صامت وناطق في الوجود، فيبدو الوجود كله في مسرح نظره، ومسبح خاطره، ومجلى تفكيره يقلبه كيف يشاء، ويأخذ منه ما يريد ..
إقرأ قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾ (سورة السجدة). وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ * وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (سورة الرعد).
واقرأ قوله جل شأنه: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ (سورة عبس).
فتلك دعوات يستحضر بها العقل هذه الظواهر التي تتبدل بها الطبيعة حالا بعد حال، وتلبس فيها أثوابا بعد أثواب، وهي تجيء وتذهب بين يدي الإنسان دون أن يلتفت إليها كثير من الناس، أو يقفوا عندها، فإذا جاءهم من يدعوهم إليها، ويلفتهم نحوها، أحسوا بها، وعجبوا منها كأنما يرونها لأول مرة.
وقد ذهب القرآن الكريم في هذا كل مذهب، وجاء إلى العقل من كل أفق يثيره، ويحدد صور الوجود في نظره ...
ومن تدبر القرآن في هذا، استعراض مظاهر قدرة الله وعظمته،
стр. 177
وحكمته وتدبيره فيما يبدو عليه هذا النظام الكوني من روعة ودقة وإحكام ...
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (سورة فصلت). ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ (سورة الشورى) ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (سورة غافر).
ومن الأساليب التي نهجها القرآن في الإلفات إلى عظمة الله وقدرته - أسلوب الاستفهام التقريري الذي يتحدث عن خلق من خلق الله، أو عن آية من آياته، ونعمة من نعمه. وفي هذا الأسلوب يجد القاريء نفسه أمام سؤال ليس له إلا جواب واحد هو الإقرار بالله. فإن استجاب للحق أقر به وإلا أفحم ووجم وخرس ..
﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ (سورة النمل).
﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾ ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾ (سورة الملك) .. فهذه قضايا يطالب الخصم فيها بإقامة الدليل على بطلانها إن كان في إمكانه أن يفعل، وإلا فقد لزمه الإيمان بالله ..
﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (سورة البقرة) ...
стр. 178
هذا أسلوب القرآن قد جاء بألوان من ضروب الإعجاز الذي خرست له الألسنة، وتضاءلت أمامه العقول وتصاغرت بين يديه الأفهام ...
أما أسلوب الملاحدة الذين يدعون وجود قدرة غير قدرة الله، فيقولون أن الطبيعة هي الخالقة لهذا الكون والمدبرة له، فإنهم مطالبون أن يقيموا الدليل على دعواهم الباطلة. كيف تخلق الطبيعة؟ هل من خالق غير الله؟
سأل أحد الملحدين تلميذا فقال: أقم لي دليلا واحدا على وجود الله. وأنا أومن لك به. فأجاب التلميذ: وأنت أقم لي دليلا واحدا على عدم وجوده، وأنا أكفر به؟ فبهت الذي كفر ...
стр. 179
الإيمان باليوم الآخر
الإيمان باليوم الآخر، الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﵌ مما يكون بعد الموت فالإيمان بفتنة القبر وعذابه، ونعيمه، فأما الفتنة، فإن الناس يفتنون في قبورهم، فيقال للرجل من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، فيقول المؤمن: الله ربي، والإسلام ديني، ومحمد ﵌ نبيي ...
وأما المرتاب فيقول: هاه هاه لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته، فيضرب بمرزبة من حديد فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعها لصعق، ثم بعد هذه الفتنة، إما نعيم، وإما عذاب. الإيمان باليوم الآخر هو التصديق الجازم بجميع ما أخبر به النبي ﵌ ما يكون بعد الموت، وهذا هو الركن الخامس من أركان الإيمان، والمؤمنون يؤمنون بالبعث بعد الموت، وهو إعادة الأبدان بأرواحها إلى الحياة مرة ثانية كما صرحت به الكتب السماوية، ونادت به جميع الأنبياء والمرسلين قال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ * وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾ وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.
ويجب الإيمان من بعد الموت بفتنة القبر وعذابه ونعيمه، والبعث والحشر، والنشر والصحف، والميزان والحساب، والجزاء والصراط، والحوض والشفاعة، والجنة والنار وأحوالهما، وما أعد الله لأهلهما، إجمالا وتفصيلا، وفي الصحيحين من حديث قتادة عن أنس ﵁ أن رسول الله ﵌ قال: "إن العبد إذا وضع في قبره أتاه ملكان فيقعدانه، فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال له انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعدا من
стр. 180
الجنة فيراهما جميعا، قال وذكر لنا أنه يفسح له في القبر مد البصر، وأما المنافق والكافر فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري كنت أقول ما يقول الناس، فيقال: لا دريت ولا تليت، ويضرب بمطارق من حديد ضربة، فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين".
وأخرج الترمذي، وابن حبان في صحيحهما من حديث أبي هريرة عن النبي ﵌ قال: "إذا قبر الميت أتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما المنكر والآخر النكير فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: هو عبد الله ورسوله أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول هذا: ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعا في سبعين ذراعا، ثم ينور له فيه، وإن كان منافقا قال: سمعت الناس يقولون شيئا فقلت مثله، ولا أدري، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول ذلك، فيقال للأرض: إلتمي عليه، فتلتم عليه حتى تختلف أضلاعه فلا يزال فيها معذبا حتى يبعثه الله من مضجعه". وفي الصحيحين أن النبي ﵌ قال: "لقد أوحي إلي أنكم تفتنون في قبوركم مثل- أو قريبا- من فتنة المسيح الدجال". وفيهما عن أبي أيوب قال: خرج علينا رسول الله ﵌، وقد وجبت الشمس وقد سمع صوتا فقال: "يهود تعذب في قبورها". وعن أبي داود: فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول هو رسول الله ﵌، فيقولان له: وما يدريك؟ فيقول: قرأت كتاب الله تعالى، فآمنت به وصدقت، فينادي مناد أن صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وافتحوا له بابا إلى الجنة، وألبسوه من الجنة، ويفسح له مد بصره". وقال في الكافر: "فيأتيانه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، إلى أن قال: فينادي مناد من السماء أن كذب عبدي، فأفرشوه
стр. 181
من النار، وافتحوا له بابا إلى النار فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه". ومن الأدلة الدالة على عذاب القبر قوله تعالى في حق آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ وقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ إن السؤال والنعيم والعذاب في القبر يشبه بعثا للحشر في أنه واجب سمعا، بل وعقلا وحكمة، فإن الأدلة القاطعة قامت على أن الله تعالى حكم في صنعه، لم يخلق الناس عبثا، ولم يتركهم سدى، بل جعل لهم حياة وراء هذه الحياة لينصف فيها المظلوم من الظالم، ويقام فيها قانون العدل بين الخلائق ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾، ولو فكر الإنسان فيها حوله من نبات مختلف، وجنات منشآت، وكيف يحيي الله بالماء الأرض بعد موتها وتهتز وتربو بعد يبسها وجمودها؟ لعلم أن من قدر على ذلك قادر على أن يعيد الخلق إلى ما كانوا عليه ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وأي فرق بين البدء والإعادة إذا كان الله تعالى هو الذي بدأ الخلق ووهبهم الحياة فما الذي يحول بينهم وبين إعادتهم؟ ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ * أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ * إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ على أن من شأن الإعادة أيسر من البدء، وإن كان الكل تناوله القدرة ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ..
стр. 182
البعث
يبدأ اليوم الآخر بالبعث، وهو إعادة الإنسان روحا وجسدا كما كان في الدنيا، وهذه الإعادة تكون بعد العدم التام، ولا يستطيع الإنسان معرفة هذه النشأة الأخرى لأنها تختلف تمام الإختلاف عن النشأة الأولى ..
أدلة البعث:
ولقد أورد القرآن الكريم أدلة كثيرة على البعث مستدلا بالنشأة الأولى على النشأة الأخره، ومبينا أن الله قادر على كل شيء، وعالم بكل شي، فلا تعجزه إعادة الأجسام لنفوذ قدرته ولا يضيع منها شيء لسعة علمه. قيل في شرح الطحاوية: الإيمان بالمعاد مما دل عليه الكتاب والسنة، والعقل والفطرة السليمة، فأخبر الله سبحانه عنه في كتابه، وأقام الدليل عليه، ورد على المنكرين في غالب سور القرآن، وذلك أن الأنبياء كلهم متفقون على الإيمان بالله، فإن الإقرار بالرب عام في بني آدم وهو فطري كلهم يقرون بالرب إلا من عاند كفرعون بخلاف الإيمان باليوم الآخر، فإن منكريه كثيرون، ومحمد ﵌ لما كان خاتم النبيئين وكان قد بعث هو والساعة كهاتين، وكان هو الحاشر المقفى بين تفصيل الآخرة بيانا لا يوجد في شيء من كتب الأنبياء.
الإنسان يتطور في الخلق ويتحول من حال إلى حال كالأرض وما تخرجه من نبات مظهر العلم والقدرة قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ (سورة الحج) وإذا
стр. 183
كان الله لم يعي بخلق السماوات والأرض ولا يزال يخلق ويرزق، ويحيى ويميت، فهل يستبعد بعد هذه المشاهدة المنظورة أن يعيد الخلق مرة أخرى ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ إن إنكار البعث وإعادة الحياة مرة أخرى بعد هذه الدلائل البينة في الأنفس والآفاق لا معنى لها ...
وأما الذين أنكروا البعث فرد الله عليهم بأن استبعادهم لا معنى له، لأنهم يجهلون عظمة الله وقدرته وعلمه وحكمته، وأنهم لا يبصرون في أنفسهم، فأنفسهم أدل الدلائل وأقوى الحجج على نفي ما ينكرونه من البعث، فالله أحياهم أولا، وأماتهم ثانيا، ولا تزال القدرة صالحة لإحيائهم مرة، وجمعهم مرة أخرى يوم القيامة، فأي استبعاد في هذا؟ ..
قال في شرح الطحاوية: (فالنشأتان نوعان تحت جنس يتفقان ويتماثلان من وجه ويفترقان ويتنوعان من وجوه. المعاد هو الأول بعينه، وإن كان بين لوازم الإعادة، ولوازم (البدء) فرق، فعجب الذنب هو الذي يبقى، وأما سائره فيستحيل، فيعاد من المادة التي استحال إليها، ومعلوم أن من رأى شخصا وهو صغير ثم رآه وقد صار شيخا علم أن هذا هو ذاك، مع أنه دائم في تحلل واستحالة، وكذلك سائر الحيوان والنبات، من رأى شجرة وهي صغيرة، ثم رآها كبيرة قال: هذه تلك، وليست صفة لتلك النشأة الثانية مماثله لصفة هذه النشأة حتى يقال: إن الصفات هي المغيرة، لاسيما أهل الجنة إذا دخلوها، فإنهم يدخلونها على صورة آدم ﵇ طوله ستون ذراعا كما ثبت في الصحيحين وغيرهما، وروي أن عرضه سبعة أذرع، وتلك نشأة باقية غير معرضة للآفات، وهذه النشأة فانية معرضة للآفات) اهـ.
النفخات الثلاث:
النفخات ثلاثة: الأولى: نفخة الفزع وهي التي يتغير بها العالم قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾، والنفخة الثانية: نفخة الصعق قال تعالى:
стр. 184
﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ والنفخة هذه هي التي فيها الهلاك لكل شيء، والنفخة الثالثة: نفخة البعث والنشور قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ ..
وفائدة الإخبار بالآخرة لينتبه الإنسان فيأخذ بالأسباب التي تخلصه من تلك الأهوال، ويبادر إلى التوبة من التبعات، ويلجأ إلى الكريم الوهاب في عونه على أسباب السلامة، ويتضرع إليه في سلامته من دار الهوان، وإدخاله دار الكرامة ..
وقد جعل الله الدار ثلاثا: دار الدنيا، ودار البرزخ ودار القرار، وجعل لكل دار أحكاما تخصها. وركب هذا الإنسان من بدن ونفس، وجعل أحكام الدنيا على الأبدان، والأرواح تبعا لها، ولهذا جعل أحكام الشريعة مرتبة على ما يظهر من حركات اللسان والجوارح، وإن أضرت بالنفوس.
وجعل أحكام البرزخ على الأرواح، والأبدان تبعا لها فإذا كان يوم القيامة عند بعث الأجساد، وقيام الناس من قبورهم لرب العالمين، صار النعيم والعذاب على الأرواح والأجسام معا.
واختلف في مستقر الأرواح ما بين الموت إلى قيام الساعة أين تكون؟ والراجح في ذلك أن الأرواح تكون متفاوتة في مستقرها في البرزخ أعظم تفاوت، فمنها أرواح في أعلى عليين في الملأ الأعلى، وهي أرواح الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وهم متفاوتون في منازلهم أعظم تفاوت كما رآهم النبي ﷺ ليلة الإسراء، وأرواح بعض الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت، وبعض الشهدأء تحبس أرواحهم عن دخول الجنة لدين عليهم، أو غيره كما جاء في المسند عن عبد الله بن جحش أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ما لي إن قتلت في سبيل الله؟ قال: "الجنة" فلما تولى قال: "إلا الدين، سارني به جبريل آنفا"، ومنهم من يكون محبوسا على باب الجنة، ومنهم من يكون محبوسا في
стр. 185
قبره، كحديث صاحب الشملة التي غلها ثم استشهد، فقال النبي ﷺ : "والذي نفسي بيده أن الشملة التي عليه لتشتعل عليه نارا في قبره". ومنهم من يكون مقره باب الجنة كما في حديث ابن عباس: "الشهداء على بارق نهر باب الجنة في قبة خضراء يخرج عليهم رزقهم من الجنة غدوة وعشيا" (١) رواه أحمد. وهذا بخلاف جعفر ابن أبي طالب ﵁ حيث أبدله الله من يديه بجناحين يطير بهما في الجنة حيث شاء (٢)، ومنهم من يكون محبوسا في الأرض لم تعل روحه إلى الملإ الأعلى، إنها كانت روحا سفلية، ومنها أرواح في تنور الزناة والزواني، وأرواح في نهر الدم تسبح فيه، وتلقم الحجارة فليس للأرواح سعيدها وشقيها مستقر واحد، بل روح في أعلى عليين وروح أرضية سفلية لا تصعد عن الأرض.
كل شيء هالك إلا وجهه:
جاء في شرح الطحاوية: (إذا كانت الملائكة تموت فالنفوس البشرية أولى بالموت، وقال آخرون: لا تموت الأرواح، فإنما خلقت للبقاء، وإنما تموت الأبدان وقد دلت على ذلك الأحاديث الدالة على نعيم الأرواح وعذابها بعد المفارقة إلى أن يرجعها الله في أجسادها والصحيح موت النفس هي مفارقتها لأجسادها وخروجها منها، فإذا أريد بموتها هذا القدر، فهي دائقة الموت، وإن أريد أنها تعدم وتفنى فهي لا تموت وعلى هذا الإعتبار فهي باقية بعد قبضها في نعيم أو عذاب وأجمعت الرسل ﵈ أنها محدثة مخلوقة، وهذا معلوم بالضرورة من الدين أن العالم حادث وأن معاد الأبدان واقع وأن الله وحده هو الخالق، وكل ما سواه مخلوق له، وقد انطوى عصر الصحابة والتابعين وتابعيهم، وهي القرون المفضلة في الإسلام، على أن الروح مخلوقة من غير خلاف بينهم، حتى ظهر بعض من قصر فهمه عن الكتاب والسنة فزعم أنها قديمة غير مخلوقة.
стр. 186
وأجمع المسلمون على أن الناس يقومون من قبورهم لرب العالمين حفاة عراة غرلا، وتدنو منهم الشمس ويلجمهم العرق وتنصب الموازين فتوزن بها أعمال العباد، فمن ثقلت موازينه فأولائك هم المفلحون، ومن خفت موازينهم فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدين) وروى مسلم عن المقداد بن الأسود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا كان يوم القيامة أدنيت الشمس من العباد حتى تكون قدر ميل أو ميلين، قال: فتصهرهم الشمس فيكونون في العرق قدر أعمالهم، منهم من يأخده إلى عقبيه، ومنهم من يأخذه إلى ركبته، ومنهم من يأخذه إلى حقويه، ومنهم من يلجمه إلجاما قال بعض العلماء: ظاهر الحديث التعميم ولكن دلت الأحاديث الأخرى على أنه مخصوص بالبعض وهم الأكثر، ويستثني - من هذا العرق- الأنبياء والشهداء ومن شاء الله، فأشدهم في العرق الكفار، ثم أصحاب الكبائر، ثم من الذين عملوا المعاصي دون الكبائر، وماتوا على ذلك، والمسلمون منهم قليلون بالنسبة للكفار.
ومن تأمل الحالة المذكورة عرف عظم الهول فيها وذلك أن النار تحف بأرض الموقف، وتدنو الشمس من الرؤوس قدر ميل، فكيف تكون حرارة تلك الأرض وماذا يرويها من العرق حتى يبلغ منها سبعين ذراعا مع أن كل واحد لا يجد إلا موضع قدمه فكيف تكون حالة هؤلاء في عرقهم مع تنوعهم فيه؟ إن هذا لمما يبهر العقول، ويدل على عظم القدرة، وعلى هذا يقتضي الإيمان بأمور الآخرة وأن ليس للعقل فيها مجال.
ولا يعترض بقياس ولا عادة وإنما يؤخذ بالقبول، ويدخل تحت الإيمان بالغيب، ومن توقف في ذلك دل على خسرانه وحرمانه ..
إختلاف الناس عند البعث:
الناس يختلفون عند البعث إختلافا كبيرا حسب أعمالهم، فالذين صلحت أعمالهم وعقائدهم، وزكت نفوسم يكونون أكمل أجسادا وأرواحا، والذين خبثت أرواحهم، وفسدت عقائدهم يكونون أنقص أجسادا وأرواحا.
стр. 187
وعن أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال: "يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف: صنف مشاة، وصنف ركبان، وصنف على وجوههم، قيل: يا رسول الله كيف يحشرون على وجوههم؟ قال: إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم، أما انهم يتقون بوجوههم؟ كل حدب وشوك" رواه الترمذي. وفي الحديث يقول الرسول الكريم ﷺ : "يحشر المتكبرون المتجبرون يوم القيامة في صور الدر يطأهم الناس لهوناهم على الله " وروى مسلم عن جابر قال: سمعت رسول الله يقول: "يبعث كل عبد على ما مات عليه" أي إن مات على حسنة يبعث على حال سارة، ومن مات على شر يبعث على حال سيئة.
والبعث يكون بالأجساد والأرواح إلا أن القوى الروحية تكون هي القادرة على التصرف في الأجساد، فتستطيع قطع المسافات البعيدة في أقصر مدة، والتخاطب بالكلام بين أهل الجنة والنار، ويكون مثلهم في ذلك مثل الملائكة والجن في قدرتها على التشكل وظهورها في أجساد تأخذها من مادة الكون، وقد ثبت ذلك ثبوتا علميا.
стр. 188
الحساب حق
هو وقف الله عباده قبل انصرافهم من المحشر على أعمالهم خيرا ان كانت أو شرا تفصيلا، وهو مختلف فيه اليسير والعسير، والسر والجهر، والتوبيخ، والفضل، والعدل، يستثنى من لا حساب عليهم، كالسبعين ألف الذين يدخلون الجنة بغير حساب، وكالمبشرين بالجنة، وحساب الله تعالى الناس بأن يخلق في قلوبهم علوما ضرورية بمقادير أعمالهم من الثواب والعقاب، أو يقف عباده بين يديه، يؤتهم كتب أعمالهم، فيها سيئاتهم وحسناتهم، أو يكلم عباده في شأن أعمالهم، وكيفية ما لها من ثواب، وما عليها من العقاب، وتتسع قدرة الله تعالى لمحاسبتهم جميعا كما اتسعت لإجادهم، وتنظيم شؤونهم ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ وروى الترمذي أن رسول الله ﷺ قال: "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربعة: عن عمره فيما أفناه؟ وعن علمه ما عمل به؟ وعن ماله من أين اكتسبه، وفيم أنفقه؟ وعن جسمه فيم أبلاه؟ " وقال حديث حسن صحيح. وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ ، من نوقش الحساب عذب، فقلت: أليس يقول الله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ قال: (إنما ذلك العرض، وليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك). (شرح عبد السلام والعقيدة).
فالله يحاسب عباده على أن يجازي على السيئة بسيئة مثلها المماثلة يحددها هو وحده. ويجازي على الحسنة بعشر أمثالها، وقد يجازي عليها بأكثر من ذلك لأن الناس يتفاوتون في إتقان أعمالهم، والإحسان فيه، كما يتفاوتون في الإخلاص لله تعالى في مثل الصلاة، والصيام، والحج، أما في الصدقة فهم مع تفاوتهم في الإخلاص يتفاوتون أيضا في تحري من يستحقها، فرب قرش يعطى لفقير أفضل عند الله من قرش يعطى لسائل
стр. 189
ورب قرش يعطى لأسرة بائسة أفضل عند الله تعالى من دينار يعطى جزافا، وفي هذا يقول الله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾، ويقول: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، ويقول: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ كل ذلك عدل من الله تعالى وحكمة وفضل ..
والأدلة قائمة على غفران الذنوب الصغائر لتارك الكبائر، والصغائر كالشتم والنظرة، والكبائر كالزنا والقذف إلى غير ذلك من الأعمال القبيحة، ومن شأن التاركين للكبائر أن تتغلب حسناتهم على سيئاتهم فتذهب بها: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾.
اتفقت الكتب السماوية والشرائع الإلهية على أن هناك يوما هو آخر أيام الدنيا، تساق فيه الخلائق، بعد خروجها من القبور سوقا، ويجمع الله فيه الموتى فلا يترك منهم فردا ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا * وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا * وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (الكهف) وكثيرا ما يخوفنا الله تعالى شدة ذلك اليوم ويحذرنا شره، ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ يوم يحاسب فيه كل على ما قدم، ويجزي عليه الجزاء الأوفى، لا ينفع فيه مال صاحبه، ولا يدفع فيه ولد عن أبيه ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ هو يوم تنقطع فيه الصلات وتتفرق الجماعات إلا صلة أساسها الدين، وعروتها الإيمان
стр. 190
﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ يشتد فيه بالخلائق الأمر، ويعظم بينهم الخوف، فلا يجرؤ نبي مرسل ولا ملك مقرب أن يشفع لأحد من خلقه، إلا من بعد أن يستأذن ربه في وساطته ويرضي عنه في شفاعته، ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ ولا تزال الناس كذلك حتى يفصل بين الخلائق، فإما إلى جنة أعدها الله للمتقين، وإما إلى نار أعدت للعصاة والمجرمين: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾.
فيجب الإيمان بالصحف جمع صحيفة، والمراد الكتب التي تدون فيها أعمال الإنسان، قال تعالى: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾، ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ وقال: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾.
وكذلك يجب الإيمان بالوزن والميزان، الوزن هو تعرف مقدار الشيئ حسا أو معنى، كما يزن القاضي العادل مقدار حجم الخصوم ليتعرف قويها من ضعيفها، ومنها سمى العلماء علم المنطق ميزانا للأن به توزن الحجج والبراهين، قال تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ويقول: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ ..
стр. 191
الصراط:
يجب الإيمان بالصراط، وهو جسر ممدود على متن جهنم بين الجنة والنار يمر الناس عليه، على قدر أعمالهم، فمنهم من يمر كلمح البصر، ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كالفرس الجواد، ومنهم من يمر كراكب الإبل، ومنهم من يعدو عدوا، ومنهم من يمشي، ومنهم من يزحف، ومنهم من يخطف، فيلقى في جهنم، فإن الجسر عليه كلاليب تخطف الناس بأعمالهم، فمن مر على الصراط، دخل الجنة، فإذا مروا عليه عبروا على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص لبعضهم من بعض، فإذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة .. (١)
العرش والكرسي:
يجب الإيمان بعرش الله تعالى وكرسيه، وبالقلم وبالملائكة الكاتبين، وباللوح المحفوظ، وإذا وفقنا لمعرفة هذه الأشياء، ولو من طريق الخصائص والميزات، فذلك فضل من الله واسع، وإن لم نعرفها آمنا بها مع تفويض علم حقيقتها إليه تعالى، كما نؤمن بأن الله تعالى لم يخلقها عبثا، وإنما خلقها لحكمة تقتضيها ويتطلبها نظام الملك، ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾.
يجب الإيمان بالنار والجنة: النار أعدها الله للعصاة، والجنة أعدها للمتقين، والمراد بهما دار النعيم والعذاب، حق ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، وهما موجودتان الآن، قال تعالى في الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ وفي النار ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾، وقال في الجنة إنها موجودة: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ وفي وجود النار قال في حق قوم نوح ﵇ ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾، وأن الجنة والنار لا تفنيان ..
الحوض:
يجب الإيمان بالحوض الذي يرده المؤمنون في الآخرة وهو حوض نبينا محمد ﷺ حتم لورود الخبر الصحيح به، روى البخاري عن عبد الله بن
стр. 192
عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "حوضي مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، من شرب منه فلا يظمأ أبدا" ..
وعن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ : "إني فرطكم (١) على الحوض، من مر عليه شرب منه، ومن شرب منه لم يظمأ أبدا، ليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفوني، ثم يحال بيني وبينهم" وفي رواية فأقول يا ربي أصحابي، فيقول: إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك إنهم ارتدوا علما أدبارهم. هذه الاحاديث ومثلها في الصحيحين وردت في الحوض، والعقل لا يحيله فوجب الإيمان به لأن ذلك هو الأصل في السمعيات.
стр. 193
الشفاعة
الشفاعة لغة الوسيلة والطلب وعرفها بعضهم بأنها سؤال الخير للغير، وقيل: هي السؤال في التجاوز عن الذنوب والجرائم ..
والشفاعة تنقسم إلى قسمين مثبتة ومنفية: فالمثبتة هي التي أثبتها الله تعالى لأهل الإخلاص، ولها شرطان مذكوران في قوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾، وأما الشفاعة المنفية فهي التي تطلب من غير الله، أو بغير إذنه، أو لأهل الشرك قال تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ... وشرح العلماء الشفاعة إلى ثمانية أنصاف:
١) الشفاعة العظمى: وهي شفاعة النبي ﷺ لأهل الموقف حتى يقض بينهم حين يتراجع الأنبياء آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم جميعا صلوات رب وسلامه، وهي المقام المحمود.
٢) شفاعة في أهل الجنة أن يدخلوها.
٣) شفاعة سائر النبئين والصدقين والشهداء والصالحين وغيرهم فيشفعون فيمن استحق النار أن لا يدخلها وهو تكريم من الله- يوم القيامة- لبعض التفاة، يشفع الله من يشاء فيمن شاء ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾.
٤) وفيمن دخلها أن يخرج منها بعد أن يردها حقا ويراها عين اليقين ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾.
٥) في رفع درجات من يدخل الجنة فوق ما كان يقتضيه ثواب أعمالهم، فيشفع ﷺ فيهم.
٦) الشفاعة في أقوام أن يدخلوا الجنة بغير حساب.
стр. 194
٧) الشفاعة في تخفيف العذاب عمن يستحقه.
٨) الشفاعة في أهل الكبائر من أمته ممن دخلوها فيخرجون منها. وانقسم الناس في الشفاعة إلى طرفين ووسط، قسم نفوا الشفاعة وهم الخوارج والمعتزلة فنفوا شفاعته ﷺ في أهل الكبائر، وقسم أثبتوها حتى للأصنام وهم المشركون كما ذكر الله عنهم بقوله: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ وقسم توسطوا وهم أهل السنة فأثبتوها بشرطهما وهما: إذن الله للشافع أن يشفع والثاني رضاه عن المشفوع له ولا يرضى من العمل إلا ما كان خالصا صوابا ...
وعلى كل حال فمن أراد أن يعرف اليوم الآخر وما تشتمل عليه فأحيله على الكتاب والسنة في بقية تفاصيل الآخرة، وقد كتب أهل الإسلام من النصوص الكثيرة من الكتاب والسنة فيما يتعلق باليوم الآخر، وبالجنة والنار، وصنفوا المصنفات الكثيرة المطوله والمبسوطة، وأن ذلك كله داخل في الإيمان باليوم الآخر.
رأي الأستاذ محمد عبده في الشفاعة
نقل صاحب المنار عن الأستاذ الإمام في تفسير قوله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ قال ما معناه ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ لأنهم ملكه وعبيده مقهورون لسننه خاضعون لمشيئته، وهو وحده المصرف لشئونهم، والحافظ لوجودهم ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ﴾ منهم فيحمله على ترك مقتضى ما مضت به سنته، وقضت به حكمته، وأوعدت به شريعته من تعذيب من دسى نفسه بالعقائد الباطلة، ودنسها بالأخلاق السافلة، وأفسد في الأرض، وأعرض عن السنة والفرض من ذا الذي يقدم على هذا من عبيده ﴿إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾؟ والأمر كله له صورة وحقيقة، وليس هذا الإستثناء نصا في أن الإذن سيقع، وإنما كقوله ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ فهو تمثيل له بانفراد الله بالسلطان والملك في ذلك اليوم ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ ولهذا
стр. 195
قال البيضاوي في تفسير الجمل، بيان لكبرياء شأنه، وأنه لا أحد يساويه أو يدانيه، ويستحيل بأن يدفع ما يريده شفاعة واستكانة فضلا عن أن يعوقه عنادا أو مفاصبة ....
وقال الأستاذ الإمام ما حاصله: إن في هذا الإستثناء قطعا لأمر الشافعين المتكلمين على الشفاعة المعروفة التي كان يقول بها المشكون وأهل الكتاب عامة لانفراده تعالى بالسلطان والملك وعدم جراءة أحد من عبيده على الشفاعة أو التكلم بدون إذنه، وإذنه غير معروف لأحد من خلقه ...
ثم قال: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ أي ما قبلهم وما بعدهم أو بالعكس، أو أمور الدنيا التي خلفوها، أو أمور الآخرة التي يستقبلونها، ما يدركون وما يجهلون، وهذا دليل على نفي الشفاعة بالمعنى المعروف.
فالشفاعة المعروفة التي يعلق عليها الكافرون والفاسقون آمالهم، ويظنون أن الله تعالى يرجع عن تعذيب من استحق العذاب منهم لأجل أشخاص ينتظرون شفاعتهم هي مما يستحيل على الله تعالى لأنها من شأن أهل الظلم والبغي تستلزم الجهل وهو ذو العلم المحيط ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ ومن علم شيئا منك فلا سبيل له إلا التصدي بإعلامك، فما عسى أن يقول من يريد الشفاعة عنده بالمعنى الذي يعهده الناس ويغتر به الحمقى الذين يرجون النجاة في الآخرة بدون رضاء الله تعالى في الدنيا. قال الإمام: معناه أن الشفاعة تتوقف على إذنه، وإذنه لا يعلم إلا بوحي منه تعالى. يريد أن ذلك ترق في نفيها من دليل إلى آخر أي إذا أمكن أن يكون هناك شفاعة بمعنى آخر يليق بجلال الله تعالى كالدعاء المحض، فإنه لا يجرؤ عليها أحد في ذلك اليوم العصيب إلا بإذن من الله تعالى، وإذنه تعالى مما إستأثر بعلمه فلا يعلمه غيره إلا إذا شاء إعلامه به، ثم قال وإنا نعرف إذنه بما حدده من الإحكام في كتابه، أي فمن بين أنه مستحق لعقابه، فهو مستحق له، لا يجرؤ أحد أن يدعو له بالنجاة، ومن بين أنه مستحق لرضوانه على هفوات ألم بها لم تحول وجهه عن الله تعالى إلى الباطل والفساد الذي يطبع على الروح فتسترسل في
стр. 196
الخطايا حتى تحيط بها، فتملك عليها أمرها، فذلك مستحق له منته إليه بوعد الله في كتابه وفضله على عباده كما سبق في علمه الأزلي. ثم قال الأستاذ الإمام: قالوا أن الإستثناء في قوله تعالى: ﴿إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ واقع، وهو أن نبينا ﵊ يشفع في فصل القضاء، فيفتح باب الشفاعة فيدخل فيه غيره من الشفعاء كالأنبياء والأصفياء كما ثبت في الأحاديث، وهي حالة أنكرها المعتزلة وأثبتها أهل السنة، والله تعالى يأذن لمن يشاء ويطلع على علمه باستحقاق الشفاعة من يشاء كما علم من الإستثناء، ونقول: أجمع كل من أهل السنة والمعتزلة وسائر فرق المسلمين على كمال علم الله تعالى إحاطته وذلك يستلزم إستحالة الشفاعة عنده بالمعنى المعهود كما سبق القول، وقلنا هناك أن مثل هذا الإستثناء ورد في القرآن لتأكيد النفي وبذلك نجمع بين الآيات التي تنفي الشفاعة بدون إستثناء وبين هذه، وقلنا أن ما ورد في الحديث يأتي فيه االخلاف بين السلف والخلف في المتشابهات فنفوض معنى ذلك إليه تعالى، أو يحمله على الدعاء الذي يفعل الله تعالى عقبه ما سبق في علمه الأزلي أنه سيفعله مع القطع بأن الشافع لم يغير شيئا من علمه، ولم يحدث تآثيرا ما في إرادته تعالى وبذلك يظهر كرامة الله لعبده بما أوقع الفعل عقب دعائه اهـ (١).
стр. 197
الركن السادس الإيمان بالقدر
الإيمان بالقدر هو التصديق الجازم بأن كل خير وشر بقضاء الله وقدره، وأنه الفعال لما يريد، لا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج عن مشيئته، وليس في العالم شيء يخرج عن تقديره، ولا يصدر إلا عن تدبيره، ولا محيد لأحد عن القدر، ولا يتجاوز ما خط في اللوح المحفوظ، وأنه خالق أفعال العباد من الطاعات والمعاصي، ومع ذلك فقد أمر العباد ونهاهم وجعلهم مختارين لأفعالهم غير مجبورين عليها، بل هي واقعة بحسب قدرتهم، وإرادتهم يهدي من يشاء برحمته، ويضل من يشاء بحكمته، لا يسأل عما يفعل وهم يسئلون ...
وأول ما خلق الله القلم قال له: أكتب، قال: وما أكتب؟ قال: ماهو كائن إلى يوم القيامة، فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه رفعت الأقلام وطويت الصحف كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ وقال: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (سورة الحديد). وهذا التقدير التابع لعلمه سبحانه يكون في مواضع جملة وتفصيلا فقد كتب في اللوح المحفوظ ما شاء، وإذا خلق جسد الجنين قبل نفخ الروح فيه، بعث إليه ملكا فيؤمر بأربع كلمات، فقال: "أكتب رزقه وأجله وعمله، وشقي أم سعيد" ونحو ذلك ..
الإيمان بالقدر بأن الله علم بما الخلق عاملون بعلمه القديم الذي هو موصوف به أزلا وأبدا، فالأزل القديم الذي لا نهاية له، فالأزل هو الدوام في الماضي، والأبد ما ليس له آخر، فهو الدوام في المستقبل، فالأول هو الذي لم يزل كائنا، والأبد هو الذي لا يزال كائنا، وكونه لم يزل، ولا يزال معناه دوامه وبقاؤه الذي ليس له مبتدأ ولا منتهى ..
وأن الله عالم بأعمال العباد قبل خلقهم وبجميع أحوالهم لا يغيب عن علمه شيء، فيعلم ما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون،
стр. 198
ويعلم الواجبات والممكنات والمستحيلات، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ وقال: ﴿أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ...
والعلم أعم من الإرادة، وهو أصل لها، والعلوم أعم من المراد، فالعلم يتناول الموجود، والمعدوم، والواجب والممكن، وما كان وما سيكون، وما يختاره العالم وما لا يختاره. وأما الإرادة فتختص ببعض الأمور دون بعض، والخبر يطابق العلم، فكل ما يعلم يمكن الخبر به، والإنشاء يطابق الإرادة، فإن الأمر إما محبوب يؤمر به، وإما مكروه ينهى عنه، وإما ما ليس بمحبوب، ولا مكروه، فلا يؤمر به، ولا ينهى عنه ..
ومرتبة العلم من أول مراتب القدر، وقد اتفق عليها الرسل من أولهم إلى آخرهم، واتفق عليها الصحابه ومن تبعهم من الأمة، وقد كفر السلف من الصحابة، فمن بعدهم من أنكر علم الله، قال ابن عمر: "والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو كان لأحدهم مثل أحد ذهبا، ثم أنفقه في سبيل الله ما قبله الله منه، حتى يؤمن بالقدر خيره وشرء" وكذا كلام ابن عباس، وجابر بن عبد الله، وواثلة بن الاسقع وغيرهم من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر أئمة الإسلام، حتى قال فيهم الأئمة كمالك والشافعي، وأحمد بن حنبل وغيرهم إن المنكرين لعلم الله القديم يكفرون. فإن الله علم أهل الجنة من أهل النار قبيح أن يعملوا الأعمال، وهذا حق يجب الإيمان به، بل نص الأئمة كمالك والشافعي، وأحمد أن من جحد هذا، فقد كفر، بل يجب الإيمان به، فإن الله علم ما سيكون قبل أن يكون. وفي الصحيح قالوا يا رسول الله علم الله أهل الجنة من أهل النار، قال: نعم، قيل: فيم العمل؟ قال: "إعملوا فكلكم ميسر لما خلق له" وأن الله علم الأشياء كما هي، وقد جعل لها أسبابا تكون بها، وعلم أنها تكون بتلك الأسباب، فلا بد من الأسباب التي قد علمها الله من الدعاء، والسؤال وغيره ملا ينال العبد شيئا إلا ما قدره الله من جميع الأسباب، والله خالق ذلك الشيئ، وخالق الأسباب، ولهذا قيل الإلتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد وترك الأسباب نقص في العقل، والإعراض عنها بالكلية قدح في الشرع، ومجرد الأسباب لا توجب حصول
стр. 199
السبب إلا إذا كان بقضاء الله وقدره، فإن لم يكمل الله الأسباب، ويدفع الموانع لم يحصل المقصود، وهو سبحانه ما شاء كان، وإن لم يشأ الناس، وما شاء الناس لا يكون إلا أن يشاء، لا يجوز أن يعتقد أن الشيء سبب إلا بعلم، فمن أثبت شيئا سببا بلا علم، أو تخالف الشرع كان مبطلا، مثل أن يظن أن النذر سبب في دفع البلاء، أو حصول النعماء أن الأعمال البدنية لا يجوز أن يتخذ منها سببا إلا أن تكون مشروعة، فإن العبادات مبناها على التوقيف وكذلك عمل الآخرة، فليس بمجرد العمل ينال الإنسان السعادة: قال النبي ﷺ : "لن يدخل أحد الجنة بعمله" قالوا ولا أنت يا رسول الله؟ قال: "ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته" فالعمل الصالح مع رحمة الله هو طريق الجنة، أي ليس العمل عوضا أو ثمنا كافيا في دخول الجنة، بل لابد معه من عفوه تعالى ورحمته وفضله ومغفرته، فمغفرته تمحو السيئات ورحمته تأتي بالخيرات، وتضاعف الحسنات ...
وقد ضل فريقان في القدر: أحدهما أخد بالقدر وأعرض عن الأسباب الشرعية، والأعمال الصالحة وظنوا أن ذلك كاف، وهؤلاء يؤول أمرهم إلى الكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله، والفريق الثاني أخذوا يطلبون الجزاء من الله كما يطلب الأجير من المستأجر معتمدين على حولهم وقوتهم وعلهم، وهم جهال ضلال، فمن أعرض عن الأمر والنهي والوعيد ناظرا إلى القدر، فقد ضل، ومن طلب المقام بالأمر والنهي معرضا عن القدر، فقد ضل، بل لابد من الأمرين فكل عمل يعمله العامل ولا يكون طاعة وعبادة وعملا صالحا، فهو باطل، وكل عمل لا يعين الله العبد عليه فإنه لا يكون، لأن تفاصيل الجزاء فلا يدرك إلا بالسمع، والنقول الصحيحة عن المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله ..
مشيئة الله:
وأما مشيئة الله ، هي تتضن شيئين أولهما الإيمان بعموم
стр. 200
مشيئته تعالى وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه لا يقع في ملكه إلا ما يريد وإن أفعال العباد من الطاعات المعاصي واقعة بتلك المشيئة العامة التي لا يخرج عنها كائن سواء كان مما يحبه الله ويرضاه أم لا. وثانيهما الإيمان بأن جميع الأشياء واقعة بقدرة الله تعالى، وأنها مخلوقة له لا خالق لها سواه، ولا فرق في ذلك بين أفعال العباد وغيرها كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ ويجب الإيمان بالأصل الشرعي، بحيث أن الله تعالى كلف العباد فأمرهم بطاعته وطاعة رسوله ونهاهم عن معصيته ولا منافاة أصلا بينما ثبت من عموم مشيئته سبحانه لجميع الأشياء وبين تكليفه للعباد بما شاء من أمر ونهي فإن تلك المشيئة لا تنافي حرية العبد واختياره للفعل، ولهذا جمع الله بين الشيئين بقوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ كما أنه لا تلازم بين تلك المشيئه وبين الأمر الشرعي المتعلق بما يحبه الله ويرضاه، فقد يشاء الله ما لا يحبه كمشيئة وجود إبليس وجنوده، وكذلك لا منافاة بين عموم خلقه تعالى لجميع الأشياء وبين كون العبد فاعلا لفعله، فالعبد هو الذي يوصف بفعله، فهو المؤمن والكافر، والبر والفاجر، والمصلي والصائم، والله خالقه وخالق فعله لأنه هو الذي خلق فيه القدرة والإرادة اللتين بهما يفعل: يقول الشيخ عبد الرحمن بن ناصر: إن العبد إذا صلى وصام وفعل الخير وعمل شيئا من المعاصي كان هو الفاعل لذلك العلم الصالح، وذلك العمل السيء وفعله المذكور بلا ريب قد وقع باختياره وهو يحسن أنه غير مجبور على الفعل أو الترك، وأنه لو شاء لم يفعل، وكان هذا هو الواقع، فهو الذي نص الله عليه في كتابه، ونص عليه رسوله حيث أضاف الأعمال صالحها وسيئها إلى العباد وأخبر أنهم الفاعلون لها، وأنهم ممدحون عليها إن كانت صالحة، ومثابون، وملومون عليها إن كانت سيئة ومعاقبون عليها، فقد تبين واتضح بلا ريب أنها واقعة منهم باختيارهم وأنهم إذا شاؤا فعلوا، وإذا شاؤا تركوا، وأن هذا الأمر ثابت عقلا وحسا وشرعا ومشاهدة ومع ذلك إذا أردت أن تعرف أنها وإن كانت كذلك واقعة منهم كيف تكون داخلة في القدر وكيف تشملها المشيئة؟ فيقال بأي شيء وقعت هذه الأعمال الصادرة من العباد خيرها وشرها فإنها بقدرتهم وإرادتهم، هذا
стр. 201
يعترف به كل أحد؟ فالله هو الذي خلق ذلك فيهم وهو خالق للأفعال وهو الذي أمد المؤمنين بأسباب وألطاف وإعانات متنوعة، وصرف عنهم الموانع كما قال ﷺ "أما من كان من أهل السعادة فييسره لعمل أهل السعادة" وكذلك خذل الفاسقين ووكلهم إلى أنفسهم لأنهم لم يؤمنوا به ولم يتوكلوا عليه فولاهم ما تولوا لأنفسهم.
стр. 202
خلاصة في القدر والمشيئة
مذهب أهل السنة والجماعة في القدر وأفعال العباد ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة من أن الله سبحانه هو الخالق لكل شيء من الأعيان والأوصىاف والأفعال وغيرها، وأن مشيئته تعالى عامة شاملة لجميع الكائنات فلا يقع منها شيء إلا بتلك المشيئة، وأن خلقه سبحانه الأشياء بمشيئته إنما يكون وفقا لما علمه منها بعلمه القديم، ولما كتبه وقدره في اللوح المحفوظ وأن للعباد قدرة وإرادة تقع بها أفعالهم وأنهم الفاعلون حقيقة لهذه الأفعال بمحض إختيارهم ولهذا يستحقون عليها الجزاء. إما بالمدح والمثوبة وإما بالذم والعقوبة، وأن نسبة هذه الأفعال إلى العباد فعلا فلا تنافي نسبتها إلى الله إيجادا وخلقا لأنه هو الخالق لجميع الأسباب التي وقعت بها.
الإيمان بالقدر جزء من عقيدة المسلم، وليس معنى الإجبار، قال الخطابي: "قد يحسب كثير من الناس أن معنى القضاء والقدر إجبار الله سبحانه العبد على ما قدره وقضاه، وليس الأمر كما يتوهمون وإنما معناه الإخبار عن تقديم علم الله سبحانه بما يكون من اكتسابات العبد وصدورها عن تقدير منه تعالى، وخلقه لها خيرها وشرها والقدر اسم لما صدر مقدرا عن فعل المقادر".
وعلم الله سبحانه مما سيقع، ووقوعه حسب هذا العلم لا تأثير له في إرادة العبد، فإن العلم صفة انكشاف لا صفة تأثير.
حكمة الإيمان بالقدر:
وحكمة ذلك: أن تنطلق قوى الإنسان وطاقته لتعرف السنن والقوانين الإلهية، وتعمل بمقتضاها في البناء والتعمير، وفي إستخراج كنوز الأرض، والإنتفاع بما أودع في الكون من خيرات.
وبذلك يكون الإيمان بالقدر قوة باعثة على النشاط والعمل، والإيجابية في الحياة، كما أن الإيمان بالقدر يربط الإنسان برب هذا
стр. 203
الوجود، فيرفع من نفسه إلى معالي الأمور: من الإباء والشجاعة والقوة من أجل إحقاق الحق والقيام بالواجب.
الإيمان بالقدر يري الإنسان أن كل شيء في الوجود إنما يسير وفق حكمة عليا، فإذا مسه الضر فإنه لا يجزع، وإذا صادفه التوفيق والنجاح فإنه لا يفرح ولا يبطر، وإذا برئ الإنسان من الجزع عند الإخفاق والفشل، ومن الفرح والبطر عند التوفيق والنجاح كان إنسانا سويا متزنا بالغا منتهى السمو والرفعة وهذا هو معنى قول الله سبحانه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (سورة الحديد).
هذا ما ينبغي أن نفهمه من القدر، وهو مقتضى فهم الرسول صلوات الله وسلامه عليه، وفهم أصحابه رضوان الله عنهم أجمعين ..
وقد دخل رسول الله يوما على الإمام علي كرم الله وجهه بعد صلاة العشاء فوجده قد بكر بالنوم فقال له: "هلا قمت من الليل؟ فقال يا رسول الله أنفسنا بيد الله إن شاء بسطها، وإن شاء قبضها، فغضب رسول الله ﷺ ، وخرج وهو يضرب على فخذه ويقول، "وكان الإنسان أكثر شيء جدلا" ...... وسرق أحد اللصوص، فلما حضر بين يدي عمر ﵁ سأله لم سرقت؟ فقال قدر الله ذلك، فقال عمر ﵁ أضربوه ثلاثين سوطا، ثم أقطعوا يده، فقيل له: ولم؟ فقال: يقطع لسرقته، ويضرب لكذبه على الله".
إن القدر لا يتخذ سبيلا إلى التواكل، ولا ذريعة إلى المعاصي ولا طريقا إلى القول بالجبر، وإنما يجب أن يتخذ سبيالا إلى تحقيق الغايات الكبرى من جلائل الأعمال، إن القدر يدفع بالقدر، فيدفع قدر الجوع بقدر الأكل، وقدر الظمأ بقدر الري، وقدر المرض بقدر العلاج والصحة، وقدر الكسل بقدر النشاط والعمل.
стр. 204
ويذكر أن أبا عبيدة بن الجراح قال لعمر بن الخطاب ﵄ حينما فر من الطاعون: أتفر من قدر الله قال: نعم أفر من قدر الله إلى قدر الله، أي يفر من قدر المرض والوباء إلى قدر الصحة والعافية، ثم ضرب له مثلا بالأرض الجدباء، والأرض الخصبة، وأنه إذا انتقل من الأرض الجدباء إلى الأرض الخصبة لترعى فيها إبله، فإنه ينتقل من قدر إلى قدر (١) ....
لقد كان يمكن للرسول وصحابته أن يستكينوا كما يستكين الضعفاء الواهنين معللين أنفسهم بالفهم المغلوط الذي يتعلل به الفاشلوت، ولكنه جاء يكشف عن وجهه الصواب، فلم يهن ولم يضف، واستعان بالقدر على تحقيق رسالته الكبرى ملتزما سنة الله في نصره لعباده ....
فقاوم الفقر بالعمل، وقاوم الجهل بالعلم، وقاوم المرض بالعلاج، وقاوم الكفر والمعاصي بالجهاد، وكان يستعيذ بالله من الهم والحزن، والعجز والكسل، وما غزواته المظفرة إلا مظهر من مظاهر إرادته العليا التي تجري حسب مشيئة الله وقدره ....
وقد حذر الرسول ﵌ من أن يفهم القدر فهما خاطئا، ودعا إلى مجاهدة من يرى هذا الفهم الخطأ، فقد روى عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "يكون في آخر الزمان قوم يعملون المعاصي، ثم يقولون: الله قدرها علينا، الراد عليهم يومئذ كالشاهر سيفه في سبيل الله" ....
هذا هو القدر الذي ينبغي أن نعرفه عن القدر، وما وراء هذه المعرفة عنه فلا يحل لنا البحث فيه، ولا التنازع في شأنه، فإن هذا من أسرارالله التي لا تحيط بها العقول ولا تدركها الأفكار ....
فعن أبي هريرة ﵁ قال: "خرج علينا رسول الله ﵌، ونحن نتتازع في القدر، فغضب حتى احمر وجهه،
стр. 205
وقال: أبهذا أرسلت إليكم؟ إنما أهلك من قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر، عزمت عليكم ألا تنازعوا فيه" وفي هذا يقول ﵁ لمن سأله في مثل هذا: طريق مظلم لا تسلكه، كرر عليه السؤال فقال: بحر عميق لا تلجه، كرر عليه السؤال فقال: سر الله قد خفي عليك فلا تفتشه" فمثل هذا النهي إنما ينصب على السؤال عن نظام الله في الحياة والموت، وبسط الرزق وضيقه وهكذا لا على الكلام في القدر نفسه.
حرية الإنسان:
منذ أقدم العصور أخذ الإنسان يفكر في نفسه، وفي الكون المحيط به، وكانت حرية الإنسان إحدى القضايا التي تناولها عقله، وشغلت حيزا كبيرا من تفكيره ولا تزال هذه القضية إلى يومنا هذا مثار جدل ومناقشة بين المفكرين والفلاسفة، ولا يزال اهتمامهم بها اهتماما بالغا، إذ أنها قضية تتعلق بحياة الإنسان، وتتصل بمصيره فهو يبحث فيها، ويكد، ويجد في البحث عله يهتدي إلى الحل الصحيح كي يرسم لنفسه السلوك على ضوء الحل الذي يهتدي إليه وبديهي أن الإنسان حينما حاول الكشف عن وجه الصواب في هذه القضية، وأراد البحث فيها لم يجعل ميدان بحثه الأعمال الخارجية عن إراته واختياره، ككونه أبيض، أو أسود، وككونه ولد من هذا الوالد، أو ذالك، وكنبضات قلبه، وتنفسه، وجريان الدم في عروقه، فإن هذه الأشياء خارجة عن نطاق البحث، لأن الانسان لا اختيار له فيها، وهي غير خاضعة لإرادته.
وإنما اتجه الإنسان إلى البحث إلى الأعمال الإرادية التي تدخل في نطاق إرادته واختياره، ومدى حريته في ممارسة هذه الأعمال مثل تفضيله لونا من العلم أو الكتابة، أو ممارسة حرفة من الحرف، وزيارتد لغيره وهكذا في كل عمل من الأعمال الاختيارية.
فقد اختلفت الأنظار، وتضاربت الأفكار تضاربا كادت تضيع معه معالم الحق، فمن قائل: بأن الإنسان مسيرا (١) غير مخير، ومجبر على ممارسة
стр. 206
نشاطه الاختياري، وأنه كالريشة في مهب الريح، تتقاذفها ذات اليمين وذات الشمال.
ومن قائل: بأن الإنسان مخير (١) غير مسير، وأنه يمارس أعماله الاختيارية بمحض إرادته ومشيئته.
ومن قائل: بأن الإنسان ليس له من أعماله إلا الكسب (٢) أي أن الله يخلق الشيء عند مباشرته- أي أن الله يخلق الشبع عند الأكل، ويخلق المعرفة عند الدراسة، وهكذا وليس للعبد إلا الكسب، وبه يصح التكليف والثواب والعقاب، والمدح والذم، والذي نراه في هذه القضية ونختاره هو ما قروه الإسلام فيما يلي:
تقرير الإسلام حرية الإرادة:
قرر الإسلام أن الإنسان خلق مزودا بقوى وملكات واستعدادات، وهذه القوى يمكن أن توجه إلى الخير، كما يمكن أن توجه إلى الشر، فهي ليست خيرا محضا، ولا شرا محضا، وإن كانت إرادة الخير في بعض الناس أقوى، وإرادة الشر في البعض الآخر أقوى، وبينهما تفاوت لا يعلمه إلا الله وفي الحديث الصحيح: "كل مولود يولد على الفطرة" وفي الحديث أيضا: "الناس معادن كمعادن الذهب والفضة خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا" (٣) ويؤيد هذا قول الله : ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ (سورة الشمس) أي أن الله خلق النفس مسواة، ومعتدلة قابلة للتقوى والفجور ومستعدة للخير والشر، والله سبحانه زود الإنسان بالعقل الذي يميز به بين الحق والباطل في العقائد، وبين الخير والشر في الأفعال وبين الصدق والكذب في الأقوال، وأعطاه القدرة التي يستطيع بها أن يحق الحق، ويبطل الباطل وأن يأتي الخير ويدع الشر، وأن يقول الصدق، ويجانب
стр. 207
الكذب ورسم له منهج الحق والخير والصدق مما أنزل من كتب، وبما أرسل من رسل، وما دام العقل المميز موجودا، والقدرة على الفعل صالحة، والمنهج المرسوم واضحا، فقدا ثبت للإنسان حرية الإرادة واختيار الفعل وعلى الإنسان أن يوجه قواه إلى ما يختاره لنفسه من حق، أو باطل، ومن خير أو شر، ومن صدق أو كذب، يقول الله : ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ أي هديناه، وأرشدناه إلى طريق الحق والباطل، والخير والشر، والصدق والكذب، فهو إما أن يسلك السبيل الأهدى فيكون شاكرا، أو الطريق المعوج فيكون كفورا، وفي هذا المعننى أيضا يقول القرآن الكريم: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ أي الطريقين، كل إنسان مسؤول عن تهذيب نفسه وإصلاحها حتى تصل إلى كمالها المقدر لها، فإصلاحها وتزكيتها وتنميتها يكون بالعلم النافع والعمل الصالح وهو سبيل فلاحها وفوزها برضا الله، والقرب من مشاهدة جلاله وجماله، كما أن إهمالها هو السبيل إلى خيبتها وخسرانها ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ والآيات التي تقرر حرية الإنسان كثيرة جدا ﴿وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾.
فأسنذ العمل الصالح، والعمل السيئ إلى الإنسان، ولو لم يكن الإنسان حرا ما أسند إليه الفعل، وفي موضع آخر من القرآن الكريم يقول الله سبحانه: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ أي أن الشرور التي تعرض للإنسان إنما هي أثر من آثار عمله، ونتائج اختاره وتصرفه.
وإن القرآن يتحدث عن المفاسد والجرائم التي تحيط بالناس فيبين أنها ليست من صنع الله، وإنما هي من صنع البشر ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ وهذا الذي يقرره القرآن هو ما يشعر به الإنسان من نفسه، فهو يشعر بأنه يمارس أعماله الإرادية بمحض إرادته واختياره، فهو
стр. 208
يفعل، ويدع منها ما يشاء، وهو إذا فعل منها ما هو نافع استحق المدح، وإذا فعل منها ما هو ضار استوجب الذم فلو لم يكن مختار لما توجه إليه المدح على فعل ما هو نافع، ولا توجه إليه الذم على فعل ما هو ضار بل لو لم يكن الإنسان مختارا لما كان ثمة فرق بين المحسن والمسيء: اذ أن كلا منهما مجبر على ما يفعله، ولبطل الأمر بالمعروف والنهي على المنكر، إذ لا فائدة لهما حيث أن الإنسان مسلوب الإرادة، ولا كان ثمة معنى لتكليف الله العباد، لأن تكليفه إياهم مع سلب اختيارهم هو منتهى الظم الذي يتنزه الله عنه، ويكون الأمر كما قال القائل:
ألقاه في اليم مكتوفا وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء، بل لو كان الإنسان مسيرا لضاعت فائدة القوانين ولبطل الجزاء من الثواب والعقاب.
وقد أراد المشركون أن يحتجوا بمشيئة الله على شركهم وأنه لو لم يشأ أن يكونوا مشركين لما كانوا كذلك، فأبطل الله حجتهم ودحضها بقوله: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ * قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (سورة الأنعام). فالقرآن يرد على المشركين من وجهين: الأول: أن الله أذاق الكافرين بأسه، وأنزل بهم عقابه فلو لم يكونوا مختارين للجرائم والمآثم، والكفر والشرك لما عذبهم الله لأن الله عادل لا يظلم مثقال ذرة.
والوجه الثاني: أنهم زعموا ذلك عن جهل بالله، وجهل بدينه، وأنه ليس عندهم من علم يمكن أن يستند إليه، ويرجع إليه، وإنما كفرهم هذا تمرد على دينه، وافتيات على الحق الذي أنزله على ألسنة الرسل ..
وإذا كان الله قد عذب الأمم السابقة على كفرها وإذا كان المشركون ليس لهم من حجة يحتجون بها فقد تقرر أن دعوى المشركين دعوى ظنية لا تقوم عليها حجة ولا ينهض بها دليل، وبذلك قامت حجة الله البالغة على هؤلاء، ولو شاء الله لأجبرهم على الهداية، وحينئد لم يكونوا من البشر لأن البشر فطروا على الحرية والإختيار ..
стр. 209
مشيئة الرب، ومشيئة العبد:
وقد يقال إذا كان الله منح العبد الحرية والإختيار فما معنى قوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (سورة التكوير). فنقول معناها أن الإنسان لا يشاء شيئا إلا إذا كان في حدود مشيئة الله وإرادته، فمشيئة البشر ليست مشيئة مستقلة عن مشيئة الله، والله قد شاء للإنسان أن يختار أحد الطريقين: "طريق الهداية" أو "طريق الضلالة" فإذا اختار الطريق الأول في نطاق المشيئة الإلهية وإذا اختار الطريق الثاني ففي نطاقها أيضا، وكل الآيات التي جاءت، على هذا النحو فمعناها لا يختلف عما ذكرناه ..
الهداية والإضلال:
يضل من يشاء ويهدي من يشاء، أي أن الله يضل من يشاء إضلاله، ويهدي من يشاء هدايته، وإذا كان الله يضل ويهدي، فليس للعبد حرية الإختيار، والواقع أن الهداية والإضلال نتائج لمقدمات، ومسببات لأسباب ..
فكما أن الطعام يغدي والماء يروي، والسكين تقطع والنار تحرق فكذلك هنا أسباب توصل إلى الهداية وأسباب توصل إلى الإضلال، فالهداية إنما هي تثمر عملا صالحا، والضلال إنما هو نتائج عمل خبيث، فإسناد الهداية والإضلال إلى الله من حيث أنه وضع نظام الأسباب والمسببات لا أنه أجبر الإنسان على الضلال أو الهداية ...
وحينما ترجع إلى الآيات القرآنية تجد هذا المعنى واضحا لا لبس فيه ولا غموض فالله يقول: ﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾، فهداية الله للناس بمعنى لطفه بهم، وتوفيقهم للعمل الصالح، إنما هي ثمرة جهاد للنفس، وإنابة إلى الله، واستمساك بإرشاده ووحيه، يقول القرآن الكريم في الإضلال: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ * الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ
стр. 210
أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾، ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾، ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾، ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ نرى من هذه الآيات أن سبب الإضلال هو الزيغ والخروج عن تعاليم الله، والكبر والجبروت والتعالي على الناس بغير حق ونقض عهد الله، وقطع ما أمر الله به أن يوصل، ووصل ما أمر الله به أن يقطع والفساد في الأرض والكفر واقتراف الآثام ..
فهذه هي الأسباب التي أضلت الناس، وأخرجتهم عن منهج الحق لأنهم آثروا العمى على الهدى، واستحبوا الظلام على النور، فكافأهم الله، فأصمهم، وأعمى أبصارهم، بمقتضى نظامه في ارتباط الأسباب بمسبباتها، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ فهؤلاء أهملوا منافذ العلم والعرفان، وعطلوها عما خلقت له، فلم يصل إليها نور الحق. فقلوبهم غلف لا تعقل عن الله وحيه، وعيونهم عمي لا ترى الله في ملكوته، وآذانهم صم لا تسمع آيات الله، فهم مثل الأنعام التي لا تنتفع بحواسها الظاهرة والباطنة، بل أضل من الأنعام إذ الأنعام لم تزود بما زود به الإنسان من قوى نفسية وعقلية وروحية.
стр. 211
خاتمة القضاء والقدر
قال أبو الوفاء محمد درويش رئيس جماعة أنصار السنة المحمدية: قال ﵀: يقول الله تعالى في كتابه الكريم مخاطبا رسوله الأمين ﷺ : ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (سورة النحل). ويقول أيضا: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (سورة النساء). ويقول جل شأنه: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (سورة الشورى). إذا الكتاب الحكيم يقضي على كل خلاف، ويحكم الحكم الفصل في كل نزاع فلنلتمس بين نصوصه الحكم في هذه القضية التي شغلت الأذهان في كل زمان ومكان.
وإذا رجعنا إلى حكم الله تعالى نجونا من شر الخلاف الذي نهى عنه أحكم الحاكمين في كثير من آيات كتابه الحكيم، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (سورة الانعام). قال ﵊: "اقرأوا القرآن ما اجتمعت عليه قلوبكم، فإذا اختلفتم فقوموا عنه". (١)
اقتضت حكمة الله تعالى أن يوجد هذا العالم كما أراد على أتم نظام، وأبدع إحكام، وأن يدبره بعلمه وحكمته خير تدبير، وأن يضع له نواميس دقيقة محكمة، وقوانين ثابتة وسننا لا تتحول ولا تتبدل ترتبط فيها الأسباب بالمسببات وتعتمد النتائج على المقدمات، هذا النظام المحكم وهذا التدبير العجيب بأسبابه ومسبباته، ونتائجه ومقدماته، ونواميسه وقوانينه وسننه وأحكامه هو القدر ...
стр. 212
قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (سورة القمر).
﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ (سورة الحجر). ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ (سورة الشورى). ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ (سورة القمر). ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى﴾ (سورة طه). ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ (سورة الاحزاب). إذا فالقدر هو القانون الحكيم الذي وضعه أحكم الحاكمين بعلمه وإرادته وحكمته ليسير على أحكامه كل شيء في هذا الوجود من السماء وما فيها إلى الأرض وما عليها، وما بين ذلك ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾
الأقدار:
قدر الله سبحانه أن تدور الأرض حول محورها أمام الشمس مرة كل أربع وعشرين ساعة، وقدر أن تدور حول الشمس مرة في كل خمسة وستين وثلاثمائة يوم وربع يوم، وقدر أن الجسم إذا قذف في الفضاء عاد إلى الأرض، إذا تلاشت القوة الدافعة، وغلبت القوة الجاذبية، وقدر أن الضوء إذا سقط على جسم انعكس عنه، وكانت زاوية الإنعكاس مساوية لزاوية السقوط، وقدر أن الماء إذا اشتدت حرارته استحال بخارا، وإذا اشتدت برودته استحال جليدا، وقدر أن النار إذا حيل بينها وبين أكسجين الهواء خبت، وقدر الفلزات تتمدد بالحرارة وتنكمش بالبرودة، وقدر أن الجسم المنغمس في الماء يزيغ منه بقدر حجمه، وأن الجسم الطافي عليه يزيع منه بقدر وزنه، وقدر أن الجهازين الكهربائيين إذا توافقت مفاتيحيهما، وكان أحدهما مرسلا والآخر مستقبلا، تم الإتصال بينهما مهما بعد أحدهما عن الآخر. وقدر أن الحبة الصالحة إذا ألقيت في التربة الطيبة، وأجري عليها الماء نبت منها نبات، وقدر أن نواة التمر نبتت منها نخلة ولا يمكن أن تنبت غير النخلة، فلا يمكن أن تنبت منها زيتونة مثلا، وقدر أنه إذا اتصل الذكر بالأنثى من الإنسان والحيوان والطير مع سلامة الأعضاء وموافقة الزمن والإستعداد تكون نسلا من جنسها وقدر أن يولد الإنسان طفلا، ثم يصير صبيا فمراهقا فمدركا فشابا، فكهلا،
стр. 213
فشيخا، فهرما، وإذا قدر له أن يرد الى أرذل العمر، وقدر أن يمنحه قدرة وإرادة يزاول بهما- بإذن ربه- مصالحه، ويسعى في كسب رزقه وجلب ما ينفعه ودفع ما يضره.
وقدر أن يمنحه أنواعا من الهدايات يميز بها النافع من الضار والخير من الشر، والهدى من الضلال، وقدر أن يرسل إليه رسله يرشدونه الى ما فيه خيره وصلاحه، وأناط بأتباعهم وطاعتهم سعادته، وبمعصيتهم والمخالفة عن أمرهم شقاوته، وقدر أن يكلفه أنواعا من التكاليف كلها، فإن نهض بها أثابه وإن لم يفعل عاقبه، وقدر أن يجعله مختارا فيما يأتي ويدع، وأن يجعل هذا الإختيار أساسا للتكاليف الشرعية، حتى إذا ذهب الإختيار سقط التكليف ولا يتسع الوقت لإيراد جميع المقادير الإلهية التي سماها ذو الجلال والإكرام بكلماته، والتي قال في شأنها في سورة لقمان: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ وقال في سورة الكهف: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾.
هذه القوانين الإلهية، والنواميس الربانية، والسنن الكونية أزلية أبدية سرمدية خالدة، وضعها رب العزة قبل أن يخلق السماوات والأرض، فكانت هذه النواميس قائمة، ولم يكن في الدنيا شيء من الموجودات، بل لم تكن الدنيا قد تمخض عنها الوجود، وهذه القوانين الأزلية الأبدية لا تتغير، ولا تتبدل، ولا تتحول بشهادة القرآن الكريم كما قال تعالى في سورة فاطر: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ ..
ذلكم هو القدر، أي القانون الأزلي الأبدي السرمدي الذي لا يعتريه تبدل ولا تغير ولا تحول، والذي لو اجتمعت كل قوى العالم السماوية والأرضية على أن تغير منه مثقال ذرة ما وجدت الى ذلك سبيلا، ولو كان بعضها لبعض ظهيرا.
ذلكم هو القدر فما القضاء؟
стр. 214
القضاء:
إبراز هذا القانون في الخارج أي إيجاد الكائنات وتسييرها على حسب ما قدر الله لها في الأزل.
فهو كما قال ابن الأثير: كالبناء، والقدر كالأساس ولأضرب مثلا يزيد الأمر وضوحا، آلة ميكانيكية قبل أن تبرز الى الوجود، كان لها في ذهن المهندس الذي أخترعها صورة واضحة الخطوط والمعالم، ولكنها لا وجود لها في الخارج، ثم صنعت، فبرزت الى الوجود فوجود صورة الآلة في ذهن المهندس يشبه القدر وصنعها وإبرازها في الخارج يشبه القضاء. ولله المثل الأعلى ليس كمثله شيء ..
وإنما ضربت هذا المثل لأقرب الأمر الى الأذهان فقط وأما الحقيقة العليا، فهي وراء المدارك والأفهام ..
ذكرت للقدر أمثلة كثيرة، فلا أطيل بذكر أمثلة أخرى للقضاء، وحسبنا أن نرجع الى الأمثلة السابقة لنعلم أن إيجادها في الخارج، وإبرازها في الوجود هو القضاء ..
فإيجاد الكائنات وتسييرها على حسب ما قدر لها قضاء، وشروق الشمس وغروبها على هذا النظام المقدر لها قضاء، ونزول المطر من السحاب قضاء، ونمو النبات والشجر على حسب سنة الوجود قضاء، وتفتح الأزهار وذبولها وسقوطها قضاء، ومرض من يمرض إذا تعرض لأسباب المرض قضاء، وموت من يموت إذا جاء أجله المسمى المرتبط بالأسباب المقدرة قضاء، وشفاء من يشفى إذا تعاطى أسباب الشفاء قضاء، والأمثال معروفة للخاصة والعامة ...
قدر الله سبحانه في الأزل أن يخلق السماوات والأرض فلما جاء الأجل المحدود أبرزها إلى الوجود، فكان إبرازها قضاء قال تعالى في سورة فصلت: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا
стр. 215
بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾، وقدر سبحانه في الأزل أن يخلق غلاما تحمله فتاة لم يمسها بشر ليكون هو وأمه آية للناس، فلما جاء الوعد المحدود قضي ما قدر قال تعالى في سورة مريم: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا * فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا * قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا * قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا * قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ ..
فالمراد بالقدر التقدير، وبالقضاء الخلق، فالقضاء والقدر أمران متلازمان لا ينفك أحدهما عن الاخر، فأخدهما بمنزلة الأساس وهو القدر، والآخر بمنزلة البناء وهو القضاء، فمن فصل بينهما فقد رام هدم البناء ونقضه ..