← Акыда

Акыда · id 115133

كتاب التوحيد المسمى التخلي عن التقليد والتحلي بالأصل المفيد

عمر العرباوي

Полный текст (261 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

والملكوت، والعزة والجبروت، له السلطان والقهر، والخلق والأمر، السماوات مطويات بيمينه، والخلائق مقهورون في قبضته. وأنه المتفرد بالخلق والاختراع، المتوحد بالإيجاد والإبداع خلق الخلق وأعمالهم، وقدر أرزاقهم وآجالهم، لا يشذ عن قبضته مقدور، ولا يعزب عن قدرته تصاريف الأمور، ولا تحصى مقدوراته، ولا تتتاهى معلوماته. العلم: وأنه عالم بجميع المعلومات. محيط علمه بما يجري في تخوم الأرضين إلى أعلى السماوات لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، بل يعلم دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، ويدرك حركة الذر في جوف الهواء، ويعلم السر وأخفى، ويطلع على هواجس الضمائر، وحركات الخواطر وخفيات السرائر يعلم بعلم قديم أزلي، لم يزل موصوفا في آزال الآزال لا بعلم متجرد حاصل في ذاته بالحلول والانتقال ... الإرادة: وأنه مريد للكائنات، مدبر للحادثات، لا يجري في الملك والملكوت قليل أو كثير، صغير أو كبير، خير أو شر، نفع أو ضر، عرفان أو نكر، فوز أو خسر، زيادة أو نقص، طاعة أو عصيان، كفر أو إيمان، إلا بقضائه وتقديره، وحكمه ومشيئته، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، لا يخرج عن مشيئته لفتة ناضر، ولا فلتة خاطر، بل هو المبديء المعيد، الفعال لما يريد، لا راد لحكمه، ولا معقب لقضائه، ولا مهرب لعبد من معصيته، إلا بتوفيقه ورحمته ولا قوة على طاعته إلا بمحبته وإرادته، لو اجتمع الإنس والجن، والملائكة والشياطين على أن يحركوا في العالم ذرة أو يسكنوها دون إرادته لعجزوا عنه. وأن إرادته قائمة بذاته، في جملة صفاته، لم يزل كذلك موصوفا بها، مريدا في أزله لوجود الأشياء في أوقاتها التي قدرها، فوجدت في أوقاتها، كما أراده في أزله من غير تقدم ولا تأخر، بل وقعت على وفق علمه وإرادته من غير تبديل ولا تغيير، دبر الأمور لا بترتيب أفكار وتربص زمان، فلذلك لم يشغله شأن عن شأن:

стр. 107

السمع والبصر: وأنه تعالى سميع بصير، يسمع ويرى، ولا يعزب عن مسموعه مسموع وإن خفي، ولا يغيب عن رؤيته مرئي وإن دق، لا يحجب سمعه بعد، ولم لا يدفع رؤيته ظلام، يرى من غير حدقة وأجفان، ويسمع من غير أصمخة وآذان، كما يعلم بغير قلب، ويبطش بغير جارحة، ويخلق بغير آلة، إذ لا تشبه صفاته صفات الخلق، كما لا تشبه ذاته ذات، الخلق. الكلام: وأنه متكلم آمر ناه، واعد متوعد، بكلام أزلي قديم قائم بذاته، لا يشبه كلام الخلق، فليس من انسلال الهواء، أو أصطكاك أجرام، ولا حرف منقطع باطباق شفة أو تحريك لسان. وأن القرآن والتوراة والإنجيل والزبور، كتبه المنزلة على رسله، وأن القرآن مقروء بالألسنة مكتوب بالمصاحف مخطوط في القلوب، وأنه مع ذلك قديم، قائم بذات الله تعالى. لا يقبل الانفصال والفراق بالانتقال، في القلوب والأوراق، وأن موسى ﵇ سمع كلام الله بغير صوت ولا حرف كما يرى الأبرار ذات الله تعالى من غير جوهر ولا عرض، ومن كانت له هذه الصفات كان حيا عالما، قادرا، مريدا، سميعا، بصيرا، متكلما، بالحياة والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والكلام لا بمجرد الذات ... الأفعال: وإنه لا موجود سواه إلا وهو حادث بفعله، وفائض من عدله على أحسن الوجوه وأكملها، وأتمها وأعدلها، وأنه حكيم في أفعاله، عادل في أقضيته ولا يقاس عدله بعدل العباد، إذ العبد يتصور منه الظلم بتصرفه في ملك غيره، ولا يتصور الظلم من الله تعالى، فإنه لا يصادف لغيره ملك حتى يكون تصرفه فيه ظلما ... فكل ما سواه من إنس وجن، وشيطان وملك وسماء وأرض وحيوان ونبات، وجوهر وعرض، ومدرك ومحسوس، حادث اخترعه بقدرته بعد العدم اختراعا وأنشأه بعد أن لم يكن شيئا، إذ كان في الأزل موجودا

стр. 108

وحده، ولم يكن معه غيره، فأحدث الخلق بعده إظهارا لقدرته وتحقيقا لما سبق من إرادته، وحق في الأزل من كلمته، لا لافتقاره إليه وحاجته. وأنه تعالى متفضل بالخلق والإختراع والتكليف، لا عن وجوب، ومتطاول بالإنعام والإصلاح، لا عن لزوم وله الفضل والإحسان، والنعمة والامتنان، إذ كان قادرا على أن يصب على عباده أنواع العذاب، ويبتليهم بضروب الآلام والأوصاب، ولو فعل ذلك لكان منه عدلا، ولم يكن قبيحا ولا ظلما. وأنه يثيب عباده على الطاعات، بحكم الكرم والوعد لا بحكم الاستحقاق واللزوم، إذ لا يجب عليه فعل، ولا يتصور منه ظلم، ولا يجب لأحد عليه حق ... وحقه في الطاعات واجب على الخلق بإيجابه على لسان أنبيائه، لا بمجرد العقل، ولكنه يبعث الرسل، وأظهر صدقهم بالمعجزات الظاهرة، فبلغوا أمره ونهيه، ووعده ووعيده، فوجب على الخلق تصديقهم بما جاءوا به.

стр. 109

الإيمان بالغيب الإيمان بالغيب هو الدعامة الثانية من دعائم العقيدة الإسلامية، والإيمان بالغيب هو الدعامة في كل دين، لأن وراء هذا العالم المادي عالم آخر غيره، فمن لم يؤمن به فقد جحده، ولا يمكن أن يكون إيمان بالله من غير إيمان بالغيب، ولذلك يقول الله في أوصاف المؤمنين ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾. الغيب ما خرج عن متناول الحواس، وإدراك العقل، والإيمان بما يجيء من عالم الغيب، لا معتبر له إلا إذا كان مسند إلى جهة لا يتطرق إليها الكذب، وإلا كان التصديق بما يخبر به العرافون والكهنة وغيرهم ممن يدعون علم الغيب، إيمانا، وهو ليس من الإيمان في شيء، وإنما المراد بالإيمان هنا ما يخبر به رسل الله وأنبياؤه أقوامهم من أمر الآخرة التي لا علم للناس بها. فأول صفة من صفات المتقين هي الإيمان بالغيب التي يخبر بها الرسل ﵈ حيث تلقوا الأخبار عن تلك الغيبيات وحيا من الله، وهم الأمناء على ما أوحى إليهم من ربهم ... فلا إيمان لمن لا يؤمن بالله، ولا إيمان لمن لا يؤمن برسل الله، ولا إيمان لمن لا يؤمن بما يحمل رسل الله من رسالات وما يبلغون من أوامر ونواهي، وما يبلغون من أخبار، وملاك التقوى هو الإيمان، فلا تقوى لمن لا إيمان له، فإذا جاء الإيمان على تلك الصورة، كان داعية لأن يقيم الإنسان على طريق التقوى، وأن يؤهله لتلك الصفات التي وصف الله سبحانه بها المتقين، الذين يقيمون الصلاة وينفقون مما رزقهم الله، ويؤمنون بما أنزل على محمد ﷺ ، إيمانا مفصلا، وبما أنزل على رسل الله من قبله إيمانا مجملا، ثم ينتهي بهم ذلك الإيمان إلى الإيمان باليوم الآخرة، والإيمان بالملائكة وهي الأرواح المطهرة، والإيمان بكل المخلوقات المغيبة عن حسنا، والإيمان بأن هذه الحياة الدنيا هي الحياة الفانية، وما بعدها

стр. 110

هي الحياة الباقية، وهي الأخرى، وأن الإيمان بالحياة الأخرى هو لب الدين، يجازي فيها المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته .. وأن الإيمان بالغيب والنشور والحساب والعقاب والثواب من شأنه أن يعلو بالإنسان من مرتبة الحيوان ولا يجعل حياته عقيمة لا تنتج، ويدفع عنه التشاؤم النفسي، فهي إن لم يسعد في الحاضرة رجا السعادة في الآخرة، والمؤمن يتربى فيه الوجدان والإحساس بالتبعية إذا آمن بالآخرة ... ولقد كان العبيد والفقراء يقاومون السادة والأغنياء ويرضون بالعذاب ولا يبالونه لأنهم مؤمنون بما عنده في اليوم الآخر، فالإيمان باليوم الآخر ذخيرة إنسانية ومن حرمها فقد حرم خير زاد يعلو به الإنسان، ويقاوم أحداث الزمان. ولا يقبل إيمان عبد حتى يؤمن بما أخبرت عنه السنة بعد الموت من سؤال منكر ونكير في القبر وهما ملكان مهيبان هائلان يقعدان العبد في قبره سويا ذا روح وجسد، فيسألانه عن التوحيد، والرسالة ويقولان: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ وهما فتانا القبر، وسؤالهما أول فتنة القبر. وأن يؤمن بعذاب القبر، وأنه حق، وحكمه عدل، على الجسم والروح على ما يشاء ... ويؤمن بالميزان ذي الكفتين واللسان توزن فيه الأعمال بقدرة الله تعالى سواء كانت كبيرة أو صغيرة مثل مثاقيل الذر، والخردل، تحقيقا لتمام العدل، وتطرح صحائف الحسنات في صورة حسنة في كفة النور، فيثقل بها الميزان، على قدر درجاتها عند الله، بفضل الله تعالى، وتطرح صحائف السيئات في كفة الظلمة فيخف بها الميزان بعدل الله تعالى ... وأن يؤمن بالصراط فهو حق، وهو جسر ممدود على متن جهنم، أحد من السيف، وأدق من الشعرة، تزل عليه أقدام الكافرين بحكم الله تعالى، فيهوي يهم إلى النار، وتثبت عليه أقدام المؤمنين، فيساقون إلى دار القرار ...

стр. 111

وأن يؤمن بالحوض المورود حوض سيدنا محمد ﷺ يشرب منه المؤمنون قبل دخول الجنة وبعد جواز الصراط من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا عرضه مسيرة شهر، ماؤه أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل حوله أباريق عددها عدد نجوم السماء فيه ميزابان يصبان من الكوثر، ويؤمن بيوم الحساب، وتفاوت الحق فيه، إلى مناقش في الحساب، وإلى مسامح فيه، وإلى من يدخل الجنة بغير حساب، وهم المقربون ... فيسأل من شاء من الأنبياء عن تبليغ الرسالة، ومن شاء من الكفار عن تكذيب المرسلين، ويسأل المبتدعة عن السنة، ويسأل المسلمين عن الأعمال ... ويؤمن بإخراج الموحدين من النار بعد قضاء ما عليهم فيها، حتى لا يبقى في جهنم موحد بفضل الله تعالى، ويؤمن بشفاعة الأنبياء، ثم العلماء، ثم الشهداء، ثم سائر المؤمنين كل على حسب جاهه ومنزلته، وشفاعة هؤلاء جميعا لا تكون إلا بإذن الله، فهي ليست شفاعة قدرة من العباد بل هي شفاعة تكريم الله لبعض الأتقياء ومن بقي من المؤمنين لم يكن له شفيع أخرج بفضل الله تعالى، ولا يخلد في النار مؤمن، بل يخرج منها من كان في قلبه ذرة من الإيمان ... وأن يعتقد فضل الصحابة وترتيبهم، وأن أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ ، أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي ﵃، وأن يحسن الظن بجميع الصحابة ويثني عليهم كما أثنى الله تعالى ورسوله ﷺ عليهم أجمعين، فكل ذلك وردت به السنة، وشهدت به الآثار، فمن اعتقد جميع ذلك موقنا به، كان من أهل الحق وعصابة السنة، وفارق رهط الضلال والبدعة ...

стр. 112

الإيمان بالرسل أجمعين الإيمان بالرسل السابقين جزء من العقيدة الإسلامية وقد صرح القرآن الكريم بذلك قال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ ... إلى آخر الآية﴾ والآيات القرآنية في هذا المعنى كثير ... الإسلام يطوي في عقيدته الخالصة كل عقيدة صحيحة في الأديان كلها لأنه دين الوحدانية الإنسانية. إن الله بعث النبي الأمي محمد ﷺ برسالة الإسلام إلى كافة الخلق من الإنس والجن بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، فنسخ بشرعه الشرائع السابقة إلا ما قرره، وفضله على سائر الأنبياء، وجعله سيد البشر، وجعل كمال الإيمان بشهادة التوحيد لا إله إلا الله وقرن إليها شهادة محمد ﷺ ، وألزم الخلق تصديقه في جميع ما أخبر عنه من الدنيا والآخرة وأنه لا يقبل إيمان عبد حتى يؤمن بما أخبر عنه بعد الموت فحكمة الله تقتضي بأن يتخير لهذه السفارة خلاصة الإنسانية وهامتها، فلا تصطفي لها في أي عصر إلا الرجل الأول في الكمال الإنساني، فيكون هو الإنسان الذي تتمثل فيه كمالات الجنس البشري لعصره بحيث يكون وصلة ما بين السماء والأرض، وسفيرا بين الله والناس. محمد ﷺ لقد رشحته السماء لأعظم رسالة حملها نبي، ولأكمل دعوة قام بها رسول، إنه يحمل آخر كلمة من الله إلى الناس، هي الكلمة الأخيرة، الكلمة الحاسمة فيما بين السماء والأرض، فليس بعدها كلام إنها الخاتمة ... محمد ﷺ هو خاتم النبيئين ليس بعده نبي، وليس وراءه بشير ولا نذير، وإذا كان ذلك كذلك فإن لنا أن نقول أن محمدا هو منتخب الإنسانية كلها وهو مجتمع كمالاتها في أكمل حالاتها وأتم صورها ... كانت رسالات الرسل- قبل محمد ﷺ رسالات محلية أشبه بالوصاية على الأفراد، يظهر الرسول في جماعة من الجماعات، أو قوم من الأقوام،

стр. 113

يقوم لهم وجودهم المعوج، ويضيىء لهم طريقهم المظلم، ثم لا يلبث أن يخلفه فيهم رسول، ويخلفه رسول وهكذا ... حتى إذا بلغ الكتاب أجله، وأراد للناس أن يستقلوا بوجودهم وأن يفكروا لأنفسهم بعدما بلغوا الرشد، وصاروا في عداد الرجال كانت رسالة الإسلام، وكان رسولها الأمين محمد بن عبد الله رسول الله ﷺ وخاتم النبيئين ... ومن هنا ندرك السر في أن الرسالة الإسلاميه كانت رسالة عقلية منطقية تخاطب العقل، وتقنعه عن طريق الحجة القائمة على البراهين الإستدلالية التي يستقيم تفكير الناس جميعا. إن الرسالة الإسلامية لم تستند إلى معجزة قاهرة تطغى على عقول الناس، وتغتال تفكيرهم، وتشل إرادتهم حين لا يملكون لها ردا، ولا يستطيعون لها نقضا، وإنما استندت إلى الكلمة، وما فيها من عقل منطق. فلم تطلب من الناس أكثر من أن يتفكروا، وأن يستخذموا عقولهم المعطلة، فإنهم إن فعلوا ذلك فلن تبعد بينهم وبين الرسالة الإسلامية شقة الخلاف بل إنهم والرسالة سيلتقيان على طريق واحد إذا فكروا وأخلصوا التفكير ... ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ (سورة سبأ). هذا هو عنوان الرسالة الإسلامية، وهذا هو مفتاحها استخدام العقل، واحترام معطياته ليستعمل الإنسان عقله وليفكر فيها تحمل الرسالة الإسلامية من مفردات ليفكر وحده، بينه وبين نفسه متأملا متعمقا أو ليفكر مع غيره، يعرض الأمر ويقلبه، مؤيدا أو معارضا إنه في كلا الحالين سيصل إلى مقررات إن لم تكن حقا خالصا فهي أقرب شيء إلى الحق. فالعقل في مواجهة الرسالة الإسلامية محمول على أن يفكر وأن يتحرك في كل مجالاته غير مقيد بشيء، أو مشدود إلى شيء، بل إن الرسالة

стр. 114

الإسلامية لتغري العقل إغراء على التفكير بما تنادي به من دعوات عالية إلى إيقاظ العقل وتنبيهه، وبما تقدم إليه من صور، وما تفتح له من مجالات، تدعو أكثر الناس بلادة وغباء إلى استخدام عقولهم ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (سورة يونس).

стр. 115

النبوة رحمة النبوة رحمة راحمة حيث كانت، وخير غدق حيث أصابت لأنها تحمل كلمة السماء إلى الناس محملة برحمة الله إلى عباده، موقرة بالخير لمن اتصل بها، وفتح قلبه لها ... فما بزغ في الناس نبي من أنبياء الله أو رسول من رسله إلا والناس منه في معرض الرحمة، وفي عارض ممطر بالرفد والخير العميم. فبين يدي كل نبي نور يضيء دنيا الناس، ويكشف لهم معالم الطريق إلى الخير والحق. وعلى لسان كل كلمات ربانية ترسم للناس مناهج العمل لغايات الخير والسعادة يقول الله سبحانه ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ (سورة الحديد). ويقول سبحانه ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾، ويقول تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾، فأنبياء الله ورسله هم حجة الله على عباده أنهم يحملون إلى الناس أطواق النجاة حين تضطرب بهم سفينة الحياة وحين تنطمس أمامهم معالم الطريق إلى شطآن الأمن والسلامة، فمن استجاب لهم، وتناول ما في أيديهم من أضواء الحق وأطواق النجاة سلم ونجا وكان من الفائزين برحمة الله ورضوانه ومن أبى واستكبر أن يمد يده إلى هذا الحبل الممدود لنجاته واستنقاذه من الهلاك المطل عليه فلا يلومن إلا نفسه؟ ومن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها، إن أنبياء الله ورسله هم رحمة خالصة، لا أجر عليها، ولا من معها إنها من الله وإلى عباد الله ﴿وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ فما حملت دعوة نبي، أو رسالة رسول شيئا من شأنه أن يضيق به الناس، أو يشقوا به، أنها دعوة تحمل إلى الناس الحياة لأموات القلوب والهدى لضلالات العقول كما يحمل الغيث الحياة لصنوف الأحياء. وأما من شأنه أن يكون في الأحياء ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ

стр. 116

مِنْهَا ... ﴾ نعم قد يضيق بعض المنحرفين والمتسلطين بدعوات الأنبياء لان انحرافهم لا يستقيم معها، ولأن تسلطهم لا يحيا في ظلها، اذ هي دعوة من شأنها أن تقيم العوج، وتقضي على التسلط، وتقيم بين الناس موازين المساواة والعدل. ومن أجل هذا كان الذين يعادون الأنبياء، ويصدون الناس عنهم هم دائما أصحاب السلطان، وأرباب الجاه والغنى، إذ يحسبون في هذا الذي تحمله الدعوة النبوية إلى الناس من عدل وإخاء تضييعا لما معهم من سلطان وجاه، وذهابا لما بين أيدهم من مال وحطام .. أو هو على أقل تقدير ازعاج لما هم فيه من حال رضوا بها واطمأنوا إليها. ولو عقل هؤلاء لعرفوا أن النبي لا ينزع سلطانهم ليضعه في يده، ولا يأخذ مالهم ليضيفه إلى نفسه، فما جاءت رسل الله لطلب جاه أو سلطان، وما عملوا على جمع المال، ولا تشييد القصور، والاستكثار من الحشم والخدم، أن دعوة النبي وجهاده وكفاحه من أجل الناس، ولحساب الحق والعدل وليس له من شيء إلا ما تفضل الله به عليه من منزلة كريمة عنده، وثوأب طيب لا حمل من عبء الدعوة ولا لقي في سبيلها من عنت وأذى ان أجرى إلا على الله ... ولو عقل هؤلاء الذين يعادون الأنبياء لعرفوا أن دعوتهم هي دعوة الحق والإحسان والعدل والبر، وأنها لا تتعرض للسلطان العادل، ولا تقف في وجه الغني إذا كان يؤدي حق الله، وحق السائل المحروم. ومن كمال حكمة الله أن لا يخلق الخلق ويتركهم سدى لا يؤمرون ولا ينهون ولهذا نزه نفسه عن هذا في غير موضع من كتابه. وأخبر أن من أنكر الرسالة والنبوة، ويقول ما أنزل الله على بشر من شيء فإنه ما عرف الله حق معرفته، ولا عظمه حق عظمته، ولا قدره حق قدره بل نسبه إلى ما لا يليق به، ويأباه حمده ومجده ... كون الله إلها، فإن ذلك مستلزم لكونه معبودا مطاعا، ولا سبيل إلى معرفة ما يعبد به ويطاع إلا من جهة رسله وكونه ربا، فإن الربوبية تقتضي أمر العباد ونهيهم وجزاء محسنهم بإحسانه،

стр. 117

ومسيئهم بإساءته، هذه حقيقة الربوبية وذلك لا يتم إلا بالرسالة والنبوة. وكون الله رحمانا رحيما، فإن كمال رحمته: أن يعرف عباده نفسه وصفاته ويدلهم على ما يقربهم إليه، ويباعدهم منه ويثبتهم على طاعته، ويجزيهم بالحسنى، وذلك لا يتم إلا بالرسالة والنبوة، فكانت رحمته مقتضية لها ولله ملك، والملك يقتضي التصرف بالقول كما أن الملك يقتضي التصرف بالفعل، فالملك هو المتصرف بأمره وقوله، فتنفذ أوامره ومراسيمه حيث شاء، والله له الملك فهو المتصرف في خلقه بالقول والفعل وتصرفه نوعان: تصرفه بكلماته الكونية ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ وتصرف بكلماته الدينية، ولهذا أرسل رسله إلى الناس ليعرفوهم ربوبيته وملائكته والايمان بهم لأنهم رسل الله في خلقه ... وهناك يوم الدين، وهو يوم الجزاء الذي يدين الله فيه العباد بأعمالهم خيرا وشرا، وهذا لا يكون إلا بعد ثبوت الرسالة والنبوة وقيام الحجة التي بسببها يدان المطيع والعاصي ... وأن الله سبحانه لا يعبد إلا بما يحبه ويرضاه، ولا سبيل للخلق إلى معرفة ما يحبه ويرضاه إلا من جهة رسله، فانكار رسله أنكارا لكونه معبودا، وأنه هاد إلى صراط مستقيم وهو معرفة الحق والعمل به، وهو الطريق الوحيد الموصل إلى طاعة الله، ولا يعلم ذلك إلا من جهة الرسل. والله منعم على أهل الهداية، فإن انعامه عليهم إنما تم بإرسال الرسل إليهم، وجعلهم قابلين للرسالة مستجيبين لدعوته، وبذلك ذكرهم منته عليهم وإنعامه في كتابه. انقسام خلقه إلى منعم عليهم ومغضوب عليهم وضالين فإن هذا الانقسام ضروري بحسب معرفتهم للحق والعمل به: إلى عالم به عامل بموجبه وهم أهل النعمة، وعالم به معاند له، وهم أهل الغضب، وجاهل به، وهم أهل الضالين، وهذا الانقسام إنما نشأ بعد الرسل فلولا الرسل لكانت أمة واحدة، فانقسامهم إلى هذه الأقسام مستحيل بدون الرسالة، وهذا الانقسام ضروري بحسب الواقع فالرسالة ضرورية ..

стр. 118

الرسالة المحمدية وإذا كانت دعوات الأنبياء رحمات وبركات على الناس في أجيالها وأوطانها، فإن رسالة محمد ﷺ رحمة شاملة، وبركة عامة للناس جميعا من كل أمة، ومن كل جنس على مدى الأيام والدهور ... أنها رسالة لا تخص أمة من الأمم، ولا تنتهي عند زمن من الأزمان، فهي ليست للعرب وحدهم وليست لعصر النبوة وحده. فما العرب فيها إلا لسانها وترجمانها وما عصر النبوة إلا مطلعها، ومجلى أنوارها، ثم هي بعد ذلك رحمة مشاعة في الناس كلهم وحظ مقسوم لجميع الأزمان ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ﴾ (سورة الأعراف) ومن أول آية نزلت من القرآن شعر النبي أنه رسول الله إلى الناس كافة إذ كانت الآية شارحة لقضية الإنسانية، من حيث أنها مخلوقة من معدن واحد، فليس لأمة ولا لشعب، فضل أو امتياز في الأصل والنشأة، ولا في الدم، أو الوطن، ولا في الزمن السابق أو اللاحق ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ فهذه أول آية يتلقاها الرسول من السماء وتفتح بها رسالته، الله هو الخالق لكل شيء، والانسان هو من مخلوقات الله، قد خلق (الانسان) من علق ... هذا هو عنوان الرسالة المحمدية: الانسان .. الانسان مطلقا في أي زمان، وفي أي مكان ... القرآن الكريم كله في أحكامه وتشريعاته، وفي أمره ونواهيه وفي نصائحه ووصاياه يخاطب الناس جميعا، ويدعو الناس جميعا بهذه الكلمة العامة الشاملة ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ أو ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ أو ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ﴾ ولم يختص العرب وحدهم أو قريشا بخطاب أبدا، فلم يقل يا أيها العرب، أو يا بني إسماعيل، أو يا بني عدنان وقحطان. كما كان ذلك شأن أنبياء الله ورسله في أقوامهم، ومن أرسلوا إليهم، فكان كل نبي

стр. 119

يدعو قومه خاصة كما حكى القرآن الكريم ذلك في قصص الأنبياء: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ إلى غير ذلك من الآيات التي تخاطب أقوام الأنبياء. هذه رسالة محمد ﷺ قد حملها صاحبها- بتدبير السماء- إلى الناس كافة، فآذنهم من أول يوم بما أمرهم الله أن يؤذنهم به: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ وجاءت آيات الكتاب تحمل أحكام الشريعة للإنسانية كلها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ ﴿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ وهكذا تكررت دعوة الإسلام على لسان الرسول ﷺ ، وفي آيات القرآن في تلك الصورة العامة للناس جميعا لا يلتبس بها شيء من التخصص بأمة دون أمة أو جيل دون جيل فهي خير مطلقا للناس جميعا ورحمة مبسوطة لكل من يتعرض لها ويمد يديه إليها. وقد ظهرت آثار هذه الدعوة الشاملة العامة منذ اليوم الأول للإسلام، فدخل فيه العبيد والأحرار، والعرب والعجم، فكان بلال العبد وسلمان الفارسي من أول الناس إسلاما. سئل الرسول ﷺ من أول من بايعك على الإسلام؟ قال: "حر وعبد". قيل أن الحر هو أبو بكر والعبد هو بلال ﵄ .. وكان من مقررات الرسالة المحمدية دعوة النبي للملوك والقياصرة والرؤساء من غير العرب، فبعث النبي ﷺ بكتبه ومبعوثيه إلى النجاشي

стр. 120

ملك الحبشية وإلى كسرى ملك الفرس، وإلى المقوقس رئيس القبط في مصر، يدعوهم جميعا إلى الإيمان بالله، والاستجابة لله ولرسوله، فالملوك والسوقة، والأحرار والعبيد، والرجال والنساء كلهم مدعوون إلى الإيمان بالله، والاستجابة لداعي السماء. ثم إنه لم تمر سنوات على الدعوة الإسلامية حتى دخل في دين الإسلام كثير من الأمم والشعوب من جميع الأجناس ومن مختلف الأمم، وكان مكانهم في الإسلام بمنزلة واحدة لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (سورة الحجرات). الرحمة التي جاء بها محمد ﷺ ، فالقرآن الكريم تكلم عليها في غير ما موضع فقال مخاطبا النبي الكريم ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾. وقال سبحانه ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ فالرسول مبعوث لرحمة الناس جميعا، وليس لشيء في باب الرحمة بالناس أفضل من استنقادهم من الضلال وتزكية نفوسهم وتطهيرها من الرجس، أن ذلك يعادل الحياة بعد الموت، والبصر بعد العمى، والسمع بعد الصمم ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾؟ ورسالة محمد ﷺ تحمل للناس جميعا الهدى في رفق، وفي لين، فليس فيها البريق الذي يخطف الأبصار ثم يخبو، وليس فيها العنف الذي تنقطع له الأنفاس، وينقطع دونه جهد كثير من الناس إنها ليست رسالة عذاب كما كانت كثير من الرسالات قبل مجيء محمد ﷺ ، فكان اتباع الرسل قد تطبعوا بطبائع الوحوش الكاسرة، ولم يمتثلوأ لما جاءتهم به رسلهم الكرام وتمادوا في طغيانهم فتنتهي حياتهم بالبتر الحاسم والتدمير الكامل بالمجتمع المريض، فقد شهد كثير من الرسل مصرع أممهم، واستئصال فروعهم وأصولهم ولم ينج منهم إلا قلة تعد على رؤوس الأصابع قال تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ * كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ * فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ * وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ

стр. 121

وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى * وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى * وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى﴾ فالهلاك الجماعي والإبادة العامة، والاستئصال الشامل لهؤلاء المنحرفين داعية من دواعي التأمين للإنسانية، وحمايتها من عدوى هذا الانحراف الذي لا يرجى له شفاء! والذي إن عاش في الناس امتد عدواه إلى غير المصابين به .. أما الرسالة المحمدية فإنها لم تجيء من أجل أمر عارض ولا لحالة طارئة في جيل من أجيال الناس، وإنما جاءت للناس جميعا في جميع أحوالهم. وأزمانهم ... ولهذا لم يكن من تدبيرها تلك الاجراءات السريعة الحاسمة التي تنهي الموقف بين النبي وقومه في لحظة واحدة، ينتهي فيها كل شيء، ويسكن فيها كل شيء ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ بل إن تدبيرها قائم على ترويض الناس، وأخذهم بالرفق، وإعطائهم الدواء جرعة بعد جرعة على فترات متفاوتة، ولم يكن لرسالة عامة شاملة أن تجيء على غير التدبير والتقدير لكي تنجح في مهمتها، وتبلغ الغاية المرجوة منها. والذي ينظر إلى رسالة محمد ﷺ يجدها أنها تناولت الحقائق العامة، والأحوال الثابتة التي تعيش في الناس، ويعيش بها الناس في جميع الظروف والأحوال ولم تقف عند الحالات التي لا تقع إلا في النادرة الشاذة من الحياة ... ولك أن تأخذ أي مبدأ من مباديء الإسلام، وأي حكم من أحكامه، وأن تنتقل به عبر الأزمان، وأن تطوف به في مختلف الأمم والشعوب، فإن رأيت فيه نبوا على الحياة أو مجافاة لطبائع الناس، أو تخلفا عن مواطن الخير والفلاح لمن اعتقده وعمل به- فلك أن تسيء الرأي بهذا الدين، وأن تنضم إلى الجهة المعادية له، وأنا زعيم لك إن أنت نظرت فأحسنت النظر، وقدرت فأحسنت التقدير وحكمت فعدلت في الحكم،

стр. 122

ووقفت إلى جانب الحق- وأن تعود بعد هذا وملء كيانك إيمانا بأن هذا الدين هو الدين الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ... تلك هي الرسالة التي تلقاها محمد ﷺ من ربه، ونصب نفسه لها، وجاهد في سبيلها واحتمل ما احتمل من ألوان الأذى والضر من أجلها، فكان له هذا النصر المبين، وكان لرسالته هذه الثمرات الطيبة المباركة في الحياة، بما غرست في القلوب من إيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر، وبما رسمت للناس من مناهج الحق، والخير والإحسان، وتلك عقبى الدعوات الصادقة، والنيات الخالصة، لا يخطئها النجاح أبدا، وإن قامت في وجهها العواصف، واعترضت طريقها المعاثر، فإن يد الله قائمة عليها تشد أزرها وتثبت خطاها، وتمكن لها أسباب البقاء في الحياة.

стр. 123

البعثة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم بعث الله تعالى نبيه الكريم، ورسوله العظيم سيدنا محمدا ﷺ ، على حين فترة من الرسل وفي جاهلية جهلاء لا تعرف من الحق رسما، ولا تقيم للعدل وزنا، لقد اصطفاه الله ليكون رسولا للعالمين، بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا حاملا معه مختتم الرسالات السماوية إلى الناس كافة، وقد أمده الله بالصبر واليقين والعزم، فواجه بها كفار قريش كلهم، صلفهم وكبريائهم وجبروتهم وعتوهم وغرورهم فلم يحفل بتهديدهم ووعيدهم، ولا لان له، فعارضوه ورموه بالزور والبهتان، وبالكذب تاره، وهو الصادق المصدوق لم يجربوا عليه كذبا قط، وتارة يتهمونه بالسحر وهم يعلمون أنه لم يكن من أهله، وتارة يقولون أنه مجنون وهم لا يشكون في كمال عقله، وحاولوا مرارا أن يستنزلوه على طريق عبادتهم ليظفروا منه بالموافقة على الاعتراف باعتقاداتهم الفاسدة، فأبى ﵊ الا الثبات على أوضح طريق الحق .. حمل الرسالة السماوية، وواجه بها الناس جميعا متحديا عقائد فاسدة، ومتصديا لقلوب مريضة وعقول مظلمة، وطبائع صلدة متحجرة، فما وهن صلى الله عليه وآله وسم، وما ضعف عن حمل هذه الرسالة، وصبر على ما تنوء به الجبال من الاحمال الشاقة، فلكم لقى من السفهاء والحمقى والطغاة الظالمين من بغي وعدوان؟ كيف به وقد بلغ بصبره وجهاده وعزمه ما أراد الله لدعووته أن تبلغ؟ وهكذا ما انفك يدعو إلى الله فيأتي إليه الواحد بعد الواحد متسللين مختفين خوفا من اعتداء الكفار عليهم، ولما اشتدت معارضة كفار قريش لدعوة الإسلام، وتكالبت على الرسول وأصحابه قوى الشر والطغيان خاف على الدعوة أن يمسكها المشركون على أن تبلغ غايتها، وتملأ أسماع الناس بهديها، وتفتح مغالق القلوب بنورها، فخرج مهاجرا من البلد الحرام حاملا لهذه الرسالة الربانية ثم خاض غمار الحروب في سبيلها، فكان ﷺ يتقدم صفوف الأبطال والفرسان ..

стр. 124

وقد لقى مكر اليهود في المدينة بلطف ووداعة، حتى إذا لجوا في الضلال، وتمادوا في الكيد والبغي صدمهم صدمة ألقت بهم خارج الجزيرة العربية كلها، فبلغ رسالة ربه، وجاهد في سبيلها حتى اجتمع الناس عليها، ودخلوا في دين الله أفواجا. لقد امتن الله على العالم عامة وعلى العرب خاصة ببعثة سيدنا محمد ﷺ ، فبها انتقل من الضلال إلى الهدى، ومن الظلام إلى النور، ومن الجهل إلى العلم، ومن القسوة إلى الرحمة ومن الظلم إلى العدل، ولم يتذوق العالم طعم المدنية الصحيحة ولا الإنسانية الكاملة، ولا الحرية والعدالة الحقيقيتين إلا بعد البعثة المحمدية التي غيرت مجرى تاريخ البشر وتفكير العالم ووجهته أحسن توجيه. البعثة المحمدية صححت العقول الفاسدة، والمفاهيم الخاطئة للناس، وسمت بهم، فأصبحوا لا يؤمنون إلا بالله ربا، ولا يعبدون إلا الاله الواحد القوي العزيز الذي لا إله إلا هو ... فبهذه البعثة الميمونة تحرر الضعفاء من الاستبداد والاستعباد والأفكار والعقائد من القيود والخرافات والأوهام .. نجحت الدعوة الإسلامية في مكة وربوعها، وعلى العرب المتعصبين الضالين، ومن بعد نجحت في العالم شرقا وغربا، وسر نجاحها وتغلبها على العقبات والصعاب، يرجع إلى المسلمين الذين تمسكوا بالعقيدة تمسكا قويا، بالإخلاص لها والتفاني في سبيلها، فقد كانوا يقدمون على المعركة في سبيل الله وهم أقلة في عددهم وعدتهم يجابهون كثرة من الأعداء، وهم في صلفهم وغرورهم بخلاف المؤمنين الذين يلقون أعداءهم مستبسلين يرجون رضاء الله، ولا عليهم في ذلك أعادوا إلى الديار سالمين منصورين أم فاضت أرواحهم إلى ربها راضية مرضية. وأول معركة في الإسلام هي غزوة بدر الكبرى انتصر فيها التوحيد على الشرك، والحق على الباطل وغلبت الفئة المؤمنة الصابرة الكثرة المتعجرفة، ما هي إلا دليل على الإخلاص والصبر.

стр. 125

وقعت هذه الغزوة المباركة في السابع عشر من شهر رمضان المعظم في السنة الثانية من الهجرة ... كان الإسلام المهاجر لا زال خافض الجناح في المدينة وكان السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار لا زالوا تحت البلاء يمتحن الله صبرهم بالألم، ويختبر إيمانهم بالفتنة ليجتبيهم لنشر دعوته ويعلم الذين بصطفيهم لتبليغ رسالته، فلما أراد الله لدينه أن يسود ولمجده أن يعود، ولنوره أن يتم، أرسل جنوده الثلاثمائة نفر إلى وادي بدر يعتقبون على سبعين بعير، ويستعينون بصبر المجاهد على قلة الزاد وبعزة المؤمن على الذل، وبعفة الزاهد على الفاقة، كانوا يسيرون إلى بدر في استغراق الصوفي إلى ما وعدهم الله إحدى الطائفتين- العير أو النفير، أو إحدى الحسنيين: النصر أو الاستشهاد. فموقف غزوة بدرمن الشرك كان موقف محنة، فإما أن يقود محمد ﷺ زمام البشرية في سبيل الله فتنجو، وإما أن يردها أبو جهل إلى مجاهل التيه والضلال فتهلك ... وقفت مدنية الإنسان بأديانها وعلومها وراء محمد ﷺ وراء القليب، ووقفت همجية الحيوان بأصنامها وأوهامها وراء أبي جهل على الكثيب، فكان طريق وعقبة، ونور وظلمة، وإله وشيطان فإما أن يتمزق تراث الانسانية على هذا الصخر، ويتبدد نور الله في هذا القفر، وإما أن تتم المعجزة فتفيض الحياة على الناس من هذا البئر، ويتصل الماضي بالمستقبل من هذا الطريق، ويبدأ التاريخ عهده الجديد بهذه المعركة الفاصلة ... كان النبي ﷺ أمام العريش يدعو ربه ووجهه إلى القبلة، ويداه إلى السماء، ورداؤه من الذهول في الله يسقط عن منكبيه فيقول: "اللهم هذه قريش قد أتت بخيلائها تحاول أن تكذب رسولك. اللهم فنصرك الذي وعدتني اللهم إن تهلك هذه العصابة، فلن تعبد في الأرض" (١) فيرد الصديق عليه رداءه، ويقول بعض هذا يا نبي الله فإن ربك منجز وعده، وما هي إلا خفقة من خفقات الوحي حتى نزل

стр. 126

الوعد بالنصر، وجاءت البشرى بالجنة، فغاب المسلمون في إشراق عجيب من الإيمان لا يرسم في أدهانهم إلا الحور العين ولا يصور في أعينهم إلا الملائكة وقد قذف الله في قلوب المشركين الرعب فانهار السد الغليظ أمام النبع النابض من صخور بدر، وانجاب القتم الكثيف عن النور الوامض من ربوع يثرب، وانكشفت المعجزة الإلهية عن انتصار ثلاثمائة على ما يقرب من ألف جندى من جيش الضلال والشرك ... غزوة بدر غيرت وجه التاريخ، ومكنت للمسلمين العرب أن يبلغوا رسالة الله، ويؤدوا أمانة الدين، ويصلوا ما انقطع من سلسلة العلم والوحي، لم يكن النصر فيها ثمرة من ثمرة السلاح والكثرة، ولكنه كان ثمرة من ثمرة الإيمان والصدق، قوة من الله فيها الملائكة والروح، وفيها الأمل، والمثل العليا، فيها الحب والإيثار فلا تبالي بالعدد الكثير، ولا ترهب السلاح، ولا تعرف الخطر ... بهذا الإيمان الصادق خلق الله من الضعف قوة في غزوة بدر والقادسية واليرموك، وبهذا الإيمان الصادق جعل الله من البادية والعروبة عمرانا صادقا طبق الأرض بالخير وملكا نظم الدنيا بالعدل، ودينا ألف القلوب بالرحمة. بهذا الشعور القدسي، وبهذا اليقين النفسي وقف المسلمون في كل معركة انتصروا فيها عبر التاريخ، فالدعوة المحمدية تتطلب من المسلمين أن يعملوا لدنياهم ولأخراهم فتريدهم أن يكونوا شجعانا فيما يقولون، وفيما يعتقدون، ويفعلون لا يخشون في الله لومة لائم. وليست الشجاعة مقصورة على الحروب والمعارك، فإن الدعوة إلى الحق في عالم ضال شجاعة، والدعوة إلى الإصلاح في أمة فاسدة النظم شجاعة، والاستمساك بالعقيدة شجاعة، مهما أوذي صاحبها، والدفاع عن الدين أو العرض أو الجار المضطهد أو الأجير المظلوم شجاعة، والشجاعة تعد فضيلة لأنها مجازفة بالحياة، والحياة أغلى ما يملك الإنسان. أما الجبن فإنه رذيلة لأن صاحبه يرضى بالذلة والمهانة، ونذير باستمرار الضعف والتخلف والفوضى، إن تاريخ المسلمين لحافل بأعلى

стр. 127

المثل في الشجاعة التي ناصرت الحق على الباطل، وآزرت الخير على الشر وظاهرت الصلاح على الطلاح .. كان المسلمون الأولون على أهبة الاستعداد دائما لما عساه أن يطرأ عليهم من الحوادث، فإذا نزلت حادثة فجأة تجدهم مستعدين لها، وشجاعة المسلمين في سبيل إقامة شعائر دينهم، ومسارعتهم في رضى الله لا تحتاج إلى برهان، قال الله في حقهم: ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ (سورة آل عمران). كان النبي ﷺ شجاعا يقود المعارك ويتقدم الصفوف، ويتصدى لكل بطل موهوب، يقول سيدنا علي كرم الله وجهه، "إذا حمى البأس، واحمرت الحدق إتقينا برسول الله ﵌، فما يكون أحد أقرب منه إلى العدو وقد ثبت في غزوة حنين لما تفرق عنه أصحابه، فكان يسير نحو العدو"، وهو يقول: "أيها الناس تعالوا إلي أنا محمد رسول الله أنا محمد بن عبد المطلب" (١) .. وكان أبو بكر ﵁ شجاعا لا ينثني عن عزيمة يعتقد فيها خيرا للإسلام، فقد فوجيء إثر توليته للخلافة بارتداد العرب عن الإسلام، وكان هذا الإرتداد ممثلا في رفض الصلاة والزكاة فقال: "والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله ما تركتهم، ولو خذلني الناس لجاهدتهم وحدي" (٢) ولم تكن مشكلة الصلاة والزكاة فحسب، بل مشكلة الوحدة أيضا التي انقضت عراها، وأصبح المسلمون طوائف متنافرة متناحرة، فكيف يطيق أبو بكر مشاهدة الأمة التي جمعها الإسلام، وأنقذها من الكفر تتفرق وأعضاؤها تتناحر، ووحدتها تتمزق، وكيف يمكن للعصاة الثائرين أن

стр. 128

يحققوا أغراضهم؟ فهذا ما لا يطيقه أبو بكر أبدا وكان سيدنا عمر ﵁ شجاعا في إعلان رأيه متحديا كفار قريش، ولما تولى الخلافة ربى المسلمين على خلق الشجاعة وحثهم على أن يعلموا أولادهم السباحة والرمي وكذلك كان سيدنا علي كرم الله وجهه بطلا شجاعا منذ نشأته إلى وفاته شجاعا في كل حرب خاضها، شجاعا في كل رأي أذاعه، وكل عمل قام به، هذا الشرف العظيم الذي أحرز عليه المسلمون الأولون لم يأتهم تلقائيا، أو جاءهم عفوا، بل قدموا في سبيله الأموال والمهج والتضحيات الجسام، والقرآن كان يرغبهم في الشهادة بقوله : ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (سورة آل عمران) إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي تحث على الشهادة، ويجد المطلع على سيرة ابن هشام أحاديث للشهادة تطيب لها النفوس، وتهتز لها المشاعر في كل غزوة غزاها سيدنا ونبينا محمد ﷺ كان يبين للشهداء من الآيات البينات، وكان يقول: "الشهداء على بارق نهر بباب الجنة في قبة خضراء يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيا" (١) رواه الإمام أحمد، وقال ﵊: "لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في جوف طيور خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش، فلما وجد وأطيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم قالوا من يبلغ إخواننا عنا إننا أحياء في الجنة نرزق ألا يزهدوا في الجهاد، ولا ينكلوا عند الحرب، فقال الله أنا أبلغهم عنكم فأنزل الله الآية السابقة. ولا تحسبن الخ" (٢) وقال ﵊: "والذي نفسي بيده ما من مؤمن يفارق الدنيا لا يجب أن يرجع

стр. 129

إليها ولو ساعة من نهار، ولو اعطيت له الدنيا وما فيها إلا الشهيد فإنه يجب أن يرد إلى الدنيا فيقاتل في سبيل الله فيقتل مرة أخرى" (١) ... الدعوة الإسلامية كانت في الصدر الأول دعوة ربانية وقيادة في ممارستها وتنظيمها، تخلف المسلمون يوم تخلفوا عن القيادة الفكرية، وتقاعسوا عن حملها وأساءوا تطبيقها. لم يتخلف المسلمون الحاضرون عن الركب الحضاري نتيجة تمسكهم بدينهم- كما يقول بعض المغرضين- وإنما بدأ تخلفهم يوم تمسكوا بالمباديء الوضعية، وسمحوا للعوائد الأجنبية أن تدخل ديارهم وتحتل أذهانهم وتستهوي أبناءهم، ولن يستأنف المسلمون الحياة الإسلامية إلا إذا حملوا دعوة الإسلام بقيادة فكرية إسلامية، ويجب أن تحمل الدعوة كما حملت من قبل إقتداء برسول الله ﵌ من دون أن تحيد عن ذلك قيد شعرة، ودون أن يحسب لاختلاف العصور أي حساب لأنها اختلفت فيها الوسائل والأشكال، أما الحقائق والجواهر لم تختلف، وينبغي لحامل الدعوة أن يكون صريحا في الحق وجريئا على الباطل، وقويا بالإيمان، ويجب على حامل الدعوة أن يدعو إلى سيادة الإسلام سيادة مطلقه بغض النظر عما إذا وافق الناس أم خالفهم، ويعلن أحكام الإسلام سواء رضي بها الناس أم رفضوها، فحامل الدعوة لا يتملق ولا يجامل من بيدهم الأمور. حمل الرسول ﵌ القيادة الفكرية في مكة فلما وجد أن أبناءها لا يحققون الغاية هيأ أبناء المدينة لذلك، ثم أوجد الدولة وطبق الإسلام على المجتمع المدني، وأحدث فيه إنقلابا في العقيدة، وتقوية الصلة بالله ... ويجب على كل من ينتمي إلى الإسلام أن يؤيد الدعاة في مهمتهم كواجب مكلفين به، وأنهم مسؤولون أمام الله إذا لم يقوموا به، قال الله:

стр. 130

﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (سورة يوسف). لقد نوه الله بهذه البعثة الميمونة، والمنة الكبرى التي امتن بها على العالمين، والنفحة الربانية العظيمة، والرحمة المهداة، ألا وهو سيدنا محمد ﵌ لولا رسالته لما اهتدينا، ولا تحلينا بسائر مكارم الأخلاق، والخلال الحميدة التي سعدنا بها في ديننا ودنيانا أفرادا وأمما. وضعت هذه الرسالة الإلهية الخالدة حدا فاصلا لعصو الجاهلية وافتتحت عهدا جديدا، عهد النور والعلم، والعدل والمسامحة والإتحاد، ودعا الناس إلى دين واحد، وعبادة إله واحد ... هيأ الله صاحب الرسالة منذ صغره لحملها، فحلاه منذ نشأته بالعلم الذي لا يشوبه جهل، وبالفضيلة التي لا يعتريها نقص، وبالصدق الذي لا يخالطه كذب، فجمع له غرر الفضائل التي فاق بها الأولين والآخرين، فنهل منها الناس على اختلاف أجناسهم، ولا تزال على حالها منهلا عذبا للواردين من أصحاب اليمين والسابقين، قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ (سورة النساء). فقد جمع له من مكارم الأخلاق ما تفرق في غيره من النبيئين والمرسلين وقدمه عليهم بقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ (سورة الاحزاب). فصلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ... أكرم الله الأمة الإسلامية بخاتم الرسالات الذي زكاه ربه وطهره من أدران الجاهلية، فكان صلوات الله وسلامه عليه يتقلب في أصلاب الساجدين وأرحام الطاهرات حتى برز إلى الوجود، ولم يخرج من سفاح قط كما أخبر هو عن نفسه ...

стр. 131

فميلادك يا سيدي يا رسول الله كان حادثا سعيدا على البشرية جمعاء، اهتز له الكون، وطربت السماء، وهتفت له الملائكة وابتهجت به الرسل، وتغنت به الأطيار من فوق أيكتها، وعمت الناس البهجة والسرور، ومادت الأرض فرحا بأمر ربها وأصغى الكون لما ترتله عليه من الآيات الباهرات ... فها هي رسالتك - يا رسول الله- يكتب لها الخلود على الأبد، ودعوتك تخرق الحجب الكثيفة، وتغذي العباد في كل زمان ومكان وأينما حلت تزيل الظلام والشرك من طريقها، وتعصف بالظلم والظالمين، ولا زالت تغزو المجاهل والأغوار والأدغال، والصحاري والبحار فتثير القلوب الهامدة، وتهيب بها إلى التوحيد فتنقذها من رذيلة الشرك والشك، وتزيل عنها الحيرة والضلال، وترفع عنها الإلتباس والغموض، لا زال الناس يسيرون على هديها المستقيم وطريقها الأمثل بعدما مضى عليها أربعة عشر قرنا من بعثتك الميمونة، وصيحتك المدوية في الآفاق لا زالت ترن في الآذان إلى الآن وإلى الغد ... سيدي يا رسول الله- سيرتك العطرة لا زالت غظة طرية لم يجد لها الزمان بديلا، فأخلاقك العليا التي شهد لك بها التنزيل لا زالت محل اندهاش وإعجاب من طرف الأجيال المتعاقبة التي جاءت من بعدك، وفي مقدمتهم العباقرة والفلاسفة والعلماء، بل أصبحت شمسا منيرة في كل قلب طاهر نقي اللهم إلا ما كان من قلب حاسد فأعمى بصره وبصيرته، نورك الوهاج فهو لا يبصر النور كالخفافيش التي تعيش في الظلام، هكذا صاغك ربك ظاهرا وباطنا فكنت سر الوجود. فمنهاجك الرباني طهر النفوس من دياجير الشرك، وأنارها بالتوحيد فرجعها إلى فطرتها السليمة التي فطر الله الناس عليها، وقام صرح العدل شامخا، فأصبح الناس سواسية في هذه الحياة لا تفاضل بينهم إلا بالعمل الصالح النافع للبلاد والعباد، لا زال هو المنهج الوحيد الذي يكرم الإنسانية، ويحفظها من شوائب الظلم والطغيان، لم يرق إليه أي منهج من مناهج الناس الكثيرة بعدما تقدم العلم وصال الفكر في مجال العلوم

стр. 132

ومعارف الدين الذي جئت به- يا حبيب الله- ظهر على جميع الأديان كلها قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ (سورة الفتح) ... هذا الدين حق، وإن ارتاب فيه المبطلون، وعارضه المكذبون وكفى بالله شهيدا على استقامته، وما دام هناك تأييد الله لهذا الدين فلا بد أن يسود ... تجلت عناية الله بهذا الإنسان الذي هو خليفة الله في أرضه فبعث إليه رسوله الكريم على حين فترة من الرسل بالإسلام الذي هو خلاصة الأديان المنزلة من قبله، فأنقذ ﵌ العالم مما كان يتخبط فيه من الجهالة والحيرة والشرك والضلال بعد تضحيات جسام فحقق له ما كان ينشده من إيمان بالله وعبادته وحده، وعدل ومساواة بين الناس، وكرامة وحرية وإخاء ... بهذه الرسالة كان المبعوث رحمة للعالين، بهذه الرسالة إلتقت السماء مع الأرض، والروح مع المادة، بهذا الرسول الكريم كان خاتما للرسالات السماوية، وإيذانا بالوحدة البشرية، الوحدة الشاملة التي لا تفرق بين أبيض وأسود، الناس كلهم لآدم وآدم من تراب ... لما تمت النعمة وكمل الدين، وبلغ الرسول ﵌ رسالة ربه أحس بقرب أجله وخروجه من الدنيا ذكر الفقراء، وكان طول حياته لا يرغب في المال، وكان كلما جمع منه شيئا أنفقه في الصدقات، وقد أعطى لعائشة ﵂ يسيرا من المال لتحفظه فلما حضره المرض أمر بإنفاقه على المعوزين لساعته وغاب في سنة، ولما أفاق سألها إن كانت أنفذت أمره، فأجابته بـ: "لا"، فأمر بالنقود إلى العائلات المعوزات فوزعت عليهم، "عندها استراح ﷺ لأنه كان يخشى أن يلاقي ربه وقد ترك في بيته مالا لم ينفقه على عباد الله" ..

стр. 133

وكان في مرضه يخرج كل يوم ليصلي بالناس، وآخر يوم خرج فيه، وهو متكيء على الفضل بن عباس، وعلى علي بن أبي طالب ﵄، وقصد منبر الخطابة الذي كان يعظ عليه الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم خطب في المسلمين بصوت رفيع سمعه من كان خارج المسجد فقال: "أيها الناس تسمعون قولي إن كنت ضربت أحدكم على ظهره فدونه ظهري فليضربه، وإن كنت أسأت سمعة أحد فليتهم من سمعتي وإن كنت سلبت أحدا ماله فإليه مالي يقتص منه، وهو في حل من غضبي، فإن الغل بعيد عن قلبي، ثم نزل على المنبر وصلى بالجماعة، ثم دعا لشهداء البقيع ولمن حارب معه، وطلب الرحمة والغفران، وكان مشهد النبي في ذلك اليوم مشهد إجلال ووقار، وكان أبو بكر ﵁ يبكي ويقول: هلا افيتدينا روحك بأرواحنا"، ثم أوصله الصحابة إلى بيت عائشة ﵂، واضطجع تعبا مهزولا، وبدأ المرض يشتد عليه، فتخلف عن الصلاة، قيل له قد جاء وقت الظهر، فأشار إلى أبي بكر ليصلي بالناس، وأخبرت عائشة عن حالة احتضاره، فقالت كان رأس رسول الله مسندا إلى صدري وبقربه قدر ماء يقوم ليضع فيها يده، ويمسح جبينه ويقول: "رب أغني على تحمل سكرات الموت أدن مني يا جبريل رب اغفر لي، واجمع بيني وبين أصدقائي في السماء"، ثم ثقلت رأسه، ومال ثانية إلى صدري، والتحقحت روحه الطاهرة بالرفيق الأعلى ﵌.

стр. 134

محبة النبي ﵌ يجب علينا- أيها المسلمون- أن يكون الرسول المحبوب لنا أسوة حسنة كما قال الله : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، هذه الأسوة تمثلت في أخلاق الرسول صلوات الله وسلامه عليه، حتى فاضت على أصحابه لأن الله تولى أدبه كما أخبر هو عن نفسه قال: "أدبني ربي فأحسن تأديبي" (١) وأخبر الله عن أخلاقه في كتابه الكريم فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ وقال أيضا: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ سئلت السيدة عائشة عن أخلاق الرسول ﷺ قالت: "كان خلقه القرآن" (٢). الأخلاق متفاوتة بين الناس، وأخلاقه في الذروة منها، وأنها على درجات، والقرآن يذكر هذه الدرجات فيقول: فمنهم مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات، أو ثلة من الأولين وقليل من الآخرين، أو درجة المقربين السابقين أو العافين عن الناس الله يحب المحسنين. ولاشك أن رسول الله في أعلاها والقرآن الكريم يحدد هذه الدرجة التي تكلمت عليها السيدة عائشة بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ما هو هذا الخلق - قيل هو القرآن، أو الإسلام، أو الطبع الكريم، أو لا همة لك إلا الله هل هذا الخلق يشاركه فيه أحد من الأنبياء والملائكة، أم خاص برسول الله ﷺ كإبراهيم ﵇ إن إبراهيم لحليم أواه منيب، أو كسيدنا إسماعيل وكات عند ربه مرضيا، أو كسيدنا عيسى ﵇ وقد جعله الله مباركا، أو الملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، لكن القرآن يحسم الأمر في ذلك، ويبين صاحب الخلق الأعلى وهو النبي محمد المبعوث إلى الناس كافة وخاتم الأنبياء، وأول المسلمين على الإطلاق فقال: ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (سورة الأنعام) هذه

стр. 135

الآية الكريمة تبين درجة الأخلاق الكاملة التي وصل إليها سيدنا محمد ﵌ عند ربه، ولقد بعث ﷺ "ليتمم مكارم الأخلاق" (١) فإنه لم يبعث لينشرها فكانت منشورة ولكنها لم تتم، وعلى هذا كانت الإنسانية ناقصة قبل مجيئه ﵌ فكانت تريد شخصية أن يزكيها الله ويطهرها، ويبارك في روحها، وكان لا بد من هذه الشخصية المباركة ليكمل بها الدين وتتم النعمة، ولما بعث النبي ﵌ قد تمت النعمة الكبرى، وأكمل الله له الدين فقال : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ وبعدما تم هذا الدين وتمت النعمة قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ وهكذا كانت هدايته لجميع الناس، وربطت صفاته الخلقية بينهم برباط وثيق، وكانت قيادته ﵌ ملهمة الخير لهذه الأمة ... كان الصدر الأول من سلفنا الصالح مملوئي القلوب بالمحبة لله ولرسوله مشغولي الجوارح بالطاعة، طاعتهم ابتهال لله، وإنابة إليه، ألسنتهم ذاكرة، وقلوبهم خاشعة، وجوارحهم ساعية حافدة، كانوا ممتثلين لأوامر الله بعيدين عن النواهي فمحبتهم لله ولرسوله كانت مجلوة في مظاهر الإمتثال وإتباع السنة، والإقتداء الكامل محفوفا بالوقار الشامل. قلوبهم عامرة، وأجسادهم مجتهدة مجاهدة في كل مظنة قرب من الله ورسوله. سيدي رسول الله صلوات الله وسلامه عليك- الهدى ما بين الله وبينت، وما أمر الله وبلغت فلنذكرك ونعظمك ونقدسك، وليكن في ذكرنا لك ذكرى لكل قلب منيب، وليخشى كل مدعي محبتك أن يبتدع فيما جئت به، فما قصرت يا رسول الله في التبليغ ولا كتمت، ولا تركت حاجة لمبين بعدك إلا تذكيرا وتعليما وتبصيرا، فذكرنا لك يا رسول الله هو أن ننشر هديك، ونحيي سنتك، ونسلك سبيلك، ونحارب البدع التي حذرتنا منها ...

стр. 136

الصلاة والسلام عليك يا خير مولود، ويا خير مبعوث، حق للعالم أن يفرح بمولدك الشريف كما كانت فرحته العظمى ببعثتك السعيدة، موفقا من ذكرك، فإن الله لا يقبل أن يذكر ولا تذكر، موفقا من عمر أوقاته بالصلاة والسلام عليك واجتلى أنوارك عند كل مناسبة طيبة تذكر فيها. كان المسلمون الأولون في احتفال دائم برسول الله ﵌ ينفذون شريعته ويطيعون أوامره ويرددون ذكره بكل إجلال وتعظيم، وإخلاص ومحبة في كلمتي الشهادة: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وفي أذان الصلاة، والتشهد وغيرها من الشعائر الدينية الأخرى يصلون عليه ويسلمون كلما ذكر اسمه الشريف طاعة وأمتثالا لله ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ... هكذا كان المسلمون الأولون قلوبهم مملوءة بمحبة رسول الله ﷺ ، فإذا قرأوا القرآن يذكرونه، وإذ يصلون يذكرونه، وإذ يتحدثون يذكرونه، فحياتهم كلها كانت ذكرا لله ولرسوله، وقد اشترط الله فيمن يحبه أن يحب النبي ﷺ قال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ ... لقد كان المسلمون الأولون يتجهون دائما إلى الحقائق لا إلى صورها ومظاهرها، وإلى إصلاح المجتمع بالحق والخير والعدل لا إلى خداعه بالشكليات التي لا تغني من الحق شيئا ... وهل كان المسلمون الأولون يتصورون أن تقام الذكرى للزعماء والعظماء ويجهلون ذكرى نبيهم، كلا؟ لم يقع هذا ولكن جذوة الإيمان فترت في القلوب، وشغل الناس بالشقاشق عن الحقائق، وتزيين الظاهر عن تعمير الباطن. غلبت البدع والأهواء على مسلمي اليوم، وطرأ ما طرأ عليهم ما طرأ على سوالف الأمم فابتدعوا بدعا سموها طاعات وظواهر زعموها عبادات مع أن صميم العبادة الإسرار بالذكر وتعمير القلوب بالطاعات،

стр. 137

والتسمك بالمأمورات والتجافي عن المنهيات. روى عن أوس بن أوس قال: قال رسول الله ﵌: "إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة فأكثروا علي من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي" (١).

стр. 138

التعريف بالإيمان قال رسول الله ﵌: "من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله حرم الله تعالى جسمه على النار" (١) أخرجه الترمذي. وبقيت الأركان الأخرى فهي من الإيمان أيضا، وأنها لا تقوم إلا بالشهادتين، والشهادتان بالنسبة إلى الاسلام كالروح بالنسبة إلى الجسد .. فشهادة أن لا إله إلا الله محمد رسول الله هي حياة كل جزء من أجزاء الإسلام، والشهادتان لا تنفصل إحداهما عن الأخرى، والمسلم عندما يقول: لا إله إلا الله، فكأنه قال: لا مطمئن إلا إليه، ولا مستجار إلا به، ولا محبوب ولا معبود، ولا مالك ولا مطاع ولا معظم، ولا معتصم به ولا سيد ولا حاكم إلا الله، ولا يقوم الإنسان بلوازم لا إله إلا الله إلا إذا آمن برسوله الكريم، وتعرف بواسطته على الطريق الذي يريد أن يسلكه ليحقق بذلك التوحيد والطاعة لله، ولهذا كان الإيمان بالرسول شرط في الإيمان بالله لأنه الدال على الطريق الموصل إليه، إذ لا يقوم أحد بحق الله إلا إذا عرف رسوله، ولهذا حكم بكفر من لم يؤمن بالرسول بعد أن أقام الحجة عليهم برسالته، فقال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ (سورة النساء). لا إله إلا الله يصدر عنها منهج الحياة، والمجتمع الإسلامي يقوم على العبودية لله وحده في جميع أموره وشؤونه ... الإيمان قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان، وإن هذه الثلاثة داخلة في مسمى الإيمان المطلق، فالإيمان المطلق يدخل جميع الدين، ظاهره وباطنه أصوله وفروعه، فلا يستحق اسم الإيمان المطلق إلا من جمع ذلك كله، ولم ينقص منه شيئا، ولما كانت الأعمال والأقوال داخلة في مسمى الإيمان كان قابلا للزيادة والنقصان فهو يزيد بالطاعة،

стр. 139

وينقص بالمعصية كما هو صريح القرآن قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (سورة فاطر). الإيمان والإسلام الشرعيان متلازمان في الوجود، فلا يوجد أحدهما بدون الآخر كلما وجد إيمان صحيح معتد به وجد معه الإسلام وكذلك العكس، ولهذا قد يستغنى بذكر أحدهما عن الآخر وأما إذا ذكرا معا مقترنين: أريد بالإيمان التصديق والإعتقاد، وأريد بالإسلام الإنقياد الظاهري من الإقرار باللسان وعمل بالجوارح، ولكن هذا بالنسبة إلى مطلق الإيمان ... أما الايمان وحده فهو أخص من الإسلام، وقد يوجد إسلام بدون إيمان كما في قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (سورة الحجرات). فأخبر بإسلامهم مع نفي الإيمان عنهم ... روى عن أبي هريرة ﵁ أنه قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسم: "الإيمان بضع وسبعون بابا أدناها إماطة الأذى عن الطريق وأرفعها قول لا إله إلا الله" رواه الترمذي. الإيمان بالله هو المبدأ الوحيد الذي أخذ به المؤمنون في الشرق والغرب، وفي القديم والحديث بل هو الغاية الوحيدة التي خلق من أجلها الناس قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (سورة الذاريات). الإيمان بالله هو التصديق بالحقيقة الكبرى التي لا تحول ولا تزول، والإعتراف بوجود الله بواسطة مخلوقاته الكثيرة البديعة الشكل العجيبة الصنع ... الإيمان بالله هو شعور الإنسان المخلوق بمنزلته المحدودة أمام رب عظيم بيده ملكوت السماوات والأرض وكل شيء في هذا الوجود ...

стр. 140

الإيمان بالله هو القوة الباعثة على العمل الصالح، القوة التي توجه الإنسان فيما يأتي ويدع في جميع شؤون الحياة كلها ... الإيمان هو مبدأ عام لا يفرق بين جنس وجنس، ولا بين لون ولون، ولا بين وطن ووطن هو هداية من الله إلى الخلق أجمعين، هو قوة روحية، ودعوة إلى قوة مادية، هو نظام كامل يقدم للإنسانية فكرة شاملة عن الكون والحياة، ويجعل العنصر الأخلاقي هو الغاية في بناء الحياة الإجتماعية، ويكون المسلم متشبعا بالعقل والروح لتنبعث الحياة من داخل النفس. هذا هو الإيمان، ولكن بعض المسلمين فهموا أن الإيمان ألفاظ جوفاء، يظنون أن الإيمان هو الإذعان السلبي الذي لا يكلف صاحبه عملا، ولا يبعث في قلبه خشية، ولا يؤثر في خلقه تهذيبا، ولا يدعوه إلى مشاركة في بر أو معاملة في إصلاح، أو عمل خير، ويحرص صاحب هذا الإيمان على أداء صور العبادات المفروضة، والتظاهر بأهل التقوى والصلاح ... يحسب هؤلاء المسلمون أن هذا الإيمان مقبول عند الله موصول إلى النجاة من عذاب الله، والسعادة في الدار الأخرى وهم يتلون كتاب الله، ويعرفون ما وصف الله به عباده المؤمنين في كثير من الآيات. القرآن يعرف المؤمنين مستيقنين غير مرتابين، يعرفهم مجاهدين صابرين، ويعرفهم أصحاب رأي وأهل غيرة على المجتمع يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويعرفهم متحابين لم يفسد قلوبهم الغل، ولم تفرقهم الأهواء، ويعرفهم أقوياء بالحق يجاهدون في سبيل الله، ولا يخشون لومة لائم، ويعرفهم خاشعي القلوب غير مستكبرين على أوامر الله، إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون، ويعرفهم حراصا على إقامة الصلاة وعلى توطيد صلتهم بربهم، وعلى تحصين كرائم أموالهم بإيتاء الزكاة، ويعرفهم بأوصاف الخير والبر التي لا صلاح إلا بها ولا استقامة إلا عليها أولئك هم المؤمنون حقا في نظر القرآن، وأولئك هم المفلحون ...

стр. 141

السعادة في الإتصال بين الإنسان وخالقه، وليست السعادة في المال كما يعتقد كثير من الناس، ولا في الجاه والمنصب، ولا في الأبناء، هذه الأشياء عارضة تزول لا محالة، فسعادة المؤمن في طاعة ربه لأن الله معه على الدوام، لأن المؤمن يترقب دائما رحمة الله، فبهذا الإيمان يعالج المسلم مشاكله بالحكمة والصبر، يقول الله : ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ الإيمان بالله هو رأس مال المسلم الحقيقي، وهو شفاء وعزاء للقلوب المحرومة من متاع الحياة الدنيا لأن المؤمن لا ينظر نظرة رغبة إلى من يفوقه في المال، أو في الجاه، بل ينظر إلى ما عند الله من الرحمة والمغفرة، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ وقال أيضا: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ الذين يكون سعيهم نيل رحمة لا توهن نفوسهم أية خيبة أمل، أو أية مصيبة تداهمهم، فالقوة الروحية تدخل إلى نفوسهم العزاء مما يقاسونه من آلام ومتاعب، أما الذين يغفلون عن رحمة الله فيقعون في مواطن الخطر، وما أصدق ما وصف به القرآن فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾.

стр. 142

الصبر من الإيمان: ومن الكلمات التي حرفت عن معناها كلمة الصبر، لقد ذكره الله في القرآن أكثر من سبعين مرة عرف الله عباده بثمراته الطيبة، وما كان له من عاقبة حسنة في الدنيا والآخرة، إنه أساس من أسس الدين وينبوع لكثير من الأخلاق الفاضلة، والصفات الحميدة، ولقد أتساءل. ما هو الصبر؟ أهو الإستسلام والخضوع وقبول النكبات والمصائب بدون مقاومة؟ أهو الركود والبلادة والإقامة على الظلم؟ كذلك يصوره الذين يحرفون الكلم عن مواضعه، وكذلك صوروه للناس، فرضي الفقير بفقره باسم الصبر ورضي المريض برضه باسم الصبر، ورضي الذليل بذله باسم الصبر، ورضي المظلوم بظلمه باسم الصبر، وقد أضلوا الشعوب فعلموها أن جور أهل الجور قضاء وقدر يجب أن يصبروا عليه، وأن ظلم أهل الظلم مظهر من مظاهر التأديب الإلهي، فعليهم أن يتقبلوه بالرضى، وأن الفقر والغنى قسمة ونصيب لا فكاك منهما ولا إرادة لأحد فيهما، وهكذا حتى ثبطوا العزائم عن العمل والسعي، وأضعفوا الهمم، واستسلم الناس للواقع، فهل هذا هو الصبر الذي عرفه القرآن وحث عليه؟ وهل يمكن أن يكون الله تعالى قد أراد هذا المعنى لما أمر عباده به وأثنى عليه، ورغب فيه، وضمن حسن عاقبته، وأعلن أنه يحب أهله، وأنه سيوفيهم أجورهم بغير حساب ... الصبر الذي يعرفه القرآن ويأمر به هو الأخلاق الفاضلة التي تهدي إلى الأعمال الصالحة، وتتقوى به النفوس المؤمنة. الصبر هو مجاهدة النفس وحبسها عن الضجر والتبرم مع متابعة العمل والسعي، وعدم الإنكماش والإنكسار، ولذلك كان الصبر من المعاني الباطنية كالشجاعة على مكاره الجهاد صبر والجود على بذل المال صبر، والكتمان على المثيرات والأسرار صبر، إلى غير ذلك مثل العفو عند القدرة، وضبط النفس في حالة الإنفعال والغضب ...

стр. 143

ذكر الله أصحاب سيدنا داوود ﵇ حين رأوا قوة جالوت وأصحابه، قال بعض منهم: ﴿لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ -وهم الصابرون- كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (سورة البقرة) لم ترعبهم الكثرة الساحقة، ولم تذهلهم القوة الماحقة، ولم يتعللوا بعدم التكافؤ، فمضوا في طريقهم عالمين أن القوة إنما هي قوة الروح لا قوة الأشباح ... ليس في التكليف أصعب من الصبر، فيجب على المؤمن أن يصبر على التكاليف الشرعية كالصلاة والوضوء والزكاة والصوم والحج، ويمتنع عن المحرمات والشهوات، وأن يصبر على القضاء والقدر بعدما يستعمل جميع الوسائل في دفعهما، ولهذا جعل الله الصبر فرضا على كل مسلم، ولا أفضل من الرضى به، فإذا رأى المسلم كافرا بالله قد أتاه الله المال الوفير، والجاه العريض، فيلبس الحرير والديباج، ويتمتع بالذهب والفضة، والسيارة والقصور الضخمة، والخدم وما إلى ذلك من الصحة والأولاد والعافية، وتنظر إلى رجل مسلم من أهل الدين وطلاب العلم محيطا به البلاء معوزا فقيرا مقهورا تحت ولاية ظالم جبار مسلطا عليه أنواع العذاب، فالمسلم ضعيف الإيمان، إذا قارن هذا وذلك يرى عدل الله معدوما بين هذين الرجلين وتزيده وسوسة الشيطان لأجل هذا يحتاج المؤمن إلى الصبر على ما يلقى من الضر، وعلى وسوسة إبليس لعنه الله، وكذلك يجب الصبر على تسليط الكفار على المسلمين مع المقاومة الشديدة، والتمسك القوي بأوامر الدين. الآن أستعرض الآيات القرآنية التي وردت في الصبر ومما يقوي صبر المؤمن القرآن لأنه شفاء لما في الصدور، قال تعالى في حق الكافر: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (سورة آل عمران). ويقول في (سورة الزخرف): ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا

стр. 144

وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ وقال في (سورة الإسراء) ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ والآيات في هذا المعنى كثيرة، ويتكلم على المؤمن الذي يجب أن يتحلى بالصبر، فقال: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ (سورة آل عمران). وهذا رسول الله ﵌ أفضل الخلق على الإطلاق كان يتقلب على رمال حصير أثرت في جنبه الشريف لما رأى عمر بن الخطاب ذلك فبكى وقال: "كسرى وقيصر الروم في الحرير والديباج يتنعمان" قال ﵊: "أفي شك أنت يا عمر؟ ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا" (١) وإذا أراد الله أن يتخذ شهداء عنده فيخلق أقواما يبسطون أيديهم لقتل المؤمنين. أفيجوز أن يفتك بعمر العادل الملهم المحدث إلا بمثل أبي لؤلؤة المجوسي، وبعلي كرم الله وجهه إلا بمثل ابن ملجم الخارجي؟ أيعقل أن يحيى نبي الله ﵇ يقتل في مهر بغي؟ إلى غير ذلك من الأمثال الكثيرة من القرآن والأحاديث النبوية، ولهذا يجب على المؤمن أن يصبر ...

стр. 145

الطريق إلى الله هو العلم يجب على المؤمن أن يسعى في طلب العلم لأنه الطريق الوحيد إلى معرفة الله قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ كلما تعمق الإنسان في الجانب العلمي تكن خشيه الله لأنه يرى من نواميس الكون. ومن الإتقان في الصنع، وعن الحكمة في التدبير ما يجعله يخر ساجدا لله، فالذين يتخصصون في علم التشريح يرون فيه من أحكام المحكم، ومن الدقة الدقيقة في مختلف الأجهزة الجسدية وفي مفردات هذه الأجهزة ما يضطرهم إضطرارا إلى السجود لرب هذا التنسيق والترتيب والإبداع. وليس علم التشريح وحده هو الذي يبهر العالم المتبحر فيه، وإنما يبهر علم الفلك العالم الفلكي، ويبهر علم الأحياء عالم الأحياء، وهكذا نجد إنبهار النفس في كل ميدان من ميادين المعرفة الكونية أرضها وسمائها وما بين الأرض والسماء ... إن العلم النافع هو أهم مطلب في الحياة، وأجل مقصد في هذا الوجود، فالعلماء هم الذين يضيئون مسىالك الحياة، ويسيرون بالناس قدما إلى السمو والكمال. طلب العلم في الإسلام ليس نافلة، ولا أمرا كماليا وإنما هو فرض وضروري. العلم الصحيح هو دليل اليقين الثابت، ووسيلة الخلق الفاضل، وكلما ازداد الإنسان علما إزداد اعتقادا بالله واستقامة في الأقوال والأفعال، ومعرفة في الحلال والحرام، ويصبح قادرا على قيادة نفسه وضبطها وتهذيبها، وبعيدا عن التأثر بمن يدور حوله من الشهوات والمغريات ... إلاما ينتهي العلماء الصادقون؟ يقول الله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ إنهم يصلون عن طريق العلم الذي يثير الخشية إلى
следующие страницы →