باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾.
ليس الإيمان بالظلم وهو خلط به والظلم هو الشرك بالله. الإيمان المصفى من الشرك هو الإيمان الذي يقبله الله من أهله، ويجزيهم عليه الجزاء الأوفى ويجعلهم في أمن وسلام يوم يكون الكافرون في فزع وكرب.
عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان عليه من العمل. أخرجه الشيخان.
ومعنى لا إله إلا الله: طريقة القرآن في مثل هذا أن يقرن النفي بالإثبات فينفي ما سوى الله، ويثبت الاسم الشريف، وهذا هو حقيقة التوحيد النفي المحض ليس بتوحيد، وكذلك الإثبات بدون نفي، فلا يكون التوحيد إلا متضمنا للنفي والإثبات ...
من حقق التوحيد دخل الجنة: قال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (سورة النحل) إن إبراهيم ﵇ كان أمة وحده أي يعوض مجتمعا يؤمن بالله بين مجتمعات كلها على الشرك والكفر، وإن إبراهيم مع إيمانه قانتا لله أي خاشعا لله، وكان حنيفا أي مائلا عن طرق الضلال والكفر ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي لم يشرك بالله أبدا وقال تعالى في (سورة المؤمنون): ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ ...
هؤلاء الذين ذكرتهم الآية الكريمة إنهم على صفات تؤهلهم لدخول الجنة، فهم من خشية ربهم وخوفهم منه على إشفاق دائم من أن يعصوا أو
стр. 72
يفعلوا منكرا. ولهذا يؤمنون بآيات ربهم ويعملون بها ويهتدون بهديها قد خلت نفوسهم من أثر الشرك، وكانوا على خشية ومراقبة دائمة لله حتى إنهم يفعلون ما يفعلون من خير ويقدمون ما يقدمون من طاعات وعبادات لا تزايلهم الخشية، ولا يبارحهم الخوف من الله ومن أنهم على تقصير في حقه تعالى، وفيما يجب له من طاعة وولاء. إن هذه الصفات المذكورة في الآية تلتقي جميعا في قلب المؤمن بالله إلا أن المؤمن على حظوظ مختلفة منها فبعضهم تغلب عليه صفة الخشية من الله، وبعضهم يؤمن بآيات الله، ولكن تغلبه نفسه، فلا تتحقق الخشية كاملة من الله في قلبه، وبعضهم يعترف بوجود الله ويقر بوحدانيته إقرارا عقليا، كالفلاسفة ونحوهم.
ولا ينقلون عن الرسل ﵈، ولا يأخذون مما معهم من آيات الله، وبعضهم يؤمن بالله، وبآيات الله، وبرسل الله ثم يؤتون ما أتوا من طاعات وعبادات وهم في صراع مع أنفسهم، وفي خوف من لقاء الله أن يكونوا قصروا فهؤلاء جميعا يمكن أن يتجهوا إلى الخير ويجاهدوا أنفسهم لأنهم يحملون شرارة من الإيمان، وأنهم على هدى من ربهم وعلى طريق الخير والإحسان ..
عن حصين بن عبد الرحمن قال: "كنت عند سعيد بن جبير فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ فقلت أنا، ثم قلت: أما أني لم أكن في صلاة ولكني لدغت، قال: فما صنعت؟ قلت: ارتقيت قال: فما حملك على ذلك؟ قلت حديث حدثنا الشعبي، قال وما حدثكم؟ قلت: حديثا عن بريدة بن الحصيب أنه قال: لا رقية إلا من عين أو حمة، قال: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ولكن حدثنا ابن عباس عن النبي ﷺ -أنه قال: عرضت علي الأمم، فرأيت النبي ومعه الرهط والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد، إذ رفع إلي سواد عظيم، فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه، فنظرت فإذا بسواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، ثم نهض فدخل منزله، فخاض الناس في أولئك، فقال بعضهم فلعلهم الذين صحبوا الرسول ﷺ وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئا، وذكروا أشياء، فخرج عليهم رسول الله ﷺ -
стр. 73
فأخبروه، فقال: هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون. فقام عكاشة بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم قال: أنت منهم، ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال سبفك بها عكاشة. الحديث رواه البخاري مطلولا ومختصرا ومسلم والنسائي والترمذي ..
الرقية: هي العوذة ااتي يرقى بها الآفة كالحمى والصرع وغير ذلك من الآفات. قال ابن الأثير: (وقد جاء في بعض الأحاديث جواز الرقية، وفي بعضها النهي، والأحاديث في القسمين كثيرة، ووجه الجمع بينهما أن الرقي يكره منها ما كان بغير اللسان العربي، وبغير أسماء الله تعالى وصفاته وكلامه في كتبه المنزلة، وأن يعتقد أن الرقي نافعة لا محالة فيتكل عليها.
الخوق من الشرك: قال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (سورة النساء ٤٧).
وقال الخليل ﵇ ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ (سورة إبراهيم ٣٧). وفي الحديث: "أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر فسئل عنه فقال الرياء" رواه أحمد. وعن ابن مسعود ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "من مات وهو يدعو من دون الله ندا (١) دخل النار" رواه البخاري ومسلم عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئا دخل النار" ...
стр. 74
الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله
قال الله : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (سورة يوسف ١٠٨). السبيل التي استقام عليها النبي بأمر ربه ودعا الناس إليها وأنه ليدعو إلى الله على هدى ونور من ربه فمن اتبع الرسول فقد عرف الحق فكان على بصيرة من أمره.
وعن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ لما بعث معاذا إلى اليمن قال له: إنك تأتي قوما من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله. وفي رواية: إلى أن يوحدوا الله، فإن هم أطاعوك لذلك فاعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب (أخرجه الشيخان)، ولهما عن سهل بن سعد ﵁: أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: "لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله. يفتح الله على يديه، فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها، فلما أصبحوا غدوا على رسول الله ﷺ كلهم يرجو أن يعطاها، فقال: أين علي بن أبي طالب؟ فقيل هو يشتكي عينيه، فأرسلوا إليه فأتى به، فبصق في عينيه ودعا له، فبرأ كأن لم يكن به وجع فأعطاه الراية فقال: أنفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه، فوالله لئن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم".
стр. 75
تفسير التوحيد، وشهادة أن لا إله إلا الله
قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ (١) أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ (سورة الإسراء ٥٧).
شرح هذه الترجمة وما بعدها من الأبواب، فيه أكبر مسائل أهمها وهي تفسير التوحيد وتفسير الشهادة. قال تعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾.
وحقيقة الوسيلة إلى الله تعالى مراعاة سبيله بالعلم والعبادة، وتحري مكارم الشريعة، وهي كالقربة والوسيلة الراغب فيها إلى الله تعالى.
والتوسل بالنبي ﷺ هو الإستسقاء به في حياته وثبت التوسل بغيره أي بعد موته ﷺ بإجاع الصحابة إجماعا سكوتيا في حديث عمر ﵁ كما قال: "كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبيك فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبيك" ولم ينكر عليه أحد من الصحابة وأما التوسل بغيره فلا يجوز. والأصل هو أن تتوسل إلى الله بالله، كأن تقول اللهم إنا نسألك بموجبات رحمتك، أما التوسل بالعباد "فوساطة" يرفضها الإسلام لأنها نوع من الشرك.
الوسيلة: هي ما يتوسل به إلى الله تعالى من الأعمال الصالحة التي ترضي ألله وتدني الإنسان من ربه، وتقوى الله هي مطلوب كل مؤمن بالله، ورغبة كل طامع في رضى الله، ساع إلى مرضاته ولهذا فقد أمر الله الذين آمنوا بالتقوى في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ (سورة الحشر ١٨). فليس الإيمان هو مجرد الايمان، وإنما الإيمان هو الذي ينتج التقوى ويستشعر المؤمن أن النهاية عظيمة وأن الحساب عسير إلا على المتقين.
стр. 76
والتقوى هي اجتناب محارم الله، وامتثال أوامره، أو هي كما عرفها بعض العارفين: "ألا يراك حيث نهاك، وألا يفتقدك حيث أمرك".
التقوى صعب المنال، غالي الثمن، لا يقدر على الوفاء به إلا من رزقه الله قوة الإيمان، وثبات اليقين ووثاقة العزم تلك هي بعض الوسائل التي يتوسل بها إلى التقوى وما يأخذ به بعض المسلمين من التوسل بالأموات ممن يعتقد في صلاحهم واستقامة سلوكهم في الحياة فيلمون بقبورهم وأضرحتهم طالبين قضاء حوائجهم التي قصرت عنها أيديهم ..
والذي يأباه الدين هو زيارة كثير من الناس قبور الصالحين وتمسحهم بها ومناجاتهم وطلب الغوث منهم حتى كأن هذا الرجل الصالح يتصرف في الكون ..
قال الإمام الشوكاني عند تفسيره لهذه الآية قال: "قد أكثر الناس من دعاء غير الله تعالى من الأولياء الأحياء منهم والأموات ... يا سيدي فلان أغثني، وليس ذلك من التوسل المباح في شيء، واللائق بحال المؤمن عدم التفوه بذلك، وألا يحوم حول حماه، وقد عده أناس من العلماء شركا، وألا يكنه فهو قريب منه، ولا أرى أحدا ممن يقول ذلك إلا وهو يعتقد أن المدعو الحي الغائب، أو الميت المغيب يعلم الغيب أو يسمع النداء، ويقدر بالذات، أو بالغير على جلب الخير، ودفع الأذى، وإلا لما دعاه ولا فتح فاه، وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم ..
فالحزم التجنب عن ذلك وعدم الطلب إلا من الله القوي الغني الفعال لما يريد" انتهى.
وكما وقف على سر ما رواه الطبراني في معجمه من أنه كان في زمن النبي ﷺ منافق يؤذي المؤمنين، فقال الصديق- أبو بكر ﵁ هيا بنا نستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق، فجاءوا إليه، فقال: ﷺ "إنه لا يستغاث بي إنما يستغاث بالله" (١) من عرف
стр. 77
سر ذلك فلا يستغيت بالموتى ولا يطلب منهم شيئا وإنما يستغيث بالله ويطلب من الله.
قال : ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ (سورة الزخرف).
فاستثنى خليل الرحمن من المعبودين ربه، وذكر سبحانه أن هذه البرآءة وهذه المولاة هي الشهادة أن لا إله إلا الله فقال: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. وقوله : ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (سورة التوبة). بين الله أنهم لم يؤمروا إلا بأن يعبدوا إلها واحدا مع أن تفسيرها الذي لا إشكال فيه طاعة العلماء والعباد في غير معصية لا دعائهم إياهم أربابا فهذا هو عين الشرك ..
وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "من قال لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله " وهذا من أعظم ما يبين معنى (لا إله إلا الله) فإنه لم يجعل التلفظ عاصما للدم والمال، بل ولا معرفه معناها مع لفظها لا يحرم ماله ودمه حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله فإن شك أو توقف لم يحرم ماله ودمه".
стр. 78
من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما
قال تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (سورة الزمر ٣٦).
وفي هذه الآية الكريمة تشنيع على المشركين، الذين يعبدون آلهة من دون الله وتسخيف لعقولهم المريضة لأنهم يعتقدون في أشيياء ما أنزل الله بها من سلطان ولا تملك نفعا ولا ضرا.
عن عمران بن حصين ﵁: "أن النبي ﷺ رأى رجلا في يده حلقة من صفر فقال ما هذه؟ قال الواهنة، فقال أنزعها فإنها لا تزيدك إلا وهنا، فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت آبدا" رواه أحمد بسند لا بأس به ..
قال ابن الأثير في النهاية الواهنة عرق يأخذ في المنكب وفي اليد كلها فيرقى منها وقيل هو مرض يأخذ في العضد، وربما علق عليه جنس من الخرز يقال له خرز الواهنه وهي تأخذ الرجال دون النساء، ونهاه عنها لعل يعتقد أنها تعصمه من الألم، فكانت عنده في معنى التمائم المنهي عنها.
والحلقة كان المشركون يجعلونها في عضدهم من نحاس أصفر أو غيره، ويزعمون أنها تحفظهم من أذى العين والجن ونحوها، والخيط كانوا يعتقدونه ويتقلدون به فنهى عنه لما فيه من شائبة الشرك.
وعن عقبة بن عامر مرفوعا! "من علق تميمة فلا أتم الله له، ومن علق ودعة فلا ودع الله له" (١). وفي رواية "من علق تميمة فقط أشرك" (٢) ولابن أبي حاتم عن حذيفة ﵁: أنه رأى رجلا في يده خيط من الحمى فقطعه وتلا قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ (سورة يوسف).
стр. 79
الذبائح لغير الله
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (سورة الأنعام). قال الحافظ بن كثير يأمر الله نبيه ﷺ أن يخبر المشركين الذين يعبدون غير الله ويذبحون لغيره، أنه مخالف لهم في ذلك، لأن المشركين يعبدون الأصنام ويذبحون لها، فأمره الله تعالى بمخالفتهم والانحراف عما هم فيه، والانقياد بالقصد والنية والعزم على الاخلاص لله تعالى. قال مجاهد: النسك هو الذبح في الحج والعمرة. قال الإمام ابن تيمية أمر الله نبيه ﷺ أن يجمع بين هاتين العبادتين، وهما الصلاة والنسك، الدالتان على القرب أو التواضع والافتقار، وحسن الظن، وقوة اليقين، وطمأنينة القلب إلى الله وإلى عبادته، عكس حال أهل الكبر والأنفة وأهل الغنى عن الله تعالى الذين لا حاجة لهم في صلاتهم إلى ربهم، والذين لا ينحرون له خوفا من الفقر ولهذا جمع الله بينهما في قوله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾ وعن علي ﵁ قال: "حدثني رسول الله ﷺ بأربع كلمات: لعن الله من ذبح لغير الله لعن الله من لعن والديه، لعن الله من آوى محدثا، لعن الله من غير منار الأرض" رواه مسلم.
اللعن: هو البعد عن مظان الرحمة ومواطنها، واللعين هو الملعون من حقت عليه اللعنة أو دعى عليه بها. قال صاحب النهاية (أصل اللعن الطرد والإبعاد من الله، ومن الخلق السب والدعاء، وفي الحديث جواز لعن أهل الظلم من غير تعيين، وأما لعن الفاسق المعين ففيه قولان: أحدهما أنه جائز إختاره ابن الجوزي وغيره، والثاني أنه لا يجوز، اختاره أبو بكر عبد العزيز وشيخ الاسلام رحمهما الله تعالى، وهو المتجه جميعا بين الروايات، وقوله: (محدثا) روي بكسر الدال المهملة وبفتحها، فعلى الأول معناه نصر جانبه وآواه، وأجاره من خصه، وحال بينه وبين من يقتص منه، وعلى الثاني هو الأمر المبتدع نفسه ومعنى إيوائه الرضا به، والصبر عليه، فإنه إذا رضي بالبدعة، وأقر فاعلها، ولم يترك عليه فقد
стр. 80
أواه، ومنار الأرض بفتح الميم علامات حدودها ومعالها يفعل ذلك ليغتصب من جاره أرضه والله أعلم.
من الشرك النذر لغير الله
قال تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾. الآية تدل على وفاء النذر ومدح من فعل ذلك، فالنذر من العبادة وصرفه لغير الله شرك، فإذا أنذر طاعة وجب عليه الوفاء بها، والنذر قربة إلى الله تعالى، ولهذا مدح الموفين به، فإن نذر لمخلوق تقربا إليه وتشفعا منه له عند الله، أو ليكشف ضره ونحو ذلك فقد أشرك في عبادته سبحانه غيره، كما أن من صلى لله وصلى لغيره فقد أشرك. ووجه الدلالة من الآية الشريفة على هذا المعنى أن الله مدح الموفين بالنذر، والله لا يمدح إلا على فعل واجب أو مستحب أو ترك حرام، وذلك هو العبادة، فمن جاء به لغير الله تقربا إليه فقد أشرك.
قال ابن كثير: يخبر الله تعالى أنه عالم بجميع ما يعمله العاملون من النفقات والمنذورات وتضمن ذلك مجازاته بأوفر الجزاء للعاملين به ابتغاء وجهه. إذا علمت ذلك فاعلم أن هذه النذور الواقعة من عباد القبور تقربا بها إليهم وليقضوا لهم حوائجهم، أو ليشفعوا لهم شرك في العبادة بلا ريب كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (سورة الأنعام). قال الشيخ قاسم في شرح درر البحار النذر الذي ينذره أكثر العوام على ما هو مشاهد كأن يكون للإنسان غائب أو مريض، أو له حاجة فيأتي إلى قبر بعض الصالحين ويجعل على رأسه سترة ويقول يا سيدي فلان إن رد الله غائبي، أو عوفي مريضي، أو قضيت حاجتي فلك من الذهب كذا، أو من الفضة كذا، أو من الطعام كذا، أو من المال كذا، أو من الشمع كذا، أو الزيت كذا، فهذا النذر باطل بالإجماع لوجوه. منها أنه نذر لمخلوق، والنذر له لا يجوز لأنه عبادة والعبادة
стр. 81
لا تكون لمخلوق. ومنها أن النذر لميت والميت لا يملك شيئا، ومنها أنه ظن أن الميت يتصرف في الأمور دون الله، واعتقاد ذلك كفر إلى أن يقال إذا علمت هذا فما يؤخذ من الدراهم والشمع والزيت وغيرها، وينقل إلى ضرائح الأولياء تقربا إليهم محرم بإجماع المسلمين نقل ذلك عنه ابن نجيم في البحر الفائق، ونقله المرشدي في تذكرته وغيرهما عنه وازدادوا وقال في شرح المنهاج قريبا من هذا. وكلام العلماء أهل المعرفة في هذا الباب كثير، وكتاب الله وسنة رسوله يغنيان عن ذلك كله والله أعلم.
وفي الصحيح عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصيه" معناه أن نذر المعصية لا يجوز.
стр. 82
الإستعاذة بغير الله شرك
قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ (سورة الجن).
١) قال ابن كثير: الاستعاذة هي الالتجاء إلى الله والالتصاق بجانبه من شر كل شر، والعياذ يكون لدفع الشر، وطلب الخير، وهذا تمثيل، وإلا فما يقوم بالقلب من الالتجاء إلى الله، والاعتصام به، والانطراح بين يدي الرب والافتقار إليه، والتدلل لديه أمر لا تحيط به العبارة.
٢) كان الرجل من العرب إذا أمسى بواد، وخاف على نفسه قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه، يريد كبير الجن قال مجاهد. كانوا إذا هبطوا واديا يقولون نعوذ بعظيم هذا الوادي. فزادوا كفرا وطغيانا. قال الحافظ ابن كثير في تفسيره فلما رأت الجن أن الانس يعوذون بهم من خوفهم منهم زادوهم رهقا أي خوفا وإرهابا وذعرا حتى بقوا أشد منهم مخافة وأكثر تعوذا بهم.
وعن خولة بنت حكيم قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من نزل منزلا فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك" رواه مسلم.
٣) في هذا الحديث دليل على أن الله شرع لأهل الإسلام أن يستعيذوا بكلمات الله بدلا عما يفعله أهل الجاهلية من الاستعاذة بالجن ومعنى (التامات) كما قال القرطبي الكاملات التي لم يلحقها نقص ولا عيب كما يلحق كلام البشر، وقيل معناه الكافية الشافية قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وقد نص الأئمة كأحمد وغيره على أنه لا تجوز الاستعاذة بمخلوق ولهذا نهى العلماء عن التعازيم والتعاويذ التي لا يعرف معناها خشية أن يكون فيها استعاذة بمخلوق وذلك شرك، بل الله يعيذ المستعيذين ويعصهم من شر ما استعاذوا به.
стр. 83
وكان النبي ﷺ يستعيذ ويقول: "أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك" (١) فدل على أن رضاه وعفوه من صفاته، وكان يستعيذ بعزة الله فيقول: "أعوذ بعزة الله وقدرته" (٢) وقوله: "أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات" (٣) ولا يستعيذ النبي بمخلوق أبدا، ولا يستعيذ إلا بالله، أو بصفة من صفاته، وجاءت الاستعاذة باسم الرب تارة وباسم الملك وباسم الإله في سورتي المعوذتين، وقد جاء في الأثر أن الله يدعى بأسمائه الحسنى. كل طالب يسأل باسم يناسبه ويقتضيه، وقد قال النبي ﷺ في حق سورتي المعوذتين: "إنه ما تعوذ المتعوذون بمثليهما" فلا بد أن يكون المستعاذ به مقتضيا للمطلوب، وهو دفع الشر المستعاذ منه أو رفعه.
فيستعاذ من الشرور وأسبابها كالمعاصي، والشرك والكفر وأنواع الظلم، وهل زالت نعمة عن أحد قط إلا بشؤم معصية؟
إذا أنعم على عبد نعمة حفظها عليه، ولا يغيرها عنه حتى يكون هو الساعي في تغييرها عن نفسه ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.
ومن تأمل ما قص الله في كتابه الكريم من أحوال الأمم الذين أزال نعمه عنهم وجد سبب ذلك جميعه، إنما هي مخالفة أمره، وعصيان رسله، وكذلك من نظر في أحوال عصره، وما أزال الله عنهم من نعمة، وجد ذلك كله من سوء عواقب الذنوب، كما قيل: إذا كنت في نعمة فارعها فإن المعاصي تزيل النعم. فما حفظت نعصة الله بشيء قط مثل طاعته، ولا حصلت فيها الزيادة بمثل شكره، ولا زالت عن العبد نعمة بمثل معصيته لربه، فإنها نار النعم التي تعمل فيها كما تعمل النار في الحطب اليابس.
стр. 84
ولما كان الشر هو الآلام وأسبابها كانت استعاذات النبي ﷺ جميعها مدارها على هذين الأصلين، فكل ما استعاذ منه، أو أمر بالاستعاذة منه فهو إما مؤلم، وإما سبب يفضي إليه، فكان يتعوذ في آخر الصلاة من أربع، وأمر بالاستعاذة منهن وهي: "عذاب القبر، وعذاب النار فهما أربع المؤلمات، وفتنة المحيا والممات وفتنة المسيح الدجال" (١) وهذان هما سببا العذاب المؤلم، فالفتنة سبب العذاب وذكر الفتنة خصوصا، وذكر نوعي الفتنة، لأنها إما في الحياة، وإما في الممات، ففتنة الحياة قد يتراخى عنها العذاب مدة، وأما فتنة بعد الموت، فيتصل بها العذاب من غير تراخ ..
فهذه الاستعاذة من الألم والعذاب وأسبابها من آكد أدعية الصلاة حتى أوجب بعض السلف والخلف الإعاذة على من لم يدع به في التشهد الأخير، وأوجبه ابن حزم في كل تشهد، فإن لم يأت به فيه فبطلت صلاته، واستعاذ رسول الله ﷺ من ثمانية أشياء فقال: "اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وضلع (٢) الدين وغلبة الرجال" (٣) وتعوذ ﷺ "من المأتم والمغرم" (٤) فإنهما سببا الألم العاجل ومن ذلك قوله: "أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك (٥) " فالسخط سبب الألم، والعقوبة: هي الألم، فاستعاذ من أعظم الآلام وأقوى أسبابها.
стр. 85
الاستعاذة بالله من شر ما خلق
نتكلم عن الشر ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ (ما) هنا موصولة ليس إلا. والشر مسند في الآية إلى المخلوق المفعول لا إلى خلق الرب الذي هو فعله وتكوينه، فإنه لا شر فيه بوجه ما. فإن الشر لا يدخل في شيء من صفاته، ولا في أفعاله، كما لا يلحق ذاته ﵎ فإن ذاته لها الكمال المطلق، الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه، وأوصافه كذلك لها الكمال المطلق والجلال التام، ولا عيب فيها ولا نقص بوجه ما، وكذلك أفعاله كلها خيرات محضة، لا شر فيها أصلا، ولو فعل الشر سبحانه لاشتق له منه اسما، ولم تكن أسماؤه كلها حسنى ولعاد إليه منه حكم، تعالى ربنا وتقدس عن ذلك، ولكنه تعالى يلهم النفس البشرية خيرها وشرها ليمكنها بعد ذلك المفاضلة والاختيار في صراع الإيمان والضلالة ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ وما يفعله الله من العدل بعباده، وعقوبة من يستحق العقوبة منهم هو خير محض، إذ هو محض العدل والحكمة، وإنما يكون بالنسبة إلى العباد، فالشر وقع في تعلقه بهم، وقيامه بهم، لا في فعله القائم به تعالى، ونحن لا ننكر أن الشر يكون في مفعولاته المنفصلة، فإنه خالق الخير والشر وملهمهما النفس إعدادا للتكليف.
وينبغي أن نعرف جيدا: أن ما هو شر، أو متضمن للشر فإنه لا يكون إلا مفعولا منفصلا، لا يكون لله تعالى، ولا فعلا من أفعاله.
ذلك أن مقياس الخير والشر مقياس نسبي معياري له دائما وجهان، فالشر الذي ينزل على فرد واحد في شكل عقوبة مثلا يحقق خيرا عميما للمجموعة التي يعيش فيها ذلك الواحد، ويحقق له هو نفسه نجاة من النار.
مثال: إن السارق إذا قطعت يده فقطعها شر بالنسبة إليه، وخير محض بالنسبة إلى عموم الناس لما فيه من حفظ أموالهم، ودفع الضرر عنهم، وخير بالنسبة إلى متولي القطع أمرا وحكما، لما في ذلك من الإحسان إلى عبيده عموما، بإتلاف هذا العضو المؤذي لهم المضر بهم، فهو محمود على حكمه
стр. 86
بذلك، وأمره به مشكور عليه، يستحق عهليه الحمد من عباده، والثناء عليه والمحبة له ...
وكذلك الحكم بقتل من يصول عليهم في دمائهم وحرياتهم فإذا كان هذا عقوبة من يصول عليهم في دنياهم فكيف عقوبة من يصول على أديانهم، ويحول بينهم وبين الهدى الذي بعث الله به رسله، وجعل سعادة العباد في معاشهم ومعادهم منوطة به؟ أليس في عقوبة هذا الصائل خير محض، وحكمة وعدل، وإحسان إلى العبيد؟ وهي شر بالنسبة إلى الصائل الباغي.
فالشر ما قام به من تلك العقوبة، وأما ما نسب إلى الرب منها من المشيئة والإرادة والفعل، فهو عين الخير والحكمة فلا يغلظ حجابك عن فهم هذا النبأ العظيم، والسر الذي يطلعك على مسألة القدر، ويفتح لك الطريق إلى الله، ومعرفة حكمته ورحمته، وإحسانه إلى خلقه وأنه سبحانه كما أنه هو البر الرحيم الودود المحسن، فهو الحكيم الملك العادل، فلا تناقض حكمته رحمته، بل يضع رحمته وبره وإحسانه موضعه، ويضع عقوبته وعدله وانتقامه وبأسه موضعه وكلاهما مقتضى عزته وحكمته وهو العزيز الحكيم، فلا يليق بحكمته أن يضع رضاه ورحمته موضع العقوبة والغضب، ولا أن يضع غضبه وعقوبته موضع رضاه ورحمته .. وبعض الطوائف يقولون: إن الأمرين- الخير والشر- بالنسبة إليه على حد سواء ولا فرق أصلا، وإنما هو محض المشيئة بلا سبب ولا حكمة.
يرد القرآن على هذه الأفكار، وإنكارها أشد الإنكار، وتنزيه الرب نفسه عنها كقوله تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ وقوله : ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾. وقوله كذلك ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾. فأنكر سبحانه على من ظن به هذا الظن السيء ونزه نفسه عنه تعالى عما يشركون.
стр. 87
فدل على أنه مستقر في الفطر والعقول السليمة: إن هذا لا يكون ولا يليق بحكمته وعزته وألوهيته لا إله إلا هو، تعالى مما يقول الجاهلون علوا كبيرا.
وقد فطر الله عقول عباده على استقباح وضع العقوبة والإنتقام في موضع الرحمة والاحسان ومكافأة الصنع الجميل بمثله وزيادة، فإذا وضع العقوبة موضع ذلك استنكرته فطرهم وعقولهم أشد الاستنكار واستهجنته أعظم الاستهجان.
وكذلك وضع الإحسان والرحمة والإكرام في موضع العقوبة والانتقام، كمن إذا جاء إلى من يسيء إلى العالم بأنواع الإساءة في كل شيء من أموالهم وحريمهم ودمائهم فأكرمه غاية الإكرام، ورفعه وكرمه، فإن الفطر والعقول تأبى استحسان هذا، وتشهد على سفه من فعله، هذه فطرة الله التي فطر الناس عليها ..
فما للعقول والفطر لا تشهد حكمته البالغة، وعزته وعدله في وضع عقوبته في أولى المحال بها وأحقها بالعقوبة؟ وإنها لو أوليت النعم لم تحسن بها، ولم يلق هذا التأويل بالفطر السليمة ولظهرت مناقضة الحكمة ...
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ (سورة الكهف) فتأمل ما تحت هذا الخطاب الذي يسلب الأرواح حلاوة وعقابا وجلالة وتهديدا كيف صدره بإخبارنا، إنه أمر إبليس- لعنه الله- بالسجود لأبينا فأبى ذلك، فطرده ولعنه، وعاداه من أجل إبائه عن السجود، لابينا ثم أنتم توالونه من دوني، وقد لعنته وطردته إذ لم يسجد لأبيكم، وجعلته عدوا لكم ولأبيكم فواليتموه وتركتموني، أفليس هذا من أعظم الغبن وأشد الحسرة عليكم؟ ويوم القيامة يقول تعالى: "أليس عدلا مني أن أولي كل رجل منكم ما كان يتولى في دار الدنيا؟ ".
فليعلمن أولياء الشيطان كيف حالهم يوم القيامة: إذا ذهبوا مع
стр. 88
أوليائهم، وبقي أولياء الرحمن لم يذهبوا مع أحد فيتجلى لهم ربهم ويقول: "ألا تذهبون حيث ذهب الناس؟ فيقولون: فارقنا الناس أحوج ما كنا إليهم، وإنما ننتظر ربنا الذي كنا نتولاه ونعبده. فيقول هل بينكم وبينه علامة تعرفونه بها؟
فيقولون: نعم إنه لا مثيل له فيتجلى لهم، ويكشف عن ساق فيخرون له سجدا".
فيا قرة عين أوليائه بتلك الموالاة، وما أفرحهم إذا ذهب الناس مع أوليائهم، وبقوا مع مولاهم الحق فسيعلم المشركون به الصادون عن سبيله أنهم ما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون.
فما أحوج القلوب إلى معرفة ربها، ونزولها منه منازلها في الدنيا لتنزل في جوار ربها في الآخرة مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
стр. 89
من الشرك أن يستغيث المكلف بغير الله أو يدعو غيره
الإستغاثة هي طلب الغوث، وهي إزالة الشدة، والإستعانة: طلب العون، قال بعض العلماء: الفرق بينها وبين الدعاء أن الاستغاثة لا تكون إلا من المكروب والدعاء أعم منه، فيجتمعان في مادة وينفرد الدعاء عنها في مادة، فكل استغاثة دعاء، وليس كل دعاء استغاثة، والدعاء نوعان: دعاء عبادة، ودعاء مسألة، فدعاء مسألة هو طلب ما ينفع الداعي من جلب نفع أو كشف ضر، ولهذا أنكر الله على من يدعو أحدا من دونه ممن لا يملك ضرا ولا نفعا كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ ...
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵁ في الرسالة السنية: إذا كان على عهد الني ﷺ ممن انتسب إلى الإسلام ومرق منه مع عبادته العظيمة فليعلم أن المنتسب إلى الإسلام والسنة بهذه الأزمان قد يمرق أيضا من الإسلام لأسباب: منها: الغلو في بعض المشائخ كما غالت النصارى في المسيح ﵇ فكل من غلا في نبي أو رجل صالح، وجعل فيه نوعا من الإلهية مثل أن يقول: يا سيدي فلان أنصرني وارزقني وعافني، أو أنا في حفطك وحمايتك ورعايتك، ونحو هذه الأقوال، فكل هذا شرك وضلال، يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل، فإن الله سبحانه إنما أرسل الرسل، وأنزل الكتب ليعبدوه وحده، لا شريك له ولا يدعون معه إلها، والذين يدعون مع الله إلها آخر مثل المسيح والملائكة والأصنام لم يكونوا يعبدونهم ويعبدون قبورهم، أو يعبدون صورطم، يقولون إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى، ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله فبعث الله سبحانه رسله تنهى أن يدعو أحد من دونه لا دعاء عبادة ولا دعاء استغاثة واستعانة: قال ومن جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم ويدعوهم ويسألهم كفر إجماعا، نقله عنه صاحب الفروع، وصاحب الإنصاف، وصاحب الإقناع وغيرهم ..
стр. 90
قال ابن تيمية ﵀: اعلم أن الاستغاثة في الأسباب الظاهرية العادية في الأمور الحسية في قتال أو إدراك عدو أو سبع أو نحوه تجوز، كقولهم يا لزيد للمسلمين، بحسب الأفعال الظاهرة وأما الإستغاثة بالقوة والتأثير أو في الأمور المعنوية في الشدائد، كالمرض والغرق والضيق والفقر وطلب الرزق ونحوه، فمن خصائص الله لا يطلب فيها غيره، والله أعلم ..
نقلوه عنه في الرد على ابن جرجيس ...
قال الله : ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. وقال: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾. وقوله: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ وقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ ...
وقوله: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ... ﴾ الآية، قال ابن جرير: في هذه الآية: ولا تدع يا محمد من دون معبودك ولا خالقك شيئا لا ينفعك في الدنيا ولا في الآخرة، ولا يضرك في دين ولا دنيا - يعني بذلك الآلهة- يقول: لو عبدتها راجيا نفعها، أو خائفا ضرها، فإنها لا تضر ولا تنفع، فإن فعلت ذلك ودعوتها من دون الله فإنك إذا من الظالمين، أي المشركين بالله، والله أعلم، وحاشا الرسول أن يفعل ذلك إلا أن الخطاب خاص اللفظ عام المعنى، فالله تعالى لا يخاطب الرسول ﷺ وإنما يخاطب من حوله من الناس، ودلت هذه الآية على أنه سبحانه هو المتفرد بالملك والقهر، والعطاء والمنع، والضر والنفع دون كل ما سواه، فيلزم من ذلك أن يكون هو المدعو وحده فإن العبادة لا تصلح إلا لمالك النفع والضر ولا يملك ذلك ولا شيئا مما هنالك غيره كائنا من كان من أوليائه أو أعدائه، فهو المستحق للعبادة والدعوة وحده دون من لا يضر ولا ينفع، فالخطاب في هذه الآية للنبي ﷺ ولكنه عام للأمة .. والمقصود
стр. 91
منه لأن الرسول ﷺ معصوم من الشرك بل معصوم من الصغائر وعصمة الأنبياء والرسل من مسائل العقيدة في التوحيد.
وقوله تعالى: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ أمر الله عباده بابتغاء الرزق عنده وحده دون سواه ممن لم يملك لهم رزقا من السماوات والأرض.
قال الحافظ ابن كثير: (معناه ابتغوا عند الله الرزق لا عند غيره، لأنه المالك له، وغيره لا يملك شيئا من ذلك. أخلصوا له العبادة وحده لا شريك له واشكروه على ما أنعم عليكم، إليه ترجعون، فيجازي كل عامل بعمله وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية: فيه نفى سبحانه أن يكون أحد أضل غيره منه، وأخبر أنه لا يستجيب له ما طلب منه إلى يوم القيامة، والآية تعم كل من يدعو من دون الله، والله أعلم.
وقوله : ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ أخبر الله في هذه الآية أنه هو الكاشف للضر لا غيره، وأنه المنفرد بإجابة المضطرين، وأنه المستغاث لذلك وأنه القادر على دفع الضر، والقادر على إيصال الخير، فهو المنفرد بذلك، فإذا تعين- جل ذكره- خرج غيره من ملك ونبي وولي وغير ذلك.
وروى الطبراني بإسناده: "أنه كان في زمن النبي ﷺ منافق يؤذي المؤمنين فقال بعضهم: قوموا بنا نستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق، فقال النبي ﷺ : "إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله"؟!
قول الله ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ وقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١)﴾.
стр. 92
قال المفسرون في هذه الآية وهي قوله ﴿أَيُشْرِكُونَ ... ﴾ فيها توبيخ وتعنيف للمشركين في عبادتهم مع الله تعالى ما لا يخلق شيئا وهو مخلوق، والمخلوق لا يكون شريكا للخالق في العبادة التي خلقهم لها، وبين أنهم لا يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون، فكيف يشركون من لا يستطيع نصر عابديه ولا نصر نفسه، وهذا برهان ظاهر ودليل باهر على بطلان ما كانوا يعبدونه من دون الله. وهذا وصف كل مخلوق حتى الملائكة والأنبياء والصالحين وأشرف الخلق محمد ﷺ كان يستنصر ربه على المشركين ويقول: "اللهم أنت عضدي وأنت نصيري، بك أجول وبك أصول، وبك أقاتل" (١).
وفي الصحيح عن أنس قال: شج النبي ﷺ يوم أحد وكسرت رباعيته، فقال كيف يفلح قوم شجوا نبيهم؟ فنزل ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الحديث رواه البخاري تعليقا ووصله مسلم والنسائي والترمذي والإمام أحمد بن حنبل، قال ابن اسحاق في المغازي: حدثنا حميد الطويل عن أنس قال: كسرت رباعية النبي ﷺ يوم أحد وشج وجهه، وجعل الدم يسيل على وجهه، وجعل يمسح الدم وهو يقول: كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم، وهو يدعوهم إلى ربهم فأنزل الله الآية.
وذكر ابن هشام في السيرة من حديث أبي سعيد الخدري أن عتبة بن أبي وقاص هو الذي كسر رباعية النبي ﷺ ، وجرح شفته السفلى، وأن عبد الله بن شهاب الزهري هو الذي شجه في وجهه، وأن عبد الله بن قميئة جرحه في وجنته، فدخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنته، ووقع رسول الله ﷺ في حفرة من الحفر التي عملها أبو عامر ليقع فيها المسلمون فأخذ علي بن أبي طالب كرم الله وجهه بيد رسول الله ﷺ ورفعه طلحة ابن عبيد الله حتى استوى قائما، ومسح مالك بن سنان أبو سعيد الخدري
стр. 93
رضي الله عنه الدم عن وجه رسول الله ﷺ ثم ازدزده، فقال رسول الله ﷺ : "من مس دمه دمي لم تصبه النار ... ".
قال النووي: وفي هذا وقوع الأسقام والابتلاء بالأنبياء ﵈ لينالوا جزيل الأجر والثواب، ولتعرف أممهم ما أصابهم من أهل الشر فيتأسوا بهم، قال القاضي: وليعلم أنهم من البشر مخلوقون تصيبهم محن الدنيا، ويطرأ على أجسادهم ما يطرأ على أجسام البشر، ليتيقنوا أنهم مخلوقون مربوبون، ولا تفتن بما أظهر الله على أيديهم من المعجزات ويلبس الشيطان من أمرهم ما لبسه على النصارى وغيرهم، والمؤمنون لهم أسوة حسنة برسول الله ﷺ بالصبر على الأذى الحاصل من الملحدين والمارقين وليجاهدوا وليثبتوا ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.
стр. 94
العقيدة الإسلامية
تقوم العقيدة الإسلامية على ثلاث دعائم كلها يسلم العقل بها، ويقوم الدليل المستمد من البديهة عن صحته، وليس فيه مجال لوهم ولا خرافة هي: الوحدانية والإيمان بالغيب، والرسل أجمعين ...
فأول هذه الدعائم- الإيمان بواحد أحد هو الفرد الصمد، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير هو منزه عن مشابهة الحوادث لأنه غيرها، ولا تتحقق هذه المغايرة إلا إذا كان من غير جنسها. هو خالقها ومبدعها، والشيء لا يخلق بعضه بعضا، فهو ليس جسما من الأجسام، وليس عرضا من الأعراض لأنه خالقها وخالق كل شيء، وهو فوق كل شيء، وليس له مكان يحده، لأن المكان هو الذي يحدد الأجسام وليس مركبا من أجزاء كما نتركب، فهو واحد في ذاته، وواحد في صفاته، قد اختص وحده بالأشياء والتكوين، فهو بديع السماوات والأرض، ليس بوالد ولا مولود، وقد خلق الأسباب والمسببات، ونظم الكون بحكمته، وسيره بإرادته، وأبدع نواميسه بقدرته، وهو وحده المستحق للعبادة، وليس في خلقه ما يحل هو فيه لأنه ليس جسما يحل في غيره.
التوحيد هو العماد الأول والأقوى للإسلام وتعاليم القرآن، والذي شغلت الدعوة إليه وتقريره حيزا كبيرا ينادي بتحرير الإنسان من سيطرة الأوهام والخرافات والخضوع لما لا يملك ضرا ولا نفعا، والتوسل بالوسائل الزائفة لحماية نفسه، واتخاذ الناس بعضهم بعضا أربابا من دون الله كما هو بارز في آيات عديدة من القرآن، قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (سورة آل عمران)، وقال في (سورة الزمر): ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ * وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ * وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ
стр. 95
وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾.
وقال أيضا في نفس السورة ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ * قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾:
وذلك لما في عبادة غير الله والخضوع له والتوسل به من تسخير لقوى الإنسان، وتعطيل لمواهبه وإذلال نفسه إذلالا من شأنه أن يظل راغبا خائفا جزعا مما لا يبعث في الحقيقة على شيء من ذلك، في حين أن التوحيد والإيمان بالله (بآله) واحد متصف بجميع صفة الكمال والحق والعدل والخير والقوة واعتبار كل ما عدا الله صغيرا مهما كبر فالله أكبر منه والانسان ضعيفا مهما قوي فالله أقوى منه، وعاجزا مهما قدر فالله أقدر منه، وفقيرا مهما غني فالله أغنى منه، فلا يتجه أحد إلى غير الله، ولا يستشعر بخوف، ولا رهبة من أحد غيره، ولا يذل نفسه في حاجة لأحد غيره، وناهيك بهذا قوة هائلة محررة لما أودعه الله في الإنسان من قوى الخوف وموجهة لها نحو الخير والصلاح والكمال في هذه الحياة، ومساعدة له على القيام بواجباته الاجتماعية والانسانية، ثم حافزة له على عدم الرضا بالظلم والقهر، والتجبر والمرد على البغاة والمتجبرين والمتكبرين، وبالإضافة إلى هذا فإن الدعوة إلى الله وحده قد انطوت على تقرير ما في الإيمان بالله وحده، والاتجاه إليه وحده بالعبادة والدعاء، من فوائد عظيمة متصلة بشؤون الحياة الدنيا صلة وثيقة من حيث توكيد استجابة الله لداعيه وذكره لذاكريه، وقدرته وحده على تفريج ما يحل فيهم من خطوب، ومنحهم ما يرجونه من رغائب، وتحقيق ما يأملونه من مطالب كما هو واضح في الآيات الآتية: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (سورة البقرة). وقال في (سورة النمل) ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ
بعض معالم التوحيد في العقيدة
معالم التوحيد في الأخلاق هو ألا يصدر الإنسان ولا يرد في سلوكه الشخصي، أو في سلوكه الاجتماعي إلا عن توجيه إلهي.
ومعالم التوحيد في النية أن يكون الإنسان في كل ما يأتي وما يدع قاصدا وجه الله تعالى، وأن تكون حياته كلها لله، وليست الحياة وحدها، وإنما الممات أيضا.
والتوحيد على العموم: هو أن يهب الإنسان نفسه لله في قيامه وجلوسه، في نومه ويقضته، في غضبه ورضاه، في صداقته وعداوته، في بيعه وشرائه، في عمله وراحته، في أفكاره وآرائه، في توجيهه وإشارته، في نصائحه وتحذيراته، في كل نفس يتنفسه، أو طرفة عين يطرفها.
وإن توحيد الإنسان هو أن تكون صلاته ونسكه ومحياه ومماته لله رب العالمين لا شريك له ويقترب الإنسان من المثل الأعلى الإسلامي بمقدار قربه من هذه المعاني عقيدة وأخلاقا ونية، وقوله تعالى ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ إنما يشير بنا إلى خلوصه من كل شائبة شرك سواء أكان الشرك في العقيدة، أم كان في الأخلاق والنية، والله سبحانه أغنى الشركاء عن الشرك. فمن عمل عملا لله ولغيره فإن الله سبحانه بريء من عمله، وكذلك من اعتقد شريكا لله فالله بريء منه ..
стр. 98
علاقة الله بالإنسان
ليس من العجيب أن تكون علاقة الله بمخلوقاته - القائمة على العبودية إفرادا وإخلاصا ودواما وثباتا-، أو علاقة الإنسان به هي محور للعقيدة الإسلامية التي عرضها القرآن ..
فقد وصف القرآن الكريم باعتبار ذاته: بأن الأول والآخر والظاهر والباطن، والقيوم والواحد والحي والمتعالي، والغني والقادر، والباقي، والعظيم والقهار، والحميد والمجيد، والقوي المتين والعليم واللطيف، والحكيم والسميع والبصير، والملك القدوس، والبر الرحيم، ونور السماوات، والحق إلى غير ذلك من الصفات التي تصور الله غنيا بنفسه أبديا، واسع القدرة والمعرفة، محيطا بكل شيء، وأنه الحق وحده ...
وباعتبار صلته بمخلوقاته تحدث عنه بأنه الخالق، وبأنه المبديء والمعيد، والباريء، والمصور والمحيي والمميت، والوارث والباعث، والحافظ ومالك الملك، والولي والمقتدر، والجبار ... إلى غير ذلك من النعوت التي تبين أنه الخالق المطلق، المدبر الحاكم، والملك. الذي لا قوة غير قوته، ولا سلطان غير سلطانه في الوجود.
وباعتبار علاقته بالإنسان: وصفه بأنه الرحمن الرحيم والغافر والغفور والغفار، والعفو والحليم والشكور (الذي يجازي الناس على حمدهم) والصبور والرؤوف الودود الرقيب والشهيد.
وباعتبار علاقة الإنسان به: نعته بأنه المهيمن والهادي والوكيل، والولي والوهاب، والرزاق والمجيب والمعطي والمغني يبسط الرزق لمن يشاء إلى غير ذلك من الأوصاف التي تدل على أن صلة العبد به صلة احتياج. فالعبد محتاج إلى عفوه وتدبيره، والله هو الرقيب والحسيب عليه المهيمن على العباد جميعا يعينهم ويهديهم، فهو مصدر الرزق بأوسع معانيه ...
والله إذن هو الفاعل لكل شيء في الوجود، وإرادته هي سبب ما في الوجود كله .. هو يضل من يشاء ويهدي من يشاء ... والإنسان المؤمن
стр. 99
لا يستطيع إزاء ذلك غير أن يرجو الله ويدعوه الهداية، وأن يسأله ألا يجعله من الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم، وكانوا في الآخرة من الخاسرين ..
هذا الاعتقاد في الله ﷻ على هذا النحو، كان واضحا عند رسول الله ﷺ ، وعند جماعته من المهاجرين والأنصار، وكانوا يبشرون به، ويدافعون عنه. وإذا تليت آي الذكر الحكيم قالوا: آمنا به كل من عند ربنا، لم يلجأوا إلى تفتيش عن المتشابه فيه، ولم تكن بهم حاجة إلى تأويله ... كان ذلك عنوان الجماعة المسلمة ومظهر إيمانها على عهد رسول الله ﷺ ، وكان حال المؤمنين حقا ..
ننقل بعض المعاني لأسماء الله الحسنى، لابن قيم الجوزية من تفسيره لفاتحة الكتاب دلالة الحمد على توحيد الأسماء والصفات وأما دلالة الأسماء الخمسة عليها، وهي: الله، والرب، والرحمان والرحيم، والملك فمبني على أصلين:
أحدهما: أن أسماء الرب ﵎ دالة على صفات كماله، فهي مشتقة من الصفات، فهي أسماء وصفات وبذلك كانت حسنى، إذ لو كانت ألفاظا لا معنى فيها لم تكن حسنى، ونفي معاني أسماء الله الحسنى من أعظم الإلحاد فيها قال تعالى: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (سورة الأنفال). ولأنها لو لم تدل على معان وأوصاف لم يجز أن يخبر عنها بمصادرها ويوصف بها، لكن الله أخبر عن نفسه بمصادرها، وأثبتها لنفسه، وأثبتها له رسوله، كقوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ فعلم أن القوة من أسمائه، ومعناه الموصوف بالقوة، وكذلك قوله: ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ فالعزيز من له العزة، فلولا ثبوت القوة والعزة له لم يسم قويا ولا عزيزا.
وفي الصحيح عن النبي ﷺ "إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل الليل قبل النهار،
стр. 100
وعمل النهار قبل الليل، حجابه النور، لو كشفه لاحترقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" فأثبت المصدر الذي اشتق منه اسمه (البصير)، وفي صحيح البخاري عن عائشة ﵂ "الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات"، وفي حديث الإستخارة "اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك" فهو قادر بقدرة، وقال تعالى لموسى: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ فهو متكلم بكلام، وهو العظيم الذي له العظمة، كما في الصحيح عنه ﷺ يقول الله تعالى: "العظمة إزاري، والكبرياء ردائي"، وهو الحكيم له الحكم ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ وأجمع المسلمون أنه لو حلف بحياة الله أو سمعه أو بصره، أو قوته أو عزته، أو عظمته إنعقدت يمينه، وكانت مكفرة لأن هذه صفات كماله التي انشقت منها أسماؤه ..
لو لم تكن أسماؤه مشتملة على معان وصفات لم يسع أن يخبر عنه بأفعالها، فلا يقال: يسمع ويرى ويعلم ويقدر ويريد، فإن ثبوت أحكام الصفات فرع ثبوتها، فإذا انتفى أصل الصفة إستحال ثبوت حكمها ..
روي عن ابن عباس ﵁ في قوله ﴿الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ قال: يكذبون عليه، وهذا تفسير بالمعنى، وحقيقة الإلحاد فيها: العدول عن الصواب، وإدخال ما ليس من معانيها عليها، وإخراج حقائق معانيها عنها، هذا حقيقة الإلحاد، ومن فعل ذلك فقد كذب على الله، ففسر ابن عباس الإلحاد بالكذب، وهو غاية الملحد، في أسمائه تعالى، فإنه إذا أدخل في معانيها ما ليس منها، وخرج بها عن حقائقها أو بعضها، فقد عدل بها عن الصواب والحق، وهو حقيقة الإلحاد، فالإلحاد: إما بجحودها وإنكارها وإما بجحد معانيها وتعطيلها، وإما بتحريفها عن الصواب وإخراجها عن الحق بالتأويلات الباطلة.
الأصل الثاني: إن الإسم من أسمائه ﵎ كما يدل على الذات والصفة التي اشتق منها بالمطابقة، فإنه يدل دلالتين أخريين بالتضمن واللزوم، فيدل على الصفة بمفردها بالتضمن، وكذلك على الذات المجردة عن
стр. 101
الصفة، ويدل على الصفة الأخرى باللزوم. فإن إسم السميع يدل على ذات الرب وسمعه بالمطابقة، وعلى الذات وحدها وعلى السمع وحده بالتضمن، وكذلك اسم (العلي) واسم الحكيم وسائر أسمائه، فإن من لوازم اسم (العلي) العلو المطلق من جميع الوجوه: علو القدرة، وعلو القهر وعلو الذات، فمن جحد علو الذات فقد جحد لوازم اسمه (العلي).
وكذلك اسمه الظاهر من لوازمه: ألا يكون فوقه شيء كما في الصحيح عن النبي ﷺ "وأنت الظاهر فليس فوقك شيء" بل هو سبحانه فوق كل شيء فمن جحد فوقيته سبحانه فقد جحد لوازم إسمه (الظاهر) ولا يصح أن يكون الظاهر هو من له فوقية القدرة فقط، كما يقال: الذهب فوق الفضة، والجوهر فوق الزجاج، لأن هذه الفوقية لا تتعلق بالظهور، بل قد يكون المفوق أظهر من الفائق، فيها. ولا يصح أن يكون ظهور القهر والغلبة فقط وإن كان سبحانه ظاهرا بالقهر والغلبة لمقابلة الإسم (بالباطن) وهو الذي ليس دونه شيء، كما قابل الأول، الذي ليس قبله شيء، بالآخر ليس بعده شيء.
وكذلك اسم الحكيم من لوازمه ثبوت الغايات المحمودة المقصودة له بأفعاله، ووضعه الأشياء في مواضعها، وإيقاعها على أحسن الوجوه، فإنكار ذلك إنكار لهذا الاسم ولوازمه، وكذلك سائر أسمائه الحسنى ..
стр. 102
التعريف باسم الجلالة
إذا تقرر هذان الأصلان: فاسم الله دال على جميع الأسماء الحسنى، والصفات العليا بالدلالات الثلاث فإنه دال على ألوهيته المتضمنة لثبوت صفات الإلهية له، مع نفي أضدادها عنه.
وصفات الإلهية هي صفات الكمال المنزهة عن التشبيه والمثال، وعن العيوب والنقائص، ولهذا يضيف الله تعالى إلى سائر الأسماء الحسنى إلى هذا الاسم العظيم كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾، ويقال: الرحمن والرحيم، والقدوس، والسلام والعزيز والحكيم، من أسماء الله ولا يقال الله من أسماء الرحمن، ولا من أسماء العزيز إلا غير ذلك.
فعلم أن اسم (الله) مستلزم لجميع معاني الأسماء الحسنى دال عليها بالاجمال. وللأسماء الحسنى تفصيل وتبيين لصفات الالهمة التي اشتق منها اسم الله، واسم الله دال على كونه مألوها معبودا تؤلهه الخلائق محبة وتعظيما وخضوعا وفزعا إليه في الحوائج والنوائب. وذلك مستلزم لكمال ربوبيته ورحمته المتضمنين لكمال الملك، والحمد وإلهيته وربوبيته ورحمانيته وملكه مستلزم لجميع صفات كماله إذ يستحيل ثبوت ذلك لمن ليس بحي، ولا سميع ولا بصير ولا قادر ولا متكلم، ولا فعال لما يريد، ولا حكيم في أفعاله فصفات الجلال، والجمال أخص باسم الله. وصفات الفعل والقدرة، والتفرد بالضر والنفع والعطاء والمنع ونفوذ المشيئة، وكمال القوة، وتدبير أمر الخليقة أخص باسم الرب.
وصفات الإحسان، والجود والبر والحنان والمنة والرأفة واللطف، أخص باسم الرحمن وكرر إيذانا بثبوت الوصف، وحصول أثره وتعلقه بمتعلقاته، فالرحمن وصفه الرحمة، والرحيم: الراحم لعباده، ولهذا يقول تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ولم يجيء رحمان بعباده، ولا رحمان بالؤمنين مع ما في اسم الرحمن الذي هو على وزن فعلان من سعة هذا الوصف، وثبوت جميع معناه الموصوف به ألا ترى أنهم يقولون: غضبان: للممتليء غضبا وندمان وحيران وسكران،
стр. 103
ولهفان لمن مليء بذلك؟ ة فبناء فعلان للسعة والشمول ولهذا يقرر استواؤه على العرش بهذا الاسم كثيرا كقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾. فاستوى على عرشه باسم الرحمن، لأن العرش محيط بالمخلوقات قدر وسعها، والرحمة محيطة بالخلق واسعة لهم، كما قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ فاستوى على أوسع المخلوقات بأوسع الصفات. فلذلك وسعت رحمته كل شيء، وفي الصحيح من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "لما قضى الله الخلق كتب في كتاب، فهو عنده موضوع على العرش: إن رحمتي تغلب غضيي" وفي لفظ "فهو موضوع عنده على العرش".
فتأمل خصائص هذا الكتاب بذكر الرحمة، ووضعه عنده على العرش، وطابق بين ذلك وبين قوله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ وقوله ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ ينفتح لك باب عظيم من معرفة الرب ﵎ إن لم يغلقه عنك التعطيل والتجهم.
وصفات العدل، والقبض والبسط، والخفض والرفع، والعطاء والمنع، والإعزاز والإذلال، والقهر والحكم ونحوها: أخص باسم الملك وخصه بيوم الدين، وهو الجزاء بالعدل لتفرده بالحكم فيه وحده، ولأنه اليوم الحق، وما قبله كساعة ولأنه الغاية، وأيام الدنيا مراحل إليه.
ارتباط الخلق بالأسماء الثلاثة
تأمل ارتباط الخلق والأمر بهذه الأسماء الثلاثة وهي: " الله، الرب، الرحمن" كيف نشأ عنها الخلق، والأمر، والثواب، والعقاب؟ وكيف جمعت الخلق وفرقتهم؟ فلها الجمع والفرق.
فاسم الرب له الجمع الجامع لجميع المخلوقات. فهو رب كل شيء وخالقه، والقادر عليه لا يخرج شيء عن ربوبيته، وكل من في السماوات والأرض عبد له في قبضته، وتحت قهره، فاجتمعوا بصيغة الربوبية، وافترقوا بصفة
стр. 104
الالهية، فألهه وحده السعداء، وأقروا له طوعا لأنه الله الذي لا إله إلا هو الذي لا تنبغي العبادة والتوكل، والرجاء، والخوف. والحب والإنابة والإخبات والخشية، والتذلل والخضوع إلا له.
وهنا افترق الناس وصاروا فريقين:
- فريقا مشركين في السعير.
- وفريقا موحدين في الجنة.
فالالهية هي التي فرقتهم، كما أن الربوبية هي التي جمعتهم فالدين والشرع. والأمر والنهي، مظهره وقيمامه: من صفة الالهية. والخلق والايجاء والتدبير والفعل: من صفة الربوبيه. والجزاء بالثوات والعقاب، والجنة والنار من صفة الملك وهو ملك يوم الدين. فأمرهم بالهيته، وأعانهم ووفقهم وهداهم وأضلهم، وأثابهم وعاقبهم بملكه وعدله، وكل واحدة من هذه الأمور لا تنفك عن الأخرى ... وأما الرحمة فهي التعلق والسبب الذي بين الله وبين عباده فالتالية منهم له، والربوبية منه لهم. والرحمة سبب وأصل بينه وبين عباده. بها أرسل إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه، وبها هداهم، وأسكنهم دار ثوابه، وبها رزقهم وعافاهم وأنعم عليهم، فبينهم وبينه سبب العبودية، وبينه وبينهم سبب الرحمة ...
واقتران ربوبيته برحمته كاقتران استوائه على عرشه برحمته ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ مطابق لقوله ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فإن شمول الربوبية وسعتها بحيث لا يخرج شيء عنها أقصى شمول الرحمة وسعتها، فوسع كل شيء برحمته وربوبيته.
стр. 105
تنزيه الله ﷻ
إنه ليس بجسم مصور، ولا جوهر محدود مقدر، وأنه لا يماثل الأجسام، لا في التقدير، ولا في قبول الانقسام وأنه ليس بجوهر.
ولا تحله الجواهر ولا بعرض، ولا تحله الأعراض، بل لا يماثل موجودا، ولا يماثله موجود، ليس كمثله شيء ولا هو مثل شيء وانه لا يحده المقدار، ولا تحويه الأقطار، ولا تحيط به الجهات، ولا تكتنفه الأرضون والسماوات.
وأنه استوى على العرش على الوجه الذي قاله، وبالمعنى الذي أراده، استواء منزها عن المماسة والاستقرار والتمكن والحلول والانتقال، لا يحمله العرش بل العرش وحملته محمولون بلطف قدرته، ومقهورون في قبضته وهو فوق العرش، وفوق كل شيء إلى تخوم الثرى فوقية لا تزيده قربا إلى العرش والسماء، بل هو رفيع الدرجات عن العرش، كما أنه رفيع الدرجات عن الثرى وهو مع ذلك قريب من كل موجود، وهو أقرب إلى العبد من حبل الوريد، وهو على كل شيء شهيد، إذ لا يماثل قربه قرب الأجسام، كما لا تماثل ذاته ذات الأجسام وأنه لا يحل في شيء، ولا يحل فيه شيء تعالى عن أن يحويه مكان. كما تقدس عن أن يحده زمان. بل كان قبل أن يخلق الزمان والمكان. وهو الآن على ما عليه كان. وانه بائن من خلقه بصفاته، وليس في ذاته سواه، ولا في سواه ذاته ..
وأنه مقدس عن التغيير والانتقال، لا تحله الحوادث ولا تعترضه العوارض، بل لا يزال في نعوت جلاله منزها عن الزوال، وفي صفة كماله مستغنيا عن زيادة الاستكمال ... وانه في ذاته معلوم الوجود بالعقول، مرئي الذات بالابصار، نعمة منه ولطفا بالابرار في دار القرار، وإتماما للنعيم بالنظر إلى وجهه الكريم.
القدرة: وأنه حي قادر، جبار قهار، لا يعتريه قصور ولا عجز، ولا تأخذه سنة ولا نوم، ولا يعارضه فناء ولا موت، وأنه ذو الملك
стр. 106
والملكوت، والعزة والجبروت، له السلطان والقهر، والخلق والأمر، السماوات مطويات بيمينه، والخلائق مقهورون في قبضته.
وأنه المتفرد بالخلق والاختراع، المتوحد بالإيجاد والإبداع خلق الخلق وأعمالهم، وقدر أرزاقهم وآجالهم، لا يشذ عن قبضته مقدور، ولا يعزب عن قدرته تصاريف الأمور، ولا تحصى مقدوراته، ولا تتتاهى معلوماته.
العلم: وأنه عالم بجميع المعلومات. محيط علمه بما يجري في تخوم الأرضين إلى أعلى السماوات لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، بل يعلم دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، ويدرك حركة الذر في جوف الهواء، ويعلم السر وأخفى، ويطلع على هواجس الضمائر، وحركات الخواطر وخفيات السرائر يعلم بعلم قديم أزلي، لم يزل موصوفا في آزال الآزال لا بعلم متجرد حاصل في ذاته بالحلول والانتقال ...
الإرادة: وأنه مريد للكائنات، مدبر للحادثات، لا يجري في الملك والملكوت قليل أو كثير، صغير أو كبير، خير أو شر، نفع أو ضر، عرفان أو نكر، فوز أو خسر، زيادة أو نقص، طاعة أو عصيان، كفر أو إيمان، إلا بقضائه وتقديره، وحكمه ومشيئته، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، لا يخرج عن مشيئته لفتة ناضر، ولا فلتة خاطر، بل هو المبديء المعيد، الفعال لما يريد، لا راد لحكمه، ولا معقب لقضائه، ولا مهرب لعبد من معصيته، إلا بتوفيقه ورحمته ولا قوة على طاعته إلا بمحبته وإرادته، لو اجتمع الإنس والجن، والملائكة والشياطين على أن يحركوا في العالم ذرة أو يسكنوها دون إرادته لعجزوا عنه.
وأن إرادته قائمة بذاته، في جملة صفاته، لم يزل كذلك موصوفا بها، مريدا في أزله لوجود الأشياء في أوقاتها التي قدرها، فوجدت في أوقاتها، كما أراده في أزله من غير تقدم ولا تأخر، بل وقعت على وفق علمه وإرادته من غير تبديل ولا تغيير، دبر الأمور لا بترتيب أفكار وتربص زمان، فلذلك لم يشغله شأن عن شأن:
стр. 107
السمع والبصر: وأنه تعالى سميع بصير، يسمع ويرى، ولا يعزب عن مسموعه مسموع وإن خفي، ولا يغيب عن رؤيته مرئي وإن دق، لا يحجب سمعه بعد، ولم لا يدفع رؤيته ظلام، يرى من غير حدقة وأجفان، ويسمع من غير أصمخة وآذان، كما يعلم بغير قلب، ويبطش بغير جارحة، ويخلق بغير آلة، إذ لا تشبه صفاته صفات الخلق، كما لا تشبه ذاته ذات، الخلق.
الكلام: وأنه متكلم آمر ناه، واعد متوعد، بكلام أزلي قديم قائم بذاته، لا يشبه كلام الخلق، فليس من انسلال الهواء، أو أصطكاك أجرام، ولا حرف منقطع باطباق شفة أو تحريك لسان.
وأن القرآن والتوراة والإنجيل والزبور، كتبه المنزلة على رسله، وأن القرآن مقروء بالألسنة مكتوب بالمصاحف مخطوط في القلوب، وأنه مع ذلك قديم، قائم بذات الله تعالى. لا يقبل الانفصال والفراق بالانتقال، في القلوب والأوراق، وأن موسى ﵇ سمع كلام الله بغير صوت ولا حرف كما يرى الأبرار ذات الله تعالى من غير جوهر ولا عرض، ومن كانت له هذه الصفات كان حيا عالما، قادرا، مريدا، سميعا، بصيرا، متكلما، بالحياة والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والكلام لا بمجرد الذات ...
الأفعال: وإنه لا موجود سواه إلا وهو حادث بفعله، وفائض من عدله على أحسن الوجوه وأكملها، وأتمها وأعدلها، وأنه حكيم في أفعاله، عادل في أقضيته ولا يقاس عدله بعدل العباد، إذ العبد يتصور منه الظلم بتصرفه في ملك غيره، ولا يتصور الظلم من الله تعالى، فإنه لا يصادف لغيره ملك حتى يكون تصرفه فيه ظلما ...
فكل ما سواه من إنس وجن، وشيطان وملك وسماء وأرض وحيوان ونبات، وجوهر وعرض، ومدرك ومحسوس، حادث اخترعه بقدرته بعد العدم اختراعا وأنشأه بعد أن لم يكن شيئا، إذ كان في الأزل موجودا
стр. 108
وحده، ولم يكن معه غيره، فأحدث الخلق بعده إظهارا لقدرته وتحقيقا لما سبق من إرادته، وحق في الأزل من كلمته، لا لافتقاره إليه وحاجته.
وأنه تعالى متفضل بالخلق والإختراع والتكليف، لا عن وجوب، ومتطاول بالإنعام والإصلاح، لا عن لزوم وله الفضل والإحسان، والنعمة والامتنان، إذ كان قادرا على أن يصب على عباده أنواع العذاب، ويبتليهم بضروب الآلام والأوصاب، ولو فعل ذلك لكان منه عدلا، ولم يكن قبيحا ولا ظلما.
وأنه يثيب عباده على الطاعات، بحكم الكرم والوعد لا بحكم الاستحقاق واللزوم، إذ لا يجب عليه فعل، ولا يتصور منه ظلم، ولا يجب لأحد عليه حق ...
وحقه في الطاعات واجب على الخلق بإيجابه على لسان أنبيائه، لا بمجرد العقل، ولكنه يبعث الرسل، وأظهر صدقهم بالمعجزات الظاهرة، فبلغوا أمره ونهيه، ووعده ووعيده، فوجب على الخلق تصديقهم بما جاءوا به.
стр. 109
الإيمان بالغيب
الإيمان بالغيب هو الدعامة الثانية من دعائم العقيدة الإسلامية، والإيمان بالغيب هو الدعامة في كل دين، لأن وراء هذا العالم المادي عالم آخر غيره، فمن لم يؤمن به فقد جحده، ولا يمكن أن يكون إيمان بالله من غير إيمان بالغيب، ولذلك يقول الله في أوصاف المؤمنين ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾. الغيب ما خرج عن متناول الحواس، وإدراك العقل، والإيمان بما يجيء من عالم الغيب، لا معتبر له إلا إذا كان مسند إلى جهة لا يتطرق إليها الكذب، وإلا كان التصديق بما يخبر به العرافون والكهنة وغيرهم ممن يدعون علم الغيب، إيمانا، وهو ليس من الإيمان في شيء، وإنما المراد بالإيمان هنا ما يخبر به رسل الله وأنبياؤه أقوامهم من أمر الآخرة التي لا علم للناس بها.
فأول صفة من صفات المتقين هي الإيمان بالغيب التي يخبر بها الرسل ﵈ حيث تلقوا الأخبار عن تلك الغيبيات وحيا من الله، وهم الأمناء على ما أوحى إليهم من ربهم ...
فلا إيمان لمن لا يؤمن بالله، ولا إيمان لمن لا يؤمن برسل الله، ولا إيمان لمن لا يؤمن بما يحمل رسل الله من رسالات وما يبلغون من أوامر ونواهي، وما يبلغون من أخبار، وملاك التقوى هو الإيمان، فلا تقوى لمن لا إيمان له، فإذا جاء الإيمان على تلك الصورة، كان داعية لأن يقيم الإنسان على طريق التقوى، وأن يؤهله لتلك الصفات التي وصف الله سبحانه بها المتقين، الذين يقيمون الصلاة وينفقون مما رزقهم الله، ويؤمنون بما أنزل على محمد ﷺ ، إيمانا مفصلا، وبما أنزل على رسل الله من قبله إيمانا مجملا، ثم ينتهي بهم ذلك الإيمان إلى الإيمان باليوم الآخرة، والإيمان بالملائكة وهي الأرواح المطهرة، والإيمان بكل المخلوقات المغيبة عن حسنا، والإيمان بأن هذه الحياة الدنيا هي الحياة الفانية، وما بعدها
стр. 110
هي الحياة الباقية، وهي الأخرى، وأن الإيمان بالحياة الأخرى هو لب الدين، يجازي فيها المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته ..
وأن الإيمان بالغيب والنشور والحساب والعقاب والثواب من شأنه أن يعلو بالإنسان من مرتبة الحيوان ولا يجعل حياته عقيمة لا تنتج، ويدفع عنه التشاؤم النفسي، فهي إن لم يسعد في الحاضرة رجا السعادة في الآخرة، والمؤمن يتربى فيه الوجدان والإحساس بالتبعية إذا آمن بالآخرة ...
ولقد كان العبيد والفقراء يقاومون السادة والأغنياء ويرضون بالعذاب ولا يبالونه لأنهم مؤمنون بما عنده في اليوم الآخر، فالإيمان باليوم الآخر ذخيرة إنسانية ومن حرمها فقد حرم خير زاد يعلو به الإنسان، ويقاوم أحداث الزمان.
ولا يقبل إيمان عبد حتى يؤمن بما أخبرت عنه السنة بعد الموت من سؤال منكر ونكير في القبر وهما ملكان مهيبان هائلان يقعدان العبد في قبره سويا ذا روح وجسد، فيسألانه عن التوحيد، والرسالة ويقولان: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ وهما فتانا القبر، وسؤالهما أول فتنة القبر. وأن يؤمن بعذاب القبر، وأنه حق، وحكمه عدل، على الجسم والروح على ما يشاء ...
ويؤمن بالميزان ذي الكفتين واللسان توزن فيه الأعمال بقدرة الله تعالى سواء كانت كبيرة أو صغيرة مثل مثاقيل الذر، والخردل، تحقيقا لتمام العدل، وتطرح صحائف الحسنات في صورة حسنة في كفة النور، فيثقل بها الميزان، على قدر درجاتها عند الله، بفضل الله تعالى، وتطرح صحائف السيئات في كفة الظلمة فيخف بها الميزان بعدل الله تعالى ...
وأن يؤمن بالصراط فهو حق، وهو جسر ممدود على متن جهنم، أحد من السيف، وأدق من الشعرة، تزل عليه أقدام الكافرين بحكم الله تعالى، فيهوي يهم إلى النار، وتثبت عليه أقدام المؤمنين، فيساقون إلى دار القرار ...