على المسلمين، فقال تعالى: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾. وبعدما أمر الله رسوله والمؤمنين بالاحتياط التام، من تحركات أعداء الإسلام، وبالمبادرة إلى نقض عهدهم عند توقع خيانتهم، بمجرد ظهور بوادر الخيانة وبروز آثارها، وإن لم يكونوا قد أعلنوا خيانتهم رسميا، فقال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ جاءت الآيات الكريمة في أول هذا الربع بقاعدة قرآنية عامة، وخطاب إلهي موجه إلى كافة المومنين، بصفة مؤبدة ومستمرة إلى يوم الدين، وذلك قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾. ففي هذا الخطاب الإلهي الحكيم يأمر الله عباده المومنين أمرا قاطعا بإعداد كل ما في إمكانهم واستطاعتهم من وسائل القوة، الكافية لمجابهة أعداء الإسلام، وعدم الغفلة عن هذا الاستعداد، على مدى السنين والأعوام. وكتاب الله في هذه الآية لا يحدد نوعا خاصا من أنواع " القوة " وإنما يأمر بإعداد القوة بكل ما في الوسع والطاقة، وعلى الإطلاق والشمول، دون تعيين لنوعها، ولا تحديد لشكلها، لأن أنواع القوة وأدواتها تختلف من عصر إلى عصر، ومن جيل إلى جيل، فلكل عصر نوع من القوة يقهر الأعداء، ونوع من السلاح يفيد في مقاومتهم ويردهم على أعقابهم. والله تعالى بمقتضى هذه الآية يلزم المسلمين بأن يكونوا أقوياء غير ضعفاء، وبأن يكونوا في

стр. 738

مستوى كاف من القوة يجعلهم في مأمن من طمع الطامعين، وعدوان المعتدين، إذ هو أعلم بما سيواجه الإسلام منذ ظهوره في العالم من أحلاف عدائية، ودسائس سياسية وعسكرية، ومؤامرات صليبية وصهيونية وإلحادية، دون انقطاع، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. ولذلك نزلت هذه الآية المحكمة واضحة كل الوضوح، صريحة كل الصراحة، تحذيرا للمسلمين من الغفلة عما يقويهم، وتذكيرا لهم بما يحيط بهم باستمرار من دسائس أعدائهم ومؤامراتهم، مما يلزم الاستعداد لرده والوقوف في وجهه في كل جيل، دون تهاون ولا إهمال ولا تردد. قال القاضي أبو بكر " ابن العربي ": " أمر الله بإعداد القوة للأعداء، بعد أن أكد في تقدمة التقوى، وأن الله تعالى لو شاء لهزمهم - أي الأعداء - بالكلام والتفل في الوجوه " إلى أن قال: " ولكنه أراد أن يبلو بعض الناس ببعض، بعلمه السابق، وقضائه النافذ، فأمر بإعداد القوى والآلة من فنون الحرب، التي تكون لنا عدة، وعليهم قوة، ووعد على الصبر والتقوى بإمداد الملائكة العليا ". وكتاب الله عندما يتحدث عن " القوة " ويدعو المسلمين إلى إعدادها بكل الوسائل لا يقصد بلفظ القوة معناها المادي المجرد وحده، المتمثل في الآلات والأدوات الحربية، وإنما يقصد منها معناها المادي ومعناها الروحي في آن واحد، بل إن القوة الروحية عنده بالنسبة إلى القوة المادية تعتبر كالجوهر بالنسبة للعرض، والروح بالنسبة للجسد، فالقوة الروحية في نظر الدين والأخلاق، والروح المعنوية العالية، في نظر المختصين من رجال الدراسات

стр. 739

النفسية والأبحاث العسكرية، هي منبع كل قوة، وأساس كل نصر، وبدونها تضطرب القلوب وتنهار الأعصاب، وتصبح الهزيمة من كل جيش قاب قوسين وعلى الأبواب، لكن إذا كانت قوة الإيمان بالله وتقوى الله تقود جنود الإسلام، في خطواتهم إلى الأمام، فبشرهم من عند الله بالفتح المبين، والنصر والتمكين، ووقتئذ يتم وعد الله بالغلبة على الكافرين، ويصدق قول الله تعالى وهو أصدق القائلين: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾ أي أنهم لا يعجزون الله، فهم في قبضته، وتحت قهره ومشيئته. وبعدما أمر الله المسلمين بإعداد القوة لكبح جماح أعداء الإسلام، بشكل عام، خص كتاب الله بالذكر من بين أنواع القوة نوع الخيل، فقال تعالى، ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ وقد كانت الخيل في الحروب الماضية تحتل مكانا بالغ الأهمية، ولا تزال الخيل إلى اليوم تقوم بدور مهم في العمليات الحربية، ولا سيما عندما تتعذر الحركة على الأدوات الآلية. ولعل ذكر " الخيل " هو إنما ورد على وجه التنبيه، نظرا لأن الخيل كانت في العهد الإسلامي الأول أهم شيء في الحرب، وذلك حتى يقيس المسلمون عليها غيرها، ويهتموا في مستقبل الأيام بكل ما يحدث ويتجدد من أدوات القوة ووسائلها الفعالة، فالعبرة أولا وأخيرا إنما هي بإعداد القوة التي لا تضام، والاستعداد التام للعدو الظاهر والخفي على الدوام. ومن اللطائف في هذا الباب ما قام به علماء الشريعة من مناقشات، وما شغلوا به أنفسهم من مقارنات بين أدوات الحرب

стр. 740

أيها أفضل، اهتماما بهذا الموضوع: هل أن ركوب الخيل أفضل من الرمي، أم أن الرمي أفضل من ركوب الخيل، فذهب الإمام مالك إلى الرأي الأول، استنادا فيما يظهر إلى قوله تعالى هنا: ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ وإلى قوله ﷺ : (الخيل معقود في نواصيها الخير، إلى يوم القيامة. الأجر والمغنم) وهذا الحديث رواه البخاري في صحيحه عن عروة ابن أبي الجعد. وذهب غيره إلى الرأي الثاني، استنادا إلى أحاديث نبوية أخرى، فقد روى الإمام أحمد من حديث عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول وهو على المنبر: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة، ألا إن القوة الرمي. ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي. ثلاثا) وهذا الحديث مروي عن رسول الله في صحيح مسلم أيضا. وروى الإمام أحمد وأصحاب السنن من حديث صالح بن كيسان أن رسول الله ﷺ قال: (ارموا واركبوا، وأن ترموا خير من أن تركبوا). وبعدما أمر كتاب الله المؤمنين من عباده بإعداد القوة لمواجهة خصوم الإسلام، حتى يصونوا البيضة ويحموا الذمار، أخذ يكشف الستار عن الحكمة الإلهية من وراء هذا الأمر القاطع، في إيجاز وإعجاز، فقال تعالى: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ ومعنى هذه الآية الكريمة أن الحكمة من وراء أمر المسلمين ببذل كل ما في المستطاع، للحصول على القوة المادية إلى جانب القوة المعنوية، هي تخويف أعدائهم من مواجهتهم، وقطع كل أمل في الطمع فيهم، وتحذيرهم من نتائج

стр. 741

أي عدوان يغامرون به ضد المسلمين، إذ إن ضعف الضعفاء يغري بهم ويطمع فيهم جميع الأقوياء، فالقوة مهما وجدت وتيقن العدو من وجودها وحسن استعمالها، فكر العدو في الأمر وقدر ولم يغامر في أغلب الظروف، بحيث متى راوده الطمع في المسلمين يوما من الأيام وجدهم على أهبة الاستعداد، ووقفوا له صفا واحدا بالمرصاد. وكتاب الله ينبه المسلمين إلى أن عدو الله هو عدو لهم في نفس الوقت كما قال تعالى هنا: ﴿عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ والمراد بعدو الله دينه، وعدو رسوله، وعدو كتابه، وعدو الأمة المؤمنة. ومن خلل العقل وبلادة الذهن اعتقاد بعض البسطاء أن عدو الله يمكن أن يكون عدوا لدودا للإسلام، لكن يكون في نفس الوقت صديقا حميما للمسلمين. فهذه فكرة سخيفة لا تنسجم مع عقل ولا مع شرع. وها هي الأحداث الأخيرة قد كشفت النقاب بما لا يدع الشك لمسلم، عن أمرين خطيرين: الأمر الأول: ما لا يزال يحمله أعداء الإسلام للمسلمين من حقد وضغينة وشماتة، ونوايا سيئة ضدهم جميعا، وذلك بمناسبة نكبة فلسطين الكبرى، التي وجدتهم مضعضعي القوى ماديا وروحيا. والأمر الثاني: صدق كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ووجوب تنفيذ أمره، بإعداد القوة والاستعداد للعدو، وبذل النفس والنفيس في هذا السبيل، وإلا حقت على

стр. 742

المسلمين كلمة العذاب، وطرقت ساحتهم المصائب والنوائب من كل باب. وقوله تعالى في هذا السياق: ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ إشارة إلى أن للإسلام والمسلمين أعداء ألداء غير ظاهرين، وإلى أنه كما يجب على المسلمين أن يستعدوا لأعدائهم التقليديين المعروفين، فعليهم أن يدخلوا في حسابهم دائما أولئك الأعداء المتسترين الذين يعملون ضدهم في السر والخفاء، بينما يواجهونهم بالكلام المعسول واللين لا بالجفاء: ﴿يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾. وعداوة هؤلاء الأعداء المتسترين أدهى وأمر، وأنكى وأشد من الأعداء المكشوفين، لأنهم هم الذين يوجهون الآخرين عن طريق جمعياتهم السرية، ويرسمون للباقين خطط تخريب العالم الإسلامي وتدمير مقدساته، ويعرفونهم بالوسائل الفعالة لعرقلة نموه وتطوره: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾. ومن هنا كان عبء المسلمين ثقيلا لاسيما في هذا العصر، وكانت اليقظة الدائمة والاستعداد المستمر أوجب الواجبات، على خاصة المسلمين وعامتهم في جميع الأوقات. ثم نبه كتاب الله إلى التضامن التام القائم بين أعداء الإسلام، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾. ومقابل هذا التضامن القائم بين ملة الكفر، والموجه إلى أذى المسلمين، حض كتاب الله على توثيق أواصر الألفة بين المؤمنين، منوها بالسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، حتى يسلك طريقهم من جاء بعدهم من الأوفياء الأبرار، فقال تعالى: ﴿إِنَّ

стр. 743

الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾، إذ لا يقاوم تضامن أهل الباطل وتكتلهم، ولا يقضى على آثاره السيئة، إلا بتضامن أهل الحق وتكتلهم صفا واحدا، ولا يفل الحديد إلا الحديد: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. وأخيرا حذر كتاب الله من مخالفة هذه الأوامر الإلهية الصارمة، التي بامتثالها ينهض المسلمون وينصرون، وبمخالفتها تدول دولتهم ويقبرون، فقال تعالى: ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾. ففي هذه الآية الكريمة آخر إنذار وجهه كتاب الله مباشرة إلى كافة المؤمنين، ومضمون هذا الإنذار الإلهي الخطير: إنكم أيها المسلمون إن ضيعتم الألفة التي عقدتها بينكم، وانقسمتم على أنفسكم، وواليتم أعداء الإسلام بدلا من موالاة بعضكم، وإن أهملتم إعداد القوة اللازمة لحفظ كيانكم، والعمل المتواصل لتدعيم سلطانكم، وإن تخاذلتم عن إعزاز ملتكم وحماية دولتكم، وإن تهاونتم في السعي إلى فرض هيبتكم وإعلاء كلمتكم ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ﴾ أي أن لا تفعلوا كل هذا: ﴿تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ﴾ أي تقم فتنة في أطراف العالم، وفي طليعة العالم الإسلامي، وذلك لتسلط قوات الشر والعدوان في كل مكان، ولفقدان التوازن بين القوات المتطاحنة في الميدان، وهكذا يسود البغي والفساد، في جميع أطراف البلاد: ﴿تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ وهذا التفسير الذي فسرنا به

стр. 744

قوله تعالى هنا: ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾، يزداد جلاء ووضوحا كلما تدبرنا بإمعان وروية قوله تعالى في سورة البقرة تعقيبا على صراع طالوت وجالوت: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾، وقوله تعالى في سورة الحج: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾.

стр. 745

الربع الثالث من الحزب التاسع عشر في المصحف الكريم (ق) ــ فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (٦) كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧) كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (٨) اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩) لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (١٠) فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي

стр. 746

الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١١) وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (١٢) أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣) قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٥) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٦) مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (١٧) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)

стр. 747

الربع الثالث من الحزب التاسع عشر في المصحف الكريم (ت) عباد الله في حصة هذا اليوم نتناول الربع الثالث من الحزب التاسع عشر في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾. ــ في الربع الماضي أنهينا تفسير سورة الأنفال المدنية، وانتقلنا منها إلى سورة التوبة المدنية أيضا، وأول ما يستلفت النظر في سورة التوبة أن " البسملة " غير مكتوبة في أولها كبقية سور القرآن، وإنما لم يبدأ فيها بكتابة البسملة، جريا على ما اختاره أمير المؤمنين عثمان ابن عفان ﵁ في كتابة المصحف " الإمام "، حيث إن رسول الله ﷺ انتقل إلى الرفيق الأعلى قبل أن يتلقى عنه كتاب الوحي ما يعرفهم هل " سورة التوبة " جزء من " سورة الأنفال " فلا يفصل بينهما بالبسملة، أم هي مستقلة عنها، فتفصل عنها بالبسملة. ونظرا لهذا

стр. 748

الاعتبار قرن بينهما عند كتابة المصحف من جهة، ولم تكتب بينهما البسملة التي تفرق بين سورة وأخرى فرقا تاما، من جهة أخرى. وإنما سميت " سورة التوبة " بهذا الاسم، أخذا من قوله تعالى في شأن الثلاثة الذين خلفوا ثم تابوا في غزوة تبوك: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ * وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. والموضوع الرئيسي الذي تعالجه سورة التوبة هو بيان ما يجب أن تكون عليه علاقات المسلمين بغيرهم من المشركين والمنافقين وأهل الكتاب، وإبراز ما كانت تنطوي عليه نفوس المثبطين والمتخلفين والمتثاقلين، حين استنفر رسول الله إلى غزوة تبوك في السنة التاسعة من الهجرة، بغية فك الحصار الذي كان يضربه الروم إذ ذاك على الدعوة الإسلامية ناحية الشام، وتمهيدا لخروج هذه الدعوة السماوية من جزيرة العرب، وانتشارها في بقية أرجاء العالم. قال ابن كثير: " وأول هذه السورة الكريمة نزل على رسول الله ﷺ لما رجع من غزوة تبوك، وهم بالحج، ثم ذكر أن المشركين يحضرون عامهم ذاك إلى موسم الحج على عادتهم في ذلك، وأنهم يطوفون بالبيت عراة، فكره ﷺ مخاطبتهم، وبعث أبا بكر الصديق ﵁ أميرا على الحج تلك السنة، ليقيم للناس مناسكهم، ويعلم المشركين أن لا يحجوا بعد عامهم هذا، ثم أتبعه بعلي ابن أبي طالب ومعه ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ليؤذن بها ويبلغها إلى الناس.

стр. 749

ونقل القاضي أبو بكر " ابن العربي " عن أبي المظفر طاهر ابن محمد أنه قال: " إنما أرسل النبي ﷺ عليا ﴿ببراءة﴾ مع أبي بكر، لأن ﴿براءة﴾ تضمنت نقض العهد الذي كان عقده النبي ﷺ ، وكانت سيرة العرب أنه لا يحل العقد وينقضه إلا الذي عقده أو رجل من بيته، فأراد النبي ﷺ أن يقطع ألسنة العرب بالحجة، وأن يرسل ابن عمه الهاشمي من بيته بنقض العهد، حتى لا يبقى لهم متكلم ". قال القاضي أبو بكر تعقيبا عليه: " وهذا بديع في فنه ". وهكذا طاف أبو بكر وعلي بالناس في ذي المجاز، وبأمكنتهم التي كانوا يتبايعون بها، وبالمواسم كلها، وخطب أبو بكر الناس يوم عرفة، ولما أتم خطبته التفت إلى علي وقال له: " قم يا علي، فأد رسالة رسول الله " فقام علي وقرأ عليهم أربعين آية من ﴿براءة﴾، ثم علم علي بعد ذلك أن أهل الجمع لم يكونوا كلهم حضروا خطبة أبي بكر يوم عرفة، فلم يزل يتتبع الفساطيط بمنى فسطاطا فسطاطا ويقرؤها عليهم، حتى بلغت ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ إلى الجميع، وأدرك المشركون من العرب حينئذ أن الساعة قد دقت، وأنه لم يبق أمامهم أي احتمال، ما عدا الإسلام أو القتال، وكان المؤذنون يؤذنون يوم النحر: أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. وبهذا التدبير الحاسم الذي اتخذه الرسول بوحي من ربه وضع حدا نهائيا لجميع مظاهر الشرك وشعائره في عبادة الحج، وانتظر رسول الله حلول العام القابل ليدشن بنفسه موسم الحج الإسلامي بشعائره الإسلامية الكاملة، فجاء الرسول ﵊ على رأس الآلاف المؤلفة من المسلمين ليحج " حجة الوداع "

стр. 750

في السنة التالية، وهي السنة العاشرة للهجرة، دون أن يشارك في تلك الحجة أحد من المشركين. والآن فلنلق نظرة سريعة على الآيات السابقة من سورة براءة الواردة في نهاية الربع الماضي، لننتقل منها إلى الآيات الواردة في هذا الربع، إذ إنها يرتبط بعضها ببعض معنى وسياقا، وفهم الآيات اللاحقة متوقف على فهم الآيات السابقة. فقوله تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي هذه الآيات براءة من الله ورسوله، والبراءة بمعنى التبرؤ، تقول برئت من الشيء إذا أزلته عن نفسك، وقطعت ما بينك وبينه من علاقات. وقوله تعالى: ﴿إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ يستفاد منه مبدأ تشريعي مهم، ذلك أن النبي ﷺ وحده هو الذي عاهد المشركين عندما اقتضت مصلحة المسلمين ذلك، بصفته " إماما " حاكما وآمرا، لكن هذه الآية نسبت العهد الذي أعطاه رسول الله ﷺ وحده إلى جميع المؤمنين، إذ قالت: ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ﴾ ولم تقل الآية: ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ﴾ نظرا إلى أن كل ما حكم به الرسول ﷺ أو أمر به فهو لازم لأمته، منسوب إليها، ومحسوب عليها، إذ هو رئيسها الأعلى. ومن هنا جاءت القاعدة الشرعية: " أن الإمام إذا عقد أمرا بما يرى فيه المصلحة للأمة لزم حكمه جميع رعاياه، فإذا رضوا به كان أثبت لنسبته إليهم﴾. كما نسب عهد الرسول ﷺ الذي كان قد عاهد به المشركين، إلى جميع المسلمين، لكونهم به راضين، وهذا فن بديع من تحقيقات القاضي أبي بكر " ابن العربي " وتدقيقاته.

стр. 751

وقوله تعالى هنا: ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ يقتضي أن أولئك المعاهدين لم يكونوا من أهل الكتاب، فقد كان العهد المشار إليه هنا خاصا بالوثنيين من العرب. وقوله تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ من السياحة أي السير، ومعنى الآية: أن الحد الذي حده الله للذين عاهدوا رسوله من مشركي العرب لا يتجاوز بعد ﴿إعلان البراءة﴾ أربعة أشهر، لهم أن يسيروا خلالها ويذهبوا حيث شاؤوا، ناجين بأنفسهم آمنين، ليدبروا أعمالهم، ويتدبروا مآلهم، فإن دخلوا أثناءها في الإسلام كان لهم ما للمسلمين من العصمة والأمان والاحترام، وإن أصروا على الشرك كان لهم عند تمام آخر ليلة من آخر شهر، إما القتل وإما الأسر، وقد استغرق هذا الأجل المحدود بأربعة أشهر: عشرين يوما من ذي الحجة، وكانت نهايته: اليوم العاشر ربيع الثاني كما نص عليه ابن كثير، وهذا الأجل الذي ضربه الله للمعاهدين من المشركين- أجل أربعة أشهر- إنما هو بالنسبة لمن كان لهم عهد مطلق، غير مؤقت ولا محدود المدة. وقوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ الآية. المراد (بالأذان) في لسان العرب مطلق الإعلام، أي هذا إعلام مقدم، وإنذار سابق من الله ورسوله إلى الناس، جريا على المنهج الإسلامي المعروف في قوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ وفي قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾. و ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ إما أنه يوم عرفة كما رواه ابن جرير وابن

стр. 752

أبي حاتم عن ابن عمر، وروي مثله عن ابن عباس وغيره من مفسري السلف، اعتمادا على قوله ﷺ : (الحج عرفة)، وإما أنه يوم النحر كما روي عن الإمام مالك، نظرا لأنه اليوم الذي ترمى فيه الجمرة، وينحر فيه الهدي، وينقضي فيه الحج، ورجح القاضي أبو بكر " ابن العربي " أن المراد (بيوم الحج الأكبر) الوارد في هذه الآية بالخصوص هو يوم النحر، لثبوت الحديث الصحيح بذلك، إذ قال ﷺ يوم النحر: (أي يوم هذا؟ أليس يوم الحج الأكبر؟). وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ يتضمن الإشارة إلى مبدإ أساسي في الإسلام، هو أن الإسلام يجب ما قبله، وذلك لما انبنى عليه من سماحة ورحمة وعفو، فمهما اقتحم المشركون والكفار من المعاصي والجرائم، وارتكبوا من الموبقات والمآثم، ثم أسلموا وجوههم لله، إلا ونالتهم المغفرة، وقبلت منهم التوبة، ولم يواخذوا بما سلف: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ والحكمة في ذلك تأليفهم على الملة، وتسهيل دخولهم في الدين، حتى ينيبوا إلى الله، ويسلموا وجوههم إليه. أما قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ فهو استثناء من ضرب الأجل المحدود بأربعة أشهر، ومعناه من كان لهم من المشركين عهد مؤقت بمدة معينة، فالأجل بالنسبة إليهم هو انتهاء المدة المعينة التي عوهدوا عليها، وفي مثل هؤلاء ورد في الحديث: (إن من كان له عهد مع رسول الله ﷺ فعهده إلى مدته) لكن بشرط أن لا ينقض المعاهد منهم عهده، وأن

стр. 753

لا يمالئ على المسلمين غيرهم، فهذا هو الذي يوفى له بذمته، ويمتد أجل عهده إلى نهاية مدته. وحضا للمؤمنين على الوفاء بالعهد لهذا الصنف من المعاهدين، قال تعالى في نفس السياق: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ والشأن في المتقي أن يكون وفيا بالعهد، منجزا للوعد. ويؤخذ من قوله تعالى في هذه الآية: ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا﴾ أن المعاهدين من المشركين كانوا قسمين: قسم منهم ثبت على العهد دون الخيانة ولا ممالأة ضد المسلمين، وهذا القسم هو الذي استثناه كتاب الله من أجل أربعة أشهر، وجعل أجله انتهاء المدة المتعاهد عليها، وقسم منهم خاس بعهده ونقضه، وهذا القسم هو الذي تولى بيان حكم الله فيه قوله تعالى في هذا الربع: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ﴾. وزاد هذا الحكم بيانا وتوضيحا قوله تعالى في آية أخرى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ * أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ الآية. قال القاضي أبو بكر " ابن العربي ": " إنما العهد حكم اقتضاه النظر، والتزمه المسلمون، فإذا نقضه " المعاهد " انتقض كسائر العقود، فإنها تعقد فترتب عليها الأحكام، فإذا نقضت ونسخت ذهبت تلك الأحكام ". وتأكيدا لنفس الحكم المتعلق بالقسم الأول، وهو الوفاء بالعهد لمن بقي على عهده إلى مدته، قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ

стр. 754

عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾، ثم أعطى لهذا الحكم قوة جديدة، فقال في نفس السياق وللمرة الثانية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾. وأوضح كتاب الله كيف يكون العمل مع مشركي العرب المعاهدين الذين ضرب لهم أجل أربعة أشهر، إذا انتهى الأجل المضروب لهم دون أن يهتدوا للإسلام، وأصروا على الشرك والمقاومة دون استسلام، فقال تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾. والمراد بها هنا بالخصوص " أشهر الأمانة الأربعة " التي أباح لهم أن يسيروا أثناءها حيث شاؤوا آمنين على أنفسهم، فمعناها هنا غير معناها في قوله تعالى: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾. ثم مضى كتاب الله يقول: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾، وذلك لأن جزيرة العرب قضى الله أن تكون خالصة لدين الحق، وأن لا يجتمع فيها إسلام وشرك، ﴿وَخُذُوهُمْ﴾ أي خذوهم أسرى ﴿وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ أي اقصدوهم بالحصار في معاقلهم، وبالرصد في طرقهم ومسالكهم، فإما أن يهتدوا ويسلموا، وإما أن يقاتلوا إلى أن يستسلموا. ثم بين كتاب الله كيف يكون العمل معهم إذا اختاروا الإسلام دينا، فقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾ أي تابوا من معصية الشرك والوثنية ومعتقدات الجاهلية، ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وقوله تعالى هنا: ﴿فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ قد تولت السنة النبوية بيان معناه على أكمل وجه، فقال ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس

стр. 755

حتى يقولوا لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله) فانتظم القرآن والسنة واطردا كما قال القاضي أبو بكر (ابن العربي). وما يفيد التنبيه إليه في هذا المقام أن هذه الآية دليل قوي للموقف الصارم الذي اتخذه الخليفة أبو بكر الصديق ﵁ في قتال مانعي الزكاة، فهذه الآية لم تسمح بتخلية سبيل المشركين المعاهدين وعصمة دمائهم إلا بشرط التوبة من الشرك والدخول في الإسلام، والقيام بواجباته الأساسية، وعلى رأسها إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وصدق أبو بكر الصديق ﵁ عندما قال قولته المشهورة: " لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الله قد جمعهما ولم يفرق بينهما". وأعاد كتاب الله نفس المعنى مرة أخرى في هذا الربع، لتقويته في النفوس وتركيزه في الأذهان، فقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ وفي هذه الآية معنى جديد، وهو معنى " الأخوة " بدلا من معنى " العصبية " ووصف جديد هو وصف " الأخوة في الدين " بدلا من " حمية الجاهلية "، والأخوة في الدين رابطة تقوم على أساس التماثل في الاعتقاد والتفكير والعمل والسلوك، تشبيها لها بتماثل الأخوين ولا سيما إذا كانا شقيقين في كثير من الخصال والخلال، وقد بينت السنة النبوية ما تقتضيه الأخوة في الدين من التزامات أدبية وأخلاقية وعلمية، فقال رسول الله ﷺ ، (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم).

стр. 756

وانتقل كتاب الله إلى توضيح الحكمة في إنذار الله ورسوله للمشركين، ومنعهم من حج بيت الله الحرام بعد هذا العام، فقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ - وعلى رأسها المسجد الحرام - ﴿شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ - أي بحالهم ومقالهم، بينما بيوت الله، وأشرفها البيت الحرام، إنما أقيمت للتوحيد لا للشرك، وللإيمان لا للكفر، فعمارة المشركين لها قلب للأوضاع: ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ * إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾، وبعمارة المؤمنين لها يعود الحق إلى نصابه، فمن أراد المساهمة في عمارة بيوت الله، عليه قبل كل شيء أن يخلع الشرك ويؤمن بالله، ومن أراد الوقوف فيها بين يدي الله، فلا يأت إليها عريانا على عادة الجاهلية، وليتزين بزينة الله: ﴿فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾.

стр. 757

الربع الأخير من الحزب التاسع عشر في المصحف الكريم (ق) ــ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩) الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٣) قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ

стр. 758

وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٢٤) لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٧) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٨) قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ

стр. 759

مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩) وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١) يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)

стр. 760

الربع الأخير من الحزب التاسع عشر في المصحف الكريم (ت) عباد الله في حصة هذا اليوم نتناول الربع الأخير من الحزب التاسع عشر، ابتداء من قوله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾. ــ في بداية هذا الربع، استنكر كتاب الله ما كانت تفتخر به قريش على غيرها من الناس، ولاسيما على المسلمين، من قيام بسقاية الحجاج، وعمارة للمسجد الحرام، وسكنى بمكة على العموم، وأبطل ما كانت تعتقده في ذلك من الفضل على غيرها، وبين كتاب الله أنه لا محل للمقارنة بين من أصر على الشرك، وإن قام بهذه الأعمال، ومن آمن بالله وهاجر مع رسوله، وجاهد في سبيله بالمال والنفس، وأن مجرد القيام بسقاية الحجاج وعمارة الكعبة لا يجعل القائمين بها - وهم مشركون - في درجة المؤمنين الذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله، فضلا على أن يكونوا عند الله

стр. 761

أفضل من هؤلاء. بل إن المؤمنين أعظم درجة عند الله وأعلى منهم مقاما، وذلك قوله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ وهل هناك ظلم يرتكبه الخلق أكبر من ظلمهم للخالق عندما يشركون به غيره وهو الواحد الأحد؟ ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ * يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾. وبعد أن رد الله على مشركي قريش ادعاءهم، وأبطل فخرهم وكبرياءهم، انتقل إلى مخاطبة المؤمنين، وتعريفهم بأن ولايتهم لله ورسوله، وجهادهم في سبيله، هما في نظر الإسلام معيار الإيمان الوحيد، وأن علاقاتهم مع ذوي قرباهم يجب أن تنظم حسب هذا المعيار الجديد، فمن اختار الإيمان على الكفر، وكان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما والاه المؤمنون، وكانوا له إخوانا وأعوانا، ومن اختار غير ذلك نبذه المؤمنون ظهريا، واعتبروه نسيا منسيا، وذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا﴾ أي اكتسبتموها وحصلتموها ﴿وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا﴾ أي تخافون نقصان قيمتها ﴿وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا﴾ أي تحبونها لطيبها وحسنها ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ

стр. 762

وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ﴾ أي في سبيل الله ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ أي انتظروا ماذا ينزل بكم من شديد عقابه، وأليم عذابه ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ أي حتى يغزوكم العدو في عقر داركم، ويسلبكم أعز شيء لديكم: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾. روى الإمام أحمد وأبوا داوود واللفظ له عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ حدث أصحابه بحديث شريف مما جاء فيه: (إذا تركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم). ثم تناولت الآيات الكريمة في هذا الربع موضوعا مثيرا كل الإثارة، ألا وهو " يوم حنين " وماذا جرى في بدايته على المسلمين من امتحان عسير، كان لهم بعد فتح مكة هو أخطر نذير: ذلك أنه بعد أن فرغ رسول الله ﷺ من فتح مكة، وأسلم عامة أهلها، وتمهدت أمورها، بلغه أن هوازن وحلفاءها جمعوا لقتاله جموعهم بقيادة أميرهم مالك بن عوف النضري، وقد أقبلوا ومعهم النساء والولدان والشاء والنعم، وجاؤوا بقضهم وقضيضهم، فخرج إليهم رسول الله ﷺ في جيشه الذي جاء معه لفتح مكة، وكان عدده عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار وقبائل العرب، ومعه الذين أسلموا من أهل مكة يوم الفتح وهم (الطلقاء) في ألفين من الناس، غير أن هوازن بمن معهم ارتكبوا خدعة حربية كبرى، فكمنوا في وادي حنين، وهو واد بين مكة والطائف، ولم يشعر المسلمون بهم إلا وقد بادروهم بغتة بالقتال في أول النهار وفي عماية الصبح، وثارت في وجوه المسلمين خيل هوازن، فرشقتهم بالسهام والنبال، وحملت عليهم حملة رجل واحد قبل أن يأخذوا أهبتهم

стр. 763

ويستعدوا للنزال، لكن رسول الله ﷺ ثبت أمام العدو، رغما أنه كان لا يركب يومئذ إلا بغلته الشهباء، وانكشف عنه جيشه، ولم يزل يسوق بغلته إلى نحر العدو ويركضها إلى وجهه، وأبو سفيان بن الحارث آخذ بلجامها، واستمر النبي ﷺ يعرف بنفسه من لم يعرفه، أيا كان عدوا أو نصيرا، داعيا للمسلمين إلى الرجوع والثبات في وجه العدو، قائلا: (إلي عباد الله، إلي أنا رسول الله، أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب). وأخذ عمه العباس - وكان جهير الصوت - ينادي من جهته بأعلى صوته قائلا حينا: " يا أصحاب سورة البقرة " وقائلا حينا آخر: " يا أصحاب الشجرة " يعني شجرة بيعة الرضوان التي بايع رسول الله ﷺ تحتها المهاجرون والأنصار، فجعلوا يرجعون ويقولون: " لبيك لبيك " وانعطف الناس إلى رسول الله ﷺ ، فأمرهم أن يصدقوا الحملة، وأخذ قبضة من تراب فرمى بها العدو بعدما دعا ربه واستنصر وقال: (اللهم أنجز لي ما وعدتني) فما بقي من العدو أحد إلا أصابه من تلك القبضة من التراب في عينيه وفمه ما شغله عن القتال، ونظر رسول الله إلى مجتلد القوم فقال: (الآن حمي الوطيس) ولم يلبث العدو أن انهزم انهزاما شنيعا، وأخذ يتساقط قتلاه وأسراه أمام رسول الله ﷺ فكان النصر الأخير لرسول الله وللمؤمنين، والهزيمة الأخيرة لهوازن ومن معها من المشركين، ولم تمض عشرون يوما بعد هزيمة هوازن وحلفائها حتى قدمت البقية الباقية منهم على رسول الله ﷺ مسلمين، فعند ذلك قبل إسلامهم وخيرهم بين سبيهم وأموالهم، فاختاروا سبيهم وكان يبلغ ستة آلاف

стр. 764

نسمة، فرده عليهم، وقسم أموالهم المأخوذة في الغنيمة بين الغانمين، واستعمل رسول الله نفس مالك بن عوف النضري، الذي كان أمير هوازن يقودها يوم حنين، على قومه كما كان عليهم من قبل، تأليفا لقلوبهم على الإسلام، وانتفاعا بخدماتهم للدين فيما يستقبل من الأيام. وهذا الموضوع المثير هو الذي تولت شرحه الآيات الكريمة التالية في أسلوب موجز ومعجز. ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ * ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. ومن هنا عاد كتاب الله إلى الحديث عن المسجد الحرام، ومنع المشركين من قربه ودخوله بعد ذلك العام، معللا هذا المنع بأن الشرك والمشركين عبارة عن ﴿نَجَسٌ﴾ فلا يناسب أن يقربوا المقامات الطاهرة، وهم يملأون عقولهم وقلوبهم بأوسخ المعتقدات، ولا يعرفون من وجوه العبادة إلا أرذل وأسخف الطقوس والعبادات، لا سيما وهم قوما لا يتطهرون، وفي الخبث والخبائث من قمة الرأس إلى أخمص القدم غارقون، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾. قال القاضي أبو بكر (ابن العربي): " قوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ دليل على أنهم لا يقربون أي مسجد

стр. 765

سواه، لأن العلة - وهي النجاسة -موجودة فيهم، والحرمة موجودة في المسجد، وقد أكد الحال ببيان العلة وكشفها فقال: ﴿إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام﴾ يريد ولا بد لنجاستهم فتعدت العلة إلى كل موضع يحترم بصفة المسجدية ". وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ يمكن تفسيره بمعنى: إن خفتم الفقر، بانقطاع مادة المشركين عنكم، وتوقف الحركة التجارية التي كانوا يقومون بها، فإن الله سيعوضكم عنها، وسيغنيكم عن تجارة المشركين بتجارتكم أنتم استغناء تاما، وكذلك كان الأمر. وبعدما بين كتاب الله حكمه في شأن المشركين بجزيرة العرب، وكونهم لا يقبل منهم إلا الإسلام، حرصا على أن يظل مهد الإسلام خالصا له وحده لا تشاركه فيه أي ملة كيفما كانت، انتقلت الآيات الكريمة إلى بيان حكم الله في أهل الملل الأخرى، ولاسيما " أهل الكتاب " من اليهود والنصارى، وهذا الحكم الإلهي يقتضي أولا وجوب قتال المسلمين لأهل الكتاب، وإذا كان الإسلام قد أمر بقتال المشركين من عبدة الأوثان، مع العلم بأنهم لم تكن عندهم أدنى سابقة من التوحيد والنبوة والشريعة إلى أن أظلهم الإسلام، فإن أمر الإسلام بقتال أهل الكتاب يكون من باب أولى وأحرى، إذ إن الحجة قائمة عليهم منذ قرون، وذلك بالكتب الإلهية التي يقرون أنها نزلت على أنبيائهم، فهم على شيء من العلم بالتوحيد والنبوة والشريعة، وفيما تناقلوه بينهم ذكر صريح لرسول الله، وإشارة واضحة إلى ملته وأمته، ورغما عن ذلك كله

стр. 766

كفروا بالله واليوم الآخر، ولم يحرموا ما حرم الله ورسوله، ولم يدينوا بدين الحق الذي هو دين الإسلام، وهذا هو السر فيما يطلقه عليهم كتاب الله غالبا من لفظ (أهل الكتاب) تأكيدا لإقامة الحجة عليهم، إذ هذا اللفظ يعني في جملة ما يعنيه أهل الكتاب الجاحدين لكتابهم، المحرفين لكلمه عن مواضعه، الذين يشترون به ثمنا قليلا. ويقتضي حكم الله في شأنهم ثانيا قبول الجزية منهم إن استسلموا لسلطان الإسلام، ورضوا بالدخول تحت ذمته، والعيش تحت طاعة دولته، وذلك معنى قوله تعالى هنا: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ و (الجزية) التي يدفعها (أهل الذمة) للدولة الإسلامية التي يوجدون تحت حكمها تقابل (الزكاة) التي يدفعها المسلمون لدولتهم وبيت مالهم، وبذلك يساهم المسلمون والذميون معا في تكاليف الدولة الإسلامية والتزاماتها. غير أن يد المسلم المعطي في الزكاة يد عليا، لأن المسلم جزء لا يتجزأ من الدولة الإسلامية، فهو منها وإليها، ويد الذمي المعطي في الجزية يد سفلى، لأن وجوده بين أظهر المسلمين إنما هو مدين به لتسامح الدولة الإسلامية وكرمها، يضاف إلى ذلك ما في دفع الذمي الجزية من إشعار بطاعته لسلطان الإسلام، والتزام بعدم التمرد عليه، واعتراف بسماحة الإسلام وتسامحه، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى في نفس السياق: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾. وختم هذا الربع ببشارة كبرى بشر الله بها رسوله والمؤمنين،

стр. 767

وهي أن يظهر الإسلام وينصره على بقية الأديان، عن طريق الحجة والبرهان، وعن طريق النفوذ والسلطان. وذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾. وقد حقق الله هذه البشرى أولا في جزيرة العرب، إذ محا منها إلى الأبد كافة الملل والنحل التي كانت منتشرة فيها قبل عهد الرسالة، ثم حقق الله هذه البشرى خارج الجزيرة العربية، فطهر بلدانا عديدة وأقطارا شاسعة في جميع أطراف العالم من أوساخ المعتقدات الباطلة، ومن مظالم السلطات الزائفة، وأشع عليها نور الإسلام، بعدما كانت غارقة في الظلام. وما هذا العالم الإسلامي المترامي الأطراف الذي يقع في صرة العالم اليوم وعند ملتقى القارات والمحيطات، والذي هو مركز الثقل في العالم كله إلى الآن، والذي يعد أبناؤه بمئات ومئات الملايين، بعد أن لم يكن شيئا مذكورا، إلا جزء من هذه البشرى، وستتلوه بحول الله وقوته بشائر أخرى. جاء في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: (إن الله زوى لي الأرض -أي جمع لي وقبض- مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوى لي منها). وروى الإمام أحمد من حديث المقداد ابن الأسود قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا يبقى على وجه الأرض بيت مدر ولا وبر إلا دخلته كلمة الإسلام، يعز عزيزا ويذل ذليلا، إما يعزهم الله فيجعلهم من أهلها، وإما يذلهم فيدينون لها: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾.

стр. 768

الربع الأول من الحزب العشرين في المصحف الكريم (ق) ــ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (٣٥) إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦)

стр. 769

إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٣٧) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩) إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠) انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ

стр. 770

فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١) لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٤٢) عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (٤٣) لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (٤٤) إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (٤٥)

стр. 771

الربع الأول من الحزب العشرين في المصحف الكريم (ت) عباد الله حديث هذا اليوم يتناول الربع الأول من الحزب العشرين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾. ــ في بداية هذا الربع، يتحدث كتاب الله من جديد عن الأحبار والرهبان، فيكشف النقاب عن استغلالهم للناس وتضليلهم إياهم، وقد سبق في الربع الماضي استنكار قوي واستهجان بالغ للاعتقاد الفاسد الذي يعتقده فيهم أتباعهم المغرورون، وذلك قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ ففي هذه الآية الكريمة نعى الله على اليهود ما ينسبونه إلى أحبارهم، وعلى النصارى ما ينسبونه إلى رهبانهم من نفع وضر، وما يعلقونه عليهم من رجاء باطل في الشفاعة والمغفرة وحسن الثواب، وما يطيعونهم فيه من

стр. 772

أحكام، تتصل بجوهر الحلال والحرام، مع أن أحكامهم تلك لا سند لها من الدين، وإنما هي من بنات أفكارهم ومحدثات أهوائهم، فهذا معنى اتخاذهم لأحبارهم ورهبانهم ﴿أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. روى الإمام أحمد والترمذي وابن جرير والطبري من عدة طرق عن عدي بن حاتم الطائي الذي كان أبوه مشهورا بالكرم بين العرب، حتى أصبح " الكرم الحاتمي " بينهم مضرب المثل، أنه دخل على رسول الله ﷺ قبل أن يسلم وفي عنقه صليب من فضة، إذ كان على النصرانية قبل دخوله في الإسلام، فوجد رسول الله ﷺ يقرأ هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ فقال عدي مدافعا عن النصارى: " أنهم لم يعبدوهم " فقال رسول الله ﷺ : (بلى إنهم حرموا عليهم الحلال وأحلوا الحرام فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم). ثم أقبل عليه رسول الله ﷺ يدعوه إلى الإسلام، وكان من جملة ما قال له: (يا عدي ما تقول؟ أيضرك أن يقال: الله أكبر؟ فهل تعلم شيئا أكبر من الله؟ ما يضرك؟ أيضرك أن يقال لا إله إلا الله؟ فهل تعلم إلها غيره؟) ولم يلبث عدي بعد سماعه لرسول الله ﷺ ومجالسته إياه أن أسلم وشهد شهادة الحق. ثم قال رسول الله ﷺ : (إن اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون). وأما عقيدة التثليث التي يعتقدها النصارى في المسيح ابن مريم ﵇ فالشرك فيها بالله واضح كل الوضوح، متجاوز كل الحدود، وسبق في شأنها قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ الآية، وكذلك ما نسبه اليهود قبلهم

стр. 773

من بنوة عزير لله الذي لم يلد ولم يولد: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾. وتولى كتاب الله في هذا الربع وصف الأحبار والرهبان، بما ليس فوق بيانه بيان، فقال تعالى معرفا للمؤمنين بحقيقتهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فالأحبار والرهبان أغلبهم عبارة عن مستغلين للشعوب يستنزفون أموال الناس بشتى الوسائل، وقد كان لأحبار اليهود على عهد الجاهلية شفوف واعتبار ومكانة خاصة بين المشركين العرب، وكان لهم عندهم هدايا وضرائب تجبي إليهم، فلما بعث الله رسوله ﷺ استمروا على ضلالهم واستغلالهم، وبذلوا كل ما في وسعهم من الدسائس والمؤامرات للقضاء على الإسلام في مهده، ولاغتيال رسوله قبل حلول أجله، طمعا في أن تبقى لهم مراكزهم العالية، ورياساتهم الزائفة، التي تمتعوا بها زمنا طويلا، لكن الله سلبهم كل ذلك، وعوضهم عنه مزيدا من الغضب والتشريد، وأما رهبان النصارى فرغما عن أن الإسلام كشف عنهم النقاب، وألقى عليهم الأضواء، لم يزالوا يستغلون ضعفاء العقول من أتباعهم إلى الآن وحتى الآن، في مختلف البلدان، ولا سيما في فترة " الاعتراف بالذنوب " أمامهم، عندما يخيلون للمذنبين وأتباعهم أنهم سيمنحونهم " صك التوبة والغفران "، ويتقاضون منهم مقابل ذلك أغلى الأثمان. وما الثروة الهائلة المكدسة التي كانت تملكها الكنيسة في العصور الغابرة، والتي لا تزال تملكها حتى اليوم، ممثلة في العقارات والمنقولات والمعادن

стр. 774

النفيسة والأحجار الكريمة إلا شاهد ناطق بصدق هذه الآية منطوقا ومفهوما. وإلى جانب ما عرف به أغلب الأحبار والرهبان من استغلال بالغ للضعف البشري، واستثمار فاحش للأزمات الروحية والعقد النفسية عند الناس أخذوا على عاتقهم منذ ظهور الإسلام القيام بصد الناس عن سبيل الله، واستعمال جميع الوسائل، للحيلولة بينهم وبين اتباع الحق، وذلك عن طريق إثارة الشبهات الباطلة، وإثارة الغرائز السافلة، وتشويه الحقائق الواضحة، واختلاق الأكاذيب الفاضحة. وعلى سبيل المثال نذكر ما تطاول عليه الرهبان بإعانة اليهود من ترجمة القرآن الكريم إلى اللغة اللاتينية ترجمة مختزلة محرفة مشوهة، مذيلة في نفس الوقت بالرد على عقائده بعدما حرفوها، وبالطعن في شرائعه بعدما شوهوها، إذ عرضوا ذلك كله في ترجمتهم وتعاليقهم عرضا ممسوخا فاسدا، وهذه الترجمة اللاتينية التي أشرنا إليها هي أول ترجمة مشوهة للقرآن وضعت بين أيدي قراء اللاتينية من الأوربيين، وذلك على أيدي تراجمة طليطلة من الرهبان واليهود، وكان المشرف على هذه الترجمة المزورة هو الراهب الشهير بطرس المبجل Pierre le vénérable من رهبان القرن الثاني عشر الميلادي، وقد صرح هذا الراهب نفسه بأن الغرض الأساسي من تلك الترجمة المشوهة هو الدعاية ضد الإسلام، وأهدى هذه الترجمة إلى سان بيرنار Saint Bernard ، وبعدها بأربع سنوات فقط أعلنت أوربا المسيحية الحرب الصليبية الثانية ضد المسلمين. ويقرر المستشرق

стр. 775

Régis Blachère في كتابه باللغة الفرنسية " مدخل إلى القرآن " " أن العارف باللغتين العربية واللاتينية عندما يقارن بين النص العربي للقرآن وهذه الترجمة اللاتينية لا يملك نفسه من الدهشة، إذ يجدها قليلة التشابه مع النص الأصلي، ولا يتردد عن القول بأنها ليست بترجمة مطلقا " ثم يعترف هذا المستشرق بعد ذلك صراحة " بأن العالم المسيحي قد استمر ضحية هذه الترجمة المشوهة الوحيدة خلال خمسة قرون كاملة، وأن العالم المسيحي ظل يعتمد عليها ويستعملها مباشرة أو بواسطة طوال هذه القرون الخمسة، في حملاته العنيفة والسخيفة ضد الإسلام "، وذلك على حد تعبير المستشرق المذكور، وقد استمر طبع هذه الترجمة اللاتينية المشوهة ونشرها حتى فيما يسمى بعهد " النهضة والإحياء " مما يدل على أن أقطاب النهضة الأوربية كانوا أيضا مرتاحين ومطمئنين إلى هذه الترجمة اللاتينية المشوهة للقرآن الكريم، وهذه الترجمة بالذات هي التي قام بطبعها في سويسرا سنة١٥٤٣ أستاذ علم اللاهوت بوشمان Bushman وعن هذه الترجمة اللاتينية أخذت الترجمة الإيطالية التي نشرت سنة ١٥٤٧، وعن الترجمة الإيطالية المأخوذة عن اللاتينية أخذت الترجمة الألمانية التي نشرت سنة ١٦١٦، وعن الترجمة الألمانية أخذت الترجمة الهولندية التي صدرت سنة ١٦٤١، وهكذا استمرت عملية التشويه والتزوير للقرآن الكريم التي دشنها الرهبان المسيحيون بإعانة إخوانهم التراجمة اليهود قرونا طوالا تعمل عملها وتؤتي أكلها في نفوس المسيحيين في العالم أجمع، فهذا مثال واحد مما قام به الرهبان وأعوانهم من صد الناس عن سبيل الله، والحيلولة بينهم وبين معرفة
следующие страницы →