← История

История · id 115130

تاريخ الزواوة

أبو يعلى الزواوي

Полный текст (164 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

فاطمة ﵄ ابنة محمد ﷺ ففي ذلك السبيل اندفعوا سكارى وما هم بسكارى. وأن الفتح الأول لأندلس كان بأحد عشر ألف من البربر بقيادة طارق بن زياد وموسى بن نصير ولقد أنقذوا عرب الأندلس مرارا فاحتلوه بأميرهم أمير المسلمين يوسف بن تاشفين الذي أجمع المؤرخون على فضله والإعجاب به حتى أن الإمام الغزالي تمنى الاجتماع به وجهز للسفر إليه. ومن أدلة شجاعتهم وخصائصهم في ذلك ما حكي المؤرخون بإسهاب وإطناب ثم أن الواقعة الأخيرة المشومة الملقبة بواقعة العقبان لم ينج منها بربري واحد شهدها وهلك معهم من إخوانهم عرب افريقية جمع كثير وكانت تلك المصيبة بخيانة عرب الأندلس ونذالتهم بسبب الحضارة الفاسدة وقد قال المؤرخون في تلك الواقعة ما إذا ذكر سكب الدمع وانهمر وعلى أن عدد من استشهدوا بلغ ستمائه ألف أو يزيدون ففد وقع أجرهم على الله بسب الخيانة وأن الله لا يهدي كيد الخائنين. (فابكهم ما استطعت إن قليلا ... في عظيم من المصاب البكاء) ومن محامد الزواوة الصراحة وحسن العهد إذا قالوا أو بايعوا أو عاهدوا وفوا فلا خيانة ولا غدر ولا خداع فكأن كل فرد منهم لقن: (عروضي إذا جار الزمان ألجتها ... ولكن عرضي لا يباح وبي روح) ولا يبالون بالقتل في سبيل ما تولوا من الأمور وترى كل واحد منهم يقول لسان حاله:

стр. 107

وإنا قوم لا نرى القتل سبة ... إذا ما رأته عامر وسلول ومن محامد الزواوة إطعام البائس الفقير بقواعد ونظامات خاصة عجيبة بحيث لا يبيت الإنسان الأجنبي عندهم بلا شيء وعنايتهم بالأجنبي أكثر أيا كان وصرفهم في ذلك منتظم لم يكن عند أمة من الأمم وينزلون الضيوف منازلهم على طريق السنة. ومن محامدهم التحكيم ثم لا يجدون في أنفسهم حرجا مما قضى به الحكم بل يسلمون تسليما. ومن محامدهم حسن ترتيب الكلام عند الخصام دعوى وجوابا وإن كانوا كثيرين في القضية فلا يتكلم إلا اثنان واحد لكل فريق وليس فيهم شيء من عيب أعراب افريقية الذين يتكلمون وفي الخصام كلهم دفعة واحدة فيكثر الوغى حتى لا يكاد الحكم يفقه شيئا حسبما شهدنا ذلك في المحاكم الشرعية إذ كنا في العدالة وهناك انتهينا إلى هذه لخصلة ذلك بأن الشيء يعرف بضده. ومن محامدهم الاجتماع والجماعة وذلك الأمر المدني العظيم الشأن سواء كان الاجتماع للصلاة أم لشؤونهم الدنيوية والحال أن من أسرار الاجتماع للصلاة قضاء مصالح أخرى اجتماعية وترى أهل القرية مجتمعين كلما عرض لهم شأن ما ولهم في ذلك قوانين وضعية شرعية وعرفية لا يتهاون بها إذ يلزم لذلك ما يلزم من الجزاء الوفاق. ومن محامدهم بل غرائزهم الروح العسكرية والخدمة الجندية وتاريخهم في ذلك لا يستوفي وبما تقدم من الإشارة كفاية وبقي ذلك فيهم إلى اليوم

стр. 108

مع ضعفهم إلى درجة الاضمحلال وقد اعترفت لهم فرنسا بذلك الفضل مثلما اعترفت لهم جميع الدول المتقدمة ومنذ التاريخ القديم العام وقد أسمت فرانسا فريقا من جندها الشهير بالبسالة والإقدام باسم الجند الزواوي "زواف" بتحريف قليل تخليدا لهذه المنقبة ولم تغمضها وقد اشتهروا في القرن (١١ و ١٢) هجري في تونس وكان ذلك أول إشهارهم مع وقائعهم في ثورتهم الأخيرة في سنة (١٨٧١ فتم عليهم الدست). ومن محامدهم كثرة التناسل وحب الولد والشغف بذلك والعناية به إلى درجة يقلدون المرأة التي أذكرت نوعا على الحلي خاصا بالجبهة وما هو إلا وساما قديما موروثا غير محدث ولما حدثت بهذا الأمر العلامة الشيخ طاهر الزواوي الدمشقي تعجب كثيرا وأعجب به فكان يعض الفضلاء المصريين وقد يتزوجون ويطلقون لمجرد الولد والعقب ويحزنون أشد الحزن للذي لا عقب له. ومن محامدهم العناية التامة بصلة الرحم والقرابة والنسب والصهر وذوي الأرحام ويعتبرون الملائق النسبة والصداقة بأقل مناسة ومشابهة ويراعون الوداد وقد كانوا لا يؤذون قط من ذاقوا طعامه. ويخشون العقاب الإلهي إن خان ذلك أو غدر والمعنى ينتظرون له ذلك وهي خصلة محمودة وأن أحدهم إذا كانت والدته من قوم يعدهم كلهم أخواله فتحترمهم ويكرمهم أيما إكرام ويدعوهم أخوالي. وبالجملة محامدهم هم لا تعد وتحصى في مختصر كهذا وإن ساعدنا الدهر ووجدنا المعين والناصر طولناه وأما خصائصهم فكثيرة أيضا فمنها عدم نجاح تكون جمع أو جنس أو مذهب ديني أو غير ديني مع جمعهم وجنسهم وليس ذلك لاضظهاد كما قد

стр. 109

يتبادر بل بطبيعة حالهم من كثرة جموعهم وغلبة محيطهم وقد خطر ببالي الآن أنهم إنما سموا الزواوة لكثرة جموعهم إذ معنى زوى الشيء جمعه فهو زاو وأزوى جاء ومعه غيره ومن أجل ذلك يندغم فيهم من يساكنهم أو يجاورهم والمحيط غلاب بطبيعته لا يظلمه ولا يتعديه المقصودة سر الله في الوجود، ولهذا لا تجد في الزواوة يهوديا ولا نصرانيا ولا مذهبا غير مذهب مالك ولا قراءة غير قراءة ورش وقد كانوا في العقيدة سلفيين ثم شيعيين ثم أشعريين ومنها عدم نجاح مدية عظيمة بقربهم وأخرى من بينهم بأن تكون تلك المدينة ذات قصور كبيرة وذلك لاستغنائهم عنها بدورهم وقراهم المتوسطة الكثيرة بلا تطاول في البنيان ومنها ظهورهم واشتهارهم في كل بلدة يحتلونها قديما وحديثا أما في القديم أعني منذ نزوحهم من اليمن كما تقدم فكانوا على جانب عظيم من القوة وكثرة الجموع ولكن الشهرة العظيمة حازوها في الإسلام وكان لهم الحظ الوافر في فتح الأندلس ووقائع ذلك الرجل العظيم يوسف بن تاشفين إذ عبر بهم مرارا إلى الأندلس وهم الذين نصروا إدريس الأكبر والأصغر وبهم قام أبو عبد الله الشيعي وبجموعهم احتل جوهر القائد الفاطمي مصر والإسكندرية وتأسست هنالك الفاطميين كما تقدم واشتهروا في العهد الأخير في تونس والشام واعتبروا في الشام بالمغاربة وأظن أن ذلك بدهاء المرحوم الأمير عبد القادر ذلك الرجل العظيم الذي يعرف كيف يؤكل الكل الكتف فجمعهم باسم المغاربة أشمل وأعم من اسم الزواوة ولو لم تكن نسبة غير الزواوة في الشام واحدا في المائة وقد اعتز بهم الأمير كما اعتز بهم قبله أبو عبد الله الشيعي والمعز لدين الله ومولاه القائد

стр. 110

جوهر فبهم دافع الأمير عيد القادر سنة ١٨٦٠ عن قناصل الدول ونصارى الشام حتى اغتر بعض الجهال والعوام من أهالي الشام وسلت لهم أنفسهم أن يقوموا بمذبحة لا محل لها ولا مسوغ سوى وساوس الشيطان فعارض في ذلك الأمير أن خشي هو نفسه على نفسه ولكن جموع الزواوة تجمهروا حوله فأطاعوه وتسلحوا إلى أن انجلت الواقعة فسلم الأمير ومن معه من قناصل الدول والمسيحيين ثم إن فرانسا التفتت إلى الأمير (١) أنظر (صحيفة ١٥٩). فجازته خير جزاء فتحسنت حالته ماديا وأدبيا وصار ذا مال وبين وملك قصورا وقرى وأنجاله من بعده كذلك لهم العناية والجاه إلى فرانسا وإلى تركية ولا ينكر ولا يماري إن أولاد الأمير إنما كان عزهم وجاههم وقهرهم لكثير من البيوت والعصبيات بالزواوة الذين بدمشق وما حوله لأنهم اشتهروا هنالك باسم المغاربة والشجاعة والغلبة فإذا ركبوا الملاقاة من يناوئهم لا يقف أمامهم ولا يثبت ثم إن الزواوة لجهلهم السياسة ومسالكها ولكونهم مثل العرب البدو قليلي التربية والتعليم في هذا العهد الأخير لم يحصلوا على شيء يذكر فيشكر بالرغم من وجود جملة من شرفائهم وأعيانهم. مثل (الشيخ المهدي وابن عمنا الشيخ المبارك والشيخ ابن أعراب) (١) الذين تقدمت لهم الشهرة في الزواوة وكذلك في الشام بصفة الصلاح والعلم

стр. 111

والطريقة. وقد نبغ في هذا العهد الأخير من رجال الزواوة بالشام وبغيرها من مدن سورية عدد غير قليل فمن أحفاد السادة المشايخ المشار إليهم أنفا يليق بنا أن نذكر: العالم الفاضل التقي السيد الشيخ صالح المبارك نجلي المرحوم الأستاذ الكبير العلامة الشيخ الطيب المبارك وابن عمنا المرحوم العالم العلامة والحبر الفهامة والسيد الشيخ محمد المبارك وابنه المحب السيد الشيخ عبد القادر الكاتب الأديب الشاعر من أحفاد سيدي الشيخ المبارك قدس سره والسيد الشيخ صالح بن أعراب وأنجاله النجباء خاصة منهم الأستاذ الفاضل الواقف على عدة لغات والمؤلف بها وبغيرها من العلوم العصرية السيد محمد سعيد الطيب بن أعراب من أحفاد سيدي الشيخ ابن أعراب قدس سره. والشيخ محمد مزيان من أحفاد سيدي الشيخ المهدي قدس سره. ومن سادة الزواوة وعلمائها بالشام المرحوم العالم العلامة الحكيم الأستاذ الكبير السيد الشيخ طاهر السمعوني الجزائري وسليم بك بن أخ الأستاذ المشار إليه العالم العصري الفاضل والذي كان بلغ رتبة قائم أركان حرب في الجندية التركية والمرحوم العلامة الفقيه الأستاذ الأوحد للناشئة الزواوة في دمشق سيدي الشيخ محمد سعيد شريف الينيوي وابن عمه العالم الرياضي الشهير السيد أحمد جودت الينيوي والعالم الفاضل الورع السيد الشيخ شريف العقوبي والعالم العلامة التقي الأستاذ السيد الحاج أحمد الشريف المقيم بقرية الرملة وابن أخيه العالم الفاضل الطيب السيد صالح الشريف القاطن بمدينة يافا والدراكة الكاتب علي بك ابن الحافظ التقي السيد الحاج شريف وخيري بك ابن السيد علي أبي حسين من شرفاء بهلول وهو رتبة المدعي

стр. 112

العمومي والسيد إبراهيم خالد المستنطق وعمر بك فرحات وأخوه الدكتور حسن بك فرحات، والدكتور طاهر بك قاسم ومتعهد الإنشاءات الأميرية الشهير الحاج مزيان أيراثني وغيرهم من يطول ذكرهم ممن نبغوا في الصنائع والتجارة الخ. ومنها عدم تزوج الزواوة بالأجنبيات إلا نادرا إذ أن عنايتهم الشديدة في الزواج بالأصل والجاه العظيمين مع عادات لهم فصار ذلك غير ممكن لهم من الأجنبي ومنها عدم تزوجهم بالإماء السود تحشيا من تسويد نسلهم وتغييره وهذه خاصة عظيمة تذكر لهم فتشكر وقد خالفوا إخوانهم العرب فيها. نعم قد يوجد العبيد في بعض قرى الزواوة إلا أنهم لا يناكحون. ومنها الحياء الشديد وله قواعد عندهم محمودة تنطبق على المروءة والإنسانية الكاملة وبالأخص فيما بين أعضاء الأسرة والأقارب ذوي الأرحام فلا تسمع لهم كلمة فحش أو بذاءة ترى عورة من عوراتهم وذلك محظور عندهم بشدة وعناية تأمين وبالأخص في محضر النساء حتى أنه قد يكون دم المتفحش هدرا فإنهم يقتلون من ذلك وهو من القواعد المتعارفة عندهم وإن أحدهم إذا كانت معه امرأة يكون محترما هو والمرأة ولا يؤذى ولا يسمع ما يكره و (... كلمة غير واضحة في النسخة) الغناء، فالذي تعدى وفعل ذلك المحظور في عرفهم فدمه هدر وهذا من المدنية الراقية بمكان والسبب أن الغناء عندهم مستقبح لما فيه من أقوال الغزل والتشبيب وذكر النساء والعشق والوصال إلى غير ذلك مما يحرك النفوس إلى الشهوات ويسوقها إلى أسواق الشبهات وهم في مثل هذا مخالفون للعرب على خط مستقيم وقد ذم أبو حامد الغزالي الأدب العربي في هذا المقصد لما فيه من بواعث الفسق للشبان

стр. 113

وفساد أدب النفس بأدب الدرس المختلط بما يذكرنا من الفحش والتفاحش. ومن القرى في الزواوة من يمنعون المغنيين من الغناء ولو في الوليمة بسبب ما ذكر. لم أدر أن والدي ﵀ ضربني غير مرة واحدة وأنا يافع لأنه سمعني أغني مع الولدان، وأن الصبي إذا تلفظ بكلمة فحش يضرب عنها وكذلك الخدم وجميع الصغار، ويستحيون من كثرة الأكل ولهم في ذلك آداب وقواعد في مواضع فإنهم إذا رأوا أن الطعام قليل فلا يأكلون إلا قليلا. وإن كبرائهم وشرفائهم وأهل العلم منهم لا يأكلون في الأسواق ولا في الشوارع طبق القاعدة الإسلامية وأنها من لوازم العدالة والمروءة ومنها شدة التحفظ من العار أن يصاب به الرجل أو امرأة والتشديد الزائد فوق التصور في أمر العهر فإن الزناة عندهم يقتلون ولا يحاكمون ولا يشهد أنس ولا جان أنه يوجد في أرض الزواوة قديما أو حديثا ابن مجهول الأب وذلك أن المرأة إذا وقع ونزل حملت من زنى فإنها لا تبقي بقيد الحياة إلى الوضع بل تقتل من أهلها وذريتها لأنها حملت لهم العار أو تنتحر هي بالتسمم فهي كما في المثل بيدها لا بيد عمرو وفي المعنى شدة الحياء والحياء من الإيمان قال فيهم الشاعر: قوم لهم شرف العلى س حمير ... وإذا انتهوا صنهاجة فهم هموا لما حووا إحراز كل فضيلة ... غلب الحياء عليهم فتلثموا وعن ذكر الملثمين نقول: أنهم صنهاجيون وأنهم كانوا مضرب الأمثال في الشجاعة والإقدام وأنجبوا رجالا عظماء مثل يوسف بن تاشفين ﵀ فإند ملأ ذكره الأسماع، وصار تعظيمه والإعجاب به كلمة إجماع، بين المؤرخين المشارقة والمغاربة وكتبوا تاريخه بحبر الحبور، والأجدر أن يكتب

стр. 114

بسطور النور على نحور الحور وقد كان سلطان العدوتين في المغربين وتلقب بأمر المسلمين، وكفى أن حجة الإسلام أبا حامد الغزالي تمنى الاجتماع به كما تقدم. ومنها الفوز في الوقائع فهم في ذلك إما الأمنية أو المنية دون القضية التي يطلبونها ولا يفرون من الزحف وأن الفرار عندهم عار (العار أكبر من النار). ومنها أنهم لم تستول عليهم دولة من الدول قبل فرانسا فهذا فخر عظيم لهم كما قال الموسيو جول كامبون الوالي العام كان بالجرائر في خطبة له ألقاها على الزواوة في بلدة الأربعا بني يراثن في منة ١٨٩١ بأن لم تضع دولة قدمها على تلك الجبال الشم آخر ما قال، قلت لا بد من غالب ومغلوب وأن لكل شيء حدا ونهاية ثم أن الدولة الحالية التي استولت عليهم تحبهم وتميل بالعطف عليهم وتود أن يتمدنوا تمدنا عصريا وكثرت لهم من المدارس الابتدائية في غالب القرى وصار النشء الجديد يحسن التكلم باللسان الفرنساوي ويقرؤون ويكتبون ويزاولون كثيرا من الأفعال في المكاتب وسائر الأعمال ولكن ضعفهم المادي وشدة تمسكهم بعاداتهم وعرفهم القديم وما توارثوه من ذلكم ومن الديانة ومن الخلاف في الدين والأخلاق والمتقدمة ويزاد على ذلك سوء الظن المتحكم بينهم وبين المستعمرين والمتصرفين وبعض الأحكام في ذلك مثل الأحكام الأهلية التي اضطرت إليها الهيئة الحاكمة - كل ذلك يوسع خرق الراقع بالرغم من أن الحرب العمومية الأخيرة أثبتت لهم الإخلاص والوفاء وكلا الفريقين معذور ونرجو دائما التوفيق وحسن التفاهم، وعندي أنه لا يكون ذلك إلا بكثرة المدارس العربية الصالحة للتفاهم فإن

стр. 115

العربي المسلم لا يصلحه إلا العربية الصحيحة ومكارم أخلاقها المرضية وآدابها الجمة ودليلي على هذا اسقرائي ما تيسر من المتعلمين تعلما فرنسويا بدون عربية فإنهم فريقان ففريق عدو ولدود لأهله وللحكومة والأمة المستعمرة ذلك بأنه لم يبق في حالة أهله ولم يبلغ إلى حالة معلميه وأسخطه الجميع وأسخطهم بسبب معاملات لا تخفى على المتأمل ومما يسخطه بكثير أنه متحير في جميع أقواله وأفعاله التي يتعذر عليه سلوك مسالكها أفيبقى مهانا ومعتزلا طول عمره الهيئتين الاجتماعيتين؟ وقد جربتهم أنهم إذا تلي عليهم كتاب عربي فصيح بليغ رشيق العبارة جيد المعنى يأسف أشد الأسف على ما فاته، وفريق راض ظاهرا ساخط باطنا لأنه لا يرضى بالإمتيازات والتصرفات لا (......) * ويراه غبنا وخلاف الإنصاف ولا يكاد يدرك أن توزيع الأعمال في المجتمع الدولي لا بد له من التفاوت على حسب الأهلية وصلاحية مع شرطية التجنس المعروف قديما وحديثا ليس عند فرانسا فقط بل في الإسلام كان ذلك عندهم كذلك. وخير من هذين الفريقين عندي فريق ثالث وهو وسط وخير الأمور أوسطها كذا في الحديث وهذا الفريق هم المتعلمون التعلم العربي الواسع الصحيح وآدابه الكاملة كما تقدم فإن أدب هؤلاء إذا تنوروا كما ينبغي يرضى المجتمع الأمة الحاكمة وحكومتها والأمة المحكومة وذلك أن الأهالي يتنورون بالعلوم العقلية والشرعية الصحيحة السليمة المنقاة من التعصبات القديمة المدسوسة والخرافات المحشوة مثل إبادة المختلف في الدين واعتباره عدوا كما يزعم الأوروبيون أن ذلك من الدين كلا بل هو

стр. 116

من التعليم الفاسد المستحكم في الفريقين المسلمين والمسيحيين في الحروب الصليبية وتلاشت الآن وبقي الخلاف محصورا في دائرة أخرى اقتصادية - تنازع البقاء - وقد أدرك الناس شرقا وغربا أن أمور الدين محترمة بفضل عقلاء من أوروبا وأمريكا وإنما بقي أمر الاستخفاف بالعربي المسلم لمرضه الاجتماعي وسوء إدارته وتربيته وأنا ذلك العربي المسلم إلا أني قلت وما زلت ولن أزال أقول لا يبرئنا من هذا المرض غير التعليم الصحيح العربي الإسلامي وإلا فنبقى كلا على أوروبا فلا هي ترتاح ولا نحن نشقى والله ولي التوفيق. ومن الشواهد على تفوق الزواوي في أشغاله وأعماله قديما وحديثا ما وقفت عليه في جريدة (السعادة) التي تطبع في الغرب الأقصى ترجم فيها فصل عن بعض كتاب فرانسا في هذه الحرب التي جعلت فرانسا بابل الألسن والأمم فقالت تلك الجريدة في عددها الصادر ١٦ فبراير سنة ١٩١٨: ويروى عن أحد كتاب فرانسا المشهورين في الكتابة وهو الموسيو جيثو أنه قال بأن صرف الرماة المغاربة والجزائريين والتونسيين الأشهر الطويلة بين الجنود الفرنساوية في ميدان القتال سوف يبدل أخلاق أولئك الرجال ويولد فيهم روح الهمة والنشاط فإذا ما رجعوا إلى بلادهم كانوا كمن حنكتهم التجارب وألفوا المتاعب وتذليل الصعاب كذلك العامل الذي صرف في مزاولة الأعمال بفرانسا مدة ستة أشهر على الأقل وذاق لذة الربح وتعود العمل لا يرجع إلى حياة الكسل التي كان ألفها بين الدواوير حيث كان يلتف بأطمار الحائك البالية مدخنا الكيف - الحشيش - متوكلا والقمل يرعى تحت إبطه وقد خمل وبهل وكاد أن يكون قعيدة رحل وقد تعود العامل

стр. 117

في فرانسا الحياة المنتظمة أي الأشغال مدة معلومة من الساعات والراحة كذلك مدة معلومة وإيلاف النظام يهذب الخلق ويقوم اعوجاجه، وقد ولد العمل في نفس العامل الإفريقي حب الربح فتراه حين يقبض أجرته منبسطا منشرحا يمتاز الزواوة - تأمل - والمغربي عن غيره اهـ بالحرف. زوايا الزواوة وعلماؤهم زوايا الزواوة كثيرة مشهورة ومعناها قديما وحديثا المدارس والمساجد وبعبارة أهل العصر الجامعات والكليات ومعنى الزاوية لغة هو جامعة جهة من جهات الدار فالمفهوم إذن من الزاوية موافق للفظ ثم مما يذكر بكل فخر أن تأسيس هذه الزوايا مع قدمها الذي يرجع إلى عصر لا مدنية فيه كما يقولون كان من الخواص والشرفاء والمرابطين الصلحاء اختيارا لا دخل للحكومات المتعاقبات عليها إلى اليوم ويا حبذا الأمر لو عزز بحسن الإدارة والحال أن نظم تأسيسها حسن جدا وإنما قصر النظر والتدبير أضاعا النتائج المرجوة وذلك أن الزاوية تعتبر مسجدا ومدرسة لله مجانا من حيث هي مسجد وأن المساجد لله باجرة طفيفة من حيث هي مدرسة للقرآن وطلبة العلم ولها دخل وخرج للنفقة والقيام بشؤون الطلبة والشيوخ والمدرسين ومن قواعد الانتساب إليها والسكنى بها أن يدفع الطالب قدرا صغيرا من الدراهم ثم هو لا يدفع شيئا بعد ذلك إلا تطوعا ولو مكث فيها مدة عمره كله وأما غير طلبة العلم من المسافرين والزائرين والمصلين فلا يدفعون شيئا (......) * وإن

стр. 118

الزائرين والمسافرين يأكلون ويشربون مجانا وليس ذلك للمصلين من الأهالي المقيمين إلا الفقراء منهم وبعض السخفاء الطفيليين ولكل زاوية أهلها يتصرفون فيها حسب أصول تأسيسها خلفا عن خلف فالزوايا على هذا المعنى نظمية اجتماعية مدنية لو لم يعوزها حسن الإدارة والإصلاح الذي يقتضيه الحال والطبع إذ لا فرق بين هذه الزوايا ومؤسسات الجمعيات والشركات العلمية الخيرية المقامة بأوربا وأمريكا بأموال أولي البر من الوصايا والأوقاف ونحو ذلك فزوايا الزواوة كذلك دخلها من أولي البر والصلاح الملتزمين بعطايا من أرزاقهم وكسبهم للمؤسس الصالح المرجوة بركته ومن هذه الحيثية تعذر على الحكومات التداخل في شأنها والحق كذلك لأن الأعمال الخيرية كهذه لا ينبغي بل لا يمكن التداخل فيها (....) لكيلا يسخط الرأي العام في أمر معتقد صلاحا دينيا فإن المتبرعين إنما تبرعوا خدمة للعلم والصلاح الموصلين إلى رضاء الله وإن لم يفعلوا يخشوا سخط الله وبهذا المعنى يوجد الفرق بينهم وبين أولي البر من أوروبا وأمريكا فيقال مع الفارق بينهما عموم وخصوص منهجي فتنفرد جمعيات أوروبا وأمريكا بقصد التعليم على وجه خاص وتنفرد زوايا الزواوة بقصد خدمة العلم وإرضاءا لله فهذه القاعدة المتضمنة للعقيدة أمتن وقد يقال أن بينهما عموما وخصوصا بإطلاق وإنما امتازت مدارس أوروبا وأمريكا بحسن الإدارة وسداد الرأي والنظر وعدم الجمود وبالجملة إن للزواوة والبربر في هذا الشأن فضل السبق يذكر فيشكر ولمثل هذا أسهب العلامة ابن خلدون ﵀ واسترسل في الثناء على البربر كما تقدم وهو ممن ضربوا في أرضهم ومواطنهم وأحق بالشهادة عليهم كما قدمنا وليس ابن

стр. 119

خلدون بالمؤرخ الذي يجازف بالقول كيف وقد سبق له أنه انتقد المؤرخين في المعنى. ثم أن خدمة الزواوة للعربية بناءا على أنهم عجم بسبب الوطن واللسان البربرين فإنهم إذا قرنوا بغيرهم من الأمم الإسلامية يعادلهم (......) * كما ذكرت في رسالتي الفرق بين المشارقة والمغاربة (١) (...) وبهذه الزوايا كثر علماء الزواوة قديما وتخرج منها فطاحل إذ ذكروا يفخر ويرفع رأسه شرفا وتيها وكذلك بطبيعة الخال يقتضي أن يكثئر علماء الزواوة لموقعهم الجغرافي فإن إحدى عواصمهم "بجاية" وكانت حاضرة وميناء من موانئ الحرب للأساطيل الأندلسية وكانت قرى الزواوة إذ ذاك لا تعد ولا تحصى ويبلغ عدد جموعهم الملايين. هذا وكان من المناسب رسم خريطة بلاد الزواوة الجغرافية هنا وذكر القرى والقبائل بأسمائها وترجمة جمهور من علمائهم وأسماء الزوايا التي ينتسبون إليها من أين مهب صباهم ومدب صباهم ولم يخف ذلك كله علي وإنما تعذر. وكذلك ذكر أيامهم ووقائعهم وذكر ذوي البيوتات العظام، والأعيان الكرم، وما قيل في ذلك كله الإلمام بلسانهم الذي قد كلفني الأستاذ المرحوم الشيخ طاهر السمعوني أبو عيسى ثم الدمشقي الشامي الشهير أن أجمل له بعض القواعد للخطاب وبعض الأصول، كان هو وابن عمنا المرحوم الشيخ محمد المبارك الزواوي الدمشقي قد عزما على ذلك فتوقفا ولما لم تسعن

стр. 120

مخالفته كتبت عدة مقالات في الموضوع في المجلة السلفية بمصر ولكني رأيت أن ذلك كله أمر ثنوي مهم لا محالة إلا أن ما أنا بصدده من العناية بالنسب والتاريخ والإصلاح أهم وأكد خصوصا أنه من أغرب الغرائب لم يتقدم شيء من ذلك سوى تراجم علمائنا المتفرقة في الكتب وفي كتاب عنوان الدراية للغبريني في علماء بحاية والمراد بهم علماء الزواوة جملة وافرة وساعد ذلك أي تراجم العلماء فهو مطوي وليس بصواب وتقدم ذكر أسفنا على إهمال المتأخرين أمر التاريخ ولكن الزواوة لم يكتب شيء عن تاريخهم بالخصوص أظن أنه باعتبارهم من العرب فتابع لتاريخ العرب وباعتبارهم من البربر كذلك وكيفما كان الحال فلابد من تخصيصهم بتاريخ لشهرتهم ومقتضى الحال لذلك لما هنالك من المصالح وعلى الأخص بإن نسبهم الواجب لمطاعن وجهت من الجهال إليهم وقذف في حسبهم والغض من كرامتهم في عصرنا هذا. هذا وإن استخف بذلك أعني التاريخ والمتفدمين فنحن أكبرناه وإن الأزمان مختلفة والأحوال متباينة، وأن الشاهد يرى ما لا يرى الغائب، والناقد بصير، وعلى هذا فلا يورد علي أن هذه الصحف القليلة وإن هي محكرمة فلا تعد تاريخا فإن قبل بذلك قلت إن العبرة في المعنى والإفادة والخدمة الجليلة فإن مصنف الأجرومية لمحمد بن داود الصنهاجي أخ الزواوة وصغير الحجم، لكن لم يؤلف مثله في النحو كذلك مقدمة السنوسي في التوحيد، وبالخصوص أن كتابي هذا أول كتاب في الموضوع على ما أظن وأما الجمع واللم والحشو فغير خاف عني ولا حاجة لي به، ولا للناس فيه فائدة، كيف وقد سبرت غور الأمس واليوم، وعلمت من ذلك ما يستحق السوم، وكذلك الزواوة

стр. 121

المخاطبين بهذا يعلمون المطلوب والمرغوب من هذا التاريخ أن النسب والفضائل والخصائل والمحامد وغير ذلك مما يقتدى به، وينشط ذوي الهمم إلى الإتيان بمثله، ويبعث ذا العزائم على التحلي بجليه، ويرشد أولي الأمر إلى التنافس في خلاله، وبالتالي هدم الاستسلام لبعض الخرافات والأوهام، ونحو ذلك مما يحاجون به من الجهال والحساد والطعن في النسب وفي الدين وفي المروءة وسائر الأعمال التي يغضون بها كرامتهم وقد سمعنا بأذننا هذه أن الزواوة رومان وأبناء طالوت وجالوت إلى غير ذلك من القذائف السامة، والغارات الخانقة، والنيران السائلة، التي يرميها إليهم أجلاف من أعراب الوطن، وسخفاء العقول من حضر المدن، الذين لم يعمل فيهم القرآن ولا السلطان، وقال تعالى: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ وأن عقولهم محجورة ومحجوبة عن فهم سورة الحجرات وفي قلوبهم أكنة وفي آذانهم وقر، فأبوا إلا أن دعوة الجاهلية الخبيثة كما في صحيح البخاري «دعوها فإنها خبيثة» ورأينا بأعيننا هذه أعينا تزدري الزواوة ولا تبالى ولو تلونا عليهم ﴿ولا أقول للذين تزدري أعينهم لن يؤتيهم الله خيرا وإذا مروا بمم يتغامزون﴾، ونحو ذلك من التصريح والتلويح والتعريض كقول العامة في القطر النبي عربي ولم يدر الجهول أنه آذى النبي والإسلام بقوله ذلك تعريضا وتعنيفا فإن السامع الجاهل مثله يقول له إذا كان النبي للعرب فقط وإليهم بعث بالخصوص فلا يلزمنا الإيمان به ولا العمل بشريعته وأهل العلم منا يقولون لهؤلاء الأرذال المجادلين بالباطل إن هذه الدعوى التي تدعونها من الخصوصية والأفضلية

стр. 122

ليست من الإسلام في شيء إنما هو من دعوى اليهود في اليهودية وذلك أن غير اليهودي إذا تهود لا تكون له درجة اليهودي في الأفضلية بلغ ما بلغ والإسلام نادى بالمساواة والإخاء والحرية التامات وأن درجة بلال الحبشي البربري وسلمان الفارسي وصهيب قد لا يبلغها كثير من قريش وقال ﷺ «سلمان منا» وقال: «نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه» (١) وتقدم قوله ﷺ في العجم وقال في الروم: «والروم ذات قرون كلما هلك قرن خلفه قرن، وهم أهل صخر وبحر هيهات آخر الدهر» من حديث طويل والمعنى أن الروم رجال عظام ولكن العرب العوام بل وغير العوام مغرورون ومخدوعون كما قدمنا هذا الكلام حين ذكرنا العجم وحقه أن يراجع ويحرر بماء العسجد وإني أقول ما قال ابن عباس ﵁ لرجل شتمه: أتشتمني وفي ثلاث خصال أني لأسمع بالحاكم من حكام المسلمين يعدل في حكمه فأحبه ولعلي لا أقاضي إليه أبدا وإني لأسمع بالغيث يصيب البلاد من بلاد المسلمين فأفرح به وما لي بها من سائمة ولا راعية وإني لآتي على آية من كتاب الله تعالى فوددت أن المسلمين كلهم يعلمون منها مثل ما أعلم اهـ هذا ما نقول للذين يقولون أقوالا ولا يعرفوها وإن قيل هاتوا حققوا لم يحققوا.

стр. 123

وفي كتب التاريخ والرحلات والتراجم ألوف من علماء الزواوة أرى جمعهم على حدة وفي الديباج لإبن فرحون ونيل الابتهاج وعنوان الدراية وابن خلكان والسخاوي عدد معتبر ومنهم من تولى القضاء والتدريس في مصر والشام مثل عيسى أبي الروح الزواوي الحميري المنكلاتي وقد أشار هو ﵀ إلى أن الزواوة من حمير لأنه الب كذلك كما في الديحاج ونص ذلك: عيسى أبو الروح ابن مسعود بن المنصور بن يحي بن يونس بن يانيو (١) بن عبد الله بن أبي حاج المنكلاتي الحميري الزواوي وقدم الإسكندرية وتفقه بها ثم رحل إلى قابس فأقام بها مدة يسيرة ثم رحل إلى القاهرة فأقام بما يشغل الناس بالعلوم بالجامع الأزهر وسمع كتب الحديث الستة وحدث عن شرف الدين الدمياطي وولي نيابة القضاء بدمشق نحو سنتين ثم رجع إلى الديار المصرية فولي نيابة القضاء بما عن قاضي القضاة زين الدين مخلوف المالكي ثم من بعده عن قاضي القضاة زين الدين المخوفي المالكي، ولي تدريس المالكية بمصر بزاوية المالكية وترك ولاية الحكم أقبل على الاشتغال والتصنيف فشرح صحيح مسلم في إثني عشر مجلدا وسماه - إكمال الأعمال - ثم إن صاحب الديباج قال إن قبيلة آيت منكلات قبيلة من العرب قلت إن آيت مكلات في وسط القبائل التي تقدم ذكرها وقلنا أنها من الأذواء الحميرية ثم إن الزواوة علماءهم وعاميتهم لا يعلمون الفرق بين آيت منكلات وغيرهم من القبائل، كلها متجاورات وحالها واحد وما ذكره ابن فرحون هو من قبيل ما حررنا في نسب الزواوة وكذلك عيسى أبو الروح في انتسابه إلى حمير بقوله الحميري. وممن

стр. 124

تولوا القضاء والتدريس بالشام ومصر العلامة ابن معطي الزواوي صاحب الألفية ومن النوابغ العظام جماعة من قبيلة (إمشدالن) مثل عمران وناصر الدين وأما محمد بن محمد بن قاسم فقد أعجب به جلال الدين السيوطي فقال فيه ما لفظه: هو محمد بن محمد بن محمد بن أبي القاسم ولد بعد عشرين وثمانمائة واشتعل في الفنون على والده ومشايخ بلده في أنواع العلوم العقلية والنقلية واتسعت مداركه وبرز على أقرانه بل وعلى مشائخه وشاع ذكره وملأ الأسماع، وصار كلمة إجماع، وكان أعجوبة الزمان في الحفظ والذكاء والفهم ولوقد الذهن ... إلخ، قلت إذا كان جلال الدين السيوطي الذي قال عن نفسه: لا أعلم أحدا على وجه الأرض أعلم مني في العربية والحديث إلا أن يكون قطبا أو غوثا والخضر. يقول بهذا الإعجاب في شاب من شبان الزواوة فما ظننا بغيره ولهذا اقتصرنا على هذا في هذا الباب وبه كفاية لذوي الألباب. بعض عادات الزواوة يحار العاقل في أمر العادات عند الأمم عموما وعند المسلمين خصوصا واشتكى من ذلك أولو العلم من جميع الأمم والنحل: ذلك بأن من العادات ما لا يوافق الشرائع السماوية ومنها ما لا يوافق الذوق السليم كثقب الأنف وجعل الخرص فيه وتسويد الأسان والشفتين بالوسام وجعل الرجلين في قالب خاص لتبقيا صغيرتين وهلم جرا مما لا يستقصى (١) ومنها ما ليس بلازم، ومنها

стр. 125

ما هو مستحسن غير لازم، ومنها ما هو مستحسن ولازم، والناس أعلق من العلق بالعادات وقد جاء الإسلام العزيز بالضرب عن المخالف من العادات وإقرار الموافق فترك الناس بعض ذلك حينا من الدهر فرجعوا إليها بل أحدثوا زيادة بزيادة الأيام بالرغم من مناداة الفحول من العلماء والمصلحين بإنكار ذلك. هذا ولابد من ذكره ما يتيسر من العادات المستحسنة والمستهجنة في الزواوة فقول: من العادات المستحسنة في الزواوة إنقياد الخصم والرضا بالتحكيم إلى أي حكم تم الرضا بما حكم به له أو عليه ثم لا يجد في نفسه حرجا مما قضى به الحكم ويسلمه تسليما. ومنها عدم التحكيم فيما تعلق بالعرض والشرف وليس في ذلك عندهم سوى القتل والانتقام لشرفه كلفه ذلك ما كلفه وإنه العار عندهم أن يقع التحكيم في ذلك وهو خلاف الشرع أحسنوا في الأولى وأساءوا في الثانية. ومنها اتخاذ كل قرية ذات جماعة صغيرة أو كبيرة إماما ومعلما ولكن لا يتمعلم سوى أبناء الشرفاء والمرابطين وكذلك في زواياهم المتقدم ذكرها إلى هذا العهد وهي عادة فاسدة مضرة في الهيئة الاجتماعية لو انتبهوا، ذلك بأن جهل الجهلاء مثل مرض المعدي خصوصا أن الأكثرية لغير المتعلمين ومنهم يتألف المحيط وبالطبع إن التأثير للمحيط والأغلبية وكأنهم أخذوها عن أوروبا القديمة فإن العلم محتكر عندهم للرهبان والملوك وأبناء الملوك ولكن أوروبا قد انتبهوا فضربوا عنها وهذا هو الفرق بيننا وبين أوروبا فإنهم ينتبهون ويرجعون أما نحن فمتمادون في سبات عميق فلا انتباه ولا رجوع ﴿بل

стр. 126

قالوا إنا وجدنا ....﴾ الآية. ولكن لم يبلغنا أنها احتكارية أوهناك أدنى مانع غير العادة وكيفما كان الحال فهي ذميمة يجب الإقلاع عنها شرعا وطبعا إذ طلب العلم فريضة على كل مسلم كما في الحديث الشريف وكما قالوا أن الإنفاق في كل شيء يستلزم النقصان إلا في العلم فإنه يستلزم الزيادة. ومنها عدم حجاب من غير نساء المرابطين والشرفاء وأخيرا نساء العلماء فقط ولكن مسألة الحجاب عندنا معشر المسلمين قد لا يفصل فيها غير عمر بن الخطاب ﵁ والقرآن ينزل فيقول عمر ما قال في الخمر اللهم زدتا بيانا وافيا ذلك بأنا لم نفهم الحجاب المذكور في القرآن إلى الآن ففريق يقول بحبس المرأة في بيت مظلم وغلق الباب عليها وأخذ المفتاح في جيبه وأن لا ترى ولا ترى ولا تخاطب ولا تخاطب وأنها وصوتها ولباسها وعجرها وبجرها عورة وهذا حكم الغيرة لا الشريعة ولا الطبيعة لأنه مناف للصحة والمصلحة الحيوية والطبيعة العمرانية فالحجاب مثل هذا إيذان بالجمود والفناء والتعطيل وقد كان من نيتي وطبيعتي قبل أن أعرف الفرق بين الأمس واليوم، وقبل أن أرشد وأحسن العوم، وقبل أن تضطرني طبيعة الحياة بل القضاء والقدر، إلى الضرب في الأرض وأنا تارة مخير وتارة مسير، وقلت لبعض العارفين في الموضوع ذات يوم أي ابن العم والله إني لأود أن تكون والدتي العزيزة الشريفة المسلمة وأختي الشقيقة المسلمة وامرأتي وابنتي إما فوق هذا السماء أو تحت هذه الأرض وأن لا تذكر قط، فضلا عن أن تنظر، ولكني عبثا حاولت، وطبيعة حارت، وسنة كونية خالفت، أقرأت القرآن ووجدت فيه أن ابنتي شعيب ذهبتا في رعي الغنم وفي الماء واجتمع موسى بهما وتزوج

стр. 127

إحداهما وأنه لما جاء بزوجته قاصدا مصر طلب نارا ليوقدها لها لعلها تصطلي فذهل عنها بما لقي من الأقدار الإلهية ورجعت زوجته مع الرعاة من أهل مدين فاتل الآية ﴿فلما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير ...﴾ إلخ الآيات. وتذكر أن محمد ﷺ لما عزم على المهر صحبة أزواجه كلهن أو بعضهن حسب مقتضيات الأحوال وقد آذوه في سيدة نسائه عائشة ﵂ بالكذب والبهتان إلى أن أنزل الله في القضية القرآن بالبراءة فاتل ﴿إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسوه شرا لكم بل م خير لكم ...﴾ إلخ الآية وضربت في الأرض بناته فزيب خرجت من مكة في طلب أبيها بالمدينة وتناولها زوجها وذوو زوجها بالخصام والشجار فأسقطوها من على الجمل فأجهضت حتى كان لها ذلك سبب الهلاك بعد أعوام قليلة وهاجرت ابنته رقية مع زوجها عثمان إلى الحبش وكان العامة من الحبش يتعرضون لها ويقولون بعضهم لبعض تعالوا تروا ابنة النبي العربي ما أجملها إلى أن اشتكت إلى الحكومة الحبشية النصرانية وتذكر قضية أبينا إبراهيم ﵇ مع فرعونه الذي عزم على أن يجبره ليعطي له زوجته سارة لأنه ذكرها له أنها أخته والقضية مشهورة في كتب السير والتاريخ ولكن إخواننا المسلمون أبووا الإخاء ذكرت أولا وتمنيت ثانيا وهو محال عند العارفين فإن الله تعالى لم يرد أن يجري ذلك بل أراد أن يجري الحق والدفاع عنه ونتبع نحن ذلك ولا يتبع هو جل شأنه ما نريد من الأهواء اقرأ

стр. 128

﴿ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض﴾ وبالجملة فقد حررت ما تيسر في الموضوع في كتابي "مرآة المرأة المسلمة" وأزيد هنا أني لم أنكر الحجاب وإنما أردت الحجاب الشرعي بأن تختلط ولا تختلي امرأة أجنبية بأجنبي وأن يغلب الحجاب المعنوي على المادي أولى وأصوب وأسهل وأفيد وأن تحسن التربية والتعليم ببيان الفضيلة والرذيلة ونحو ذلك من الأخلاق الحسنة والعقائد الصحيحة. ومنها احترام المرأة والعناية الشديدة عندهم بعدم مخاطبتها أو أحرى إذايتها وعدم ذكرها باسمها لأهلها أو زوجها. ومنها تخلف المرأة في المشي إذا كانت مع الرجال وكذلك في الركوب وفي الصلاة وهذا موافق للشرع وللذوق ولكن تخلفها في الأكل والشرب طبيعة خلاف الشرع وخلاف المدنية. ومنها تشغيل النساء في أعمال خارج البيت عدى الشرفاء والعلماء وقضية تشغيل النساء في الأمم وعند العرب بالخصوص فيها تفصيل أظن أنه يوافق الشرع العزيز على العادات التي لا حرمة فيها ويباح ما تضطر إليه الحياة كسقي الماء والاحتطاب والبيع والشراء وغير ذلك. ومنها صعوبة الطلاق بما يشبه امتلاك المرأة وقد لا يفيد الخلع ولا الجبر ولا التحكيم وقد قدمنا أن التحكيم الذي هو عندهم مقبول لآدنى شيء إلا فيما يخص بالعرض وفي هذه من المنكر والقسوة ما يسخط الله ورسوله فلله در القائل: والظلم من شيم النفوس فإن تجد ... ذا عفة فلعلة لا يظلم

стр. 129

بل وصف الله تعالى قلوب صنف من عباده بقوله وهو أصدق القائلين: ﴿ثم قست قلوبهم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منها الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله﴾. والحال أنه ليس من الشهامة إمساك المرأة جبرا يحبها وهي تبغضه ولا من الكرامة إذايتها، فسحقا وتعسا لرجل لا تحبه امرأته وهو ممسك لها، لبئس الحياة حياته. ومنها عدم توريث قبائل تيزي وزو النساء بخلاف قسم بجاية وسبب عدم توريث في القسم الأول أنه على ما حدثني والدي ﵀ طارئ بعد وباء أوائل القرن السابع هلك فيه الكثير من العلماء فاتفقوا على أن يتولى العاصب إرث المخلف ويلتزم بالقيام بحقوق النساء وحمايتهن والنفقة عليهن ولو لم يترك لهن وليهن شيئا بدعوى أنه له الحق التداخل لما عسى أن يصيبه من المعسرة إلى غير ذلك من الأسباب ووجده مكتوبا أي هذا الاتفاق في دفتر لما كان شيخا في قرية - تافة نيث يحي - وذكر هذا الأمر الشيخ الحسين الورتلاني الشهير بالصلاح أنه حدث في القرن الثامن فقط وهذا يؤيد ما رويته عن الوالد قلت وكيفما كان لا يجوز مخالفة ركن عظيم في الشريعة كهذا لأنه بمقتضى الآية ويظهر لي أخيرا أنهم يعملون ذلك محافظة على تقسيم التركة وتبديد الثروة وكذلك يحكى عن الإنجليز ونقول لهم: (أنتم أعلم أم الله). ومنها عدم تحاكم الزوجين إلى القاضي ولا إلى العالم يحكمون العرف في شأن الزوجية والعرف عندهم غير محدود وأكثر القبائل كما قدمنا قلما أن يتساهل في أخذ الخلع ولو بأضعاف ما بذل من الصداق ويعطلها مدة الحياة ولا يجبر

стр. 130

في أمثال هذه فإذا أجرم قتله لأنه يرى ذلك اعتداءا على حقه وعرضه ولا يقبل عقله أن الشريعة هي التي أجبرته لما رسخ في ذهنه أن امرأته خلص ملكه لا يشاركه فيها أحد من العالمين فالذي يطلقها عليه شاركه فيها وهذا من التعاليم الموارثة ونشأ عن قلة الإرشاد والوعظ ولم نجد من المتأخرين من يقوم بتدريس علم الأخلاق ويحسن تقويم المعوج منها فإن سادتنا المتصوفة مكتفون بأن من أخذ طريقتهم لا تتعدى عليه النار ويكتفون عن جبال كهذه وكذلك يفدوهم بذكر لا إله إلا الله سبعين ألف مرة وبصلاة آخر الجمعة من رمضان وجهلوا أن القيم على الكبيرة لا يفيده ما ذكر إن لم يتب ويقلع على أن لا يعود وأن الإيمان والإسلام أقوال وأعمال. وفسر الإيمان بالتصديق ... والنطق فيه الخلف بالتحقيق وقيل شرط كالعمل وقيل بل ... شطر والإسلام الشرعي بالعمل وقولنا القاضي نيابة عن الشريعة إلخ ما تقدم ذكرنا أن نقول أن القضاء ركن عظيم في الشريعة الإسلامية ولكنه مصاب برجال حولوه لا يستحقون ولاية الكنس والرش للشوارع ولا وقادين في الحمامات ولا بوابين للحانات كما يعلم هذا الخاص والعام والمصاب العظيم في الأمر العظيم لذا القضاء خطة عظيمة تستلزم التبحر في العلوم الشرعية والعدالة التامة بلا أدنى فسق ليكون نقيا وزاهدا فإن نص خليل في مذهبنا المالكي على حرمة تولية الجاهل وطالب دنيا فإذا بأكثرهم ممن عرفناهم أفسق من قردة فلا صلاة ولا زكاة ولا حج ولا عفة فإن بعضهم ينشد لسان حاله:

стр. 131

(وكنت امرء من جند إبليس فارتقى ... بي الدهر حتى صار إبليس من جندي فلو مات قبلي كنت أحسن بعده ... طرائق فسق ليس يحسنها بعدي) ومن عادات الزواوة عدم مصاهرة الشرفاء والمرابطين لغيرهم نعم إن الكفاءة معتبرة في الإسلام ولكن من الزوج أن تكون كفؤا للمرأة لا العكس والزواوة عمموا وهذا تشديد لا يليق. ومنها أنهم إذا اقتتلوا أو تشاجروا فإن الشريف أو العالم الصالح يكون في الحياد التام ويدخل بين صفوف المتقاتلين للصلح ويدفع ذلك باليد وذا باليد ولا يجدون في أنفسهم شيئا ولا يؤذونه ولا يعارضونه وقد رأيت والدي ﵀ في قرية صوامع في بني بوشعايب في وسط معمعة في سعة ١٨٦٩م وأنا ابن أربع سنين داخلا علينا وهو ﵀ ملطخ بالدماء وأنا وأختي وأخته عمتي ووالدتي نبكي فأهدأ من روعنا وقال لا تبكوا مرة أخرى إذا رأيتموني بين المقتتلين فإنهم لا يؤذونني لأني داخل مصلحا لا مقاتلا وما يصيبني من الدم إنما هو لتناولي الجرحى ودفع الأقوياء عن الضعفاء إلخ. قلت أن عادة كهذه من المدنية بمكان ويجدر أن تسطر بماء الذهب فإن جمعية الصليب الأحمر التي أسستها دول أوروبا منذ أمد غير بعيد لم تكن بهذه المثابة في هذه الحرب الأخيرة وكذلك قداسة البابا لم يحترمه المقتتلون هذا الاحترام في هذه الحرب بل كادوا يتهمونه بالانحياز والميل إلى فريق دون فريق والحال أن مقامه عندهم مقام العصمة.

стр. 132

ومنها أن الشرفاء والصلحاء في الزواوة يفصلون في الدماء ويحكمون في قضاياها ولا إعادة فيها ويعتبرون ذلك حكما ربانيا حتى إذا خالفهم أحد فدعوتهم عليه أو له مقبولة وهكذا شأن الزواوة في الانقياد للشرفاء والصلحاء والعلماء وتقدم أنهم انقادوا لدعوة الإدريسيين والفاطميين الشيعيين فهذه العادة التي قبلها وغيرهما من امتثالهم يحق أن تكون من المعلقات التي يفتخر بها الخلف بالسلف لو يعتني القوم بهذه المحامد ويتنافسون في خلالها ويطرحون الخلال الشائنة. ومنها عف اللحية وينكرون أشد الإنكار حلقها ويضربون المثل في المغالطة فيقولون في المخدوع حلقوا له لحيته والمعنى أنه مغفل ولكن منذ مدة يسيرة سرت إليهم عادة حلق اللحية التي عمت الآن العالم الإسلامي وهي مخالفة للقواعد العربية من أخلاقهم وللسنة النبوية وعمل السلف الصالح وقال النسابة ابن الكلبي كان للعرب خاصة عشر خلال لم تكن في أمة من الأمم خمس منها في الرأس وخمس في الجسد فأما التي في الرأس فالفرق والسواك والمضمضة والإستنشاق وقص الشارب دون اللحية وأما التي في الجسد فتقليم الأظافر ونتف الإبط وحلق العانة والختان والاستنجاء ..... ومنها تركهم الأظافر ليتخامشوا بها وهي عادة شنيعة تشوه الوجه المتحرم الذي ورد النهي عن ضربه لأن الله تعالى خلق آدم على صورته ولكن عامة الأمم تضرب للوجه ولم يتق أحد الوجه حتى الوالدان فإنهما يضربان أولادهم للوجه ويلطمانهم ويا حبذا لو وضعت قوانين لهذا الأمر.

стр. 133

ومن عادة بعض مرابطين الزواوة تذكير المرأة بلبس البرنوس حين السفر القصير سترة ونعيمة وهي عادة قبيحة مذمومة ورد النهي في ذلك ولعن الله المتشيهين والمتشبهات وأنه من مصادمة الطبيعة وسنن الكون كما قدمنا وأن كان قد يجوز التنكر وقد يضطر إليه في بعض الأحيان لأسباب ولكن إذا زال السبب زالت العلة وارتفعت والسب ما يلزم من عدمه العدم ومن وجوده الوجود لذاته. والخلاصة أن العادات كثيرة غالبها كما تقدم من المستحسنة والمستهجنة وإنما يلزم أن تعرض كلها على ميزانية الشريعة فما صادقت عليها الشريعة يقرر وما لا فلا. وإن الله لهادي الذين أمنوا إلى صراط مستقيم. الإصلاح المطلوب أكتفي في هذا الباب بما حررته في كتابي "الإصلاح" حين كلامي على زوايا الجزائر عموما وعلى زوايا الزواوة خصوصا فأورده بتمامه وهو: الزوايا في بلادنا الجزائر عبارة جوامع ومقامات يجتمع فيها الناس للصلاة والبيات والقرأة وهذا مراد مؤسستها وتوجد في قرى الشرفاء والمرابطين وأهل الصلاح المتدينين من العرب والبربر فلنعم المبدأ ولنعم الغاية وهي - الزوايا - كثيرة في بلاد الزواوة حتى قيل أنهم لقبوا الزواوة لكثرة زواياهم وهي منقبة تذكر فتشكر وعلى ذلك أثنى العلامة ابن خلدون حين كلامه على البربر كما تقدم وقصدنا الآن أن نقول أن تلك الزوايا لطول الأمد عليها وقدم عهد تأسيسها وعدم تعهدها بالإصلاح تكاد تكون عقيمة إذ لم يحسن شيء منها منذ تأسيسها الذي يرجع إلى القرون الأولى والحال أن الضرورة تقتضي بالتجدد والإصلاح

стр. 134

على حسب الزمان والمكان وكذلك لابد من التبصر والتدبر في مقاصد المؤسسين ﵏ لا لنتخذهم أولياء وشفعاء وتطوف بقبابهم ونستلم أحجارهم ونتظر تصرفهم فينا ونسند إليهم ما يصيبنا بسبب تقصيرنا ونقسم بهم وعليهم وحتى ما يصيبهم هم أنفسهم في مقاماتهم وقببهم ذلك إذا تهدمت وتخربت أو أصيب أولادهم فنقول أن الشيخ الولي ﵀ هو الذي شاء ذلك ولو لم يشأ ما وقع وهذا كفر صراح وضلال واضح وهو مما يسخط ذلك الولي الصالح المؤسس ويتبرأ من أعمالنا إذا قال له الله يوم القيامة: ءأنت قلت للناس اتخذوني متصرفا وأن جميع ما يصيبكم وما يصيبني أنا نفسي ولو لم أشأ ما وقع فيقول ﴿سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب﴾ إني أسست زاوية ومسجدا للصلاة والاجتماع والتعليم وليتبصر العباد سبيل الرشاد. قلت إن مراد المؤسسين لا يخفى إنه اجتماعي ديني علمي فالاجتماع للصلوات المفروضة وللنظر في شؤون جماعتهم من فصل القضايا والإصلاح بين الناس والتعاون في القرى عند اللزوم والدفاع والهجوم إلى غير ذلك من التضامن الاجتماعي الطبيعي في كل زمان ومكان وقد اتخذ ذلك نصارى أوروبا فحرمناه نحن لأنه من فعال النصارى، والدين جاء للنظر في شؤونه من دراسة العلوم الشرعية، تفسير، حديث، فقه، علم الكلام، وما به يتوصل إليها من العلوم العربية آلات تلك العلوم وكون المؤسسين خصصوا القرآن فقط بناءا على أن المبادئ بالترتيب الطبيعي فالصبي قليل الفهم والإدراك كثير الحفظ فأسسوا له لمبادئ تعليمه قراءة القرآن أو أن

стр. 135

ذلك هو حد المقدور عليه ثم يتدرج إلى طلب العلوم الشرعية فالعقلية إلخ ... إذ القرآن يستلزم العلوم كلها وبالأخص العلوم العربية لغة نحوا وصرفا ومعاني وبيانا وخطا وإنشاء وشعرا وقوافي وقد نظمها بعضهم ..... نَحْوٌ وَصَرْفٌ عُرُوضٌ بَعْدَهُ لُغَةٌ ... ثُمَّ (اشْتِقَاقٌ) * وَقَرْضُ الشِّعْرِ إنْشَاءُ كَذَا الْمَعَانِي بَيَانُ الْخَطِّ قَافِيَّةٌ ... تَارِيخُ هَذَا لِعِلْمِ (الْعُرْبِ) * إحْصَاءُ ولابأس أن نضرب لذلك مثلا فمن يقرأ القرآن الكريم ويحفظه كمن بملك عقارا (......) * وهو فقير لا يملك آلة ولا له هندسة يستخرج بها (......) * فإنه أعلم بذلك يلزمه السعي في طلب الآلات والمهندسين والعمال وإلا فهو خاسر والمعنى واضح وربما كان هذا مراد مؤسسي الزوايا ﵏ وهو من باب الدخول في الأمور بالرفق والتدرج المحمودين لا لنحمد على حفظ القرآن لنتغنى به وليقال فلان حافظ القرآن ولنعم الأمر ولكن ما فائدته وما أغنى عنا؟ كما في مصر والشام لهذا العهد فإن بعض الأعيان وذوي البيوتات العظيمة يرتبون قراءة في أيام معلومات في بيوتهم غالبا أو في القبور فيحظر القارئ ويشرع في قراءة القرآن ولكن سر القراءة مجهول لم يعرف أو عرف ولم يعمل به فلذلك ترى القارئ مدخلا إلى بيت أو زاوية من زوايا الدار لا في بيت الاستقبال بل في دهليز أو بيت وضيع حقير أو زاوية نسج فوقها

стр. 136

العنكبوت قاعدا وحده فيقرأ ويغني ثم يخرج وقصد القارئ واضح هو أخذ أجرته وأما قصد صاحب الدار وربتها فهو إما للبركة ولكن لا بركة مع الإهانة لكتاب الله العزيز إذ لو كان داخلا على رب الدار وربتها طبال وغناء أو فونوغراف أو البيانو لرحبوا به ولجعلوه في (......) * وفي أعلى مكان منضد ولو كان رب الدار وربتها يعملان على علم وعلى سنة وعلى شريعة لعملا ذلك اقتداء (......) * من قوله تعالى مخاطبا نساء النبي ﷺ وربات بيته ﴿... واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة﴾ ويا حبذا لو تقرأ محثل هذه السورة في البيوت على النساء ولكن أين الرجال من فهمها فكيف بالنساء، وإما ليقال أنهم رتبوا قراءة في بيوتهم ليحفظهم الله من الشيطان الرجيم والشيطان عامل فيهم بواسطة الجهل ما يروى غلته في بني آدم عدوه الأصلي القديم في عالم الغيب. نحد في عدة من الزوايا بالزواوة عشرات بل مئات من قراء القرآن ولهم نفقة جارية من مؤسسي الزوايا ومن العادات المستحسنة من تخصيص الزراع جزءا معلوما للزاوية جازاهم الله خير الجزاء ولكن للجهل ولسوء الإدارة لم تحصل الأمة على نتيجة مطلوبة إذ لم يتخرج لنا من تلك الزوايا في هذا العهد الأخير واحد في المائة (١٠٠/ ١) بل ولا في الألف إذا سألناه عن القرآن ما هو؟ ومن أين هو؟ ومن جاء به؟ ولأي شيء جاء به؟ وما فائدته؟ وما حكمه؟ وما المراد بحفظه؟ وما الحكم في حفظه؟ وإلى متى يتمادى في حفظه؟

стр. 137

وإذا لم يحفظه فما عليه؟ وما يلزم طلب علوم وفنون آخر؟ وهل بلغه أن قواعد الإسلام الخمس تطالبه بإحكامها عند بلوغه طلبا جازما وإلا فهو مسؤول مثلما تطالبه الحكومة بالعسكرية لخدمة وطنه والدفاع عنه ولا يبقى مهملا وكذلك الشريعة الإيلامية تطالبه وأنه مكلف أيضا للعمل طبق الأحكام الخمسة: - الفرض - الندب - الكراهة - الحرام - الإباحة. ثم إن المفهوم والملكات والمواهب الإلهية تختلف باختلاف أصناف الناس فمنهم حافظ فيتمادى في الحفظ ومنهم فاهم فيتمادى في الفهم ومنهم كاتب فيتمادى في الكتابة ومنهم حاسب فيتعاطى الحساب ومنهم نحوي ومنهم فقيه ومنهم محدث ومنهم .. ومنهم. فيجب إذن أن يصرف كل ذي ملكة إلى ملكته وكل ذي فن إلى فنه ولو لم نبتل بسوء الإدارة والغفلة البالغة حتى البلاهة. نعم إن المؤسس لم يسعه الحال لهذا التصرف إذ ليس من اللازم أن يكون الشيء كاملا في ابتدائه وهذا ليس من طبيعة البشر والارتقاء وسنن الكون إنما هو أمر الله تعالى الذي يقول لشيء كن فيكون وأما أمور العباد وسائر المخلوقات فعلى سنة التدريج وكذا لفهم عمل المؤسسين في الزوايا ثم ما يمنعنا نحن بعدهم أن نرفع القواعد والبنيان الذي ابتدأوه وما يمنعنا أن نؤسس نقابة ومديرية ومفتشية ويجعلوا التعليم أقساما ويعينوا فنونا تدرس حسب أسنان الطلبة والأهلية التي فيهم والاستعداد الفطري في كل واحد منهم ويحددوا مدة للخروج من المدرسة - الزاوية - أم هم مستغنون عن وجود العلماء وتخريجهم من زوايا بلاهم بلادهم ولا حاجة لهم إلى فقهاء ومحدثين ونحاة ومتكلمين وبيانيين ومنطقيين وكتاب ومنشئين وحملة أقلام وجغرافيين

стр. 138

ومؤرخين وسواس واقتصاديين وإداريين وفنيين ومهندسين وصناع وتجار ومزارعين وكيمياويين إلى غير ذلك مما هو من لوازم المدارس والزوايا وإلا فما معناها؟ الإصلاح والأخذ بالجديد ضروري وطبيعي في حياة الإنسان تتجدد لوازمه تجدد الأيام، وتحدث له أساب بحدوث العوام، مثل إن يغسل الإنسان وجهه كل يوم ويقلم ظفره كل جمعة وكذلك يحلق شعره وينصف عمله ويصلح شأنه ويذبح شاة الأضحية كل عام وهلم جرا. وإن الزوايا مدارس ومساجد كما قدمنا تخرج منها رجال قراءة وعلماء وأئمة مرشدين ومصلحون كما أشرنا غير ما مرة وعلى الخصوص العظماء من العلماء كما سبق فإن لنا بهم فخرا وهداية ونقول أنهم أوائلنا وأبائنا تركوا لنا ذكرا جميلا، ومقاما جليلا، ومن يأتي في المستقبل (......) * فلا يجمل بنا أن يسجل علينا التاريخ بأنا حد مانع وحجز حاجز بين الأوائل والأواخر وأننا أضعنا ميراث من قبلنا وأهملناه وأنه لمن السفه في التصرف ولمن القصور والسقوط وخلاف المرجو والمنتظر فلا يجدر بنا أن نكون أفراد من يتمثلون بقول المعري: وإني وإن كنت الأخير في زمانه ... لآت بما لم تستطعه الأوائل والخل أن ذلك جائز شرعا وعقلا ولا يكون هذا إلا بالإصلاح اللازم والسير مع السائرين حذو النعل النعل كمن في القافلة وإلا فنحن منقطعون مضمحلون ونجد الخاص والعام منا لاهجا بهذا التخلف والاضمحلال منذرا بالفناء فعلام ذا القنوط المنهي عنه؟ نحن مكلفون، مسؤولون، إما مأجورون

стр. 139

وإما مأزورون ولا ينفعنا أن نكذب على أنفسنا وأو على الله أنا عاجزون بل إنا مقصرون ما دام لنا العقل والتصرف في شؤوننا الخاصة المعروفة بالحرية الشخصية فلم لا نتناول إذا مصالح إصلاحية عصرية وأن نجعل يدا في القديم الصالح ويدا في الجديد كذلك؟ والإسلام العزيز نفسه جاء بهذا المعنى ففد ثبت أنه أقر فقط على أشياء قديمة مستحسنة كالحج والطواف مثلا فقد أصلحهما فقط وكسر الأصنام ونهى عن أشياء يفعلونها نذرا كالطواف عراة حتى النساء لما في ذلك من المنكر وفساد الأخلاق ومعرة ومن الشواهد على ذلك قول ضباعة من بني سلمة: اليوم يبدوا بعضه أو كله ... وما بدا منه فلا أحله أجثم مثل القصب باد ظله ... كان حمى خيبر لا تمله فأصلح الإسلام خطايا من هذه وأثبت الحج الصحيح وإنما كلف العرب ذلك الضلال الولاة المتصرفون في بيت الله الزاوية العامة والقدوة التامة للمسلمين أفلا نستنبط من هذه وذكر صاحب الروض الأنف أن هذه المرأة مشهورة بالمعاني وذات القدر والجمال وخطبها النبي ﷺ ولما بلغه ما قالت تركها وماتت أسى وحزنا على ذلك ومثل هذه من الخلاق والعادات التي أصلحها الإسلام كثيرة والإسلام العزيز جاء بالإصلاح العام في الدنيا كلها، وفي الأمم جميعها، وكان ﷺ يستحسن كل نافع وينكر كل ضار ويتخذ كل حكمة وهو ينبوع الحكم ولا يأنف مما لم يعرف أو من جديد أشير به عليه من أمور الدنيا وقد أشار عليه سلمان الفارسي ﵁ يوم الخندق بحفر الخندق فقال له يا رسول الله إنا إذا

стр. 140

حوصرنا خندقا فاستحسن ذلك ﷺ فحفر بيده الكريمة وكسر الحجر بالمعول ولم يقل هذا عمل فارس عبدة النار وكذلك أشير عليه ﷺ ليتخذ خاتما ولم يقل هذا عمل العجم كما ابتلينا نحن في هذا العصر في خصوص هذا القطر السيئ الحظ كلما أخذ أحد بعمل ما إصلاحي ضروري وكان ذلك العمل تعاطاه اليهود والنصارى نقموا منه وتعوذوا بالله من الشيطان الرجيم والحال أنا نرى الأعمال الجليلة الصالحة النافعة كلها اتخذها جيراننا اليهود والنصارى فعلى هذا لا يبقى لنا إلا أن نشد الوثاق على أيدينا ونتهم عقولنا ونعقل أرجلنا فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين ويا للغفلة والغرور عجبا ثم عجبا بمن يبلغ به الجهل والغرور والعمى أو التعصب الممقوت إلى هذا الحد وينكر فنونا ومعارف وعلوما ونظامات في المدارس وسائر الأعمال في جميع الإدارات وتراتيب في الأمور الاجتماعية يراها الأعمى ويسمع بما الأصم ويحس بها الجماد فلا أقسم برب المشارق والمغارب أنه لو كان ﷺ حيا لأشار علينا بكثير من تلك الأشغال والمصالح النافعة في جميع الشؤون الاجتماعية لما تمخضت بها أوروبا ومخض رجالها فأخرجوها من العدم إلى الوجود وخصوما نظام المدارس والأسلحة والأدوات والآلات والتجارة والصناعة والزراعة وقد ثبت أنه ﷺ يستعرض الشبان ويجيز ويترك فاستعرض ذات يوم شابين فأجاز أحدهما وترك الآخر فقال الصبي بل الشاب الذي تركه لم لم تقبلني يا رسول الله؟ أتأذن لي أن أصارع صاحبي الذي أجزته؟ فأذن له ﷺ فصارعه فصرعه فأجازه وثبت أنه ألزم الأسارى تعليم أبناء

стр. 141

المسلمين القراءة والكتابة إذ لا يعقل أن يروج شيء في عصر فيستحسن ويؤخذ به كالسلاح مثلا والمراكب البرية والبحرية والميكانيك في الفابريكات والمعامل فيتعاطى ذلك أقوام ويحرمه أقوام فإن ذلك يؤدي لتخلفهم وفنائهم لو لم نتخذ كل من فرنسا وانجلترا بجميع ما أخذت به ألمانيا من ضروب فنون السلاح والنظام والطيران وسائر المخترعات كاتخاذهم مثلا المضادة للغازات السامة وللتوربيل وللمدافع الرشاشة التي قابلوها بالتانكس التي لا تعمل فيه المدافع وهي دابة دبابة تخوض غمار المعامع ولا يصدها شيء واشتكى منها الجند الألماني الذي كاد أن يقف دون مرامه وقل كذا الطيران وفي الأيام الأخيرة من الحرب أسقط الجندان الفرنساوي والإنجليزي ثمانين طيارة من طيارات الألمان في ميادين القتال بفرنسا فقلت لصاحبي الشيخ خالد النقشبندي الدمشقي ونحن بمصر نقهر جيش ألمانيا عن قريب لأنها تعجز عن خلف هذا العدد الذي يدل على تفوق فرنسا وإنجلترا وأمريكا فما لبثنا غير أيام حتى طلبت ألمانيا الهدنة المنعقدة في (سبا) فكثر إعجابي باسم (سبا) المشابه تماما لسبأ اليمانية التي جاءت فيها الآية بخبر عجيب أيضا في قضية ملكة اليمن بلقيس فقال تعالى حكاية عن الهدهد ﴿وجئتك من سبأ بنبأ يقين﴾ فقلت لشيخ خالد لعمرك أن هذا الخبر يقين على انتهاء الحرب لأنا ننتظر ذلك جميعا لنجتمع بأهلينا المعتقلين في بر الترك وهذا معنى قولهم التاريخ يعيد نفسه وقولهم ما أشبه الليلة بالبارحة فاعتبروا يا أولي الأبصار وبالجملة من لا يأخذ بالإصلاح والجديد فهو مسؤول لدى الله ورسوله عن نفسه وجنسه ووطنه ودينه خائن في ذلك كله، وباء بإثمه هذا وأرى إيراد فصل

стр. 142

كتبه في الإصلاح محبنا العلامة الشيخ عبد القادر المغربي الطرابلسي الذي كان يحرر بجريدة المؤيد الشهيرة وهو ممن إذا عبر حبر، وإذا أنشأ وشى وهو هذا نصه: الإصلاح الإسلامي الباعث عليه - المطلب به - فهرست أركانه - فلنا في مقال سابق أن هذا الإصلاح الذي سماه المرحوم جمال الدين حركة دينية لا يمس جوهر الدين ونصوصه السماوية وإنما يتناول تمييز التقاليد التي اقتبسناها عن الأمم الأخرى بواسطة الاختلاط بهم بواسطة أفراد من علمائهم دخلوا ديننا وحملوا إلينا مزاعم من دينهم، ثم تمييز الآراء الاجتهادية أصبحت على طول الزمان كأنها أقوال الشارع نفسه بحيث أصبحت لا تجوز مصادرتها ولا التردد في قبولها، نميز كل هذا عن نصوص الدين الأصلية ونحدد مقاصده السامية ونقف على أسراره العلمية ونسعى في إيجاد طرائق تعليمية تقرب الدين للأفهام ونسهل تحصيله ونشره بين الأنام، إهمال المسلمين للإصلاح أن غدروا فيه فيما مضى من الزمن فإنم لا يغدرون فيه اليوم وقد أصبحت المادة المعنوية بيد الشعوب الأوروبية وصار لهم بهاتين القوتين حق الإشراف والوصاية على الحالة الاجتماعية العامة في العلم الإنساني ومهما حكموا بأن الشريعة وكذلك التعليم يتنافى والمدنية أو لا ينطبق على مصالح البشر كان قولهم المسموع ورأيهم المتبوع فإذا لم نثبت بأن ديننا يواخي المدنية ويلائم المصالح

стр. 143

البشرية كنا مسيئين إليه وإلى أنفسنا فتتلاشى قوميتنا (١) وينهار بنا عزنا، إن عقلاء الإفرنج لكثرة ما خالطونا عن طريق قراءة أخبارنا واستعمار بلادنا والسياحة والتجارة بيننا - أصبحوا يعدون لنا من المذام والمساوئ الدينية والأدبية والاجتماعية ما لا يخطر لنا ببال وقد يتفق أحيانا أن يعجب بعض أولائك العقلاء بما تضمنته قرءاننا من الحكم الرائعة والآداب الناصعة والقواعد الجامعة فيجهر في محافل قومه بأن الإسلام من خير أديان البرية دينا وأنه ملائم لمصالح البشر وليس في أصوله ما يتنافي المدنية الصحيحة ثم يستنتج من ذلك كله أن المسلمين خير الأمم دينا وأدبا وفضيلة ونظاما اجتماعيا حتى إذا ساقته المقادير أو أحب الاستطلاع إلى بلادنا وأشرف من كتب على نوع حكوماتنا ومحاكمنا وأطوار خاصتنا وعامتنا وأحوال عائلاتنا (٢) ومجتمعنا وسائر ضروب أشغالنا ومعاملاتنا. رجع القهقرى عن رأيه وندم على ما كان من التسرع في حكمه وعاد إلى قومه يئسا وعن مدحه الإسلام والمسلمين ساكتا وقد قال المرحوم جمال الدين مرة: إن عقلاء الإفرنج يتدبرون آداب القرآن وتعاليمه العالية ويحكمون بأنه خير قانون للإصلاح في شؤون البشر ويهمون أن يسلموا ثم ينظرون من خلال القرآن وتعاليمه العالية إلى الأمم الإسلامية السائمة في أسيا وإفريقية يرونها من أحط الأمم شأنا وأشدها ابتعادا عن روح الدين والمدنية وممارسة الفضيلة فينفرون من الإسلام وينظرون إلى القرآن كالمرتابين فيه وفي صلاحيته لأن يكون سلما ترتقي عليه الأمم إلى معارج المدنية والعمران وبعد أن رأوا ما رأوا من حالة أتباعه وهكذا

стр. 144

يدعوهم القرآن إلى الإسلام وينهاهم المسلمون عنه ثم قال جمال الدين فالواجب علينا قبل كل شيء أن نثبت للأوروبيين أننا غير مسلمين وبهذه الصورة يمكن أن نجلبهم إلى الإسلام ونحسن اعتقادهم فيه ولو اقتصر الأمر على هذا لهان ولكن قد نبت من المسلمين وفي بلاد المسلمين طائفة عظيمة من الشبان تعلموا العلوم العصرية وتثقفوا بآداب الإفرنج ودرسوا قوانين الاجتماع الحديث وعرفوا بسبب ذلك من أطوار البشر وطبائع العمران ما لم يعرفه سواهم وقد أخذوا يقارنون بين ما يعرفون وبين ما ورثوه عن أسلافهم فنكروا أشياء كثيرة مما يعده المسلمون دينا ولما لم يجدوا أحدا يزيل شكوكهم ويزيح عنهم ما خاطرهم من الريب فيما إذا كان الدين الإسلامي يصلح للبشر أو لا يصلح؟ وجود هذه الطائفة المتنورة في بلاد المسلمين من أقوى البواعث على الإصلاح الديني ووجوب السعي إليه من بابه وأن لم نفعل اختل نظامنا ودخل الفشل والعدو بين صفوفنا يحاول قوم من الجامدين أن يأخذوا أولئك المتنورين بالتقليد الأعمى وأن يحملوهم على الإذعان والتصديق بمجرد نقل النصوص وسرد أقوال المتفقهين ولكن محاولة هذا منهم مقاومة للطبيعة وهو أمر مستحيل، عقل حر في نفسه، حر في حكومته، حر في عصره حر في الوسط الذي يعيش فيه تكلفه أن يقلد غيره تقليدا أعمى اللهم إن هذا تكليف ما يطاق، تكليف لم يرضه الله تعالى للمشركين في أزمنة انغماسهم في الجهالات وظهور الخوارق والمعجزات أتراه يرضاه للمتنورين في أزمنة الاكتشافات والاختراعات وأتينا العلم على المشاهدات والمجربات - للتباطئ في الإصلاح وإبقاء ما كان على ما كان حمل أناسا من هذه الطائفة المتنورة

стр. 145

على نبذ الدين باطنا واكتفوا من إسلاميتهم بالرسوم الظاهرة فتراهم يشهدون احتفالات الأعياد والمواسم ويمشي بعضهم في الجنائز وإلى مقابر المسلمين وإذا دعي إلى عقد نكاح استمع خطبة الشيخ بأدب واحتشام وغير ذلك مما من شأنه أن يساعد على الامتزاج بأهله ومواطنيه ويجعل عيشه معهم طيبا هادئا ومنهم جماعة يعتقدون الإسلام لكنه لا يعرفه جمهور المسلمين ولا يعترفون بصحته وأساس اعتقاد هؤلاء الإذعان لكلام الله وحده وإذا احتج أحد بكلام غيره عرضوه على عقولهم ومصالح البشر ونواميس الاجتماع فإذا وافقها قبلوه وإلا رفضوه فالعملة عندهم البرهان لا قال فلان وروى فلان ومن عجيب أطوار أفراد هذه الطبقة أن ترى الواحد منهم لا يصلي ولا يصوم والصلاة والصوم من أركان الإسلام الخمسة كما لا يخفى لكنك تراه كبير النفس قوي العزيمة ثابت الجأش كثير الأدب لا يكذب ولا يغش ولا يداهن ولا يتملق ولا يخضع ولا يشكو ولا يطمع وهو شديد الغيرة على الإسلام مجتهد في خدمته عامل على رفع شأنه بكل قوته إذا سمع طعنا فيه أو افتراء عليه قامت قيامته فيكتب ويخطب في الرد على الطاعنين وتسفيه آرائهم ويأخذ في تعداد مناقب الإسلام ومزاياه الجمة التي يفضل بها سائر الأديان ثم أنا نقارن بين هذا المسلم ومسلم آخر من الطبقة الجامدة فنراه يصلي ويصوم ويقف على الضريح خاشعا ضارعا ويتأدب مع القرآن فيدعي أن عقله عاجز عن فهم أسراره والنطق بعجائبه فهو من أجل ذلك يتكل على ما حققه "الشرنبلالية" "الولواجية" و"الانغروبة" و"العالمكيرية"، وليس هذا وحده بل ترى خلافه أمشاجا من الكذب والصدق والنفاق
следующие страницы →