Полный текст (2 848 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
الربع الأول من الحزب العشرين
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
حديث هذا اليوم يتناول الربع الأول من الحزب العشرين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾.
ــ
في بداية هذا الربع، يتحدث كتاب الله من جديد عن الأحبار والرهبان، فيكشف النقاب عن استغلالهم للناس وتضليلهم إياهم، وقد سبق في الربع الماضي استنكار قوي واستهجان بالغ للاعتقاد الفاسد الذي يعتقده فيهم أتباعهم المغرورون، وذلك قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ ففي هذه الآية الكريمة نعى الله على اليهود ما ينسبونه إلى أحبارهم، وعلى النصارى ما ينسبونه إلى رهبانهم من نفع وضر، وما يعلقونه عليهم من رجاء باطل في الشفاعة والمغفرة وحسن الثواب، وما يطيعونهم فيه من
стр. 772
أحكام، تتصل بجوهر الحلال والحرام، مع أن أحكامهم تلك لا سند لها من الدين، وإنما هي من بنات أفكارهم ومحدثات أهوائهم، فهذا معنى اتخاذهم لأحبارهم ورهبانهم ﴿أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾.
روى الإمام أحمد والترمذي وابن جرير والطبري من عدة طرق عن عدي بن حاتم الطائي الذي كان أبوه مشهورا بالكرم بين العرب، حتى أصبح " الكرم الحاتمي " بينهم مضرب المثل، أنه دخل على رسول الله ﷺ قبل أن يسلم وفي عنقه صليب من فضة، إذ كان على النصرانية قبل دخوله في الإسلام، فوجد رسول الله ﷺ يقرأ هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ فقال عدي مدافعا عن النصارى: " أنهم لم يعبدوهم " فقال رسول الله ﷺ : (بلى إنهم حرموا عليهم الحلال وأحلوا الحرام فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم). ثم أقبل عليه رسول الله ﷺ يدعوه إلى الإسلام، وكان من جملة ما قال له: (يا عدي ما تقول؟ أيضرك أن يقال: الله أكبر؟ فهل تعلم شيئا أكبر من الله؟ ما يضرك؟ أيضرك أن يقال لا إله إلا الله؟ فهل تعلم إلها غيره؟) ولم يلبث عدي بعد سماعه لرسول الله ﷺ ومجالسته إياه أن أسلم وشهد شهادة الحق. ثم قال رسول الله ﷺ : (إن اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون).
وأما عقيدة التثليث التي يعتقدها النصارى في المسيح ابن مريم ﵇ فالشرك فيها بالله واضح كل الوضوح، متجاوز كل الحدود، وسبق في شأنها قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ الآية، وكذلك ما نسبه اليهود قبلهم
стр. 773
من بنوة عزير لله الذي لم يلد ولم يولد: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾.
وتولى كتاب الله في هذا الربع وصف الأحبار والرهبان، بما ليس فوق بيانه بيان، فقال تعالى معرفا للمؤمنين بحقيقتهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فالأحبار والرهبان أغلبهم عبارة عن مستغلين للشعوب يستنزفون أموال الناس بشتى الوسائل، وقد كان لأحبار اليهود على عهد الجاهلية شفوف واعتبار ومكانة خاصة بين المشركين العرب، وكان لهم عندهم هدايا وضرائب تجبي إليهم، فلما بعث الله رسوله ﷺ استمروا على ضلالهم واستغلالهم، وبذلوا كل ما في وسعهم من الدسائس والمؤامرات للقضاء على الإسلام في مهده، ولاغتيال رسوله قبل حلول أجله، طمعا في أن تبقى لهم مراكزهم العالية، ورياساتهم الزائفة، التي تمتعوا بها زمنا طويلا، لكن الله سلبهم كل ذلك، وعوضهم عنه مزيدا من الغضب والتشريد، وأما رهبان النصارى فرغما عن أن الإسلام كشف عنهم النقاب، وألقى عليهم الأضواء، لم يزالوا يستغلون ضعفاء العقول من أتباعهم إلى الآن وحتى الآن، في مختلف البلدان، ولا سيما في فترة " الاعتراف بالذنوب " أمامهم، عندما يخيلون للمذنبين وأتباعهم أنهم سيمنحونهم " صك التوبة والغفران "، ويتقاضون منهم مقابل ذلك أغلى الأثمان. وما الثروة الهائلة المكدسة التي كانت تملكها الكنيسة في العصور الغابرة، والتي لا تزال تملكها حتى اليوم، ممثلة في العقارات والمنقولات والمعادن
стр. 774
النفيسة والأحجار الكريمة إلا شاهد ناطق بصدق هذه الآية منطوقا ومفهوما.
وإلى جانب ما عرف به أغلب الأحبار والرهبان من استغلال بالغ للضعف البشري، واستثمار فاحش للأزمات الروحية والعقد النفسية عند الناس أخذوا على عاتقهم منذ ظهور الإسلام القيام بصد الناس عن سبيل الله، واستعمال جميع الوسائل، للحيلولة بينهم وبين اتباع الحق، وذلك عن طريق إثارة الشبهات الباطلة، وإثارة الغرائز السافلة، وتشويه الحقائق الواضحة، واختلاق الأكاذيب الفاضحة.
وعلى سبيل المثال نذكر ما تطاول عليه الرهبان بإعانة اليهود من ترجمة القرآن الكريم إلى اللغة اللاتينية ترجمة مختزلة محرفة مشوهة، مذيلة في نفس الوقت بالرد على عقائده بعدما حرفوها، وبالطعن في شرائعه بعدما شوهوها، إذ عرضوا ذلك كله في ترجمتهم وتعاليقهم عرضا ممسوخا فاسدا، وهذه الترجمة اللاتينية التي أشرنا إليها هي أول ترجمة مشوهة للقرآن وضعت بين أيدي قراء اللاتينية من الأوربيين، وذلك على أيدي تراجمة طليطلة من الرهبان واليهود، وكان المشرف على هذه الترجمة المزورة هو الراهب الشهير بطرس المبجل Pierre le vénérable من رهبان القرن الثاني عشر الميلادي، وقد صرح هذا الراهب نفسه بأن الغرض الأساسي من تلك الترجمة المشوهة هو الدعاية ضد الإسلام، وأهدى هذه الترجمة إلى سان بيرنار Saint Bernard ، وبعدها بأربع سنوات فقط أعلنت أوربا المسيحية الحرب الصليبية الثانية ضد المسلمين. ويقرر المستشرق
стр. 775
Régis Blachère في كتابه باللغة الفرنسية " مدخل إلى القرآن " " أن العارف باللغتين العربية واللاتينية عندما يقارن بين النص العربي للقرآن وهذه الترجمة اللاتينية لا يملك نفسه من الدهشة، إذ يجدها قليلة التشابه مع النص الأصلي، ولا يتردد عن القول بأنها ليست بترجمة مطلقا " ثم يعترف هذا المستشرق بعد ذلك صراحة " بأن العالم المسيحي قد استمر ضحية هذه الترجمة المشوهة الوحيدة خلال خمسة قرون كاملة، وأن العالم المسيحي ظل يعتمد عليها ويستعملها مباشرة أو بواسطة طوال هذه القرون الخمسة، في حملاته العنيفة والسخيفة ضد الإسلام "، وذلك على حد تعبير المستشرق المذكور، وقد استمر طبع هذه الترجمة اللاتينية المشوهة ونشرها حتى فيما يسمى بعهد " النهضة والإحياء " مما يدل على أن أقطاب النهضة الأوربية كانوا أيضا مرتاحين ومطمئنين إلى هذه الترجمة اللاتينية المشوهة للقرآن الكريم، وهذه الترجمة بالذات هي التي قام بطبعها في سويسرا سنة١٥٤٣ أستاذ علم اللاهوت بوشمان Bushman وعن هذه الترجمة اللاتينية أخذت الترجمة الإيطالية التي نشرت سنة ١٥٤٧، وعن الترجمة الإيطالية المأخوذة عن اللاتينية أخذت الترجمة الألمانية التي نشرت سنة ١٦١٦، وعن الترجمة الألمانية أخذت الترجمة الهولندية التي صدرت سنة ١٦٤١، وهكذا استمرت عملية التشويه والتزوير للقرآن الكريم التي دشنها الرهبان المسيحيون بإعانة إخوانهم التراجمة اليهود قرونا طوالا تعمل عملها وتؤتي أكلها في نفوس المسيحيين في العالم أجمع، فهذا مثال واحد مما قام به الرهبان وأعوانهم من صد الناس عن سبيل الله، والحيلولة بينهم وبين معرفة
стр. 776
جوهر الإسلام الصافي وحقيقته الساطعة، وهكذا أثبتت الأيام والوقائع باستمرار تحالف اليهودية والنصرانية ضد الإسلام قديما وحديثا، مصداقا لقوله تعالى في سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. كما أثبتت نفس الوقائع والأحداث صدق كتاب الله في كل ما وصف به طائفة الأحبار والرهبان إذ قال: ﴿إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. قال القاضي أبو بكر " ابن العربي ": " ومعنى صدهم عن سبيل الله صدهم لأهل دينهم عن الدخول في الإسلام، بتبديلهم وتغييرهم، وإغوائهم وتضليلهم ".
وكلمة " أحبار " جمع حبر، ويقال بكسر الحاء وفتحها، ومعناه في الأصل الذي يحسن القول وينظمه ويتقنه، ومنه ثوب محبر أي جامع للزينة، وغلط بعضهم عندما قال إن الحبر سمي حبرا من حمل الحبر والكتابة به، والحبر هو المداد. و " الأحبار " من اليهود. وكلمة " رهبان " جمع راهب، أخذ من الرهبة، وأطلق في الأصل على من حمله خوف الله على أن يجعل عمله معه، وأنسه به. و " الرهبان " من النصارى. قال سفيان بن عيينة: " من فسد من علمائنا كان فيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا كان فيه شبه من النصارى ".
وانتقل كتاب الله إلى الحديث عن المتمولين الأشحاء الذين لا يؤدون حقوق الله ولا حقوق الخلق فيما رزقهم من الأموال، فقال
стр. 777
تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ روى البخاري وغيره عن ابن عمر ﵁ أن أعرابيا قال له: " أخبرني عن قول الله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ فأجابه ابن عمر: " من كنزها، فلم يؤد زكاتها فويل له ". إنما كان هذا قبل أن تنزل الزكاة، فلما أنزلت جعلها الله طهرة للأموال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾. وروى الإمام مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أيضا هذا القول نفسه. ومجمل ما حرره القاضي أبو بكر " ابن العربي " في تفسير هذه الآية: " أن الكنز هو مال مجموع، وأنه لا حق في المال سوى الزكاة، فإخراج الزكاة من المال يخرج المال عن وصف " الكنزية "، وكل ذهب أو فضة أديت زكاتهما، أو اتخذا حليا، فليسا بكنز وعندما تؤدى الزكاة عن المال يصبح مطهرا. نعم هناك حقوق عارضة تتعلق بالمال، كفك الأسير وحق الجائع وغيرهما من مصالح المسلمين وحاجاتهم، مما لا تكفي فيه الزكاة أو تقصر دونه، فهذه الحقوق العارضة تعتبر مثل الحقوق الأصلية في المال، وكنز المال دون الوفاء بها يعد ذنبا كبيرا في الإسلام ". روي أن رسول الله ﷺ قال: (إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب بها ما بقي من أموالكم، وإنما فرض المواريث من أموال تبقى بعدكم) فلما سمع ذلك عمر كبر، فقال له رسول الله ﷺ : (يا عمر ألا أخبرك بخير ما يكنز المرء؟ المرأة الصالحة، التي إذا نظر إليها سرته، وإذا أمرها
стр. 778
أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته) رواه أبو داوود في سننه والحاكم في مستدركه، وقال الحاكم إنه صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
ومما ينبغي التنبيه إليه هنا من الناحية اللفظية في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا﴾ أن الضمير الوارد في هذه الآية يعود على الفضة دون الذهب رغما عن ذكرهما معا، ولو عاد الضمير على الذهب والفضة لقيل ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا﴾ لكن اكتفت الآية بإعادة الضمير على أحدهما دون الآخر، على حد قوله تعالى في آية أخرى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ فها هنا شيئان: (اللهو والتجارة) لكن أعيد الضمير على التجارة وحدها، اكتفاء بذكر ضميرها عن الآخر. وهذا أسلوب متعارف في لسان العرب.
ثم تولى كتاب الله الحديث عن تقسيم الزمان إلى شهور وأعوام، علاوة على تقسيمه إلى ساعات وأيام، فقال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾، وتحقيق القول في هذا المقام أن الله تعالى جعل السنة اثني عشر شهرا، كما جعل البروج في السماء اثني عشر برجا، ورتب فيها سير الشمس والقمر. وعدد أيام السنة القمرية ربع يوم وأربعة وخمسون يوما وثلاثمائة يوم، وقوله تعالى هنا: ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ أي معدودة في كتاب الله المحفوظ في الأزل، وقوله تعالى هنا: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ المراد به رجب الفرد،
стр. 779
وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم. ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم: ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب) وفي رواية: (ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان) وإنما أطلق عليه في هذه الرواية (رجب مضر) لأن مضر هي التي اقتصرت في الجاهلية على تحريمه دون غيرها. قال القاضي أبو بكر " ابن العربي ": " وهذا كله إنما هو بيان لتحقيق الحال، وتنبيه على رفع ما كان وقع في الشهور من الاختلال ".
ومن هذا الموضوع انتقلت الآيات الكريمة إلى الحديث عن غزوة تبوك وما أحاط بها من ظروف وملابسات، وما لقيه رسول الله ﷺ من عراقيل وعقبات، أثناء استعداده لها وعند خروجه لملاقاة الروم أعداء الإسلام، الذين كانوا يتربصون به الدوائر في الشام، قال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ - ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ - ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾.
стр. 780
الربع الثاني من الحزب العشرين
في المصحف الكريم (ق)
ــ
وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (٤٦) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٤٧) لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ (٤٨) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٤٩) إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (٥٠) قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى
стр. 781
اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١) قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (٥٢) قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ (٥٣) وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ (٥٤) فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥) وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (٥٦) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (٥٧) وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨) وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا
стр. 782
إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ (٥٩) إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)
стр. 783
الربع الثاني من الحزب العشرين
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
في حصة هذا اليوم نتناول الربع الثاني من الحزب العشرين، ابتداء من قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
ــ
في بداية هذا الربع، أخبر الحق نبيه بحقيقة ما انطوى عليه المنافقون الذين كانوا منبثين بين المسلمين يقومون بدور " الطابور الخامس " المتعارف عليه في هذا العصر، فبين أنهم لو كانوا راغبين في الخروج مع رسول الله للقاء الروم في الشام لتأهبوا لذلك من أول وهلة، ولما تخاذلوا وترددوا، ثم كشف الحق عن اللطف الخفي، الذي حصل بعدم خروجهم، ذلك أنهم لو شاركوا المسلمين في الخروج إلى غزوة تبوك لكان وجودهم بين ظهرانيهم مثارا للبلبلة والاضطراب والخبال، ووقودا لإشعال نار الفتنة، وإفساد ذات البين، مما يعكر الجو ويشغل البال، وإلى ذلك يشير قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ
стр. 784
اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ﴾ أي أبغض خروجهم ﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾ أي أخرهم عن الخروج: ﴿وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (٤٦) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ أي لمشوا بينكم بالنميمة، وحركوا بينكم عوامل البغضاء المؤدية إلى الفتنة: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ أي وفيكم من يستحسن حديثهم الخداع، إذ إنكم لستم جميعا على بينة من أمرهم، فهم منافقون يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، وبذلك يقع السامع لهم في الشرك، ويحدث بين المؤمنين - بسبب دسيستهم وسعايتهم - فساد كبير، وإلى هذا التفسير ذهب قتادة وغيره من المفسرين.
ويحتمل أن يكون معنى قوله تعالى: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ أنه يوجد منبثا من بينكم عيون لهم، منهم وإليهم، يتتبعون أخباركم وينقلونها إليهم أولا بأول، لإفساد خطة الرسول ﷺ وتعطيل سير المؤمنين، وإلى هذا التفسير الثاني ذهب مجاهد وزيد بن أسلم وابن جرير الطبري. قال ابن كثير: " والمعنى الأول أظهر في المناسبة بالسياق ".
ثم أخبر الحق عن تمام علمه وإحاطته بما ظهر وما بطن من نوايا المنافقين ودسائسهم، فقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ فهو مطلع على سرائرهم، عليم ببواطنهم كعلمه بظواهرهم: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي لقد فكروا وقدروا، ودبروا من أسباب الفتنة والاضطراب ما دبروا، وتعاونوا مع جميع القوات المعادية للإسلام بغية القضاء عليه، حتى لا يترعرع ولا يشتد ساعده، ومنذ هجر الرسول ﷺ إلى المدينة رمته قريش وحلفاؤها
стр. 785
عن قوس واحدة، وحاربه اليهود والمنافقون حربا لا هوادة فيها، ولعبت حرب الأعصاب والإشاعات والدسائس ضد الرسول ﷺ في هذه المعركة دورا كبيرا، فلما نصره الله (يوم بدر) قال زعيم المنافقين عبد الله بن أبي كلمته المشهورة: " هذا أمر قد توجه " ويئسوا وقتئذ من التغلب على رسول الله والمؤمنين، فلم يسعهم إلا أن يظهروا الإسلام ويندسوا بين المسلمين، لمتابعة دسائسهم، لكن دون جدوى، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى هنا: ﴿حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾.
وعرض كتاب الله نموذجا من نماذج الأعذار التي كان يعتذر بها المنافقون عن الخروج مع رسول الله إلى غزوة تبوك، فمن تلك الأعذار التي بلغت الغاية في المجون والاستهتار، ما قاله الجد بن قيس جوابا لرسول الله ﷺ عندما دعاه إلى الخروج مع المسلمين وقال له: (هل لك يا جد في جلاد بني الأصفر هذا العام) - يريد الروم البيزنطيين- فكان جواب الجد بن قيس: (يا رسول الله أو تأذن لي ولا تفتني، فوالله لقد عرف قومي ما رجل أشد عجبا بالنساء مني، وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر أن لا أصبر عنهن) فأعرض عنه رسول الله ﷺ وقال له: (قد أذنت لك). وإلى هذه القصة يشير قوله تعالى هنا في إيجاز وإعجاز: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي﴾ ثم عقب عليها كتاب الله بما يبين بطلان هذا العذر من أصله، وسوء نية صاحبه فقال: ﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ وكان هذا الجزاء من جنس العمل: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾.
стр. 786
ويمضي كتاب الله في كشف النقاب عن نفسية المنافقين ووصف انطباعهم عن الأحداث الكبرى التي يواجهها الرسول والمؤمنون، فقال تعالى: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ﴾.
ثم لقن كتاب الله نبيه والمؤمنين ما يواجهون به جميع الأحداث والنوازل كيفما كانت، في السراء والضراء، والشدة والرخاء، من الثبات واليقين والإيمان الراسخ، فقال تعالى مخاطبا لنبيه: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾.
وتعرض كتاب الله بعد ذلك لموقف الرسول والمؤمنين من دسائس المنافقين ونواياهم السيئة نحو المسلمين، وبين أن الله تعالى لا يقبل من تصرفاتهم الباطلة صرفا ولا عدلا، فقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ أي ماذا تنتظرون بنا غير الموت في سبيل الله أو النصر عليكم، وكل واحدة منهما في حد ذاتها ﴿حُسْنَى﴾ عندنا وعند الله، لا ﴿سُّوأَى﴾ كما تتمنون: ﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ * قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾.
وبين كتاب الله السر في إحباط نفقات المنافقين وعدم قبولها عند الله، فقال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾. وواضح أن من سلك مثل مسلك المنافقين من
стр. 787
أي جيل أو قبيل، يدخل معهم تحت هذا الحكم القاطع، ويعاقب بنفس هذا العقاب الرادع.
ويفضح كتاب الله خصلة من خصال المنافقين الملازمة لهم في القديم والحديث، ألا وهي خصلة الإكثار من الحلف باسم الله، ومن استعمال الأيمان المغلظة، بمناسبة أو بغير مناسبة، شعورا منهم بفقدان الثقة فيهم، وعدم الاطمئنان إليهم، فيحولون انتزاع الثقة من المخاطبين، باستعمال الحلف وتوكيد اليمين، وذلك ما ينص عليه قوله تعالى هنا: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ﴾ ثم يرد عليهم كتاب الله مكذبا حلفهم ويمينهم الغموس، فيقول: ﴿وَمَا هُمْ مِنْكُمْ﴾ وسترد آية أخرى في الربع القادم بنفس هذا المعنى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾.
ويمضي كتاب الله في فضيحة المنافقين وهتك أستارهم من أي جيل أو قبيل، فيؤكد ما انطووا عليه في ذات أنفسهم من الخوف والجزع، والرعب والفزع، على العكس من المؤمنين الذين هم أشداء على الأعداء، يوم اللقاء، وأقوياء دائما على التضحية والفداء، وذلك قوله تعالى هنا: ﴿وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ أي قوم جبناء يصيبهم الفرق وهو الخوف: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً﴾ أي حصنا يتحصنون به ﴿أَوْ مَغَارَاتٍ﴾ أي كهوفا في قمم الجبال ﴿أَوْ مُدَّخَلًا﴾ أي نفقا تحت الأرض: ﴿لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ أي لفروا إليه وهم يسرعون.
ويذكر كتاب الله إحدى خصائص المنافقين البارزة التي تميزهم
стр. 788
عن غيرهم ولا ينفكون عنها بحال، ألا وهي خصيصة الطمع والاستغلال، والروح الإنتفاعية المهيمنة عليهم في جميع الظروف والأحوال، فهم راضون مستبشرون، يعلنون رضاهم كلما استغلوا وانتفعوا وكانت مصلحتهم الخاصة مضمونة ومصونة، وهم ساخطون متبرمون، يعلنون سخطهم كلما توقفت عجلة الاستغلال والانتفاع، وتعطلت أبسط مصلحة من مصالحهم الخاصة، وذلك قوله تعالى في شأن المنافقين، الأولين منهم والآخرين: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ أي من يطعن عليك ويعيبك في قسمها ويتهمك في توزيعها، و (اللمز) في الأصل يقصد به عيب الشخص لغيره في غيبته لا بمحضره، والمراد (بالصدقات) هنا الأموال العامة التي يقوم بجبايتها بيت مال المسلمين برسم الزكاة المفروضة: ﴿فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾.
وبعدما فضح كتاب الله طبيعة المنافقين وما هم عليه من التقلب في المواقف بين السخط والرضى، وسقوط الهمة، والطمع البالغ والاستغلال الفاحش، بين كتاب الله الموقف السليم الذي يقفه -عادة - المؤمنون الصادقون، والذي أخطأ طريقه وضل عنه المنافقون، وهذا الموقف هو موقف الرضى بحكم الله، والثقة بوعده، والرجاء فيه، وإخلاص العمل لوجهه الكريم، فقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ فقد تضمنت هذه الآية الكريمة " أدبا كريما، وسرا عظيما " كما أشار إليه ابن كثير.
وأخيرا تناول كتاب الله موضوع الزكاة بالتأصيل والتفصيل،
стр. 789
وهي الصدقة التي فرضها الله على أغنياء المسلمين في أموالهم لترد على فقرائهم، حماية للمجتمع الإسلامي من عوامل الفرقة والانقسام، وتوجيها له نحو العدالة الاجتماعية والاقتصادية التي هي جزء لا يتجزأ من أصل " العدالة العامة " في الإسلام، فبين كتاب الله وجوب دفعها، وحدد وجوه صرفها، ولفت كتاب الله بذلك أنظار الجميع، إلى أن أمر الصدقات موكول إلى الله لا إلى غيره، فهو الذي أعلن حكمها، وهو الذي تولى قسمها، ولذلك فلا محل لأي لمز أو تقريع، فيما حدده لها من القسم والتوزيع، وذلك قوله تعالى هنا: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
قال القاضي أبو بكر " ابن العربي " ما خلاصته: " هذه الآية من أمهات الآيات فقد خص الله بعض الناس بالأموال دون البعض، نعمة منه عليهم، وجعل شكر ذلك منهم إخراج سهم من مالهم، يردونه إلى من لا مال له، نيابة عنه سبحانه فيما ضمنه بفضله للمحتاجين من رزق في قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾، وقدر الصدقات على حسب أجناس الأموال، فجعل في النقدين ربع العشر، وجعل في النبات العشر، ومع تكاثر المئونة نصف العشر، و (الصدقة) متى أطلقت في القرآن فهي صدقة الفرض، ولفظ الصدقة مأخوذ من " الصدق " بمعنى مساواة الفعل للقول والاعتقاد، وبناء " ص د ق " يرجع إلى تحقيق شيء بشيء وعضده به، ومنه " صداق المرأة " أي تحقيق الحل وتصديقه بإيجاب المال والنكاح، على
стр. 790
وجه مشروع، ومشابهة الصدق ها هنا للصدقة أن من أيقن من دينه أن البعث حق، وأن الدار الآخرة هي المصير، -وأن هذه الدار الدانية قنطرة إلى الأخرى، وباب إلى السوأى أو الحسنى - " مؤنث الأسوأ والأحسن " عمل لها، وقدم ما يجده فيها، فإن شك فيها أو تكاسل عنها وآثر عليها بخل بماله، وغفل عن مآله﴾.
والآن فلنتحدث عن الألفاظ الواردة في هذا السياق لفظا لفظا حتى يتضح المعنى المراد، إذ كل لفظ منها يعبر عن صنف من أصناف المستحقين للزكاة:
فلفظ " الفقراء " جمع فقير، وهو المحتاج المتعفف.
ولفظ " المساكين " جمع مسكين، وهو المحتاج السائل، وهذا التفسير للاثنين منقول عن الإمام مالك في كتاب ابن سحنون.
وجاء في حديث رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ سئل عن المسكين ما هو فقال: (الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يسأل الناس شيئا).
ولفظ " العاملين عليها " يراد به الجباة والسعاة الذين يذهبون لتحصيل الزكاة ويوكلون على جمعها.
قال القاضي أبو بكر بن العربي: " وهذا يدل على مسألة بديعة، وهي أن ما كان من فروض الكفايات فالقائم به يجوز له أخذ الأجرة عليه، ومن ذلك الإمامة، فإن الصلاة وإن كانت متوجهة على جميع الخلق، إلا أن تقدم بعضهم بهم من فروض الكفاية، فلا جرم يجوز أخذ الأجرة عليها ".
стр. 791
ولفظ ﴿الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ يشمل المسلم الذي يعطي ليحسن إسلامه ويزداد يقينه، والكافر الذي له ميل إلى الإسلام، فيعطي لتقوية ذلك الميل فيه حتى يسلم، تأثرا بعطاء المسلمين وإحسانهم، وفي حكمهما من يعطى لما يرجى من إسلام نظرائه، ومن يعطى ليدفع عن حوزة المسلمين الضرر من أطراف البلاد. وروي عن مالك أنه قال: (إن النبي ﷺ أعطى المؤلفة قلوبهم فحسن إسلامهم).
ولفظ ﴿الرِّقَابِ﴾ المراد به شراء الرقاب وعتقها من الرق، وذلك هو ظاهر القرآن الكريم، فإن الله حيثما ذكر الرقبة في كتابه إنما أراد منها العتق. روى الإمام أحمد وأهل السنن إلا أبا داوود عن أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال: (ثلاثة حق على الله عونهم: الغازي في سبيل الله، والمكاتب " أي الرقيق " الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف).
ولفظ ﴿الْغَارِمِينَ﴾ المراد به من ركبهم الدين ولا قدرة لهم على الوفاء به، اللهم إلا من تداين في سفاهة، فإنه لا يعطى من الزكاة ولا من غيرها، إلا أن يتوب، فإن مات من ركبه الدين في غير سفاهة قضي دينه من الزكاة، لأنه من الغارمين.
ولفظ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قال الإمام مالك: " سبل الله كثيرة، ولكني لا أعلم خلافا في أن المراد بسبيل الله ها هنا الغزو " الجهاد "، وقال محمد بن عبد الحكم: " يعطى من الصدقة - أي الزكاة - في الكراع والسلاح، وما يحتاج إليه من آلات الحرب وكف العدو عن الحوزة، لأنه كله من سبيل الغزو ومنفعته ".
стр. 792
ولفظ ﴿ابْنَ السَّبِيلِ﴾ المراد به من غاب عن بلده ومستقر ماله، وانقطعت به الأسباب فلم يجد ما ينفقه في سفره، ولو كان غنيا في بلده. قال مالك في كتاب ابن سحنون: " وليس يلزمه أن يدخل تحت منة أحد، وقد وجد منة الله ونعمته " قال ابن كثير: " وهذا الحكم يماثله حكم من أراد إنشاء سفر من بلده وليس معه شيء، فيعطى من مال الزكاة كفايته في ذهابه وإيابه﴾ إن لم يكن سفر معصية.
وقوله تعالى: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ أي حكما مقدرا بتقدير الله وفرضه وقسمه. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أي عليم بظواهر الناس وبواطنهم، حكيم فيما يحكم به عليهم، حكيم فيما يشرعه لهم: ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.
стр. 793
الربع الثالث من الحزب العشرين
في المصحف الكريم (ق)
ــ
وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦١) يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (٦٣) يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ (٦٤) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ
стр. 794
كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٦٦) الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٦٧) وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٦٨) كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٩) أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٧٠) وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ
стр. 795
بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١) وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣) يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٧٤)
стр. 796
الربع الثالث من الحزب العشرين
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
حديث هذا اليوم يتناول الربع الثالث من الحزب العشرين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾.
ــ
لا يزال كتاب الله يكشف الستار عن فضائح المنافقين فضيحة بعد أخرى، حتى سميت هذه السورة، من كثرة ما فضحت المنافقين، وأظهرت من سوآتهم ومساويهم، سورة " الفاضحة "، وظن الصحابة أنها لا تبقي أحدا.
وفي بداية هذا الربع، أشارت الآيات الكريمة إلى تضايق المنافقين كل التضايق، من إطلاع رسول الله ﷺ ، ومن معرفته الواسعة بمساعيهم الخفية التي يقومون بها من وراء الستار، ومن علمه التام بما يتناجون به من الإثم والعدوان في خلواتهم الخاصة.
стр. 797
ومما يدل على تضايقهم البالغ ما أخذوا يتحدثون به فيما بينهم، من أن الرسول ﷺ يصغي إلى الأخبار التي تنقل له عنهم، ومن أنه يتأثر بتلك الأخبار وينفعل لها، بينما هي في زعمهم لا أساس لها من الصحة، وإلى هذا المعنى يشير قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾ - أي أن من قال له شيئا عنهم صدقه - ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ - أي أنه ﵊ يميز الخير من الشر، والصواب من الخطأ، والصدق من الكذب، ولا يلتبس عليه من أمرهما شيء، خلافا لما يزعمه المنافقون - ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ - أي يصدق المؤمنين ويزكي أخبارهم - ﴿وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
ثم نبه كتاب الله إلى المخاوف التي أخذت تساور المنافقين من جراء إلقاء الأضواء الكاشفة عليهم يوما بعد يوم، وأنهم يتهيبون أن تنزل على الرسول في شأنهم سورة خاصة بهم، إذ ذاك يرفع عن وجوههم آخر برقع من البراقع الشفافة، ويتعرضون لنقمة المؤمنين وغضبهم قبل حلول يوم الحساب، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾، وأنذرهم كتاب الله عقب ذلك بما يؤكد مخاوفهم قائلا: ﴿قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ﴾.
ووصف كتاب الله أنواع الاعتذار التي يعتذر بها المنافقون متى عجزوا عن إنكار أقوالهم أمام الرسول، حيث يقعون في منتهى الحيرة والارتباك. فقال تعالى مخاطبا لنبيه في شأنهم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ
стр. 798
لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ ومن ذلك ما قاله فوج من المنافقين بمناسبة خروج الرسول ﷺ إلى غزوة تبوك: " يظن هذا أنه يفتح قصور الشام وحصونها "؟ وما قاله فوج آخر منهم بنفس المناسبة تخديرا لجمهرة المومنين: " أتحسبون جلاد بني الأصفر كقتال العرب بعضهم بعضا، والله لكأنا بكم غدا مقرنين في الحبال "؟ أي مشدودين بها، وقد أثبتت الأيام التالية بعد ذلك أن قصور الشام وحصونها سقطت كلها في قبضة الدولة الإسلامية الفتية، وإن " بني الأصفر " هم الذين سقطوا أسرى وقتلى في أيدي المسلمين، وبذلك كانت كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى.
ثم واجههم الحق بخطابه في صيغة إنذار نهائي، فقال تعالى لهم: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ فلا معنى إذن للاعتذار ولا فائدة منه.
وإذا كان المنافقون على درجات متفاوتة في النفاق، فيهم المتبوع والتابع، والرئيس والمرؤوس، وجرائمهم ليست في مستوى واحد، ولا مدفوعة بدافع واحد، فقد ينال عفو الله أقلهم أذى إذا أتاب وأناب، ولكن البعض الآخر لا بد له من شديد العقاب وعسير الحساب، وإلى هذا المعنى يشير قوله تعالى: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾.
واهتمت الآيات الكريمة في هذا السياق بعقد مقارنة دقيقة وفاصلة بين المنافقين والمؤمنين، وذلك حتى لا يبقى أي لبس في شأن معرفتهم، وحتى يسهل تمييز بعضهم عن بعض بالنسبة لجميع الناس، وبالنسبة لجميع العصور:
стр. 799
فأما المنافقون فهذه أوصافهم الخاصة، ومميزاتهم التي يمتازون بها يعرضها علينا كتاب الله إذ يقول: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ - أي أنهم متشابهون متداخلون متشابكون فيما بينهم، لا يحسون بالانسجام والطمأنينة وهدوء البال إلا إذا كانوا يتنفسون في جو النفاق الخاص بهم - ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾ فهم أعوان على الهدم لا على البناء، وهم رواد الفساد وطلائعه في البلاد، وهم جند الانحراف المجند الذي يشيع الفاحشة بين العباد.
ثم قال تعالى في وصف المنافقين: ﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ أي من علامات المنافقين أنهم كلما دعوا إلى البذل في سبيل الله والإنفاق في وجوه الخير شحوا وبخلوا، وكلما دعوا إلى مد يد المساعدة لمشروع من مشاريع النفع العام كان موقفهم منه سلبيا، ولم يمدوا أيديهم إليه - إن مدوها - إلا بعد اللتي واللُّتَيا.
وعقب كتاب الله على أوصاف المنافقين البارزة فقال تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ومن حكم عليه الحق بالخزي ووضعه موضع الإهمال، لم يبق مفتوحا في وجهه أي باب للأمل ولا مجال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ﴾ أي فيها كفايتهم: ﴿وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾.
وأما المؤمنون فهذه أوصافهم الخاصة ومميزاتهم التي يمتازون بها يعرضها علينا كتاب الله إذ يقول: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ
стр. 800
أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ فمن وجد نفسه متصفا بهذه الأوصاف فليحمد الله، ولينتظر رضوان الله، ومن وجد نفسه على غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه، وليحاسبها اليوم قبل أن يحاسب غدا، وإلا فلينتظر غضب الله!
فالمؤمنون والمؤمنات يجب أن يكونوا إخوة في الله، متحالفين على الخير، متعاونين على البر، كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا، إذا اجتمعوا تواصوا بالحق والصبر، وإذا افترقوا قام كل واحد منهم بشد الأزر وجبر الكسر، وذلك معنى قوله تعالى هنا: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾.
والمؤمنون والمؤمنات يجب- إذا أمروا - أن يأمروا بالمعروف، وتندرج تحت كلمة " المعروف " كل الطيبات والصالحات وجميع أنواع الخير والبر، ويجب - إذا نهوا - أن ينهوا عن المنكر، وتندرج تحت كلمة المنكر كل الخبائث والسيئات، وجميع أنواع الشر والظلم، وذلك معنى قوله تعالى: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾.
والمؤمنون والمؤمنات لا يصح إيمانهم أولا، ولا ينمو ويرسخ ثانيا، إلا إذا مارسوا عقيدة الإيمان في صميم حياتهم اليومية، فأدوا ما عليهم من حقوق الله، بشكره وعبادته، وربط الصلة به على الدوام، عن طريق الصلاة المفروضة، وإلا إذا أدوا ما عليهم من
стр. 801
حقوق إخوانهم وهم " عيال الله "، بتمكينهم من وسائل العيش الضروري، وأسباب الكسب الشريف، عن طريق الزكاة المفروضة، و (أحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله) كما قال ﵊، ففي الصلاة يتجلى إيمان المؤمن تجاه خالقه، وفي الزكاة يتجلى إيمان المؤمن تجاه أخيه، كما يتجلى فيها شكره لرازقه، وذلك معنى قوله تعالى: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾.
والمؤمنون والمؤمنات لا يكونون من أهل الإيمان الصادق إلا إذا أسلموا وجوههم لله، وطبقوا في حياتهم اليومية المنهج السماوي الذي رسمه لهم الله، فالله تعالى أعلم منهم بما يصلحهم، والله تعالى أعلم منهم بما يلائمهم، والله تعالى أحكم منهم بما اختاره لهم عن علم شامل ومحيط، من نهج للعمل والسلوك، وطريق للنجاح المحقق في الحياة، دنيا وأخرى، وهذا هو المعنى المقصود من (طاعة الله ورسوله) لأنها طاعة أحكم الحاكمين، ورب العالمين، كما قال تعالى هنا في وصف المؤمنين والمؤمنات: ﴿وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. وواضح أن من التزم طاعة الله ورسوله تحرر من طاعة كل من خالفهما، إذ "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق".
ومن كان متحليا بهذه الصفات المميزة للمؤمنين والمؤمنات، كان حقا على الله أن يشمله برحمته، وأن يرعاه بعين رعايته، فقد تعهد لهم سبحانه ذلك تفضلا منه وكرما، عندما قال مشيرا ومبشرا للمؤمنين والمؤمنات: ﴿أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ﴿عَزِيزٌ﴾ يعز المؤمنين ويذل المنافقين ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾، ﴿حَكِيمٌ﴾ يختار للمؤمنين
стр. 802
بواسع علمه، وبالغ حكمته، أهدى طريق، ويمدهم عند سلوكه بمدد الهداية والتوفيق.
وقوله تعالى هنا: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ معناه أن رضا الله على المؤمنين والمؤمنات يوم لقائه وتلقي ندائه، أكبر وأجل وأعظم وأفضل، من كل نعيم أنعم به عليهم دونه. روى الإمام مالك من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة فيقولون لبيك وسعديك، والخير في يديك. فيقول الحق : هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب، فقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك. فيقول الحق تعالى: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا رب وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا) ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.
стр. 803
الربع الأخير من الحزب العشرين
في المصحف الكريم (ق)
ــ
وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٧٨) الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٩) اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٨٠)
стр. 804
فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (٨١) فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢) فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ (٨٣) وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (٨٤) وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٨٥) وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ (٨٦) رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٨٧) لَكِنِ
стр. 805
الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٨٩) وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٠) لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١) وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (٩٢)
стр. 806
الربع الأخير من الحزب العشرين
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
في حصة هذا اليوم نتناول الربع الأخير من الحزب العشرين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾.
ــ
في بداية هذا الربع، واصل كتاب الله حديثه عن المنافقين وأصنافهم وأوصافهم، فوصفهم بخيانة العهود وإخلاف الوعود، لا مع مطلق الناس، ولكن حتى مع الله تعالى، ومن أمثلة ذلك تعهدهم أمام الله بأنه إن أغناهم تصدقوا وأحسنوا وسلكوا مسلك الصالحين من أهل الإيمان، في عمل البر والإحسان، لكنهم بمجرد ما أدركوا المنى، ونالوا الغنى، طغوا واستكبروا، وكفروا وما شكروا، مصداقا لقوله تعالى في الربع الماضي: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ واستولى عليهم الشح والبخل كل
стр. 807
الاستيلاء، كأنما لم يسبق منهم أي عهد أو التزام أمام الله بالإحسان والعطاء، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى هنا: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ وهذه الآية الكريمة تشبه في مغزاها آية أخرى سبقت في سورة الأعراف المكية، وهي قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ- أي حملت حملا ثقيلا - دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ الآية.
ولتمام الفائدة في هذا الصدد ينبغي التنبيه إلى أن " البخل " يستعمل في الكتاب والسنة للدلالة على التقصير في أداء ما هو واجب، بينما " الشح " يستعمل للدلالة على الإخلال بأداء ما هو مستحب، كما حرره ابن العربي المعافري.
وبين كتاب الله ما تعرض له المنافقون من سوء العاقبة بمثل هذا التصرف اللعين، فقد زاد نفاقهم بسببه حدة وشدة، إذ السيئة تشجع على أختها، والمعصية الصغيرة تدفع إلى ما هو أكبر منها، " فالمعاصي بريد الكفر " كما ورد في الأثر. وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ أي فأعقبهم بخلهم نفاقا راسخا في قلوبهم، لازما لهم إلى يوم الدين، يوم يلقون جزاء نفاقهم، حيث يعرضون على الله للحساب والعقاب، ﴿بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ﴾ أي أن ذلك بسب إخلافهم للوعد، وخيانتهم للعهد ﴿وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ أي وبسب كذبهم فيما تحدثوا به والتزموه، إذ كانوا منطوين على سوء النية من أول وهلة،
стр. 808
فالمنافق في الوقت الذي يتحدث فيه إلى غيره يكون واثقا بأنه كاذب فيما يقول، وفي الوقت الذي يعد فيه غيره يكون مصمما على أن لا يفي بالوعد ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾، وإنما آتاهم الله من فضله ووسع عليهم الرزق - وهو يعلم السر والنجوى - ليبلوهم وينظر كيف يعملون أولا، وليظهر حقيقة حالهم للناس ثانيا، حتى يكونوا على بينة من نفاقهم الراسخ، ومعرفة بمرض قلبهم المزمن، على حد قوله تعالى في آية أخرى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.
ومما يحسن التنبيه إليه في هذا المقام أن ما استنكرته هذه الآية الكريمة ووصفت به المنافقين من إخلاف الوعد: ﴿بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ﴾ ومن الكذب في الحديث: ﴿وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ هو نفس ما أكده الحديث النبوي الشريف المروي في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان). وفي صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ قال: (أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق، حتى يدعها: إذا ائتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر).
ومن الأمثلة التي تندرج تحت هذه الآية قصة ثعلبة بن حاطب، وينسبها بعضهم إلى غيره، فقد جاء ثعلبة بن حاطب إلى رسول الله ﷺ يسأله الدعاء له بالمال قائلا: يا رسول الله، ادع الله أن يرزقني مالا. فقال له رسول الله ﷺ : (ويحك يا ثعلبة، قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه) فقال له ثعلبة: (والذي بعثك
стр. 809
بالحق لئن دعوت الله فرزقني مالا لأعطين كل ذي حق حقه) فلم يسع رسول الله ﷺ بعد اليمين التي حلفها ثعلبة، والتزامه بأداء الحقوق اللازمة عليه في المال، إلى أن دعا له وقال: (اللهم ارزق ثعلبة مالا) ولم يلبث ثعلبة أن اتخذ غنما، فنمت كما ينمي الدود، وضاقت عليه المدينة، فتنحى عنها، فنزل واديا من أوديتها، حتى جعل يصلي الظهر والعصر في جماعة، ويترك ما سواهما، ثم نمت غنمه وكثرت، فتنحى حتى ترك الصلوات إلا الجمعة، وهي تنمي كما ينمي الدود حتى ترك الجمعة، فطفق يتلقى الركبان يوم الجمعة، ليسألهم عن الأخبار، فقال رسول الله ﷺ : (ماذا فعل ثعلبة): فقالوا يا رسول الله: (اتخذ غنما فضاقت عليه المدينة) فأخبروه بأمره، فقال رسول الله: (يا ويح ثعلبة، يا ويح ثعلبة، يا ويح ثعلبة) ثلاثا. وكما يقال: " نما ينمو " يقال " نمى ينمي " كما جاء في هذه الرواية، فهو من صيغ الأفعال التي جاءت " واوية " و " يائية ".
ولما نزلت فرائض الصدقة - وهي الزكاة - بعث رسول الله ﷺ رجلين على الصدقة من المسلمين، رجلا من جهينة، ورجلا من بني سليم، وكتب لهما كتابا في حدود الصدقة وما يأخذان من المسلمين، وقال لهما: (مرا بثعلبة وبفلان - رجل من بني سليم - فخذا صدقاتهما) فخرجا حتى أتيا ثعلبة، فسألاه الصدقة وأقرآه كتاب رسول الله ﷺ ، فقال: (ما هذه إلا جزية، ما هذه إلا أخت الجزية، ما أدري ما هذا؟ انطلقا حتى تفرغا ثم عودا إلي). فانطلقا، وسمع بهما زميله السلمي، فنظر إلى خيار أسنان إبله، فعزلها للصدقة، ثم استقبلهما بها، فلما رأوها قالوا: (ما يجب عليك هذا، وما نريد أن
стр. 810
نأخذ هذا منك) فقال: (بلى فخذوها، فإن نفسي بذلك طيبة، وإنما هي له) فأخذاها منه، ومرا على الناس فأخذوا منهم الصدقات، ثم رجعا إلى ثعلبة فقال: (أروني كتابكما) فأعطياه الكتاب فقرأه، فقال مرة ثانية: (ما هذه إلا جزية، ما هذه إلا أخت الجزية، فانطلقا عني حتى أرى رأيي) فانطلقا حتى أتيا النبي ﷺ ، فلما رآهما قال لهما قبل أن يكلماه: (يا ويح ثعلبة) فأخبراه بالذي صنع ثعلبة والذي صنع السلمي، فدعا للسلمي بالبركة، فأنزل الله : ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ الآية، وكان عند رسول الله ﷺ رجل من أقارب ثعلبة، فخرج حتى أتاه وأخبره الخبر، ولما بلغ ثعلبة ما نزل من القرآن في شأنه وشأن أمثاله أتى النبي ﷺ يسأله أن يقبل صدقته، فقال له رسول الله: ﴿إن الله منعني أن أقبل منك صدقتك﴾ فقام ثعلبة وأخذ يحثو التراب على رأسه، ولما أبى رسول الله ﷺ أن يقبل صدقته رجع ثعلبة إلى منزله حزينا كئيبا، ثم انتقل رسول الله ﷺ إلى الرفيق الأعلى وهو مقاطع لصدقته دون أن يقبل منها شيئا.
ولما استخلف أبو بكر أتى إليه ثعلبة، وسأله أن يقبل صدقته، فقال له أبو بكر: " لم يقبلها منك رسول الله فكيف أقبلها؟ " وأبى أن يقبلها منه، إلى أن توفي أبو بكر، وهو مقاطع لصدقة ثعلبة، اقتداء برسول الله ﷺ .
ولما استخلف عمر جاءه ثعلبة يقول: " يا أمير المؤمنين، إقبل صدقتي " فقال له عمر: " لم يقبلها منك رسول الله ولا أبو بكر، وأنا أقبلها منك؟ " وتوفي عمر وهو مقاطع لصدقته أيضا دون أن يقبل
следующие страницы →