← Тафсир

Тафсир · id 115129

التيسير في أحاديث التفسير

محمد المكي الناصري

Полный текст (2 848 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

الربع الأخير من الحزب العشرين في المصحف الكريم (ت) عباد الله في حصة هذا اليوم نتناول الربع الأخير من الحزب العشرين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾. ــ في بداية هذا الربع، واصل كتاب الله حديثه عن المنافقين وأصنافهم وأوصافهم، فوصفهم بخيانة العهود وإخلاف الوعود، لا مع مطلق الناس، ولكن حتى مع الله تعالى، ومن أمثلة ذلك تعهدهم أمام الله بأنه إن أغناهم تصدقوا وأحسنوا وسلكوا مسلك الصالحين من أهل الإيمان، في عمل البر والإحسان، لكنهم بمجرد ما أدركوا المنى، ونالوا الغنى، طغوا واستكبروا، وكفروا وما شكروا، مصداقا لقوله تعالى في الربع الماضي: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ واستولى عليهم الشح والبخل كل

стр. 807

الاستيلاء، كأنما لم يسبق منهم أي عهد أو التزام أمام الله بالإحسان والعطاء، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى هنا: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ وهذه الآية الكريمة تشبه في مغزاها آية أخرى سبقت في سورة الأعراف المكية، وهي قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ- أي حملت حملا ثقيلا - دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ الآية. ولتمام الفائدة في هذا الصدد ينبغي التنبيه إلى أن " البخل " يستعمل في الكتاب والسنة للدلالة على التقصير في أداء ما هو واجب، بينما " الشح " يستعمل للدلالة على الإخلال بأداء ما هو مستحب، كما حرره ابن العربي المعافري. وبين كتاب الله ما تعرض له المنافقون من سوء العاقبة بمثل هذا التصرف اللعين، فقد زاد نفاقهم بسببه حدة وشدة، إذ السيئة تشجع على أختها، والمعصية الصغيرة تدفع إلى ما هو أكبر منها، " فالمعاصي بريد الكفر " كما ورد في الأثر. وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ أي فأعقبهم بخلهم نفاقا راسخا في قلوبهم، لازما لهم إلى يوم الدين، يوم يلقون جزاء نفاقهم، حيث يعرضون على الله للحساب والعقاب، ﴿بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ﴾ أي أن ذلك بسب إخلافهم للوعد، وخيانتهم للعهد ﴿وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ أي وبسب كذبهم فيما تحدثوا به والتزموه، إذ كانوا منطوين على سوء النية من أول وهلة،

стр. 808

فالمنافق في الوقت الذي يتحدث فيه إلى غيره يكون واثقا بأنه كاذب فيما يقول، وفي الوقت الذي يعد فيه غيره يكون مصمما على أن لا يفي بالوعد ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾، وإنما آتاهم الله من فضله ووسع عليهم الرزق - وهو يعلم السر والنجوى - ليبلوهم وينظر كيف يعملون أولا، وليظهر حقيقة حالهم للناس ثانيا، حتى يكونوا على بينة من نفاقهم الراسخ، ومعرفة بمرض قلبهم المزمن، على حد قوله تعالى في آية أخرى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. ومما يحسن التنبيه إليه في هذا المقام أن ما استنكرته هذه الآية الكريمة ووصفت به المنافقين من إخلاف الوعد: ﴿بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ﴾ ومن الكذب في الحديث: ﴿وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ هو نفس ما أكده الحديث النبوي الشريف المروي في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان). وفي صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ قال: (أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق، حتى يدعها: إذا ائتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر). ومن الأمثلة التي تندرج تحت هذه الآية قصة ثعلبة بن حاطب، وينسبها بعضهم إلى غيره، فقد جاء ثعلبة بن حاطب إلى رسول الله ﷺ يسأله الدعاء له بالمال قائلا: يا رسول الله، ادع الله أن يرزقني مالا. فقال له رسول الله ﷺ : (ويحك يا ثعلبة، قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه) فقال له ثعلبة: (والذي بعثك

стр. 809

بالحق لئن دعوت الله فرزقني مالا لأعطين كل ذي حق حقه) فلم يسع رسول الله ﷺ بعد اليمين التي حلفها ثعلبة، والتزامه بأداء الحقوق اللازمة عليه في المال، إلى أن دعا له وقال: (اللهم ارزق ثعلبة مالا) ولم يلبث ثعلبة أن اتخذ غنما، فنمت كما ينمي الدود، وضاقت عليه المدينة، فتنحى عنها، فنزل واديا من أوديتها، حتى جعل يصلي الظهر والعصر في جماعة، ويترك ما سواهما، ثم نمت غنمه وكثرت، فتنحى حتى ترك الصلوات إلا الجمعة، وهي تنمي كما ينمي الدود حتى ترك الجمعة، فطفق يتلقى الركبان يوم الجمعة، ليسألهم عن الأخبار، فقال رسول الله ﷺ : (ماذا فعل ثعلبة): فقالوا يا رسول الله: (اتخذ غنما فضاقت عليه المدينة) فأخبروه بأمره، فقال رسول الله: (يا ويح ثعلبة، يا ويح ثعلبة، يا ويح ثعلبة) ثلاثا. وكما يقال: " نما ينمو " يقال " نمى ينمي " كما جاء في هذه الرواية، فهو من صيغ الأفعال التي جاءت " واوية " و " يائية ". ولما نزلت فرائض الصدقة - وهي الزكاة - بعث رسول الله ﷺ رجلين على الصدقة من المسلمين، رجلا من جهينة، ورجلا من بني سليم، وكتب لهما كتابا في حدود الصدقة وما يأخذان من المسلمين، وقال لهما: (مرا بثعلبة وبفلان - رجل من بني سليم - فخذا صدقاتهما) فخرجا حتى أتيا ثعلبة، فسألاه الصدقة وأقرآه كتاب رسول الله ﷺ ، فقال: (ما هذه إلا جزية، ما هذه إلا أخت الجزية، ما أدري ما هذا؟ انطلقا حتى تفرغا ثم عودا إلي). فانطلقا، وسمع بهما زميله السلمي، فنظر إلى خيار أسنان إبله، فعزلها للصدقة، ثم استقبلهما بها، فلما رأوها قالوا: (ما يجب عليك هذا، وما نريد أن

стр. 810

نأخذ هذا منك) فقال: (بلى فخذوها، فإن نفسي بذلك طيبة، وإنما هي له) فأخذاها منه، ومرا على الناس فأخذوا منهم الصدقات، ثم رجعا إلى ثعلبة فقال: (أروني كتابكما) فأعطياه الكتاب فقرأه، فقال مرة ثانية: (ما هذه إلا جزية، ما هذه إلا أخت الجزية، فانطلقا عني حتى أرى رأيي) فانطلقا حتى أتيا النبي ﷺ ، فلما رآهما قال لهما قبل أن يكلماه: (يا ويح ثعلبة) فأخبراه بالذي صنع ثعلبة والذي صنع السلمي، فدعا للسلمي بالبركة، فأنزل الله : ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ الآية، وكان عند رسول الله ﷺ رجل من أقارب ثعلبة، فخرج حتى أتاه وأخبره الخبر، ولما بلغ ثعلبة ما نزل من القرآن في شأنه وشأن أمثاله أتى النبي ﷺ يسأله أن يقبل صدقته، فقال له رسول الله: ﴿إن الله منعني أن أقبل منك صدقتك﴾ فقام ثعلبة وأخذ يحثو التراب على رأسه، ولما أبى رسول الله ﷺ أن يقبل صدقته رجع ثعلبة إلى منزله حزينا كئيبا، ثم انتقل رسول الله ﷺ إلى الرفيق الأعلى وهو مقاطع لصدقته دون أن يقبل منها شيئا. ولما استخلف أبو بكر أتى إليه ثعلبة، وسأله أن يقبل صدقته، فقال له أبو بكر: " لم يقبلها منك رسول الله فكيف أقبلها؟ " وأبى أن يقبلها منه، إلى أن توفي أبو بكر، وهو مقاطع لصدقة ثعلبة، اقتداء برسول الله ﷺ . ولما استخلف عمر جاءه ثعلبة يقول: " يا أمير المؤمنين، إقبل صدقتي " فقال له عمر: " لم يقبلها منك رسول الله ولا أبو بكر، وأنا أقبلها منك؟ " وتوفي عمر وهو مقاطع لصدقته أيضا دون أن يقبل

стр. 811

منها شيئا، اقتداء برسول الله ﷺ وبخليفته الأول أبي بكر الصديق. ولما استخلف عثمان جاءه يقول: " أقبل صدقتي " فقال له عثمان: " لم يقبلها منك رسول الله ولا أبو بكر ولا عمر وأنا أقبلها منك؟ " فلم يقبلها منه وقاطعها أيضا، اقتداء برسول الله وخليفتيه أبي بكر وعمر، وهلك ثعلبة في خلافة عثمان وهو محروم كل الحرمان من قبول صدقته، دون بقية الناس، وكان ذلك الموقف الصارم من طرف رسول الله وخلفائه من بعده تعزيرا وتأديبا لثعلبة وأمثاله في جميع العصور، وسنة حسنة يعمل بها من يريد الاقتداء برسول الله وخلفائه، في مقاطعة أولئك الذين يعاهدون ثم لا يوفون بالعهود، ونبذ أولئك الذين يعدون ثم يخلفون الوعود. وقد نبه القاضي أبو بكر " ابن العربي " عند تفسير هذه الآية: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ " إلى أنه لما حيل بينهم وبين التوبة، ووقع التصريح بنفاقهم وكفرهم لم تقبل صدقاتهم "، ولذلك لم يقبلها رسول الله ﷺ ، ولا أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان، اقتداء برسول الله ﷺ ، لعلمه ﵊ بسريرة ثعلبة، واطلاعه على بنيات صدره " - يقال " بنيات الطريق " للطرق الصغيرة المتشبعة من الجادة -. وإذا كان المنافقون يتجرؤون على لمز أشرف الخلق، والطعن في تصرفات خاتم النبيئين والمرسلين كما سبقت الإشارة لذلك في قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ

стр. 812

لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ فإنهم سيكونون أشد جرأة وأكثر لمزا لمن دونه من المؤمنين، وفعلا فقد كان المنافقون ينتهزون كل فرصة للمز المؤمنين والطعن فيهم، فإذا جاء المؤمنون إلى رسول الله بعطاء جزيل لمزوهم وقالوا: " إنه عطاء مقصود به الرياء والسمعة "، وإذا جاء المؤمنون بعطاء يسير استهزءوا بذلك العطاء وقالوا: " إن الله لغني عن صدقة هؤلاء " بحيث لا يسلم من لمزهم وطعنهم واستهزائهم أحد، من أكبر كبير إلى أصغر صغير، وهذا هو شأن المنافقين في كل جيل. وإلى هذا المعنى يشير قوله تعالى هنا: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ﴾ أي يعيبون المتصدقين تطوعا وتبرعا من المؤمنين، ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ أي كما يلمزون الذين يتصدقون بالكثير يلمزون الذين يتصدقون باليسير على قدر طاقتهم: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ﴾ أي يستهزئون بهم. ثم عقب كتاب الله على ذلك ذاكرا نوع العقاب الذي عاقب الله به المنافقين على استهزائهم بالمؤمنين، فقال تعالى: ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وهذه الآية واردة على طريق المقابلة، أي كما أنهم سخروا من المؤمنين عاقبهم الله فسخر منهم، إذ " الجزاء من جنس العمل ". وحرصا على إزالة كل لبس، وعلى تمييز المنافقين من المؤمنين تمييزا تاما، نهى الله رسوله والمؤمنين عن الصلاة عليهم بعد وفاتهم، ونهاه عن القيام على قبورهم للدعاء لهم، وبذلك بقيت هذه الميزة خاصة بأموات المؤمنين وحدهم، فقال تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾.

стр. 813

وقد تلقى حذيفة بن اليمان عن رسول الله ﷺ أسماء المنافقين وعرف أشخاصهم، فكان بعد انتقال الرسول إلى الرفيق الأعلى هو الذي يلفت نظر المسلمين إليهم كلما مات واحد منهم، حتى لا يصلوا عليه ولا يقفوا على قبره، امتثالا لهذه الآية الكريمة، ومن أجل ذلك أطلق على حذيفة بن اليمان لقب " صاحب السر "، والسر إنما هو في هذا المقام بالخصوص. وهكذا أصبحت صلاة الجنازة قاصرة على المؤمنين يستغفر بها أحياؤهم لأمواتهم، ومما جاء في فضلها قوله ﷺ في الحديث الصحيح: (من شهد الجنازة حتى يصلي عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان. قيل وما القيراطان؟ قال: أصغرهما مثل أحد) يشير إلى جبل أحد. وكان رسول الله ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: (استغفروا لأخيكم، واسألوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل) أخرجه أبو داود في سننه، وانفرد به. وبعدما فضح كتاب الله في هذه السورة الكريمة الأعذار المنتحلة التي كان يعتذر بها المنافقون عن الخروج مع رسول الله ﷺ إلى غزوة تبوك، كقوله تعالى حكاية عنهم: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي﴾، وكقوله تعالى حكاية عنهم أيضا: ﴿وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ جاءت الآيات الكريمة بالقول الفصل في بيان العذر الصحيح والعذر الباطل. ومضمون هذه الآيات أن الأعذار التي تقبل ويرفع الحرج بسببها عمن قعد عن الجهاد، إما أن تكون أعذارا لازمة للشخص،

стр. 814

كالعيوب القائمة بذاته لا ينفك عنها ولا تنفك عنه، وذلك مثل العمى والعرج ونحوهما، وإما أن تكون أعذارا عارضة للشخص، وهذا النوع الثاني من الأعذار يندرج تحته المرض الذي لا يتمكن معه صاحبه من الجهاد، والفقر الذي لا يتمكن معه صاحبه من إعداد الزاد والعتاد، وذلك ما ينص عليه قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي إذا لم يقوموا في حال تخلفهم عن الجهاد بتثبيط ولا إرجاف، وكانوا عونا للمجاهدين من ورائهم، ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي لا سبيل إلى عقوبة هؤلاء المعتذرين، بعدما تيقن رسول الله ﷺ من صدق عذرهم، وعرف حقيقة أمرهم، قال القاضي أبو بكر " ابن العربي ": " هذا عموم ممهد في الشريعة، وهو أصل في رفع العقاب والعتاب عن كل محسن ". ثم قال تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ أي لا حرج على الفقراء الذين عرضوا أنفسهم على رسول الله للجهاد، ثم رجعوا وهم يبكون حزنا وأسفا، لعجزهم عن تجهيز أنفسهم أولا، ولضيق وسائل التجهيز عند رسول الله ثانيا، ولما فاتهم من الالتحاق بصفوف المجاهدين ونيل شرف الجهاد في سبيل الله وحسن ثوابه ثالثا. وفي مثل هؤلاء الذين منعتهم أعذار حقيقية لا منتحلة عن الخروج مع رسول الله ﷺ إلى غزوة تبوك ورد حديث أنس في

стр. 815

الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال وهو في غزوة تبوك: (إن بالمدينة أقواما ما قطعتم واديا، ولا سرتم سيرا، إلا وهم معكم) قالوا: (وهم بالمدينة؟) قال: (نعم، حبسهم العذر)، ﴿تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾.

стр. 816

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ التيسير في أحاديث التفسير

стр. 817

التيسير في أحاديث التفسير من إملاء سماحة الشيخ محمد المكي الناصري الجزء الثالث دار الغرب الإسلامي

стр. 818

الطبعة الأولى ١٤٠٥هـ - ١٩٨٥م دار الغرب الإسلامي

стр. 819

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الربع الأول من الحزب الواحد والعشرين في المصحف الكريم (ق) ــ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٩٣) يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٤) سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٩٦) الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٩٧) وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ

стр. 820

مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٩٨) وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٩) وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠) وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (١٠١) وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٠٢) خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٠٤) وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ

стр. 821

وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥) وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠٦) وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٠٧) لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨) أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠٩) لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١١٠)

стр. 822

الربع الأول من الحزب الواحد والعشرين في المصحف الكريم (ت) عباد الله حديث هذا اليوم يتناول الربع الأول من الحزب الواحد والعشرين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. ــ في نهاية الربع الماضي تحدث كتاب الله عن الأعذار التي يسمح الإسلام من أجلها بالتخلف عن الجهاد، لأنه ينظر إليها بعين الاعتبار، وفي بداية هذا الربع الذي هو حصة اليوم تسلط الآيات الكريمة أضواءها على المعتذرين بأعذار واهية، حرصا على السلامة والعافية، ومن بينهم طائفة من أغنياء المنافقين فضلت القعود والركود على الجهاد والجلاد، تأمينا لمتعتها، وضمانا لراحتها، وبخلا بالتنازل ولو مؤقتا عن مألوفاتها. ولتعتمد هذه الطائفة المنحلة على مبرر لعملها حتى لا يستنكره الناس، حاولت أن تحصل من رسول الله في شأن قعودها

стр. 823

المريب على إذن خاص، ورضيت في سبيل إرضاء شهواتها بالتنازل عن خصال الرجال الأقوياء، وبالبقاء قعيدة البيت بجانب العجزة من الأطفال والعواجز من النساء، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ﴾ أي إنما الحرج والإثم على الذين لم يبادروا للخروج معك إلى غزوة تبوك، لغزو الروم، كما بادر إلى ذلك المخلصون، أغنياء وغير أغنياء، بل توقفوا وتثاقلوا وجعلوا يطلبون منك الإذن لهم في التخلف، بالرغم من أن عندهم جميع الوسائل التي تمكنهم من المساهمة في الجهاد مساهمة فعالة، لكنهم لم يجاهدوا بأنفسهم، ولم يساعدوا غيرهم من الفقراء على تكاليف الجهاد بأموالهم: ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ أي رضوا بأن يكونوا مع العواجز، بعيدين عن جبهة القتال ومتاعبه، آمنين على أنفسهم من مفاجآت الجهاد. ولا ينبغي أن يفهم من هذا السياق أن النساء المسلمات جميعا كن محرومات من شرف الجهاد والوقوف بجانب المجاهدين، بل إنهن على العكس من ذلك، فقد كان القادرات منهن على التطوع يتطوعن بالجهاد، وان لم يفرض عليهن، ويشاركن فيه مشاركة فعالة إلى جانب الرجال، وكان نصيبهن من الغنائم يقدم لهن في صورة هدايا وعطايا تعطى لهن تشجيعا على التطوع للجهاد، وتقديرا لتضحياتهن في سبيل إعلاء كلمة الله. ثم بين كتاب الله السر في موقف هذا النوع من الأغنياء: الأغنياء مادة، والفقراء روحا، فقال تعالى: ﴿وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. ففي هذه الآية تنبيه إلى أن قلوبهم قد

стр. 824

ماتت، ولم تعد تنبض بأي إحساس كريم أو شعور نبيل، فكيف يهبون لنصرة المثل الأعلى الذي يمثله الإسلام، وقد ﴿طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾. وفي نفس الآية تنبيه إلى أن عقولهم قد أناخ عليها كابوس الجهل، وعشش فيها بوم الوهم، فكيف يقدرون الرسالة السامية التي جاء بها الإسلام، وكيف يقدمون أنفسهم وأموالهم قربانا لها وفداء في سبيلها (وهم لا يعلمون). وقبل أن يعود كتاب الله إلى الحديث عما ينتظر أن يفعله أولئك الأغنياء المتخلفون، عندما يعود رسول الله سالما من غزوة تبوك، ويعود معه المؤمنون أخبر الله رسوله بذلك، فقال تعالى: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾. فقد كانوا يظنون بالله ورسوله الظنون، وكانوا يعتقدون في قرارة أنفسهم أن غزوة تبوك مغامرة كبرى مآلها المحقق في نظرهم القاصر أن ينتصر الروم وينهزم المسلمون، وإذ ذاك يستريحون منهم، ويستأنفون حياة الشرك والنفاق، لكن الله سلم، وألقى الرعب في صفوف العدو، فانسحب إلى حصونه الخلفية، وتفادى كل اشتباك مع القوات الإسلامية، رغما عن مرابطتها في " تبوك " على أهبة الاستعداد حوالي شهر كامل، وبذلك انقلب الوضع رأسا على عقب، وأصبح المتخلفون عن الجهاد الظانون بالله الظنون في مركز حرج، وتيقن الجميع أن رسول الله ﷺ عائد على رأس جيش الإسلام المظفر إلى قاعدته الرئيسية بالمدينة المنورة، وإلى أنه سيحاسب المقصرين على تقصيرهم.

стр. 825

ومن هنا أخذوا يعدون لانتحال الأعذار، ولتقديم الاعتذار عن تخلفهم وقعودهم، فقد رد الله كيدهم في نحرهم، وعاملهم بنقيض قصدهم: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾ لكن الحق لقن رسوله والمؤمنين أحسن جواب يردون به على الصنف من المتخاذلين المخذولين، فقال تعالى: ﴿قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾ أي لن نصدق اعتذاركم، فلم يبق مجال للاعتذار، بعد هتك الأستار. ثم عقب كتاب الله على هذا الجواب المفحم والرد القاطع، فمضى يهدد المنافقين بمزيد الكشف عن نفاقهم، وتوجيه الأنظار إلى فضائحهم، قائلا: ﴿قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾ فعن طريق الوحي اطلعنا على سرائركم وأسراركم، ومن كشف الله له السر بنور وحيه كيف يستره عنه الناس، بل كيف يقع ضحية التدليس والالتباس. وخاطب الله المنافقين خطاب ترهيب فقال: ﴿وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ فمهما كتمتم وسترتم، ومهما تآمرتم وأخفيتم، ومهما تقلبتم في البلاد، فإن الله ورسوله لكم بالمرصاد. أما الرسول ﵊ فيطلع على نواياكم وطواياكم بواسطة مشعل الوحي الذي ينير له الطريق، ويعرفه بعناصر التخذيل والتعويق، وبذلك يرى عملكم ويعرف مرماه ومغزاه. وأما الحق فلا يغيب عن علمه من أمركم شيء، كبيرا كان ذلك الأمر أو صغيرا، جليلا أو حقيرا، بل هو يراكم على حقيقتكم، منافقين يبطنون الكفر ويظهرون الإيمان، لا عقيدة

стр. 826

عندكم صحيحة، ولا نية لكم صالحة. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. هذا وعيد جديد من الله تعالى للمنافقين بأنهم مهما كادوا ومكروا، ودبروا من السوء ما دبروا، فإن مصيرهم في النهاية إلى الله الذي يعلم سرهم ونجواهم، وإذ ذاك سيتولى حسابهم على النقير والقطمير، وجزاءهم على الصغير والكبير، وينظر إلى معنى هذه الآية الكريمة قوله تعالى في آية ثانية: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٨]، وقوله تعالى في آية ثالثة: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ * فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾ [الطارق: ٩، ١٠]. وقوله تعالى: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾ توكيد وتجديد لما سبق أن وصف به كتاب الله من قبل طائفة المنافقين، فهم يكثرون من الحلف باستمرار، ويلجأون إليه دون انقطاع، لتوكيد ادعاءاتهم، وإعطائها صبغة الصدق والحق، كلما أعوزهم الدليل والبرهان، وخانهم المنطق والبيان. ومن الآيات التي سبق فيها وصف المنافقين بالإكثار من الحلف الكاذب أو اليمين الغموس قوله تعالى في سورة النساء: ﴿ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾، وقوله تعالى سابقا في هذه السورة - سورة التوبة - ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ﴾، ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ﴾، ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ﴾، ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾، وقوله تعالى في سورة المجادلة: ﴿مَا هُمْ

стр. 827

مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ إلى غير ذلك من الآيات الناطقة بهذا الوصف، الملازم للمنافقين، الأولين منهم والآخرين. وقوله تعالى هنا: ﴿لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ معناه أن أغنياء المنافقين إنما يرمون من وراء حلفهم هذه المرة إلى التخلص من تأنيب المؤمنين ولومهم، فهم يخافون المعرة والتجريح لا غير، وهم يحاولون أن يخلعوا على عذرهم الباطل صبغة العذر الصحيح. ثم قال تعالى مخاطبا لرسوله والمؤمنين: ﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ والأمر بالإعراض عن المنافقين هنا يقتضي مقاطعتهم واحتقارهم واعتبارهم منبوذين خارج الجماعة الإسلامية. ولخبث طويتهم، وفساد عقيدتهم، وصفهم كتاب الله بأنهم " رجس " أي قذر وخبث، كما وصف المشركين من قبل في هذه السورة نفسها بأنهم نجس: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾. ثم عاد كتاب الله إلى تحليل دافع آخر من الدوافع التي حملتهم على استعمال سلاح الحلف الباطل، فبين أنهم يحاولون بذلك كسب رضا المؤمنين والحصول على ثقتهم من جديد، إلا أن الحق حذر المؤمنين من أن يقعوا في هذا الفخ، وذكرهم بأن الله لا يرضى عن المنافقين أبدا،

стр. 828

وإذن فلا يسوغ للمؤمنين أن يرضوا عنهم بحال، وذلك معنى قوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ والفاسقون هم الخارجون عن طاعة الله وطاعة رسوله، من " الفسق " وهو لغة الخروج، ومنه سميت الفأرة " فويسقة " لأنها تخرج من جحرها للإفساد، ويقال: فسقت الرطبة إذا خرجت من أكمامها. وتولى كتاب الله الحديث عما كان عليه الأعراب في فجر الإسلام قبل أن يستفحل أمره وتعم دعوته، والمراد " بالأعراب " سكان البادية الملازمون لسكناها، فلمح كتاب الله إلى أن هذا الصنف من الناس بحكم اشتغالهم بمعايشهم، وانهماكهم في تربية إبلهم ومواشيهم، وتغيب كثير منهم عن كثير من المناسبات السعيدة التي كان يشهدها غيرهم من المسلمين المخالطين للرسول، والملازمين لمجلسه، والمترددين عليه لتلقي الوحي وتعلم الدين، ظلوا بعيدين عن التأثير اليومي المباشر للوحي والرسالة، ولم يتيحوا لأنفسهم الفرص الكافية لتتبع الدعوة الإسلامية في مختلف مراحلها، والتشبع بتعاليمها ومبادئها، وبقي من أجل ذلك قسم كبير منهم عرضة لدعاية المشركين، ووساوس المنافقين، وذلك هو المعنى المراد بقوله تعالى في بداية هذا الموضوع: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ أي لأنهم لم يكونوا يخالطونه ويلازمونه كغيرهم من المؤمنين ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. قال ابن قتيبة: " الأعرابي لزيم البادية، والعربي منسوب إلى العرب ".

стр. 829

وقال القاضي عبد الجبار: " يحتمل أن يراد ﴿بالأعراب﴾ من امتنع عن المهاجرة، فقد كان يقال: مهاجر وأعرابي ". ثم شرع كتاب الله يفصل أحوال أولئك الأعراب من سكان البادية والملازمين لها غالبا، فصنفهم صنفين: الصنف الأول منهم من خالطت بشاشة الإيمان قلوبهم فكانوا داخلين في عداد المؤمنين، عقيدة ونية، قولا وعملا، وفي هذا الصنف المؤمن الواعي ورد قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾ أي يبتغون من نفقاتهم التقرب إلى الله تعالى والحصول على رضا رسوله ودعائه الصالح، وعقب كتاب الله على وصفهم ووصف عملهم، مبشرا إياهم بحسن العاقبة وجزيل الثواب، فقال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. والصنف الثاني من الأعراب من كان داخلا إذ ذاك في عداد المنافقين محسوبا منهم، يقوي سواد المنافقين المندسين بين المسلمين في نفس مدينة الرسول، ويتعاون معهم ضد الدعوة الإسلامية. وفي هذا الصنف المنافق الجاهل ورد قوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾ أي منهم من صار لهم النفاق طبعا وعادة حتى جاوزوا الحدود ﴿لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾. كما ورد في وصفهم أيضا قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا﴾ أي يعتبر ما

стр. 830

ينفقه في سبيل الله غرامة وخسارة، لا قربة إلى الله وزلفى ﴿وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ﴾ أي ينتظر حلول الآفات بساحتكم ونزول المصائب عليكم ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ هذا دعاء عليهم بالسوء والشر، جزاء وفاقا ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. قال القاضي أبو بكر (ابن العربي): " ذم الله تعالى المنافقين والمقصرين في " هذه السورة " في آيات جملة، ثم طبقهم طبقات عموما وخصوصا، فقال: ﴿الأعراب أشد كفرا﴾ الآية: ٩٧. وقال: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا﴾ [الآية: ٩٨]. وقال: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ﴾ [الآية: ٩٩، وهذا مدح يتميز به الفاضل من الناقص، والمحق من المبطل ". وأخيرا عاد كتاب الله إلى الحديث عن المتخلفين الذين تخلفوا عن الجهاد والخروج مع رسول الله إلى غزوة تبوك، فبين أن من بين المتخلفين صنفا لم يتخلف عن نفاق، وإنما تخلف عن ميل إلى الكسل، وإيثار للراحة، وحرص على الظلال والثمار، إذ كانت غزوة تبوك في فصل حر وموسم غلة. وهذا الصنف ينقسم بدوره إلى قسمين: قسم اعترف بذنبه، وقسم لم يعترف بذنبه. فالقسم الأول من هذا الصنف تشير إليه الآية الكريمة: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. والقسم الثاني من هذا الصنف تشير إليه الآية الكريمة: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾ أي مؤخرون ليوم الحساب،

стр. 831

متروكون لحكم الله فيهم ﴿إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. ورغما عن كون هاتين الآيتين وردتا في الأصل على هذا السبب الخاص وفي أناس معينين، فإن معناهما يعم كافة المذنبين من غير المنافقين. وقوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ يتوجه الخطاب فيه إلى هذا الصنف الخاص من المتخلفين غير المنافقين، الذين تخلفوا كسلا لا نفاقا، وهذا أمر يقتضي ترغيبهم في استيناف العمل الصالح والمواظبة عليه، وفيه تذكير لهم بأن الله من ورائهم محيط، وبأن رسوله سيراقب سلوكهم باستمرار، وبأن فراسة المؤمنين ستلاحقهم في كل مكان، فما أطلعهم الله عليه من خير أحبوه، أو شر أبغضوه، إذ الأعمال نفسها ليست إلا علامات تكشف عن حقيقة النيات، وأمارات تدل على صميم المعتقدات " ومن أسر سريرة ألبسه الله رداءها، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر " كما جاء في الأثر. وروى الإمام أحمد من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعا أن رسول الله ﷺ قال: (لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة، لأخرج الله عمله إلى الناس كائنا ما كان). وروى ابن القاسم عن الإمام مالك أنه كان يقال: " ابن آدم اعمل، وأغلق عليك سبعين بابا يخرج الله عملك إلى الناس ". ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾.

стр. 832

الربع الثاني من الحزب الواحد والعشرين في المصحف الشريف (ق) ــ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١) التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢) مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ

стр. 833

إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤) وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١٥) إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١١٦) لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩) مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ

стр. 834

ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠) وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢١) وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)

стр. 835

الربع الثاني من الحزب الواحد والعشرين في المصحف الشريف (ت) عباد الله في حصة هذا اليوم نتناول الربع الثاني من الحزب الواحد والعشرين، ابتداء من قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ ــ بعدما وجه كتاب الله في هذه السورة -سورة التوبة- الخطاب تلو الخطاب إلى المؤمنين الصادقين يستنفرهم خفافا وثقالا للقيام بواجب الجهاد في سبيل الله، إعلاء لكلمة الله، ونشرا لدينه بين الناس، حتى يدخلوا في دين الله أفواجا، حملت أول آية في هذا الربع أعظم بشرى إلى المؤمنين، بشرى إلى من جاهد في سبيل الله، ثم قضى نحبه فداء للإسلام، وبشرى إلى من جاهد في سبيل الله ولا يزال ينتظر لقاء الله في مستقبل الأيام، وهذه بشرى تقتضي أن الله تعالى -تفضلا منه وكرما- قد عامل المؤمنين معاملة خاصة لا تخطر على قلب بشر، فيها غنم كبير، وربح عظيم، لا يعدلهما غنم ولا ربح.

стр. 836

وتتلخص هذه المعاملة الرابحة في بيع المؤمن نفسه وماله لربه، مقابل عوض يتناسب مع كرم الله وسعة غناه، عوض لا يقدر بثمن، ولا يحد بزمن، يناله المؤمن من ربه، ألا وهو دخول الجنة والخلود في دار النعيم، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى هنا: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. فهذه الآية الكريمة تتحدث عن اشتراء الله من عباده المؤمنين أنفسهم وأموالهم، وكأنهم مالكون حقيقيون لتلك الأنفس وتلك الأموال، وكأن أنفسهم وأموالهم ملك خالص لهم، وكأنه لا دخل لله لا في خلقهم ولا في رزقهم، بينما الحقيقة والواقع أن أنفس المؤمنين وأموالهم كغيرها من الأنفس والأموال إنما هي مجرد عطاء من الله، ومحض هبة منه لعباده، إذ لو شاء الله لأبقاهم في حيز العدم ولم يخرجهم إلى حيز الوجود، ولو شاء الله لأوجدهم ثم حرمهم من الرزق، وجعلهم عالة يتكففون الناس، فهو سبحانه المنعم عليهم بنعمة الإيجاد أولا، وبنعمة الإمداد ثانيا، ومع ذلك ها هو الحق يتكرم عليهم كرما ولا كرم فوقه، فيعاملهم أكرم معاملة، ويعاوضهم على ما أنعم به عليهم في الدنيا بنعمة أجل وأعظم، وأخلد وأبقى في الدار الآخرة، وذلك هو منتهى الكرم وغاية الإحسان، الذي يعجز عن تصوره الإنسان. روي عن ابن عباس ﵁ أنه لما قرأ هذه الآية قال

стр. 837

معجبا بكرم الله: " ثامنهم -والله- وأغلى الثمن " يريد أن الله تعالى أعطاهم أكثر مما يستحقون، وأن الربح لم يأت على مقدار الشراء، بل زاد عليه وأربى. ومثل هذا القول يروى عن قتادة والحسن البصري، وقال شمر بن عطية: " ما من مسلم إلا ولله في عنقه بيعة، وفى بها أو مات عليها " ثم قرأ هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾. وقوله تعالى: ﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ معناه أن الله تعالى تعهد لهم بالجنة، سواء قتلوا وعادوا بالأجر والغنيمة، أو قتلوا وفازوا بالأجر والشهادة، أو اجتمع لهم هذا وهذا فنالوا الحسنيين ما دام ذلك كله في سبيل الله، ولإعلاء كلمة الله. وفيه أيضا إشارة إلى أن المؤمن الذي يقدم نفسه وماله للجهاد في سبيل الله يكون معنويا وماديا على كامل الاستعداد للتضحية والفداء، بحيث يجود بنفسه دون أدنى تحفظ ولا حساب، كيفما كانت النتيجة المرتقبة، وهذه الروح الفدائية العليا هي التي نوه بها كتاب الله ومدحها هنا إذ قال: ﴿فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾. ومن أجل هذا المعنى وصف المؤمن المقتول في الجهاد في سبيل الله بأنه " شهيد "، لأن إقدامه على الجود بنفسه في سبيل الله هو أقوى دليل يدل على قوة إيمانه، وصدق يقينه، وأكبر شهادة تشهد له على اعتزازه بدينه، وحماسه لملته، ووفائه لربه

стр. 838

بالبيعة التي في عنقه. أضف إلى ذلك أن الله وملائكته والمؤمنين يشهدون له بالجنة، مصداقا لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ﴾ تأكيدا لهذا الوعد الإلهي الناجز، وإشارة إلى أنه وعد قديم كتبه الحق على نفسه تفضلا وكرما، وكلف النبيئين والمرسلين بتبليغ بشراه إلى كافة المؤمنين. والتنصيص على التوراة والإنجيل والقرآن في هذا السياق إنما هو تخصيص بالذكر لأشهر الكتب المنزلة التي تضمنت هذا الوعد الإلهي الكريم. وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ﴾ خطاب من الله تعالى لمن بذلوا النفس والنفيس في سبيله، واعتبروا إعلاء كلمته في الأرض هو أعلى مثل يكرسون له جهودهم، ويصرفون فيه حياتهم، وفحوى هذا الخطاب تبشيرهم من جانب الحق بتصديقه التام على معاملتهم معه، ورضاه عنها وعنهم كامل الرضا، وتهنئتهم بما نالوه من الكسب الذي لا كسب فوقه، والربح الذي لا ربح بعده ﴿وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. ومن هذا السياق انتقل كتاب الله إلى وصف المؤمنين الذين اشترى الله منهم أنفسهم وأموالهم، والذين أعدتهم الأقدار ليكونوا جند الله وحزبه في كل جيل، فقال تعالى في وصفهم تمييزا لهم عن غيرهم: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ

стр. 839

السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾. فوصف (التائبين) يقتضي أنهم متمسكون بطاعة الله لا يقربون معصيته، وأنهم إذا فرط منهم ذنب عن غفلة وجهالة ذكروا الله في الحين فاستغفروا لذنوبهم. ووصف (العابدين) يقتضي أنهم قائمون بعبادة الله محافظون عليها قولا وفعلا، وأنهم لا يقصدون من ورائها إلا وجه الله وابتغاء مرضاته. ووصف (الحامدين) يقتضي أنهم يصرفون نعمة الله التي ينعم بها عليهم في طاعته، وأنهم لا يسخطون أبدا ولا يتبرمون بقضائه كيفما كان. ووصف (السائحين) يقتضي أنهم محافظون على فريضة الصيام، لا يهملون القيام بها، وإن تغيرت الفصول والأعوام. روي عن ابن عباس أنه قال: " كلما ذكر الله السياحة في القرآن فالمراد بها الصوم والصائمون ". وقالت عائشة: " سياحة هذه الأمة الصيام ". وقال الحسن البصري: " السائحون هم الصائمون شهر رمضان ". وبهذا المعنى ورد قوله تعالى: ﴿سَائِحَاتٍ﴾ أي صائمات في قوله تعالى في سورة التحريم المدنية أيضا: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ﴾ [الآية: ٥]. قال الحافظ ابن كثير: " وليس المراد من السياحة ما قد

стр. 840

يفهمه بعض من يتعبد بمجرد السياحة في الأرض، والتفرد في شواهق الجبال والكهوف والبراري، فإن هذا العمل ليس بمشروع إلا في أيام الفتن والزلازل في الدين، كما ثبت في صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: (يوشك أن يكون خير مال الرجل غنم يتبع بها شعف الجبال -أي أعاليها وقممها- ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن). وقال القاضي أبو بكر " ابن العربي ": " والسائحون هم الصائمون في هذه الملة، حتى فسد الزمان، فصارت السياحة هي الخروج من الأرض عن الخلق، لعموم الفساد، وغلبة الحرام، وظهور المنكر، ولو وسعتني الأرض لخرجت فيها، لكن الفساد قد غلب عليها، ففي كل واد بنو نحس " هكذا يقول ابن العربي بالحرف الواحد. ووصف (الراكعين الساجدين) يقتضي أنهم يقيمون الصلاة ويحافظون عليها دون أي كسل أو تهاون أو إهمال. ووصف (الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر) يقتضي أنهم هداة مرشدون، يجهرون بالحق ولا يخافون لومة لائم، ويقفون في وجه العصاة والفاسقين، حماية للأمة والملة من انتشار المعاصي والفواحش، وحذرا مما يتبعها من غضب الله على العباد والبلاد. ووصف (الحافظين لحدود الله) يقتضي أنهم كما قاموا بعبادة الحق، ولم يهملوا نصيحة الخلق، امتثلوا الأوامر واجتنبوا

стр. 841

النواهي، ولم يتعدوا حدود الله، فأدوا ما عليهم من حقوق الله وحقوق الإنسان، ولم يخلوا بشيء منها، وهذا الوصف العام الجامع المانع هو وسام الشرف وخاتمة البيان. وبعد ما عدد كتاب الله الأوصاف الرئيسية والمميزة للمؤمنين في أجمل صورهم، وأكمل أحوالهم، عقب على ذلك بتجديد البشرى لهم مرة أخرى، هبة من الله وإكراما، فقال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ويا سعد من حلت بساحته البشرى من الله، وأحل عليه رضوان الله. قال القاضي أبو بكر (ابن العربي): " وقوله ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي بشرهم بثوابي إذا كانوا على هذه الصفة ... فأما نفس لا تكون هكذا ولا تتحلى بهذه الحلى، فلا يبذل فيها فلس، فكيف الجنة؟ ". وفي هذا الربع نفسه تولى كتاب الله الحديث عن قصة الثلاثة الذين خلفوا، وعن توبتهم التي سارت بذكرها الركبان، وسجلها الوحي بأحرف من نور في سور القرآن، حتى سميت بها هذه السورة الكريمة " سورة التوبة ". وإلى هذه القصة يشير قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. وخلاصة هذه القصة أن رسول الله ﷺ ذهب إلى غزوة تبوك حين طابت الثمار، وبردت الظلال، وخرج في حر شديد، وهي

стр. 842

" العسرة " التي افتضح فيها الناس، وكان ممن تخلف عنه ثلاثة: كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع العامري، وهلال بن أمية الواقفي. فلما قفل رسول الله من غزوة تبوك دخل إلى المسجد، فجاء من تخلف عنه يعتذرون إليه وهم ثمانون رجلا، فقبل النبي ظاهر حالهم ووكل سرائرهم إلى الله، إلا هؤلاء الثلاثة فإنهم لم يعتذروا، وصدقوا رسول الله ﷺ حقيقة أمرهم، وكان مما قاله له أحدهم، وهو كعب بن مالك: " يا رسول الله لو جلست عند غيرك لرأيت أن أخرج من سخطه بعذر، لكني والله لقد علمت لئن حدثتك بحديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك بصدق تجد علي فيه أني لأرجو عقبى ذلك من الله ، والله يا رسول الله ما كان لي عذر، والله ما كنت قط أفرغ ولا أيسر مني حين تخلفت عنك ". فقال رسول الله ﷺ : (أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك). قال كعب بن مالك وهو يروي تمام القصة كما وردت في صحيح البخاري ومسلم وغيرهما من كتب السنة: " فنهى رسول الله ﷺ المسلمين عن كلامنا نحن الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس، وتغيروا لنا، حتى تنكرت لي في نفسي الأرض، فما هي بالأرض التي كنت أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشد القوم وأجلدهم، فكنت أشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف بالأسواق، فلا يكلمني منهم أحد، وآتي رسول الله وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأسلم عليه وأقول في نفسي: أحرك رسول الله شفتيه برد السلام علي أم لا؟ ثم أصلي قريبا منه وأسارقه النظر، فإذا أقبلت

стр. 843

على صلاتي (وهو جالس) نظر إلي، فإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال علي هجر المسلمين ... ومضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا برسول رسول الله يأتيني يقول: " يأمرك رسول الله أن تعتزل امرأتك " فقلت له: " أطلقها أم ماذا أفعل؟ " فقال: " بل اعتزلها ولا تقربها ". وأرسل رسول الله إلى صاحبي بمثل ذلك ... فلبثنا على هذا الحال عشر ليال، فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهى عن كلامنا، ثم صليت صلاة الصبح صباح الخمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا، فبينما أنا جالس على الحال التي ذكر الله تعالى (في هذه الآية) قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صارخا أوفى على جبل سلع يقول بأعلى صوته: " أبشر يا كعب بن مالك، أبشر " فخررت ساجدا لله، وعرفت أن قد جاء الفرج من الله بالتوبة علينا، فأعلن رسول الله ﷺ توبة الله علينا، وأعلم بها المسلمين حين صلى الفجر، فأقبل الناس يبشروننا، ولما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي، فكسوتهما إياه ببشارته، والله ما أملك يومئذ غيرهما، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت أؤم رسول الله -أي أقصده- وتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئونني بتوبة الله، يقولون: ليهنك توبة الله عليك، حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله جالس في المسجد والناس حوله، فقام إلي طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره - وكان كعب لا ينساها لطلحة- فلما سلمت على رسول الله قال وهو يبرق وجهه من السرور: " أبشر يا كعب بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك ". فقلت: أمن عندك

стр. 844

يا رسول الله أم من عند الله؟ فقال: " لا بل من عند الله ". وكان رسول الله ﷺ إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، حتى يعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه قلت يا رسول الله: " إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله ". فقال ﵇: " أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك ". فقلت يا رسول الله: " إنما نجاني الله بالصدق، وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقا ما بقيت، والله ما تعمدت كذبة منذ قلت ذلك لرسول الله إلى يومي هذا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي ". فهذه هي قصة " الثلاثة الذي خلفوا " كما حكاها كعب بن مالك أحد الثلاثة، ورواها البخاري ومسلم في الصحيحين وغيرهما من أئمة الحديث، وهي أحسن تفسير لقوله تعالى في هذه السورة ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ أي خلفوا عن بقية المعتذرين الذين حلفوا واعتذروا، لأن هؤلاء الثلاثة فضلوا الصدق على الحلف، فلم يحلفوا ولم يعتذروا وصدقوا الله ورسوله، وقضوا خمسين ليلة مهجورين من الرسول والمؤمنين وهم صابرون ينتظرون فرج الله، وعفوه عنهم، وقبول توبتهم، إلى أن نزل بقبول توبتهم الوحي من عند الله ﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ أي مع سعتها ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ﴾ والظن هنا بمعنى اليقين ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. قال القاضي أبو بكر " ابن العربي ": " وفيه دليل على أن للإمام أن يعاقب

стр. 845

المذنب بتحريم كلامه على الناس أدبا له ". وتنويها بصدق الثلاثة الذين خلفوا، والتزامهم للصدق دون انحراف ولا تراجع ختم كتاب الله الحديث عن قصتهم بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾.
следующие страницы →