← Общие книги

Общие книги · id 115134

الاعتصام بالإسلام

عمر العرباوي

Полный текст (256 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

معه في الماضي، ولكنها لم تتوقع أن الشعب يتحد ويقف كرجل واحد في وجهها، ويبرز بهذا التكتل والنظام الدقيق الذي أصبح مضرب الأمثال، وإنما كانت تظن أن هذه الثورة كالثورات الماضية، فسرعان ما تفشل بسبب الاختلاف ومحاربة بعضهم بعضا، ونسيت أن الشعب أصبح لا يتحمل حلم الاستعمار، والحرمان الذي فرضه عليه منذ الاحتلال، ولهذا وغيره اندفع في هذه الثورة كالتيار الجارف باسم عقيدته الاسلامية ودينه الحنيف، والشعب إذا حارب باسم الاسلام لا تستطيع أي قوة مهما كانت أن ترغمه على التقهقر وهذا ما وقع ... كانت فرنسا تظن أن هذه الثورة كالثورات الجهوية التي قامت في عهد الاحتلال كثورة عين التوتة، وثورة مليانة، وثورة أولاد سيدي الشيخ، وثورة بلاد القبائل، هذه الثورات كلها مهما بلغت من العنف لم تكن تكتسي صبغة نظامية ... أما ثورة أول نوفمبر فقد اكتسبت من أول وهلة صبغة دينية وطنية ولهذا أن هذه الثورة لا تشبه الثورات التي خاضها الجزائريون مع الاستعمار من قبل. كان المسؤولون من فرنسا يعلمون شدة مواقف الجزائريين الصلبة، ومقاومتهم العنيفة الطويلة النفس لهذا عمدوا الى تسوية مشكل الهند الصينية ومنحوا الاستقلال للمغرب وتونس ليتفرغوا للحرب في الجزائر التي بدأت في الانفجار، فإذا قضوا على الثورة في الجزائر، فإنهم لا يبالون بالاستقلال الذي منحوه الى تونس والمغرب ما داموا يملكون الجزائر، لا يؤثر هذا الاستقلال على مصالح فرنسا، بهذا تفرغت فرنسا من جميع المشاكل الخارجية، وجمعت كلما كانت تملك من قوة ورمت بها الثورة في الجزائر. خاض الشعب الجزائري حرب التحرير بكل قوة وعنف ضد الغاصبين، فأصهرته هذه الحرب بحوادثها المؤلمة حتى التحم بعضه ببعض، وأبرزه هذا الانصهار الى الوجود على سجيته الأصيلة، وشخصيته الاسلامية الفذة اللامعة ...

стр. 177

فأصبحت السهول والجبال والأودية والمدن والقرى من أرض الجزائر كلها ميدانا للكفاح، وبطاحا للمعارك الدامية. والاشتباكات الكثيرة، وكان المجاهدون الأحرار يخرجون من هذه الحروب الطاحنة ظافرين منتصرين في كل معركة لأنهم يباغتون العدو ليلا ونهارا حسب ما تسمح به الفرص فينزلون به ضربات قاسية في لمح البصر، ومن بعد ينسحبون بسرعة من ميدان المعركة، لأنهم لا يستطيعون أن يواجهوه وجها لوجه لأنه متفوق عليهم في العتاد والقوة، ومن بعد يختفون لم يقف لهم على أثر، كأن الأرض ابتلعتهم وهذا هو شأنهم في جميع المعارك قلما كانوا يقابلونه. فهذه الانتصارات الرائعة هي التي كان سببا في تحمل الشعب من ويلات الحرب وتمرسه بالآفات، فأصبح لا يبالي كالعذاب الذي سلط عليه من بداية الثورة فكان بعضه في أعماق السجون، والبعض على أعواد المشانق، وتحت شفرات المقاصل، وقذائف المدافع، وقنابل الطائرات كانت تدك القرى والمنازل دكا، وتحرق كل شيء فيها، ورصاص الجند كان يحصد النفوس حصدا لم ينج أحد من هذا البركان المتفجر الا من اتخذ الجبل حصنا وملجأ يكافح ليله نهاره بدون انقطاع، أو فر الى الخارج من هذا الأتون الملتهب، والباقي من الشيوخ والعجزة والاطفال والنساء جمعوا بين الأسلاك الشائكة للعري والجوع والمرض ... والعامل الوحيد لهذا الصبر على هذا الحال، والصمود في وجه العدو، وتحد طغيانه وجبروته، وظلمه بجميع أنواعه هو الإسلام الذي بعث روح القوة والمقاومة التي لا تليق في نفوس المجاهدين، وكان شعارهم (الله أكبر) ... وصلت قوة الجيش الفرنسي في هذه المدة الى خمسمائة ألف جندي مدججين بسلاح الحلف الأطلسي، ويؤيدهم ما يقرب من مليون أوربي جزائري سالت دماء الجزائريين على أرضهم أنهارا، ويا ليت الجيش الفرنسي وقف عند هذا الحد، بل كان يستعمل السلاح الذي حرمه القانون الدولي ضد الجزائريين هذا السلاح الفتاك المبيد لكل شيء (هو النابالم) الذي لم يستعمل في الحرب العالمية الثانية فاستعملته فرنسا ضد الثوار ... كان الجيش الفرنسي يقتل

стр. 178

الأسرى من جيش التحرير، بل يمثل بهم ... استنادا الى وزارة الأخيار للحكومة الجزائرية المؤقتة، والى ما نشرته صحيفة المجاهد تقول: ان جميع المعارك المسلحة العظمى التي قامت بها شعوب آسيا وافريقيا للتحرر، كان الاستعمار فيها يدافع عن وجوده بوحشيه وشراسة، وأصبح استعمال (النابالم) هو السلاح المفضل عنده فقد استعمله في كوريا، وفي الفتنام، وفي الجزائر. لماذا يستعمله؟ لأنه سلاح تدمير شامل، ويحدد مساحة مفعوله، ويحرق كل ما كان على وجه الأرض، وهذا السلاح كان (يحلم به الجنرال بيجو، وسانت أرنو) وكل غزاة الاستعمار. انشئت الحضارة الغربية على التميز العنصري، والعروق الجنسية، فروحها ومفاهيمها ومقاييسها تتصرف إزاء الشعوب التي هي من غير جنسها على أنها لا تقيم لها وزنا، ولا تفهم إلا القوة، إذن يجب ترويعها، ويعلن المعمرون صراحة في الجزائر، (ان الثوار يشيعون الارهاب، وأن الخوف يجب أن ينتقل اليهم) هذا ما قاله الأسقف الفرنسي (ساليج) سنة ١٩٠٠ م، (ان الخوف والاحتقار والقوة هي مما يلزم للشعوب المتخلفة حتى تبقى مستكينة) وهذه النظرية عند المستعمرين لا تزال تتكرر بدون انقطاع، بل ان الكلمات التي يطلقها علينا المستعمرون تدل على تصورهم لنا، إنهم يطلقون علينا الأسماء التالية: المستعمرات شعوب متخلفة. إفريقيا المحاطة بالأسوار، آسيا المنحطة، النمل البشري، الجماهير المخيفة الديدان الوسخة الى غير ذلك من الأسماء والنعوت التي تدل على تصور الرجل المتمدن لنا. وعندهم ازاء هذا النمل، وهذه الديدان، وهذه العصابات الفوضوية لا يوجد أي جرم في إبادتها، بل ان إبادتها عملية صحيحة في مستوى عالمي إنها داخلة عندهم لي نطاق ابادة الحشرات. وعملياتهم الحربية ضدنا يطلقون عليها أسماء تستوحى من هذه النفسية ذاتها فالجنرال شال أطلق على عملياته التفتيشية

стр. 179

بعملية المشط الدقيق، والجنرال فور سماها عملية التطهير الأكبر، وهذا التطهير عبارة عن عملية الحرق التي لا تبقى ولا تذر. الجيش الفرنسي ظل يستعمل (النابالم) عدة سنوات في الجزائر، وهم الذين كانوا يستنكرون أعمال القائد الأمريكي (مارك ارثر) في كوريا لسنة ١٩٥١م وينسون اليوم هذه العملية الوحشية، وأمريكا هي التي تزود فرنسا بهذا السلاح المبيد، فالجزائر توجه التهمة الى هؤلاء المجرمين وهى تحمل في يدها الشهادة القاطعة.

стр. 180

النابالم في الفيتنام يقول الصحافي الكبير (م. دومنياك) مدير جريدة الفكر (اسبرى) الذي أصبح يشتهر باستعمال العنف، ويجمع المتطرفين، ويقول: منذ تسع سنوات ما تزال هناك صفة إنسانية للحرب أو هل ما يزال هناك سبب للاحتجاج على عملية التدمير للسكان الأبرياء؟ ان العالم كله قد تعود على هذه الفكرة وهى أن الحرب عندما تحدث تكون عامة لا رحمة فيها، لقد أصبح من الضروري إبادة العدو بالجملة، وما دون ذلك فهي عواطف سخيفة هذه هي الفكرة التي تحملها الدول المتمدنة إزاء الشعوب المتخلفة، وآخر مولود من أسلحة التدمير للشعوب الضعيفة اخترعه الأمريكان لفنائها وهو (النابالم) وهو عبارة عن جليد من البنزين تلقيه الطائرات، فيحدث حريقا في كل ما يمسه من أرض ونبات، وحيوان ومساكن إنه لا يبقي شيئا وفي الهند الصينية كانوا يظنون أن الحرب التي يخوضونها مع الاستعمار عملية بوليسية ولم يدركوا أنها حرب إبادية الا عندما بدأ فيها (النابالم). ويرجع الفضل الى عبقرية الجنرال الامريكي (دولاتور) كان هو أول من بدأ باستعمال هذا السلاح في معركة هانوي، وأعلن أنه سلاح الطيران، قد أباد (بالنابالم) وحدة للعدو فوق الجبال، ويواصل (دومنياك كلامه قائلا): لم تعد هناك فائدة في الاحتجاج على أعمال الطيران الأمريكي في (كوريا) ولكننا نستطيع أن نطلب من الانسانيين المسحيين والاشتراكيين الذين يحكموننا، هل يتحملون مسؤولية استعمال هذا النوع الجديد من الحرب؟ وهل يهضمونها مع التقاليد التحريرية التي ينادون بها ... ؟ مجلة أسبرى، سنة ١٩٥١ م. وفي الجزائر جاء في العدد ٤٩ من كراس الشاهد المسيحي في زاوية يوميات القائم مقام (س) في صفحة ٥١ ما يلى يوم ٢٣ - ٨ - ١٩٥٨م ان وسائلنا مهولة فلكي نفتح الطريق أمام قافلة كنت

стр. 181

أقودها، تحصلت على ٣ سيارات جيب، و ٤ سيارات شاحنات، و ٥ آلات راديو وطائرة اكتشاف، وقوة نارية كنت أسيرها بواسطة الراديو، و ٤ سيارات رشاشة، والى جانب كل ذلك قوة احتياطية، وقوة مدفعية مستعدة في كل لحظة لاستعمالها ضد الغيران والكهوف، وعندنا أخيرا أوعية خاصة تحمل (النابالم) الذي هو سلاح مستعمل بصفة عامة انتهى. صدر أخيرا كتاب الجزائر عمرها عشرون عاما في سنة ١٩٦٠ م كتبه (الآن مانيفى) المراسل السابق في مصلحة الصحافة التابعة للجيش الفرنسي تحدث فيه عن رحلة في شرق الجزائر فقال: النار! النار! في كل مكان في المرتفعات نشاهد خطوطا هائلة من الحريق تهاجم الجبال، وتصعد الى الغابات وأبعد من ذلك نشاهد النار أنها حرائق مهولة في مساحات شاسعة بعيدة أنها حرائق) النابالم) جبال بأكملها تشتعل وتحترق حتى لا يأوي إليها الثوار!!

стр. 182

النابالم في الجزائر (بقلم جان لاكنر) في صحيفة (لموند) عدد سبتمبر سنة ١٩٥٨م النص الكامل لهذا السلاح الذي استعملته فرنسا في الجزائر ضد جيش التحرير يقول ضابط من جيش التحرير الوطني عندما سئل عما جرى في معركة جبال الونشريس، فصرح بما يلى: عن عملية (كرون) قال: انتخبت كتائب المنطقة الرابعة والسابعة من الولاية الخامسة، ووحدة الكمندوس التابعة لعبد المؤمن، ووحدة الكمندوس في المنطقة السابعة، والعناصر الرئيسية من أجهزة النظام السري في الولاية الرابعة، انتقلوا كلهم الى الولاية الخامسة، وكان مجموعهم يتجارز ٤٠ رجلا، وبعد ذلك اجتمع ضباط الولاية الرابعة والخامسة، فتسلم سي محمد قيادة العمليات في قطاع باب البكوش من الولاية السادسة، ومعه وحدات الولاية الخامسة ٤٥ كتيبة من الولاية الرابعة من بينها كتيبتان الكريمية والزبيرية وأضيفت وحدات جهوية لتعزيزهم، وبذلك بلغ عدد المجاهدين لا بأس به ... قرر سي محمد القيام باشتباكات مشددة طيلة ١٥ يوما ضد العدو، وفي أثناء ذلك قدمت الكتيبة الزبيرية من المدية وغنمت ٢٥ قطعة سلاح من بينها مدفع رشاش، وبقينا في اشتباكات مستمرة مع العدو، رغم القذف الجو، واستعمال النبالم ضدنا. النابالم، مستعمل بكثرة ضدنا، وعندما نشتبك مع العدو نحتل المرتفعات فيصعد إلينا العدو، وعن الطلقات الاولى من جانبنا ينسحب الجند الفرنسي من ميدان المعركة، ويبدأ سلاح الطيران في العمل مستعملا الرشاشات والنبالم، يلقى من الطائرات الثقيلة ب ٢٦ والخطة التي يستعملها المجاهدون في هذه الحالة هي أن يلتصقوا بالجيش الفرنسي المنسحب ويلاحقونه وعندئذ يصب (النابالم) على المرتفعات المهجورة، وهكذا فإن خطط حرب العصابات وسرعة الحركة هي التي تمكن جيش التحرير من النجاة من النبالم.

стр. 183

معركة الونشريس: جرت هذه المعركة على الصفة التالية، بقينا ١٥ يوما في اشتباكات متصلة مع العدو، والعدو لم يكن يتوقع منا هذا الاستقبال فانسحب من المنطقة تاركا منشورا يعطى للمجاهدين مهلة ٨ أيام للاستسلام (وفي الوقت نفسه أعلن الناطق الرسمي بلسان القيادة الفرنسية عن إبادتنا جميعا) فسحبنا الجرحى والمصالح الإدارية، وعقدنا اجتماعا جديدا قرر أثناه سي محمد ما يلى: أولا: انسحاب الفرقة الرابعة الى داخل الولاية الرابعة. ثانيا: التوغل في المناطق الخامسة التي كنا انسحبنا منها لنكون فراغا حول العدو بعد المعارك العنيفة التي جرت فيها، وعندما رجع العدو بقوات ضخمة ليسحق كتائبنا التي ألحقت به أضرارا كبيرة لم يجد شيئا فقرر البحث عنا في جبال منطقة الجزائر العاصمة، وفي أثناء البحث كانت كتائب الولاية الخامسة من خلفه تتوغل من جديد في مناطقها، وتوزعت على شكل فرق صغيرة من الفدائيين تتبعهم الأجهزة الادارية والجرحى.

стр. 184

هزائم مريعة في جبل مزى للجيوش الفرنسية الجيش الفرنسي يستعمل النابالم وصف معركة جبل مزى كما رواها جنودنا الأربعة لمراسل المجاهد في ١٨ - ٥ - ١٩٦٠ أصدرت وزارة الأخبار في الحكومة الجزائرية المؤقتة بلاغا عن معركة جرت في جبال مزى استعملت أثناءها القوات الفرنسية قنابل النابالم أصابت بها أربعة من جنودنا ... دارت هذه المعركة الرهيبة التي استمرت من ٥ الى ٨ ماي ١٩٦٠م في جبل مزى القريب من جنان بررزق في الجنوب الغربي من القطر الجزائز، وكانت قوانا في هذه المعركة مؤلفة من خمس كتائب مجهزة بأحسن الأسلحة وأحدثها، فلديها الى جانب الأسلحة الاتوماتيكية الخفيفة مدافع رشاشة ومدافع الهاون من عيار ٨١، وأجهزة لا سلكية تسهل لنا الاتصال بالقيادة العليا في كل حين، وكانت قوانا تملك زمام المبادرة في هذه المعركة وتحتل مواقع حصينه فوق القمم العالية، وقد صدرت إليها الأوامر بأن لا تكشف عن مواقعها الا بعد أن يقترب العدو بمسافة قصيرة جدا بحيث لا يتمكن من الانسحاب، ولا يستطيع الطيران والمدفعية المعادية التدخل في المعركة نتيجة تلاحم الجانبين واختلاطهما ... وفي مساء يوم ٥ ماي احتلت احدى وحداتنا جبل مزى، بينما أخذت الكتائب الأخرى مواقعها في جبل زرانين المقابل للمركز العسكري الفرنسي في حجرة مقيل، وجبل فرطاسة المواجه لجنان بورزق وهكذا كونت وحداتنا نصف دائرة، وكمنت في احكام لقوات العدو المنتظر مجيئها. وفي صبيحة اليوم التالي قامت أربع طائرات ب ٢٦، وطائرتان ت ٦ بعملية استطلاع ثم جاءت بعدها سبع طائرات عمودية فأنزلت الجنود الفرنسيين دفعتين متوالتين في مكان يدعى الحجرة المدفونة، ومن هناك انطلقت القوات الفرنسية تقتفي آثارنا دون أن تعثر علينا لأننا كنا قد أحسنا تضليلها وأخفينا

стр. 185

مواقعنا عنها حتى وقعت في الكمين المنصوب لها دون أن تتنبه وفعلا تقدمت القوات الفرنسية داخل الكمين حتى صارت على بعد عشرين ميتر من مرمى أسلحتنا دون أن تشعر بأي شيء غير عاد، واستعمل المجاهدون عنصر المفاجأة لينقضوا على العدو انقضاضا ساحقا ويصلوه جحيما متواصلا من نيران أسلحتهم الأتوماتيكية، ولم يمر غير وقت وجيز حتى أبيدت تلك العناصر المعادية التي وقعت في الكمين، وبدأت نجدات العدو تتوالى على ميدان المعركة تحت حماية المدفعية الثقيلة التي كانت ترسل قنابلها دون أي ضبط، وتحديد من المراكز العسكرية في جنان بورزق ودرمل، واتسع ميدان المعركة وحمى وطيسها بعد قدوم هذه النجدات، وقد استطاعت قواتنا المتمركزة خلف الصخور المتينة أن تكبد هذه القوات المعادية الجديدة خسائر فادحة، وأن تردها على أعقابها وتضطرها الى الانسحاب بعد أن ترك العدو في ميدان المعركة ما يزيد على ٣٠٠ جنديا بين قتيل وجريح، وبعد انسحاب القوات البرية تدخل الطيران الذى استمر يقنبل المنطقة حتى منتصف الليل في حين كانت النجدات العسكرية تتهاطل من كل جهة محاولة ضرب الحصار حولنا، ولكن قواتنا استطاعت أن تخرق الحصار وان تشق طريقها حتى بين صفوف العدو ماضية الى مواقع أخرى أكثر ملائمة للمعركة ... ومع مطلع النهار في اليوم الثاني شن العدو عملية واسعة محاولا فرص الحصار علينا من جديد، فتعرض لوابل من النيران، واضطر الى التراجع، وتدخل الطيران والمدفعية مرة أخرى كما قدمت النجدات عن طريق السكة الحديدية، وسيارات النقل، والطائرات العمودية التي تجاوز عددها الثلاثين طائرة، والتي كانت توالى نقل النجدات العسكرية بدون انقطاع غير أن المقاومة البطولية الرائعة التي أبداها جنودنا البواسل جعلت العدو يعتمد في المعركة على الطيران بصفة خاصة، فتدفقت فوق ميدان المعركة أفواج متوالية من الطائرات التي تجاوز عددها الخمسين: طائرة من نوع ب ٢٦، ٢٩ وت، كانت هذه الطائرات تطلق نيران رشاشاتها الخفيفة، وترمي قنابل النابالم، وهي قنابل مستطيلة الحجم تنفجر بمجرد نزولها وتطلق دخانا أسود

стр. 186

يتبعه لهيب متدفق يشق عنان السماء ويلتهم الأحجار والأشجار وكل شيء يعترضه، وتنطلق منه رائحة كريهة تشبه رائحة الكبريت، وقد أصبح ميدان المعركة جحيما من اللهب الذي يزداد انتشارا مع الأرض، وارتفاعا في الجو، ولكن أبطالنا استطاعوا أن يواجهوا جرائم العدو بروح بطولية صامدة، وأن يقتحموا صفوف العدو السميكة التي كانت تفرض عليهم حصارا شديدا، وهكذا شق أبطالنا طريقهم داخل جحيم السماء والأرض، واسطاعوا أن ينقذوا إخوانهم الجرحى رغم تكاثر قوات العدو التي كانت ترد من كل جانب وان يحملوهم الى المواقع الأمينة حيث يجدون العلاج السريع، ثم قدموا الى المغرب ليكونوا دليلا حيا وشهادة ناطقة أمام الرأي العالمي على جرائم الاستعمار الفرنسي ووحشيته التي ستزيد في التعجيل يعمره الكريهة والقضاء عليه الى الأبد ... هذه النصوص اختيرت من المقالات والوثائق التي نشرت بجريدة المجاهد اللسان المركزي لجبهة التحرير الوطني - الجمهورية الجزائرية المؤقتة - وزارة الأخبار ...

стр. 187

صدى الثورة في الخارج نالت هذه الثورة اعجاب العالم وتأييده حتى الفرنسيين أنفسهم كانوا ينوهون بهذا الكفاح البطولي، ويحثون ولاتهم على التفاهم مع الجزائريين. كانت اذاعة العالم كلها تتكلم على الثورة الجزائرية بكل لسان وتشرح مقاصدها وأهدافها، والأسباب التي ثار الشعب من أجلها، وكانت تشيد ببطولة المجاهدين الأبرار، وتندد بسياسة الاستعمار الفرنسي الذي كان يطبقها على المسلمين. عقد من أجل هذه الثورة مؤتمرات كثيرة في الشرق والغرب رسمية وغير رسمية من جميع طبقات العالم وهيآته بما في ذلك الحكومات والمحافل الدولية وأخص بالذكر منها مؤتمر باندوك الذي تكلمنا عليه سابقا. تبنت الدول الأسيوية الافريقية القضية الجزائرية برمتها لدى جمعية الأمم، وكانت في كل سنة من سنى الحرب تقريبا تقدم الى مجلس هذه الهيئة ما ترى الا الالسن تتبارى والعقول تتصاول وتتقارع بالحجج والبراهين، والأفكار تتصادم والنقاش يحتدم، والمحاورة تشتد وتقوى، وشقة الخلاف تتوسع، والجدال قائم بين رجال الشرق الناهضين، ورجال الغرب الغاصبين من فوق منبر عالمي، رجال الشرف يريدون التحرير والانطلاق حتى يسترجعوا مكانتهم وسيادتهم، ورجال الغرب يحافظون على امتيازاتهم في هذه البلدان، ويسترون مطامعهم الاستعمارية تحت شعار الديمقراطية والأخوة والمساواة. رغم هذه الحروب المهولة التي لم يخمد لها أوار منذ سبع سنوات، ورغم الخسائر التي لحقت الطرفين، ورغم اهتمام جمعية الأمم، وغيرها من الجمعيات الأخرى بإيجاد حل عادل يضمن حقوق الطرفين ورغم تدخل الدول الحليفة وتوسطها لجعل حد لهذه الحرب القائمة على قدم وساق في هذه البقعة من

стр. 188

العالم لينعم سكانه بالسلام ورغم الصيحات التي كانت ترتفع من أنحاء العالم حتى من الفرنسيين أنفسهم، ومن رجال الديالة المسيحية. كلها مطالبة بإنهاء هذه الحرب المجرمة في أقرب وقت ممكن رغم هذا كله لم يتوصل الطرفان الى الحل المنشود ... ولا نعلم قضية شغلت بال الرأي العام العالمي، واهتم بها ساسته الكبار مثل قضية الجزائر والفيتنام في هذا العصر فهزتا كيان العالم قاطبة وحفزتا الشعوب المستعمرة الى خوض معركة الحرية والاستقلال. سببت الثورة الجزائرية مشاكل كثيرة وأتعابا جمة للشعب الفرنسي في الداخل والخارج حتى أصبحت حكوماته عاجزة عن حل هذه القضية، وإرجاع السلم الى هذه الأوطان، بل كانت في سقوط متوال، واقتصادها في انهيار مستمر فبلغت نفقات الجيش المحارب في الجزائر في اليوم الواحد ثلاث مليارات، وأحيانا أربع مليارات من الفرنك القديم. أخذت الأزمات تشتد وتأخذ بعنق الشعب الفرنسي، فأصبحت تهدده بالانفجارات والانقسام لأن الحالة الداخلية كانت تنتقل من سيء الى أسوأ، ولا تقل الحالة الخارجية عنها خطورة، فالعالم كله أدان فرنسا على سياستها المتبعة في الجزائر، وكان يندد بها حتى ضاق الشعب الفرنسي ذرعا بها لأنها لا تعرف الا الحرب ... انقسم الشعب الفرنسي نحو قضية الجزائر الى قسمين، فأحزاب اليسار كانت تطالب بالمفاهمة مع الجزائريين وتسوية المشكل بالسلم، والأحزاب المتطرفة اليمينية من غلاة الاستعمار كانت تعارض كل مفاهمة وكل حل يقع ما لم تكن الجزائر فرنسية ... أصبح الشعب الفرنسي يعقد المؤتمرات تلو المؤتمرات، بل كل حزب كان يعقد مؤتمرا عاما وخاصا فتناقش القضية الجزائرية فيه نقاشا حادا من جميع وجوهها، وتقدم التقارير واللوائح والتوصيات الى الحكومة ... ولما كان منطق الثورة منطقا صحيحا ومعقولا وحجتها قوية وما هي الا امتداد للمقاومة الشعبية التي سبقتها منذ الاحتلال

стр. 189

فتبين للشعب الفرنسي بأن الجزائر ليست فرنسية كما يزعم المعمرون. وما هو الا شعب أجنبي عن فرنسا له كيانه ومقوماته وعاداته أستعمر في وقت ما، والآن هب يدافع عن حقوقه الشرعية، ولهذا اعترف أكثره بالواقع. وأصبح يؤازر الشعب الجزائري في مواقف ويندد بهذه الحرب التي لا مبرر لها ... هذه الثورة غيرت مجرى التاريخ لا في آسيا وافريقيا فحسب، بل حتى في فرنسا نفسها، فإنها غيرت نظريتها العتيقة إزاء مستعمراتها وأصبحت تتفاهم معها على تقرير مصيرها .... ان اصرار الرجل الافريقي والأسيوي على السيادة على أرض آبائه وأجداده أحبط مساعي الاستعمار، وأرغمه على الاعتراف بحقوق الانسان مهما كان ... والفضل في ذلك يرجع الى الثورتين الكبيرتين الشهيرتين في القرن العشرين: ثورة الجزائر الكبرى في افريقيا، وثورة الفتنام في آسيا، فبهاتين الثورتين خسر الاستعمار مستعمراته في كل من القارتين، فانتصار الثورة الجزائرية على الظلم والطغيان كان أكبر انتصار حققته الشعوب المستعمرة في هذا العصر ...

стр. 190

تخطيط للعمليات العسكرية الفرنسية بدأ قادة الجيش الفرنسي عملياتهم الحربية الواسعة النطاق ضد الثوار باتباع حرب تقليدية، وهي القضاء على الثورة بقتلهم أو أسرهم، ففشلوا في هذه الخطة، ولم ينجحوا، فرجعوا أسباب هذا الفشل الى نقص في العتاد، فضاعفوا من قوتهم وعتادهم الثقيل وزيد في الجيش. هكذا كلما خسروا في حربهم مع الثورة يطلبون المزيد من الجند والسلاح وحكومة باريس لا تبخل عليهم بالإمدادات الضخمة فوضعت تحت تصرف قاداتها في الجزائر كلما كان لها من قوة ومن قوة حلفائها أيضا، وكانت دائما تلبى نداء ضباطها لا ترفض لهم طلبا أبدا حتى بلغ عدد قواتها في الجزائر - بعد عام واحد من اندلاع الثورة - خمسين ألف جندي مزودين بأحدث الأسلحة. جرب جنرالات فرنسا برامج القتال وأنواعه في هذا الوطن وجميع المخططات الحربية الحديثة، واستخدموا جميع أنواع الأسلحة من قديم وحديث، وثقيل وخفيف، ومع هذا كله كانوا يقاسون العجز والفشل والخيبة أمام قوات الثوار المتواضعة وبقي هذا العجز ملازما لهم الى مفاوضة (إيفيا (. كل هذه الأساليب من البرامج الحربية المحكمة، والهجومات العنيفة، واستعمال الآلات الجهنمية على اختلاف أنواعها وأشكالها، والتخريب والتدمير اللذين سلطا على البلاد، والبطش والفتك اللذين استعملا ضد المسلمين لم تغن عنهم هذه القوات كلها ... عندئذ أفاق جنرالات فر نسا على الحقيقة التي لا تقبل الشك بأنهم يخوضون حربا حقيقية، ويقاتلون شعبا قويما عتيدا عقد العزم على استرجاع سيادته المغصوبة وكرامته المهدورة أدرك جنرالات فرنسا هذا كله، وأدركوا أيضا أن عدوهم الذي يقاتلهم ليس بعصابات ثائرة أو من الذين رفعوا راية العصيان

стр. 191

والتمرد لغرض ما، وإنما هو جيش نظامي له كيانه وعقائده وأهدافه، جيش مدرب يتقن فنون القتال، والشعب بأجمعه يحتضنه ويأتمر بأوامره، ويمده بكل ما يحتاج اليه ... وعلى هذه الحقائق الناصعة التي لا موارة فيها أعاد جنرالات فرنسا تخطيط برامجهم الحربية بعد اجتماعات عديدة ودراسات عميقة أسفرت هذه الدراسات عن برنامج حربى يهدف الى استئصال شأفة الثوار، ونشر الخراب والدمار في الوطن، يبدأ هذا البرنامج بهجوم عام شامل على مواقع جيش التحرير، عرف هذا البرنامج باسم المربعات (الكدرياج) أي القتال عن طريق المربعات ... بدئ في تطبيق هذا البرنامج سنة ١٩٥٥م - توزعت القوات الفرنسية في كامل القطر الجزائري على شكل مربعات تنتشر على طول مواقع الثوار من غربي الجزائر الى شرقيها مع ضرورة تقارب المراكز العسكرية لكى يتسنى نجدة أي مركز يفاجأ بالهجوم حتى تتمكن القوات الفرنسية من إبادة المهاجمين بسرعة ... ولما شنت القوات الفرنسية الهجوم العام على مراكز جيش التحرير، توقف زحف هذه القوات الفرنسية أمام مناعة خطوط الدفاع للثوار، وأخذ جيش التحرير يشن هجوما معاكسا على مراكز المربعات، بحيث كان يشغل بعض المراكز بمناوشات رمزية تقوم بها وحدات صغيرة، وبقية الثوار يكمنون له في الطريق المؤدية الى هذه المراكز ... ومما يسر على جيش التحرير وسهل مهمته تبعثر الجيش الفرنسي وتشبثه فوق أرض الوطن الشاسعة الواسعة الأطراف والأرجاء الممتدة من الغرب الى الشرق، والذى أعانه على تسديد ضرباته الى القوات الفرنسية هو وجود بعض القرى والمدن داخل نطاق هذه المربعات، فكان جيش التحرير يتسلل إليها، ويختفى بين السكان، فلم يستطع العدو أن يميز بين سكان هذه القرى، وبين المجاهدين، فكان يضع الألغام في الطرق والقنابل في المنشآت العمرانية فتنسف المنازل والمصانع

стр. 192

والجسور، وكل من يمر عليها من سيارات ودبابات فأصبحت القوات الفرنسية عرضة لأعمال الفداء داخل خطوطها حتى اضطرت القيادة العليا أمام هذه الأعمال المتواصلة الى إخلاء مناطق العمليات العسكرية من السكان وحشدتهم داخل معسكرات محاطة بأسلاك شائكة، تظن أنها بهذا العمل تضمن عدم تسلل الفدائيين الى المراكز الفرنسية، وأنها في نفس الوقت تقطع التموين على جيش التحرير، فبهذه الخطة تعزل الثوار عن الاتصال بالشعب فيسهل العثور عليهم والتمكن من إبادتهم لهذا جمعت سكان القرى، وحشدتهم في معسكرات الاعتقال. وبعد أن أصبحت مناطق العمليات خالية من السكان تقابلت القوتان وجها لوجه، ودارت المعارك ليلا ونهارا دامت أربعة أشهر لم يتوقف القتال خلالها ولو يوما واحدا. فكانت المعارك تدار حتى بالسلاح الأبيض، فظهر حينئذ لجنرالات فرنسا قصور برامجهم عن تحقيق الأهداف التي رسموها فأصبحت القوات الفرنسية مرة ثانية عرضة لهزيمة محققة لوعرة السلوك والدروب، وسرعة حركة الثوار فعدل جنرالات فرنسا عن هذه البرامج، ورجعوا الى برامجهم التقليدية لقد جلب حرب المربعات (الكدرياج) الى جانب الفضيحة العسكرية العار والخزي لفرنسا لأنه لطخ سمعتها ومرغ شرفها في الأوحال، لقد استفاد جيش التحرير من برامج المربعات وإخلاء السكان من مناطق العمليات، كان جيش التحرير يقلل ما استطاع من هجوماته على العدو في المناطق الأهلة بالسكان خوفا من انتقام الجيش الفرنسي من الأهالي فلما أخليت المناطق من السكان تجرد للقتال بلا خوف، وفي النهاية تغلب الثوار على أكثر مراكز العدو. كان الجنرال ديغول منذ الساعة التي تسلم فيها الحكم يشارك في الخطط والبرامج الحربية لسحق الثوار، وقد خط برامج كثيرة شارك فيها القادة العسكريون والمدنيون من المتطرفين وغلاة الاستعمار على السواء، فالعسكريون من جهتهم كانوا يستعملون القوة بجميع أنواعها وأشكالها الفظيعة من التنكيل والتخريب والقتل الجماعي، وكانوا مخيمين في جميع القرى والمدن والأحواز يحصون على السكان أنفاسهم وحركاتهم

стр. 193

وسكناتهم ... والمدنيون من ناحيتهم يبرقون ويلوحون بالوعود الكاذبة والحلول الزائفة والدعاية المغرية لكن سرعان ما تخبط ديغول وأتباعه وقواده وسائر مؤيديه من الطغاة الذين يستعبدون الناس فوجدوا أنفسهم جميعا يتخبطون في متاهات لا حد لهما ودوامة لا قرار لها، فلم يكن الجنرال ديغول أسعد حظا من أسلافه الذين كانوا في الحكم إذ لقيت مشروعاته الحربية نفس المصير من الخيبة والهزيمة الذى لقيته البرامج السابقة، وقد أدرك حينئذ أن عجز الحكومات السابقة عن قمع الثورة لم يكن نتيجة تقصير كما يشاع، وإنما قوة الثورة هي التي كانت سببا في فشل الحكومات ...

стр. 194

عملية التطهير المعروفة بعملية (جوميل) بدأت القيادة العليا للجيش الفرنسي تفكر في خطة أخرى للقضاء على الثورة بعد ما فشلت في جميع برامجها وخططها الحربية، وراح جنرالات فرنسا يعصرون أفكارهم مرة أخرى، وبعد عدة من الشهور بذلوا فيها جهدا غير قليل من التفكير، وأخيرا استطاع الجنرال شال القائد العام للقوات الفرنسية في الجزائر أن يعثر على برنامج جديد وسرعان ما أبدا ارتياحه التام وإعجابه الشديد بهذه الخطة وقال الآن أصبنا الهدف، وبدأ يختار لهذا البرنامج من الأسماء وكلما أطلق عليه اسما من الأسماء لا يعجبه فيبدله باسم آخر فمرة يسميه الشرارة، وبعد حين يعدل عن هذا الاسم ويسميه التوأمين الى غير ذلك من الأسماء التي توافق النتائج المرجوة منه ... ولما عزم على تطبيق هذا البرنامج أعلن عنه أنه سيسحق الثورة ويبيد جيش التحرير. مهد الجنرال شال لبرنامجه هذا بحملة كبيرة في الصحف وأشاد بهوله وخطورته، وراحت الدعاية الفرنسية تعظم من شأنه، وقد أشرف الجنرال ديغول على إعداد ما يلزم لنجاح هذا البرنامج الخطير فزاد في عدد القوات المقاتلة في الجزائر من خمسمائة الى سبعمائة ألف جندي ... حرص الجنرال شال على تجنب الأخطاء التي كشف عنها فشل البرامج السابقة عند تطبيقها في ميادين القتال، وأهم هذه الأخطاء هو تشتيت القوى المقاتلة، وبرنامج شال يحرص على جمع القوات الفرنسية والهجوم بها على مواقع جيش التحرير، ويكون على موقع بعد موقع، وبعدما ينتهى من تطهير منطقة من مناطق الثوار، ينتقل الهجوم الى المنطقة المجاورة، وهكذا حتى يقضي على قوة جيش التحرير الموزعة بين الولايات والممتدة من غرب الجزائر الى شرقها ... بدأ الجنرال شال بتطبيق برنامجه على الولاية الخامسة في وهران، زحفت القوات الفرنسية على امتداد الولاية دون أن

стр. 195

تصطدم بوحدات جيش التحرير، انتهت العملية في هذه المنطقة، واعتقد الجنرال شال قد نجح، وأن منطقة وهران قد تطهرت من الثوار، وأخذت صحف الاستعمار تشيد بهذه الانتصارات الباهرة، وتغنى راديو باريس بهذه العمليات الحربية الموفقة الناجحة التي قام بها الجنرال شال في ١٧ من أفريل ١٩٥٩م، نشرت الصحيفة الاستعمارية (الجنرال ديغول) يهنئ القادة العسكريين على عملياتهم الأخيرة في وهران وفي الحال وجه الجنرال شال كل ما لديه من قوات للولاية الرابعة، وما كادت قواته تخطو أولى خطواتها داخل الولاية الرابعة حتى نشط جيش التحرير الذي كان في الولاية الخامسة الذي كان مختفيا حتى ذهبت الحملة العسكرية وأخذ يهاجم قوات شال من خلف، ولم يكن شال يتوقع هذا، لأن الولاية الخامسة قد تم تطهيرها، وتوهم شال أن هذه الوحدات الصغيرة هي كل ما لدى الثوار من قوات في هذه المنطقة فواصل زحفه على الولاية الرابعة، ولم يكد يتغلغل فيها حتى فوجئ بهجمات جيش التحرير تنهال عليه من الولاية الخامسة، فوقعت القوات الفرنسية في مأزق لم تكن لها به علم، وتحتم على القائد العام للقوات الفرنسية ان يختار من أمرين واحدا إما أن يطلب النجدة من فرنسا ليرد بها هجمات جيش التحرير، وإما أن يقسم قواته ليدافع بها في الجهات التي فتحها له الثوار ... أما طلب النجدات من فرنسا فقد كان مستحيلا تقريبا لأن القوات الاحتياطية من الجنود التي كانت في الجزائر، قد دفع بها الجنرال شال الى الولاية الرابعة، وكانت حكومة الجنرال ديغول قد رفضت جميع الإمدادات العسكرية الى الجزائر، فلم يبق الا تقسيم قواته ... وهكذا وجد الجنرال شال نفسه في الخطأ الذي حرص على تلافيه، فقد أجبره جيش التحرير على تشتيت قواته، وأصبحت برامجه لا تختلف عن سابقتها من البرامج الأخرى. لقد بدئ برنامج شال في وهران، والونشريس، ثم الحضنة وأخيرا في بلاد القبائل وفي المنطقة انتهى برنامج شال ولم يعد صالحا للعمل ...

стр. 196

كانت عملية (جوميل) تمثل في نظر فرنسا المرحلة الخامسة، ونظرا للدعاية التي أثيرت حولها، والآمال الكبيرة التي علقتها عليها حكومة فرنسا والرئيس ديغول. اختصت هذه العملية بتطهير منطقة بلاد القبائل من جيش التحرير تمتد مساحة هذه العملية من مدينة دلس الى شرقي مدينة بجاية ساحل البحر ومن الجنوب تمتد من مدينة البويرة الى قرية قنزات، واستعملت القيادة العليا الفرنسية في هذه العملية أكبر قوة مسلحة كما صرح بذلك الجنرال ((زلير)) القائد العام فقال: (لقد وضع في متناول الجنرال شال كل القوى اللازمة لنجاح عملية "جوميل") وأجمعت الصحف الفرنسية على أنها أضخم وأكبر عملية حربية نظمت في الجزائر منذ بداية الثورة ... بدأ الهجوم بمحاصرة بلاد القبائل وفق الخطط التالية، قامت الطائرات العمودية بنقل جنود المظلات الى جبل "أكلفادو" شرقي العزازقة، وهو مركز من مراكز الثوار الهامة، وفي نفس الوقت كانت سفن الأسطول تنقل الجنود الى الشاطئ الصخري عند رأس (سيقلي) غربي مدينة بجاية، وانطلقت الجنود تتسلق الجبال وتتخذ مواقعها عند المسارب والدروب الجبلية الضيقة بينما قامت أربعة آلاف سيارة مصفحة، ومائتا دبابة بمحاصرة الطرق الكبيرة، ولم تقتصر عملية "جوميل" على محاصرة جيش التحرير بمنطقة القبائل فحسب بل شمل الحصار مآت المدن والقرى الواقعة في نطاق العملية وعدم الدخول إليها والخروج منها وكان الجند يفتش جميع المنازل والأكواخ، وكان يساعد القائد العام الجنرال شال في هذه المعركة الخامسة التاريخية الجنرال فور وآخرون ... بادر جيش التحرير الى تجزئة وحداته الى وحدات صغيرة قليلة العدد، وعمل على تجنب المعارك، وهو نفس العمل والخطة التي اتبعها في وهران، وجبال الونشريس غير أنه كلف فرقة خاصة بعمليات تخريب المواصلات، وبث الالغام في طريق السيارات الحربية، ونصب الكمائن للقوافل العسكرية. رغم القوات الفرنسية الكثيرة لم تتمكن من اكتشاف مواقع جيش التحرير فوجدت فراغا هائلا في الجبال والغابات والشعاب،

стр. 197

ورغم هذا الحصار المحكم كان الفدائيون يتسللون الى داخل مدينة بجاية ويهاجمون مراكزا عسكرية، ويخطفون اثنين من المعمرين، وفي اليوم التالي من بداية العملية عثرت القيادة الفرنسية على جثث مائتين من جنود المظلات أبيدوا جميعا على أثر نزولهم من الطائرات العمودية فوق جبل "اكفادو" بينما جرح مائة آخرون أثناء هبوطهم، وفي نفس اليوم قتل جيش التحرير واحدا وعشرين جنديا من جنود فرفسا، وجرح ثلاثة وأربعين في اشتباكات خفيفة وقعت في كل من مدينة صدوق، وأقبو، وفي قرية تيقزيرت وفي جبل أنشار ... ومع هذه العمليات كلها فإن القوات الفرنسية لم تقف على أثر لوحدات جيش التحرير، فأخذت تنتقم من السكان الأبرياء كما هي عادتها، فكانت تضرم النار في القرى والغابات الواقعة في نطاق هذه العمليات بقنابل النابالم المحرقة، وعلى هذه الخطة دارت معركة "جوميل". ولما بدأت القوات الفرنسية في تطبيق برنامج شال في بلاد القبائل أكثرت من التصريحات قبل العملية بتأكيد الانتصارات والقضاء على الثورة، فأكد الجنرال شال عدة مرات بأنه سيتمكن عن قريب من القضاء على التورة (بالقوة العسكرية) وصرح ناطق بلسان القيادة الفرنسية الى صحيفة "لورور" الفرنسية في عددها الصادر ٣١ - ٧ - ١٩٥٩ قائلا سنعرف في أقل من شهر إن كانت هذه الحرب ستستمر الى ما لا نهاية لها أم انها ستنتهي في القريب، وأستطيع أن أؤكد أنها ستنتهي في القريب ... ولما فشلت هذه العملية، وخاب الجنرال شال في برنامجه في بلاد القبائل خيبة تامة كما خاب سابقا في المناطق الأخرى، أخذ جنرالات فرنسا يحاولون أن يستروا هزيمتهم الشنيعة بأقوال جوفاء، فصرح الجنرال فور يوم ٣ أب - ١٩٥٩م قائلا: (الواقع أن عملية جوميل ليست شيئا خارقا للعادة، إنها ليست إلا استمرارا للعمليات، وظروف الحرب في الجزائر تفرض علينا أن نغير في كل يوم نفس العمل الذي قمنا به أمس، هذه الحروب تتطلب منا .. أن يكون السكان في معونتنا، وإذا لم نحصل على

стр. 198

تأييد السكان ومعونتهم لنا، فإن هذه الحرب لن تكون لها نهاية، وفي اليوم التال نشرت الصحف الفرنسية تصريحا للجنرال شال قال: (الواقع أن عملية جوميل صعبة وشاقة إلا أننا نعرف ذلك منذ البداية، فالعدو يذوب بكيفية عجيبة كالزئبق لكننا سنتمكن من الانتصار عليه ( ... وإذا قارنا هذا الهجوم بالهجوم الذي وقع في شهر نوفمبر سنة ١٩٥٨م الذي قاده الجنرال فور، فنجد أن هجوم شال لا يعد شيئا بالنسبة إليه، الجنرال فور في هجومه العام حشد كل ما كان في الجزائر من قوات مسلحة وقاد في هجومه سبعة عشر جنرالا من بينهم ماسو، راؤول سالان، ميزروج الخ ... واستمر الهجوم شهرين من القتال المتصل، وانتهى بالفشل التام ... ولقد فشل برنامج شال في مناطق وهران، وتجمد في بلاد القبائل كما تجمدت صخورها. وإني أسوق الى القراء الكرام ما قاله أحد الضباط الفرنسيين الذى كان مشاركا في عمليات جبال الونشريس نشرته صحيفة (لي مانيته) الفرنسية في عددها الصادر في ٨ شهر تموز ١٩٥٩م قال الضابط الفرنسي "الحقيقة أن جبهة التحرير منظمة حتى داخل مراكز التجمع، ويجب أن نعرف ما يختفي وراء البلاغات الفرنسية من حقائق، فقد سمعتم من غير شك عن العمليات الكبرى التي جرت في الونشريس، وعن نجاحها، الواقع إننا لم نتعمق في المناطق المنيعة أكثر من ٢٥ كلم، ولم نحصل على أية نتيجة جديدة من الناحية العسكرية، أما الجبال فهي محرمة على جنودنا، فلا يضع فيها واحد منا قدمه، وفرق الكوماندوس الخاصة بعمليات المطاردة لا تتوغل بعيدا، أما عدد القتلى في بلاغاتنا نعد فيها جميع الضحايا المدنيين بما فيهم من نساء وأطفال، وقد تمكن الثوار من أن ينتزعوا منا السلاح خلال هذه العمليات لكننا نحن لم نتمكن من العثور على سلاح واحد للثوار مما أعاد الى أذهاننا ذكرى الهند الصينية ...

стр. 199

لقد خاب برنامج شال في جميع خطواته رغم أنه عزز برنامجه باختيار القادة الذين لهم دربة ومهارة أمثال ((بيجار)) كلما أتى بوحدات خاصة من جنود المظلات لمطاردة جيش التحرير في الجبال ... وأسوق بعض آراء العسكريين الفرنسيين قال ((بيجار)) يوجد في الجيش الفرنسي بالجزائر جنرالات أكثر من اللازم مع أن المعارك تربح في الميدان لا في مكاتب الجنرالات، وكذلك كثرة السيارات والدبابات فإنها تعرقل الجيش عن خفة الحركة وتعوقه عن سرعة القتال ... سافر الجنرال ديغول بعد ما مضى على عمليات ((جوميل ((شهران الى الجزائر، واجتمع بشال وجميع القادة العسكريين والضباط المشرفين على تسيير العمليات، وأخذ يبحث معهم على النجاح الذي أحرزوا عليه في هذه العملية الواسعة، فوجد مظاهر الفشل أكثر من مظاهر النجاح، وإذا كان ثم نجاح في هذه العمليات فسرعان ما يتلاشى. فوقف الجنرال ديغول في مركز القيادة (أرتوى) فعملية)) جوميل)) كانت تسير من هذا المركز، وحاول أن يتعرف على كيفية تطبيق برنامج شال على هذه المساحة الشاسعة التي يمتد طولها الى أكثر من ألف وخمسمائة كلم، قال الجنرال شال هذه هي خريطة الجزائر، وكلما نجحنا في تهدئة جهة من الجهات طوينا الجانب الذي تقع فيه هذه الجهة، إننا بدأنا هجومنا على معاقل الثوار من الحدود المغربية من ناحية غرب الجزائر وسنواصل هذا الهجوم الى الحدود التونسية من الشرق ونضمن أن لا نرجع الى الوراء مطلقا، فإذا ما وصلنا الى الحدود التونسية بهذا الزحف تكون التهدئة قد نجحت، وعندئذ نستطيع أن نعلن للعالم أن الحرب في الجزائر قد انتهت ... وعلى ضوء هذه الخطة المسطرة استعرض الجنرال ديغول كل مراحل هذه البرامج منذ أن بدئ بتنفيذها في أوائل فبراير سنة ١٩٥٩م - فوجد أن البرنامج بدأ من الغرب أي من الولاية الخامسة من مقاطعة وهران، ثم تقدم الى الونشريس، فجبال

стр. 200

الحضنة، ثم واصل سيره الى بلاد القبائل حيث توقف تماما وعجز عن مواصلة زحفه الى بقية مناطق الثورة شرقا عندئذ أدرك الجنرال ديغول الفشل الذى أصاب برنامج شال لأنه لم يستطع أن ينتهى من أعماله الحربية من الناحية الغربية حتى عاد نشاط الثوار من جديد الى مقاطعة وهران كما كان من القوة والاتساع، وكذا عاد نشاط الثوار الى جبال الونشريس، وجبال الحضنة وقتل جنرال كبير وهو ((جارو)) واثنان من ضباطه الكبار خلال إحدى المعارك. وفي اليوم الذى غادر فيه الجنرال ديغول تلقى تقريرا رسميا عن العمليات الحربية فوجده مليئا بهجمات جيش التحرير امتدادا من الغزوات في غرب الجزائر الى القالة في شرقها، كان يتلو أنباء المعارك التي دارت في ذلك اليوم في وهران، والونشريس والحضنة وقسنطينة، وسوق أهراس حتى فوجئ بمصرع الجنرال جارو في إحدى المعارك ... ولمس الجنرال ديغول تغير نغمة ضباطه بحيث صار الجنرال شال يطالب بمزيد من الامدادات. ولما سأل الجنرال ديغول القائد العام في الجزائر وأركان حربه عما إذا كان بوسعهم تحديد موعد انتهاء عمليات التهدئة أجابوا بأن ذلك متروك للظروف الحربية وحدها، ولا يمكن التنبؤ به ولو بصفة تقديرية لصعوبة الموقف، وعلى إثر ذلك صرح الجنرال ديغول قائلا: إذن لا يزال الطريق أمامنا طويلا ... هذا ما كان من برنامج شال القائد العام للقوات المسلحة في الجزائر فإنه باء بالفشل التام والخيبة المريرة، وتبخرت آمال جنرالات فرنسا في الهواء، لقد عجزوا عن تحقيق أي انتصار عسكري على جيش التحرير، وأفلسوا في جميع برامجهم وخططهم الحربية بحيث أحبطت لهم الثورة جميع الهجومات العنيفة.

стр. 201

اصطدام التطرف الفرنسي بالواقع الجزائري لقد ثبت لدى الجنرال ديغول، ومن سبقه من حكام فرنسا عجزهم عن قمع الثورة عن طريق القوة الحربية، بلغت الثورة الجزائرية في هذه المرحلة الأخيرة مبلغا عظيما من القوة، تعقدت الأحوال وتشعبت الأمور في جميع الميادين، فأصبح الشعب لا يفكر ولا يحلم الا بالقتال دفاعا عن النفس والوطن، وتصلب كل من المتخاصمين في موقفه الذى اتخذه لنفسه، والحرب مشتعلة الأوار، ولهيبها في تزايد وتصاعد رغم التضحيات الجسيمة التي تكبدها الطرفان المتحاربان، وكل الحلول فشلت عن حل هذه القضية الشائكة رغم توصيات جمعية الأمم، ولا الوساطة التي كانت تعرض نفسها لحل هذه القضية، ولا صرخات الشعوب المنددة بهذه الحرب القذرة ولا الخسائر الفادحة التي أودت بالأموال والأنفس، إذن ما هذه القضية التي استعصت، عن جميع الحلول؟ هذه قضية الجزائر فهي بالنسبة لكل من المتحاربين قضيه حيوية فالفرنسيون يعتبرون القطر الجزائري أرضا فرنسية بحته ويعتبرونها أيضا همزة وصل بينهم وبين مستعمراتهم المنتشرة في القارة الافريقية، وعلى هذا الأساس إذا استقل القطر الجزائري، فيضعف الاتصال بين فرنسا ومستعمراتها، وتفقد أيضا ضفة البحر الأبيض المتوسط الجنوبية، وهذا ما وقع فعلا. ولهذا كان المسؤولون من الفرنسيين يصرحون دائما بقولهم، كيف تكون فرنسا بدون الجزائر؟ فإنهم كانوا يعتبرون الجزائر خطا ثانيا للدفاع عن فرنسا، وهذا ما وقع بالفعل في الحرب العالمية الثانية، لما احتل الألمان أرض فرنسا لجأت الحكومة الفرنسية الى الجزائر، ومنها واصلت الحرب ضد النازيين ... وباستقلال شمال افريقيا يفقد الغرب مركزا هاما للدفاع عن مصالحة الحيوية، وهذا معنى تصريح رؤساء الحكومات الفرنسية فإنهم كانوا يقولون الحرب القائمة في الجزائر ما هي

стр. 202

الا دفاع عن الغرب وسلامته من الأخطار التي تهدده في المستقبل ... هذا هو سر تصلب الفرنسيين بخلاف الفوائد الأخرى التي يجنونها من هذه الأقطار، فهي بالنسبة الى النفط الأولى تعد ثانوية ... وسبب تصلب الجزائريين في مواقفهم فهو معروف لأن حكومة الجنرال ديغول وقفت منهم موقفا لا يستطيع أحد أن يفهمه بحيث عمدت الى شعوب افريقيا السوداء فمنحتها استقلالها ومنعت منه الجزائريين الذين يقاتلون من أجله مقاتلة شديدة وأرغمتهم على التفرنس بالحديد والنار، وأقحمتهم قسرا في صلب الدستور الفرنسي، بأن لا شيء لهم الا الاندماج في الشعب الفرنسي. لما رأى الجزائريون حياتهم مهددة بالاضمحلال والفناء من هذا القطر كما هو معلوم لدى العام والخاص استماتوا في كفاحهم ضد الاستعمار، وأصبحت لهم هذه الحرب قضية موت أو حياة، فالجزائريون يختارون واحدا من اثنين: إما شعب متحرر من جميع القيود مستقل من السيطرة الأجنبية، يباشر سيادته كاملة، وإما موت نهائية لا حياة له في هذا الوطن فاختار الاول، هذا هو سر تصلب الجزائريين، وسر خلق المشاكل والصعوبات التي اعترضت حل هذه القضية ... هذه الثورة أفقدت قادة فرنسا رشدهم، وأخرجتهم عن اتزانهم فجعلتهم يفقدون كل سيطرة على أعصابهم حتى ارتكبوا أغلاطا فاحشة وأعمالا إجرامية كبيرة لا ينساها لهم التاريخ ولا تتسامح لهم بها الأجيال الصاعدة. اصطدمت فرنسا بمقاومة شعبية صلبة منذ الاحتلال لا تعرف التراجع ولا تخشى العذاب، ولا ترهب من الموت، وبعقلية صحيحة لا التواء فيها ولا غموض لأن الشعب الجزائري صريح لا يعرف طريق اللف والدوران، إما أن يأتي بحقه كاملا، وإما أن يتحطم ... وفي هذه المصادمات وقع ما وقع من خسائر وويلات ونكبات مما لا يستطيع أحد أن يعبر عنها، وفي النهاية تغلب الحق على

стр. 203

الباطل مع كثرة جيوشه، وقضى على جبروت الاستعمار وغطرسة القادة الفرنسيين، وعلى العنصرية البغيضة والأنانية الجامحة، والنظريات المتطرفة والعقليات المتحجرة .. كانت سياسة فرنسا سياسية عدم تفاهم مع جميع الشعوب التي تحت سيطرتها، ولهذا كانت دائما تفضل الحرب على التفاهم، وهذه السياسة التقليدية استعملتها في الهند الصينية، وتونس والمغرب العربي رغم معاكسات الظروف لها، وانفردت بها عن بقية الاستعمار العالمي، بحيث بقيت وحدها متمسكة بنظريتها الرجعية التي أكل وشرب عليها الدهر، ولولا ثورة الجزائر الكبرى أرجعتها إلى صوابها حتى أصبحت تتفاهم مع مستعمراتها في الشرق والغرب لكانت لا تزال تواصل الحرب معها الى الآن والى الغد ... وكل حكومة من حكومات فرنسا صعدت الى الحكم في إبان الثورة الجزائرية الا واستعملت القوة أكثر من الحكومة التي سبقتها ... فحكومة (قى مولى) الاشتراكية هي التي أوصلت الجزائر الى الهوة السحيقة بتشددها واستعمال القوة الرادعة في وجه الجزائريين ولو أبدت استعدادا للمفاهمة أو على الأقل تطبيق برامج حزبها الاشتراكي بشرط أن تكون مخلصة فيه، فلعل لم تصل الحالة الى ما وصلت اليه ... ولما غادر (قى مولى) الحكم أصبح يحمل لواء المعارضة ويحث الحكومة التي أخلفته على التفاهم مع الجزائريين. ويقول في تصريحاته الكثيرة (الانتصار بالقوة مستحيل). وهذا الجنرال ديغول لعل الرجل الوحيد الذي يستطيع أن ينفذ ارادته، ولا يخشى من المعارضة، لما صعد الى الحكم أخذ في استعمال القوة أضعافا مضاعفة على ما كان عليه أسلافه، ولم يقبل الوساطة ولا التفاهم مع الجبهة المسيرة للشعب الجزائري، وكان يراوغ ليغالط الرأي العام العالمي، وظهر من أول صعوده الى الحكم بمظهر محرر الشعوب، فجدد الدستور ومنح الأقطار الافريقية السوداء استقلالها الشيء الوحيد الذى من أجله

стр. 204

يحارب الجزائريون بمنحه الى غيرهم من الأقطار الأخرى، ويعارض الجزائريين بالقوة في آمالهم ... ولما عجزت قواته عن إخضاع الثورة تمنى لو يجد أناسا من الجزائريين لم يشاركوا في الثورة ليتفاهم معهم على سياسة التدريج والمراحل ولكنه لم يجد حتى هذه وباء بالفشل الذريع في جميع المحاولات ... هذا السلوك الملتوي المعوج من قادة فرنسا هو الذي وقف عقبة كأداء في سبيل التفاهم والسلم الحقيقي. وإذا نظرنا الى ما تحتله الجزائر في الأوساط الفرنسية من المكانة المرموقة لعل نلتمس العذر لهؤلاء القادة، فأي حكومة كانت تستطيع أن تبت في القضية الجزائرية بدون موافقة الأحزاب، وبصفة خاصة أحزاب اليمين المتطرفة؟ ولهذا كلما تشكلت حكومة تخشى من المسؤولية إذا هي أعزمت الحل بدون رضى الأحزاب. فكانت تخشى من نشوب حرب أهلية، ولما لا تجد مخرجا من هذا المأزق تقدم تسليمها وتغادر الحكم، وتترك الحالة كما هي، وهذا ما وقع فعلا، فالمعمرون وأحزاب اليمين وقادة الجيش ثاروا على حكومة فيملان لما عزم هذا على المفاوضة مع جبهة التحرير الوطني. وكذلك الجنرال ديغول لما صمم على حل القضية ثار عليه قواده والمعمرون في الجزائر. وفي النهاية بدأ الشعب الفرنسي بصفة عامة، والمسؤولون بصفة خاصة يدركون مطالب الشعب الجزائري، وأهميتها الكبرى واستماتتهم في سبيلها، وتحققوا من أن الشعب لا بد أن يصل الى حقوقه عاجلا أو آجلا، وسيصبح عربيا مسلما لا كما تدعى فرنسا بأنه قطعة منها واستعمال اللقوة لن يجدي شيئا ...

стр. 205

معاملة جنرالات فرنسا للشعب الجزائري ومخططاتهم الحربية ان جنرالات فرنسا كلهم تقريبا لا انسانية لهم اذا نظرنا الى أعمالهم الاجرامية التي يتكلم عنها التاريخ أيام الاحتلال لهذا الوطن وأيام ثورة ١٩٥٤م التي شاهدناها نحن بأنفسنا يبقى الانسان مدهوشا أمام وحشيه هذا الشعور ... فكر هؤلاء القادة حقا في إبادة الشعب الجزائري عن طيب خاطر بحيث جعلوا من التقتيل والتخريب والتهديم مذهبا يدينون به ومبدأ يطبقون بنوده، فجنرالات فرنسا هم الذين قاموا بمأساة الحرب الجزائرية المريعة قال مجرمهم الأكبر السفاح الجنرال (بيجو) في خطبته التي ألقاها في مجلس النواب بتاريخ ١٦ يناير سنة ١٨٤٠م - فقال إننا في حاجة الى جحافل دهماء من المعمرين الفرنسيين والاوربيين لنجلبهم إلى الجزائر، فمن اللازم أن تعطوهم أراضي مرعة، ومراعى ترعى أنزلوا بها المعمرين ولا يهمكم أمر أربابها ... يجب توزيع هذه الأراضي للأوربيين حتى يصبح أهلها الأولون نسيا منسيا، وأخيرا يجب أن نجعل نصب أعيننا هدفا متينا محكما هو أن ننشئ إقليما فرنسيا، ولذا فإننا في أمس الحاجة الى غزو واسع النطاق يشبه غزو الغوط وإن لم نفعل هذا ستكون نتيجتنا أوهن من نسيج العنكبوت. وشاطره في هذا الرأي الجنرال روفيقوا القائد الأعلى لجيش الاحتلال فقال: (حيث أننا لن نستطيع أن نمدنهم فما بأيدينا إلا إقصاؤهم في الفيافي والغفار، ويستبعدون كما تستبعد الوحوش الى الأماكن النائية، ويتحتم عليهم حينئذ أمام اتساع رقعة استيطاننا وتعميرنا الا التقهقر نحو الصحراء والمغاوير. جعل جنرالات فرنسا أرض الجزائر نهبة الناهب محفوفة بالأرزاء منزوفة بالدماء حتى كادت تصبح قاعا صفصفا ... قال

стр. 206

الدكتور بوديسون في كتابه خواطر عن الجزائر سنة ١٩٥٤م لا يهم فرنسا أن تخرق في سياستها الاستعمارية المقاييس الأخلاقية وقيمها، ولكن الذي يهمنا قبل كل شيء هو تأسيس مستعمرة نملكها بصفة نهائية، ننشر على الشواطئ البربرية المدنية الأوربية، ومن البديهي أن أقرب الطرق لبلوغ غايتنا هو نشر الرعب، ففي استطاعتنا أن نحارب أعداءنا الافريقيين بالحديد والنار، وأن نضرم نار الفتنة بين قبائل التل والصحراء وأن نبلو السكان باستهلاك الكحول ونشر الفساد وبث عقارب النزاع والفوضى بينهم (. قال أندري مورو في مكسيكو أمام جماعة من الطلبة عن الاستعمار الفرنسي الإنساني قال: (ان الاستعمار في روحه وصلبه لا يمكن أن يكون إنسانيا ما هو الا قتل واغتيال (. وكان جنرالات فرنسا يتشوقون دائما الى دماء العزل والضعفاء والأبرياء من الشعب الجزائري شامخين بأنوفهم مزهوين بأنفسهم مغترين بقوتهم حانقين على الثوار غاضبين على الشعب ولقد أسند لهم الحكم في هذا الوطن إبان الثورة، وأطلق لهم العنان في التصرف التام في الشعب بدون مراقبة، وهم في ثورة شديد من الغضب والحقد على الجزائريين الذين وقفوا في وجوههم طيلة هذه السنين من الحرب، وهم من هم مكانة وشهرة في العالم؟ جمع هؤلاء الجنرالات السكان من رؤوس الجبال والسهول والأرياف والصحارى، وحشدوهم مع أهليهم وذويهم من نساء وأطفال وعجزة داخل معسكرات محاطة بأسلاك شائكة، ومن بعدها أقاموا عليهم حراسا شدادا غلاظا لا يعرفون للرحمة معنى، بعدما دكت منازلهم دكا وأتلفت محصولاتهم، وحرقت قراهم، بحيث ترك المسلمون كل ما كان لهم من دور ومتاع وضيعات، وأجبروهم على الاقامة في هذه المحتشدات مختلطين بعضهم ببعض كالحيوانات التي تساق الى الحضائر، وتركوهم فريسة للجوع والعري والأمراض، فكانت الأوبئة تفتك بهم فتكا عظيما، ففزع العالم عامة والشعب الفرنسي خاصة لما يجريه هؤلاء

стр. 207

القادة من مذابح جماعية بطيئة رهيبة لأن سكان البادية تقريبا زج بهم في هذه المحتشدات الهائلة، البلاغ الرسمي يعترف بأكثر من مليون جزائري بين هذه الأسلاك الشائكة. توالت الاحتجاجات على هذه الأعمال الوحشية من طرف العالم وقام الأحرار من الشعب الفرنسي من ناحيتهم بحملة دعائية واسعة في الصحف، فكانوا ينددون بأعمال المعمرين وفضح جرائمهم، والتشهير بالظلم والابادة التي كان يجرونها قادة الجيش في الجزائر ... اضطرت الحكومة الفرنسية الى تشكيل لجنة للتحقيق في أوضاع هذه المعسكرات ونزلائها، كانت هذه اللجنة مؤلفة من ستة أعضاء موظفين كلهم فرنسيون، وهم بطبيعة الحال خصوم للثورة، وبعد أن زارت خمسة عشر معسكرا رفعت الى الحكومة التقرير الآتي، وهذا نصه قالت فيه ... ١ - إن جميع المعسكرات والتجمعات أقامتها القوات الفرنسية بمحض سلطتها والأسباب التي دعت الى اقامتها هي أسباب عسكرية بحته، وهى تنظيف المناطق التي ينشط فيها الثوار. ٢ - ليس لهذه المعسكرات سجل رسمي، وهو ما لا نستطيع بصفة رسمية أن نؤكد عددهم على وجه التحديد الا أن المؤكد لدينا هو أنهم لا يقلون عن مليون شخص. ٣ - لاحظنا أن عدد الرجال في هذه المعسكرات أقل بكثير من عدد النساء. ٤ - كلما يحدث تجمع منا هذا القبيل تنقطع أسباب الحياة بشكل يكاد يكون تاما، وهو ما جعل الحياة المادية للأهالي في هذه المعسكرات تشكل في أغلب الحالات حالة مؤلمة ... وهذه المعسكرات محاطة بالأسلاك، ومهما حاولت معهم السلطات، فإن حياتهم الاجتماعية لا يمكن أن تكون مثلما كانت عليه بواسطة مواردهم الخاصة ...

стр. 208

٥ - الحالة الصحية تجاوزت كل حد للتعاسة، فمثلا في كل تجمع يوجد ألف طفل يموت كل يوم اثنان، أما الحالة الصحية للنساء والرجال بصفة عامة قد بلغت درجة من الضعف حتى أصبحت العقاقير الطبية أمامها غير ذات أثر يذكر ... ٦ - يلاحظ أن تجمع الأهالي بهذه الصورة يجعل حياتهم الاقتصادية مقضيا عليها بالفناء، إذ جيء بهم الى هذه المعسكرات لينقطعوا فيها عن موارد العيش، وكلما أصيب هؤلاء السكان في حياتهم المادية كذلك أصيبوا في حياتهم المعنوية وفي كرامتهم، لأن حياتهم كلها داخل المعسكرات متوقفة على ما يقدمه لهم ضباط الشؤون الأهلية (صاص) من صدقات لا تتجاوز أحد عشر كيلو غراما من شعير في الشهر لكل شخص دون اعتبار نصيب الأطفال ويضاف الى ذلك أن عدد كبيرا من سكان هذه المعسكرات قد توقف عليهم هذا المورد الوحيد لحياتهم، وذلك منذ شهر ونصف لم نستطع أن نعرف سبب ذلك. وختمت اللجنة تقريرها بقولها: إن الاجراءات السابقة جعلت ما يقرب من مليون شخص بين النساء والاطفال والرجال مهددين بمجاعة، وأن الوسائل الادارية العادية لا يمكن أن تطبق في هذه المعسكرات بأية حال، ولذلك ينبغي تغيير هذه الأساليب الادارية بالنسبة لحشود المعسكرات هذه مع مراعاة النشاط الاقتصادي لهؤلاء الناس، والذى بدونه يستحيل عليهم أن يواصلوا الحياة ... هذا هو تقرير اللجنة، ولكن هل انتهى القادة العسكريون من برامجهم الابادية كلا؟ ان جنرالات فرنسا كانوا دائما يضعون إبادة الشعب الجزائري هدفا لهم، وهم في كل مرة يبوؤون بالخيبة المريرة والفشل الذريع.

стр. 209

ثورة معمري الجزائر مع الجيش الفرنسي على الحكومة المركزية في باريس وسقوط الجمهورية الرابعة في هذه السنة أي السنة الرابعة من اندلاع الثورة الجزائرية أصبح الشعب الجزائري قويا جبارا فوسائل الفناء والدمار التي استعملها الجيش الفرنسي ضده أصبحت عاجزة تماما عن إبادته فكان كالجوهر النفيس لم يزده العذاب الجهنمي الا قوة وعزيمة وصلابة واتحاد حتى قضى على جميع المخططات ... عجز الجيش الفرنسي عن مواجهة الثورة بالقوة، ولم يستطيع القضاء عليها كما كان يدعي، أو ينال منها نيلا، أو يحط من قيمتها وكرامتها ... وفي هذه الآونة أصبح جيش التحرير يعد بعشرات الآلاف منظما مزودا بأحسن الأسلحة مدربا على مختلف ضروب حرب العصابات والحرب النظامية على السواء ... أصبحت الثورة تتقدم نحو أهدافها، فصارت تتحكم في سياسة فرنسا الداخلية والخارجية معا، أثرت على علاقتها مع الدول الأسوية الأفريقية بصفة عامة، وعلى تونس والمغرب بصفة خاصة ... الثورة الجزائرية هي التي كانت سببا في أزمة وزارية لفرنسا وسقوط حكوماتها، والحيرة والاضطرابات التي وقعت فيها الجمهورية الفرنسية الرابعة حتى أزيلت من الوجود، وأصبحت الحرب في الجزائر عبئا ثقيلا على اقتصاد فرنسا، إذ قدر نفقات الحرب خلال عامي ٥٦ - ٥٥ الى سبعمائة مليار فرنك قديم في السنة، وحرمت البلاد اليد العاملة نتيجة دعوة الجيش الاحتياطي الى الحرب، وانخفضت القوة الشرائية، وضج الشعب الفرنسي من كثرة الضرائب، من أجل هذا وغيره ارتفعت الصيحات في فرنسا مطالبة بإنهاء الحرب في الجزائر وراجت كذلك إشاعات بأن م فيملان الذي دعى حينذاك لتولي رئاسة الحكومة، كان ينوي التفاوض مع جبهة التحرير ...

стр. 210

ولما تحققت أحزاب اليمين، وفي مقدمتها غلاة المعمرين بهذه الشائعات ثارت على سياسة التفاوض والتخلي عن الجزائر الفرنسية، وأخذت تسعى للقضاء على كل من يريد أن يسلك هذا السبيل من الحكومة التي تريد المفاهمة والمفاوضة مع جيش التحرير، واتصلت هذه العناصر بقيادة الجيش العليا، فوجدت هذه القيادة متضمرة الى الغاية من هذه المحاولات التي يريد بعض الساسة من الفرنسيين أن يتلاعبوا بمصالح فرنسا العليا، ولهذا يتحتم على الجيش أن يتدخل في الشؤون السياسية، وكثيرا ما كان يوجه النقد الى الحكومات لتساهلها في إدارة انقال مراعاة لاعتبارات سياسية، بحيث كانت تمنع الجيش من تتبع الثوار وراء الحدود التونسية كما أنها كانت تتهاون في نشر أخبار تعذيب الجزائريين مما يثبط روح الجيش المعنوية، واستاء أيضا من مقتل ثلاثة من الفرنسيين نفذ فيهم حكم الاعدام جيش التحرير وذلك ردا على حكم الاعدام الذى نفذ من قبل في مواطنين جزائريين من طرف السلطة الفرنسية ... من أجل هذا وغيره كان الجيش يريد انقلاب الحكومة ليقضى على أحزاب اليسار المتقدمين في فرنسا، يتولى مقاليد الحكم ليمحي عنه آثار الهزيمتين اللتين حلتا به ... الأولى عند توقيع الهدنة مع ألمانيا ١٩٤٠م والثانية في حرب الهند الصينية وغيرها من الهزائم الأخرى التي كانت تحل بهذا الجيش المغتر بقوته الشامخ بأنفه الى السماء المزهو بكبريائه وطغيانه يغلب على طبعه التجبر من أن يتفاوض مع قادة جيش التحرير، وكيف يتفاوض معهم وهم قد تركوا جروحا غائرة وآثارا واضحة في ذاته، ووصمة عار في شرفه لا تمحى على مر الدهر. هذا هو السبب في تأييد الجيش للانقلاب وغضبه الشديد على الجزائريين فإنه يرى كل مفاوضة أو تنازل من طرف السلطة العليا لقادة جبهة التحرير يمس بشرفه وعظمته وإذا كان شيء من هذا القبيل لا بد من خضوع الثوار الى الجيش الفرنسي أولا

стр. 211

وقبل كل شيء، ومن ثم يعطى لهم شيء ما تحت الحكم الفرنسي، أما المفاوضة الند للند ففيه إهانة فلا يرضى بها الجيش أبدا. هذه طبيعة المعمرين إنهم لا يريدون التفاهم مع غيرهم أبدا ولم يتعظوا بما وقع لهم بالهند الصينية ولا بالمغرب العربي ... ولم تكن هذه المرة الأولى يتمرد فيها المعمرون على الحكومة المركزية خلال الثورة الجزائرية فقد حدث في يوم ٦ فبراير ١٩٥٦ م أن ثار المعمرون على الحكومة الاشتراكية وأجبروا رئيسها على تبديل الوالي العام الذى عينه للجزائر وهو الجنرال كاترو محتجين بأنه اشترك منذ قليل في المفاوضات التي أدت الى دعوة محمد الخامس الى الحكم في المملكة المغربية ... ولما تمت المؤامرة، واتفق المعمرون مع قادة الجيش المحارب في الجزائر على الانقلاب لكي يتخلصوا من حكم اليسريين التقدميين الذين يريدون مسايرة الظروف والتطورات العامة. وبعد ما اتفقوا على الشخصية التي تتولى الحكم بعد الانقلاب وهذه الشخصية الجنرال ديغول بطل الحرية كما يسمونه هي التي ينادى بها الجيش رئيسا للحكم لأنه يتمتع بسمعة طيبة في الأوساط الفرنسية، وهو الرجل الوحيد الذي يستطيع أن يوحد كلمة الشعب لأنه محبوب من جميع طبقاته. ومن رجال الانقلاب كانوا يريدون أن يجعلوه رمزا للحكم فقط ليس له من النفوذ شيء، أما التسيير للحكم فهو لمدبري الانقلاب، وقرروا أيضا بأن تبقى الجزائر فرنسية قلبا وقالبا ذاتا وروحا مهما كانت الأحوال، ومواصلة الحرب ضد الثوار الى أن يقضى على الثورة تماما، ولا يتنازلون عن شيء ولو كان حقيرا تافها، فكل شيء يتنازلون عنه يؤدى حتما الى الاستقلال، والانفصال عن أم الوطن ... الحل الوحيد للجزائريين - في نظرهم - هي المساواة في الحقوق والواجبات في دائرة القانون الفرنسي، وتجريدهم من قوميتهم وشعائرهم الدينية والأخلاقية، وإدماجهم في العائلات الفرنسية حتى يصبحوا مواطنين فرنسيين هذا ما اتفق عليه أصحاب الانقلاب ...

стр. 212

نداء الجنرال ديغول لتولي رئاسة الحكم وفي ١٣ ماي ١٩٥٨م - أقام المعمرون بالاستلاء على الولاية العامة في الجزائر. وسرعان ما انضم إليهم معظم قادة الجيش الفرنسي وعلى رأسهم "راؤول سلان" قائد الاركان الحربية و "جاك ماسو" قائد فرقة المظلات وأعلنوا الى العالم استلامهم للحكم في الجزائر، وألفوا لجان أمن في أنحاء الوطن لتدير الحكم في البلاد وشكلوا مجلسا عسكريا يتألف من إحدى عشر عضو برئاسة زعيم الانقلاب "الجنرال ماسو" وأول عمل قام به هذا المجلس هو إرسال نداء الى الجنرال ديغول لتولى مقاليد الحكم، وبرقيات التهديد الى كل من رئيس الجمهورية والوزراء ورئيس الجمعية الوطنية في باريس الذين يريدون فصل الجزائر عن فرنسا، الويل لهم إن لم يستجيبوا لهذا النداء وعهدوا بالحكم في الجزائر مؤقتا الى الجنرال (راؤول سلان) هذا ما وقع في الجزائر. أما في فرنسا فقد تفاقم الأمر واضطربت الأحوال وانقسم الفرنسيون على أنفسهم، فالعناصر الرجعية الاستعمارية هللت وكبرت لهذا الانقلاب، وانضم الجيش كله سواء كان في فرنسا أو في البلدان الأخرى الى هذه الثورة. بدأت لجان الانقاذ تنتشر في الجزائر وفي فرنسا، وأعلن الرأسماليون انضمامهم الى هذا الانقلاب، وأخذت أحزاب اليمين تمهد الطريق الى الدخول في الحكم، وتطالب برجوع الجنرال ديغول الى الرئاسة ... وسرعان ما احتل رجال الانقلاب جزيرة (كورسكا) من طرف جنود المظلات، وفي ١٦ - أيار ١٩٥٨ م، أعلن الجنرال سالان بصفته القائد العام للقوات الفرنسية في الجزائر تأييده لعودة الجنرال ديغول الى الحكم، واستعد الجيش الفرنسي لاحتلال العاصمة الفرنسية نفسها، وكانت العناصر المتطرفة تمهد

стр. 213

الطريق لذلك، وفي ١٩ - من ايار، نشرت صحيفة الفقار وكتابا للمارشال ألفونس جوان الاستعماري الحقود قال فيه (إنه لم يعد يؤمن بالزعماء السياسيين لأنهم يسعون بأن يجعلوا البلاد تقبل منح الاستقلال للجزائريين) وقال نائب فرنسي لقائد قوات الحلف الأطلس (لم تعد أقل ثقة في كلام زعمائنا أنهم لم يكفوا منذ أربع سنوات عن دفعنا في مزالق الاستسلام ... وقال المارشال جوان: ان هناك أمرا فقط يستأثر باهتمامنا من الآن فصاعدا هو زيادة العسكرية واستبعاد كل مفاوضة مع قاطعي الرقاب، لقد طالبت بذلك منذ زمن بعيد دون أن أجد أدانا صاغية) وضاعف الانقلابيون الفاشيست من جهودهم المؤيدة بالقوة المسلحة فرض الجنرال ديغول على الحكم لتبقى الجزائر فرنسيه الى الأبد ... وكان الانقلابيون يرمون من وراء ذلك اقامة حكم دكتاتوري مطلق في فرنسا، واتخذوا اسم الجنرال ديغول مطية للوصول إلى أهدافهم لما له من الشهرة الواسعة، وبعد الصيت في الأوساط الفرنسية وفى غيرها من البلدان المستعمرة ... هذه هي نظرية الجيش الفرنسي، ومن التف حول من غلاة المعمرين والمتطرفين من الأحزاب اليمينية في هذا القائد المشهور ... عقد الجنرال ديغول ندوة صحفية مساء يوم ٣٣ ايار ١٩٥٨م أظهر فيها استعداده لتولي رئاسة الجمهورية الفر نسية كما فعل قبل ذلك في أزمة وطنية خطيرة للغاية الا أنه حرص على أن تكون توليته للحكم عن طريق الدستور. ولم ينس أن يخاطب رجالة المتمردين في الجزائر، ومؤيديهم من الفاشيست في فرنسا وأصحاب المصالح الاستغلالية من رجال الحكم قائلا: ان مستقبل فرنسا وماضيها مرتبطان بمستقبل الجزائر وماضيها فتنفس المتطرفون عند ما سمعوا هذا التصريح الصعداء وظنوا أنهم بفضل هذه الثورة العارمة والانقلاب الموفق ضمنوا فرنسة الجزائر.

стр. 214

وفي ٢٠ - ايار ١٩٥٨م صرح مجرم الحرب (لاكوست)، في باريس مهددا حكومة "فلملان" قائلا لا يستطيع أي شيء أن يوقف زحف الثورة الجزائرية الفاشية ... أما القوة الشعبية الديمقراطية كانت تعارض عودة الجنرال ديغول الى الحكم، ومنذ الانقلاب أصبحت حكومة (فلملان) تواجه أخطر أزمة تمر بفرنسا، وفي ساعة مبكرة من صباح يوم ١٦ - أيار ١٩٥٨ م. صرح رئيس الحكومة عقب الانتهاء من اجتماع مجلس الوزراء بأنه سيطلب من الجمعية الوطنية اقرار مشروع قانون يقضى بإعلان حالة الطوارئ في البلاد وقال: استعرضت الحكومة في اجتماعها آخر تطورات الموقف وهى تعتمد على الجيش الذى يؤمن بتقاليده التي تحتم عليه أن يكون وصيا على الوحدة ... أسفر اجتماع المجلس الوطني عن قرار يمنح حكومة) فلملان) حالة الطوارئ لمجابهة قضية إعادة الأمور الى مجاريها الطبيعية بين الحكومة والجيش، وعلى الفور أمرت الحكومة بإلغاء اجازات جميع الجنود والضباط وعودة المجازين منهم الى وحداتهم فورا، وعلى إثر صدور هذا القرار أصبحت القوات الفرنسية المسلحة في التراب الفرنسي تحت السلاح وفي حالة استثنائية وفي ١٧ - ايار ١٩٥٨م أصدرت منظمة العمال سلسلة من البيانات تعلن اعتزامها عن الاضراب والقيام بمظاهرات ضد دعوة الجنرال ديغول الى الحكم، وأخذت القوى الديمقراطية تعبئ قواها للدفاع عن النظام الجمهوري الديمقراطي، فتشكلت في عدد مدن لجان معادية للفاشيست ضمت في صفوفها ممثلين عن أكثر الأحزاب، ومنظمات الشباب والنقابات، وأخذت على عاتقها تنظيم الجماهير وتعبيتها للدفاع عن الجمهورية ضد الانقلاب الفاشي الزاحف بالتهديد الى الحكم، وعقدت مؤتمرات شعبية للطلاب والعمال ضد الحرب في الجزائر شملت باريس ومختلف مدن فرنسا، وفي يوم واحد عقد في باريس وحدها احدى عشر مؤتمرا شعبيا كلها تحتج على محاولة الجنرال ديغول الى الحكم، وتطالب بإنهاء الحرب في الجزائر، أصبحت فرنسا من جراء هذا الانقلاب مهددة بحروب أهلية.

стр. 215

وفي ١٥ - أيار ٥٨ أعلن الثوار الجزائريون عن موقفهم إزاء حركة التمرد العسكري هذه على لسان مدير جبهة التحرير الدكتور الأمين الدباغين في حديث أولى به الى وكالة أنباء الشرق الأوسط بالقاهرة قال فيه: ان حركة التمرد التي يقودها الجنرال ماسو في الجزائر هي نتيجة ضعف الحكومات الفرنسية ولما رأى رئيس الجمهورية (كوتى) أن الخلاف قد نشب بين الأحزاب، والحروب الاهلية باتت قاب قوسين أو أدنى، فخاف من هذه الحالة التي تنذر بشر مستطير انحاز الى مدبري الانقلاب واتفق معهم على استدعاء الجنرال الى الحكم، واستعمل نفوذه لدى أعضاء الجمعية الوطنية لإقناعهم بمنح الثقة الى الجنرال فما وسع حكومة فلملان الا الرضوخ للأمر الواقع، وقبلت التنازل عن الحكم وسلمت مقاليده الى الرئيس المعين الذي لبى نداء الجيش ووعد الجميع برجوع السلم الى الجزائر في أقرب وقت ممكن ...
следующие страницы →