← Общие книги

Общие книги · id 115134

الاعتصام بالإسلام

عمر العرباوي

Полный текст (256 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

المواد التي تدرس في هذه المعاهد لم تكن تختلف عن المواد التي كانت تدرس في باقي أنحاء العالم الإسلامي. أما الصناعة فكانت مزدهرة أيضا ان زرابي مدن سطيف والقرقور، وجبل عمور وتلمسان كانت مشهورة، وأما صناعة النحاس والفضة والذهب فكانت الأساس للصناعة الجزائرية، وكذلك الفلاحة كانت راقية ومزدهرة، قال الجنرال كافينياك:) كان لزما علينا أن نقدر الويلات حق قدرها التي جرتها الحرب على العرب الى يومنا هذا أن العربي متمسك بأرضه أشد مما تتصوره، ملكيته منظمة أحسن مما يقال عنها، وفى هذا الباب اننا محتاجون الى الكثر من الدروس من طرف العرب (. بدأ الاحتلال الفرنسي للجزائر سنة ١٨٣٠ م، وكان الأتراك هم الذين يحكمون البلاد، وسبب هذا الاحتلال هي الديون المترتبة في ذمة فرنسا، فلما طلبت الحكومة الجزائرية بتسديدها أعلنت فرنسا على هذه الحكومة حربا شعواء وهجمت جيوشها على عاصمة البلاد، وتمركزت قواتها في ساحل البلاد، والحكومة الجزائرية كانت لا تتوقع هذا أبدا ولما عجزت عن صد هذا الهجوم السافر، وقع حسين داي باشا صك الاستسلام وقبل الشروط التي أملاها عليه قائد الحملة الفرنسية وغادر البلاد وذلك في شهر تموز من السنة المذكورة، فدخلت الجيوش الفرنسية الى العاصمة فنهبت وسلبت كما هو شأنها من غير وازع ولا رادع ... ولما استولى الغزاة الجدد على العاصمة وتمركزوا في بعض النقاط من الوطن فأول شيء بدأوا به هو القضاء التام على كل ما كان للجزائريين من اقتصاد زاهر ومدينة راقية، وانحصر حربهم في العقيدة التي يحملها الشعب بين طياتها طيلة إقامتهم في هذا الوطن حتى طردوا منه سنة ١٩٦٢ م. اختل نظام الحكم في البلاد بعد مغادرة الداي، فاستقلت كل ناحية بنفسها وأخدت تنظم السكان للدفاع عن الوطن فسكان قسنطينة قد التفوا حول الحاج أحمد باي وحصنوا - مدينتهم تحصينا محكما، وأما سكان غرب الجزائر فقد اجتمع رؤساء

стр. 107

القبائل والعشائر المختلفة في مؤتمر عام بايعوا بيعة شرعية الأمير عبد القادر بن محي الدين الهاشمي، وعاهدوه على السمع والطاعة، وكان الأمير يومئذ في الرابعة والعشرين من عمره عالما فاضلا تقيا نقيا شاعرا فصيحا شجاعا باسلا بعيد النظر عميق التفكير ولد سنة ١٨٠٧م وبويع بالإمارة سنة ١٨٣٢م فأنشأ دولة فتية قوية عاشت سبعة عشر عاما، ولو كان يشرف على الأمة من قبل الاحتلال لما آل أمره الى الاستسلام ولما استطاع الجيش الفرنسي أن يحتل البلاد ... يقول المؤرخ الفرنسي (أوستان برنار) عن أخلاق الأمير وصفاته ودينه وشجاعته - والفضل ما شهدت به الأعداء - قال ان الأمير عبد القادر قد حج مع والده سنة ١٨٢٧ م، ولما استولى الفرنسيون على وهران قام الشريف محي الدين والده يقاتلهم، وفي تشرين الثاني من سنة ١٨٣٢ م، اجتمعت في سهل (ايغريسن) ثلاث قبائل وهى: هاشم، وبنو عامر، وغرابة منادية بعبد القادر أميرا على البلاد ... وقد بدأت ثورة الأمير صغيرة ولكنها ما لبثت أن اشتدت واتسعت بسبب ترددنا وحاجة البلاد الى حكومة تقضى على الفوضى العامة التي انتشرت في كل مكان وكنا عاجزين على القضاء عليها ... ولقد أظهر الأمير بعد أن أسند اليه الأمر على الرغم من أنه ابن الزوايا والطرق حنكته السياسية وبراعته العسكرية كانتا فائقتين، وكان يتمتع بصفات تدل على أنه خلق ليحكم، كان بسيطا في لباسه، متواضعا في معشره أنيقا جميلا فصيحا شجاعا فارسا. وبالتالي فقد كان له هدوء الدبلوماسي المسلم وسكينته ولباقته، وكان متدينا عن اخلاص ومن صميم فؤاده، ولم يطلب الامارة لإشباع أطماع نفسه، بل طلبها ليقود أمته في طريق الفلاح، كان قاسيا عند اللزوم رحيما عند الاقتضاء، وكانت شدته ولبنه بحسان وتقدير، وقليل مثله في المسلمين من كان يدرك معنى الدولة ادراكا تاما كما كان يدركها هو بكل تفصيلاتها وجزئياتها من حيث النظام والإدارة، وجباية الضرائب، وتنظيم

стр. 108

الجيش، وكان أجل وأبرز أعدائنا في الجزائر واذا كان قد فشل في بناء إمبراطورية اسلامية واسعة، فليس مرد ذلك كله الى مناهضتنا اياه، بل كان السبب تفرق المسلمين عنه، وعدم اتحادهم تحت لوائه لحرمانهم من الشعور الوطني والقومي، وتفرقهم هذا كان له أوفى نصيب في سبب فشله (انتهى (. بايعت الأمة الجزائرية الامير بن شيخ طريقة القادرية واضطلع بالمسئولية الكبرى التي أنيطت به فأخذ يعد العدة اللازمة لمواجهة العدو ومنازلته، فبدأ يجمع الأعراش والقبائل ليكون منهم جيشا منظما يدافع عن الوطن، وكان يحث على الجهاد والصبر، فنفرت الأمة الى ميادين القتال والمعارك واستجابت الى ندائه ودعوته، واستطاع الامير أن يجمع قبائل وهران وقبائل تيتري، وقضى على جماعة التيجانية الذين كانوا يوالون الفرنسيين ونظم البلاد تنظيما إداريا، وكان جيشه منظما ومدربا على فنون الحرب والقتال، وعدده إحدى عشر ألف جندي ما بين راجل وفارس، وأنشأ مصنعا لصنع المدافع وآخر لصنع البارود، وبنى حصونا وأقلعة على حدود بلاد القبائل التي كان يخشى انتفاضها ضده، ووحد منافسين له انحازوا الى صفوف العدو رغبه منهم في التوصل الى مطامعهم الشخصية. الشعب كان لا يعرف ما يدور في الجو السياسي لولا دعاية الأمير، ولما علم بدخول جيش أجنبي الى ترابه، وتمركز في السواحل، وفي العواصم الكبرى، وانهزام الحكومة المركزية أمام جيوش الاحتلال هب من نومه هبوب العاصفة لإنقاذ بلاده من شر هؤلاء الغزاة، انظم الى المقاومة المنظمة التي كانت تحت إشراف الأمير عبد القادر، فاستنزف هذا الشعب كلما كان له من ثروات مادية وطاقات بشرية لم يكن الاحتلال بالأمر السهل، ومن الغرابة أن يجرد شعب من وطنه، ومن ثرواته المادية والروحية ويبقى مكتوف الأيدي لا يدافع عن نفسه خصوصا اذا كان شعب أبى لا ينام على ضيم يحب الحرية والاستقلال حريصا على كرامته وشرفه كالشعب الجزائري. امتازت مقاومة الشعب الجزائري للاستعمار الفرنسي

стр. 109

ببطولة نادرة احتلال الجزائر لم يكن نزهة عسكرية كما يدعي بعض الفرنسيين، بل كان اصطداما بقبائل قوية الجانب شديدة المراس قوية الشوكة لا كما كان يظن الاستعمار أنها قبائل متأخرة، وظن باحتلاله العاصمة أنه بذلك قد استولى على البلاد، ولما اصطدم بالشعب في المعارك الدامية تبين له خطؤه وتقديره، واقتضاه الأمر من بعد ذلك على أن يدفع ثمن الاحتلال باهضا، لأن مسلمي الجزائر كانوا لا يسلمون في شبر من أراضيهم إلا إذا سالت فيه دماء غزيرة من الجانبين، فكانت خسارة في الأنفس والأموال كبيرة جدا. فالاستعمار ضحى من ناحيته ما لا يقل عن أربعين ألف جندي، وأنفق أموالا طائلة على هذه الحرب القذرة ... الشعب الجزائري مسلم ما في ذلك لبس ولا غموض، ورغم الحكم المحلي فإنه مكون من سلسلة متراصة قوامها العروبة والاسلام ولكن ينقصه الوعي. كانت الشعوب الاسلامية حينذاك متخاذلة فيما بينها بسبب فقد الروح الاسلامية، والظروف كانت تعمل لصالح الاستعمار، والفرص مواتية له، فاضطر الأمير الى دخول المغرب العربي، وقد سمح له بذلك السلطان عبد الرحيم بادى الأمر بالالتجاء الى بلاده، فطلب الفرنسيون من السلطان تنفيد شروط المعاهدة التي عقدوها معه اثر معركة (إيزلي) وهى التي انتصر فيها الفرنسيون على المغاربة، وتنص هذه المعاهدة بأن السلطان يحجز الأمير في إحدى المدن الساحلية اذا ما وقعت يده عليه، ومن السلطان لم تصل يده الى الأمير قط بل كان يناحر الفرنسيين على الحدود الجزائرية المغربية وكان فريق من الجزائريين يحمل بين طياته الخيانة لأمته والغدر بمواطنيه. انحاز هذا الفريق الكبير الى صفوف العدو، وأصبح يقاتل معه، فكان سببا في جلب الكوارث والنكبات والويلات التي حلت بهذا الوطن. فخذلت هذه القبائل الخائنة الأمير وجيشه الذي كان يدافع عن الوطن والاسلام، فأصبح مشردا ومطاردا من كل ناحية لا يستقر في مكان، فرأى أنه لا مفر من الاستسلام الى

стр. 110

الجيش الفرنسي بعد ما قبل جميع شروطه، فأمر الامير اتباعه بالاستسلام قبله، واشترط أن يسمح له بالذهاب الى الاسكندرية أو الى عكا، فرضى الفرنسيون بذلك. هكذا قدم الأمير نفسه الى عدوه، وكان ذلك في شهر كانون الأول سنة ١٨٤٧م على يد الجنرال لاموريسير، وقدم إليه سيفه وخاتمه كرمز للاستسلام ولما استسلم حيته حامية فرنسية التحية العسكرية. استسلم الأمير عبد القادر لعدوه بعد ما قضى سبعة عشر عاما في الكفاح والجهاد، استسلم نتيجة تخاذل المسلمين الذين لم يبق لهم من الاسلام الا اسمه.

стр. 111

فضائع الاستعمار الفرنسي إبان الاحتلال لما عجز الفرنسيون عن مقاومة الجزائريين عن طريق الحرب المشروعة لجأوا الى أعمال العنف الوحشية البربرية بإحراق القرى والدواوير، والفتك بالأبرياء والضعفاء مثل النساء والعجزة من الرجال والأطفال، تعرض الجزائريون للإبادة والتخريب العام من هذه الأعمال الاجرامية، وقاسى الأمير في هذه الحروب، وجميع سكان القطر مصائب كثيرة وأهوالا عظيمة، ولم تكن معاملة الغزاة للأسرى المستسلمين بأفضل من المحاربين، فكانوا يقتلون الأسرى ويصلبونهم قال: (شارل أندرى جوليان في كتابه تاريخ شمال افريقيا انهم - يشير بذلك الى ساسة فرنسا وجنيرالاتها في الجزائر - لم يحرقوا البلاد خفية، كما قتلوا أعداءهم جهارا بلا شفقة ولا رحمة لا يمنعهم من ذلك لا رادع ولا وازع كانوا بالعكس يفتخرون بضراوتهم ووحشيتهم فقدوا كلهم من أديم واحد من الملكيين الى الجمهوريين الى أشياع نابليون فبمجرد نزلهم بأرض الجزائر، تعتريهم حمى النهب والقتل، والتخريب، كان هذا هو الطريق المؤدي الى نشر البلاغات الحربية الطنانة، الى المجد العسكري، والى تسلق مدارج الرقي، وكانوا كلهم في الضراوة سواء من روفيقوا الى ترزيل الى غيرهم، فكلهم في هذه الفضائح سواء لا فرق بينهم. إننا اذا نظرنا الى طبيعة الاستعمار فنجدها طبيعة واحدة لم تتغير أبدا فالأساليب الوحشية التي استعملها في احتلاله من القتل الجماعي والتعذيب والتنكيل، والحرق والتخريب هي نفس الأسلوب الذى استعمله في ثورة ١٩٥٤م فالشعب الجزائري كان معرضا للإبادة من بداية الاحتلال الى نهايته، كان هذا الغزو مدفوعا بعنصرية بغيضة وروح صليبية (. ورغم هذا الاحتلال وسيطرة الاستعمار على الوطن سيطرة تامة كانت بعض القبائل تشن الهجومات العنيفة عليه في الفينة بعد الفينة بخلاف الثورات الجهوية التي لم تتركه يتمتع

стр. 112

بالاستقرار، ولم يفتأ الشعب يطالب بحقه في الحرية والاستقلال الى بداية الثورة الكبرى سنة ١٩٥٤ م. وبعد ما انتهت المقاومة المنظمة، وتمكن الاستعمار من احتلال الوطن، أخذ يثبت دعائمه، ويفرض حكمه الاستبدادي على المسلمين، وكان يحارب في عوائدهم وتقاليدهم، وأول شيء بدأ به هو الاطاحة بنظام الاسلام فأسقط حكمه الذي كان قائما في هذه البلاد ومنع علومه من التدريس، وأغلق المدارس والمعاهد، وحطم الجامعات، وجعل المساجد تحت اشرافه مباشرة بعد ما خرب أكثرها، ورجع بعضها كنائس وثكنات للجند، وضم اليه الدور وجميع الأشياء المحبسة على الايتام والفقراء والمساكين، وأصبح هو المالك الشرعي لها والمتصرف فيها، وقضى على كل ما كان للمسلمين من نفوذ وسيادة في بلادهم، ومنع اللغة العربية من التدريس وأصبح يعدها لغة أجنبية ويعاقب كل من يعلمها بالسجن والغرامة المالية، وكون من المسلمين جيشا قويا للدفاع عن وطنه، ولفتح المستعمرات له في العالم وفي تموز سنة ١٨٣٤م قرر البرلمان الفرنسي اعتبار الجزائر أرضا فرنسية، وأهلها مواطنون فرنسيون ففتحت فرنسا أبواب الهجرة الى الجزائر من جميع أقطار أوربا وكانت تساعد كل من يأتي إليها من الجاليات الغربية بكل وسيلة ممكنة من المال وغيره. وكان كلما يأتي فوج من المهاجرين الى الجزائر الا وانتزعت الأراضي الصالحة للزراعة من بين أيدى السكان المسلمين ودفعتها الى هؤلاء المهاجرين الوافدين على هذا الوطن من كل حدب وصوب فجمعت على المسلمين بذلك ذل الاستعباد وذل الفقر والجهل حتى ضج الجزائريون من هذه الحالة لأنهم أصبحوا غرباء في بلادهم محرومين من خيراتها. قال السيد عباس فرحات انتصار الاستعمار الذي تغلب بعدده وعدته هو حكم على الجزائري بأنه أصبح آلة يستخدمها العدو للازدهار ورفاهيته، أوصد في وجهه أبواب العمل وحتى أبواب الأمل، فجرده حتى من شخصيته في نظر القانون الاستعماري، ولم يبق الجزائري جزائريا دون أن يعود من جهة أخرى فرنسيا، فأصبح هو والعدم سيان لا جنسية له ولا وطن،

стр. 113

فصار غريبا وحيدا طريدا شريدا لا دار تأويه ولا قانون يحميه لا في بلاده ولا في فرنسا ولا في أي بلاد من بلاد الله ... ولما تم للاستعمار في هذا الوطن ما أراد من الحكم والسيادة اتجهت أنظاره إلى تونس الخضراء القطر الشقيق ففتحها بسهولة، وبدون مقاومة تذكر، وعقد مع المسؤولين معاهدة حماية وذلك في سنة ١٨٨١م ولم تنته مطامعه عند هذا الحد، والمملكة الشريفة لا زالت تنعم بالاستقلال، ومنفصلة عن أختيها الشقيقتين لا بد من ضمها إليهما، فأخد يتحكك عليها حتى وقع معاهدة حماية معها، وتمت هذه المعاهدة في سنة ١٩١٢م فأصبح شمال افريقيا جميعا في قبضته وتحت سيطرته مستعمرة كبيرة يعامل أهلها معاملة واحدة لا فرق بين حماية وغيرها.

стр. 114

عوامل ثورة الجزائر الكبرى كانت الأمة الجزائرية مضطهدة منذ الاحتلال الفرنسي الذى وطئ أرضها سنة ١٩٣٥ م، ومنذ ذلك الوقت وهى محرومة من جميع حقوقها الطبيعية والشرعية بعيدة عن وسائل الحياة، وكانت تعامل معاملة سيئة من طرف الاستعمار، كالاحتقار والإهانة والازدراء بكرامتها وشرفها، ونزع أملاكها وتسخيرها للعمل، وعدم احترام مقدساتها، وغطرسة الحكام وتجبرهم. كل هذا كان يترك آثارا سيئة في نفسها، ولن تستطيع أن تفرج عن كبتها لا بكلام أو دفاع أو رد فعل، لأن سيف الاستعمار كان مصلتا دائما فوق رأسها، ولهذا ما كادت تعلن ثورة ٥٤ حتى انفجرت كالبركان، ونفرت الى ميادين القتال خفافا وثقالا. ومن العوامل القوية التي نشرت الوعى الوطني في الشعب ودفعته الى الثورة هي الأحزاب السياسية الوطنية التي تأسست من أجل هذا الغرض فكانت تهدف الى مقاومة الاستعمار وتحرير الوطن، فنبهت الرأي العام، وأيقظته من سباته فدبت الحياة في أوصاله ... وتأسيس الأحزاب يرجع الى ما بعد الحرب العالمية الأولى ان المحاضرة الأولى للحركة الوطنية وقعت في سنة ١٩٢٤م ألقاها الامير خالد في باريس حضرها عدد كبير من مهاجري شمال افريقيا، وعلى عقبها تفرق الجمهور وهو يهتف (تحيا شمال افريقيا حرة مستقلة)، وفي شهر سبتمبر من نفس السنة تأسس نجم شمال افريقيا في باريس، وكان الغرض منه أنه يدافع عن مصالح العمال المادية والمعنوية والاجتماعية، ومن بعد تولدت منه حركة تهدف الى استقلال أقطار شمال افريقيا، الرئيس الأول لهذه الحركة هو السيد محمد جفال مع أعضاء مكتبه، وفي سنة ١٩٢٩م حلت هذه الحركة من طرف السلطة الفرنسية غير أنها تابعت سيرها في تسر تام، وفي نفس السنة اعتقل رئيسها مصالي الحاج وغادر التراب الفرنسي، والتجأ الى جنيف حيث التقى

стр. 115

بالمسلم الغيور الذى كان يشرف على جميع حركات العالم الإسلامي ورائد النهضة الحديثة السيد: شكيب أرسلان ﵀ .. وكان الهدف من تأسيس حزب الشعب هو تأسيس دولة حرة مستقلة عن فرنسا، وكان يحارب الاندماج، واتباعه هم الذين قاموا بتنظيم ثورة ٥٤. حزب البيان والحرية الذى يرأسه السيد: عباس فرحات الذى كان فيما بعد رئيسا للجمهورية الجزائرية المؤقتة وكان عامة أعضائه لهم ثقافة أجنبية عالية، وبعضهم مثقفون بالثقافة القومية. بدأ السيد: عباس فرحات حياته السياسية بنشر مقالات عن حالة الجزائر التعساء في جريدة (ترى دونيون) أي صلة الوصل، وذلك في سنة ١٩٢٤م يندد بسياسة الاستعمار الغاشمة، ويطالب بإصلاحات عامة تدخل على الوضع الجزائري منها احترام الاسلام، فمن العبث محاربته لأنه قادر على الصمود في وجه كل تخريب وتهديم، وفي وجه كل عدو وباغ، كما يقول السيد عباس فرحات، ويواصل كلامه ويقول: إن سياسة المساواة في الحقوق هي التي وحدها الكفيلة بضمان مستقبل مشترك، ان التمسك بفكرة الغالب والمغلوب يقتضي حتما الى الويلات والنكبات. هذان الحزبان الوطنيان أي حزب الشعب وحزب البيان متفقان في الغاية والأهداف، ومختلفان في الوسائل والأساليب، فسار كل حزب في اتجاهه على حسب الخطة التي رسمها لنفسه، والطريق الذى اختار سلوكه حتى يصل الى غايته المنشودة ألا وهو الاستقلال عن فرنسا، وكل حزب كان يبث دعاته في كل ناحية من نواحي الوطن لينشروا المبادئ الوطنية والوعى بين المواطنين، وأنشأ كل حزب جرائد كانت تصدر باللسان العربي والفرنسي، فكانت تطلع على الشعب بأفكار جديدة وآراء قيمة، وكانت توزع نشرات في الفينة بعد الفينة تحث المواطنين على مواصلة السير جنبا الى جنب ويدا في اليد ... وكان كل حزب يعقد اجتماعات جهوية ومؤتمرات عامة وندوات صحفية في الداخل والخارج تطالب بحقوق الشعب وتندد

стр. 116

بأعمال الاستعمار نحو المواطنين الأحرار، وأكثر ما كانت تقع مشادة عنيفة بينه وبين المناضلين ومصادمة دامية تسفر عن جرحى ونفى وامتلاء السجون والقتل والتعذيب ومصادرة الأموال حتى أصبحت هذه الاحوال عادية. وبجانب هذين الحزبين تأسست حركة دينية إصلاحية وإذا قلنا حركة دينية فهي عبارة عن الروح الوطنية الخالصة والقومية الصميمة، لأن الدين لا يفرق بين الأخلاق والاقتصاد، ولا في السياسة والاجتماع، فهذه الأشياء كلها جزء لا يتجزأ منه. هذه الحركة هي جمعية العلماء المسلمين الجزائريين أنشئت سنة ١٩٣١م تحت رئاسة الشيخ عبد الحميد بن باديس تغمده الله برحمته، فكانت على رأس هذه الهيئة نخبة من العلماء العاملين منهم الشيخ البشير الإبراهيمي، والشيخ العربي التبسي الشهيد، والشيخ مبارك الميلي، والشيخ الطيب العقبي، وخير الدين، وتوفيق المدني وغيرهم كثيرون. فمبادئ هذه الهيئة هي مبادئ الاسلام نفسه، وكانت تعمل على تنقيته من الخرفات والبدع التي طرأت عليه لتربط ماضي الأمة الاسلامية بحاضرها لأن المسلمين الحاليين ركنوا الى الجمود والغفلة وعدم الاهتمام بالدين الذى هو مطية الى الدار الاخرى، والمتدينون منهم من توغل في الزهد، واستسلموا للواقع، وتشبثوا بالبدع والعادات السيئة التي حجبت حقائق الاسلام. أخذت هذه الهيئة على عاتقها أن تحارب الأفكار الدخيلة والعوائد الفاسدة، والانحراف الشنيع، وتنشر الدين الصحيح الخالص من جميع الشوائب لتعود روحه الطاهرة الى النفوس فتصلحها مما طرأ عليها من مخلفات العصور المظلمة، وترجع الى اللغة العربية مكانتها في هذا الوطن بعد ما كادت أن تضمحل منه، وصارت أجنبية وغريبة عنه، فبدأت هذه الهيئة تنشر العلم وتحارب الجهل الذى خيم على هذه الأمة، وتحيي تاريخ المسلمين وتراثهم المجيد ليطلع الأحفاد على ما كان لهم من ماض مجيد، وأدب قيم نفيس وحضارة مزدهرة ...

стр. 117

أعضاء هذه الجمعية كلهم، لهم عقيدة راسخة وقدم ثابت في العلوم والمعارف والفنون، وشهرة واسعة في الأخلاق والتربية، وأنهم يمثلون السلف الصالح في عقيدته أحسن تمثيل، تحملوا مسؤولية الدعوة الاسلامية ليبلغوها وينشروها بين الناس كافة، وكانوا شاعرين بما يعترض سبيلهم من العراقيل والصعوبات التي ينصبها لهم الاستعمار، والذين يمتصون دماء الأمة باسم الدين، ولكنهم عازمون على تبليغ رسالتهم مهما كان الثمن ومهما كانت الأحوال والظروف. كان يرأس هذه الجمعية الشيخ عبد الحميد بن باديس قدس الله روحه، فكان نابغة عصره في العلوم والمعارف وداهية في السياسة، وآية في الإخلاص والجرأة والإقدام، له مواقف مشهورة لا زالت ماثلة في الأذهان الى الآن ... أنقل بعض الفقرات التي قالها فيه صديقه وزميله في الكفاح الشيخ البشير الإبراهيمي طيب الله ثراه قال فيه: (باني النهضتين العلمية والفكرية بالجزائر، ووضع أسسها على صخرة الحق، ومنشئ مجلة الشهاب مرآة الاصلاح وسيف المصلحين، ومربي جيلين كاملين على الهداية القرآنية والهدي المحمدي، وعلى التفكير الصحيح، ومحى دوارس العلم بدروسه الحية، ومفسر كلام الله على الطريقة السلفية في مجالس انتظمت ربع قرن، وغارس بذور الوطنية الصحيحة، وملقن مباديها علم البيان وفارس المنابر. وحسبة أنه أحيا أمة تعاقبت عليها الأحداث والغير ودنيا لابستها المحدثات والبدع، ولسانا أكلته الرطانات الأجنبية، وتاريخا غطى عليه النسيان، ومجدا اضاعه ورثة السوء، وفضائل قتلتها رذائل الغرب)، عيون البصائر. توزع اعضاء هذه الهيئة المحترمة على عواصم القطر وأخذوا يبينون للناس تعاليم الاسلام الصحيحة التي نزل بها الوحى الشريف، وكانوا يفسرون القرآن الكريم تفسيرا سلفيا لو فهمه الأعاجم لدخلوا في الاسلام، فكانوا يستخرجون منه الأحكام والنواهي والوعد والوعيد، ويشرحون أحاديث الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ويلقون سيرته المطهرة للناس، وسيرة

стр. 118

خلفائه الراشدين، وصحابته الأبرار وفتوحات الاسلام في الشرق والغرب، وتاريخ المسلمين العام والخاص، ويعلمون اللغة العربية وآدابها وفنونها وكانوا يهيبون بالأمة أن تتمسك بالكتاب والسنة وتترك البدع والخرافات اللتين لم تكونا من الدين في شيء ... اختار الإمام عبد الحميد بن باديس الاقامة في عاصمة النهضة العلمية وهي مدينة قسنطينة وكانت مسقط رأسه للتدريس، وتصدر لتعليم الطلبة في الجامع الأخضر واعتنى ﵀ بتربيتهم عناية كبيرة حتى تأثروا بسيرته السلفية، وكان يتولى بنفسه شؤونهم الخاصة من نفقة وكسوة ومسكن، وكان يعدهم ويهيئهم ليكونوا في المستقبل دعاة للإسلام، وكان يحرر جريدة البصائر التي هي لسان حال جمعية العلماء المسلمين، ويقوم بدروس الوعظ والارشاد للكبار، فكان يبين حكم القرآن السامية ومعانيه القيمة بأسلوب سلفي محكم جذاب، وقد فسر القرآن بهذه الطريقة في ربع قرن من الزمن الا أن هذه الثروة العلمية النفيسة قد ضاعت - لا شك - أنها لو كانت موجودة لأحيت أمة، والسبب في ضياعها هم تلامذته لأنهم لم ينقلوها عنه، وكان يجول في القطر للدعوة وتأسيس المدارس والمساجد وإلقاء المحاضرات والدروس، ويتصل بالشخصيات والجمعيات، وينشر الاصلاح، ويحذر من الغفلة والجمود والبدع والخرافات الى غير ذلك من نشر الدين. حل العلامة الجليل والحافظ الكبير، والنابغة في المنقول والمعقول، والأديب الشهير، والكاتب البارع الذى لانت له اللغة العربية فكانت أداة طيعة في يده فضيلة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي طيب الله ثراه وجعل الجنة متقلبه ومثواه - بعاصمة تلمسان، فأخذ ينشر العلم والمعرفة والاصلاح في هذه المدينة العريقة، فأحيا ما كان دارسا منها ورجع إليها سمعتها التاريخية، وكان يجول ﵀ في دائرتها يؤسس المدارس لتعليم اللغة، وينشئ المساجد لإقامة شعائر الدين ونشره. وأنشأ مدرسة في مدينة تلمسان، وسماها دار الحديث، وكان يعلم فيها كتاب الموطأ للإمام مالك ﵀ وأنشأ مدرسة أخرى للبنات، وسماها مدرسة عائشة ﵂ ومسجدا.

стр. 119

واتخذ الشيخ العربي التبسي مدينة تبسة مقرا لدروسه الاصلاحية، وأنشأ مسجدا ومعهدا لتعليم الطلبة الكبار ومدرسة للأطفال لتعليم اللغة العربية وتحفيظ القرآن، وكان ينشر الاسلام في تلك النواحي الفيحاء وتمركز الداعية الكبير الشيخ الطيب العقبي في عاصمة الوطن، واتخذ نادى الترقي مركزا لدعوته ومحاضرته ودروسه الاصلاحية، وحل المؤرخ الجليل الشيخ مبارك الميلي عاصمة الجنوب - الأغواط - وكان داعية للإسلام في تلك النواحي، وله تآليف جليلة منها تاريخ الجزائر، والشرك ومظاهره، وكذلك بقيت الأعضاء الآخرين، كل واحد منهم اتخذ ناحية ينشر فيها الاصلاح والتعليم، ويحارب البدع والخرافات، وكل عضو من أعضاء هذه الجمعية المحترمة كان يجول في دائرته ويعقد اجتماعات يوجه فيها الأمة الى الدين، فسرعان ما اقبلت على هذه المعاهد السلفية لترتوي من منابعها الصافية وكانت الجمعية تعقد اجتماعات عامة وخاصة سنويا في العاصمة، فالاجتماع العام يحضره جمع غفير من الناس من كل ناحية من نواحي الوطن، يقدم فيه رئيس الجمعية أعمالها التي أنجزتها في بحر السنة الماضية بالتفصيل، ويطلعهم على الأعمال التي تكون في المستقبل فيعاهدون بعضهم بعضا ويجددون العزم على مواصلة السير الى الأمام - ... ومن بعد تحضر الجماهير الغفيرة الى الحفلة العامة التي تقيمها الجمعية ليتكلم فيها الخطباء والشعراء، فكان الحاضرون يسمعون البيان العربي يتدفق من ينبوعه صافيا، فيثير هؤلاء الخطباء حماس الجماهير بفصاحتهم ويتأثرون بكلامهم ونصائحهم، فكان هذا الاجتماع أشبه شيء بسوق عكاظ في الجاهلية. سادت هذه الحركة الدينية القطر كاملا حتى أصبح المدرسون في كل ناحية يفتحون المدارس والنوادي ويؤسسون الجمعيات ويحثون الأمة على التمسك بالدين الحنيف والرجوع الى العمل به لتعيد مجدها وعزها، وكانت مقالات الارشاد والتوجيه الصحيح تنشر على صفحات جرائد الجمعية وتفضح أعمال المستعمر ... صادفت هذه الحركة الاصلاحية ميلا في النفوس،

стр. 120

وهوى من القلوب، وأعجب بها الشعب أيما اعجاب، فأقبل عليها من كل ناحية ولا سيما سكان المدن. وصارت الأمة تتسابق الى انشأ المساجد والمدارس الحرة، وكانت تتعاون على نشر العلم والمعارف، والتضحية في سبيل اصلاح الأمة بكل نفس ونفيس، فأصبحت الأمة تعتني بتربية أبنائها تربية علمية عصرية وطنية فكانت ترسل الكبار منهم الى الخارج ليتعلموا العلوم على اختلاف أنواعها، إما الى فرنسا أو الى تونس، أو الى المغرب الأقصى أو الى الأزهر الشريف بواسطة جمعية العلماء وبإرشادها، وأنشأت معهدا سمته باسم رئيس الجمعية في مدينة قسنطينة، فانتشر الاصلاح الديني واللغة العربية في أنحاء الوطن، فبدأت الحركة العلمية تسود المواطنين، فصارت المدارس تعد بالعشرات والتلاميذ بعشرة الآلاف. رجعت هذه الحركة الدينية الأمل في النفوس والثقة بالمستقبل، والاعتزاز بالشرف القومي. الشعب الجزائري مسلم يستجيب للدين إذا وجد من يوجهه ويحافظ على تقاليده وعوائده، ولا يتفاد الا به، ولا يخضع الا له غير أن الأغلبية منه جاهلية بتعاليمه، ولم يبق لها من الدين الا العاطفة، ولهذا لما دعاه قادة الثورة باسم الدين فلب النداء في الحال وقدم في سبيل الدعوة الى الثورة كل ما يملك من نفس ومال وجهد. أسفرت هذه الدعوة المباركة أي دعوة الاصلاح عن استيقاظ الرأي العام. هذه الهيئة هي التي بعثت الاصلاح والوطنية من جديد في الأمة الجزائرية، وشمل الاصلاح جميع الميادين من سياسية واقتصادية واجتماعية وعلمية. حاربت هذه الجمعية الجهل المتفشي في المجتمع والفساد بجميع أنواعه وألوانه، وآلت على نفسها ألا تترك العمل حتى تنهض الأمة مما تردت فيه، وتتخلص من العوائد السيئة والتقاليد المنافية لتعاليم الدين حتى يعود الاسلام واللغة العربية الى هذا الوطن من جديد ..

стр. 121

كان الاستعمار يحصى على هذه الجمعية أنفاسها، فيلقي القبض على أعضائها، ويزج بالمدرسين في السجن، ويغلق المدارس فكان واقفا لها بالمرصاد لأن هذه الجمعية المحترمة كانت. أشد عليه من الحركات الوطنية الأخرى المجردة عن الدين، والفرق بين هذه الحركة، وحركة الأحزاب الوطنية فحركة الأحزاب الوطنية سياسية محضة، فإذا حصلت البلاد على الاستقلال لا تبالي بعد ذلك على أي شكل يكون حكم البلاد ونظامه شيوعيا كان، أم رأس مال، بخلاف الحركة الدينية فزيادة على استقلال البلاد تريد أن تكون شخصيتها بارزة في الحكم، وأن يكون مستمدا من روح الاسلام ومن القومية العربية ... ومن العوامل التي ساعدت على تأييد الثورة في الجزائر وتشجيع الشعب على خوضها ميثاق جمعية الأمم التي أصدرته بعد الحرب العالمية الثانية، ينص هذا الميثاق على منح الشعوب المستعمرة حق تقرير مصيرها بنفسها، هذا الميثاق تحررت به شعوب آسيا وافريقيا تقريبا، وكاد ظل الاستعمار الثقيل يتقلص من هاتين القارتين، ولن يعود إليهما أبدا، ولم يبق بين الدول الكبرى المتقدمة صناعيا، والشعوب المتأخرة المغلوبة على أمرها الا المعاملات الحرة التي أساسها المحبة والمودة ... وكذلك من العوامل التي ساعدت على إبراز الثورة الجزائرية كفاح العالم الإسلامي المتواصل في الشرق والغرب، بعثت هذه الحركة التحريرية حماسا فياضا في الشعب الجزائري، فمنذ بداية القرن الحالي والعالم الإسلامي يكافح ويناضل حتى استقلت شعوبه وتحررت من سيطرة الاستعمار بما في ذلك طرابلس الغرب من بعد الحرب العالمية الثانية، ثم جاء دور المغرب العربي الكبير، فأخذت شعوبه تستعد وتتهيأ لخوض المعركة الفاصلة معركة التحرير الكبرى، ولما لم يستجب الاستعمار لمطالبه الطبيعية وحقوقه الشرعية ثأرت تونس في سنة ١٩٥١م وتابعها المغرب العربي. وكان أول من أعلن العصيان في وجه الاستعمار جلالة الملك محمد الخامس ﵀، فكان يعارض القوانين التي تصدرها السلطة الفرنسية بشدة، وكان يحضر اجتماع الأحزاب الوطنية

стр. 122

التي كانت تطالب بالاستقلال، وكان يوجه الأمة نحو أهدافها الحقيقية، ويؤسس المعاهد العلمية، فانزعجت فرنسا من هذه الأعمال، فألقت عليه القبض، وأبعدته عن بلاده مع عائلته الى جزيرة (مدغشقر) في المحيط الهادي فبقي فيها معتقلا الى أن تم استقلال المغرب العربي على يد شعبه الباسل. كان الشعب الجزائري في هذه الفترة - هاديا الهدوء الذى يسبق العاصفة، وكان متدمرا من هذا الهدوء الذى لا مبرر له في الوقت الذى ثار فيه شقيقاته، وأحزاب هذه الأقطار كانت متضامنة فيما بينها بحيث اذا ثار قطر من الأقطار الثلاثة فبقيت الأقطار الأخرى تثور لأن الوطن واحد والمحتل واحد ... لكن قادة الشعب الجزائري كانوا يعرفون عقلية الاستعمار المتحجرة وتعلقه الشديد بالوطن الجزائري، ومواقفه الصلبة تجاه المواطنين لأنهم اصطلوا بناره منذ فتحوا أعينهم، واختبروا سياسته في حرب الهند الصينية رغم بعدها الشاسع، واصل الحرب فيها بضع سنوات فكيف بالجزائر التي لا تبعد عن فرنسا الا بمقدار ساعتين فقط عن طريق الجو؟ وكانوا على يقين من أنه لا يريد أن يسمع باستقلال الجزائر لأنه يعتبرها أرضا فرنسية والجزائر مصدر القوة والثراء له، وما دام يملكها يستطيع أن يسيطر على البحر الأبيض المتوسط وعلى قارة افريقيا. كان قادة الثورة متيقنين من هذا كله، وزيادة على ذلك من أنه إذا ثار الشعب فإن الاستعمار سيبطش به بطشا كبيرا. ولذا يجب عليه أن يستعد استعدادا كاملا بخلاف القطرين الشقيقين، فإن لهما معه معاهدة حماية وكيانهما باق على كل حال، أما الجزائر فهي مستعمرة هذا هو سبب التريث. والحكومة الفرنسية من جهتها كانت تعرف مسبقا أن الجزائر لن تبقى مكتوفة الأيدي أبدا أمام هذه الثورة التي تجتاح المغرب العربي الكبير، وتعلم أيضا شدة مقاومة الجزائريين وصلابة مواقفهم، ولهذا لما ثارت الجزائر سنة ١٩٥٤م تساهلت فرنسا مع الشعبين الشقيقين في الاستقلال، وجمعت قوتها ورمت بها الثورة الجزائر العارمة الكبرى.

стр. 123

ومن العوامل التي دفعت الأمة الى اعتناق الثورة هي ضغط الحكومة الفرنسية نفسها على الشعب وتنكيلها به تنكيلا شديدا ظنا منها أنه يرهب القوى ويتراجع عن الثورة. ففي بداية الثورة وقفت الأمة الجزائرية منها موقف الحذر والتريث حتى يتضح أمرها غير أن الحكومة الفرنسية اعتبرت الأمة كلها ثائرة من أول وهلة فكان إذا أحدث الثوار شيئا من أعمال التخريب في ناحية ما من نواحي الوطن تسلط عذابها على جميع سكان الناحية لا فرق بين البريء والمتهم، ولا بين صديقها وعدوها فتنكل بأصدقائها الخلص كما تتكل بأعدائها، ولما رأى المحايدون وأصدقاؤها هذه الحالة أصبحوا ثائرين. وكذلك من الأسباب القوية التي أرغمت الشعب على خوض غمار الثورة، وتأييده لها بكل ما يملك من قوة وجهد المنظمة الإرهابية التي أسسها غلاة المعمرين وأطلقوا عليها اسم اليد الحمراء ... هذه المنظمة أهلكت الحرث والنسل، وخربت الديار، والبلاد وأتلفت الأموال، وأزهقت الأرواح بالمآت، وعاثت في الأرض فسادا كبيرا، فكانت تدك المنازل دكا، وتدهم السكان ليلا، فتروع النساء والصبيان. وتخطف الشخصيات في لباس النوم. فتنفد فيهم حكم الاعدام حالا، وكانت تفعل هذه المناكر الوحشية على مرأى ومسمع من الحكومة، فضج الناس من هذه الأعمال الوحشية، وأصبح الناس يلتحقون بالثورة رجالا ونساء وهذه المنظمة الملعونة تأسست في أول الثورة وبقيت الى نهايتها. ولما تحققت أن الثورة في تصاعد والجيش الفرنسي في حالة عجز عن اخماد الثورة فسلحت السكان الأوربيين وتواطأت مع قادة الجيش الفرنسي على إبادة الشعب فكانت تشحن السيارات بالمتفجرات الشديدة المفعول وتضعها في مراكز العمل، أو في المحلات العامة، فتنفجر هذه المواد، فيسقط الناس بالعشرات موتى وجرحى، والسكان الاوربيون يطلقون النار من الشرفات على المارين في الطريق فيتساقطون ما ترى الا الجثث المنتشرة هنا

стр. 124

وهناك، وتضع القنابل لهدم المنازل ونسف المحلات التجارية وغيرها، وتخريب منشآت الحكومة وإتلاف ما فيها كالمستشفيات والمعامل والمدارس، والمكتبات العامة الى غير ذلك من التخريب العام الشامل. بحيث ما كاد الأوربيون يغادرون البلاد حتى تركوا اقتصادها مخربا ومنهارا تماما. لهذه الأعمال الوحشية وأمثالها شجعت الشعب على خوض الثورة والدفاع عن النفس والأموال والعرض، ولا طريق له الا هذه الطريق فهو مرغم على سلوكها، ولهذا وقف كرجل واحد في وجه الاستعمار طيلة سبع سنوات ونصف، والحرب متواصلة ليل نهار، والمعارك دائرة رحاها في كل ناحية، وكان في زحفه الشديد ينتقل من نصر الى نصر. ومن قوة الى أقوى حتى اعترف الاستعمار له بحق تقرير مصيره في الحرية والاستقلال.

стр. 125

الاستعداد للثورة كانت حركات الانتصار للحريات أكثرها اتباعا من الأحزاب الأخرى، وأشدها استعداد للكفاح المسلح ... ففي سنة ١٩٤٧م قام بعض المناضلين من هذه الحركة يطالبون بسرعة الإعداد للثورة، وقد تمكنوا فعلا من انتزاع قرار من المكتب السياسي لهيئة التنظيم السري الذي يهيئ وينظم الاستعداد للقتال، وفعلا تشكلت منظمة سرية وأطلق عليها أسم (لوص) معناها الشباب الثوري، وعهد بقيادتها الى السيد أحمد بن بله وجماعة أخرى معه كالسيد محمد بن الوزداد، والسيد بوجمعة سويداني، وسرعان ما اندمج الشباب الثوري في هذه المنظمة، وهذه التشكلات العسكرية كانت هي نواة جيش التحرير فيما بعد. أخذت (لوص) تنتشر وتتسع حتى شمل تنظيمها كل أقاليم الجزائر، وكانت دائبة على تدريب أعضائها على السلاح، وقسمت القطر الجزائري الى خمس ولايات كل ولاية تشتمل على ٢٣ دائرة. وكل دائرة تضم عددا من الخلايا. وحرصا على هذا التنظيم السري حدد أعضاء الخلية بثلاثة أفراد لا يعرفون غيرهم، وقد نجح هذا التنظيم السري نجاحا كبيرا فكانت السلطة الفرنسية تجهل وجوده تماما، وفي ١٩٥٥م اكتشف الفرنسيون التنظيم السرى في مقاطعة وهران فتعرض أعضاؤه لحملة من الإرهاب والتنكيل، وقدم رئيس هذا الجهاز السرى للمحاكمة مع بضعة وعشرين شخصا من أعضائه، وحكم عليهم بمدد متفاوتة بالسجن بتمهه التآمر على سلامة الدولة. وفي خلال اكتشاف هذا النظام السرى كان الخلاف الحزبي قد تعمقت جذوره، وتعرض لهزات عنيفة فقدته السيطرة على هذا التنظيم، وفي سنة ١٩٥٢م عقد قادة الحزب في الجزائر العاصمة مؤتمرا في غيبة زعيمه الحاج مصالي، واتخذوا عدة قرارات منها تأليف لجنة جديدة لقيادة الحزب. من ذلك الوقت أصبحت هذه

стр. 126

اللجنة تعرف باللجنة المركزية للحزب، لكن سرعان ما كان رد الفعل من طرف زعيم الحزب فأصدر بيانا بحل هذه اللجنة المركزية ... بدأ الشعب يتذمر من حركة الانتصار لأنها اشتغلت بالخلاف الحزبي في وقت لم تسمح لها الظروف بذلك، لأن الوقت يدعو الى الاتحاد والعمل والتكتل نظرا للثورة التي كانت مشتعلة الأوار في القطرين الشقيقين، وليس من المعقول أن تتمادى هذه الحركة نفي نزاعها فتضيع الفرص المواتية من بين أيدى الشعب، وتذهب المصلحة الوطنية. مل الشباب المتحمس هذه السياسة وسئم الانتظار وأمقت هذا الانشقاق الذي وقع في صفوف المناضلين وأصبح ينظر باستخفاف وسخرية الى مشاحنات السياسيين، وعلى هذا الاعتبار قرر الشباب المتحمس أن يستقل بالعمل عن الفريقين معا فأنشأ لجنة وأطلق عليها أسم (كريا) معناها جمعية الكفاح الوطني الثوري، ولم تلبث يسيرا حتى اندمجت مع بقية منظمة (لوص (وأصبح الجميع يعرف باسم (كريا) وهذه اللجنة كانت مؤلفة من تسعة أشخاص، ثلاثة منهم كانوا يقيمون في القاهرة وهم محمد خيذر، وآيت أحمد، وانضم إليهما أحمد بن بله بعد ما تمكن من الفرار من السجن وذلك في سنة ١٩٥٢ م، أما الستة الآخرون هم: رابح بطاط، كريم بلقاسم، محمد العربي بن المهيدي، محمد بوضياف، مراد ديدوش، مصطفى بن بو العيد، وكانت الملاقاة بينهم دائما في جنيف. وفي أبريل سنة ١٩٥٣م عقد قادة (كريا) اجتماعا سرا بمدينة الجزائر اتفقوا فيه على الاحتفاظ بمركز القيادة العامة لأحمد بن بله على أن يقوم به في القاهرة بالإدارة السياسية والتنظيم الخارجي للثورة وانتهى الاجتماع بإصدار منشور وزع على المناضلين، واستمرت (كريا) في تغذية الجماهير بالمنشورات في الوقت الذى كان يدور فيه التنظيم الثوري على قدم وساق حتى اذا ما أقبل عام ١٩٥٤م كانت الجمعية الثورية للكفاح الوطني قد امتدت منظماتها الى أكثر مناطق الجزائر ... وفي شهر يوليو ١٩٥٤م اجتمع اثنان وعشرون شابا هم قادة العناصر الثورية لمنطقة العاصمة وقسنطينة ووهران وأصدروا

стр. 127

نداء الى الشباب الوطني يدعونه الى وقف النزاع الحزبي ونبذ الخلاف والفرقة والتجمع على صعيد الكفاح المسلح ضد الاستعمار ... وفي منطقة القبائل اجتمع ثلاثة وعشرون شابا وهم قادة التنظيم الثوري في بلاد القبائل، وقرروا تلبية الدعوة الى بدء الكفاح المسلح، وذهبوا بدورهم يهيئون القوة الوطنية للقتال. وفي ٢٠ يوليو خرج أول فريق للثوار الى جبال أوراس حيث اتخذوا من قرية (ونز) مقرا لقيادتهم، ومنها بدأوا ينتقلون ما بين المدن والقرى الجبلية لجمع المتطوعين وتدريبهم على القتال وكانت قيادة هذه المنطقة تنتقل ما بين العاصمة وقسنطينة والقبائل ووهران، وبعد هذه الجولة التي استمرت ثلاثة أشهر كانت عوامل الثورة قد نضجت ولم يبق الا توجيه الضربة الألى.

стр. 128

تخطيط للثورة وتنسيقها في الداخل والخارج في شهر يونيو سنة ١٩٥٤م اجتمع ستة من الجزائريين الثوريين المناضلين وهم السادة: مصطفى بن بو العيد، ومحمد بن العربي بن المهيدي، وبطاط رابح وبوضياف محمد، وديدوش مراد، وكريم بلقاسم، وكانوا متصلين بالثلاثة الآخرين الذين هم في القاهرة. نظر هؤلاء الثوار فيما يدور حول الوطن من المعارك الشديدة التي تجري في القطرين الشقيقين فقرروا الاعلان عن الثورة خوفا من إضاعة الفرص، واطلاع الاستعمار على خطتهم السرية، فرسموا للثورة تخطيطا محكما، وتنسيقا في الداخل والخارج، واتخذوا المركز الرسمي للثورة في القاهرة، وعلى الحدود الجزائرية من جهة تونس ومراكش مراكز للذخيرة والمؤن، ومستشفيات لمعالجة المرضى والجرحى ومأوى للفارين من الحديد والنار، وملاجئ للمشردين والتائهين وتدريبا للجنود، ومن بعد ما يتم تدريبهم يدخلون الى الوطن ليبيا شروا العمليات الحربية، وكان قادة الثورة الذين يشرفون على تسيير العمليات العسكرية التي تدور رحاها في الوطن من هذه المراكز. انقسم هؤلاء الثوار الى طائفتين: طائفة ذهبت الى الخارج تبث الدعاية وتهيئ الجو العالمي وخاصة المسلمين الذين تربطهم بهم رابطة قوية، لأن العالم الإسلامي باعتبار الروابط الدينية واللغوية والتاريخية ووحدة المصير المشترك أمة واحدة، ولهذا لما احتل القطر الجزائري سنة ١٨٣٠م من طرف الاستعمار الفرنسي أصبحت الأقطار الأخرى كلها مهددة بالاحتلال، ومن بعد سقطت واحدة تلو الأخرى في قبضته، وكذلك لما اندلعت الثورة في الشرق العربي الإسلامي امتد لهيبها المقدس الى شمال افريقيا فتحرر كما تحرر الشرق.

стр. 129

اتصل الثوار الذين ذهبوا الى الخارج بالحكومات العربية وبرؤسائها وبأجهزة الاعلام، وعقدوا صفقات تجارية مع المنظمات الغربية لشراء السلاح والمعدات الحربية. وما كادت الثورة تتغلغل وتعمق في الوطن حتى كانت إذاعات الدول العربية تشيد بأعمال المناضلين ليطلع العالم أجمع على ما يقع في هذه البلاد، وفي مقدمة هذه الاذاعات إذاعة صوت العرب من القاهرة التي لها الفضل الأكبر في إثارة الجماهير الجزائرية وتحمسها للثورة، والمذيع المشهور السيد: أحمد سعيد رمضان لم يدخر وسعا، ولم يألو جهدا في التعريف بالقضية الجزائرية والتنديد بالاستعمار، فإنه رافق كفاح الجزائريين من أوله إلى آخره، كان يذيع باللغتين العربية والفرنسية، هذه الاذاعات لها فضل كبير في توحيد الصفوف وإيقاظ الرأي العام ولفت أنظاره الى القضية. وكان القادة يعقدون ندوات صحفية في عواصم العالم الكبرى، فتنقلها هذه الاذاعات في حينها، وسفراء الدول الاسلامية كانت ألسنة حدادا في الدفاع عن الجزائر في جميع المحافل الدولية، وشعوب الشرق العربي كانت تنظم أسبوعا كاملا في كل سنة لجمع التبرعات الشعبية، بل خصصت مقدارا كبيرا من ميزانيتها العامة تدفعها للجزائريين في كل سنة، وكانت هذه الحكومات تأوي اللاجئين وتمد الثورة بالعتاد والذخيرة الحربية، في كل وقت وتداوي الجرحى في مستشفياتها وتمنح الرخص لمسيري الثورة ليتجولوا في البلاد لبث الدعاية في أقطار العالم، وتبنت شعوب آسيا وافريقيا قضية الجزائر في جميع مراحلها وأطوارها، وتولت الدفاع عنها لدى جمعية الأمم فكانت تشرحها للوفود شرحا مفصلا، وترد على أقوال العدو، وتفند آراءه وحججه وتسعى في جلب أصوات الوفود الأخرى للقضية عند الاقتراع. انقسمت الهيئة الأممية في قضية الجزائر على قسمين فالدول الشرقية والاشتراكية كانت تؤيد القضية الجزائرية وتناصرها، أما الدول الغربية فإنها وقفت بجانب الاستعمار الفرنسي تشد أزره وتؤيده في عدوانه وظلمه، وكانت تعارض بشدة عرض القضية الجزائرية على جمعية الأمم، ولكن رغم هذه المعارضة عرضت أكثر من خمس مرات على هذه الهيئة ... ولما اقتنعت الهيئة الأممية بعدالة هذه القضية وتحققت من أن فرنسا لم تكن جادة في حلها بدأت تتذمر منها وكانت توصي في كل مرة تتقدم فيها القضية بأن تحل حلا سلميا على مقتضى قرار هيئة الأمم. وكانت وفود آسيا وافريقيا في هذه الجمعية لا تريد مناقشة القضية الجزائرية على هذا المنبر العالمي الا تفهيم الرأي العام في هذه القضية العادلة. وأما انها متيقنة بأن الصلح لا يكون الا مع فرنسا وحدها. وبمجرد الاعلان عن الثورة في الجزائر كان لها صدى كبير، وإعانة فعالة من طرف العالم الإسلامي، بل اعتبرها ثورته. وبفضل هذه الدعاية الحكيمة والخطة الرشيدة توصل قادة الثورة الى أهدافهم التي رسموها من أول مرة، فأصبحت ثورة الجزائر حديث المجالس العالمية سواء منها الخاصة أو العامة وبفضل الدعاية المحكمة جلبت عطف الشعوب، وأصبحت تنظر الى الجزائريين بعين الاكبار والاعجاب، وكسبت أصدقاء في الخارج، فكانوا يمدونها بما تحتاج إليه من إعانة أدبية ومادية، واحتلت الصدارة في صحف العالم، وألفت فيها عدة أسفار تنويها ببطولة الشعب وإعجابا بعبقريته الفذة، قام القادة بهذه الاعمال كلها، وبالفعل جعلوا قضية الجزائر قضية عالمية لا محلية كما تدعي فرنسا. أما الطائفة الثانية فإنها توزعت على القطر الجزائري لتقود المنظمات السرية التي كانت تحت اشرافها، والاتصال بالشخصيات البارزة من الشعب لتلقين النظام الذى تسير عليها الثورة ... سار هذا النظام منذ بدء الثورة على عاملين أساسيين: العامل الأول هو إيجاد القوى التي بها تستطيع الثورة أن تقف في وجه العدو، بحيث تحمي نفسها منه وتدافع عن وجودها، ولهذا ما كاد الشباب يسمع بإعلانها حتى نفر الى مراكز التجنيد الموجودة

стр. 130

القضية الجزائرية على جمعية الأمم، ولكن رغم هذه المعارضة عرضت أكثر من خمس مرات على هذه الهيئة ... ولما اقتنعت الهيئة الأممية بعدالة هذه القضية وتحققت من أن فرنسا لم تكن جادة في حلها بدأت تتذمر منها وكانت توصي في كل مرة تتقدم فيها القضية بأن تحل حلا سلميا على مقتضى قرار هيئة الأمم. وكانت وفود آسيا وافريقيا في هذه الجمعية لا تريد مناقشة القضية الجزائرية على هذا المنبر العالمي الا تفهيم الرأي العام في هذه القضية العادلة. وأما انها متيقنة بأن الصلح لا يكون الا مع فرنسا وحدها. وبمجرد الاعلان عن الثورة في الجزائر كان لها صدى كبير، وإعانة فعالة من طرف العالم الإسلامي، بل اعتبرها ثورته. وبفضل هذه الدعاية الحكيمة والخطة الرشيدة توصل قادة الثورة الى أهدافهم التي رسموها من أول مرة، فأصبحت ثورة الجزائر حديث المجالس العالمية سواء منها الخاصة أو العامة وبفضل الدعاية المحكمة جلبت عطف الشعوب، وأصبحت تنظر الى الجزائريين بعين الاكبار والاعجاب، وكسبت أصدقاء في الخارج، فكانوا يمدونها بما تحتاج إليه من إعانة أدبية ومادية، واحتلت الصدارة في صحف العالم، وألفت فيها عدة أسفار تنويها ببطولة الشعب وإعجابا بعبقريته الفذة، قام القادة بهذه الاعمال كلها، وبالفعل جعلوا قضية الجزائر قضية عالمية لا محلية كما تدعي فرنسا. أما الطائفة الثانية فإنها توزعت على القطر الجزائري لتقود المنظمات السرية التي كانت تحت اشرافها، والاتصال بالشخصيات البارزة من الشعب لتلقين النظام الذى تسير عليها الثورة ... سار هذا النظام منذ بدء الثورة على عاملين أساسيين: العامل الأول هو إيجاد القوى التي بها تستطيع الثورة أن تقف في وجه العدو، بحيث تحمي نفسها منه وتدافع عن وجودها، ولهذا ما كاد الشباب يسمع بإعلانها حتى نفر الى مراكز التجنيد الموجودة

стр. 131

في قمم الجبال، وهذا بفضل الدعاية المحكمة والأعمال المنسقة، فكانت الأمة الجزائرية تتسابق الى الثورة رجالا ونساء بحيث لو كان لدى القادة السلاح الكافي لانخرط الشعب كله في سلك المجاهدين ولكنهم كانوا يقبلون من الشباب قدر ما يحتاجون إليه، والذى يليق منهم بالخدمة العسكرية، وكان المشرفون على التجنيد يشترطون فيمن يريد أن يلتحق بجيش التحرير أن يبرهن على حسن نيته بحادثة ما من الحوادث الفدائية تعين له ليكون مقبولا، والباقي من الشباب يرجئونه الى مناسبة أخرى، أو يستغلونه داخل المدن والقرى يعمل ما من أعمال الثورة، وكانوا يرغبون في الشباب المثقف الذين لهم علم أو صناعة أو مهنة، وجلب القادة الفنيين من الخارج لتدريب الجنود على حرب العصابات والسلاح الذي يأتي من الخارج تدريبا عصريا حتى أصبح الجند من جيش التحرير كامل الأدوات والمعدات الحربية لا ينقصه شيء عن الجند العصري في الأمم الراقية ... ولما يتم تدريبهم يرسلونهم الى داخل الوطن أو جهات معينة منه أفواجا وكتائب متتابعة ليصطدموا بالجيش الفرنسي في معارك واشتباكات عنيفة تستمر أياما وليالي، وعندما يتم تسليح الجند الجزائري تظهر بطولة أبناء الأطلس التي هي سليقة فيهم، وإذا بلغ الاتحاد مكانة من الأمة، الجزائرية والاحساس من مشاعر أفرادها رأيت في الدهماء منها والخاصة همما تعلو وشيما تسمو، وإقداما يقود، وعزما يسوق فيصبح الكل يطلب السيادة والغلب، فتتلاقى هممهم وتتلاحق عزائمهم في سبيل المجد، فيزيلون كل من يقف في طريقهم من الصعاب، فكان جيش التحرير ينزل ضرباته القاصمة بالعدو فيتمكن الرعب من جنوده وفيالقه فيلوذون بالفرار ويولون الأدبار. والعامل الثاني هي الدعاية التي اتخذها الثوار لإثارة الشعب، وبفضلها ثارت الأمة الجزائرية، وكانت تقبل على التضحيات على اختلاف أنواعها، وهي التي وحدت صفوف الشعب، وكان الدعاة يتقنون أساليبها اتقانا عجيبا ويحذقون فنونها تمام الحذق، واعتمدوا فيها على الدين، فكانوا يقولون للأمة الدين قد أوجب عليكم جهاد الكفار بأموالكم وأنفسكم، ويلزمون

стр. 132

الجند بإقامة شعائره من صلاة وصيام وإقامة الحدود الشرعية على السكارى والزناة والمعتدين على الحرمات التي حرمها الاسلام ويطبقون أحكامه على الأمة ويعلمونه للأبناء، والأمة الجزائرية - كما قلنا - متأثرة بالدين، فلما رأت الثورة سائرة على منهج ديني اندفعت في أحضانها بقضها وقضيضها، وكثيرا ما كان الناس يطلبون الاستشهاد في سبيل الله. والناحية التي لا يزال سكانها لم يثوروا بعد على الاستعمار فإذا قصدها الثوار فتثور في الحال وتصير مسرحا للحوادث الدامية، فيعمدون الى قتل معمر أو خائن أو نسف شيء من منشآت المحكومة، فتعاقب هذه السكان من دون تفريق أو تمييز، ولما رأى سكان هذه الناحية العقاب الجماعي فيلتحقون بصفوف الثوار، وكانت هذه خطة الحكومة في كل ناحية تقع فيها الحوادث. جند قادة الثورة كل من كان له مقدرة من الرجال والنساء حتى الصبيان على العمل، وكذلك جنود المسلمين الذين هم كانوا في صفوف الجيش الفرنسي، وكان كل واحد من هؤلاء المجندين يندس بين الناس، وينقل الى الثورة كلما يهمها من الأعمال والأقوال ويدعون الى مؤازرتها ... أصبحت الثورة بفضل هذه الخطة المحكمة حديث البيوت والمجالس الشعبية، وكانت هي الشغل الشاغل للأمة فكان كل فرد مهتما بها، والأخبار عن حوادث الفدائيين كانت كالسيل الجاري لا تنقطع أبدا، والناقلون لها يتفلسفون فيها فلسفة عجيبة بحيث يحبطونها بهالة من التقديس والمجد حتى يتمنى كل فرد أن يشارك فيها ليكون بطلا وزعيما ... بهذه الدعاية المحكمة تشجعت الأمة وارتمت في أحضان الثورة، وسرعان ما تناست كلما كان لها من مصالح فردية ونزعات شيطانية، وصارت تتنافس في أعمال الثورة، فخرجت المرأة من خدرها الى ميادين القتال، وأصبحت تزاحم الرجل في العمل، وصاحب المال أخرج ماله ليكون وقودا للثورة، فصار كل فرد من أفراد الأمة مسؤولا عنها وفي أوت سنة ١٩٥٦م انعقد مؤتمر للثورة في وادي ابن سلام أي (واد الصومام) تأسس فيه مجلس وطني وانبثقت عنه لجنتان لجنة للتنسيق، وأخرى للتنفيذ ... فلجنة التنسيق كانت تنسق البرامج لكل عمل من أعمال الثورة

стр. 133

فقسمت القطر الى ولايات، وأسندت كل ولاية الى ضابط عسكري يدير شؤونها مع مستشارين، فيتسلم هذا الضابط من هذه اللجنة السلطة العسكرية والمدنية ويصبح مسؤولا عما يقع في منطقته لأنه هو القائد العام لها فيدير العمليات العسكرية على اختلاف أنواعها، وينظم الخلايا السرية، ويشرف على أعمال الفدائيين، ويبث العيون والجواسيس في صفوف العدو ومراقبة حركاته وتنقلات جنده مراقبة تامة، ونقل أخباره الى القيادة العامة، والوقوف بالمرصاد للخونة والجواسيس ويحكم المدنيين، ويرعى مصالحهم وشؤونهم العامة، فيحافظ على أمنهم وسلامتهم والدفاع عنهم وتقييد المواليد والوفيات، وأخذ الاشتراكات والتبرعات والزكوات وجمع المؤن من سلاح وكسوة وحبوب وغيرها، والنظر في الخصومات التي تقع عادة بين الناس بواسطة لجنة تعين أفرادها الهيئة العليا للمنطقة، فكان القضاة ينصبون مجالسهم للحكم في القضايا والنوازل ليلا، وذلك بمحضر الخصوم والشهود، والحكم الصادر ينفذ في الحال، كل هذه الأمور وغيرها يكون رئيس الولاية هو الآمر بها، وعلى علم من تنفيذها، وعلى اتصال تام مع لجنة التنسيق فيما يجرى في منطقته من الحوادث. أما البنود التي اشتمل عليها هذا المؤتمر فيما يخص توقيف القتال والتفاوض مع فرنسا فإنه سيأتي فيما بعد.

стр. 134

تكوين جبهة التحرير في اليوم العاشر من تشرين الأول سنة ١٩٥٤م اجتمع قواد التنظيم الثوري بمدينة الجزائر في أحد بيوت المواطنين لبحث الخطوة اللازمة اتخاذها بعد أن تهيأ الاستعداد الثوري المسلح المنظم للعمل ... قرر المجتمعون أن يأخذوا على عاتقهم المسؤولية التاريخية بإعلان بدء الشعب الجزائري كفاحه الوطني المسلح هذا الكفاح الذى تبلور خلال المعارك في الثورة المظفرة الحاضرة وكانت مجهودات التنظيم الثوري قد أصفرت عن ثلاثة آلاف ثائر وطني من مختلف مناطق البلاد، وعلى رأسهم ستة من الشباب الثوري، هم الذين التأم عقدهم في هذا الاجتماع، ولما اطمأنوا الى ما تحت أيديهم من تنظيم ثوري مسلح قرروا بدء المعركة، وحددوا ميقاتا لها بحيث يعلن عنها في الساعة الواحدة بعد منتصف الليل أول نوفمبر ١٩٥٤م وفي هذا الاجتماع التاريخي اختفى اسم) كوريا) وبرز اسم جبهه التحير الوطني التي توحدت فيها جميع العناصر الثورية وجميع طبقات الشعب. وما كادت الثورة تبدأ أعمالها حتى ذابت فيها جميع الأحزاب والهيآت، ولم يبق الا الزعيم الحاج مصالي والفريق الذي ثبت معه، وقد خسر كثيرا من اتباعه لأنهم انضموا الى الثورة وذهبت سمعته ولم يعدله نفوذ ... رسمت جبهة التحرير ميثاقا وطنيا وأهدافا للثورة وهذا الميثاق هو دستور الكفاح الشعبي الوطني، فصدر نداء جبهة التحرير الأول الى جماهير الشعب الجزائري يوم ٣١ أكتوبر سنة ١٩٥٤م يعلن أهداف الثورة وميثاقها، ويدعو الشعب الى تأييدها والاندماج فيها، هذه الأهداف: هي التحرير الكامل من الاستعمار، وإقامة حكومة وطنية ديمقراطية جمهورية، كما ألقى هذا المنشور تبعة تأخير القضية الوطنية على التوجيه الخاطئ الذي كان يقوم به قادة الأحزاب السياسيين، وأعلن

стр. 135

هذا الميثاق أن الثورة مكونة من الشباب الذين حملوا على عاتقهم مسؤولية قيادة الكفاح الشعبي في طريقه الثوري السليم لأنهم يمثلون الأحزاب والهيآت والعناصر الوطنية وانتهى الى مناشدة الشعب وتأييد الجبهة والالتفاف حولها. تولى هؤلاء القادة الستة القيادة العسكرية فتوجه كل واحد منهم الى المنطقة التي حددت له ليقود ثورتها وفق ما يلى: ديدوش مراد قائدا في شمال منطقة قسنطينة، ابن بو العيد قائدا في جبال الأوراس، بطاط رابح في العاصمة، محمد بن المهيدي العربي قائدا في وهران، كريم بلقاسم في منطقة بلاد القبائل ... وعلى إثر اتخاذ هذه القرارات السابقة، كلف هؤلاء القادة محمد بن بوضياف أن يلتحق بالقادة السياسيين الذين هم في القاهرة ليفضي إليهم بنتائج الاجتماع، وليعمل معهم على قيادة الثورة من الخارج وتزويدها بما تحتاج إليه من سلاح ومال مستدين في ذلك الى معونة الشعوب العربية، كما عهد اليهم بتعبئة رأى العالم الدولي لمناصرة الثورة وفضح جرائم الاستعمار ولما نشط القادة العسكريون في خوض المعارك نشط كذلك القادة السياسيون في الخارج في تكوين فروع لجبهة التحرير في القاهرة وعواصم الدول الكبرى ... تم الاعداد والتنظيم بين الجماهير الشعبية في ثلاثة أشهر وقد تم في سرية ونظام دقيقين، فلم تشعر السلطة الفرنسية بتكوين الجبهة إلا بعد صدور أول منشور لها وكان قلم المخابرات السرى الفرنسي يجهل هذه الحركة تماما حتى فوجئت الحكومة بالثورة، وأعلنت عن غفلة من أعين الرقباء، والشعب، وان كان وجودها متوقعا لكنها جاءت على أيدى أناس لا يعرف عنهم الشعب أكثر من أنهم أتباع ومأمورون لا متبوعون، أما كونهم كيف انفصلوا عن حركة الانتصار، وأصبحوا يعملون للثورة المسلحة سرا حتى تهيأت أسبابها ولوازمها فأعلنوها للشعب وللعالم أجمع؟ فهذا لم يكن يخطر على بال أحد سواء من الأمة أو الحكومة الفرنسية. ولأهمية هذا النداء نبته هنا كاملا وهذا نصه ... الجزائر ٣١ أكتوبر ١٩٥٤م جبهة التحرير الوطني الى الشعب الجزائري ... الى المكافحين في سبيل القضية الوطنية، اليكم

стр. 136

وحدكم نتوجه بندائنا هذا، فأنتم الذين ستكونون لنا أو علينا ... الى جماهير الشعب بصفة عامة، والمكافحين بصفة خاصة ... الغرض من إصدار هذه المنشورة، هو أن نوضح لكم الأسباب العميقة التي دفعتنا الى الكفاح، وكذلك لكى نشرح لكم برنامجنا. ان كفاحنا مبنى على أساس التحرير الوطني في نطاق الشمال الأفريقي، كما أننا نرغب في أن ننزع عنكم تلك البلبلة التي يعمل على تمتينها الاستعمار وعملاؤه من الاداريين والسياسيين المتعفنين، ونعتبر - قبل كل شيء - أن اقتراب حلقة كفاحنا الماضية قد وصلت اليوم الى حلقتها الأخيرة، ان مراحل كفاحنا الطويل، قد وصل اليوم بالحركة الوطنية الى مرحلتها الأخيرة، تعمل حركتنا الثورية على توفير كل الظروف المواتية لحفز كفاحنا التحريري. ونرى أن يكون الشعب في النطاق الداخلي موحدا تحت شعار الاستقلال والعمل، وفي النطاق الخارجي ستعمل ثورتنا على إيجاد الجو الهادئ الذي يساعد على حصولنا على معونة إخواننا العرب وحل مشاكلنا الثانوية بالطرق الدبلوماسية ان الحوادث الثورية الجارية اليوم في كل من مراكش وتونس لتبين بوضوح كيف يكون الكفاح التحريري لشمال افريقيا؟ وفي هذا بالخصوص نود أن نقول بأننا كنا منذ زمن طويل أصحاب فكرة ووحدة شمال افريقيا، وتوحيد الكفاح والعمل من أجل التحرير والوحدة المنشودة، ولكن لم تتكون هذه الوحدة بكل أسف حتى اليوم، إلا أننا نرى اليوم كلا من تونس ومراكش قد أخذت بعزم طريق الكفاح المشترك من أجل الحرية والوحدة بينما تخلفنا نحن عن المسير، وبقينا نعاني آلام من سبقنا في الطريق الذي كان من واجبنا أن نكون أول من سلكه، فقد كنا في الماضي أصحاب الدعوة لهذا الطريق، وهكذا تنكبت حركاتنا الوطنية بسبب أعوام مضت علينا من الخمول والعمل الروتيني والتوجيه الخاطئ، وافتقاد التأييد الواجب من الرأي العام ... كل هذه الظروف والعوامل جعلت الحركة الوطنية تتكمش يوما بعد يوم وهذا ما جعل الاستعمار يعتقد أنه أحرز من وراء ذلك نصرا كبيرا في حربه ضد القوى التقدمية الجزائرية.

стр. 137

الساعة خطيرة، وتخشى أن يستمر الحال على ما هو عليه فيستعصى من بعده العلاج، ولذا قام نفر من الشباب المكافحين المخلصين، وتحملوا مسؤولية الكفاح على عاتقهم وجمعوا حولهم أغلبية العناصر الوطنية الشريفة من مختلف الأحزاب والهيآت والطبقات مكونين بذلك جبهة وطنية متحدة، وبذلك يتحقق الوقت الذي يمكننا فيه أن نخرج القضية الوطنية من طريقها المغلق الذي أوجدها فيه نفوذ السياسيين المحترفين، وكفاحهم حول أشخاصهم الى طريقها الصحيح في جانب إخواننا المراكشيين والتونسيين في المعركة الثورية الحقيقية. أولا: هدفنا الاستقلال الوطني - إقامة حكومة جزائرية ديمقراطية ذات سيادة في نطاق النظام الإسلامي - احترام جميع الحريات العامة بدون تمييز بين الأجناس والعقائد. نحن نؤكد في هذا الجانب أننا مستقلون عن الجانبين اللذين يتنازعان السيادة الحزبية، وفقا للمبادئ الثورية، لا تكون حركاتنا موجهة ضد أي هدف كان سوى الاستعمار، الذى هو عدونا الوحيد العنيد الأعمى الذي يرفض دائما أن يمنحنا أقل حركة بوسائل الكفاح السلمي، لقد وضعنا المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار شخص. ونحن نعتقد أن كل ما سبق أسباب كافية لكي ندخل التجديد على حركاتنا، فنتقدم إليكم تحت اسم جبهة التحرير الوطني، وذلك لنتجنب كل الأخطاء الممكنة، ونقدم إمكانيات الكفاح الوطني لكل المواطنين الجزائريين من كل الطبقات الاجتماعية ومن كل الأحزاب والحركات الجزائرية الخالصة النقية لنخوض معركة التحرير دون أي اعتبار آخر، ولكى نبين لكم بدقة أهداف كفاحنا نرسم فيما يلى الخطوط الرئيسية لبرنامجنا السياسي. ثانيا: الناحية الداخلية - إجراء عملية تطهير سياسية لإعادة الحركة الوطنية الى طريقها الطبيعي وبذلك نمحي كل ما بقي من الفساد الذى تسبب في تأخيرنا الحالي. ١ - تنظيم وتعبئة النشاط الثوري للشعب الجزائري للقضاء على النظام الاستعماري.

стр. 138

ثالثا: الناحية الخارجية - الخروج بالقضية الجزائرية الى المجال الدولي. أ - أن يكون الشمال الأفريقي موحدا في نظامه الطبيعي وهى العروبة والاسلام. ب - تأكيد محبتنا الفعالة لكل الشعوب التي تساعد حركتنا التحريرية. رابعا: أساليب الكفاح: استمرار الكفاح بكل الوسائل حتى تتحقق أهدافنا وفق مبادينا الثورية في المبادئ الثلاثة السابقة، ولكى نحقق أهدافنا سيكون لجبهة التحرير الوطني عاملان رئيسيان يؤيدهما معا عمل داخل سياسي وحزبي، تقوم بهما في ميدان السياسة والحرب، وعمل خارجي يتلخص في جعل المشكلة الجزائرية حقيقة واضحة أمام دول العالم وشعوبه مع التحصيل على معونة حلفائنا الطبعيين من إخواننا العرب، وهذا العمل شاق يتطلب تعبئة كل القوى والموارد الطبيعية ... سوف يكون الكفاح شاقا وطويلا ولكن النتيجة النهائية مؤكدة ببلوغ أهدافنا، وأخيرا كي نبين رغبتنا في السلام ونتجنب الخسارة في الأرواح وسفك الدماء وإراقتها، نقدم للمناقشة عرضا شريفا الى السلطات الفرنسية، إن كانت هذه السلطات تنطوي على نوايا حسنة بأن تبادر الى الاعتراف لكل الشعوب التي تستعمرها بحق تقرير المصير، ونحن اذا نقدم هذا العرض انما لنسد الطريق على الذين قد يحلو لهم أن يسيئوا تأويل حركتنا من العناصر المتمردة وعرضنا يتلخص في الآتي: أ - فتح مفاوضات مع المخولين لسلطة التحدث باسم الشعب الجزائري على قاعدة الاعتراف بالسيادة الجزائرية. ب - التمهيد لهذه المفاوضات يجب أن نخلق جوا من الثقة وذلك بالإفراج عن المعتقلين السياسيين، ورفع كل الاجراءات الاستثنائية وفق تلك التي تتخذ ضد القوى الوطنية المكافحة. ج - الاعتراف بالجنسية الجزائرية، وذلك بموجب إعلان رسمي لمحو كل فكرة أو قانون يجعل من الجزائر أرضا فرنسية

стр. 139

رغم الحقائق التاريخية والجغرافية واللغوية والدينية والتقاليد. فإذا اعترفت فرنسا بكل ما تقدم نضمن لها ما يلى: أ - المصالح الاقتصادية للأشخاص والعائلات الفرنسية التي اكتسبت بطرق مشروعة وشريفة ستكون محترمة. ب - الفرنسيون الذين يرغبون في البقاء في الجزائر لهم الحق في الاختيار ما بين البقاء على جنسيتهم الأصلية، وفي هذه الحالة يعتبرون أجانب بالنسبة للقوانين الجارية، وبين الحصول على الجنسية الجزائرية، وفي هذه الحالة يعتبرون مواطنين جزائريين في الحقوق والواجبات ... ج - تحديد العلاقات بين الجزائر وفرنسا بموجب اتفاقية تعقد بين الدولتين على أساس المساواة والاحترام المتبادل. أيها الجزائري: نحن ندعوك أن تفكر في مضمون ميثاقنا السابق وواجبك أن تؤمن به، وتنظم الى صفوفنا لتنقد وطننا ونعيد إليه حريته. ان جبهة التحرير الوطني جبهتك ونصرها نصرك أما نحن فقد صممنا على السير بالكفاح حتى النهاية واثقين من حقيقة مشاعرك المعادية للاستعمار وإننا أقوياء بتأييدك، ونضحي بأغلى ما نملك في سبيل الوطن.

стр. 140

تنيه لا أذكر المعارك الحربية التي دارت رحاها طيلة سبع سنوات ونصف في هذا الوطن، من تخوم صحرائه من الجنوب الى البحر في الشمال ومن الحدود المغربية من الغرب الى الحدود التونسية من الشرق. كل هذه البقاع الفسيحة بما فيها من جبال وسهول وصحاري، ومدن وقرى كانت مسرحا للاشتباكات الكثيرة، والمعارك الدامية، والاغتيالات والتخريب والهدم ... ولا أذكر أعمال المعمرين الأوربيين وبطشهم الشديد بالمسلمين، ولا المنظمة الإرهابية التي اقترفت أكبر الجرائم وأشنعها، وتكالبها على الأبرياء العزل من السكان، وأعمالها الوحشية التي تجاوزت كل حد، فكانت تدخل المنازل ليلا، وتخطف الشخصيات، وتخرج منها الكلام بالقوة، ومن بعد تقتلها أو تدفنها حية حتى تموت، ومن بعد صارت تستعمل القتل الجماعي على مرأى ومسمع من الحكومة الفرنسية، ولا أعمال الفرقة الأجنبية، وجنود المظلات الذين كانوا يرفعون الشباب والشيوخ في الشاحنات الى مراكز التعذيب ليستنطقوهم وينكلوا بهم حتى مر الشعب على أشد العذاب وأقساه هولا، ولا الخسائر التي لحقت المسلمين في أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، وكذلك لا أتعرض للخسائر التي ألحقها الثوار بالمعمرين من الأوربيين الذين كانوا عرضة للشعب في جميع مطالبه وحقوقه الشرعية وخطفهم للغلاة منهم والضباط من الجيش الفرنسي، وذبح الخونة والجواسيس، ومصادرة أموالهم، ولا العزائم التي تسلح بها الشعب، ولا الاستماتة التي أبداها في مقاومة الاستعمار حتى أحرز على النصر، ولا الدعاية التي جهز لها الطرفان المتحاربان كل إمكانيتهما، فكل طرف كان يستعمل أساليب وأنواعا من الدعاية ليجلب الشعب الى جانبه، ولا الأموال التي كانت تنفق على هذه الحروب الاستعمارية، ولا البرامج التي سطرت للقضاء والتغلب على الجانب المعادي فهذا كله لا أتعرض

стр. 141

له، لأن الثورة الجزائرية عمت الوطن كله، وهزت كيان الشعوب المستعمرة للمطالبة بحقها، فأصبحت تقاوم الاستعمار بالسلاح حتى أحرزت على استقلالها. وتفصيل حوادث الثورة ليس في مقدور أي فرد كان أن يقوم به وحده، لأنها اجتاحت البلاد كلها وطالت مدتها. ولهذا لا يستطيع أحد أن يحصي حوادثها الكثيرة. اللهم إلا إذا تألفت لجان من جميع الولايات التي كانت إبان الثورة - عندئذ - يستطيع رجال كل ولاية أن يسجلوا حوادثها على حدة محافظة على التراث النفيس الذي هو شرف الآباء والأجداد، ووفاء للشهداء الأبرار، والمجاهدين الأبطال. فبذلك يكون للجزائريين تاريخ طريف أضافوه الى تاريخ أمتهم التليد قديما وحديثا ... وإنما أذكر الخطوط الرئيسية للثورة والحوادث الهامة، والمراحل التي اجتازتها، وأتبع سيرها من بدايتها الى نهايتها، ولا أدخل في التفاصيل وإنما أشير الى بعضها لأنها متعددة النواحي مترامية الأطراف، لعبت فيها الشجاعة والبطولة دورا هاما، هذا قوي بسلاحه معتمد عليه. والآخر قوي بحقه وبإيمانه وإرادته التي لا تخضع ولا تلين. من الذي كان يظن أن الشعب يقف في وجه أعظم دولة وأضخم جيش مسلحا تسليحا عصريا ينتزع منه استقلاله، ولا أحد كان يعلم أن في الشعب عباقرة. يستطيعون أن يسيروا العالم، ومن كان يتكهن أن الفدائيين يغوصون على الموت غوصا، وهم غض الشباب رطب الإهاب، كل هذا لم يستطع أحد أن يعرف قبل الثورة، وإنما الفضل يرجع إليها هي التي اكتشفت المواهب التي كان منطويا عليها هذا الشعب. نترك تفصيل حوادث الثورة لغيرنا، وإنما قصدنا الوحيد - في هذا الكتاب هو بيان مفعول الدين كيف حوك الجماهير الى الجهاد في سبيل الله، فأصبح هو العامل البارز فيها، فوحد بين صفوف الشعب فصار كل فرد من أفراده لا يدخر جهدا ولا وسعا

стр. 142

في سبيل ما يقدمه الى الثورة، وأمد المجاهدين بقوة معنوية فعالة لا ينضب لها معين في جميع مراحلها وأطوارها واستجاب الشعب له من صميم أعماقه، واستهان بما كان له من نفس ومال في سبيل الله، وفضل الموت على الحياة، ولولا الدين لما حالف النجاح الثورة أبدا، ولم تستطيع أي قوة في العالم أن تزحزح الاستعمار من هذا الوطن. الدين هو القوة الفعالة في هذا الوطن، فكل من استمسك به فقد فاز ونجا، وكل من ابتعد عنه فقد ارتكس وهلك، ولهذا اعتمد عليه قادة الثورة في دفع الشعب الى الجهاد والتفاني والإخلاص في سبيله، وكان العدة والزاد، والحصن الحصين الذي يلجأ إليه المجاهدون في كل زمان ومكان. لولا النهضة الأخيرة للشعوب الاسلامية لانسلخت عن الاسلام ومنها برهنت على أنها لا زالت متأثرة به. وهنا يبدو بوضوح وجلاء أن أشد الأديان مراسا في إباء الاستعباد هو الاسلام الحنيف.

стр. 143

بداية الثورة في الجزائر في منتصف الليل من أول نوفمبر سنة ١٩٥٤م - دوت أرض الجزائر بالطلقات النارية، وتوال هجوم الثوار على معسكر الاستعمار الفرنسي ومنشآته العمرانية طول الليل في مختلف الجهات من أرض الوطن، وكانت جبال أوراس ميدانا لأعنف الهجومات، وأول طلقه كانت من مدينة أريس، ووقعت كذلك حوادث في المدن الأخرى من القطر ... أصبحت إذاعة العالم وصحفه تنقل أخبار الثورة وتذيعها عليه، فدهش الناس من هذه الأخبار، وكانوا إما بين مصدق لها ومكذب، وكانوا يسألون بعضهم بعضا ويعقدون اجتماعات، ويناقشون الأخبار فيها، ويعرضون تعاليق الصحف ويسمعون الى كلام المسافرين لعلهم يعثرون على خبر صحيح يشفى غليلهم ويطفئ أوراهم، وتراهم يتهامسون في الطرق والمقاهي والمحلات العامة، والسرور باد على محياهم، والقلوب تكاد تطفر من بين الضلوع من شدة الأنباء السارة، والأعين تدور يمينا وشمالا، ودموع الفرح تترقرق في الآفاق. ولما انتشرت الثورة في الوطن، وأصبحت حقيقة تنفس الناس الصعداء بعد ما كان في النفوس حسرة ومرارة، وفي الحلق غصة وفي الصدور ثورة مشبوبة من الحالة التي ارتكس فيها الشعب الجزائري. وفي صبيحة هذا اليوم صدر بلاغ رسمي من السلطات الفرنسية هذا نصه: (حدث أثناء الليل في عدة مناطق مختلفة من أرض الجزائر على الأخص شرق قسنطينة بمنطقة أوراس عدة عمليات حربية مختلفة بلغ عددها ثلاثين عملية، قامت بها فرق صغيرة من الإرهابيين أسفرت عن قتل ضابط وجنديين في مدينة خنشلا، وباتنة، وجنديين من حراس الليل بمنطقة القبائل، وكذلك أطلق الرصاص على مراكز الدرك، وألقيت بعض قنابل الحارقة المصنوعة صنعا محليا، ولكنها لم تسبب في أضرار سوى

стр. 144

في مخازن شركة الحبوب ببلدية بوفريك، وشركة (سلتاف) للحديد والفلين، والحاكم العام يؤكد أنه قد اتخذ فور هذه الحوادث الإجراءات اللازمة السريعة لمواجهة هذه الحالة، والتي هي بين أيدى القائد العام حيث يجرى تنفيذها، كما استدعينا بعض القوات الاحتياطية لتدعيم قواتنا بمناطق الحوادث. ان الشعب الذى يثق فيما يتخذه الحاكم العام من إجراءات لتهدئة الحال وضمان الأمن للقضاء على الأقلية المجرمة، قد سيطر عليه الهدوء، وضبط الأعصاب في جميع أوساطه - امضاء (روجي ليونار) الحاكم العام. في الجزائر أول نوفمبر سنة ١٩٥٤ م. هكذا سجلت السلطة الفرنسية ثورة الشعب الجزائري.

стр. 145

أعمال جبهة التحرير اتخذت جبهة التحرير لجيشها جبال الجزائر محطة رحالهم، ومراكزها الرسمية لحصانتها ومناعتها ووفرة السكان فيها، فمنها كان جيش التحرير يوالى هجوماته على العدو، ويواصل كفاحه ضد المحتل، وهو في مأمن ومنجاة منه ويستعين بالسكان على أعماله الشاقة واختلط بهم اختلاطا تاما. قررت جبهة التحرير تعبئة جميع موارد الشعب سواء كانت مالا أو إنسانا، أو غير ذلك من الأشياء الأخرى التي تحتاج اليها الثورة، لأن الثورة من الشعب والى الشعب، فيجب أن تستمد قوتها منه. وقفت الأمة الجزائرية من الثورة في أول الأمر موقف حذر وتربص حتى تبين أمرها وبعدما اتضح شأنها، اندفعت في تيارها، وارتمت في أحضانها بغضها وغضيضها وأصبحت تبذل كلما كان في وسعها من قوة وجهد، وكل فرد كان يقدم لها الاعانة اللازمة التي يستطيع عليها عن طيب قلب وهو راض بالمسؤولية التي تناط بعهدته، وأنه على علم بما ينجم عنها من أخطار، ولربما ذهبت بحياته، ولكن في سبيل الوطن تهون كل تضحية حتى دهش قادة الثورة من هذه الأعمال المشجعة والتضحيات الجسيمة، فوجدوا كل إعانة وتأييد من طرف الشعب الذى كان يرى لهؤلاء القادة فضلا كبيرا عليه لأنهم فتحوا له طريق الحياة الحرة، ونفسوا عن كبته الذى لازمه دهرا طويلا، ومحوا عنه ذل العار والمذلة التي لحقته من طرف الاستعمار ... كان سلاح الثوار في أول الأمر سلاحا تافها فأغلبيته من بناديق الصيد وبعض المسدسات، وشيء قليل من الرشاشات، وبعض المتفجرات من الصنع المحلى، والباقي من الجنود ليس لهم سلاح، وإنما كانوا يحملون الأدوات المنزلية كالفؤوس والشاغور، والخناجر والعصي يلوحون بها في الهواء والخرطوش كان لديهم قليلا جدا غير أن هذا لم يكفهم عن القتال ...
следующие страницы →