← Сира

Сира · id 115132

في سبيل العقيدة الإسلامية

عبد اللطيف سلطاني

Полный текст (253 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

فاستعمالها في الجملة يدل على تعليق فعل على فعل فيما مضى، وهذا هو الأكثر في استعمالها فيلزم من تقدير حصول شرطها حصول جوابها، ويلزم كون شرطها محكوما بامتناعه في بعض استعمالاتها. وقد تبارى علماء اللغة العربية في إطلاق تعريف شامل لـ ((لو)) الشرطية هذه، وهذه التعاريف لم تسلم من الاعتراض عليها، لما يطرأ عليها من النقص وعدم الشمول، وأسلمها - نوعا ما - تعريف إمام اللغة العربية ((سيبويه)) حيث قال في تعريفها: (هي حرف لما كان سيقع لوقوع غيره) ولم يسلم تعريفه هذا لها من أشكال أيضا، كل هذا مبسوط في محله من كتب النحو مثل ((المغني)) لابن هشام وغيره، وبعض النحويين يعرفها بقوله: (هي حرف امتناع لامتناع) وفساد هذا التعريف ظاهر. ومما هو معلوم في مدلول الجملة التي دخلت عليها ((لو)) الشرطية أن لو الشرطية تجعل الجملة على خلاف ظاهرها، فإن كانت في سياق الإثبات دلت على أنها منفية وإن كانت في سياق النفي دلت على أنها مثبتة، أي على إثبات مدلول الجملة، ويوضح هذا قولك لولدك - مثلا - الذي لم ينجح في امتحانه: (لو اجتهدت في قراءتك لنجحت في امتحانك)، فهذه الجملة كانت في سياق الإثبات، فانقلبت بعمل ((لو)) إلى النفي، فيصير معناها لم تنجح في امتحانك لأنك لم تجتهد في قراءتك، فانتفى

стр. 177

جواب لو وهو النجاح في الامتحان لانتفاء شرطها وهو الاجتهاد في القراءة، وهكذا العمل في الجملة المنفية، فإنها تفيد الإثبات، كأن تقول لولدك ((لو لم تجتهد في قراءتك لم تنجح في امتحانك). ومعنى هذا أنك نجحت في امتحانك لأنك اجتهدت في قراءتك. ومن هذا القبيل الأثر السابق المنقول عن عمر ﵁ وهو قوله: (نعم العبد صهيب، لو لم يخف الله لم يعصه) فإن الجملة كانت في سياق النفي فتفيد الإثبات، فـ ((لو)) في هذا الأثر لتقرير الجواب، وبناء على قاعدة، ((لو)) الشرطية يكون معنى الجملة أن صهيبا (خاف الله وعصاه) وهذا غير مراد للقائل، فيلزم على هذه القاعدة في الأثر المذكور ثبوت المعصية مع ثبوت الخوف من الله، وهذا عكس المراد منه، بل المراد لعمر أن صهيبا لا يعصي الله أبدا، سواء خافه أو لم يخفه، وأولى إذا خافه، فهو لا يعصيه ولو لم يخفه، والذي صيره لا يعصي ربه هو إجلاله وتعظيمه والحياء منه، والحب له والمهابة من عظمته، فترك صهيب معصية الله إنما كان لأمر خارج، وذلك لما طبع عليه من الطاعة والحب والمهابة لجلاله والحياء منه إذا وقف بين يديه يوم القيامة للحساب، فعدم معصيته له معلل بأمر خارج عن الخوف وعدمه، وذلك كالإجلال والتعظيم لله ﷻ هذا ملخص عمل ((لو)) الشرطية، في هذا الأثر المحفوظ. ومثل هذا الأثر الذي قاله عمر في صهيب، ما قاله العلماء فيما روي عن النبي ﷺ حين

стр. 178

عرض عليه الزواج بربيبته ((درة)) بنت أبي سلمة - أخيه من الرضاع - فقد جاء في كتب الحديث ما يلي: عرضت أم حبيبة بنت أبي سفيان - زوج النبي ﷺ عليه أن يتزوج أختها فقال لها: (فإنها لا تحل لي) وهذا منه إشارة لقوله تعالى: ((وأن تجمعوا بين الأختين)). قالت أم حبيبة، فقلت له فوالله لقد أخبرت أنك تخطب بنت أبي سلمة، فقال (بنت أبي سلمة؟) قالت نعم قال: (فوالله لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي، إنها لابنة أخي من الرضاعة، أرضعتني وأباها ثويبة, فلا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن). قال رواه الحديث: متفق على صحته، وقال العلماء: أن حل بنت أبي سلمة منفي عنه صلى الله عليه ومسلم من جهتين اثنتين، أولا أنها ربيبته في حجره وهذا حرام بنص الآية، وثانيا أنها ابنة أخيه من الرضاعة، وهي عليه حرام بلفظ الحديث صراحة والقرآن ضمنا، إذ لو كان فيها مانع واحد لكفى في التحريم، فكيف إذا اجتمع فيها مانعان اثنان كما هنا مانع كونها ربيبته في حجره لقوله تعالى: ((وربائبكم اللاتي في حجوركم)) والمانع الثاني كونها ابنة أخيه من الرضاعة، لقوله ﵊ في الحديث الصحيح: (يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب). فقد أرضعت ((ثويبة)) مولاة أبي لهب وأمته الرسول ﷺ مع أبي سلمة، فكان أبو سلمة أخا للنبي ﷺ ، فلا يحل للمسلم الزواج

стр. 179

بابنة الأخ سواء من النسب أو من الرضاع، وكون أمها زوجته، فهي ربيبته تربت عنده وفي حجره، والرجل إذا تزوج امرأة حرمت عليه ابنتها من غيره، فهذا معنى اجتماع مانعين فيها وكما تقدم في الأثر السابق الوارد في صهيب، فمعصية صهيب لله تعالى منتفية من جهتي الخوف والإجلال والتعظيم لله تعالى والحياء منه. وقد سقت هذا الأثر لبيان فضل هذا الصحابي الورع، وقد كنا درسناه في أيام الدراسة، أما الآن فقد تركت الآثار والقواعد العلمية التي تفتح الفكر للنقاش والحوار لفهم اللغة العربية، كما في ذلك رياضة للفكر وتدريب له على الكلام البليغ والفصيح لفطاحل علماء اللغة العربية، لغة كلام الله وكلام رسوله محمد ﷺ . هذا وتوفي صهيب ﵁ بالمدينة سنة ثمان وثلاثين في شوال، وقيل سنة تسع وثلاثين، وهو ابن ثلاث وسبعين سنة، وقيل ابن سبعين، ودفن بالمدينة، وكان أصهب شديد الصهوبة تشوبها حمرة، لذلك سمي صهيبا، وكان ليس بالطويل ولا بالقصير وهو إلى القصر أقرب، كثير شعر الرأس، ﵀ ورضي عنه.

стр. 180

- ٨ - خباب بن الأرت كان من المؤمنين الصادقين، والمسلمين الصابرين على البلاء والامتحان والعذاب الذي نزل عليه من أعداء الله، وخصوم الشرائع السماوية، وأنصار الشرك بالله، وعباد الأوثان، فهو من المستضعفين المعذبين في الله، لما خلعوا من رقابهم قيد العبودية لغير الله، وكان من نجباء الصحابة السابقين، فهو خباب بن الأرت - بتشديد التام - بن جندبة، واختلف في نسبه، فقيل أنه تميمي وقيل هو خزاعي، والذي صححه النسابون أنه تميمي النسب، لحقه سباء - أسر - في الجاهلية، حيث كان العرب يسبي بعضهم بعضا، فاشترته امرأة تسمى ((أم أنمار)) بنت سباع (الخزاعية) من خزاعة وأعتقته، فهو من السابقين إلى الإسلام، وروي أنه كان سادس ستة، وكان قينا (حدادا)) يعمل السيوف في الجاهلية، ويكنى أبا عبد الله، وقيل أبا يحيى، وقيل أبا محمد، وكان قديم الإسلام كما مر، وكان من المستضعفين، لأنه أسلم في الأوائل وهؤلاء كانوا ضعفاء، لا قوة لهم تحميهم وتقف أمام جبروت مشركي قريش، فلا غرابة إذا أصابه ما أصاب إخوانه، السابقين

стр. 181

إلى اعتناق عقيدة التوحيد، ونبذ عقيدة الشرك بالله، والابتعاد عن أعمال المشركين عباد الأحجار والأوثان، فهو إذن من المستضعفين الذين استضعفهم كفار قريش، فألحقوا بهم العذاب الشديد، وكانوا يطاردونهم من مكان لآخر، وكان المسلمون يختفون عن أنظارهم حتى لا يصيبهم منهم ما يكرهون، إلى أن اشتد ساعد المسلمين بإسلام عمر بن الخطاب، وحمزة ابن عبد المطلب وغيرهم، فعندها رجحت كفة ميزان الإسلام وصار المسلمون يفعلون شعائر دينهم جهارا نهارا وأمام الملإ من مشركي قريش، وقد عذب خباب العذاب الشديد من أجل عقيدته الإسلامية - عقيدة التوحيد - فصبر على ما أصابه في سبيل دينه. وكان خباب بن الأرت تميميا بالنسب، كما كان خزاعيا بالولاء، لأم أنمار بنت سباع الخزاعية كما سبق، قد وقع عليه سبي - أسر - فاشترته وأعتقته، فولاؤه لها. وذكر أن عمر بن الخطاب - سأله عما لقي في ذات الله من العذاب، فكشف له عن ظهره ليرى بعينيه أثر العذاب والإحراق بالنار، فلما رأى عمر ذلك قال: ما رأيت كاليوم!!! فقال خباب: يا أمير المؤمنين لقد أوقدوا لي نارا فما أطفأها إلا شحمي. وكان خباب بن الأرت يتردد على بيت سعيد بن زيد ابن عمرو بن نفيل، زوج فاطمة بنت الخطاب - أخت

стр. 182

عمر - وكانت فاطمة بنت الخطاب وزوجها سعيد ابن زيد قد أسلما وآمنا بالله ربا واحدا لا شريك له في ألوهيته، وبمحمد رسول من الله، وصدقا بكل ما جاء به من عند الله. فلما سمع عمر بإسلام أخته فاطمة وإيمانها بمحمد وبما جاء به من عند الله، كما آمن وأسلم خباب ابن الأرت وأنه يتردد عليهما في منزلهما ليقرئهما القرآن، هاله ما سمع وبينما عمر يتجول في سكك مكة يتتبع أخبار الدعوة الإسلامية أين بلغت ويبحث عن عدى انتشارها في الأوساط القرشية، كما يتتبع أخبار رسول الله ﷺ صاحب الدعوة والرسالة، إذ فاجأه الخبر بإسلام أخته فاطمة وزوجها حيث التقى في الطريق بنعيم بن عبد الله النحام - رجل من قوم عمر بني عدي - وكان هو الآخر قد أسلم وأحفى إسلامه فرقا وخوفا من عمر، وكان عمر - حين لقيه نعيم بن عبد الله - متوشحا سيفه يريد رسول الله ﷺ ، ورهطا من أصحابه قد ذكروا له بإسلامهم واتباعهم رسول الله ﷺ ، كما ذكروا له بأنهم مجتمعون في دار عند الصفا - هي دار الأرقم - وكانت دار الأرقم في ذلك الوقت مركزا لنشر الدعوة الإسلامية وتعليم المؤمنين فروض عقيدتهم ومبادئ الإسلام، وكان القوم المجتمعون فيها قريبا من أربعين، ما بين رجال ونساء، وكان مع رسول الله ﷺ في هذه الدار

стр. 183

((عمه حمزة))، وأبو بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب، وغيرهم من عصبة الإيمان، فخرج عمر يبحث عنهم ليفتك بهم، حسبما خولته له نفس الجاهل المشرك دفاعا عن أوثانه الحجرية، وقد جعل الله لكل شيء سببا فكان خروجه هذا آخر العهد بوثنيته، بل بالأوثان كلها، فلما رآه نعيم بن عبد الله قال له: أين تريد يا عمر؟ أجابه عمر بقوله: أريد محمدا هذا الصابئ - الكافر - الذي فرق أمر قريش وسفه أحلامها وعاب دينها، وسب آلهتها فأقتله، فقال له نعيم: والله لقد غرتك نفسك يا عمر، أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم؟ فقال له عمر: وأي أهل بيتي تريد؟ قال: ختنك - صهرك - وابن عمك سعيد بن زيد بن عمرو ابن نفيل، وأختك فاطمة بنت الخطاب، فقد - والله - أسلما وتابعا محمدا على دينه، فعليك بهما. لنتصور وقع هذا الخبر على نفس عمر، في هذه اللحظة بالخصوص، وهي لحظة دقيقة وحرجة عليه للغاية، وما هو موقفه من نفسه التي أخذت في الغليان مثلما تغلى المرجل أو القدر الكبيرة، فبينما كان يبحث في سكك مكة وطرقها عمن آمنوا وأسلموا واتبعوا دين الله ورسوله، إذا به يفاجأ بنبأ أظلم عنه شمس النهار وجعله في حيرة من أمره لهذا الخبر، الطارئ عليه، إذ ما كان يتوقعه، فذهب مسرعا، وترك ما خرج من أجله - عامدا بيت أخته فاطمة بنت الخطاب وزوجها سعيد بن زيد، تاركا البحث عن رسول الله صلى الله

стр. 184

عليه وسلم وصحبه الكرام، فأتى منزلهما، وكان عندهما - في ذلك الوقت - الصحابي الجليل ((خباب بن الأرت)) ومعه صحيفة مكتوب فيها شيء من القرآن، من سورة ((طه)) يقرئهما إياها، فلما اقترب من البيت الذي فيه أخته وزوجها وخباب سمع صوت قراءة خباب عليهما القرآن، فقرع باب الدار ودخل، فأسرع خباب إلى الاختفاء منه، ووقع ما وقع من عمر لأخته وزوجها، حين قامت لتكفه عن زوجها وصهره، وكان قد سمع شيئا من القرآن عند ما قرب من الدار. إن شجاعة فاطمة بنت الخطاب أخت عمر دلت على تمكن الإيمان من قلبها، فإنها عند ما قامت إلى أخيها لتحجزه وتكفه عن زوجها دفعها بقوة الجاهل حتى سقطت على الأرض وضربها فشج وجهها وأسال دمها، فصاحت في وجهه قائلة: لقد أسلمنا وآمنا بالله وبرسوله فاصنع ما بدا لك، فلما رآى عمر ما بأخته من الدم ندم على ما صنع بها، وارعوى عن غيه وجهله، فسلك سبيل الحق. وفي هذه اللحظة بلغت رحمة الله إلى قلب عمر وأدركته السكينة التي تنزل على المسلم، فاطمأن قلبه عند ما سمع كلام الحق ﷻ ، وذهب عنه ما كان يجده من بغضه للإسلام ورسول الله ﷺ فسكنت نفسه الثائرة، وهدأت تلك الفورة الغضبية عنه، فهش قلبه للإيمان بالحق، والدخول في دين الله، وخلع عبادة الأوثان والآلهة الباطلة , وكأنه قال

стр. 185

لنفسه الغاضبة عن الحق، كفاك أيتها النفس الأمارة بالسوء التواقة إلى الباطل، تسعين إليه سعيا حثيثا لكي ترضيه ويرضى عنك، دعى المكابرة في الحق وعودي إلى الصواب والواجب، فالرجوع إلى الحق من الفضائل النفسية، فرق قلبه الجافي جفاء الجاهليين إلى الإيمان بالله وبرسوله وبدينه، ولما هدأت نفسه الغاضبة وثاب إليه رشده ووعيه الذي كان فقده من سيطرة الباطل الجاهل عليه، سأل عن مكان وجود الرسول ﷺ ، ليذهب إليه ويعلن عنده إيمانه وإسلامه. ولما سمع خباب - المختفي من عمر - قول عمر هذا خرج من مخبئه بعد أن علم أن عمر هو الآن سائر في طريق الإيمان، والهداية الإسلامية، فخرج وقال لعمر أبشر يا عمر، فلعل الله قد استجاب دعوة رسوله فيك، فإني سمعته أمس يدعو ويقول (اللهم أيد الإسلام بأبي الحكم بن هشام، أو بعمر بن الخطاب، فالله الله يا عمر) وفي رواية أخرى أوردها الإمام أحمد في مسنده، والترمذي في سننه وغيرهما أنه قال (اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك: بأبي جهل، أو بعمر بن الخطاب). وحين دلوا عمر على مكان وجود الرسول ﷺ وأخبروه بأنه في دار - الأرقم - عند الصفا مع نفر من أصحابه، أخذ عمر سيفه فتوشحه ثم ذهب إليه ليظهر إسلامه، وليطهر قلبه من رجس الشرك

стр. 186

والوثنية، وينطق بكلمه الشهادة أمامه، فسار إليه ودخل على الرسول ﷺ بعد أن دق الباب وعلم من كان في الدار أن الطارق للباب هو عمر ابن الخطاب، فذعروا وخافوا من شدته أن يصيبهم منها أذى أو مكروه وكان مع الرسول ﷺ عمه حمزة، فذهب إليه الرسول وتلقاه بالباب، وأخذ بتلابيبه وزجره عن تماديه في الغواية والضلال، ولكنه طمائنه بأنه ما جاء إليه إلا ليعلن إسلامه وينطق بكلمة الشهادة، كلمة الحق والصدق الواجبة على كل إنسان عرف الحقيقة وواقعه، وهداه الله، وعرف أنه ما هو إلا مخلوق ضعيف لخالق قوى قادر على كل شيء، يجب على هذا المخلوق أن يقر له بالألوهية والربوبية، وعليه أن ينزع إلى الحق، ويكف عن الباطل، ويقلع عن الضلال والسفه والغواية والطيش، إن كان يحب لنفسه الخير والسعادة السرمدية. وعند ما دخل عمر على الرسول ﷺ الدار التي كان فيها ودار بينه وبين الرسول ما دار من الكلام، أعلن عمر إسلامه أمامه وبين يديه بكلمة جهورية مدوية فكبر لها الرسول ﷺ تكبيرة سمعها من في الدار، وعلموا أن عمر قد أسلم وفرحوا بإسلامه فرحا لا نظير له، لأن إسلام عمر نصر كبير له على نفسه، كما هو نصر مبين للإسلام أراده الله له، وتأييد للدعوة الإسلامية في وقت احتاجت فيه إلى قوة تساندها وتدفعها إلى الأمام، لتنتشر في الآفاق

стр. 187

ولتنقذ العديد من الملاين من أبناء الإنسانية الضالين عن سبيل الله، سبيل الحق والخير، فجعل الله من إسلام عمر بن الخطاب، وحمزة بن عبد الطلب وغيرهما نصرا عظيما وقوة كبيرة للدعوة الإسلامية، كما جاء في صحيح البخاري عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال (ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر بن الخطاب). وقفة استعراض وتقييم: وهنا نقف وقفة استعراض وتقييم، نستعرض فيها مراحل الدعوة الإسلامية في نشأتها الأولى وفي بدايتها التي أصابها فيها ما يصيب - عادة - جميع الدعوات في نشأتها، وقفة نطق لا وقفة صمت للترحم على أرواح شهداء الدعوة الإسلامية تلك الدعوة التي شقت طريقها وسط مجتمع جاهل ألف التمسك بتراث الآباء والأجداد ولو كانوا على ضلال مبين. في زماننا هذا ظهرت في مجتمعنا وقفة خشوع مفتعل وتقليد كافر بالدين والقيم الروحية، إذ هي ليست منا ولا يعرفها مجتمعنا المسلم الطاهر، فلكل زائر من المسلمين للمقابر أن يدعو الله لساكنيها بالرحمة والمغفرة لهم والعفو عنهم، تلك الوقفة التقليدية التي أخذناها عن الكفرة بالله، ولم يكن لها نصيب في شرعنا الطاهر الحنيف، فهي مبتدعة وبعيدة عنا، فنحن المسلمين نترحم على موتانا في كل وقت

стр. 188

وحين، وإثر صلواتنا وفيها، وفي غير هذين الوقتين، ومن غير المعروف - شرعا - أن ذلك لا يتم إلا إذا كان أمام هيكل الميت، قلنا: إنها وقفة تقليدية، وخاصة إذا كانت مصحوبة بإكليل من النوار والأزهار المتنوعة الأشكال والأنواع والألوان، وهنا نتذكر المثل الشائع بيننا القائل (كم من قبر يزار وصاحبه في النار). قلت إنها وقفة تقليدية لمن لا يؤمن بالله راحم عباده المؤمنين، إذ هو الرحمن الرحيم العفو الغفور، وهل أولئك الذين يتعبون أنفسهم يرفع أكفهم بالدعاء لطلب المغفرة والرحمة للشهداء هل هم أهل لأن يستجيب الله دعاءهم؟؟ فيغفر لميتهم؟ ولو تصدقوا بقيمة ذلك الإكليل من الورود - وثمنه مرتفع جدا - لكان أجدى وأنفع للميت، فليراجع كل منهم موقفه من ربه، الذي يطلبون منه الرحمة للميت. فإن كان تقديم الإكليل لله فإن الله منزه عن شم الرياحين، وإن كان للميت، فالميت قد فقد حاسة الشم بموته، فلمن إذن تقدم تلك الأزهار؟ إن الشهيد الذي قتل مجاهدا في سبيل الله قد غفر الله له كل خطاياه، فهو لا يحتاج إلى غيره، بل غيره يحتاج إليه كالشفاعة مثلا، وهذا هو السهو والغفلة عن الأعمال، وينظر إلى ذلك شرعا بأنه إسراف وتضييع لمال المسلمين - وهذا حرام شرعا - كيف والقوم قد تعودوا على الإسراف وفعل الحرام وتضييع المال فيما لا فائدة فيه؟ فمن علم من نفسه أنه أهل لدعاء أهله

стр. 189

له وطهره من ذنوبه طاعته للرحمن الرحيم، فهو إذا دعاه رجا منه المغفرة للميت وقبول دعائه، أما إذا كان عاصيا لربه بترك الفروض التي هو مكلف بها، أو هو فاعل لما هو منهي عنه، أو كان غير مقر له بالألوهية ولا هو معترف له بالربوبية، بأنه الخالق لكل موجود والذي هو واحد في ألوهيته فهذا عليه أن لا يتعب نفسه برفع يديه إلى السماء - فللشرع موازينه - وليرسلهما في أمور أخرى، هو أعلم بها، وذلك أجدى له وأنفع والنبي (ص) قال ما قال: في حق الذي يدعو ربه ولم يكن مستقيما على سبيل الشرع العزيز إن كانت معيشته، من أكل وشرب ولباس وتغذيه في صغره، وطول حياته مكتسبة مما حرم الله، ذلك ما جاء في حديث أبي هريرة عند مسلم، وهو قوله: قال رسول الله ﷺ (إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا .... ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب له)؟ فقد سأل رسول الله سؤال تعجيب حيث قال (فأنى يستجاب له؟) فكأنه قال: تعجبوا ممن هذا حاله ووصفه، كيف يدعو الله ويرجوه ليجيب دعاءه؟ والدعاء لا يكون له عند الله قيمة واعتبار إلا إذا توفرت فيه شروطه، وهذا الداعي لم تتوفر في دعائه شروط الدعاء، وكذلك لا يكون من الذين قال الله فيهم: ((يستخفون من الناس ولا يستخفون من

стр. 190

الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا)) سورة النساء الآية ١٠٨. إننا نستعرض في هذه الوقفة القصيرة حالة المسلمين في بداية ظهور الإسلام، فالمسملون الأولون - وهم المستضعفون - كانوا قبل إسلام عمر قلة، ومع هذه القلة الضعيفة فقد ثبتوا على ما هداهم الله إليه من خلع عبادة الأوثان، والإقبال على عبادة الرحمان الواحد الديان، بالرغم مما أصابهم من ألوان التعذيب والاضطهاد، وقد تجاوز مشركو قريش كل ما عرف في الماضي من أنواع التعذيب والاضطهاد لمن خالقهم في العقيدة، وكل هذه الأنواع مدونة ومسجله في كتب التاريخ والسير، وقد أراد الله لهذا الدين نصرا وعزا يدومان له إلى الأبد، فبدعاء الرسول ﷺ ربه بأن ينصر الإسلام بأحد الرجلين اللذين كانت لهما العزة والمنعة، وهما عمر بن الخطاب، أو عمرو ابن هشام - أبو جهل - فإن من كان في جوار أحدهما عز وبز، وقد قال عبد الله بن مسعود ﵁ في إسلام عمر بن الخطاب: (إن إسلام عمر كان فتحا وإن هجرته كانت نصرا، وإن إمارته كانت رحمة، ولقد كنا وما نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر، فلما أسلم عمر، قاتل قريشا حتى صلى عند الكعبة وصلينا معه). فبهذه الوقفة - القصيرة - التي استعرضنا فيها لمحة من حال المسلمين قبل إسلام عمر بن الخطاب كانت

стр. 191

معرفتها والإحاطة بها ضرورية لنا، فقد رأينا كيف تمثل فيها العدوان والظلم والقهر والباطل بأبشع صوره من مشركي قريش على المستضعفين من المسلمين دفاعا عن أحجارهم وأوثانهم المعبودة من دون الله، أما حالهم بعد إسلامه فإنهم نالوا به عزا ومنعة وقوة منحتهم الحرية في عبادتهم لربهم، وإظهار شعائر دينهم كالصلاة في أي مكان أرادوه، وهل هناك مكان تقام فيه الصالة أفضل من حرم الله وأمام بيت الله، وقبلة المسلمين فيما بعد فقد تبدل الحال وصار المسلمون يصلون لربهم، ومشركو قريش ينظرون إليهم ولا يتكلمون، كل هذا بفضل الإيمان بالله والصبر على ما أصاب المسلمين في سبيل الله، إن العاقبة لأهل الإيمان والعقيدة الصحيحة. هذا وغيره ناله المسلمون من إسلام عمر بن الخطاب، فهذا - لعمري - هو النصر المؤزر من الله جاء من إسلام عمر. إن الباطل لا يلجمه إلا لجام القوة، وفي المثل المعروف (لا يفل الحديد إلا الحديد). فقد مرت على المسلمين في اعتناقهم للإسلام والتحاقهم بركب الموحدين لربهم، بعد أن كانوا تائهين في ضلال الشرك والوثنية مع الأحجار صباحا ومساء - قلت مرت على أوائل المسلمين سنوات شداد عليهم من جراء قساوة قلوب مشركي قريش عليهم ومعاملاتهم

стр. 192

لهم، فالمسلمون يتنقل بهم الزمان ويتطور من سنة لأخرى، فيزيد عددهم، ويزيد معه البلاء والمحن والعذاب من لون إلى لون، فكل واحد من المشركين ينتقم لآلهته الحجرية بحسب ما يراه يرضيها عنه، كما هو الحال في آلهة زماننا هذا من حكام المسلمين أينما كانوا، فإذا ما تكلم أي إنسان في سلوك واحد منهم المنحرف عن الصراط المستقيم وأظهر ما في هذا السلوك من العيوب والأخطار التي ستلحق الأمة المحمدية نتيجة لذلك الانحراف، أو كشف النقاب عن مخازيه وعبثه وتفريطه فيما هو واجب عليه، أو تبذيره لأموال حزينة الدولة التي هي في الحقيقة حزينة شعبه وأمته، أو إهماله لشؤون وظيفته ومصالح الشعب الذي هو مسؤول عنها وعنه، أو خاف من غضب شعبه عليه وانتقامه منه أو محاسبته - في يوم من الأيام - على أعماله وتصرفاته إذا وقع شيء من هذا ارتفعت الأصوات ونودي: أن ((المكاسب)) في خطر! ما بمثل هذا النوع تخدم الأوطان، وتجلب لها الرفاهية والسعادة! إن الحكام المنصفين النزهاء - أمثال عمر الفاروق - يسمعون كلام خصومهم قبل كلام أعوانهم وأنصارهم وأوليائهم، كي يصلحوا خللهم ويقوموا اعوجاجهم ليبقوا صالحين في أماكنهم، إذا كانوا صالحين للبقاء فيها، وكان عمر يقول: (رحم الله

стр. 193

عبدا أهدى إلي عيوبي) فعد ذلك منه هدية له، وعن سفيان بن عيينة قان: قال عمر بن الخطاب (أحب الناس إلي من رفع إلي عيوبي). إننا فقدنا النصيحة، وفقدنا تأثيرها فينا، وأحللنا مكانها، الغش والخديعة والتزوير، والبهتان والتملق وما إلى ذلك، ورسولنا ﵊ قال (من غشنا فليس منا). فقد فقدنا بالنصيحة حرية الرأي وحرية القول الذي يترجم عن ذلك الرأي وهذا من أمارات الخسران، وبذلك كثرت شهادة الزور التي هي من كبائر الذنوب، وانتشرت حتى من بعض من ينتسبون للعلم والجهاد، فيا ويل هؤلاء يوم يقفون بين يدي الله للحساب على ما صدر عن العباد، من العقاب الشديد لشاهد الزور. الإسلام يأمر المسلمين بأن ينصر يعضهم بعضا، كما ثبث هذا بصريح الحديث الصحيح، فالمفروض على المسلم أن ينصر أخاه المسلم إذا كان مظلوما، فيرد عنه ظلم الظالم له، أما إذا كان هذا الأخ ظالما فيكون عليه نصره أيضا بنهيه عن الظلم منه وإرجاعه إلى سبيل الحق والصواب، وهذا نصر له وهو ما ورد عن النبي ﷺ من أجل تربية المسلمين على قولة الحق والإنصاف والعدل، فقد قال ﵊ في الحديث الذي أخرجه الأئمة مثل البخاري وغيره عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه

стр. 194

وسلم (أنصر أخاك ظالما أو مظلوما، قيل كيف أنصره ظالما؟ قال تحجزه عن الظلم، فإن ذلك نصره). وأكثر ما يتعجب منه العقلاء والنزهاء في هذا الزمان ادعاء طائفة من الناس أنهم من أهل العلم وخاصة علم الدين، والواقع الملموس أنهم من أبعد خلق الله عليه، لهذا انكشف أمرهم، بل هم الذين كشفوا أنفسهم بأنفسهم، وهذه عاقبة الطائشين والذي لم يدرس شيئا في حياته كيف يسيغ لنفسه التكلم فيه، اللهم إلا إذا كان ذلك لغرض شخصي ونفس دنيئة ألفت الصيد في الماء العكر، أو دفعوا إليه دفعا من غيرهم وهذا أتعس شيء في حياة الإنسان، حيث يظهر أن ما قاله ليس منه بل أملي عليه إملاء، وعند الله يجتمع الخصوم. وقفة قصيرة وقفناها على حال المسلمين قبل إسلام عمر بن الخطاب وبعد إسلامه، وذكرنا شيئا عن ضعفاء الإيمان والعقيدة في الدين، وقد بان لنا من خلال ذلك صفات الرجال العظماء أصحاب المبادئ العالية والثابتة، التي كانت للحق لا للخلق، نرجو أن نحذو حذوها، فنستفيد منها، فلا صلاح للنفوس والمجتمعات في غير الحق والإنصاف، كما رأينا بعض صفات وخصال ذوي النفوس المهينة الحقيرة التي باعت ضمائرها لغيرها.

стр. 195

تعذيب المشركين لخباب: كان مشركو قريش يتفنون في تعذيب المؤمنين بالله وحده، كل حسب رأيه وهواه، فتعذيبهم وعذابهم لهم لا يختلف كثيرا، في مقاديره، وإنما يختلف في أنواعه، فقد كان البعض منهم يلبس من كلف بتعذيبه درع أو أدراع الحديد، ثم يصهرونهم في حر الشمس - يحمونهم بها - فيبلغ منهم الجهد والعذاب ما شاء الله أن يبلغ من حر الشمس وحر الحديد المحمى فيها معا، قال الشعبي وغيره: إن خبابا صبر على ذلك العذاب ولم يعط الكفار ما سألوه، فجعلوا يلصقون ظهره بالرضف - الحجارة المحماة بالنار أو بالشمس - حتى ذهب متنه. وروى عن عروة بن الزبير قال: كان خباب من المستضعفين الذين يعذبون في مكة ليرجع عن دينه. وروى عن خباب بن الأرت قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ ، وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، فقلنا: ألا تستنصر لنا؟ - أي تدعو الله تعالى لينصرنا على المشركين - ألا تدعو لنا؟ فجلس - محمرا - وجهه وقال: (لقد كان من قبلكم يحفر له حفرة، ويجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق، ما يصرفه عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون عظم من لحم أو عصب ما يصرفه عن دينه، وليتمن الله ﵎ هذا الأمر

стр. 196

حتى يسير الراكب ما بين صنعاء إلى خصرموت لا يخشى إلا الله تعالى والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون (١). فهذا امتحان لأهل الإيمان، هل يصبرون على ما يصيبهم فيفوزوا بالحياة الهنية السعيدة والآمنة، أو يجزعون فيخسروا ذلك؟ وقد انتدبهم الله إلى حمل شريعته وتبليغها إلى عباده المهيئين لحملها وتحملها وتحمل كل أذى يصيبهم في سبيل ذلك. وهذا ما أراده الله ورسوله للمؤمنين كي يصبروا ويوطنوا أنفسهم على تحمل الأتعاب والمشاق في سبيل العقيدة الإسلامية، عقيدة الحق والتوحيد، ولا يستعجلوا، فمن أراد الشهد أصابه لسع إبر النحل. كان خباب في جاهليته قينا - حدادا - يصنع السيوف، وكان رسول الله ﷺ يألفه ويأتيه فأخبرت مولاته - سيدته - بذلك فكانت تأخذ الحديدة المحماة فتضعها على رأسه - عقابا له - فشكا ذلك لرسول الله ﷺ ، فدعا له وقال: (اللهم انصر خبابا) فأجاب الله دعاء رسوله في هذه المراء سيئة الخلق والمعاشرة للمملوك الذي جعله الله تحت يدها، فعاشرته معاشرة سيئة إذ عاقبته بالنار لأن رسول الله ﷺ كان يتردد عليه ويجلس معه فاشتكت - مرضت هي الأخرى - سيدته

стр. 197

أم أنما - من مرض أصاب رأسها، فكانت تعوي مثل الكلب - من عقاب الله لها - فقيل لها، اكتوي، فكانت تأمر عبدها خبابا بأخذ الحديدة المحماة فيكوى بها رأسها. ما شاء الله كان، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فكان الجزاء الإلهي السريع من جنس العمل، وكان سريعا لكن مع وجود الفارق، كانت سيدته تعذبه بالنار ولا يستطيع أن يمتنع منها لأنها مالكته وسيدته، فبدعوة الرسول ﷺ نزل عليها قضاء من لا يخفى عليه شيء، سبحانك ما أعدلك يا رب العالمين، هذه هي محكمة العدل الإلهي، لا يفر منها ظالم مهما كان فأصابها وجع برأسها، فاضطرت إلى أن تطلب من عبدها خباب أن يكويها بالنار، إذ لعلها تجد في الكي راحة، فيكف عنها وجعها، كما كانت هي تكويه بالنار عقابا له على إيمانه واتباعه رسول الله ﷺ ، فتبارك الله أعدل الحاكمين وناصر المظلومين. قال الشعبي: سأل عمر بن الخطاب خبابا ﵄ عما لقي من المشركين؟ فقال: يا أمير المؤمنين أنظر إلى ظهري، فكشف له عن ظهره فلما رآه عمر قال: ما رأيت كاليوم ظهر رجل، وذلك لما رآى فيه من أثار الإحراق بالنار، من أجل عقيدته وتصديقه لرسول الله ﷺ وإيمانه به واتباعه لشرع الله وتركه لعبادة الأوثان، فقال خباب لما دهش عمر من أثر الحريق: لقد أوقدت لي نار وسحبت عليها فما أطفأها إلا ودك ظهري.

стр. 198

ومما أصابه من المشركين ما قصه هو بنفسه قال: كنت رجلا قينا - حدادا - وكان لي على العاص بن وائل - أحد طغاة المشركين - دين فأتيته أتقاضاه - أطلب ديني منه - فقال لي، لن أقضيك حتى تكفر بمحمد فقلت له: لن أكفر بمحمد حتى تموت ثم تبعث، فقال وإني لمبعوث من بعد الموت؟ فسوف أقضيك إذا رجعت إلى مال وولد - قالها استهزاء - قال فأنزل الله فيه ((أفرأيت الذي كفر بآيتنا وقال لأوتين مالا وولدا)) الآيات ٧٧ - ٧٨ - ٧٩ من سورة مريم. رواة الحديث عنه: وممن روى الحديث عن خباب الإمام الشعبي، ولهذا يذكر الكثير من أخباره، كما روى عنه غيره من رواة الحديث، وممن روى عنه ابنه عبد الله بن خباب ابن الأرت، فقد روى عن أبيه خباب قال: صلى رسول صلاة فأطالها فقلنا: يا رسول الله صليت صلاة لم تكن تصليها قال: (أجل إنها صلاة رغبة ورهبة، إني سألت الله ثلاثا، فأعظاني اثنتين ومنعني واحدة، سألته أن لا يهلك أمتي بسنة عامة فأعطانيها، وسألته أن لا يسلط عليهم عدوا من غيرهم فأعطانيها، وسألته أن لا يذيق بعضهم بأس بعض فمنعنيها) وقد أخرج حديث خباب هذا الإمام أحمد في مسنده وغيره عن رواة الحديث، كما جاء بعضه في حديث ثوبان - مولى رسول الله - عند الأئمة - مسلم والترمذي وأبي

стр. 199

داود وهو قوله (إن الله زوى لي الأرض، الخ) بقليل من اختلاف الألفاظ. وكان خباب ﵁ لا يأمن على نفسه من التقصير في العمل بما يرضي الله ، فكان بحذر شديد الحذر من أن يخالف فعله قوله، فقد ذكر ابن الأثير في كتابه ((أسد الغابة)) بسنده إلى مالك ابن الحارث عن أبى خالد، شيخ من أصحاب عبد الله قال: بينما نحن في المسجد إذ جاء خباب بن الأرت فجلس وسكت، فقال له القوم: إن أصحابك قد اجتمعوا لتحدثهم أو لتأمرهم، قال: بم آمرهم؟ ولعلي آمرهم بما لست، فاعلا. وروى قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال: عاد خبابا نفر من أصحاب رسول الله ﷺ فقالوا له: أبشر يا أبا عبد الله، إخوانك تقدم عليهم غدا، فبكى وقال: أما إنه ليس بي جزع من الموت ولكن ذكرتموني أقواما وسميتموهم إخوانا، وأن أولئك قد مضوا بأجورهم كما هي، وإني أخاف أن يكون ثواب ما تذكرون من تلك الأعمال ما أوتينا من بعدهم وأوتى بكفنه قباطي - نوع من الثياب الكتانية منسوبة غلى القبط - فبكى، ثم قال: لكن حمزة عم النبي ﷺ كفن في بردة، فإذا مدت على قدميه قلصت عن رأسه، وإذا مدت على رأسه قلصت على قدميه، حتى جعل عليه إذخر، ولقد رأيتني مع رسول الله صلى

стр. 200

الله عليه وسلم ما أملك دينارا ولا درهما، وإن في ناحية بيتي في تابوتي لأربعين ألف واف، ولقد خشيت أن تكون قد عجلت لنا طيباتنا في حياتنا. فكلمة ((خباب)) هذه تشبه كلمة ((عمر بن الخطاب)) ﵄، تلك الكلمة الوعظية التي قالها حين بسطت الدنيا أجنحتها على المسلمين، فكثر عليهم المال حتى فاض، بعد أن كانوا فقراء لا يجدون قوتا ولا كساء ولا مسكنا في أيامهم الخالية، قبل الإسلام، وقبل كثرة الفتوحات، ولا عجب في خوفهما هذا فكلاهما شرب من معين النبوة الصافي من الأكدار، وارتوى من نبع القرآن العذب المروي لا يحتاج الشارب منه إلى سواه وكلاهما يشير إلى آية سورة الأحقاف وهي قوله تعالى: ((ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون)) الآية ٢٠ من سورة الأحقاف، هكذا فهم أصحاب محمد ﷺ التلذذ بمتاع الحياة الدنيا، فهم يخشون شديد الخشية أن تكون هذه الملذات التي أصابوها في حياتهم الدنيا، بعد الفقر والفاقة، من أطعمة وألبسة، ومساكن وقصور، أن تكون هي حظهم من النعيم قدم لهم واستوفوه في حياتهم الدنيا، إذ قد أطلقوا لأنفسهم وشهواتهم العنان في التمتع بها وبجميع أصنافها وأنواعها بلا حدود يقفون عندها، لذا فهم يخشون أن لا يكون لهم نصيب في متاع

стр. 201

الحياة الآخرة، فيقول لهم ربهم ما يقول للكافرين الذين قضوا كل حياتهم الدنيا في الملاذ والشهوات، فإذا جاؤوا يوم القيامة للحياة التي وعدوا بها، وهي الحياة الدائمة، جاؤوا إليها بلا زاد لحياتهم هذه، إذ لم تتركهم شهواتهم يقدمون إليها شيئا من الطاعات لربهم يجدون ثوابه ينتظرهم لتلك الحياة الطويلة، والتي لا نهاية لها، فيقول لهم ربهم: لاحظ لكم هنا ولا نصيب من التمتع في هذه الحياة، فقد أذهبتم طيبات حياتكم هذه في حياتكم الأولى واستمتعتم يها هناك إذ غلبتكم شهوات نفوسكم، فلم تدخروا من الأعمال الصالحة لهذه الحياة ما يسعدكم فيها وينجيكم من عذاب الله إذ اتباع الشهوات يقود صاحبه إلى النار، كما أن فعل ما تكرهه النفوس - ترضية لله - يقود صاحبه إلى الجنة دار الراحة والكرامة والتكريم، وقد حذرنا الرسول ﷺ بما لا مزيد عليه لمن هداه الله ووفقه لما يرضى عنه ربه مثل حديث البخاري عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (حجبت النار بالشهوات، وحجبت الجنة بالمكاره) ومثل حديث الأئمة أحمد ومسلم والترمذي عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال - عن الله - ((حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار باشهوات)). فالجنة محجوبة عن الأنظار بفعل ما هو ثقيل على النفس فتكرهه، فمن ألزم نفسه بما تكرهه كأن يقوم بالفرائض التي أوجبها الله عليه كالصيام والصلاة والزكاة الخ

стр. 202

وألزم نفسه - وهي كارهة لها - بأدائها دخل الجنة ومن غلبته شهوات نفسه - وذلك ما تحبه النفس الأمارة بالسوء - وأطاعها وعصى ربه، قادته طاعته لنفسه باتباع شهواتها إلى جهنم، فالسور الذي أحيطت به الجنة هو ما تكرهه النفوس وما هو ثقيل عليها، والسور الذي أحيطت به النار هو اتباع شهوات النفس وهو خفيف عليها فتخطي سور الجنة للدخول إليها لا يكون إلا بما تكرهه النفس، كما أن فعل كل ما تشتهيه النفس وما هو خفيف عليها يدخل إلى النار، هذا معنى الحديثين الشريفتين والتوفيق من الله تعالى. فكلا الصحابيين ﵄ نظر إلى ما ناله المسلمون من متاع الدنيا بعد أن كانوا محرومين منه، فخافا أن مكون هذا تعجيلا من الله لهم ثوابهم الذي أعطاهم لهم جزاء أعمالهم التي قدموها في الحياة الدنيا ليجدوا ثوابها في الآخرة، فإن كل واحد منهما خاف أن يكون قد تعجل في الدنيا - أجر طاعته لله - كالجهاد في سبيل الله - مثلا - ولا يكون له نصيب منه في الآخرة فكان عمر يقول: أخشى أن يقول الله لنا كما يقول للكافرين: ((أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون)) سورة الأحقاف الآية ٢٠. وعندما مرض خباب مرضه الشديد وطال به واكتوى سبع كيات، وعاده بعض إخوانه قال لهم: لولا أني

стр. 203

سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا ينبغي لأحد أن يتمنى الموت لألفاني حتى تمنيته). ونزل خباب الكوفة ومات بها، وجاء أنه أول من دفن بظهر الكوفة من الصحابة، وكان موته سنة سبع وثلاثين، وهو ابن ثلا ث وسبعين سنة، ولم يشهد ((صفين)) مع علي، قال زيد بن وهب: سرنا مع علي حين رجع من صفين حتى إذا كان عند باب الكوفة إذا نحن بقبور سبعة عن أيماننا، فقال علي: ما هذه القبور؟ فقالوا: يا أمير المؤمنين إن خباب بن الأرت توفي بعد مخرجك إلى صفين، فأوصى أن يدفن في ظاهر الكوفة، وكان الناس إنما يدفنون موتاهم في أفنيتهم وعلى أبواب دورهم فلما رأوا خبابا أوصى أن يدفن بالظهر دفن الناس، ثم دنا من قبورهم فقال: (السلام عليكم يا أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، أنتم لنا سلف فارط، ونحن لكم تبع، عما قليل لا حق، اللهم اغفر لنا ولهم، وتجاوز بعفوك عنا وعنهم، طوبى لمن ذكر المعاد، وعمل للحساب وقنع بالكفاف، وأرضى الله . وأخرج الطبراني من طريق زيد بن وهب قال: لما رجع علي من ((صفين)) مر بقبر خباب فقال: (رحم الله خبابا، أسلم راغبا، وهاجر طائعا، وعاش مجاهدا، وابتلي في جسمه أحوالا، ولن يضيع الله أجره). هذه شهادة تزكية واعتراف من أمير المؤمنين ((علي)) كرم الله وجهه لهذا البطل العظيم من أبطال الإسلام

стр. 204

وعقيدة التوحيد، فهو لها أهل، وبها أحق وأجدر، ﵀ ورضي عنه، وجعل في المسلمين المعاصرين من يسلك سبيله ويقتفي أثره آمين. وذكر ابن سعد في طبقاته الكبرى قال: دخل خباب بن الأرت على عمر بن الخطاب فأجلسه على متكئه وقال: ما على الأرض أحد أحق بهذا المجلس من هذا إلا رجل واحد، فقال له خباب: من هو يا أمير المؤمنين؟ قال: بلال - وفي رواية عمار بن ياسر - قال فقال له خباب: يا أمير المؤمنين ما هو بأحق به مني، إن بلالا كان في المشركين من يمنعه الله به، ولم يكن لي أحد يمنعني، فلقد رأيتني أخدوني وأوقدوا لي نارا ثم سلقونى - أحرقوتي - فيها، ثم وضع رجل رجله على صدري، فما اتقيت الأرض، أو قال برد الأرض إلا بظهري، قال: (ثم كشف عن ظهره، فإذا هو قد برص) أي أصابه البرص من العذاب بالنار. وشهد خباب بدرا، وأحدا، والخندق، والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ﵀ ورضي عنه ورزقنا القدوة الحسنة لإبطال الإسلام ذوي العقيدة الراسخة والإيمان القوي المتين الذي لا تزعزعه صروف الأيام، ولا تقلبات الزمان والأحوال آمين.

стр. 205

- ٩ - سلمان الفارسي وابتداؤه رحلة الإيمان ــ هو أبو عبد الله سلمان الفارسي، ويعرف - بعد إسلامه - سلمان الخير، وهو أحد المؤمنين المستضعفين، الذين عذبهم كفار قريش المشركون لعقيدتهم التي آمنوا بها - عقيدة التوحيد - ولإسلامهم وإيمانهم بالله وبرسوله، ولتركهم للأوثان وعبادتها وعبادها، بالرغم من أنه نشأ في وسط المجوسية وعبادة النار، ولكن الله أراد له السعادة الأبدية، والنجاة السرمدية، فساقه إلى حمى الإسلام، وسئل يوما عن نسبه فأجاب: (أنا ابن الإسلام). أصله من بلاد الفرس، ومن بلدة تسمي ((رام هرمز)) وقيل أنه من ((جي)) وهي مدينة بناحية (أصبهان) المشهورة، وكان اسمه قبل إسلامه ((مابه بن بوذخشان)) وكان مجوسيا - بحكم بيئته وقومه - ممن يعيدون النار، كما كان سادنها وخادمها الذي يزودها بالحطب حتى لا تخمد، والقائم عليها، وكان سبب إسلامه ما أخبر به - هو - نفسه عبد الله بن عباس رضي الله عنهم

стр. 206

أجمعين، قال ابن عباس: حدثني سلمان الفارسي وأنا أسمع من فيه قال: كنت رجلا من أهل فارس من أصبهان من قرية يقال لها (جي) ابن رجل من دهاقينها، وقال كان: أبي دهقان (١) أرضه، وكنت أحب خلق الله إليه وفى رواية أحب عباد الله إليه، فأجلسني في البيت كالجواري، فاجتهدت في المجوسية حتى كنت (قاطن النار) الذي يوقدها ولا يتركها تخبو - تطفأ - ساعة وكانت لأبي ضيعة - مزرعة - وكان له بنيان يعالجه، فقال لي يوما: يا بني قد شغلني ما ترى فانطلق إلى الضيعة، - وأمرني ببعض ما يريد - ولا تحتبس عني، فإنك إن احتبست عني كنت أهم إلى من ضيعتي وشغلتني عن كل شيء من أمري، قال: فخرجت لذلك، فمررت بكنيسة من كنائس النصارى، فسمعت فيها أصواتهم وهم يصلون، فملت إليهم وأعجبني أمرهم، فقلت هذا والله خير من ديتنا، فأقمت عندهم حتى غابت الشمس، لا أنا آتيت الضيعة، ولا رجعت إليه فاستبطاني وبعث رسلا في طلبي، وقد قلت للنصارى حين أعجبني أمرهم، أين أصل هذا الدين؟ قالوا بالشام، فرجعت إلى والدي فقال: يا بني قد بعثت إليك رسلا فقلت: مررت بقوم يصلون في كنيسة فأعجبني ما رأيت من أمرهم، وعلمت أن دينهم خير من ديننا، فقال: يا بني دينك ودين آبائك خير من دينهم،

стр. 207

فقلت كلا والله، فخافني وقيدنى بالحديد، فبعثت إلى النصارى وأعلمتهم ما وافقني من أمرهم. وقصته مذكورة في كتاب ((دلائل النبوة)) للإمام البيهقي وفي غيره. سلمان الفارسي يبحث عن حقيقة العقيدة والدين الصحيح: هذا سلمان الفارسي في رحلة زمانية ومكانية طويلة وشاقة محفوفة بالمخاطر والأهوال، وفي نهايتها يبلغ مراده، بعد أتعاب ومشاق وأهوال، قال سلمان وسألتهم - النصارى - إعلامي بمن يريد الشام ففعلوا، قال: فألقيت الحديد من رجلي وخرجت معهم إلى الشام، فسألتهم عن عالمهم؟ فقالوا: الأسقف فأتيته فأخبرته وقلت له أكون معك، أخدمك وأصلي معك، فقال: أقم، فمكثت مع رجل سوء في دينه وكان يأمرهم بالصدقة، فإذا أعطوه شيئا أمسكه لنفسه، حتى جمع سبع قلال مملوءة ذهبا وورقا - فضة - فتوفي فأخبرتهم بخبره، فزبروني - زجروني - فدللتهم على ماله، فصلبوه ولم يغيبوه ورجموه، (فقد كان هذا الراهب يسرق الأموال باسم الدين، فجازوه جزاء الخائن للأمانة، فما أولى بهذا الحكم وما أحقه بالتطبيق على خونة هذا الزمان باسم الدين) قال سلمان، وأجلسوا مكانه رجلا فاضلا في دينه، زهدا ورغبة في الآخرة

стр. 208

وصلاحا، فألقى الله حبه في قلبي حتى إذا حضرته الوفاة قلت له: أوصني، فذكر رجلا بالموصل، كانا على أمر واحد، حتى هلك، فأتيت الموصل، فلقيت الرجل فأخبرته بخبري، وأن فلانا أمرني بالإتيان إليك، فقال لي: أقم، فوجدته على أمره وسبيله، حتى حضرته الوفاة، فقلت له: أوصني فقال ما أعرف أحدا على ما نحن عليه إلا رجلا بعمورية - بلدة في أرض الروم - - الشام -، فأتيته بعمورية فأخبرته بخبري، فأمرني بالمقام عنده واكتسبت، فاتخذت غنيمة وبقرات فحضرته الوفاة فتلت له: إلى من توصي بي، وبم تأمرني؟؟ فقال أي بني، والله لا أعلم أحدا اليوم على مثل ما كنا عليه، ولكن قد أظلك زمان نبي يبعث بدين إبراهيم ((الحنيفية)) يخرج بأرض العرب، مهاجره بأرض بين حرتين، بينهما نخل، وبه آيات وعلامات لا تخفى، بين منكبيه خاتم النبوة، يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، فإن استطعت أن تلحق بتلك الأرض فافعل. ثم استمر سلمان في سرد قصته - العجيبة - وهداية الله له إلى الإسلام الحنيف، الذي رحل من أجله هذه الرحلة الطويلة في الزمان والمكان بحثا عن الحقيقة إلى أن ظفر بمبتغاه، قال سلمان: فتوفي ذلك الرجل الصالح - وهو الثالث ممن صحبهم سلمان - من أجل البحث عن الدين الحق، والعقيدة الصحيحة، ومر بي ركب من العرب من قبيلة (كلب) فقلت لهم، أصحبكم وأعطيكم بقراتي وغنمي هذه وتحملوني إلى بلادكم

стр. 209

فحملوني إلى وادي القرى (١) قال سلمان: فظلموني وباعوني عبدا من رجل يهودي، فرأيت النخل فعلمت أنه البلد الذي وصف لي، فأقمت عند الذي اشتراني، وقدم عليه رجل من بني قريظة، فاشتراني منه وقدم بي إلى ((المدينة)) فعرفتها بصفتها، فأقمت في ((رقي)) معه أعمل في نخله، وبعث الله نبيه محمدا ﷺ ، فأقام بمكة ما أقام، وعقلت عن ذلك، حتى قدم المدينة، فنزل في بني عمرو بن عوف، فإني لفي رأس نخلة إذ أقبل ابن عم لصاحبي فقال: أي فلان قاتل الله بني قيلة (٢) مررت بهم آنفا وهم مجتمعون على رجل قدم عليهم من مكة، يزعم أنه نبي فوالله ما هو إلا أن سمعتها فأخذني العرواء - الرعدة من الحمى والبرد - ورجفت بي النخلة حتى كدت أن أسقط، ونزلت سريعا فقلت: ما هذا الخبر؟ فلكمني صاحبي لكمة شديدة وقال: وما أنت وذاك؟ أقبل على شأنك، فأقبلت على عملي حتى أمسيت، فجمعت شيئا فأتيته به وهو بقباء عند أصحابه، فقلت له: اجتمع عندي شيء أردت أن أتصدق به، فبلغني أنك رجل صالح ومعك رجال من أصحابك ذوو حاجة، فرأيتكم أحق به، فوضعته بين يديه، فكف يده وقال لأصحابه: كلوا، فأكلوا، فقلت هذه واحدة - يعني من أمارات

стр. 210

نبوته - ورجعت وتحول إلى المدينة فجمعت، شيئا فأتيته به فقلت: أحببت إكرامك فأهديته لك هدية وليست بصدقة، فمد يده فأكل، وأكل أصحابه، فقلت هاتان اثنتان، ورجعت، فأتيته وقد تبع جنازة في بقيع الغرقد وحوله أصحابه، فسلمت وتحولت أنظر إلى الخاتم في ظهره، فعلم ما أردت، فألقى رداءه، فرأيت الخاتم، فقبلته وبكيت فأجلسني بين يديه، فحدثته بشأني كله، كما حدثتك يا ابن عباس، فأعجبه ذلك وأحب أن يسمعه أصحابه، قال سلمان: ما فاتني من الغزوات مع رسول الله ﷺ إلا بدر وأحد، فقد فاتاني بسبب الرق، لأني كنت عبدا مملوكا لليهودي. سلمان يكاتب عن حريته: لأن الحرية مبدأ أساسي في الإسلام: كان رسول الله ﷺ يدعو إلى الحرية والتحرر من ربقة الرق والعبودية لغير الخلاق العليم وهذا هو المبدأ الإسلامى الأساسي في الدعوة، بل وفي حياة المسلمين كلها، والحرية مبدأ أساسي في الإسلام فالإنسان ولد حرا، فينبغي أن تبقى له حريته هذه وتصاحبه طول حياته كي يتمتع بها، إذ هي هبة له من الله خالقه ورازقه ومدبر أموره كلها، فإذا طرأ عليها طارئ الرق والعبودية بأي أسلوب كانت هذه العبودية،

стр. 211

أسرع الإسلام وتشريعه الرباني إلى فك رقبته من قيود العبودية، من أجل هذا شرع الإسلام تحرير الرقبة في الكفارات وفى غيرها من سبل البر والخير، والإحسان إلى الناس، وخاصة الضعفاء منهم والحرية مطلب مهم في التشريع الإسلامي وقد ذكرت هذه الآية وجها من ذلك، في قوله تعالى: ((قلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسبغة يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة أولئك أصحاب الميمنة)) (١) لذلك قال رسول الله ﷺ لسلمان: (كاتب يا سلمان عن نفسك). فالقرآن يحض المسلمين ويحثهم على ما فيه الخير لبني الإنسان كلهم في هذه الآيات الثمانية، على فك الرقبة - تحريرها - من قيد العبودية، إلى ميدان الحرية، أو إطعام البطون الجائعة في أيام المجاعة المهلكة - وهي المسغبة - لليتامى والمساكين، ويزيد على ما ذكر إيمان وتصديق بالله وبرسوله وبكل ما جاء من لدن رب العالين، مع رحمة وعطف على النفس وعلى عباد الله أجمعين، ملأت القلب وصيرته زينة للنفس، إذ بدونها لا يساوي قلامة ظفر. فبهذه المذكورات هنا وبغيرها من خصال الخير من كل ما جاء في الشرع الإسلامي، يمكن اقتحام عقبة يوم

стр. 212

القيامة، ولا عقبة هنا، وإنما المراد بها الشدائد يوم القيامة والحساب الذي سيحاسبه العباد، وهو أمر شديد يشبه صعود العقبة الصعبة الصعود، وهي عقبة شديدة الاقتحام لا يعرف الإنسان حقيقتها، ويكفيه دلالة على شدة يوم القيامة وما يقع فيه من الأهوال أن الله عبر عنه هنا باقتحام العقبة لما فيمه من الشدائد والأهوال على ضعفاء الإيمان أو عادميه، فقد ذكر أهوال يوم القيامة الشديد بلفظ العقبة، لأن صعود العقبة شاق ومتعب لا يستطيعه إلا أقوياء الأبدان - وهو هنا الإيمان - الأشداء فيه، فكذلك الحساب يوم القيامة وهو آت لا ريب فيه، سواء آمن به بعض البشر أو جحدوه، وهو يوم الوقوف بين يدي الرب الواحد القهار المعبود بحق، في ذلك اليوم المشهود، وتلك العقبة الكؤود الشاقة والصعبة الصعود، فلا يستطيع تخطي هذه العقبة إلا الصالحون والصادقون. نعود إلى سرد قصة صاحب رسول الله ﷺ ((سلمان)) الفارسي حيث استقر به المقام بالمدينة المنورة بعد أن حظي بمراده، وبلغ مناه، بعد تلك الرحلة الطويلة التي قطع فيها ((سلمان)) مئات الأميال لينال ما جاء من أجله، وهو جائزة سنية للحياة الحقة، وذلك في اعتناقه للإسلام ومشاهدته وصحبته لرسول الله ﷺ ، وأي مكسب خير من هذين المكسبين العظيمين، غير أن حظه هذا لم يكن سهلا ميسورا، فقد كلفه ذلك ما كلفه من أتعاب وأوصاب،

стр. 213

فقد فقد - زيادة عما ذكر - حريته الشخصية من أجل ذلك، إلى أن أعادها إليه الإسلام، ولم يخف الله فيه من صحبه من وطنه ذلك إلى أرض العرب، فاسترقه واستعبده، وهو حر ابن أحرار على ما كان سائدا في ذلك الزمان المظلم بظلام الجاهلية الأولى، وباعه من التجأ إليه في مسيرته تلك لليهود أعداء الله والحرية وعباد المادة والمال، وهم أشرار خلق الله، وتاريخ الإنسانية عامر بمآسيهم المحزنة، ومآمراتهم الخسيسة، وفسادهم في الأرض، قلنا أن رسول الله ﷺ أمر سلمان بتحرير رقبته - بالمكاتبة - ونزع قيد الذل والعبودية عنه، فقال له الحبيب محب الحرية والتحرر كما أخبر سلمان نفسه، قال ناداني رسول الله ﷺ وقال لي: (كاتب يا سلمان عن نفسك). قال سلمان: فلم أزل بصاحبي - يعني مالكه اليهودي - أسأله وأطلب منه المكاتبة، حتى كاتبني على أن أغرس له ثلاثمائة وقيل خمسمائة (ودية) - صغار النخل - - فسيلة - وهي الجبارة أو الزمرة كما يسميها عندنا في الجزائر أهل غراسة النخيل لا زراعة النخيل فالنخيل تغرس ولا تزرع، مضافا إلى الثلاثمائة ((ودية)) أربعين أوقية من الذهب، على هذا المبلغ من الذهب والغراسة المذكورة تم الاتفاق بين سلمان ومالكه اليهودي، وهو مبلغ باهظ يطلب من رجل فقير لا مال عنده، وغريب عن هذه الديار ولا أهل له يعينونه على أداء ما أبرم بينه وبين اليهودي وهو من جنس الذين

стр. 214

لا يرحمون سواهم، ولكنه ثمن ((الحرية)) والحرية يبذل فيها كل ما يمكن بذله من جهد ومال وأنفس ثلاثمائة - فسيلة - وأربعون أوقية ذهبا، ثمن كثير وأخبر سلمان رسول الله ﷺ بما تم الاتفاق عليه مع اليهودي الجشع، قال سلمان: فقال رسول الله ﷺ لأصحابه رضوان الله عنهم أجمعين (أعينوا أخاكم) قال سلمان: فأعانوني بالخمس والعشر نخلات صغيرة، حتى اجتمع عدد الثلاثمائة بفضل هذا التعاون من الصحابة وبفضل أمر رسول الله ﷺ لهم بمديد المعونة لأخيهم سلمان على فك رقبته وقيده من ذل العبودية قال سلمان: فقال لي الرسول ﷺ : (اذهب يا سلمان ففقر - احفر - لها، ولا تضع منها شيئا حتى أضعه أنا بيدي) فقال سلمان: ففعلت ما أمرني به رسول الله ﷺ ، فأعانني أصحابي على الحفر حتى فرغت، فأتيته، فكنت آتيه بالنخلة فيضعها ويسوي عليها ترابا، فانصرف - والذي بعثه بالحق - فما ماتت منها واحدة، وبقي الذهب، فبينما هو قاعد إذ أتاه رجل من أصحابه بمثل بيضة الدجاجة من ذهب أصابه من بعض المعادن، وقيل من بعض الغزوات فقال (دع لي سلمان المسكين الفارسي المكاتب، فلما جئته قال: أد هذه) فقات: يا رسول الله وأين تقع هذه مما علي، قال (خذها فإن الله سيؤدي بها عنك).

стр. 215

قال سلمان فأخذتها فوزنت لهم منها - والذي نفس سلمان بيده - أربعين أوقية، فأوفيتهم حقهم منها. وبهذا التعاون الإسلامي تم عتق رقبة سلمان الفارسي، وخرج للدنيا حرا طليقا حرا مثل عباد الله الأحرار، وكما رأينا، فقد شارك في تحرير سلمان ثلة من الصحابة بالتعاون، وأمامهم إمامهم الرسول العظيم ﷺ ، فقد بذل لسلمان ما أعانه على الوفاء بما التزم به لمالكه اليهودي، أعانه بعرق جبينه الشريف، حيث كان يغرس له بيده الطاهرة كل (ودية جبارة) فصلحت كلها، ولم تيبس منها واحدة هكذا كان ويكون التعاون بين المسلمين، لا فرق بينهم في المعاملة الحسنة، كلهم يتعاونون على فعل الخير وليس هناك مثال - وكم له من أمثال - أدل على هذا التعاون من مشاركة خير الخلق أجمعين في عمل شاق فيه تحرير رقبة ((عبد)) من فارس، ذلك أن الإسلام يعتبر المسلمين كلهم إخوة، بلا فرق في العرق والجنس، ليت المسلمين رجعوا إلى تشريع شريعتهم وألغوا ما استوردوه من فضلة قوانين وضعية وضعها الكفرة بالله، زرعت بينهم الحسد عن التعاون والبغضاء والأنانية وحب الذات، وهذه كلها أمراض تصيب المجتمع فتعوقه وتقتل فيه روح التعاون، ليتهم يفعلون هذا فيسعدوا وينفعوا بحياتهم هذه، فقد كفاهم ما هم فيه من التفرق والتدابر والتناحر والتخاذل الشنيع وهذه الأمراض الاجتماعية نتيجة لتلك الأمراض،
следующие страницы →