← Общие книги

Общие книги · id 115134

الاعتصام بالإسلام

عمر العرباوي

Полный текст (256 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

له، لأن الثورة الجزائرية عمت الوطن كله، وهزت كيان الشعوب المستعمرة للمطالبة بحقها، فأصبحت تقاوم الاستعمار بالسلاح حتى أحرزت على استقلالها. وتفصيل حوادث الثورة ليس في مقدور أي فرد كان أن يقوم به وحده، لأنها اجتاحت البلاد كلها وطالت مدتها. ولهذا لا يستطيع أحد أن يحصي حوادثها الكثيرة. اللهم إلا إذا تألفت لجان من جميع الولايات التي كانت إبان الثورة - عندئذ - يستطيع رجال كل ولاية أن يسجلوا حوادثها على حدة محافظة على التراث النفيس الذي هو شرف الآباء والأجداد، ووفاء للشهداء الأبرار، والمجاهدين الأبطال. فبذلك يكون للجزائريين تاريخ طريف أضافوه الى تاريخ أمتهم التليد قديما وحديثا ... وإنما أذكر الخطوط الرئيسية للثورة والحوادث الهامة، والمراحل التي اجتازتها، وأتبع سيرها من بدايتها الى نهايتها، ولا أدخل في التفاصيل وإنما أشير الى بعضها لأنها متعددة النواحي مترامية الأطراف، لعبت فيها الشجاعة والبطولة دورا هاما، هذا قوي بسلاحه معتمد عليه. والآخر قوي بحقه وبإيمانه وإرادته التي لا تخضع ولا تلين. من الذي كان يظن أن الشعب يقف في وجه أعظم دولة وأضخم جيش مسلحا تسليحا عصريا ينتزع منه استقلاله، ولا أحد كان يعلم أن في الشعب عباقرة. يستطيعون أن يسيروا العالم، ومن كان يتكهن أن الفدائيين يغوصون على الموت غوصا، وهم غض الشباب رطب الإهاب، كل هذا لم يستطع أحد أن يعرف قبل الثورة، وإنما الفضل يرجع إليها هي التي اكتشفت المواهب التي كان منطويا عليها هذا الشعب. نترك تفصيل حوادث الثورة لغيرنا، وإنما قصدنا الوحيد - في هذا الكتاب هو بيان مفعول الدين كيف حوك الجماهير الى الجهاد في سبيل الله، فأصبح هو العامل البارز فيها، فوحد بين صفوف الشعب فصار كل فرد من أفراده لا يدخر جهدا ولا وسعا

стр. 142

في سبيل ما يقدمه الى الثورة، وأمد المجاهدين بقوة معنوية فعالة لا ينضب لها معين في جميع مراحلها وأطوارها واستجاب الشعب له من صميم أعماقه، واستهان بما كان له من نفس ومال في سبيل الله، وفضل الموت على الحياة، ولولا الدين لما حالف النجاح الثورة أبدا، ولم تستطيع أي قوة في العالم أن تزحزح الاستعمار من هذا الوطن. الدين هو القوة الفعالة في هذا الوطن، فكل من استمسك به فقد فاز ونجا، وكل من ابتعد عنه فقد ارتكس وهلك، ولهذا اعتمد عليه قادة الثورة في دفع الشعب الى الجهاد والتفاني والإخلاص في سبيله، وكان العدة والزاد، والحصن الحصين الذي يلجأ إليه المجاهدون في كل زمان ومكان. لولا النهضة الأخيرة للشعوب الاسلامية لانسلخت عن الاسلام ومنها برهنت على أنها لا زالت متأثرة به. وهنا يبدو بوضوح وجلاء أن أشد الأديان مراسا في إباء الاستعباد هو الاسلام الحنيف.

стр. 143

بداية الثورة في الجزائر في منتصف الليل من أول نوفمبر سنة ١٩٥٤م - دوت أرض الجزائر بالطلقات النارية، وتوال هجوم الثوار على معسكر الاستعمار الفرنسي ومنشآته العمرانية طول الليل في مختلف الجهات من أرض الوطن، وكانت جبال أوراس ميدانا لأعنف الهجومات، وأول طلقه كانت من مدينة أريس، ووقعت كذلك حوادث في المدن الأخرى من القطر ... أصبحت إذاعة العالم وصحفه تنقل أخبار الثورة وتذيعها عليه، فدهش الناس من هذه الأخبار، وكانوا إما بين مصدق لها ومكذب، وكانوا يسألون بعضهم بعضا ويعقدون اجتماعات، ويناقشون الأخبار فيها، ويعرضون تعاليق الصحف ويسمعون الى كلام المسافرين لعلهم يعثرون على خبر صحيح يشفى غليلهم ويطفئ أوراهم، وتراهم يتهامسون في الطرق والمقاهي والمحلات العامة، والسرور باد على محياهم، والقلوب تكاد تطفر من بين الضلوع من شدة الأنباء السارة، والأعين تدور يمينا وشمالا، ودموع الفرح تترقرق في الآفاق. ولما انتشرت الثورة في الوطن، وأصبحت حقيقة تنفس الناس الصعداء بعد ما كان في النفوس حسرة ومرارة، وفي الحلق غصة وفي الصدور ثورة مشبوبة من الحالة التي ارتكس فيها الشعب الجزائري. وفي صبيحة هذا اليوم صدر بلاغ رسمي من السلطات الفرنسية هذا نصه: (حدث أثناء الليل في عدة مناطق مختلفة من أرض الجزائر على الأخص شرق قسنطينة بمنطقة أوراس عدة عمليات حربية مختلفة بلغ عددها ثلاثين عملية، قامت بها فرق صغيرة من الإرهابيين أسفرت عن قتل ضابط وجنديين في مدينة خنشلا، وباتنة، وجنديين من حراس الليل بمنطقة القبائل، وكذلك أطلق الرصاص على مراكز الدرك، وألقيت بعض قنابل الحارقة المصنوعة صنعا محليا، ولكنها لم تسبب في أضرار سوى

стр. 144

في مخازن شركة الحبوب ببلدية بوفريك، وشركة (سلتاف) للحديد والفلين، والحاكم العام يؤكد أنه قد اتخذ فور هذه الحوادث الإجراءات اللازمة السريعة لمواجهة هذه الحالة، والتي هي بين أيدى القائد العام حيث يجرى تنفيذها، كما استدعينا بعض القوات الاحتياطية لتدعيم قواتنا بمناطق الحوادث. ان الشعب الذى يثق فيما يتخذه الحاكم العام من إجراءات لتهدئة الحال وضمان الأمن للقضاء على الأقلية المجرمة، قد سيطر عليه الهدوء، وضبط الأعصاب في جميع أوساطه - امضاء (روجي ليونار) الحاكم العام. في الجزائر أول نوفمبر سنة ١٩٥٤ م. هكذا سجلت السلطة الفرنسية ثورة الشعب الجزائري.

стр. 145

أعمال جبهة التحرير اتخذت جبهة التحرير لجيشها جبال الجزائر محطة رحالهم، ومراكزها الرسمية لحصانتها ومناعتها ووفرة السكان فيها، فمنها كان جيش التحرير يوالى هجوماته على العدو، ويواصل كفاحه ضد المحتل، وهو في مأمن ومنجاة منه ويستعين بالسكان على أعماله الشاقة واختلط بهم اختلاطا تاما. قررت جبهة التحرير تعبئة جميع موارد الشعب سواء كانت مالا أو إنسانا، أو غير ذلك من الأشياء الأخرى التي تحتاج اليها الثورة، لأن الثورة من الشعب والى الشعب، فيجب أن تستمد قوتها منه. وقفت الأمة الجزائرية من الثورة في أول الأمر موقف حذر وتربص حتى تبين أمرها وبعدما اتضح شأنها، اندفعت في تيارها، وارتمت في أحضانها بغضها وغضيضها وأصبحت تبذل كلما كان في وسعها من قوة وجهد، وكل فرد كان يقدم لها الاعانة اللازمة التي يستطيع عليها عن طيب قلب وهو راض بالمسؤولية التي تناط بعهدته، وأنه على علم بما ينجم عنها من أخطار، ولربما ذهبت بحياته، ولكن في سبيل الوطن تهون كل تضحية حتى دهش قادة الثورة من هذه الأعمال المشجعة والتضحيات الجسيمة، فوجدوا كل إعانة وتأييد من طرف الشعب الذى كان يرى لهؤلاء القادة فضلا كبيرا عليه لأنهم فتحوا له طريق الحياة الحرة، ونفسوا عن كبته الذى لازمه دهرا طويلا، ومحوا عنه ذل العار والمذلة التي لحقته من طرف الاستعمار ... كان سلاح الثوار في أول الأمر سلاحا تافها فأغلبيته من بناديق الصيد وبعض المسدسات، وشيء قليل من الرشاشات، وبعض المتفجرات من الصنع المحلى، والباقي من الجنود ليس لهم سلاح، وإنما كانوا يحملون الأدوات المنزلية كالفؤوس والشاغور، والخناجر والعصي يلوحون بها في الهواء والخرطوش كان لديهم قليلا جدا غير أن هذا لم يكفهم عن القتال ...

стр. 146

كان الفدائيون من جهتهم ينسفون منشآت الحكومة، ويتلفون انتاج المعمرين، وجيش التحرير كان يتعرض للجند الفرنسي في كمائن فيباغتونه بضربات هائلة فيتملكه الرعب فيلوذ بالفرار، والبعض منهم يسقط موتى فيغنم المجاهدون غنائم كثيرة من السلاح والذخيرة، ويجردون الموتى من السلاح وكذلك الأسرى، وكانت لهم مهارة فائقة في ابتكار الأساليب الحربية، واستخراج السلاح من ثكنات الجند الفرنسي ليسلحوا به من لا سلاح لهم، ولهم مندوبون في الشرق والغرب لشراء السلاح، وجلبه الى الجزائر. اعتمدت الثورة على المتطوعين من الشعب، سواء كانوا كبارا أم صغارا، غير أنهم كانوا يرغبون في جنود المسلمين الذين يعملون في الجيش الفرنسي، وأصحاب الحرف والمهن ... انتشر الثوار في شرق قسنطينة وشمالها، وبلاد القبائل، واعتصموا بالجبال الشامخات، مثل جبال أوراس، والقل، والحروش، وسكيكدة، وميلة وغيرها ... أصبحت هذه النواحي كلها مسرحا للحوادث الكثيرة والمعارك الدامية وانقطعت الصيلة فيها، ما بين الحكومة وسكان هذه المناطق، واذا أرادت أن تتصل بهم، فتصحب معها قوة كبيرة من الجند، فأصبح سكان هذه المناطق في حيرة من أمرهم، فالثوار يأتونهم ليلا، ويدعونهم الى مؤازرة الثورة، وإعانتها بما لديهم من طعام، ومال ورجال، وحكموهم حكما اداريا منظما، وكل من يخالف أوامرهم يعاقب في الحال، والحكومة الفرنسية من جهتها تأتيهم نهارا، فتأمرهم بأن يعتزلوا عن الثوار، ويقطعوا كل إعانة وصلة بهم، والويل لمن لم يتمثل لهذا الأمر، وثبتت عليه الاعانة والتأييد للثوار، فتعاقبه في الحال بنسف منزله بالقنابل أو المدفع وتارة بالقتل أو السجن، فاضطر السكان الى أن يكونوا مع الثوار في الليل فيعملون لهم كل ما يطلبونه منهم، وفي النهار يصبحون خاضعين للحكومة الفرنسية، هذه الكيفية سادت القطر كله. كثر هجوم الثوار على منشآت الحكومة فكانوا ينسفون المعامل والجسور ويقطعون أعمدة التليفون، والمواصلات السلكية، والسكك الحديدية ويفجرون قنوات الماء، ومحطات الكهرباء، ويتلفون منتوجات المعمرين كالكروم

стр. 147

والأشجار وحرق صابات القمح وأدوات الفلاحة، ونسف مساكنهم ومراقبة الطرق، وتفتيش السيارات والحافلات وحرقها في بعض الأحيان اذا كان صاحبها لم يدفع الاعانة الى الثورة، ولم يمتثل للأوامر التي أعطيت له، وخطف بعض الشخصيات من غلاة المعمرين، أو من أعوان الحكومة من الذين يزعمون مسلمين، أو الخونة من منازلهم، فينفذون فيهم العقاب حالا، وكانوا يشنون الغارة الشعواء على المدن في الليل، فيطلقون الرصاص على الثكنات ومراكز الحكومة، وأحيانا يصطدم جيش التحرير مع الجيش الفرنسي في اشتباكات دامية لكن سرعان ما ينسحب جيش التحرير من ميدان المعركة بعد ما يضربون ضربتهم، واذا حصروا فيخرقون الحصار المضروب عليهم ويفلتون منه، لأنهم غير متكافئين في السلاح مع الجيش الفرنسي. دب الذعر في المناطق التي انتشرت فيها الثورة، فكثر فيها القتل، وتعطل كثير من المصالح الإدارية، وأصبح المسافر الى هذه النواحي يخشى على حياته رغم الجيش الفرنسي المنتشر فيها، من الثورة استفحلت فيها، وتفاقم أمرهما، وأخدت في الانتشار بسرعة مدهشة في نواحي الوطن، واشتهرت في العالم، فكان الأحرار منه يكتبون عنها المقالات الضافية، ويحثون الحكومة الفرنسية على منح هذا الشعب الاستقلال، والمفاهمة معه قبل فوات الأوان، وكانت محطات العالم العربي تشيد بموافق المجاهدين في الحرب، وتثنى على شجاعتهم وبسالتهم، هذه الأخبار كانت تتنزل على قلوب الشعب بردا وسلاما، وتزيده حماسا واستمساكا بقضيته العادلة. توسعت جبهة التحرير الوطني في الحرب، وذلك بفضل السلاح الذى كانت تستورده من مصر وغيرها الى تونس، ثم الى الجزائر، وظلت هذه طريقه الوحيد مدة الثورة بخلاف السلاح الذى كان يأتي عن طريق البحر، فكانت المراكب البحرية تأتى به من أوربا، وتفرغ شحناتها على شواطئ الجزائر، كان الأسطول الفرنسي يحرس شواطئ البحر الأبيض ويفتش المراكب التي تقترب من المياه الاقليمية، وصادر كثيرا منها.

стр. 148

أرادت جبهه التحرير أن تبرهن على اتحادها مع المغرب، وتربط حركة النضال الجزائري بالحركة الوطنية في الشمال الافريقي، فأظهرت التضامن والاتحاد في الذكرى الثانية لعزل جلالة محمد الخامس ﵀ عن عرشه وذلك يوم ٢٠ أوت سنة ١٩٥٥ م، فشنت هجوما على المدن والقرى الواقعة شمال قسنطينة مثل عين أعبيد، وسكيكدة، وعنابة، وغيرها من بقية المدن الأخرى. ثارت هذه النواحي كلها على المعمرين من الفرنسيين القاطنين في هذه الجهة فقتلوا وخربوا كلما وصلت اليه أيديهم، ويقدر عدد القتلى من المعمرين بحوالي واحد وسبعين قتيلا ... هالت هذه الحوادث السلطة الفرنسية وأزعجتها، فانتقمت من سكان هذه المناطق شر انتقام، فهجم الجيش الفرنسي على الدواوير والقبائل، ففتك بالعجزة والضعفاء والأبرياء فتكا شنيعا، فكان يحرق الدواوير بما فيها ويتبع السكان الهاربين الى قمم الجبال، والمختفيين في بطون الأودية، ويأتون بهم في شاحنات فيجمعهم في مكان واحد ويطلقون عليهم النار. ورغم هذا العذاب والتقتيل ضاعف سكان هذه المناطق من نشاطهم الحربي، وصاروا يتسابقون الى الجهاد في سبيل الله رجالا ونساء وكانوا يقدمون أموالهم الى الثورة قياما بواجب الوطن وحقوقه المقدسة وفي أيلول سنة ١٩٥٥م أصدرت جبهة التحرير منشورا الى نواب المسلمين على اختلاف مجالسهم بأن يقدموا تسليماتهم من هذه المجالس لكي لا يتركوا للحكومة الفرنسية أي وسيلة تتذرع بها ... فبهذا التسليم قطع الشعب صلته بالحكومة، وأصبحت جبهة التحرير الوطني تمثل الأمة تمثيلا حقيقيا، وبهذا التسليم انحل المجلس الوطني الجزائري الذى أسس من بعد الحرب العالمية الثانية. أصبحت الهيئات والمنظمات الوطنية تذوب في الثورة، مثل النواب الذين نظموا هيئة وطنية، وطالبت من الحكومة الفرنسية

стр. 149

أن تتفاوض مع الثوار وفي سنة ١٩٥٥م وصلت الثورة الى مقاطعة وهران تحت قيادة العربي بن المهيدي وبدأت تنتشر يمينا وشمالا. أصدرت القيادة العليا للثورة الى الشخصيات البارزة والأحزاب والهيئات أن ينضموا الى جبهة التحرير لتوحيد الكلمة وجمع الصفوف وفي هذه السنة ١٩٥٥م قدمت جبهة التحرير قضية الجزائر الى هيئة الأمم المتحدة لتنظر فيها وذلك بواسطة الوفود الأسيوية الافريقية فسجلت في جدول أعمال هذه الهيئة ولكنها لم تناقش، لأن الوفد الفرنسي امتنع عن حضور جلسات هذه الهيئة. وفي هذه السنة ١٩٥٦م ألقى القبض على السيد رابح بطاط الذى كان مسؤولا عن العاصمة من طرف السلطة الفرنسية، وتمكن كذلك الجيش الفرنسي من القبض على قائد جبل أوراس السيد مصطفى بن بو العيد، وحبسه في سجن قسنطينة. وفي سنة ١٩٥٥م عقد رؤساء شعوب أسيا وأفريقيا مؤتمرا في مدينة (باندوك) من جمهورية أندونوسيا المسلمة لتأييد الشعوب المستعمرة لهاتين القارتين، وللحد من سيطرة الاستعمار، وكان أقطاب هذا المؤتمر هم السادة: السيد جمال عبد الناصر رئيس الجمهورية العربية المتحدة، والسيد نهرو رئيس الولايات الهندية، والسيد شواي لاي رئيس الصين الشعبية ... فقرر هذا المؤتمر بإجماع إعانة الشعب الجزائري على استقلاله ماديا وأدبيا ونص في لوائحه الداخلية علما أن هذا المؤتمر سيعقد في كل سنة في عاصمة من عواصم هاتين القارتين، يكون إما بطلب من أهلها، أو اللجنة الدائمة هي التي تعين مكان الاجتماع. ونحن شاهدنا إعانة شعوب القارتين الفعالة للجزائريين كيف كانت تمد الثورة بكل ما تحتاج اليه من العتاد الحربي والذخيرة، والدفاع عنها لدى جمعية الأمم. وفي كانون الثاني سنة ١٩٥٦م تأسس الاتحاد العام للعمال الجزائريين تحت إشراف جبهة التحرير الوطني، وفي هذا الشهر استشهد السيد مصطفى بن بو العيد، وفي نيسان من هذه السنة

стр. 150

١٩٥٦م التحق عباس فرحات رئيس حزب البيان مع السيد توفيق المدني كاتب هيئة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وبعض الشخصيات من الجمعية بالقاهرة انضموا الى أعضاء الجبهة السياسية الخارجية. وفي هذه السنة تكون اتحاد الطلبة الجزائريين ودعتهم جبهة التحرير الى مقاطعة الامتحان في الكليات الفرنسية، ولقيت هذه الدعوة استجابة واسعة من طرف الطلبة، ودعت كذلك التجار والفلاحين والشعب كله الى تموين جبهة التحرير بالمال والأشياء الضرورية، وفي هذه السنة أصدرت الجبهة مجلة عربية أسبوعية للتحدث عن أعمال الثورة، وهى مجلة المجاهد، وفي التاسع من شهر نيسان سنة ١٩٥٦م - ألقي القبض من طرف السلطة الفرنسية على كاتب هذا الكتاب، وذلك في مسجد (بلكور) من العاصمة في يوم الجمعة بحيث أنزل من فوق المنبر انزالا، وخطف من المحراب خطفا، وفي الخامس من شهر تموز من هذه السنة وقع إضراب عام في الجزائر بمناسبة احتلال الجزائر من طرف الاستعمار دام خمسة أيام، وكان انتصارا عظيما لجبهة التحرير ... توسعت أعمال الفدائيين في هذه السنة في الأرياف وخاصة في المدن، وانتشرت الدعاية بصفة واسعة في الخارج للتشهير بالقضية الجزائرية وبصفة خاصة في أمريكا الجنوبية وآسيا وشمال أروبا.

стр. 151

موقف الحكومة الفرنسية من الثورة وصداها في الداخل والخارج كانت الحكومة الفرنسية متألفة حينذاك من أحزاب اليسار، ورئيسها (م مانديس فرانس) ينتمي الى الجناح الأيسر من الحزب الراديكالي ... والحاكم العام على القطر الجزائري هو (م ليونار (الذى قدم تصريحه الرسمي عن حوادث الثورة التي أشرنا إليها سابقا ... حاولت الحكومة اخفاء الحقيقة وتجاهلت الثورة، وزعمت أنها من فعل العصابات قطاع الطرق الذين لا هدف لهم سوى السلب والنهب، والحقيقة أنها كانت عالمة بأنها ثورة لا شك فيها، ولذا وقفت منها من أول وهلة موقفا إيجابيا، فاعتقلت عند بدايتها نحو ألفى شخص من المشكوك فيهم وحلت الأحزاب، وأودعت بعض أعضائها السجن، وقد أدلى رئيس الحكومة بتصريح قال فيه "ان الجزائر فرنسية والتفاوض الوحيد هو الحرب". واجهت الحكومة الفرنسية الثورة بموقفين حازمين: الموقف الأول عسكري بحت ففي اليوم الثاني وصلت الى ميناء عنابة ثلاث فرق من جنود المظلات، وأعلن الحاكم العام في الجزائر حالة الطوارئ في المناطق التي كانت مسرحا للحوادث، وبدأ يطبق فيها القوانين الاستثنائية، ففرض الاقامة الجبرية على بعض الاشخاص، وأخذ يراقب المتنقلين والمسافرين، ومنع الاجتماعات العامة، وكان البوليس يراقب الجزائريين، وأنشأ محاكم عسكرية لا يجوز الطعن فيها أبدا ... قدرت الحكومة الفرنسية الثوار بألفين الى ثلاثة آلاف مقاتل، وقال الحاكم العام يمكنني القول بأنني سأقضى على هؤلاء المشاغبين أعداء الوطن خلال أيام. وقال أيضا سأقضى على الثورة في بضعة أشهر أو تنطفئ وحدها، بعد ما تنكل الحكومة بهم وبأعوانهم ... وأعلن صراحه في بلاغاته الرسمية قال: لقد

стр. 152

سيطرنا على الموقف تماما بعد حملة التهدئة التي اتخذها الحاكم العام. لكنه تراجع وعاد يقول: - بعد الخسائر التي ألحقها الثوار بالجيش الفرنسي، وأعمال الفدائيين في المدن - ان عدد الخارجين على القانون المشاركين في حوادث الاجرام يبلغ ألف شخص، وقد طلبت مزيدا من الجنود الذين يصلون في الحال الى المناطق البعيدة، والى بلاد القبائل الصغرى ولم يدر هذا الحاكم بأن الثورة ستتطور ويستفحل أمرها وتسطو على الحكومات الفرنسية فتحطمها واحدة بعد الأخرى بل تسطو على الجمهورية الرابعة فتزيلها من الوجود، ولا يهدأ لها قرار ولا تسكن لها نأمة حتى يتحرر الوطن كله من قبضة الاستعمار. اعتبرت الحكومة أن مندوبها في الجزائر قد فشل في مهمته وخاب في مسعاه فسحبته وعينت خلفا آخر له. ولما رأت الحكومة أن الثورة قد أصبحت عامة في شمال افريقيا فخافت من هذا اللهيب المقدس المندلع أن ينتهي بإحراقها في هذه الأقطار وانفصالها عنها كلما انفصلت الهند الصينية من قبل، لأن هذه الأقطار لا تعدم المساعد والمعين واذا قدر لها أن تنفصل فمستعمراتها في القارة الافريقية سيكون لها نفس المصير، فأرادت أن تطفئ هذه الثورة بشيء من الحرية بحيث اعطاء الثوار بعض الحقوق. قدم وزير الداخلية (م ميترا) في خمس يناير سنة ١٩٥٥ م مشروعا لتطبيق قانون ١٩٤٧ - الذى صرح به الجنرال ديغول في الجزائر، وهو ادماج الجزائريين في فرنسا، فعرضه على الجمعية الوطنية للمصادقة عليه، فعارضه أوربيو الجزائر معارضة شديدة، ولما قدم للاقتراع لم يحظ بالأصوات اللازمة من طرف هذه الجمعية فسقطت حكومة (مانديس فرانس ( ... كلف رئيس الجمهورية (م اد قارفور) بتأليف الحكومة، وكان هذا أيضا من الحزب الراديكالي الأيسر. عينت الحكومة الجديدة (م جاك سوستيل) واليا عاما على القطر الجزائري، وصل اليها في خمسة عشر من فبراير ١٩٥٥م كان هذا الوالي من المواليين لسياسة شارل ديغول في الجمعية الوطنية، ولكن (جاك

стр. 153

سوستيل) تنكر له وأصبح خصما لذودا لسياسته نحو الجزائر حينما أعلن تقرير المصير ... جاء هذا الولي الى الجزائر يحمل معه اصلاحات اجتماعية يعنى تطوير الأنظمة مع الاعتراف بوجود شخصية جزائرية متميزة ثقافيا واجتماعيا، وكان يجول في القطر، وينتقل من بقعه الى أخرى ويصرح بقوله: ان الحكومة عازمة على اصلاحات هامة وتغيرات كبيرة في ميداني الاقتصاد والاجتماعي ستكون بعيدة الأثر في حياة المواطنين، وكان ينوه بهذه الاصلاحات في جميع خطبه التي كان يلقيها ليفصل الشعب عن الثورة ... ولم يدر أن الشعب أصبح لا ينخدع بهذه المخدرات، ولا تنطلي عليه الحيل ولا المجاملات. ومدة إقامته في هذا الوطن وهو يكرر في هذه الالفاظ بدون عمل: نشر التعليم والثقافة، تعلم الصناعة لتتقدم البلاد ماديا وأدبيا، القضاء على البطالة بجميع أنواعها حتى ترتفع معيشة السكان، ويضارع هذا الشعب شعوب العالم الحر. ولكن الشعب لم ير هذه الاصلاحات الا ما يسمع عنها في الصحف والاذاعات، هذه التصريحات والاصلاحات التي يشيد بها هذا الحاكم العام ما هي الا تقليد لكل وال جديد ترسله فرنسا الى هذا القطر. أما الثورة فوقف منها موقفا حازما، فأخذ في الحال في تعزيز القوات العسكرية وجلبها من فرنسا، وإرسالها الى المناطق التي شبت فيها الثورة، فكانت النجدات تتوالى مدة اقامته وأخذ يلقى القبض على المشبوهين والمشكوك فيهم ظنا منه أنهم يعملون مع الثوار في الناحية التي تقع فيها الحوادث، وعلى رجال السياسة وعلماء الدين الأحرار، فكانوا يستنطقون في مراكز التعذيب، ومن بعد ذلك يرسلون اما الى السجون أو الى المحتشدات الكبيرة التي بدأت تفتح في كل ناحية ولما عجزت المحاكم عن استنطاق المتهمين لكثرتهم، فأخذ يوسع فيها ويجلب لها القضاة من فرنسا. أعجب المتطرفون من غلاة الاستعمار وأصحاب اليمين بسياسته تمام الاعجاب لأنه كان يستعمل القمع الشديد في المناطق التي تدور فيها المعارك الدامية وحوادث الفداء ليرهب السكان،

стр. 154

ويحصر الثورة في أماكن معينة، ومن الثورة كانت تفك الحصار وتشتعل في نواحي أخرى. وفي تشرين سنة ١٩٥٥م طلب رئيس الحكومة (م ادقارفور) من المجلس الوطني أن يمنحه الثقة، فرفض المجلس هذا الطلب وكان القانون الفرنسي يخول لرئيس الحكومة أن يحل المجلس الوطني فحله وأعاد انتخابه من جديد في شهر كانون الأول ١٩٥٥ م وانتصرت الجبهة الجمهورية والاشتراكيون، والاتحاد الوطني الاشتراكي المقاوم والحركة الشعبية، والراديكاليون.

стр. 155

الحكومة الفرنسية الاشتراكية أسفرت الانتخابات عن تأليف حكومة اشتراكية صعدت الى منصة الحكم برئاسة (م غى مولى) وذلك في شهر يناير ١٩٥٦ م وأتبعت هذه الحكومة الجديدة نفس السياسة السابقة نحو الثورة بالرغم من أن هذا الرئيس الجديد أعلن أثناء الحملة الانتخابية بأن هدفه هو تحقيق السلام في الجزائر، وصرح بأنه سيزور الجزائر وفي السادس من شهر فبراير سنة ١٩٥٦م زار الجزائر ليباشر الأمور بنفسه ولكن ما كاد يصل الى ساحة الولاية العامة بالجزائر حتى لقاه المعمرون بجموعهم الهائجة وفى مقدمتهم غلاة المعمرين المتطرفين بمظاهرة صاخبة لم يكن يتوقعها أبدا بحيث أهانوه فيها إهانة كبيرة، فكانوا يقاطعون خطابه بالصراخ والتصفير، ويرمونه بالقاذورات، وقوارص الكلم حتى ألجأوه عن التخلي والتسليم في سياسته التي كان يعتزمها في الجزائر فغير خطته تماما إزاء هذه المظاهرات التي جاء من أجلها، فألقى الحل الذي كان يعتزمه، وأصبحت حكومته حكومة متطرفة فبدلت الوزير الذى كان معينا كوال عام للقطر الجزائري وهو الجنرال) كاترو) هذا الرجل كان معروفا في جميع الأوساط برسول السلام برجل آخر اسمه (م لوبير لاكوص) جبار عنيد لقال أنه من نجل الجنرال بيجو السفاح. وفي أبريل من هذه السنة توالت الامتدادات العسكرية والتعزيزات الحربية الى الجزائر، فاستدعى رئيس الحكومة ٨٠ ألف جند من جنود الاحتياط فأصبحت قوة فرنسا في الجزائر ما يقرب من نصف مليون جنديا، وفي الثاني عشر من هذا الشهر نفسه تقرر القاء المجلس الجزائري، وجندت الحكومة أوربى الجزائر، وأنتشر الجيش الفرنسي على التراب الوطني من أقصاه الى أقصاه، وخيم في كل ناحية، وأعلنت الحكومة الاشتراكية حربا منظمة على الثورة والشعب معا لا هوادة فيها، وأصبح السلم الذى كان ينتظره العالم من هذه الحكومة بعيدا جدا.

стр. 156

ولما استعدت الحكومة الاشتراكية للحرب أعلن رئيسها (م غى مولى) عن الحل الذي يريده للجزائر، وكان يتخلص في ثلاث نقط: إيقاف القتال، الانتخابات، المفاوضات، ولم يصرح ما هو نوع الحل، ودعا جيش التحرير الى تسليم سلاحه، وقال ليثق الثوار أن الحكومة الفرنسية لن تنتقم من المقاتلين، وفي تصريح آخر أراد أن يحدد علاقة الجزائر بفرنسا فجاء بموقف غامض لخصه في العبارة الآتية فقال: (ان الجزائر ليست إقليميا فرنسيا لأن أغلبية السكان تتصف بمميزات اجتماعية وثقافية مغايرة للفرنسيين وليست الجزائر في نفس الوقت بلدا عربيا لأن سكانها من البربر. ولا هي دولة اسلامية لاستيطان الأوربيين فيها، وانما أقول ان للجزائر شخصيه خاصة تربطها بفرنسا روابط لا تنفصم عراها في جميع الميادين (. وفي صيف هذه السنة أوصى الحزب الاشتراكي في مؤتمر له بإجراء مفاوضات مع جبهة التحرير لجس النبض كما يقال، ولكن الحكومة اعتبرت مثل هذه المفاوضات توريطا لها لأنها تتضمن اعترافا بجبهة التحرير، وقفت زمنا طويلا، وهى تتردد وفي النهاية اكتفت بإرسال مبعوثين غير رسميين تقابلا مع بعض أعضاء جبهة التحرير في يوغسلافيا. تطورت الحرب وأظلم الجو وأكفهر، واختفى السلم، وكان رد الفعل من طرف الثوار قويا جدا على خطة الحكومة الاشتراكية، وكانت العاصمة وبقيت المدن الأخرى مسرحا لحوادث الفداء الدامية وأصبحت منشآت الحكومة ومنتوجات المعمرين عرضة للتخريب والتهديم والاتلاف، ففي سنتي ٥٦ - ٥٧ كانت حوادث الفداء في العاصمة وحدها تزيد على ألفي حادثة في الشهر الواحد، وعمت الحوادث الوطن كاملا حتى اضطر المعمرون الى مغادرة سكناهم وضياعهم ولجأوا الى العواصم والمدن الكبيرة ليكونوا تحت حماية الجند الفرنسي، والذى بقى في مكانه كان يؤدى الى جيش التحرير الإعانة المالية. جدت الحكومة الاشتراكية من جهتها في معاقبة المسلمين معاقبة جماعية بحيث صارت تأخذ البريء والمسالم بالمحارب، وتلقى

стр. 157

القبض على من شارك في الثورة وعلى من لم يشارك فيها، فالشعب كله كان في نظرها مشاركا فيها، فأرادت بهذه الأعمال الوحشية أن تلقي الرعب في قلوب المسلمين لينفصلوا عن الثورة، وكانت توقف الشخصيات في الناحية التي تكثر فيها الحوادث وتحصرها بالجنود والمصفحات كي لا تتسرب الى غيرها من المناطق الأخرى. أما الأشخاص الذين لهم ماض سياسي، أو سمعة طيبة في اوسط الشعب أو رجال الدين كانت تلقي عليهم القبض أين ما كانوا وتزج بهم في المحتشدات الكبيرة، والسجون المظلمة بعد ما تستنطقهم في المحاكم، وهذه المحاكم هي مزارع المعمرين ومراكز الشرطة وثكنات الجنود، بخلاف المر اكز الرسمية المشهورة للاعتقال. كل هذه المراكز اتخذتها الحكومة الاشتراكية للتعذيب والتنكيل بالشعب، فأشحنتها بآلات التعذيب المختلفة الأنواع والاشكال وجنود المظلات والبوليس السري ورجال الدرك مع كلابهم الشرسة، يسلط على المتهم الضرب أولا، ثم يعلقونه بالأحبال والسلاسل ويحمون الحديد في النار حتى يحمر فيكوون به لحمه في جميع جسده ولا سيما الأماكن الحساسة، ومن بعد يضعون على الأجراح الملح، ويبقى على هذه الحالة من التعذيب مدة تتراوح ما بين ستة ساعات الى ستة عشر ساعة حسب المعذبين له، ومن بعد ينزلونه، وجروحه الدامية فاغرة الافواه فيغطسونه في أحواض الماء القذر المعدة لهذا الغرض خصيصا، ويلزمونه بشرب هذا الماء بواسطة أنبوب حتى تمتلئ معدته من فضلات الانسان وغيرها، ومن بعدما يمتلئ بطنه يدوسونه بأرجلهم فيخرج الماء من المنافذ، ولما تتم هذه العملية يعيدون عليه السؤال. مع من كنت تعمل؟ وأين السلاح؟ الى غير ذلك من الأسئلة المحرجة فإن أبى يجلسونه فوق القارورة ويطلقون عليه الكلاب الشرسة فتمزقه تمزيقا، والضحية في هذه الأحوال كلها مجردة من الثياب منهوكة القوى خائرة الأعصاب، واذا فقدت الوعى والإحساس يسلط عليها تيار كهربائي فيهز كيانها هزا عنيفا تكاد روحها تخرج ويا ليتها تخرج، وتبقى الضحية في هذه الحالة من العذاب مدة من الزمن تتراوح ما بين شهر الى ثلاثه أشهر حتى تخرج ما عندها من المعلومات عن الثورة.

стр. 158

فعندئذ ينتهي البحث معها وكثيرا من المعذبين الذين لم يلاقوا حتفهم في هذا التعذيب يخرجون مشوهين ومعطوبين من هذه العمليات في ذواتهم أوفي عقولهم، ومن ثم ينقلون إلى المعتقلات أو السجون على حسب التهمة والاعتراف، وكان تفتيش السكان وترويع النساء والأطفال، وحصر المدن والقرى هدفا لجنود المظلات والحرير المتنقل، ورجال، الدرك، وهذا هو شغلهم الشاغل ليلا ونهارا، وفي أي وقت شاءوا يدخلون الى المنازل ويعبثون بأثاثه، ويتلفون ما فيه من الأواني والاطعمة، وينهبون النفائس من الجواهر والحلي والدراهم، ويتعدون على الشرف والعفاف أمام الأب والزوج والأخ الى غير ذلك من إهدار الكرامة البشرية، والاستخفاف والازدراء بالقيم والمثل الإنسانية بحيث تجاوزوا كل حد وقانون وعرف في تاريخ البشرية الطويل العريض. وتارة يحاصرون القرى في الليل ويطوقونها من كل ناحية، ويخرجون أهلها وهم في لباس النوم رجالا ونساء وأطفالا الى الملاعب العامة فيفحصون أوراق تعريفاتهم والويل لمن حامت حوله الشكوك فينقلونه في الحال الى مراكز التعذيب للاستنطاق وهكذا يفعل الجيش الفرنسي بالمسلمين في كل ناحية من نواحي الوطن. هذه الكيفية من التعذيب لازمت الشعب الجزائري طوال سني الحرب، وهذا العذاب يستكمل للرجال وللنساء والأطفال المراهقين بدون تميز. والمنظمة الارهابية التي نظمها المعمرون لها اليد الطولى في هذا الميدان، فكان أفرادها يرتدون لباس الجند ويأتون الى المنازل ليلا فيخطفون الأشخاص المقصودين ويذهبون بهم الى حيث لا يعلم أحد، فكم من شخصية بارزة اختطفت في لباس النوم ليلا لا يسمع الا الصراخ والعويل في ظلمة الليل البهيم مثل العالم الجليل الشيخ العربي التبسي وغيره. أتينا بهذه النبذة القصيرة عن أعمال المتحضرين الذين يهذبون الشعوب ليقارن كل عاقل بين معاملة جيش التحرير

стр. 159

للأسرى الذين كانوا يقعون في قبضته، فكان يعاملهم معاملة حسنة فيفضلهم على نفسه في المآكل واللباس، هذه الاخلاق النبيلة التي أتصف بها جيش التحرير في ثورته هي من تعاليم الاسلام الذي يعامل الانسان معاملة كريمة تليق به. اننا نختصر في هذا الغرض على الأهداف الهامة التي كانت تعكر الجو على السلم في جميع الحكومات الفرنسية وبصفة خاصة الحكومة الاشتراكية كانت تتبع باهتمام كبير حركات الشعب المغربي والتونسي نحو الثورة الجزائرية فتحصي عليهما أنفاسهم.

стр. 160

خطف الزعماء الخمس من الجو كانت فكرة المغرب العربي الكبير قد خامرت الرؤساء السياسيين مند زمن بعيد، ولما ثارت هذه الأقطار الثلاث، وتحرر الشعبان الشقيقان تونس والمغرب الأقصى، وبقيت الجزائر وحدها في المعركة مع فرنسا، ومنها كانت سائرة لي طريق التحرير. أراد رؤساء الأقطار الثلاث أن يبرزوا فكرة اتحاد المغرب العربي الكبير الى الوجود لأن الوقت قد حان، فكان قادة الاقطار الثلاث ينتقلون من قطر الى قطر لتبادل الآراء والأفكار، ومن بينهم زعماء الجزائر الذين كانوا لا يفارقون أقطار المغرب العربي الثلاث. اتفق قادة الاقطار الثلاثة على اتحاد المغرب العربي الكبير الذى هو خطوة كبيرة في تحقيق أهداف هذه الشعوب، ولم يبق الا الاعلان عنه في اجتماع رسمي يحضره الرؤساء والشخصيات البارزة من الأقطار الثلاثة، فعينوا العاصمة التونسية مكانا لهذا الاجتماع التاريخي، وذلك في شهر تشرين الأول سنة ١٩٥٦ م وكان زعماء الجزائر الخمس في المغرب الأقصى ضيافا لدى جلالة الملك محمد الخامس ﵀ بمناسبة هذا الاجتماع، قرروا أن يسافروا معه الى تونس على متن طائرتين طائرة تنقل الملك وحاشيته والأخرى تنقل الزعماء الجزائريين، وأسرعت الشخصيات والأعيان من هذه الأقطار الى مكان الاجتماع التاريخي الخطير ... ولما علمت السلطة الفرنسية بهذا الاجتماع أرادت أن تبطله، فأوعزت الى مواطنيها الذين يعملون في مطارات المملكة المغربية بعرقلة هذا الاجتماع وأخبرتهم بما عزم عليه القادة العسكريون من خطف الزعماء الجزائريين من الجو، ولكن يجب فصلهم عن الملك في سفره -.

стр. 161

طبق العمال الفرنسيون هذه الأوامر الصادرة اليهم من القيادة العسكرية في الجزائر بكل دقة ومهارة غير مكترثين بحكومة جلالة الملك، ولما حان وقت السفر أقلعت طائرة الملك صباحا، وتظاهر العمال الفرنسيون بإصلاح الطائرة التي تنقل الزعماء الجزائريين، وكان هذا الاصلاح مقصودا ليفصلوا بين جلالة الملك والزعماء، وفي المساء أقلعت هذه الطائرة فتعرضت لها السلطة العسكرية الفرنسية في الجو، وأرغمتها على التوجه الى الجزائر والنزول في مطار دار البيضاء، وسرعان ما امتثل سائق الطائرة، ونزلت في أول الليل في المطار المذكور. وجد الزعماء الخمس الشرطة في انتظارهم فقيدوهم وساقوهم الى السجن، وبهذه العملية خرقت الحكومة الفرنسية القوانين الدولية ولم تبال بالاتفاقيات التي بينها وبين الملك، ولم تحترم شخصيته ولا كرامة شعوب المغرب العربي الكبير ... وكانت تظن الحكومة الفرنسية بهذه العملية تقضي على الثورة في الجزائر ومنها خابت في تقديرها وتفكيرها، اعتبر الشعب الجزائري هذه الحادثة ما هي الا جزء من حوادث الثورة الكثيرة، فزادته تماسكا وثباتا وعزيمة وصلابة، فقام في الحال قادة آخرون مقام الزعماء الأولين كانوا أشد مراسا وقوة فواصلوا الحروب. ولما سمع الرؤساء والجماهير التي كانت تنتظر في وصول الزعماء الى مكان الاجتماع بهذا الحادث المفجع، ثارت ثائرة شعوب هذه الاقطار وهاجت لهذه الاهانة والاحتقار، وعرفت المكيدة من أين جاءت، جاءت من الجالية الفرنسية التي لا زالت تقطن في هذه الأقطار، هي التي كانت سببا في هذا الحادث المؤلم. أما الذين ضبطوا أعصابهم من هذه الشعوب فاكتفوا بالاحتجاجات المصارخة على هذه الأعمال التي هي منافية للأخلاق والمروءة وللقوانين الدولية، وإهانة لصاحب الجلالة محمد الخامس لأن الزعماء الجزائريين كانوا في ضيافته. أما الشعب المغربي فلم يستطيع أن يضبط أعصابه، فصب جام غضبه على الجالية الفرنسية التي كانت تسكن في المغرب

стр. 162

الأقصى، فدهما الثائرون من المغاربة، فأتلفوا لها ما يقرب من أربعمائة مزرعة، وقتلوا وأحرقوا وهدموا وحطموا كل ما وصلت اليه أيديهم، وانقطعت العلائق بين فرنسا وبين هذه الأقطار ... المسؤول الوحيد عن هذه الأعمال القرصنة هو الوزير الفرنسي المقيم في الجزائر.

стр. 163

الهجوم المثلث على مصر كانت لمصر محطه كبيرة تذيع الأخبار وتدعو الى تحرير الشعوب وكان قسم منها سمته صوت العرب، كان هذا القسم خاصا بالشؤون العربية، يوجه الجماهير العربية ضد الاستعمار الغربي، وينشر مساويه ويفضح أعماله التي كان يرتكبها في الجزائر، ويدعو الى مؤازرة الثورة وتأييدها فكان لهذا الصوت أثر بليغ في نفوس الجزائريين بحيث حرك النخوة والشهامة فيهم ... ضاقت الحكومة الاشتراكية الفرنسية بهذه الاذاعة الواسعة الانتشار ذرعا واعتبرتها إعانة كبيره للثورة لأنها ألبت عليها الشعب، فنبهته من غفلته، وبعثت فيه الشجاعة والتضحية، وعرفته بأعدائه ألا وهو الاستعمار، فأصبح لا يرضى الا بالاستقلال والحرية التي تأتي عن طريق الكفاح المسلح، فانخرط في سلك الثورة، وهذا من جملة الأسباب في الهجوم المثلث على مصر، وكان في شهر تشرين الثاني سنة ١٩٥٦ م.

стр. 164

الاضراب العام الذي دام ثمانية أيام وفي شباط سنة ١٩٥٧م فتحت جمعية الأمم جلستها السنوية، وقيدت قضية الجزائر بصفة رسمية في جدول أعمالها بطلب من الشعوب الأسوية والافريقية لتناقش على هذا المنبر العالمي، فناهزت جبهة التحرير هذه الفرصة، وأرادت أن تبين للعالم بأن هذه الثورة شعبيه لا كما يدعيه الاستعمار الفرنسي بأنها ليست من الشعب، وإنما هي من المشوشين وقطاع الطريق تريد النهب والسلب فقط ... ولما قدمت القضية للمناقشة من طرف الهيئة الأممية، أصدرت جبهة التحرير أوامرها للشعب بأن ينعزل عن العمل ثمانية أيام ليتحقق العالم من تضامنه واتحاده مع الثورة، فأطاع الشعب هذه الأوامر، وأضرب عن العمل بجميع طبقاته، وبرهن على أنه من وراء جبهة التحرير، فهي التي تمثله تمثيلا، حقيقيا، فتحقق العالم من أن هذا الإضراب العام كان تأكيدا وتدعيما للثورة، وصار حجة قاطعة في يد جبهة التحرير تدحض به أقوال الخصم في المحافل الدولية والاجتماعات العامة. بدأ العالم يعطف على هذه الثورة ويؤيدها، وانقسمت الهيئة الأممية في شأنها فبعضها يؤيد فرنسا، ويعتبر هذه القضية قضية فرنسية لا دخل لمجلس الجمعية فيها، ويفوض حل القضية إليها، وبعض من هذه الهيئة يلازم الحياد عند الاقتراع، والباقي يؤيدها. وقفت الحكومة الفرنسية من هذا الاضراب موقفا حازما، فقررت منعه منعا باتا، وأخذت لذلك جميع الاحتياطات والتدابير اللازمة لمجابهته بالقوة، فأوعزت الى القادة العسكريين بأن يحلوا هذا الاضراب ويبطلوا مفعوله بأي وسيلة كانت، حتى لا تتكرر مثل هذه الوقائع، والعقاب الصارم لمن حدثته نفسه بالامتثال لأوامر الثورة فيكون عبرة لغيره، ويجب عليهم

стр. 165

أن يطهروا العواصم من حوادث الفداء الدامية التي خيم الرعب على سكانها منذ نشوب الثورة. وكان بطل هذه العملية هو قائد جنود المظلات الجنرال (ماسو) فبدأ هذا الطاغية يهيئ في المعتقلات، ويفتح سجونا أخرى، ويعد أنواعا من أساليب العذاب والإبادة للمواطنين، وحشد قوة هائلة من الجند في كل ناحية من نواحي الوطن، وحاصر جميع المدن والقرى، وأخد ينذر السكان المسلمين ويهددهم عن طريق الاذاعة ومنشورات كتبت خصيصا تحذر السكان من مغبة هذا الإضراب الذي أمرت به الجبهة، وقال (كل من يمتثل لهذا النداء سواء كان من التجار أو العمال أو غيرهم يعتبر ثائرا، فتحل عليه العقوبة، فالتجار تصادر أموالهم، وتغلق محلاتهم الى أجل غير مسمى والعمال يطردون من وظائفهم ويعاقبون، فوزع هذا التهديد على السكان المسلمين) ... ولما وصل اليوم المعين للإضراب أصبح الشعب كله مضربا عن العمل حتى الشعوب العربية شاركت في هذا الإضراب تضامنا مع الجزائريين وفي صبيحة هذا اليوم هجمت الجنود الفرنسية في كل ناحية من نواحي القطر على المحلات التجارية في المدن. والقرى، فكسرت أبواب الدكاكين وأتلفت ما فيها من البضائع والمواد، وأشحنت النفيس منها في شاحنات الجند، والباقي أباحته الى الجالية الأوربية، ومن بعد ذلك يغلق المحل وتعلق عليه لافتة مختومة بطابعها (ممنوع الفتح الا برخصة من طرف الجنود) وكانوا يحملون الناس الى الملاعب العامة للبحث عن أسباب الاضراب، ومن بعد ينقلون الى السجون أو المعتقلات هذه المعتقلات كثيرة جدا، وكل يوم يدخل إليها آلاف من المواطنين على اختلاف طبقاتهم ذكورا وإناثا، وكم من نفوس سيقت الى العذاب ظلما وعدوانا، وكم من أموال أتلفت جمعها أصحابها بعرق الجبين أصبحت الأمة كالأنعام تحمل في شاحنات الجند الى المجازر والمشانق والتعذيب، فأموالها مصادرة، ومساكنها مخربة ومهدومة، وشرفها مداس وكرامتها مهدورة، ولم تجد ملجأ تلجأ إليه إلا الصبر الذى لا شكوى فيه، فمرت كلها - تقريبا - على التعذيب والتنكيل.

стр. 166

أما الحيوانات فكان الجند الفرنسي يجمعها، ويصطفي منها لنفسه المختارة والتي تليق به، والباقي يطلق عليها النار لكي لا يستفيد منها جيش التحرير. الخلاصة أن الجزائريين نكبوا - في هذه العملية - في الرجال والأموال وفي الشرف نكبة لا نظير لها في تاريخ الانسانية، والمحظوظ منهم من كان في الجبل حاملا سلاحه، أو في السجن صابرا محتسبا أو في الخارج بعيدا عن الوطن. نشأ عن هذه الحالة استياء عام وغضب شديدان من جراء هذا التعسف فأصبح الشعب يغلي من هذا الظلم الصارخ، والإهانة التي أصابت كبرياءه فأثر فيه الاحتقار، فأصبح يدافع عن نفسه دفاع المستميت، فالذي كان مترددا ولم يشارك في الثورة انضم اليها في الحال، والجبران صحا من حبرته وتردده، وأصبح لا يشك في مصيره في الفناء، أدرك الشعب كله أنه لا تنجيه من هذه الإبادة المحققة الا الوقوف صفا واحدا في وجه الاستعمار ... والحقيقة أن هذه المعاملة السيئة من طرف الاستعمار هي التي كانت سببا في اتحاد الشعب، وانخراطه في صفوف المكافحين، فأصبح يتسابق الى مراكز المجاهدين في رؤوس الجبال يقدم اليهم نفسه والمعونة المالية وغيرها عن طيب نفس ليكافح الجند الفرنسي الباغي رجالا ونساء حتى اضطر قادة الثورة أن يردوا الناس الى أماكنهم. ولا يفهم من هذا ان الشعب كانت صفوفه كلها طاهرة من الخونة بل كان يوجد بعض الخونة من الشعب الذين لا يخلو منهم زمان ولا مكان أغراهم الاستعمار بدعايته وأمواله، فيعدهم وما يعدهم الا غرورا، ويمنيهم بالأماني الكاذبة، فهؤلاء الخونة من ذوي الضمائر الخربة، وبسبب الطمع وعدم الوعى والشرف يجدون في قتل اخوانهم، وتعذيب مواطنيهم، فالاستعمار يريد أن يحارب الشعب بعضه بعضا، ولولا قوة الثورة لوقع الانقسام في صفوفه، ومن موقفها الصارم لهؤلاء الخونة، ومعاقبتهم معاقبة لا هوادة فيها هو الذى حفظها من الانقسام، فكان الثوار يذبحون الخونة كما تذبح الانعام، ويتركونهم على قارعة الطريق ليعتبر بهم أمثالهم، هذا الصنف من الخونة كان أشد على الثورة من الاستعمار.

стр. 167

ومن بين هؤلاء الخونة ابن الونيس، وابن الحاج الجيلالي وكلاهما ينتميان الى حزب حركة الانتصار، فتحالفا مع الاستعمار الفرنسي وأمدهما بالسلاح والعتاد الحربي والاموال. فتمركز ابن الجيلالي في واد الفضة ناحية الأصنام، وابن الونيس في ناحية سيدى عيسى في الجلفة فكانا يحاربان في جبهة التحرير مع الجيش الفرنسي، فعاثا في الأرض فسادا، وقتلا خلقا كثيرا لا يحصى عددهم أما نهب الأموال وتعذيب الشعب، فتعذيب الاستعمار لا يعد شيئا بالنسبة الى تعذيبهما، ولكن في النهاية قضى عليهم وعلى أعوانهم جيش التحرير، وأما الذين جندهم الاستعمار من (الحركة) الذين كانوا يقاتلون في صفوفه، فهم كثيرون جدا.

стр. 168

الأسلاك الشائكة على طول حدود الجزائر شرقا وغربا ((ومراقبة البواخر من ناحية البحر)) ولما تحقق قادة الثورة من أن فرنسا عازمة على مواصلة الحرب وإبادة الشعب، عزموا على تكوين جيش منظم تنظيما عصريا من الشباب ليدافع عن الوطن، فبدأوا يجمعون الشباب ويرسلونهم الى القطرين الشقيقين تونس، أو المغرب الأقصى، ومن ثم يوزعونهم، فبعضهم يذهب الى الشرق العربي، وبعض الى أوربا أو الصين الشعبية يتدربون على حرب العصابات ويتلقون دروسا على مختلف الأسلحة العصرية، والبعض من هؤلاء الشباب يبقى في القطرين الشقيقين يزاول تدريباته، وبعد ما ينتهي الشباب من التدريبات العسكرية، يرجعون الى تونس أو المغرب ليدخلوا إلى الوطن. في هذه الفترة بدأ جيش التحرير يتكون على أساليب ونظم فنية، وسلاح عصري، وتمركز على الحدود الجزائرية من جهتي الغرب والشرق. وكانت الحكومة الفرنسية على علم تام بهذه الخطة، فأراد الجيش الفرنسي أن يحمل تونس والمغرب ليضمن الحدود غير أن الحكومة الفرنسية خافت من تدخل جمعية الأمم لأن تونس والمغرب عضوان فيها، فعمدت الى تطويق الحدود الجزائرية من جهتي القطرين معا بأسلاك شائكة مكهربة ملغمة لتمنع تسرب المجاهدين من الدخول الى الوطن، وتمنع كذلك المؤنة والذخيرة الحربية من الدخول الى الجزائر، وسمته (خط موريس) لأنه هو صاحب الفكرة، وفي نفس الوقت كان وزير الدفاع ... هذه السدود من الأسلاك الشائكة عاقت كثيرا أعمال الجبهة، وعرقلت نشاطها، وسببت لها صعوبات كثيرة ومتاعب جمة، كان أغلب الجيش الفرنسي في الحدود، ومجهزا بالرادار، فكل من يقترب من الأسلاك الا وينقل إحساسه في الحال الى مركز المراقبة، لهذا أصبح المرور عليه صعبا جدا رغم الآلات التي

стр. 169

كانت تستعمل ضدها، وكان لا بد من المرور على هذه الأسلاك الشائكة والخطوط النارية، لأن أوامر القيادة والمؤونة والذخيرة كانت كلها على الحدود ... فرضت السلطة الفرنسية المراقبة على البواخر التي كانت تمر في البحر الابيض المتوسط خوفا من حمل السلاح الى الجزائر، لأن الجبهة عقدت صفقات شراء مع بعض المنظمات الأوربية تبيع لها السلاح، فتحمله المراكب وتفرغ شحنتها في نقطة معينة من شواطئ البحر الأبيض المتوسط وفعلا ألقى الأسطول الفرنسي القبض على عدة بواخر كانت مشحونة بالأسلحة والذخيرة، فصادرها في الحال، وأصبح أهلها يحتجون.

стр. 170

القانون الاطاري ولما عجزت الحكومة الفرنسية على القضاء على الثورة عمد الوزير المقيم العام في الجزائر الى لعبة يريد أن يموه بها على الثورة والشعب ويخدعه بهذه الحلول الزائفة، فساسة فرنسا لا زالوا يحلمون - كما كانوا في الماضي - يظنون أن الشعب، الجزائري لم يبلغ سن الرشد، فينخدع بالمجاملات، ويقنع بالتعللات ويرضى بالتوافه، اقترح الوزير المقيم (م لاكوست) على البرلمان الفرنسي أن يمنح الشعب الجزائري القانون الاطاري، وهذا القانون غير معقول لا في نوعه ولا في معناه وإنما عقلية الاستعمار تأتي بالمعجزات ولا تعرف المستحيل، ومع هذا مكث البرلمان الفرنسي يدرس في هذا القانون ما يقرب من سنة، فكان يختار المواد التي تترك الجزائر مرتبطة دائما مع فرنسا أكثر مما كانت، وفي كل جلسة يناقش البرلمان القانون الاطارى، فينزع منه المواد التي تسمح للجزائريين بنصيب من الحرية، وفي جلسة أخرى ينقص بعض المواد التي قررها في الجلسة الماضية لأنها تجعل الجزائريين يتمتعون ببعض الحقوق وهكذا كان ينقص من المواد المقررة، ويضيف اليها مواد أخرى حتى أصبح هذا القانون خاليا من كل معنى ومحتوى.

стр. 171

سقوط الحكومات الفرنسية على التوالي عجزت الحكومة الاشتراكية الفرنسية عن القضاء على الثورة وسئمت الحرب التي طال أمدها رغم النشاط الذى اتسمت به في الميدان العسكري، ورغم سياسة الارهاب والبطش اللذين اتخذتهما إزاء المسلمين، ورغم التصريحات باستقلال الشخصي والانتخابات من بعد وضع السلاح، وهذه التصريحات كلها كانت تمويها وخداعا، وفراغا في فراغ لا فائدة منها ... وفي حزيران سنة ١٩٥٧م سقطت حكومة (قى مولى) وأخلفتها في الحكم حكومة) بوجيس مونيري) فسارت أشواطا قصيرة، ثم سقطت، ومن بعد هذه الحكومة صعدت الى منصة الحكم حكومة (فليكس قيار)، وهاتان الحكومتان كانتا امتدادا لحكومة (قى مولى)، فهذه الحكومات كلها كانت تنتسب الى الحزب الاشتراكي الفرنسي، سارت هاتان الحكومتان على نفس الخطة التي سارت عليها الحكومة الأولى، ولم تغير شيئا منها. وفي هذه المدة شاعت أعمال الزجر التي يستعملها الجيش الفرنسي في العالم، وذلك بواسطة الاذاعات والجرائد والمناشير المصورة التي كانت توزع على الناس والافلام السينمائية التي كانت تكشف عن الجرائم التي يرتكبها الجيش الفرنسي في الجزائر، فضج العالم من هذه الأعمال الوحشية فتبرأت الأحزاب الاشتراكية العالمية من الحزب الاشتراكي الفرنسي الذى خالف مبدأه في الحرية والمساواة وكذلك العقلاء من الفرنسيين فكانوا ينصحون حكومتهم بحل هذه القضية حلا سلميا. لكن الوزير المقيم في الجزائر عارض هذا الحل، ووقف في وجه كل من يريد المفاهمة مع جبهة التحرير الوطني بكل شدة، وطلب من الحكومة الفرنسية أن تمنحه ربع الساعة الأخيرة يعالج فيه الوضع الجزائري لعله يجد حلا مقبولا من الطرفين، لكن هذا الربع طال حتى بدأ بعض الفرنسيين ينادون بسقوط الوزير، واتهموه بأنه كان حجر عثرة في طريق المفاهمة، وسببا في تعكير

стр. 172

الجو، واضطراب الأحوال وكانت الحكومات في سقوط متوال والاقتصاد في انهيار وخراب واختلفت أحزاب فرنسا فيما بينها في قضية الجزائر، فبعضهم يطالب بالمفاوضة مع جبهة التحرير وباستقالة الوزير المقيم، والبعض الآخر يطالب بالحرب، وبإبقاء الوزير في منصبه فكادت حرب أهلية تندلع بينهما. وفي هذه المدة ضاقت القيادة العليا للجيش الفرنسي من حركات جبهة التحرير التي كانت على الحدود التونسية، ومرورها على الأسلاك الشائكة، لأنها جلبت الآلات اللازمة لقطع هذه الأسلاك، ودربت فرقا على ذلك وكانت تشرف على المرور، وتنقية الطريق من الألغام لكى يمر المجاهدون بسلام ... اعتبرت القيادة العليا للجيش الفرنسي هذه الأعمال من جانب الحكومة التونسية عملا معاديا لفرنسا فقررت أن تعاقبها ففي شهر شباط سنة ١٩٥٨م أمر الضباط الفرنسيون بقنبلة ساقية سيدى يوسف داخل التراب التونسي، وأنها لا تبعد كثيرا عن الحدود الجزائرية انتقاما من الحكومة التونسية التي سمحت لجبهة التحرير بإقامتها فوق أرضها ... فوجئت هذه القرية الهادئة بسقوط القنابل، وانفجارها على المنازل فكانت تخر على من فيها من الأبرياء الآمنين، ما ترى الا النار مشتعلة هنا وهناك، والأرواح تزهق، والناس في هلع وذعر لا يدرون ما دهاهم. كان هذا العمل ظلما وعدوانا صارخا على دولة محايدة معترفا بسيادتها واستقلالها فثارت الحكومة التونسية بالاحتجاج لدى جمعية الأمم، وآزرتها في ذلك بعض الدول، واستاء الرأي العام العالمي من جراء هذا الهجوم الغادر الذي لا مبرر له، وبدأت الإعانات والتبرعات من لدى المحسنين تصل الى المنكوبين من هذه القرية باستمرار. اعترفت حكومة (فليكس قيار) بهذا الاعتداء، وتوسطت أمريكا وانجلترا في هذا النزاع خوفا من تدخل مجلس الأمن، في هذه القضية، فانتدبت كل منهما مندوبا عنها ليكون وسيطا في الصلح ما بين حكومة باريس وتونس ولم ترض أي حكومة

стр. 173

منهما بالشروط التي تقدمها الدولة الأخرى، ولم ترضيا بالاقتراحات التي تقدم بها الوسيطان. وفي هذه الآونة بدأت الحكومة التونسية تطالب بجلاء القوات الفرنسية المرابطة بترابها، وهكذا بقيت الحكومتان في أخذ ورد حتى سقطت حكومة (فليكس قيار) ومن ثم أصبحت الحكومات الشعبية الفرنسية لا تستطيع أن تثبت أمام الثورة. بدأ رئيس الجمهورية الفرنسية (م كوتى) يستثير الأحزاب فيمن يوليه دفة الحكم، وقد امتنع النواب عن الترشيح لرئاسة الحكومة وأصبحوا يفرون من المسؤولية خوفا من الثورة الجزائرية العارمة.

стр. 174

تصاعد الثورة في الداخل والخارج قال (فرانتى فانون) في منشورات للحكومة الجزائرية المؤقتة (ان الانسان الجزائري هو انسان جديد ظهر في وهران وفي جبال أوراس، وهو لن يحرر الجزائر فحسب، ولكن يحرر شمال افريقيا وسيحرر العرب كلهم، وسوف يكون النموذج والمثل الأعلى للمحارب العربي في سبيل عقيدة وفي سبيل حياة أفضل انتهى. الثورة الجزائرية ثورة تحريرية شعبية تقف بجانب الثورة الفرنسية والروسية والصينية الشعبية والفيتنامية، وأنها أكمل نموذج للثورة العربية الكاملة وأمجد صفحة في تاريخ الثورات الاسلامية ... ليست ثورة الجزائر ضد الاستعمار فحسب، وإنما هي حرب تحريرية شاملة تهدف الى تحطيم حلقة رئيسية من حلقات الاستعمار العالمي. ولقد حققت الثورة الجزائرية آمال الشعوب المستعمرة، سواء في آسيا أو في افريقيا، أو في أمريكا اللاتينية في الحرية والاستقلال، ومند إعلانها وحركة التحرير سائرة في العالم، ولم تتوقف ولو لحظة واحدة، حتى كاد يتحرر العالم الثالث تقريبا، الشيء الذي عجزت عنه ثورات الشعوب الأخرى من قبل ثورة الجزائر. وتحرير الجزائر قضية تهم الجزائريين وحدهم، ولكنها في نفس الوقت تهم العرب جميعا لا بدافع الأخوة الاسلامية فحسب، ولكن بدوافع المصالح المشتركة ... استعمار الجزائر كان الثغرة الأولى التي دخل منها الاحتلال الغربي الى العالم العربي كله، ولهذا أصبح كل عربي مسلم - من بعد الاستقلال يعد ثورة الجزائر ثورته. الثورة الجزائرية الكبرى تهم كل الأحرار في العالم لا بدافع العطف على الحرية، ولكن بدافع الاشتراك في مصير الشعوب المستعبدة، لأن الجزائر هي البوابة الكبرى التي دخل منها

стр. 175

الاستعمار الغربي الى القارة الافريقية حتى سقطت في قبضته كلها. استقلال الجزائر معناه استقلال القارة السوداء، ولهذا لما هبت شعوب هذه القارة لتحرير بلدانها وجدت الاستعمار محطما منهوك القوى بسبب ثورة الجزائر العارمة، فنالت هذه القارة استقلالها بدون إراقة الدماء وبدون صعوبة تذكر. ثورة الجزائر الكبرى قضت على طغيان الجيش الفرنسي، وعلى نظام جنرالاته، وعلى جميع السفاكين والمتعطشين للدماء، والمتجبرين والمتحكمين في رقاب العباد فلقنتهم درسا قاسيا، فجعلتهم ينسحبون من القارة السوداء بدون حرب ... وكان ضباط فرنسا أمثال ماسو، وسالان، وشال ومن لف لفهم يخوضون منذ عشرين سنة غمار حرب ضروس في العالم عساهم أن يحرزوا على نصر ما ولذا كانوا يحاربون الشعب الجزائري الأعزل بأقوى قوة، وأكبر عتاد حرب وأضخم جيش مما كان عليه أيام حربهم مع ألمانيا، وفي حربهم مع الجزائر كانوا يستعملون هذه العبارة (كفانا إهانة ... كفانا استسلاما (ولكن أنى لهم الانتصار، والشعب الجزائري قد استيقظ من سباته، وبدأ ثورته باسم الله، ووقف بكل عزم وصلابة في وجه جبروت الاستعمار موقف رجل واحد ... لم يكن أحد يعلم أو يظن على الأقل أن الثورة ستصل الى ما وصلت اليه من القوة حتى انتصرت على أعظم جيش استعماري في العالم، وأرغمته على تغيير نظامه الذى كان يستعبد به الشعوب، ولا أحد كان يظن أن الاستماتة التي أبداها كل من الطرفين المتحاربين في سبيل إحراز النصر لا السياسيون المحنكون حتى قادة الثورة انفسهم كانوا يجهلون عما تسفر عنه الثورة من الأحداث الجسام رغم تخطيطهم لها، وتقديرهم للخسائر التي تنتج عنها، والأهداف التي تصل إليها ... وكذلك الحكومة الفرنسية لم تكن في يوم من الأيام تتكهن بهذه الصعوبات التي لاقتها في هذه الثورة الا أنها تدرك ما ينطوي عليه الشعب الجزائري من طاقات حية على حسب مواقفها

стр. 176

معه في الماضي، ولكنها لم تتوقع أن الشعب يتحد ويقف كرجل واحد في وجهها، ويبرز بهذا التكتل والنظام الدقيق الذي أصبح مضرب الأمثال، وإنما كانت تظن أن هذه الثورة كالثورات الماضية، فسرعان ما تفشل بسبب الاختلاف ومحاربة بعضهم بعضا، ونسيت أن الشعب أصبح لا يتحمل حلم الاستعمار، والحرمان الذي فرضه عليه منذ الاحتلال، ولهذا وغيره اندفع في هذه الثورة كالتيار الجارف باسم عقيدته الاسلامية ودينه الحنيف، والشعب إذا حارب باسم الاسلام لا تستطيع أي قوة مهما كانت أن ترغمه على التقهقر وهذا ما وقع ... كانت فرنسا تظن أن هذه الثورة كالثورات الجهوية التي قامت في عهد الاحتلال كثورة عين التوتة، وثورة مليانة، وثورة أولاد سيدي الشيخ، وثورة بلاد القبائل، هذه الثورات كلها مهما بلغت من العنف لم تكن تكتسي صبغة نظامية ... أما ثورة أول نوفمبر فقد اكتسبت من أول وهلة صبغة دينية وطنية ولهذا أن هذه الثورة لا تشبه الثورات التي خاضها الجزائريون مع الاستعمار من قبل. كان المسؤولون من فرنسا يعلمون شدة مواقف الجزائريين الصلبة، ومقاومتهم العنيفة الطويلة النفس لهذا عمدوا الى تسوية مشكل الهند الصينية ومنحوا الاستقلال للمغرب وتونس ليتفرغوا للحرب في الجزائر التي بدأت في الانفجار، فإذا قضوا على الثورة في الجزائر، فإنهم لا يبالون بالاستقلال الذي منحوه الى تونس والمغرب ما داموا يملكون الجزائر، لا يؤثر هذا الاستقلال على مصالح فرنسا، بهذا تفرغت فرنسا من جميع المشاكل الخارجية، وجمعت كلما كانت تملك من قوة ورمت بها الثورة في الجزائر. خاض الشعب الجزائري حرب التحرير بكل قوة وعنف ضد الغاصبين، فأصهرته هذه الحرب بحوادثها المؤلمة حتى التحم بعضه ببعض، وأبرزه هذا الانصهار الى الوجود على سجيته الأصيلة، وشخصيته الاسلامية الفذة اللامعة ...

стр. 177

فأصبحت السهول والجبال والأودية والمدن والقرى من أرض الجزائر كلها ميدانا للكفاح، وبطاحا للمعارك الدامية. والاشتباكات الكثيرة، وكان المجاهدون الأحرار يخرجون من هذه الحروب الطاحنة ظافرين منتصرين في كل معركة لأنهم يباغتون العدو ليلا ونهارا حسب ما تسمح به الفرص فينزلون به ضربات قاسية في لمح البصر، ومن بعد ينسحبون بسرعة من ميدان المعركة، لأنهم لا يستطيعون أن يواجهوه وجها لوجه لأنه متفوق عليهم في العتاد والقوة، ومن بعد يختفون لم يقف لهم على أثر، كأن الأرض ابتلعتهم وهذا هو شأنهم في جميع المعارك قلما كانوا يقابلونه. فهذه الانتصارات الرائعة هي التي كان سببا في تحمل الشعب من ويلات الحرب وتمرسه بالآفات، فأصبح لا يبالي كالعذاب الذي سلط عليه من بداية الثورة فكان بعضه في أعماق السجون، والبعض على أعواد المشانق، وتحت شفرات المقاصل، وقذائف المدافع، وقنابل الطائرات كانت تدك القرى والمنازل دكا، وتحرق كل شيء فيها، ورصاص الجند كان يحصد النفوس حصدا لم ينج أحد من هذا البركان المتفجر الا من اتخذ الجبل حصنا وملجأ يكافح ليله نهاره بدون انقطاع، أو فر الى الخارج من هذا الأتون الملتهب، والباقي من الشيوخ والعجزة والاطفال والنساء جمعوا بين الأسلاك الشائكة للعري والجوع والمرض ... والعامل الوحيد لهذا الصبر على هذا الحال، والصمود في وجه العدو، وتحد طغيانه وجبروته، وظلمه بجميع أنواعه هو الإسلام الذي بعث روح القوة والمقاومة التي لا تليق في نفوس المجاهدين، وكان شعارهم (الله أكبر) ... وصلت قوة الجيش الفرنسي في هذه المدة الى خمسمائة ألف جندي مدججين بسلاح الحلف الأطلسي، ويؤيدهم ما يقرب من مليون أوربي جزائري سالت دماء الجزائريين على أرضهم أنهارا، ويا ليت الجيش الفرنسي وقف عند هذا الحد، بل كان يستعمل السلاح الذي حرمه القانون الدولي ضد الجزائريين هذا السلاح الفتاك المبيد لكل شيء (هو النابالم) الذي لم يستعمل في الحرب العالمية الثانية فاستعملته فرنسا ضد الثوار ... كان الجيش الفرنسي يقتل

стр. 178

الأسرى من جيش التحرير، بل يمثل بهم ... استنادا الى وزارة الأخيار للحكومة الجزائرية المؤقتة، والى ما نشرته صحيفة المجاهد تقول: ان جميع المعارك المسلحة العظمى التي قامت بها شعوب آسيا وافريقيا للتحرر، كان الاستعمار فيها يدافع عن وجوده بوحشيه وشراسة، وأصبح استعمال (النابالم) هو السلاح المفضل عنده فقد استعمله في كوريا، وفي الفتنام، وفي الجزائر. لماذا يستعمله؟ لأنه سلاح تدمير شامل، ويحدد مساحة مفعوله، ويحرق كل ما كان على وجه الأرض، وهذا السلاح كان (يحلم به الجنرال بيجو، وسانت أرنو) وكل غزاة الاستعمار. انشئت الحضارة الغربية على التميز العنصري، والعروق الجنسية، فروحها ومفاهيمها ومقاييسها تتصرف إزاء الشعوب التي هي من غير جنسها على أنها لا تقيم لها وزنا، ولا تفهم إلا القوة، إذن يجب ترويعها، ويعلن المعمرون صراحة في الجزائر، (ان الثوار يشيعون الارهاب، وأن الخوف يجب أن ينتقل اليهم) هذا ما قاله الأسقف الفرنسي (ساليج) سنة ١٩٠٠ م، (ان الخوف والاحتقار والقوة هي مما يلزم للشعوب المتخلفة حتى تبقى مستكينة) وهذه النظرية عند المستعمرين لا تزال تتكرر بدون انقطاع، بل ان الكلمات التي يطلقها علينا المستعمرون تدل على تصورهم لنا، إنهم يطلقون علينا الأسماء التالية: المستعمرات شعوب متخلفة. إفريقيا المحاطة بالأسوار، آسيا المنحطة، النمل البشري، الجماهير المخيفة الديدان الوسخة الى غير ذلك من الأسماء والنعوت التي تدل على تصور الرجل المتمدن لنا. وعندهم ازاء هذا النمل، وهذه الديدان، وهذه العصابات الفوضوية لا يوجد أي جرم في إبادتها، بل ان إبادتها عملية صحيحة في مستوى عالمي إنها داخلة عندهم لي نطاق ابادة الحشرات. وعملياتهم الحربية ضدنا يطلقون عليها أسماء تستوحى من هذه النفسية ذاتها فالجنرال شال أطلق على عملياته التفتيشية

стр. 179

بعملية المشط الدقيق، والجنرال فور سماها عملية التطهير الأكبر، وهذا التطهير عبارة عن عملية الحرق التي لا تبقى ولا تذر. الجيش الفرنسي ظل يستعمل (النابالم) عدة سنوات في الجزائر، وهم الذين كانوا يستنكرون أعمال القائد الأمريكي (مارك ارثر) في كوريا لسنة ١٩٥١م وينسون اليوم هذه العملية الوحشية، وأمريكا هي التي تزود فرنسا بهذا السلاح المبيد، فالجزائر توجه التهمة الى هؤلاء المجرمين وهى تحمل في يدها الشهادة القاطعة.

стр. 180

النابالم في الفيتنام يقول الصحافي الكبير (م. دومنياك) مدير جريدة الفكر (اسبرى) الذي أصبح يشتهر باستعمال العنف، ويجمع المتطرفين، ويقول: منذ تسع سنوات ما تزال هناك صفة إنسانية للحرب أو هل ما يزال هناك سبب للاحتجاج على عملية التدمير للسكان الأبرياء؟ ان العالم كله قد تعود على هذه الفكرة وهى أن الحرب عندما تحدث تكون عامة لا رحمة فيها، لقد أصبح من الضروري إبادة العدو بالجملة، وما دون ذلك فهي عواطف سخيفة هذه هي الفكرة التي تحملها الدول المتمدنة إزاء الشعوب المتخلفة، وآخر مولود من أسلحة التدمير للشعوب الضعيفة اخترعه الأمريكان لفنائها وهو (النابالم) وهو عبارة عن جليد من البنزين تلقيه الطائرات، فيحدث حريقا في كل ما يمسه من أرض ونبات، وحيوان ومساكن إنه لا يبقي شيئا وفي الهند الصينية كانوا يظنون أن الحرب التي يخوضونها مع الاستعمار عملية بوليسية ولم يدركوا أنها حرب إبادية الا عندما بدأ فيها (النابالم). ويرجع الفضل الى عبقرية الجنرال الامريكي (دولاتور) كان هو أول من بدأ باستعمال هذا السلاح في معركة هانوي، وأعلن أنه سلاح الطيران، قد أباد (بالنابالم) وحدة للعدو فوق الجبال، ويواصل (دومنياك كلامه قائلا): لم تعد هناك فائدة في الاحتجاج على أعمال الطيران الأمريكي في (كوريا) ولكننا نستطيع أن نطلب من الانسانيين المسحيين والاشتراكيين الذين يحكموننا، هل يتحملون مسؤولية استعمال هذا النوع الجديد من الحرب؟ وهل يهضمونها مع التقاليد التحريرية التي ينادون بها ... ؟ مجلة أسبرى، سنة ١٩٥١ م. وفي الجزائر جاء في العدد ٤٩ من كراس الشاهد المسيحي في زاوية يوميات القائم مقام (س) في صفحة ٥١ ما يلى يوم ٢٣ - ٨ - ١٩٥٨م ان وسائلنا مهولة فلكي نفتح الطريق أمام قافلة كنت
следующие страницы →