← Акыда

Акыда · id 115133

كتاب التوحيد المسمى التخلي عن التقليد والتحلي بالأصل المفيد

عمر العرباوي

Полный текст (261 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

السعادة في الإتصال بين الإنسان وخالقه، وليست السعادة في المال كما يعتقد كثير من الناس، ولا في الجاه والمنصب، ولا في الأبناء، هذه الأشياء عارضة تزول لا محالة، فسعادة المؤمن في طاعة ربه لأن الله معه على الدوام، لأن المؤمن يترقب دائما رحمة الله، فبهذا الإيمان يعالج المسلم مشاكله بالحكمة والصبر، يقول الله : ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ الإيمان بالله هو رأس مال المسلم الحقيقي، وهو شفاء وعزاء للقلوب المحرومة من متاع الحياة الدنيا لأن المؤمن لا ينظر نظرة رغبة إلى من يفوقه في المال، أو في الجاه، بل ينظر إلى ما عند الله من الرحمة والمغفرة، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ وقال أيضا: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ الذين يكون سعيهم نيل رحمة لا توهن نفوسهم أية خيبة أمل، أو أية مصيبة تداهمهم، فالقوة الروحية تدخل إلى نفوسهم العزاء مما يقاسونه من آلام ومتاعب، أما الذين يغفلون عن رحمة الله فيقعون في مواطن الخطر، وما أصدق ما وصف به القرآن فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾.

стр. 142

الصبر من الإيمان: ومن الكلمات التي حرفت عن معناها كلمة الصبر، لقد ذكره الله في القرآن أكثر من سبعين مرة عرف الله عباده بثمراته الطيبة، وما كان له من عاقبة حسنة في الدنيا والآخرة، إنه أساس من أسس الدين وينبوع لكثير من الأخلاق الفاضلة، والصفات الحميدة، ولقد أتساءل. ما هو الصبر؟ أهو الإستسلام والخضوع وقبول النكبات والمصائب بدون مقاومة؟ أهو الركود والبلادة والإقامة على الظلم؟ كذلك يصوره الذين يحرفون الكلم عن مواضعه، وكذلك صوروه للناس، فرضي الفقير بفقره باسم الصبر ورضي المريض برضه باسم الصبر، ورضي الذليل بذله باسم الصبر، ورضي المظلوم بظلمه باسم الصبر، وقد أضلوا الشعوب فعلموها أن جور أهل الجور قضاء وقدر يجب أن يصبروا عليه، وأن ظلم أهل الظلم مظهر من مظاهر التأديب الإلهي، فعليهم أن يتقبلوه بالرضى، وأن الفقر والغنى قسمة ونصيب لا فكاك منهما ولا إرادة لأحد فيهما، وهكذا حتى ثبطوا العزائم عن العمل والسعي، وأضعفوا الهمم، واستسلم الناس للواقع، فهل هذا هو الصبر الذي عرفه القرآن وحث عليه؟ وهل يمكن أن يكون الله تعالى قد أراد هذا المعنى لما أمر عباده به وأثنى عليه، ورغب فيه، وضمن حسن عاقبته، وأعلن أنه يحب أهله، وأنه سيوفيهم أجورهم بغير حساب ... الصبر الذي يعرفه القرآن ويأمر به هو الأخلاق الفاضلة التي تهدي إلى الأعمال الصالحة، وتتقوى به النفوس المؤمنة. الصبر هو مجاهدة النفس وحبسها عن الضجر والتبرم مع متابعة العمل والسعي، وعدم الإنكماش والإنكسار، ولذلك كان الصبر من المعاني الباطنية كالشجاعة على مكاره الجهاد صبر والجود على بذل المال صبر، والكتمان على المثيرات والأسرار صبر، إلى غير ذلك مثل العفو عند القدرة، وضبط النفس في حالة الإنفعال والغضب ...

стр. 143

ذكر الله أصحاب سيدنا داوود ﵇ حين رأوا قوة جالوت وأصحابه، قال بعض منهم: ﴿لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ -وهم الصابرون- كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (سورة البقرة) لم ترعبهم الكثرة الساحقة، ولم تذهلهم القوة الماحقة، ولم يتعللوا بعدم التكافؤ، فمضوا في طريقهم عالمين أن القوة إنما هي قوة الروح لا قوة الأشباح ... ليس في التكليف أصعب من الصبر، فيجب على المؤمن أن يصبر على التكاليف الشرعية كالصلاة والوضوء والزكاة والصوم والحج، ويمتنع عن المحرمات والشهوات، وأن يصبر على القضاء والقدر بعدما يستعمل جميع الوسائل في دفعهما، ولهذا جعل الله الصبر فرضا على كل مسلم، ولا أفضل من الرضى به، فإذا رأى المسلم كافرا بالله قد أتاه الله المال الوفير، والجاه العريض، فيلبس الحرير والديباج، ويتمتع بالذهب والفضة، والسيارة والقصور الضخمة، والخدم وما إلى ذلك من الصحة والأولاد والعافية، وتنظر إلى رجل مسلم من أهل الدين وطلاب العلم محيطا به البلاء معوزا فقيرا مقهورا تحت ولاية ظالم جبار مسلطا عليه أنواع العذاب، فالمسلم ضعيف الإيمان، إذا قارن هذا وذلك يرى عدل الله معدوما بين هذين الرجلين وتزيده وسوسة الشيطان لأجل هذا يحتاج المؤمن إلى الصبر على ما يلقى من الضر، وعلى وسوسة إبليس لعنه الله، وكذلك يجب الصبر على تسليط الكفار على المسلمين مع المقاومة الشديدة، والتمسك القوي بأوامر الدين. الآن أستعرض الآيات القرآنية التي وردت في الصبر ومما يقوي صبر المؤمن القرآن لأنه شفاء لما في الصدور، قال تعالى في حق الكافر: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (سورة آل عمران). ويقول في (سورة الزخرف): ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا

стр. 144

وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ وقال في (سورة الإسراء) ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ والآيات في هذا المعنى كثيرة، ويتكلم على المؤمن الذي يجب أن يتحلى بالصبر، فقال: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ (سورة آل عمران). وهذا رسول الله ﵌ أفضل الخلق على الإطلاق كان يتقلب على رمال حصير أثرت في جنبه الشريف لما رأى عمر بن الخطاب ذلك فبكى وقال: "كسرى وقيصر الروم في الحرير والديباج يتنعمان" قال ﵊: "أفي شك أنت يا عمر؟ ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا" (١) وإذا أراد الله أن يتخذ شهداء عنده فيخلق أقواما يبسطون أيديهم لقتل المؤمنين. أفيجوز أن يفتك بعمر العادل الملهم المحدث إلا بمثل أبي لؤلؤة المجوسي، وبعلي كرم الله وجهه إلا بمثل ابن ملجم الخارجي؟ أيعقل أن يحيى نبي الله ﵇ يقتل في مهر بغي؟ إلى غير ذلك من الأمثال الكثيرة من القرآن والأحاديث النبوية، ولهذا يجب على المؤمن أن يصبر ...

стр. 145

الطريق إلى الله هو العلم يجب على المؤمن أن يسعى في طلب العلم لأنه الطريق الوحيد إلى معرفة الله قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ كلما تعمق الإنسان في الجانب العلمي تكن خشيه الله لأنه يرى من نواميس الكون. ومن الإتقان في الصنع، وعن الحكمة في التدبير ما يجعله يخر ساجدا لله، فالذين يتخصصون في علم التشريح يرون فيه من أحكام المحكم، ومن الدقة الدقيقة في مختلف الأجهزة الجسدية وفي مفردات هذه الأجهزة ما يضطرهم إضطرارا إلى السجود لرب هذا التنسيق والترتيب والإبداع. وليس علم التشريح وحده هو الذي يبهر العالم المتبحر فيه، وإنما يبهر علم الفلك العالم الفلكي، ويبهر علم الأحياء عالم الأحياء، وهكذا نجد إنبهار النفس في كل ميدان من ميادين المعرفة الكونية أرضها وسمائها وما بين الأرض والسماء ... إن العلم النافع هو أهم مطلب في الحياة، وأجل مقصد في هذا الوجود، فالعلماء هم الذين يضيئون مسىالك الحياة، ويسيرون بالناس قدما إلى السمو والكمال. طلب العلم في الإسلام ليس نافلة، ولا أمرا كماليا وإنما هو فرض وضروري. العلم الصحيح هو دليل اليقين الثابت، ووسيلة الخلق الفاضل، وكلما ازداد الإنسان علما إزداد اعتقادا بالله واستقامة في الأقوال والأفعال، ومعرفة في الحلال والحرام، ويصبح قادرا على قيادة نفسه وضبطها وتهذيبها، وبعيدا عن التأثر بمن يدور حوله من الشهوات والمغريات ... إلاما ينتهي العلماء الصادقون؟ يقول الله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ إنهم يصلون عن طريق العلم الذي يثير الخشية إلى

стр. 146

التوحيد، التوحيد الذي هو سمة الدين الإسلامي كما يرى "البيروني"، والذي هو في حقيقة الأمر سمة التدين الصادق. ويشهد علماء التوحيد مع الله، ومع الملائكة الأطهار، أن الله سبحانه قرن العلماء به، وبملائكته في شهادة التوحيد، وهذا أسمى ما يمكن أن يصل إليه تكريم العلماء من مكانة ... وشهادة التوحيد التي هي قمة الركن الأول في الإسلام، وهو أشهد أن لا إله إلا الله، لا يشهدها إلا العلماء المؤمنون، وشهاده التوحيد هي منتهى ما يمكن أن يصل إليه السالك في معراجه إلى الله سبحانه، لا تتحقق إلا في العلماء المؤمنين. إن شهادة التوحيد هذه قد وجه الله الأنظار إليها بأساليب شتى، ومن هذه الأساليب ما لا يقدره في دقته الدقيقة وروعته الرائعة إلا العلماء قال تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ * أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ * أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (سورة النمل) ... ثم يعقب الله على هذه الآيات بأنه مهما بلغ العلماء بعلمهم فإن المجهول لديهم كثير، وأنه لا يعلم هذا المجهول الغيب إلا الله سبحانه، ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ (سورة النمل) ومن أجل شهادة التوحيد حث الإسلام على العلم ووجه إليه وجعله من أسس الدين، لقد حث عليه في صور

стр. 147

بلغت من الروعة حدا لا يجارى. والآيات والأحاديث التي وجهت الأمة الإسلامية إلى العلم كثيرة مستفيضة. العلماء لا يعبدون الله إلا بما شرع لهم، ولا يأخذون إلا بالدليل، ولا يسيرون إلا على أوضح سبيل، ولذلك يقبل منهم القليل ويضاعفه لهم حتى يكون كثيرا، والجاهلون يدينون الله بالباطل، ويعبدونه بالأهواء والبدع، ويستجيبون إلى كل ناعق، ويعملون كثيرا ولا يستفيدون إلا قليلا، قال تعالى في حق الجاهلين: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾. وإذا كان العلماء يشهدون التوحيد فإن منزلتهم بالمكان السامي، ودرجاتهم في الرفعة والعلو ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (سورة المجادلة) ولهذه الجوانب من فضل العلم والعلماء أمر الله رسوله- وهو قدوة المسلمين وأسوتهم- أن يقول: ﴿رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ ... رب زدني علما في كل يوم، بل في كل لحظة، ذلك ما يجب أن يكون شعار المسلم، وإذا ما زاد المسلم علما ازداد خشية، وإذا ما ازداد خشية تحقق فيه إسلام الوجه لله على أكمل صورة. وإذا نظرنا إلى الأحاديث النبوية الخاصة بالعلم فإننا نرى عجبا قال ﵊: "العلم طريق الجنة" ويقول فيما روه أبو داود والترمدي وغيرهما: "العلماء ورثة الأنبياء" (١) ويقول ﵌: "فضل العالم على العابد كفضلي على أدنى رجل من أصحابي" (٢) رواه الترمذي. وفيما رواه الإمام أحمد أن رسول الله ﵌ قال: "إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب

стр. 148

العلم رضاء بما يصنع" (١) ومن أجمع الأحاديث في فضل العلم ما رواه أبو داود والترمذي عن أبي الدرداء ﵁ قال سمعت رسول الله ﵌ يقول: "من سلك طريقا يبتغي فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما صنع، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات والأرض حتى الحيتان في البحر، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر" (٢). والسنة النبوية حثت على التعلم والتعليم في مواطن كثيرة يقول ﵌: "طلب العلم فريضة على كل مسلم" (٣) رواه ابن ماجة، ويقول: "كونوا علماء صالحين فإن لم تكونوا علماء صالحين فجالسوا العلماء واسمعوا علما يدلكم على الهدى ويردكم عن الردى" من كتاب (أدب الدنيا والدين). ويقول الرسول الكريم ﷺ : "لا حسد إلا في اثنين: رجل آتاه الله مالا فتسلط على هلكته في الحق ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها" رواه الشيخان ... وروى عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول االله ﵌ دخل المسجد، فإذا هو بمجلسين أحدهما يذكرون الله والآخر يتفقهون، فقال رسول الله ﵌.: "كلا المجلسين على خير وأحدهما أحب إلي من صاحبه، أما هؤلاء فيذكرون الله تعالى ويسألونه فإن شاء أعطاهم وإن شاء منعهم، وأما المجلس

стр. 149

الآخر فيتعلمون الفقه ويعلمون الجاهل، وإنما بعثت معلما وجلس إلى أهل الفقه" من كتاب (أدب الدنيا والدين) ... وروى الإمام الغزالي في "الإحياء" عن معاذ بن جبل ﵁ قال: ان رسول الله ﷺ قال: "تعلموا العلم فإن تعلمه لله خشية وطلبه عبادة، ومذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة، لأنه معالم الحلال والحرام، ومنار سبل لأهل الجنة وهو الأنيس في الوحشة. والصاحب في الغربة، والمحدث في الخلوة، والدليل على السراء والضراء، والسلام من الأعداء، والزين عند الأخلاء، ويرفع الله به أقواما فيجعلهم في الخير قادة، تقتفي آثارهم، ويقتدي بفعالهم وينتهي إلى رأيهم، ترغب الملائكة في خلتهم، وأجنحتها تمسحهم، ويسغفر لهم كل رطب ويابس وحيتان البحر وهوامه، وسباع (البر) وأنعامه، لأن العلم حياة القلوب من الجهل، ومصباح الأبصار من الظلم، يبلغ العبد بالعلم منازل الأخيار والدرجات العلا في الدنيا والآخرة التفكير فيه يعدل الصيام ومدارسته تعدل القيام، به توصل الأرحام وبه يعرف الحلال والحرام، وهو إمام العمل والعمل تابع يلهمه السعداء ويحرمه الأشقياء" قال ﵊: "ما عبد الله بشيء أفضل من فقه في دين، ولفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد" (١) أخرجه الترميذي ... المؤمن يتصف بالعزة: قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ إن ذلة العبد لربه ذلة عز وحق لا باطل فيها فإن الخلق والأمر، والغنى والملك لله

стр. 150

وحده لا شريك له، ومصير العباد رهن إشارته وطوع إرادته. والناس حينما يكونون في أرقى أحوالهم تعنو جباههم لرب العزة في السجود خاشعين ... أما ذلة العبد لعبد مثله فباطلة لا ريب فيها، والمتكبر عن الناس متطاول يزعم لنفسه ما ليس لها. وقد حرم الإسلام الكبر وحرم الذل، وأوجب العزة. قال رسول الله ﵌: " من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر كبه الله لوجهه في النار " (١) لأن الكبر وصف الله، ولا ينبغي لبشر أن ينازع الله وصفه المستحق له، تكبر الناس هي خصال مذمومة وفي طليعتها جحد الحق وجهل الواقع وسوء العشرة وتجاوز الحدود. الإسلام حرم على المسلم أن يهون نفسه، أو يذل، وفي الحديث الشريف قال ﵊: "مثل المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" (٢) يجب على المؤمنين أن يتعاونوا. قال الله ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (سورة النساء) ويجب عليهم أن يتحابوا كما وصفهم الرسول ﷺ قال: "إن لله عبادا ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم النبيون والشهداء بقربهم ومقعدهم من الله يوم القيامة: قال: وكان في ناحية المسجد أعرابي فجثا على ركبتيه ورمى بيديه، ثم قال: حدثني يا رسول الله عنهم من هم؟ قال: فرأيت في وجه النبي البشر، فقال النبي ﷺ : "هم عباد من عباد الله هم من بلدان شتى، وقبائل شتى، من شعوب القبائل لم تكن بينهم أرحام يتواصلون بها، ولا دنيا يتبادلون بها، يتحابون بيص وح الله، يجعل الله وجوههم نورا، ومجعل صمم

стр. 151

منابر من نور يفزع الناس ولا يفزعون ويخاف الناس ولا يخافون" (١) أخرجه الإمام البغوي في السنن ورواه أبو داود. والتوجيه النبوي الشريف يحث على تدعيم علاقة المحبة بين المؤمنين لتحقق الأمة المجد لنفسها، والعزة بين الأمم أن تحيا حياة الشرف لتكون مسموعة، ويكون ذلك من ثمرات الإيمان بالله الإيمان ليس دعوة تقال بلا عمل وليس شعارا يرفع بلا مضمون، وليس نظرية بلا تطبيق بل هو طريق الجهاد والتضحية بكل ما هو نفيس وغال. القرآن يرشادنا إلى الإيمان الذي لا ينفك عن الجهاد، بل إن الجهاد تطبيق عملي له، ويحمل حملة عنيفة عن أولئك الذين يريدون أن يحققوا لأنفسهم، أو لأمتهم أمجادا رخيصة سهلة عن طريق رفع الأصوات وكثرة الادعاءات، إن هذا الصنف من الناس وجد في الأمة الإسلامية، ولكن كشفهم القرآن ليكونوا عبرة لمن يسلك سبيلهم كان هذا الصنف يتمنى أن يأذن الله له في القتال قبل مجيء أوانه فلما كتب عليهم القتال أصبحوا يخشون الأعداء أكثر مما يخشون الله، قال الله في هذه الطائفة ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا * أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾، هذا الفريق الجبان لا يحقق مصالح، ولا تعتز به دعوة، ولا يسعد به وطن، بل يضيع ما حققه غيره من عزة وكرامة، وعلى كل حال لا تخلوا الأمة من مجاهدين يصمدون في البأساء والضراء وحين البأس لأنهم متيقنون أن النصر من عند الله، قال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (سورة المجادلة) وقال أيضا في (سورة غافر): ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ ...

стр. 152

ولكن نصر الله للمؤمنين له أسباب ثلاثة: الصفة الأولى أن ينفي المسلمون العجز والقصور عن أنفسهم. الصفة الثانية: أن يكونوا أقوياء بمعنوياتهم أمام الأعداء، ويتركوا الضعف والخور والخشية منهم. الصفة الثالثة: أن يتركوا الإستكانة التي تزحف على أنفسهم فتنهار أرواحهم من الهلع فيجب أن يبعدوها عن أنفسهم قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (سورة آل عمران) وخير الله الإنسان بين محبته، ومحبة غيره من مباهج الدنيا فقال: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (سورة التوبة). جعل الله مباهج الدنيا في كفة وحب الله ورسوله وجهاد في سبيله في كفة أخرى، والإنسان يختار ما بين هذا وذلك، فإن اختار المباهج قال: ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ فيه تهديد ووعيد شديدان، وإن اختار حب الله ورسوله وجهاد في سبيله على مباهج الدنيا وزينتها فذلك المؤمن حقا ... المؤمن هو الذي أدرك جمال الله وجلاله، واستشعر لطفه وإحسانه، وعلم علم اليقين أنه هو المنعم عليه ثم تأثر بهذا الإدراك فأحبه، فأصبح قلبه مشغولا به، وعمله موجه إليه، فلذته وارتياحه في طاعة الله وعدم مخالفة أوامره، يتحمل في ذلك ما يتحمل راضيا مغتبطا قرير العين، مطمئن القلب ... فحب العبد لله هو إيمان حق، ولا يكون بمجرد المعرفة وإذعان

стр. 153

النفس، بل يؤثر على النفس، وتبدو أثاره في جميع أقواله وأفعاله وتصرفاته ... أما الإيمان الذي لا يعدو الإذعان النفسي والإقرار القلبي فهذا الإيمان الذي لا يريده الله من عباده قال رسول الله ﵌: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله. وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار" (١) رواه البخاري ومسلم فحب الله من أهم القواعد في بناء الأخلاق، وهو محول أرواح المؤمنين إلى أرواح لطيفة لا يصدر عنها شر ولا عدوان، وهذا بالطبع لا يتيسر إلا عندما يغلب الصفاء على النفس فتنسى البغض والحقد والحسد وسائر الدسائس والمكائد ... وحب الله لعباده لم يثبته القرآن إلا لذوي الأعمال الصالحة قال تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ وقال: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ وقال: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ وقال: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ ... ونفي حبه عن الذين يتصفون بصفالت الفساد والإلحاد والكفر قال تعالى: ﴿وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ وأما ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾.

стр. 154

وفي الحديث الشريف: "إن الله إذا أحب عبدا نادى جبريل في أهل السماء إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض عبدا دعا جبريل فيقول إني أبغض فلانا فابغضوه فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء إن الله يبغض فلانا فابغضوه، ثم توضع له البغضاء في الأرض" (١) رواه مسلم عن أبي هريرة. أسأل الله أن يرزقنا محبته، ويجعل لنا من أنواره يرينا الخير من الشر، ويعرفنا الحق من الباطل حتى نكون ممن يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم ومن الموصوفين بقوله: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ إنه على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير ...

стр. 155

الإيمان بالملائكة من شروط الإيمان بالملائكة، وهم عالم لطيف غيبي غير محسوس ليس لهم وجود جسماني يدرك بالحواس وهم من عالم ما وراء الطبيعة التي لا يعلم حقيقتها إلا الله ... خلق الله الملائكة من نور، كما خلق آدم من طين، وكما خلق الجآن من نار، وطبيعة الملائكة الطاعة التامة لله، والخضوع لجبروته، والقيام بأومره، وهم يتصرفون في شؤون العالم بإرادة الله ومشيئته وهو سبحانه يدبر بهم ملكة، وهم لا يقدرون على شيء من تلقاء أنفسهم ... عملهم في عالم الطبيعة، وقد دل الكتاب والسنة على أصناف الملائكة، وأنهم موكلون بالمخلوقات، وأنه وكل بالسحاب والمطر ملائكة، ووكل بالجبال ملائكة، ووكل بالرحم ملائكة تدبر أمر النطفة حتى يتم خلقها ثم وكل بالإنسان ملائكة لحفظه، وملائكة تحفظ ما يعمله وإحصائه وكتابته ووكل بالموت ملائكة، ووكل بالسؤال في القبر ملائكة، ووكل بالأفلاك ملائكة يحركونها ووكل بالشمس والقمر ملائكة، ووكل بالنار وإيقادها، وتعذيب أهلها وعمارتها ملائكة، ووكل بالجنة وغراسها وعمل الأنهار فيها ملائكة، فالملائكة أعظم جند الله فكل حركة في السماوات والأرض من حركات الأفلاك والنجوم، والشمس والقمر والرياح، والسحاب والنبات، والحيوان، فهي ناشئة عن الملائكة الموكلين بهذه الخلوقات قال تعالى: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا * فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا﴾. فسرت المرسلات بالملائكة وهو قول أبي هريرة ﵁، وابن عباس في رواية مقاتل وجماعة، وفسرت بالرياح وهو قول ابن مسعود وإحدى الروايتين عن ابن عباس وقول قتادة، وفسرت بالسحاب، وهو قول الحسن. وفسرت بالأنبياء، وهو رواية عطاء عن ابن عباس. الله سبحانه يرسل الملائكة ويرسل الأنبياء، ويرسل الرياح ويرسل السحاب فيسوقه حيث يشاء، ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء، فإرساله واقع في ذلك كله ...

стр. 156

﴿وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا * فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا * فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا﴾ قال في تفسير هذه الآية، الحسن، ومجاهد وقتادة هي الرياح تأتي بالمطر، وقال مقاتل هي الملائكة تنشر كتب بني آدم وصحائف أعمالهم، وقال مسروق وعطاء عن ابن عباس هي الملائكة تنشر أجنختها في الجو عند صعودها ونزولها وقيل تنشر أوامر الله في الأرض وفي السماء. ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا * وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا * وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا﴾ أكثر المفسرين في تفسير هذه الآية على أنها الملائكة التي تنزع أرواح بني آدم من أجسامهم، والنزع هو إجتذاب الشيء بقوة، والإغراق في النزع هو أن يجذبه إلى آخره. ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا * فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا * فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾، أقسم بالملائكة الصافات للعبودية بين يديه كما قال النبي ﷺ لأصحابه: "ألا تصطفون كما تصطف الملائكة عند ربها؟ تتمون الصفوف الأولى وتراصون في الصف" (١) والزاجرات عن المعاصي، والتاليات الجامعات لكلمات الله تعالى. ومنهم ملائكة الرحمة، وملائكة العذب، وملائكة قد وكلوا بحمل العرش، وملائكة بالصلاة والتسبيح والتقديس إلى غير ذلك من أصناف الملائكة التي لا يحصيها إلا الله. الملائكة الموكلون بالإنسان من حين كونه نطفة إلى آخر أمره لهم وله شأن آخر، فإنهم موكلون بتخليقه ونقله من طور إلى طور، وتصويره، وحفظه في أطباق الظلمات الثلاث، وكتابة رزقه وعمله، وأجله، وشقاوته وسعادته، وملازمته في جميع أحواله، وإحصاء أقواله وأفعاله، وحفظه في حياته، وقبض روحه عند وفاته: وعرضها على خالقه وفاطره، وهم الموكلون بعذابه ونعيمه في البرزخ، وبعد البعث، وهم الموكلون بعمل آلات النعيم والعذاب. وهم المثبتون للعبد المؤمن بإذن الله، والمعلمون له ما ينفعه، والمقاتلون الذابون عنه. وهم أولياؤه في الدنيا والآخرة، وهم الذين يورونه في منامه ما يخافه ليحذره،

стр. 157

وما يحبه ليقوى قلبه ويزداد شكرا وهم الذين يعدونه بالخير، ويدعونه إليه، وينهونه عن الشر ويحذرونه منه. وهم الداعون له، والمستغفرون له، وهم الذين يصلون عليه ما دام في طاعة ربه، ويصلون عليه ما دام يعلم الناس الخير، ويبشرونه بكرامة الله تعالى في منامه، وعند موته ويوم بعثه، وهم الذين يزهدونه في الدنيا، ويرغبونه في الآخرة، وهم الذين يذكرونه إذا نسي، وينشطونه إذا كسل، ويثبتونه إذا جزع، فهم رسل الله في خلقه وأمره وسفراؤه بينه وبين عباده، تتنزل بالأمر من عنده في أقطار العالم، وتصعد إليه بالأمر، قد أطت بهم السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك قائم، أو راكع، أو ساجد، ويدخل البيت المعمور كل يوم منهم سبعون ألف ملك لا يعودون آخر الدهر .. والملك يشعر بأنه ملك منفذ لأمر غيره، فليس من الأمر شيء بل الأمر كله لله الواحد القهار قال تعالى: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ وقال: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾. ومنهم الصافون، ومنهم المسبحون، ليس منهم إلا من له مقام معلوم لا يتخطاه، وهو على عمل قد أمر به لا يقصر عنه ولا يتعداه، وأعلاهم الذين عنده سبحانه ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ .. ورؤساؤهم الأملأك الثلاث: جبريل، وميكائيل، واسرافيل. روى الإمام أحمد والبخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت كان النبي ﷺ يقول: "اللهم رب جبريل وميكائيل واسرافيل، فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم". فجبريل موكل بالوحي الذي به حياة

стр. 158

القلوب والأرواح وميكائيل موكل بالقطر الذي به حياة الأرض والنبات والحيوان، واسرافيل موكل بالنفخ في الصور الذي به حياة الخلق بعد مماتهم. وقالت اليهود للنبي ﷺ : "من صاحبك الذي يأتيك من الملائكة؟ فإنه ليس من نبي إلا يأتيه ملك بالخبر؟ قال جبريل. قالو!: ذلك الذي ينزل بالحرب والقتال ذاك عدونا، لو قلت ميكائيل الذي ينزل بالنبات والمطر والرحمه" (١)؟ فأنزل الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ * مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ (سورة البقرة). إن الله وكل بالعلم العلوي والسفلي ملائكة فهي تدبر أمر العالم بإذنه ومشيئته وأمره، كما أضاف التوفي إليهم بقوله: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ وإليه تارة كقوله: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾، ولهذا كان الإيمان بالملائكة ﵈ أحد الأصول الخمس التي هي أركان الإيمان بالله، وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ...

стр. 159

الإيمان بكتب الله المنزلة الإيمان بكتب الله هو التصديق الجازم بأن لله كتبا أنزلها على أنبيائه ورسله، وهي من كلامه حقيقة، وأنها نور، وهدى، وأن ما تقتضيه حق وصدق، ولا يعلم عددها إلا الله ويجب الإيمان بها جملة إلا ما سمي منها، وهي التوراة والإنجيل، والزبور، والقرآن، وصحف إبراهيم وموسى. قال تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ * مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾. وقال: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ وقال-: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ (سورة النجم) وقال: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ (سورة الأعلى). فيجب الإيمان بها على التفصيل، والبقية إجمالا. فهذه الكتب المنزلة من عند الله على أنبيائه ورسله يلتقى فيها النبي بقومه، وهي مجال الدعوة، ومركز الثقل فيها، وفي هذا المجال يشتد الصراع، وتحتدم الخصومات وتجتمع قوى الشر وجنود الباطل لتخفت صوت الحق، ولتطفيء نور الله ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (سورة الصف). وفي سبيل الدعوة إلى الله، والتعريف به إحتمل أنيياء الله ورسله الكرام من أشد ما عرف الناس من ألوان الأذى أن يهنوا أو يضعفوا أو يستذلوا. إنها رسالة لا يقوم لها، ولا يستقل بحملها إلا أولوا العزم الموصولون بأسباب السماء، والموصوفون برعاية الله وتأييده. ولهذا لم يكن رسل الله إلا الصفوة المختارة من عباده. قد اصطفاهم اله لهذه الرسالة وأعدهم لهذا الأمر العطيم، والله أعلم حيث يجعل رسالته. ومع هذا فإن الرسل بشر تظهر عليهم أعراض البشرية، وتتجلى فيهم خصائصها: الجسدية، والنفسية، والروحية. فهم يألمون كما يألم الناس، ويضيقون، ويحزنون، ويفرحون، ويغضبون، ويحلمون، ولكنهم في جميع الأحوال التي تتقلب بالناس- هم على أكمل الكمال الذي تتسع له

стр. 160

البشرية، وتحتمله. نقول هذا لنفهم منه أن لكل رسول، كما لكل إنسان- سعيه وجهده في محاسبة نفسه، وفي مغالبة ضعفه البشري، وأنه بقدر ما يعمل وبقدر ما يتحمل، تكون منزلته عند الله ودرجته بين رسله وأنبيائه كما يقول سبحاته: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ ونفهم من هذا أيضا أن الرسل مطالبون بأن يجاهدوا، وأن يعملوا، وأن يستقلوا بحمل العبء الملقى عليهم، وألا يدخل التواكل على مهمتهم، بحسب أن الله هو صاحب الدعوة، وهو الذي يتولى! كلا فإنهم مكلفون بأن يواجهوا بأنفسهم هذه المهمة التي ندبتهم لها السماء، وأن يقوموا عليها قيام الراعي القوي الحذر الذي يسوق قطيعه إلى مواطن الكلاء، وموارد الرعي الذي لا يغمض عينه عن الذئاب المتربصة بالقطيع، ولو شاء الله أن تحمل عن الرسل والأنبياء أعباء ما حملوا، وأن يطوع لهم كل شيء- لكانوا مجرد أدوات، ولم يكن لهم فضل مجاهدة، ولا ثمرة جهاد .. ولكن هكذا اقتضت حكمة الله أن يحمل الرسل تبعة مهمتهم العظيمة، وأن يبذلوا لها من الجهد، وأن يتحملوا في سبيلها من الأذى على قدر نبلها، وشرف غايتها فإن العظائم كفؤها العظماء ... ونفهم من هذا كذلك أن أصحاب الرسالات من القادة والزعاء مطالبون بما لم يطالب به غيرهم من الناس من حمل الأعباء، وتلقي الصدمات بالقدر الذي تضم رسالاتهم من الخير والحق ....

стр. 161

الرسالة الإسلامية إذا اختص الله نبي الإسلام محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه بأن يكون خاتم الأنبياء وأن رسالته مختتم الرسالات، فإن أعباء الرسالة التي حملها كانت أضعاف ما حمل الرسل من قبله لأنها رسالة تقف موقف التجمع والشرح والتحديد للرسالات كلها، ولأنها تواجه الحياة كلها، وتشرع للإنسانية كلها وتتسع لحاضر الزمان ومستقبله جميعا مهمة نبيلة، ورسالة كريمة، ولكنها محملة بأعباء ثقال تنوء الجبال بحملها إنها تمس الصميم من حياة كل إنسان. تمس عقيدته، وتمس ضميره ووجدانه، وتحمل قوى الهدم لأربابها وآلهته. وليس أعز على الإنسان من معتقده أيا كان مكانه من الضلال أو الهدى حتى يتخلى المرء عن حياته ولا يتخلى عن عقيدته. وحين قام رسول الله ﷺ بأداء الرسالة، واحتمل فيها ما احتمل من أذى- كان أول ما افتتح به رسالته، هو الدعوة إلى الله. حتى إذا آمن الناس به، وأقروا بوحدانيته جاء دور التشريع الذي ينظم حياة الإنسان الروحية والمادية ويحدد صلته بخالقه، وصلته بالمجتمع الإنساني الذي يعيش فيه ... وقد اتخذت شريعة الإسلام أعدل الطرق، وأوضحها، وأكثرها فعالية في الوصول إلى الغاية التي قصدت إليها من الدعوة إلى الله، والتعرف إليه، فلم تشأ هذه الحقيقة أن تغرق الناس في لجج من الجدل الفلسفي، وفي تصورات من المنطق السقيم الذي لا يلد إلا خيالات وأوهاما، ولا ينتهي إلا إلى ظنون يضرب بعضها وجه بعض! ولكن شريعة الإسلام غير هذا أنها جاءت إلى الناس كما هم. إنهم بشر لهم حدود لا يتجاوزونها، ولعقولهم مدى لا تتعداه، والبشر هم غالبة الناس وليسوا فلاسفة ... من أجل هذا لم تفتح شريعة الإسلام بابا للجدل في الله، ولم تستمع إلى الذين يدعونها إلى الخصومة في الله. بل قطعت عليهم الطريق، وفوتت عليهم ما يقصدون من صرف الدعوة عن غايتها

стр. 162

الجادة، في كشف الضلالة عن العقول، والعماية عن القلوب إلى مماحكات سقيمة، وجدل مريض ... وليس هذا شأن الإسلام وحده، وإنما هو سبيل الشرائع السماوية كلها منهج واحد وطريق واحد لأنه أعدل منهج وأقوم طريق لا جدال في الله، ولا بحث في ذاته! ولكن استدلال على الله، ونظرة إلى هذا الوجود الذي يصافح حواسنا، ويأخذ بمجامع عقولنا وقلوبنا، نظرة تمتليء بها القلوب خشية واخباتا لمن خلق فسوى وقدر فهدى ... ذلك هو منهج الدعوات الإسلامية في كل أمة، وعلى لسان كل نبي ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا﴾. والذي ينظر في هذا المنهج السماوي في الدعوة إلى الله يجد بين يديه دلائل الإعجاز التي تعنو لها الوجوه، وتخضع لها أعناق المعانذين والمكابرين. فإن تدبير هذا المنهج وتدرجه مع التطور العقلي الإنساني ومسايرته لملكات الفكر الإنساني. عصرا بعد عصر ينطق بشهادتين: الشهادة الأولى: أن هذا التدبير لا يكون إلا من حكيم خبير يعلم من الناس ما لا يعلمون ذلك هو الله رب العالمين. الشهادة الثانية: صدق هذا القرآن الذي نأخذ عنه ذلك المنهجع الصادق المعجز لأنه كلام الله، وأن النبي المبعوث به صادق موصول بأسباب السماء يتلقى رسالته عن الله، ويحمل إلى الناس شريعته ... والقرآن الكريم لا يهتم بالتوقيت الزمني لدعوات الأنبياء الذين ذكروا في الكتاب، لأن هذا التحديد ليس له أثر في الواقعة التي يذكرها القرآن، ولهذا المعنى لم تشر آيات الكتاب إلى أماكن الدعوة. إذ أن مرمى الواقعة لا يراد بها إلا عرض مشهد من مشاهد الصراع بين الإيمان والكفر، وبين الحق والباطل، والزمان والمكان قضية تتجدد على مر الأزمنة، وتقع في كل مكان، فلا أثر للزمان أو المكان في موقع الدعوة أو العبرة منها ...

стр. 163

وهنا يبدو وجه الحكمة في إطلاق وقائع الدعوة من ظروف الزمان والمكان في هذا الصراع بين الحق والباطل حيث تظل هذه الوقائع ملء الأزمنة، وملء الأمكنة وبهذا لن تكون غريبة في أي زمان ومكان، إنها للناس جميعا، ولأجيال الناس جميعا، فحيث كان صراع بين حق وباطل كانت وقائع القصص القرآني دستورا محكما يحتكم ويتأسى به. ونلاحظ أيضا مع إطلاق وقائع الدعوات السماوية من قيود الزمن والمكان، فإن الترتيب الزمني بين هذه الدعوات قد نال شيئا من اهتمام القرآن به، فهناك أكثر من وجه يمكن أن يستدل منه على مكان كل دعوة من سابقتها أو لاحقتها في الزمن. ومن هذا دعوة هود ﵇ يجيء على لسانه، وهو يخاطب قومه: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ (سورة الأعراف). كما يجيء على لسان صالح ﵇ مخاطبا قومه: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ﴾ (سورة هود). وكذلك يذكر القرآن مدين في قوله تعالى: ﴿أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ فيفهم من هذا أن دعوة شعيب كانت بعد دعوة صالح لأن صالحا كان رسولا إلى ثمود، وأن شعيبا كان رسول مدين وإني اتبع هذا الترتيب في المنهج الذي وضعته السماء لدعوة الحق، وفتح عقول الناس وقلوبهم لها ... كانت دعوة الأنبياء تدعو إلى الله مباشرة دون أن تلفت العقول إلى الاستدلال عليه من النظر في ملكوت السماوات والأرض، وتكاد الدعوة تكون دائرة بين كلمتين: (أعبدوا الله) من غير أن يدعي العقل إلى البحث عن الله، والإستدلال بالنظر في ظاهر الوجود. ولهذا كانت دعوة الرسل تحتاج إلى قوة قاهرة، قوة لا تخاطب العقل: وإنما تجابه الحس، فتبهر الأبصار وتصم الأذان، وترعد الفرائص، إنها المهلكات التي يخوف بها الرسل أقوامهم إن هم أبوا الاستجابة لدعوة الرسل والايمان بالله .. ونذكر بعض الدعوات السماوية التي كانت قبل الإسلام.

стр. 164

دعوة نوح ﵇ أولا دعوة نوح ﵇، وقد ذكرت في القرآن مرات كثيرة ولها في كل مرة لون جديد إلا أنها جميعها تكمل صورة الدعوة وتحدد معالمها. يقول الله تعالى في (سورة نوح): ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ * يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. ويقول سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ * فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ * إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ﴾ (سورة المؤمنون). ويقول : ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ * فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ * قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ * وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ * وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (سورة هود). وكادت دعوة نوح إلى قومه تقتصر على قوله : ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ولكن عقولهم لا تستجيب لغير العقاب

стр. 165

المادي المباشر ﴿قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ جاءهم الطوفان فأغرقهم الله، ونجا نوح ومن آمن معه ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾. دعوة هود ﵇ وهود ﵇ كانت دعوته إلى قومه قريبة من دعوة نوح، ولكن فيها إشعار بأن الإنسان الذي يخاطبه هود قد كبر شيئا ما عن ذلك الإنسان الذي كان يخاطبه نوح، وأنه قادر- نسبيا- على أن يستنبط ويدرك فكان في دعوة هود إلى قومه الفات قريب الى بعض الظاهر المادية الملابسة لهم، والمتصفة بحياتهم، وأن ما هم فيه من نعمة إنما هو من عند الله الذي يدعوهم إليه ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ * قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ * أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (سورة الأعراف) ... الإنسان الذي يخاطبه هود قد ترقى عقليا نوعا ما فأصبح هود يذكره بفضل الله عليه، وأنه أخلف قوم نوح الذين أهلكهم الله بظلمهم، كما أن الله من على قوم هود ببسطة الأجسام وقوة الأبدان، وتلك نعم جديرة بأن يذكروها، ويذكروا المنعم بها، وفي هذا رشدهم وفلاحهم ... وفي موقف آخر يهتف هود بقومه: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ * أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ * وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (سورة الشعراء).

стр. 166

فهذه أنعام، وبنين وجنات، وعيون يعيشون فيها وينعمون بها، وهي ليست من صنع أيدهم، وإنما هي من الله الذي يدعوهم إلى الإيمان به، وفي هذا دعوة إلى العقل أن ينظر ويتدبر ... دعوة صالح ﵇ وفي دعوة صالح ﵇ آفاق للنظر والتأمل أوسع من تلك الآفاق المحدودة التي جاءت بها دعوة هود. وللزمن آثاره في تلك الفوارق العظيمة بين قوم صالح وقوم هود، إذ كان قوم صالح قد خلفوا هودا وخلفوا الأحداث التي وقعت لهم، والبلاء الذي صب عليهم، بعد أن عصوا رسول ربهم، واستخفوا به وبدعوته، ولاشك أن هذا قد ترك آثاره في هؤلاء القوم بما فتح عليهم من أبواب البحث والتفكير .. قال تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ (سورة هود). ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (سورة الاعراف). ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ * وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾ ...

стр. 167

إن صالحا ﵇ يذكر قومه بقدرة الله الذي يدعوهم إليه، أنشأهم من الأرض، واستعمرهم فيها ... والعقل الذي يستطيع أن يتصور خلق الإنسان من تراب، ويرتب مراحل عملية الخلق ترتيبا منطقيا واقعيا بحيث يرى أن النطفة التي هي بذرة خلق الإنسان، إنما هي الغذاء الذي يتحول في الجسم إلى دم، ثم إلى نطفة، وأن هذا الغذاء من النبات، وأن النبات هو أجنة الأرض حملته في بطنها، وغذته بعصارتها- العقل الذي يستطيع أن يدرك هذا، أو بعض هذا، هو غير العقل الذي كان عليه قوم هود أو قوم نوح. ولهذا لم تحمل دعود هود معجزة إستدلالية تنبيء عن قدرة الله، وإنما حملت هلاكا وتدميرا، بعد أن انتهى دور النصح، والوعد، ومن قبلها كانت كذلك دعوة نوح، لم تصحبها معجزة إستدلالية بينما حملت دعوة صالح معجزة استدلالية، ويرى فيها أولوا الرشد إشارة إلى الله، وطريقا إليه، وتلك المعجزة هي الناقة التي اقترحوا على صالح أن يخرجها لهم من صخرة معروفة عندهم وأن تكون عشراء تمخض وأعطوا العهد لصالح أنهم يؤمنون بإلهه الذي يدعوهم إليه إذا جاءهم بما طلبوا به، وقد استجاب الله لدعوة صالح، فخرجت الناقة من الصخرة التي أشاروا إليها، وجنينها يتحرك في أحشائها، وقد آمن بعضهم لهذه المعجزة، ولم يؤمن أكثرهم، وتآمروا على الناقة فقتلوها، وهنا حل بهم العذاب الذي أوعدهم به: ﴿فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ﴾ ... دعوة شعيب ﵇ ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ * وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ * بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ (سورة هود) ..

стр. 168

﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ (سورة الأعراف) ... ونلاحظ هنا أن دعوة شعيب ﵇ لم تقف عند حدود الدعوات الثلاثة السابقة، وهي مجرد الدعوة إلى الله، بل إنها شملت الأمر بعبادة الله، ثم تجاوزته إلى بعض أحكام الشرع، وذلك بمخاطمة الضمير الإنساني ودعوته إلى رعاية حقوق الناس ومعاملاتهم بالعدل ... والضمير إنما يأخذ مكانه في كيان الإنسان حين يرشد ويكتمل وعيه أما في مرحلة الطفولة والصبى فلا مكان للضمير فيها ... إننا مع قوم شعيب إزاء إنسانية كادت تستكمل حظها من العقل والإدراك، فهم لهذا أهل لكي تخاطب فيهم ضمائرهم وأن يطلب إليهم إقامة حياة إجتماعية يؤدي فيها الفرد حقوق الآخرين لكي يؤدوا له حقه وقد كان القوم معاصرين لقوم لوط ﵇ وهلاك هؤلاء الأمم الذين عصوا رسلهم، فبعضهم هلك بالطوفان، وبعضهم أرسل عليهم الصواعق، وبعضهم بالريح العاصفة المدمرة، وبعضهم بالصيحة ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ وهذا العذاب الأليم الذي أصاب الذين ظلموا أنفسهم لم يذهبوا هباء وإنما خلفوا وراءهم عبرة ماثلة وموعظة بالغة لمن كان من غيرهم- في أيامهم، ولمن أتى من الجماعات من بعدهم. إن طوفان نوح وعواصف هود ورجفة صالح- وقد هلك بها من هلك- قد كانت عبرة وعظة انتفع بها كثير، واهتدى بها كثير، ولا تزال إلى اليوم درسا نافعا وعظة ماثلة لكل من أراد العبرة والموعظة. ولا نذهب بعيدا، فقد كانت كل زاجرة من تلك الزواجر مثلا يسوقه

стр. 169

الرسول لقومه، ويشرف منه بهم على مصارع الذين عصوا رسل ربهم، وأنكروا مكانهم فيهم ... فهذا هود ﵇ يذكر قومه بما حل بقوم نوح فيقول لهم: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ وهذا سيدنا صالح يذكر قومه بما وقع لقوم هود فيقول: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ﴾ ... وهذا نبي الله شعيب ﵇ يحمل المثل لقومه ويستعرض مشاهد الدمار والبلاء التي نزلت بمن سبقوهم في تحدى الرسل وإعناتهم: ﴿وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ (سورة هود). فهذه المهلكات التي رمى بها أولئك الأغبياء المعاندون لم تكن إلا مثلا تخيف من حولهم ومن بعدهم، وتدعوهم إلى الإنصياع والتسليم للهداة الراشدين الذين يدعونهم إلى الصراط المستقيم، وهذا ما تنطق به الآية الكريمة في قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ (سورة الاسراء) ... وإذا كانت دعوة إبراهيم، وموسى، وعيسى ﵈ قد استرخى بها الزمن حتى رشدت الإنسانية أو كادت- قد حملت إلى الناس دعوة إلى الله قائمة على النظر في ملكوته، وعلى الإيمان به عن طريق هذا النظر الذي يرسله الإنسان في هذا الوجود فيعود إليه محملا بالآيات الدالة على قدرة الله الناطقة بحكمة الخالق وعظمته ... دعوة إبراهيم ﵇ ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ * قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ * قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ

стр. 170

رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ * وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ (سورة الأنبياء) .. ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (سورة العنكبوت) ... إن إبراهيم يضع قومه أمام موقف يحتاج إلى عقل ونظر، وإلى حساب وتقدير، ليميز الخبيث من الطيب ويفرق بين الحق والباطل ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ... إن العقل الرشيد المكتمل هو الذي يدعى إلى هذا النظر ويحمل على المراجعة والموازنة بين الأشياء. دعوة موسى ﵇ موسى رسول إلى جبهتين: إلى قومه بني إسرائيل، وإلى فرعون الذي طغى، وامتد طغيانه إلى بني إسرائيل. يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم، وموسى يحمل إلى فرعون معجزات لا تقبل التحدي، ولكن فرعون يتحداها، وينتهي التحدي بانتصار المعجزة السماوية فيؤمن سحرة فرعون، ويجن جنون فرعون، وتأخذه العزة بالإثم فيضاعف البلاء الذي يصبه على بني إسرائيل، ولا يجد موسى سبيلا إلا الهرب بقومه فيتبعهم فرعون، وهناك على مشارف سيناء عند البحر الأحمر يقف موسى وقومه، ومن وراءه فرعون وجنوده يكادون يلحقون بهم، ويضرب موسى بعصاه

стр. 171

البحر، ويفتح له ولقومه طريق فيه، وينسحب بقومه إلى الشاطيء الشرقي من البحر، وفرعون وجنوده جادون في أثرهم، يركبون نفس الطريق في قلب البحر، وهنا تنتهي المعجزة بعد أن أدت دورها، حيث يطبق البحر على فرعون وجنوده، فيغرقون جميعا. وهذه المعجزات قد شهدها بنو إسرائيل، وكان من شأنها أن تقع من القوم موقع الإيمان، وأن تقوم شاهد صدق على رسالة موسى، ولكن القوم قد إلتوت نفوسهم فلم تعبأ فيها بتلك المعجزات، ولم تصادف نفوسا طيبة، وظل القوم في حاجة إلى معجزات أخرى يتلو بعضها بعضا وجاء موسى بالبينات، ضرب بعصاه الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا لكل قبيلة منهم عين تستقي منها، وأنزل عليهم المن والسلوى وجاءهم بالتوراة فيها هدى ونور، وفيها تذكير لهم، بما تفضل الله عليهم من نعمة إذ نجاهم من آل فرعون. ﴿يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ * وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ (سورة البقرة) ومع هذا فقد لجوا في الضلال والعناد، وأبوا أن يقتنعوا بكل هذه الآيات، وطالبوا إلى موسى أن يريهم الله جهرة ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ وقد كان من المتوقع- في ظاهر الأمر- أن ينزل العذاب الشامل بهم جميعا، وأن يقع البلاء الماحق الذي لا يبقي ولا يذر، كما كان الشأن في المكذبين من الأقوام السابقة، ولكن يجيء الأمر على غير هذا فيقع البلاء، ويحل العذاب، وإنما في حدود معينة تنال المعتدين. وأخذ الظالمين ... فالذين اعتدوا في السبت وخرجوا على الشريعة هؤلاء مسخوا مسخا خرج بهم عن الإنسانية فكانوا قردة يسخر منهم، ويستهزأ بهم، وتكون فيهم العبرة لمن اعتبر ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥) فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ (سورة البقرة) ...

стр. 172

والذين صغر في أعينهم شأن الله حتى طلبوا أن يروه عيانا كما يرون الأشياء، هؤلاء أخذتهم الصاعقة بظلمهم ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ (سو رة البقرة)، وأما الذين عبدوا العجل وجعلوه إلها فقد نالهم من الله غضب وذلة في الحياة الدنيا، ولكنهم قد تابوا، ورجعوا عن ضلالهم بعد أن راجعهم موسى ونسف العجل الذي عبدوه، وهم ينظرون ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ (سورة الأعراف) ... ورأس الفتنة هو السامري الذي دعا إلى اتخاذ العجل من الحلي التي جمعها من القوم، وصوره منها، فقد مثل به فكان لا يمس شيئا إلا أصابه منه الضر والأذى ... ﴿قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ (سورة طه). فهنا لم يقع العذاب شاملا، ولم يأخذ القوم جميعا، وإنما وقع على من استحقوه بما ظلموا، لأن في البقية رجاء، وفيهم مكان لمغارس الهداية والإيمان، إن الجسم الذي يصلح ببتر عضو من أعضائه المريضة فبقية الأعضاء الأخرى السالمة يجب أن تبقى ... وقد كان في بني إسرائيل مفسدون لم تستقم مع الحق والخير نفوسهم، وكانوا نبتا سيئا، فتولت السماء إقتلاعه ... أرأيت إذا كيف كان المنهج الذي قامت عليه دعوة الرسل رسولا بعد رسول، وعصرا بعد عصر؟ فقد ساير هذا المنهج عقلية الإنسانية، وتقابل معها على المستوى الذي كان لها من الوعي والإدراك. كان المنهج في الرسالات الأولى منهجا تلقائيا يلقن الإنسانية في طفولتها مبادئ العقيدة: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ كما يلقن الطفل أسماء المسميات، فيقال له: هذا مصباح، وهذا مذياع، وذلك كرسي، وتلك سيارة وهكذا ...

стр. 173

ثم دخل المنهج مدخلا آخر حين تطورت الإنسانية واتسعت مداركها بعض الشيء، فكان إلى جانب الدعوة إلى الله إلفات إلى الوجود المادي ليستدل به على النظام الممسك به من غير عظمة الخالق وقدرته كذلك صحب هذه الرحلة من دعوات الرسل معجزات غير انتقامية يراد بها تأييد الرسول وتزكية دعوته بأنه رسول من رب العالمين. فحين يرى الناس المعجزة يرون معها ما لا يمكن لبشر أن يأتي به. وذلك عمل يحتاج إلى وعي وإدراك لا يبلغه المرء إلا بعد أن يجاوز مرحلة الصبا، ويشرف على مرحلة الرجولة أو يبلغها ... ونعود لنقرر مرة أخرى أن في هذا المنهج الذي احتوته دعوات الرسل، والذي نقله إلينا القرآن الكريم دليلا قائما على أن القرآن منزل من عند الله، وذلك لما اشتمل عليه هذا المنهج من مسايرة لتطور الإنسانية ومواءمة لوعيها وإدراكها، ولو كان هذا القرآن من عند غير الله لما كان فيه هذا الضبط الدقيق، وتلك اليقظة الواعية لسير الحياة، ورصد حركات العقول فيها ولو وقع- على أقل تقدير- في هذا المنهج، بعض الخلل في ترابطه وتماسكه، ولكننا إزاء منهج متماسك أقوى ما يكون التماسك سواء في وحداته، وعناصرها، أم في تدرج هذه الوحدات واحدة بعد أخرى- تدرج الكائن الحي نحو النضج والكمال، فإلى جانب الأدلة الكثيرة على إعجاز القرآن وصدق الرسول يمكن أن يضاف هذا الدليل إليها، ويحسب في حسابها ...

стр. 174

أسلوب القرآن في الدعوة إلى الله الرساله المحمدية هي خاتمة الرسالات السماوية، لقد انتهى الدور التلقيني بعد أن أشرف العقل بنفسه على دلائل كثيرة تشير إلى وجود الله. فالله في واقع الحياة- في هذه المرحلة الأخيرة من رسالات السماء- ليس، ذاتا مجهولة أو منكرة في عقول الكثرة الغالبة من الناس، فقد كان لدعوات الرسل المتتابعة، ولمواقف الراشدين والعالمين من أتباعها آثار كبيرة في كشف الطريق إلى الله، والتعريف به، كما كان للزمن وتطور العقل الإنساني، نحو الكمال أثره القوي كذلك في هذا الأمر. لقد جاء الإسلام والعرب يعرفون في لغتهم كلمة الله ويتعاملون بها في حياتهم على أنها قوة ممسكة بالوجود وقائمة على كل شيء، وأنها تعلم ما يخفي الناس وما يعلنون، يقول زهير بن أبي سلمى الشاعر الجاهلي واحد أصحاب المعلقات: فلا تكتمن الله ما في نفوسكم ... ليخفى ومهما يكتم الله يعلم يؤخره فيوضع في كتاب فيذخر ... ليوم الحساب أو يعجل فينتقم فقد كان العرب في جاهليتهم يعتقدون في الحياة بعد الموت، وفي الجزاء وفي الجنة والنار، يقول الشهرستاني عن عرب الجاهلية: (ومن العرب من كان يؤمن بالله، واليوم الآخر، وينتظر النبوة، ومن هؤلاء زيد بن عمرو ابن نفيل كان يسند ظهره إلى الكعبة ويقول "أيها الناس، هلموا إلي، فإنه لم يبق على دين إبراهيم أحد غيري"، ومنهم قس بن ساعدة الإيادي وكان يقول: "هو الله إله واحد، ليس بمولود ولا والد، أعاد وأبدى وإليه المآب غدا"، ومنهم عامر بن الظرب العدواني، وكان يقول: "إني ما رأيت شيئا قط خلق نفسه، ولا رأيت موضوعا إلا مصنوعا، ولا جائيا إلا ذاهبا، ولو كان يميت الناس الداء لأحياهم الدواء"). فالرسالة المحمدية تواجه إنسانية فيها وعي، ولها إدراك، وعندها إستعداد للبحث عن الله، والتشوق إليه من خلال هذا الوجود الذي يعيش

стр. 175

فيه الناس، وإذن فلن تكون الدعوة إلى الله دعوة تلقائية لإن مواجهة العقل المدرك المستعد للبحث والنظر- إلى مواجهته بالأمر الواقع والحكم الملزم، فيه تعسف وإعنات لا تلقاه مثل هذه العقول إلا بالتمرد والعناد ... وحين ننظر قي دعوة الإسلام نجدها قد مرت في مراحل إنتقلت بالناس من حال إلى حال ... وفي المرحلة الأولى من مراحل الدعوة نجد أن أول ما افتتح به الوحي رسالة الرسول ﵌، هو قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (سورة العلق) .. هذه الآيات كانت عنوان الموضوع الذي تدور حوله الدعوة في مراحلها الأولى: الخالق وما خلق، وذكر الخالق وما خلق هنا هو تحديد للموضوع الذي من أجله كان توجيه النظر إلى المخلوقات، والوقوف على ما في صورها وألوانها وأشكالها من عجائب وأسرار، فإنذا استبانت لعين الناظر المتأمل تنبهه إلى الخالق الذي خلق .. ويكاد العهد المكي كله من تاريخ الرسالة - يقوم على أداء هذا الدور، والعمل على التعريف بالله من طريق الإقناع، بالنظر والتفكر في آيات الله ... ولقد جاء القرآن الكريم في هذا الباب، بما لم يكن لدعوة من الدعوات السماوية أو غير السماوية أن تجيء بمثله، وبما لم تنفذ إليه من قلوب الناس وعقولهم أجهزة الدعايات العصرية التي تبشر بالمذاهب السياسية أو الإقتصادية، والتي تحشد لها كل قوى الدعاية من ملايين الأنفس، وملايين الأموال تعمل جميعا في كل ميدان يصل إلى الناس من الإذاعات والكتب والصحف، كل أولئك لم يكن شيئا إلى جانب المنهج الذي اتبعه الإسلام في دعوته إلى الله، وإذ كان منهجا قائما على الحق، وداعيا إليه عن طريق النظر، والإستدلال والإقناع ... وما يشوق العقل الإنساني ويوقظ وجدانه أكثر من نظرة واعية إلى

стр. 176

صامت وناطق في الوجود، فيبدو الوجود كله في مسرح نظره، ومسبح خاطره، ومجلى تفكيره يقلبه كيف يشاء، ويأخذ منه ما يريد .. إقرأ قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾ (سورة السجدة). وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ * وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (سورة الرعد). واقرأ قوله جل شأنه: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ (سورة عبس). فتلك دعوات يستحضر بها العقل هذه الظواهر التي تتبدل بها الطبيعة حالا بعد حال، وتلبس فيها أثوابا بعد أثواب، وهي تجيء وتذهب بين يدي الإنسان دون أن يلتفت إليها كثير من الناس، أو يقفوا عندها، فإذا جاءهم من يدعوهم إليها، ويلفتهم نحوها، أحسوا بها، وعجبوا منها كأنما يرونها لأول مرة. وقد ذهب القرآن الكريم في هذا كل مذهب، وجاء إلى العقل من كل أفق يثيره، ويحدد صور الوجود في نظره ... ومن تدبر القرآن في هذا، استعراض مظاهر قدرة الله وعظمته،

стр. 177

وحكمته وتدبيره فيما يبدو عليه هذا النظام الكوني من روعة ودقة وإحكام ... ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (سورة فصلت). ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ (سورة الشورى) ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (سورة غافر). ومن الأساليب التي نهجها القرآن في الإلفات إلى عظمة الله وقدرته - أسلوب الاستفهام التقريري الذي يتحدث عن خلق من خلق الله، أو عن آية من آياته، ونعمة من نعمه. وفي هذا الأسلوب يجد القاريء نفسه أمام سؤال ليس له إلا جواب واحد هو الإقرار بالله. فإن استجاب للحق أقر به وإلا أفحم ووجم وخرس .. ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ (سورة النمل). ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾ ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾ (سورة الملك) .. فهذه قضايا يطالب الخصم فيها بإقامة الدليل على بطلانها إن كان في إمكانه أن يفعل، وإلا فقد لزمه الإيمان بالله .. ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (سورة البقرة) ...

стр. 178

هذا أسلوب القرآن قد جاء بألوان من ضروب الإعجاز الذي خرست له الألسنة، وتضاءلت أمامه العقول وتصاغرت بين يديه الأفهام ... أما أسلوب الملاحدة الذين يدعون وجود قدرة غير قدرة الله، فيقولون أن الطبيعة هي الخالقة لهذا الكون والمدبرة له، فإنهم مطالبون أن يقيموا الدليل على دعواهم الباطلة. كيف تخلق الطبيعة؟ هل من خالق غير الله؟ سأل أحد الملحدين تلميذا فقال: أقم لي دليلا واحدا على وجود الله. وأنا أومن لك به. فأجاب التلميذ: وأنت أقم لي دليلا واحدا على عدم وجوده، وأنا أكفر به؟ فبهت الذي كفر ...

стр. 179

الإيمان باليوم الآخر الإيمان باليوم الآخر، الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﵌ مما يكون بعد الموت فالإيمان بفتنة القبر وعذابه، ونعيمه، فأما الفتنة، فإن الناس يفتنون في قبورهم، فيقال للرجل من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، فيقول المؤمن: الله ربي، والإسلام ديني، ومحمد ﵌ نبيي ... وأما المرتاب فيقول: هاه هاه لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته، فيضرب بمرزبة من حديد فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعها لصعق، ثم بعد هذه الفتنة، إما نعيم، وإما عذاب. الإيمان باليوم الآخر هو التصديق الجازم بجميع ما أخبر به النبي ﵌ ما يكون بعد الموت، وهذا هو الركن الخامس من أركان الإيمان، والمؤمنون يؤمنون بالبعث بعد الموت، وهو إعادة الأبدان بأرواحها إلى الحياة مرة ثانية كما صرحت به الكتب السماوية، ونادت به جميع الأنبياء والمرسلين قال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ * وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾ وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. ويجب الإيمان من بعد الموت بفتنة القبر وعذابه ونعيمه، والبعث والحشر، والنشر والصحف، والميزان والحساب، والجزاء والصراط، والحوض والشفاعة، والجنة والنار وأحوالهما، وما أعد الله لأهلهما، إجمالا وتفصيلا، وفي الصحيحين من حديث قتادة عن أنس ﵁ أن رسول الله ﵌ قال: "إن العبد إذا وضع في قبره أتاه ملكان فيقعدانه، فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال له انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعدا من

стр. 180

الجنة فيراهما جميعا، قال وذكر لنا أنه يفسح له في القبر مد البصر، وأما المنافق والكافر فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري كنت أقول ما يقول الناس، فيقال: لا دريت ولا تليت، ويضرب بمطارق من حديد ضربة، فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين". وأخرج الترمذي، وابن حبان في صحيحهما من حديث أبي هريرة عن النبي ﵌ قال: "إذا قبر الميت أتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما المنكر والآخر النكير فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: هو عبد الله ورسوله أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول هذا: ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعا في سبعين ذراعا، ثم ينور له فيه، وإن كان منافقا قال: سمعت الناس يقولون شيئا فقلت مثله، ولا أدري، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول ذلك، فيقال للأرض: إلتمي عليه، فتلتم عليه حتى تختلف أضلاعه فلا يزال فيها معذبا حتى يبعثه الله من مضجعه". وفي الصحيحين أن النبي ﵌ قال: "لقد أوحي إلي أنكم تفتنون في قبوركم مثل- أو قريبا- من فتنة المسيح الدجال". وفيهما عن أبي أيوب قال: خرج علينا رسول الله ﵌، وقد وجبت الشمس وقد سمع صوتا فقال: "يهود تعذب في قبورها". وعن أبي داود: فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول هو رسول الله ﵌، فيقولان له: وما يدريك؟ فيقول: قرأت كتاب الله تعالى، فآمنت به وصدقت، فينادي مناد أن صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وافتحوا له بابا إلى الجنة، وألبسوه من الجنة، ويفسح له مد بصره". وقال في الكافر: "فيأتيانه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، إلى أن قال: فينادي مناد من السماء أن كذب عبدي، فأفرشوه
следующие страницы →