← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1151

لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف - ت عامر

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (739 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وفي "المسند": عن ابن مَسْعودٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "عَجِبَ ربُّنا مِن رجلٍ ثارَ عن وطائِهِ ولحافِهِ مِن بين أهلِهِ وحبِّهِ إلى صلاتِهِ، فيَقولُ ربُّنا ﵎: يا ملائكتي! انْظُروا إلى عبدي، ثارَ مِن فراشِهِ ووطائِهِ مِن بين أهلِهِ وحبِّهِ إلى الصَّلاةِ؛ رغبةً فيما عندي وشفقةً ممَّا عندي … " وذَكَرَ بقيَّةَ الحديثِ (١). وقولُهُ "ثارَ" فيهِ إشارةٌ إلى قيامِهِ بنشاطٍ وعزمٍ.

стр. 107

ويُرْوى مِن حديثِ: عَطِيَّةَ، عن أبي سَعيدٍ، عن النَّبي ﷺ ؛ قالَ: "إن الله يَضْحَكُ إلى ثلاثةِ نفرٍ: رجلٍ قامَ مِن جوفِ الليلِ فأحْسَنَ الطَّهورَ فصَلَّى، ورجلٍ نامَ وهوَ ساجدٌ، ورجلٍ في كتيبةٍ منهزمةٍ فهوَ على فرسٍ جوادٍ لو شاءَ أنْ يَذْهَبَ لَذَهَبَ" (١). وخَرَّجَهُ ابنُ ماجَهْ مِن روايةِ: مُجالِدٍ (٢)، عن أبي الوَدَّاكِ، عن أبي سَعيدٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "إنَّ الله لَيَضْحَكُ إلى ثلاثةٍ: الصَّفِّ في الصَّلاةِ، والرَّجلِ يُصَلِّي في جوفِ الليلِ، والرَّجلِ يُقاتِلُ (أُراهُ قالَ:) خلفَ الكتيبةِ" (٣). ورُوِّينا مِن حديثِ: أبَانَ، عن أنَسٍ، عن رَبيعَةَ بن وَقَاصٍ، عن النَّبيّ ﷺ ؛ قالَ: "ثلاثُ مواطنَ لا تُرَدُّ فيها دعوةٌ: رجلٌ يَكونُ في بَرِّيَّةٍ حيثُ لا يَراهُ أحدٌ فيَقومُ فيُصَلِّي، فيَقولُ اللهُ لملائكتِهِ: أرى عبدي هذا يَعْلَمُ أن لهُ ربًّا يَغْفِرُ الذُّنوبَ، فانْظُروا ما يَطْلُبُ. فيَقولُ الملائكةُ: أي ربِّ! رضاكَ ومغفرتَكَ. فيَقولُ: اشْهَدوا أنِّي قد غَفَرْتُ لهُ ورَضِيتُ عنهُ. ورجلٌ يقومُ مِن الليلِ، فيقولُ اللهُ : أليسَ قد جَعَلْتُ الليلَ سكنًا والنَّومَ سباتًا، فقامَ عبدي هذا يُصَلِّي، يَعْلَمُ أن لهُ ربًّا [يَغْفِرُ الذُنوبَ]. فيَقولُ اللهُ لملائكتِهِ: انْظُروا ما يَطْلُبُ عبدي هذا. فتَقولُ الملائكةُ: يا ربِّ! رضاكَ ومغفرتَكَ. فتقولُ: اشْهَدوا أنِّي قد غَفَرْتُ لهُ … " وذَكَرَ الثَّالثَ الذي يَكونُ في فئةٍ فيَفِرُّ أصحابُهُ ويَثْبُتُ

стр. 108

هوَ (١). وهوَ مذكور أيضًا في كلِّ الأحاديثِ المتقدِّمةِ. وفي "المسند" و "صحيح ابن حِبَّان": عن عُقْبَةَ بن عامر، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "رجلانِ مِن أُمَّتي: تقومُ أحدُهُما مِن الليلِ فيُعالجُ نفسَهُ إلى الطهورِ وعليهِ عُقَدٌ فَيَتَوَضَّأُ: فإذا وَضَّأ يديهِ انْحَلَّتْ عقدةٌ، وإذا وَضَّأ وجهَهُ انْحَلَّتْ عقدةٌ، وإذا مَسَحَ رأْسَهُ انْحَلَّت عقدةٌ، وإذا وَضَّأ رجليهِ انْحَلَّتْ عقدةٌ. فتقولُ الرَّبُّ للذينَ وراءَ الحجابِ: انْظُروا إلى عبدي هذا يُعابُ نفسَهُ، ما سَألَني عبدي هذا فهوَ لهُ" (٢). وفي الصَّحيحينِ (٣) أن النَّبي ﷺ قالَ: "نِعْمَ الرَّجلُ عبدُ اللهِ (يَعْني: ابنَ عُمَرَ) (٤) لو كانَ يُصَلِّي مِن الليلِ". فكانَ عبدُ اللهِ لا يَنامُ بعدَ ذلكَ مِن الليلِ إلَّا قليلًا. كانَ أبو ذَرٍّ ﵁ يَقولُ للنَّاسِ: أرَأيْتُمْ لوْ أن أحَدَكُمْ أرادَ سفرًا؛ أليسَ يَتَّخِذُ مِن الزَّادِ ما يُصْلِحُهُ ويُبَلِّغُهُ؟ قالوا: بلى. قالَ: فسفرُ طريقِ القيامةِ أبعدُ، فخُذوا لهُ ما يُصْلِحُكُم؛ حُجُّوا حَجَّةً لعظائمِ الأُمور، صوموا يومًا شديدًا حرُّهُ لحرِّ يومِ النُّشور، صَلُّوا ركعتينِ في ظلمةِ الليلِ لظلمةِ القبور، تَصَدَّقوا صدقة لشرّ يومٍ عسير. أينَ رجالُ الليل؟! أينَ الحَسَنُ وسُفْيانُ وفُضَيْل؟! يا رِجالَ اللَيْلِ جِدُّوا … رُبَّ داعٍ لا يُردُّ

стр. 109

ما يَقومُ اللَيْلَ إلَّا … مَنْ لَهُ عَزْمٌ وَجِدُّ لَيْسَ شَيْءٌ كَصَلاةِ الْـ … ـــــلَيْلِ لِلْقَبْرِ يُعَدُّ صَلَّى كثيرٌ مِن السَّلفِ صلاةَ الصُّبحِ بوضوءِ العشاءِ عشرينَ سنةً، ومنهُم مَن صَلَّى كذلكَ أربعينَ سنةً. قالَ بعضُهُم: منذُ أربعينَ سنةً ما أحْزَنَني إلَّا طلوعُ الفجرِ. قالَ ثابِتٌ: كابَدْتُ (١) قيامَ الليلِ عشرينَ سنةً، وتَنَعَّمْتُ بهِ عشرينَ سنة أُخرى. • أفضلُ قيامِ الليلِ وسطُهُ (٢). قالَ النَّبيُّ ﷺ : "أفضلُ القيامِ قيامُ داوودَ، كانَ يَنامُ نصفَ الليلِ ويقومُ ثلثَهُ ويَنامُ سدسَهُ" (٣). وكانَ رسولُ اللهِ ﷺ إذا سَمعَ الصَّارخَ يَقومُ للصَّلاةِ (٤). والصَّارخُ: الدِّيكُ، وهوَ يَصيحُ وسطَ الليلِ. وخَرَّجَ النَّسائيُّ عن أبي ذَرٍّ؛ قالَ: سَألْتُ النَّبيَّ ﷺ : أيُّ الليلِ (٥) خيرٌ؟ قالَ: "جوفُهُ" (٦). وخَرَّجَ الإمامُ أحْمَدُ عن أبي ذَرٍّ؛ قالَ: سَألْتُ النَّبي ﷺ : أيُّ قيامِ الليلِ أفضلُ؟ قالَ: "جوفُ الليلِ الغابرِ (أو: نصفُ الليلِ)، وقليل فاعلُهُ" (٧).

стр. 110

وخَرَّجَ ابنُ أبي الدُّنْيا مِن حديثِ أبي أُمامَةَ؛ أن رجلًا قالَ: يا رَسولَ اللهِ! أيُّ الصَّلاةِ أفضلُ؟ قالَ: "جوفُ الليلِ الأوسطُ". قالَ: أيُّ الدُّعاءِ أسمعُ؟ قالَ: "دبرَ الصَّلواتِ المكتوباتِ" (١). وخَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ، ولفظُهُما؛ أنّهُ سَألَهُ: أيُّ الدُّعاءِ أسمعُ؟ قالَ: "جوفُ الليلِ الآخرِ ودبرَ الصَّلواتِ المكتوباتِ" (٢). وخَرَّجَ التِّرْمِذِيُّ مِن حديثِ عَمْرِو بن عَبَسَةَ؛ [أنَّهُ] سَمعَ النَّبيَّ ﷺ يَقولُ: "أقربُ ما يَكونُ الرَّبُّ مِن العبدِ في جوفِ الليلِ، فإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَكونَ ممَّن يَذْكُرُ الله في تلكَ السَّاعةِ؛ فكُنْ" (٣).

стр. 111

ويُرْوى (١) أن داوودَ ﵇ قالَ: يا ربِّ! أيَّ وقتٍ أقومُ لكَ؟ قالَ: لا تَقُمْ أوَّلَ الليلِ ولا آخرَهُ، ولكنْ قُمْ وَسَطَ الليلِ حتَّى تَخْلُوَ بي وأخْلُوَ بكَ، وارْفَعْ إليَّ حوائجَكَ. وفي الأثرِ المشهورِ (٢): كَذَبَ مَنِ ادَّعى محبَّتي فإذا جَنَّهُ الليلُ نامَ عنِّي، أليسَ كل محبٍّ (٣) يُحِبُّ خلوةَ حبيبِهِ؟ فهاأنا ذا مطَّلعٌ على أحبابي، إذا جَنَّهُمُ الليلُ؛ جَعَلْتُ أبصارَهُم في قلوبهِم، فخاطَبوني على المشاهدةِ، وكَلَّموني على حضوري، غدًا أُقِرُّ أعينَ أحبابي في جناني. اللَيْلُ لي وَلِأحْبابي أُحادِثُهُمْ … قَدِ اصْطَفَيْتُهُمُ كَيْ يَسْمَعوا وَيَعُوا لَهُمْ قُلوبٌ بِإسْراري لَها مُلِئَتْ … عَلى وِدادي وَإرشادي لَهُمْ طُبِعوا سَرَوْا فَما وَهَنوا عَجْزًا وَلا ضَعُفوا … وَواصَلوا حَبْلَ تَقْريبي فَما انْقَطَعوا

стр. 112

ما عندَ المحبِّينَ ألذَّ مِن أوقاتِ الخلوةِ بمناجاةِ محبوبِهِم، هوَ شفاءُ قلوبِهِم ونهايةُ مطلوبِهِم. كَتَمْتُ اسْمَ الحَبيبِ عن العِبادِ … وَرَدَّدْتُ الصَّبابَةَ في فُؤادي فَوا شَوْقًا إلى بَلَدٍ خَلِيٍّ … لَعَلِّي بِاسْمِ مَنْ أهْوى أُنادي كانَ داوودُ الطَّائيُّ يَقولُ في الليلِ: همُّكَ عَطَّلَ عليَّ الهمومَ وحالَفَ بيني وبينَ السُّهاد، وشوقي إلى النَّظرِ إليكَ أوْثَقَ منِّيَ اللذَّات (١) وحالَ بيني وبينَ الشَّهوات. وكانَ عُتْبَةُ الغلامُ تقولُ في مناجاتِهِ بالليلِ: إنْ تُعَذِّبْني؟ فإنِّي لكَ محبٌّ، وإنْ تَرْحَمْني؛ فإنِّي لكَ محبٌّ (٢). لَوَ أنّكَ أبْصَرْتَ أهلَ الهَوى … إذا غارَتِ الأنْجُمُ الطُّلَّعُ فهذا يَنوحُ على ذَنْبِهِ … وَهذا يُصَلِّي وَذا يَرْكَعُ مَن لمْ يُشارِكْهُمْ في هواهُم وذوقِ حلاوةِ نجواهُم؛ لمْ يَدْرِ ما الذي أبْكاهُم. مَن لمْ يُشاهِدْ جمالَ يوسُف؛ لم يَدْرِ ما الذي آلَمَ قلبَ يَعْقوبَ. مَنْ لَمْ يَبِتْ وَالحُبُّ حَشْوُ فُؤادِهِ … لَمْ يَدْرِ كَيْفَ تَفَتَّتُ الأكْبادُ كانَ أبو سُلَيْمانَ يقولُ: أهلُ الليلِ في ليلِهِم ألذُّ مِن أهلِ اللهوِ في لهوِهِم، ولولا الليلُ؛ ما أحْبَبْتُ البقاءَ في الدُّنيا. وسطُ الليلِ للمحبِّينَ للخلوةِ بمناجاةِ حبيبِهِم، والسَّحَرُ للمذنبينَ للاستغفارِ مِن ذنوبِهِم، فوسطُ الليلِ خاصٌّ لخلوةِ الخواصِّ، والسَّحَرُ عامٌّ لرفعِ قَصصِ (٣) الجميعِ وبروزِ التَّواقيعِ لأهلِها بقضاءِ الحوائجِ، فمَن عَجَزَ عن مسابقةِ المحبِّينَ في ميدانِ مضمارِهِم؛ فلا يَعْجِزْ عن مشاركةِ المذنبينَ في استغفارِهِم واعتذارِهِم. صحائفُ التَّائبينَ خدودُهُم، ومدادُهُم دموعُهُم.

стр. 113

قالَ بعضُهُم: إذا بَكى الخائفونَ؛ فقد كاتَبوا الله بدموعِهِم. رسائلُ الأسحارِ تُحْمَلُ ولا يَدْري بها الفلك، وأجوبتُها تَرِدُ إلى الأسرارِ ولا يَعْلَمُ بها المَلَك. صَحائِفُنا إشارَتُنا … وَأكْثَرُ رُسْلِنا الحُرَقُ (١) لِأنَّ الكُتْبَ قَدْ تُقْرا … بِغَيْرِ الدَّمْعِ لا نَثِقُ لا تَزالُ القَصصُ تُسْتَعْرَضُ ويُوَقَّعُ عليها بقضاءِ حوائجِ أهلِها إلى أنْ يَطْلُعَ الفجرُ. يَنْزِلُ ربُّنا كلَّ ليلةٍ إلى السَّماءِ الدُّنيا فيَقولُ: هل مِن تائبٍ فأتوبَ عليهِ؟ هل مِن مستغفرٍ فأغْفِرَ لهُ؟ هل مِن داعٍ فأُجيبَ دعوتَهُ؟ إلى أنْ يَنْفَجِرَ الفجرُ. فلذلكَ كانوا يُفَضِّلونَ صلاةَ آخرِ الليلِ (٢) على أوَّلِهِ. نَحْنُ الَّذينَ إذا أتانا سائِلٌ … نُولِيهِ إحْسانًا وَحُسْنَ تكرُّمِ وَنَقولُ في الأسْحارِ هَلْ مِنْ تائِبٍ … مُسْتَغْفِرٍ لِيَنالَ خَيْرَ المَغْنَمِ الغنيمةُ تُقْسَمُ على كلِّ مَن حَضَرَ الوقعةَ، فيُعْطى الرَّجَّالةُ والأُجراءُ والغلمان معَ الأُمراءِ والأبطالِ والشُّجعانِ والفرسان، فما يَطْلُعُ فجرُ الأجر إلَّا وقد حازَ القومُ الغنيمةَ وفازوا بالفخر، وحَمِدوا عندَ الصَّباحِ السُّرى (٣) وما عندَ أهلِ الغفلةِ والنَّومِ خبرٌ ممَّا جَرى. كانَ بعضُ الصَّالحينَ يَقومُ الليلَ، فإذا كانَ السَّحَرُ؛ نادى بأعلى صوتِهِ: يا أيُّها الرَّكبُ المعرِّسون! أكُلَّ هذا الليلِ تَرْقُدون؟ ألا تَقومونَ فتَرْحَلون؟ فإذا سَمعَ النَّاسُ صوتَهُ؛ وَثَبوا مِن فرشِهِم، فيُسْمَعُ مِن هنا باكٍ ومِن هنا داعٍ ومِن هنا تالٍ ومِن هنا متوضِّئ، فإذا طَلَعَ الفجرُ؛ نادى بأعلى صوتِهِ: عندَ الصَّباحِ يَحْمَدُ القوم السُّرى. يا نَفْسُ قومي فَلَقَدْ نامَ الوَرى … إنْ تَصْنَعى الخَيْرَ (٤) فَذو العَرْشِ يَرى وَأنْتِ يا عَيْنُ دَعي عَنْكِ الكَرى … عِنْدَ الصَّباحِ يَحْمَدُ القَوْمُ السُّرى

стр. 114

يا قُوَّامَ الليلِ! اشْفَعوا في النُّوَّام، يا أحياءَ القلوبِ! تَرَحَّموا على الأمواتِ. • قيلَ لابنِ مَسْعودٍ: ما نَسْتَطيعُ قيامَ الليلِ. قالَ: أبْعَدَتْكُمْ ذنوبُكُمْ. وقيلَ للحَسَنِ: قد أعْجَزَنا قيامُ الليلِ. قالَ: قَيَّدَتْكُمْ خطاياكُم. وقالَ الفُضَيْلُ: إذا لمْ تَقْدِرْ على قيامِ الليلِ وصيامِ النَّهارِ؛ فاعْلَمْ أنَّكَ محرومٌ مكبَّلٌ كَبَّلَتْكَ خطيئتُكَ. قالَ الحَسَنُ: إنَّ العبدَ لَيُذْنِبُ الذَّنبَ فيُحْرَمُ بهِ قيامَ الليلِ. قالَ بعضُ السَّلفِ: أذْنَبْتُ ذنبًا فحُرِمْتُ بهِ قيامَ الليلِ ستَّةَ أشهرٍ. ما يُؤهِّلُ الملوكُ للخلوةِ بهِم إلَّا مَن أخْلَصَ في ودِّهِم ومعاملتِهِم، فأمَّا مَن كانَ مِن أهلِ المخالفةِ؛ فلا يُؤَهِّلونَهُ. في بعضِ الآثارِ: أن جبريلَ يُنادى كلَّ ليلةٍ: أقِمْ فلانًا وأنِمْ فلانًا! قامَ بعضُ الصَّالحينَ في ليلةٍ باردة وعليهِ ثيابٌ رثَّة، فضربَهُ البردُ، فبَكى، فهَتَفَ بهِ هاتفٌ: أقَمْناكَ وأنَمْناهُمْ ثمَّ تَبْكي علينا! يا حُسْنَهُمْ وَاللَيْلُ قَدْ جَنَّهُمُ … وَنورُهُمْ يَفوقُ نورَ الأنْجُمِ تَرَنَّموا بِالذِّكْرِ في لَيْلِهِمُ … فَعَيْشُهُمْ قَدْ طابَ بِالتَّرَنُّمِ قُلوبُهُمْ لِلذكْرِ قَدْ تَفَرَّغَتْ … دُموعُهُمْ كَلُؤْلُؤٍ مُنْتَظَمِ أسْحارُهُمْ بِهِمْ لَهُمْ قَدْ أشْرَقَتْ … وَخِلَعُ الغُفْرانِ خَيْرُ القِسَمِ الليلُ منهلٌ يَرِدُهُ أهلُ الإرادةِ كلُّهُم، ويَخْتَلِفونَ فيما يَرِدونَ ويُريدونَ، قد عَلِمَ كلُّ أُناسٍ مشربَهُم: فالمحبُّ يَتَنَعَّمُ بمناجاةِ محبوبِه، والخائفُ يَتَضَرَّعُ لطلبِ العفوِ ويَبْكي على ذنوبِه، والرَّاجي يُلحُّ في سؤالِ مطلوبِه، والغافلُ المسكينُ أحْسَنَ اللهُ عزاءَهُ في حرمانِهِ وفواتِ نصيبِه. قالَ النَّبيُّ ﷺ لعَبْدِ اللهِ بن عَمْرٍو ﵄: "لا تكُنْ مثلَ فلانٍ! كانَ يَقومُ الليلَ فتَرَكَ قيامَ الليلِ" (١).

стр. 115

مَرِضَتْ رابِعَةُ مرَّةً، فصارَتْ تُصَلِّي وِرْدَها بالنَّهارِ، فعوفِيَتْ وقد ألِفَتْ ذلكَ وانْقَطَعَ عنها قيامُ الليلِ، فرَأتْ ذاتَ ليلةٍ في نومِها كأنّها أُدْخِلَتْ إلى روضةٍ خضراءَ عظيمةٍ، وفُتحَ لها فيها بابُ دارٍ، فسَطَعَ منها نورٌ حتَّى كادَ يَخْطَفُ بصرَها، فخَرَجَ منها وُصَفاءُ كأنَّ وجوهَهُمُ اللؤلؤُ بأيديهِم مجامرُ، فقالَتْ لهُمُ امرأةٌ كانَتْ معَ رابِعَةَ: أينَ تُريدونَ؟ قالوا: نُريدُ فلانًا قُتِلَ شهيدًا في البحرِ فنُجَمِّرُهُ. فقالَتْ لهُم: أفلا تُجَمِّرونَ هذهِ المرأةَ (تَعْني: رابِعَةَ)؟ فنَظَروا إليها وقالوا: قد كانَ لها حظٌّ من ذلكَ فتَرَكَتْهُ. فالْتَفَتَتْ تلكَ المرأةُ إلى رابِعَةَ وأنْشَدَتْ: صَلاتُكِ نورٌ وَالعِبادُ رُقودُ … وَنَوْمُكِ ضِدٌّ للِصَّلاةِ عَنيدُ كانَ بعضُ العلماءِ يقومُ السَّحَرَ، فنامَ عن ذلكَ لياليَ، فرَأى في منامِهِ رجلينِ وَقفا عليهِ وقالَ أحدُهُما للآخرِ: هذا كانَ مِن المستغفرينَ بالأسحارِ فتَرَكَ ذلكَ. يا مَن كانَ لهُ قلبٌ فانْقَلَب! يا مَن كانَ لهُ وقتٌ معَ اللهِ فذَهَب! قيامُ السَّحَرِ يَسْتَوْحِشُ لك، صيامُ النَّهارِ يُسائِلُ عنك، ليالي الوصالِ تُعاتِبُكَ على الهَجْر. تَغَيَّرْتُمُ عَنَّا بِصُحْبَةِ غَيْرِنا … وَأظْهَرْتُمُ الهِجْرانَ ما هكَذا كُنَّا وَأقْسَمْتُمُ ألَّا تَحُولُوا عَنِ الهوى … فَحُلْتُمْ عَنِ العَهْدِ القَديمِ وَما حُلْنا لَيالِيَ كُنَّا نَسْتَقي مِنْ وِصالِكُمْ … وَقَلْبي إلى تِلْكَ اللَيالِيَ قَدْ حَنَّا قيلَ للنَّبيِّ ﷺ : إنَّ فلانًا نامَ حتَّى أصْبَحَ. فقالَ: "بالَ الشَّيطانُ في أُذنِهِ" (١). كانَ سَرِيٌّ تقولُ: رَأيْتُ الفوائدَ تَرِدُ في ظلمةِ الليل، ماذا فاتَ (٢) مَن فاتَهُ خيرُ الليل؟ لقد حَصَلَ أهلُ الغفلةِ والنّومِ [على] الحرمان والويل. كانَ بعضُ السَّلفِ تقومُ بالليلِ، فنامَ ليلةً، فأتاهُ آتٍ في منامِهِ، فقالَ لهُ: قُمْ فصَلِّ، ثمَّ قالَ لهُ: أما عَلِمْتَ أن مفاتيحَ الجنَّةِ معَ أصحابِ الليلِ هُم خزَّانُها؟ وكانَ آخَرُ تقومُ الليلَ، فنامَ ليلةً، فأتاهُ في منامِهِ آتٍ، فقالَ: ما لكَ قَصَّرْتَ في

стр. 116

الخطبةِ؟! أما عَلِمْتَ أن المتهجِّدَ إذا قامَ إلى تهجُّدِهِ؛ قالَتِ الملائكةُ: قامَ الخاطبُ إلى خطبتِهِ؟! ورَأى بعضُهُم حَوْراءَ في نومِهِ، فقالَ لَها: زَوِّجيني نفسَكِ! قالَتْ: اخْطُبْني إلى ربِّي وأمْهِرْني. قالَ: وما مهرُكِ؟ قالَتْ: طولُ التَّهجُّدِ. نامَ أبو سُلَيْمانَ [الدَّارانِيُّ] ليلةً، فأيْقَظَتْهُ حَوْراءُ وقالَتْ: يا أبا سُلَيْمانَ! تَنام؛ وأنا أُرَبَّى لكَ في الخدورِ مِن خمسِ مئةِ عام؟! واشْتَرى بعضُهُم مِن اللهِ حوراءَ بصَداقِ ثلاثينَ ختمةً، فنامَ ليلة قبلَ أنْ يُكْمِلَ الثَّلاثينَ ختمة، فرَآها في منامِهِ تَقولُ لهُ: أتَخْطُبُ مِثْلي وَعَنِّي تَنامُ … وَنَوْمُ المُحِبِّينَ عَنِّي حَرامُ لِأنَّا خُلِقْنا لِكُلِّ امْرِئ … كَثيرِ الصَّلاةِ بَراهُ الصِّيامُ كانَ النَّبيُّ ﷺ يَطْرُقُ بابَ فاطِمَةَ وعَلِيٍّ وتقولُ: "ألا تُصَلِّيانِ؟ " (١). وفي الحديثِ: "إذا اسْتَيْقَظَ الرَّجلُ وأيْقَظَ أهلَهُ فصَلَّيا ركعتينِ؛ كُتِبا مِن الذَّاكرينَ الله كثيرًا والذَّاكراتِ" (٢).

стр. 117

كانَتِ امرأةُ حَبيبٍ [العَجَمِيِّ] (١) توقِظُهُ بالليلِ وتَقولُ: ذَهَبَ الليلُ، وبينَ أيدينا طريق بعيدٌ، وزادُنا قليل، وقوافلُ الصَّالحينَ قد سارَتْ قدَّامَنا ونحنُ قد بَقِينا. يا راقِدَ اللَيْلِ فَكَمْ تَرْقُدُ … قُم يا حَبيبي قَدْ دَنا المَوْعِدُ وَخُذْ مِنَ اللَيْلِ وَأوْقاتِهِ … وِرْدًا إذا ما هَجَعَ الرُّقَّدُ مَنْ نامَ حَتَّى يَنْقَضي لَيْلُهُ … لَمْ يَبْلُغِ المَنْزِلَ أوْ يَجْهَدُ قُلْ لأُولي الألْبابِ أهْلِ التُّقى … قَنْطَرَةُ العَرْضِ لَكُمْ مَوْعِدُ المجلس الثاني في يوم عاشوراء في الصَّحيحينِ (٢): عن ابن عَبَّاسٍ، أنَّهُ سُئِلَ عن صومِ يومِ عاشوراءَ، فقالَ: ما رَأيْتُ رسولَ اللهِ ﷺ صامَ يومًا يَتَحَرَّى فضلَهُ على الأيامِ إلَّا هذا اليومَ (يَعْني: يومَ عاشوراءَ) وهذا الشَّهرَ (يَعْني: رمضانَ). • يومُ عاشوراءَ لهُ فضيلةٌ عظيمةٌ وحرمةٌ قديمةٌ، وصومُهُ لفضلِهِ كانَ معروفًا بينَ الأنبياءِ ﵈، وقد صامَهُ نوح وموسى ﵉، كما سَنَذْكُرُهُ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى (٣). ورَوى: إبْراهيمُ الهَجَرِيُّ، عن أبي عِياضٍ، عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "يومُ عاشوراءَ، كانَتْ تَصومُهُ الأنبياءُ، فصوموهُ أنتُم" (٤). خَرَّجَهُ بقِيُّ بنُ مَخْلَدٍ في

стр. 118

"مسندِهِ". وَقد كانَ أهلُ الكتابِ يَصومونَهُ. وكذلكَ قريشٌ في الجاهليةِ كانَتْ تَصومُهُ. قالَ دَلْهَمُ بنُ صالحٍ: قُلْتُ لعِكْرِمَةَ: عاشوراءُ؛ ما أمرُهُ؟ قالَ: أذْنَبَتْ قريشٌ في الجاهليَّةِ ذنبًا، فتَعاظَمَ في صدورِهِم، فسَألُوا: ما توبتُهُم؟ قيلَ: صومُ يومِ عاشوراءَ؛ يومِ العاشرِ مِن المُحَرَّمِ. • وكانَ للنَّبيِّ ﷺ في صيامِهِ أربعةُ أحوالٍ: * الحالةُ الأُولى: أنَّهُ كانَ يَصومُهُ بمَكَّةَ ولا يَأْمُرُ النَّاسَ بالصَّومِ. ففي الصَّحيحينِ (١): عن عائِشَةَ؛ قالَتْ: كانَ عاشوراءُ يومًا تَصومُهُ قريش في الجاهليَّةِ، وكانَ النَّبيُّ ﷺ يَصومُهُ، فلمَّا قَدِمَ المدينةَ؛ صامَهُ وأمَرَ بصيامِهِ، فلمَّا نَزَلَـ[ــــتْ] فريضةُ شهرِ رَمَضانَ؛ كانَ رَمَضانُ هوَ الذي يَصومُهُ، فتَرَكَ يومَ عاشوراءَ؛ فمَن شاء صامَهُ، ومَن شاءَ أفْطَرَهُ. وفي روايةٍ للبُخارِيِّ (٢): قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "مَن شاءَ فلْيَصُمـ[ــــهُ]، ومَن شاءَ أفْطَرَ [هـ] ". * الحالةُ الثَّانيةُ: أن النَّبي ﷺ لمَّا قَدِمَ المدينةَ ورَأى صيامَ أهلِ الكتابِ لهُ وتعظيمَهُم لهُ - وكانَ يُحِبُّ موافقتَهُم فيما لم يُؤْمَرْ بهِ -؛ صامَهُ، وأمَرَ النَّاسَ بصيامِهِ، وأكَّدَ الأمرَ بصيامِهِ والحثَّ عليهِ حتَّى كانوا يُصَوِّمونَهُ أطفالَهُم. ففي الصَّحيحينِ (٣): عن ابن عَبَّاسٍ؛ قالَ: قَدِمَ رسولُ اللهِ ﷺ المدينةَ، فوَجَدَ اليهودَ صيَّامًا يومَ عاشوراءَ، فقالَ لهُم رسولُ اللهِ ﷺ : "ما هذا اليومُ الذي تَصومونَهُ؟ ". قالوا: هذا يومٌ عظيمٌ، [أ] نْجى اللهُ فيهِ موسى وقومَهُ، وأغْرَقَ فِرْعَوْنَ وقومَهُ، فصامَهُ موسى شكرًا، فنحنُ نَصومُهُ. فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "فنحنُ أحقُّ وأولى بموسى منكُم".

стр. 119

فصامَهُ رسولُ اللهِ ﷺ وأمَرَ بصيامِهِ. وفي "مسند الإمام أحْمَدَ": عن أبي هُرَيْرَةَ؛ قالَ: مَرَّ النَّبيُّ ﷺ بأُناسٍ مِن اليهودِ وقد صاموا [يومَ] عاشوراءَ، فقالَ: "ما هذا مِن الصَّومِ؟ ". قالوا: هذا اليومُ الذي نَجَّى اللهُ فيهِ موسى ﵇ وبني إسرائيلَ مِن الغرقِ و [أ] غْرَقَ فيهِ فِرْعَوْنَ، وهذا يومَ اسْتَوَت فيهِ السَّفينةُ على الجُودِيِّ، فصامَ نوحٌ وموسى ﵉ شكرًا للهِ . فقالَ النّبيُّ ﷺ : "أنا أحقُّ بموسى منكُم وأحق بصومِ هذا اليومِ". فأمَرَ أصحابَهُ بالصَّومِ (١). وفي الصَّحيحينِ (٢): عن سَلَمَةَ بن الأكْوَعِ؛ أن النَّبيَّ ﷺ أمَرَ رجلًا مِن أسْلَمَ أنْ أذِّن في النَّاسِ: "مَن أكَلَ فَلْيَصُمْ بقيَّةَ يومِهِ، ومَن لمْ يكُنْ أكَلَ فَلْيَصُمْ؛ فإنَّ اليومَ يومُ عاشوراءَ". وفيهِما أيضًا (٣): عن الرُّبيِّع بنتِ مُعَوِّذٍ؛ قالَتْ: أرْسَلَ رسولُ اللهِ ﷺ غداةَ عاشوراءَ إلى قرى الأنصارِ التي حولَ المدينةِ: "مَن كانَ أصْبَحَ صائمًا؛ فَلْيُتِمَّ صومَهُ، ومَن كانَ أصْبَحَ مفطرًا؛ فَلْيُتِمَّ بقيَّةَ يومِهِ". فكُنَّا بعدَ ذلكَ نَصومُهُ، ونُصَوّمُ صبيانَنا الصّغارَ منهُم، ونَذْهَبُ إلى المسجدِ فنَجْعَلُ لهُمُ اللعبةَ مِن العهنِ، فإذا بكى أحدُهُم على الطَّعامِ؛ أعْطَيْناهُ إيَّاها حتَّى يَكونَ عندَ الإفطارِ. وفي روايةٍ: فإذا سَألوا الطَّعامَ؛ أعْطَيْناهُمُ اللعبةَ تُلْهيهِم حتَّى يُتِمُّوا صومَهُم.

стр. 120

وفي البابِ أحاديثُ كثيرةٌ جدًّا. وخَرَّجَ الطَّبَرانِيُّ بإسنادٍ فيهِ جهالةٌ: أن النَّبيَّ ﷺ كانَ يَدْعو يومَ عاشوراءَ برُضَعائِهِ ورُضَعاءِ ابنتِهِ فاطِمَةَ، فيَتْفُلُ في أفواهِهِم، وتقولُ لأُمَّهاتِهِم: "لا تُرْضِعوهُم إلى الليلِ"، وكانَ ريقُهُ ﷺ يُجْزِئُهُمْ (١). وقدِ اخْتَلَفَ العلماءُ: هل كانَ صومُ يومِ عاشوراءَ قبلَ فرضِ شهرِ رمضانَ واجبًا أم كانَ سنَّةً مؤكَّدةً؟ على قولينِ مشهورينِ. ومذهبُ أبي حَنيفَةَ أنهُ كانَ واجبًا حينئذٍ، وهوَ ظاهرُ كلامِ الإمامِ أحْمَدَ وأبي بَكْرٍ الأثْرَمِ. وقالَ الشَّافِعِيُّ: بل كانَ متأكِّدَ الاستحبابِ فقطْ، وهوَ قولُ كثيرٍ مِن أصحابِنا وغيرِهِم (٢). * الحالةُ الثالثةُ: أنَّهُ لمَّا فُرِضَ صيامُ شهرِ رَمَضانَ؛ تَرَكَ النَّبيُّ ﷺ أمْرَ أصحابِهِ بصيامِ يومِ عاشوراءَ وتأْكيدَهُ فيهِ. وقد سَبَقَ حديثُ عائِشَةَ في ذلكَ. وفي الصَّحيحينِ (٣): عن ابن عُمَرَ؟ قالَ: صامَ النَّبيُّ ﷺ عاشوراءَ وأمَرَ بصيامِهِ، فلمَّا كانَ فرضُ رَمَضانَ؛ تَرَكَ ذلكَ. وكانَ عَبْدُ اللهِ لا يَصومُهُ إلَّا أنْ يُوافِقَ صومَهُ.

стр. 121

وفي روايةٍ لمُسْلِمٍ: أن أهلَ الجاهليَّةِ كانوا يَصومونَ يومَ عاشوراءَ، وأنَّ رسولَ اللهِ ﷺ صامَهُ والمسلمونَ قبلَ أنْ يُفْرَضَ رَمَضانُ، فلمَّا افْتُرِضَ رَمَضانُ؛ قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "إنَّ عاشوراء (١) يومٌ مِن أيَّامِ اللهِ؛ فمَن شاءَ صامَهُ، ومَن شاءَ تَرَكَهُ". وفي رواية لهُ أيضًا: "فمَن أحَبَّ منكُم أنْ يَصومَهُ؛ فلْيَصُمْهُ، ومَن كَرِهَ؛ فلْيَدَعْهُ". وفي الصَّحيحينِ أيضًا (٢): عن مُعاوِيةَ؛ قالَ: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: "هذا يومُ عاشوراءَ، ولمْ يَكْتُبِ اللهُ عليكُم صيامَهُ، وأنا صائمٌ؛ فمَن شاءَ فلْيَصُمْ، ومَن شاءَ فلْيُفْطِرْ". وفي روايةٍ لمُسْلِمٍ التَّصريحُ برفعِ آخرِهِ. وفي روايةٍ للنَّسائِيِّ أن آخرَهُ مُدْرَجٌ مِن قولِ مُعاوِيَةَ وليسَ بمرفوعٍ (٣). وفي "صحيح مسلم" (٤): عن ابن مَسْعودٍ؛ أنَّهُ قالَ في يومٍ عاشوراءَ: هوَ يومٌ كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يَصومُهُ قبلَ أنْ يَنْزِلَ رمضانُ، فلمَّا نَزلَ شهرُ رمضانَ؛ تُرِكَ. وفي روايةٍ لهُ: تَرَكَهُ (٥). وفيهِ أيضًا (٦): عن جابِرِ بن سَمُرَةَ؛ قالَ: كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يَأْمُرُنا بصيامِ يومِ عاشوراءَ ويَحُثُّنا عليهِ ويَتَعاهَدُنا عندَهُ، فلمَّا فُرِضَ رمضانُ؛ لمْ يَأْمُرْنا ولمْ يَنْهَنا عنهُ ولمْ

стр. 122

يَتَعاهَدْنا عندَهُ. وخَرَّجَ الإمامُ أحْمَدُ والنَّسائيُّ وابنُ ماجَهْ مِن حديثِ قَيْسِ بن سَعْدٍ؛ قالَ: أمَرَنا رسولُ اللهِ ﷺ بصيامِ عاشوراءَ قبلَ أنْ يَنْزِلَ رمضانُ، فلمَّا نَزَلَ رمضانُ؛ لمْ يَأْمُرْنا ولمْ يَنْهَنا (١). وفي روايةٍ: ونحنُ نَفْعَلُهُ. فهذهِ الأحاديثُ كلُّها تَدُلُّ على أن النَّبي ﷺ لمْ يُجَدِّدْ أمرَ النَّاسِ بصيامِهِ بعدَ فرضِ صيامِ شهرِ رمضانَ، بل تَرَكَهُم على ما كانوا عليهِ مِن غيرِ نهيٍ عن صيامِهِ: فإن كانَ أمرُهُ ﷺ بصيامِهِ قبلَ فرضِ صيامِ شهرِ رمضانَ للوجوبِ؛ فإنَّهُ يَنْبَني على أن الوجوبَ إذا نُسِخَ فهلْ يَبْقى الاستحبابُ أم لا، وفيهِ اختلافٌ مشهورٌ بينَ العلماءِ (٢). وإنْ كانَ أمرُهُ للاستحبابِ المؤكَّدِ؛ فقد قيلَ: إنَّهُ زالَ التَّأْكيدُ وبقيَ أصلُ الاستحبابِ (٣)، ولهذا قالَ قَيْسُ بنُ سَعْدٍ: ونحنُ نَفْعَلُهُ. وقد رُوِيَ عن ابن مَسْعودٍ وابنِ عُمَرَ ما يَدُلُّ على أن أصلَ استحباب صيامِهِ زالَ (٤). وقالَ سَعيدُ بنُ المُسَيَّبِ: لمْ يَصُمْ رسولُ اللهِ ﷺ عاشوراء (٥). ورُوِيَ عنهُ عن

стр. 123

سَعْدِ بن أبي وَقَّاصٍ. والمرسلُ أصحُّ، قالَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. وأكثرُ العلماءِ على استحبابِ صيامِهِ مِن غيرِ تأْكيدٍ. وممَّن رُوِيَ عنهُ صيامُهُ مِن الصَّحابةِ عُمَرُ وعَلِيٌّ وعَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ عَوْفٍ وأبو موسى وقَيْسُ بنُ سَعْدِ وابنُ عَبَّاسٍ وغيرُهم. ويَدُلُّ على بقاءِ استحبابِهِ قول ابن عَبَّاسٍ (١): لمْ أرَ رسول اللهِ ﷺ يَصومُ يومًا يَتَحَرَّى فضلَهُ على الأيَّامِ إلَّا يومَ عاشوراءَ وشهرَ رمضانَ (٢). وابنُ عَبَّاسٍ إنَّما صَحِبَ النَّبيَّ ﷺ بأخَرَةٍ، وإنَّما عَقَلَ منهُ ﷺ ما كانَ مِن آخرِ أمرِهِ. وفي "صحيح مسلم" (٣): عن أبي قَتادَةَ؛ أن رجلًا سَأل النَّبي ﷺ عن صيامِ عاشوراءَ. فقال: "أحْتَسِب على اللهِ أنْ يُكَفِّرَ السَّنةَ التي قبلَهُ". وإنَّما سَألَهُ عن التَّطوُّعِ بصيامِهِ؛ فإنَّهُ سَألَهُ أيضًا عن صيامِ يومِ عَرَفَةَ وصيامِ الدَّهرِ وصيامِ يومٍ وفطرِ يومٍ وصيامِ يومٍ وفطرِ يومينِ، فعُلِمَ أنَّهُ [إنَّما] سَألَهُ عن صيامِ التَّطوُّعِ. وخَرَّجَ الإمامُ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ مِن حديثِ حَفْصَةَ بنتِ عُمَرَ أمِّ المؤمنينَ؛ أن النَّبيَّ ﷺ لم يَكُنْ يَدَعُ صيامَ يومِ عاشوراءَ والعشرِ وثلاثةِ أيَّامٍ مِن كلِّ شهر (٤). وخرَّجَهُ أبو

стр. 124

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 125

داوودَ إلَّا أن عندَهُ: عن بعضِ أزواجِ النَّبيِّ ﷺ غيرِ مسمَّاةٍ (١). * الحالةُ الرَّابعةُ: أن النَّبيَّ ﷺ عَزَمَ في آخرِ عمرِهِ على ألَّا يَصومَهُ مفردًا، بل يَضُمُّ إليهِ يومًا آخرَ مخالفةً لأهلِ الكتابِ في صيامِهِ. ففي "صحيح مسلم" (٢): عن ابنِ عَبَّاسٍ، أنَّهُ قالَ: حينَ صامَ رسولُ اللهِ ﷺ عاشوراءَ وأمَرَ بصيامِهِ؛ قالوا: يا رسولَ اللهِ! إنَّهُ يومٌ تُعَظِّمُهُ اليهودُ والنَّصارى. فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "فإذا كانَ العامُ المقبلُ إنْ شاءَ اللهُ صُمْنا اليومَ التَّاسعَ". قالَ: فلمْ يَأْتِ العامُ المقبلُ حتَّى تُوُفِّيَ رسولُ اللهِ ﷺ . وفي روايةٍ لهُ (٣) [أيضًا] عن ابنِ عَبَّاسٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "لئن بقِيتُ إلى قابلٍ؛ لأصومَنَّ التَّاسعَ (يَعني: عاشوراءَ) ". وخَرَّجَهُ الطَّبَرانِيُّ، ولفظُهُ: "إنْ عِشْتُ إنْ شاءَ اللهُ إلى قابلٍ؛ صُمْتُ التَّاسعَ، مخافةَ أنْ يَفوتَني عاشوراءُ" (٤).

стр. 126

وفي "مسند الإمام أحمد": عن ابن عَبَّاسٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "صوموا يومَ عاشوراءَ، وخالِفوا اليهودَ، صوموا قبلَهُ يومًا وبعدَهُ يومًا" (١). وجاءَ في روايةٍ: " [أو] بعدَهُ". فإمَّا أنْ يَكونَ للتَّخييرِ، أو يَكونَ شكًّا مِن الرَّاوي، هل قالَ قبلَهُ أو بعدَهُ. ورُوِيَ هذا الحديثُ بلفظٍ آخرَ وهوَ: "لئن بقِيتُ؛ [لآمُرَنَّ بصيامِ يومٍ قبلَهُ ويومٍ بعدَهُ (يَعْني: عاشوراءَ) " (٢). وفي روايةٍ أُخرى: "لئن بقِيتُ] إلى قابل، لأصومَنَّ (أو: لآمُرَنَّ بصيامِ) يومٍ قبلَهُ ويومٍ بعدَهُ (يَعْني. عاشوراءَ) " (٣). أخْرَجَهُما الحافظُ أبو موسى المَدِينيُّ. وقد صَحَّ هذا عن ابن عَبَّاسٍ مِن قولِهِ مِن روايةِ ابن جُرَيْجٍ؛ قالَ: أخْبَرَني عَطاءٌ؛

стр. 127

أنَّهُ سَمعَ ابنَ عَبَّاسٍ يَقولُ في يومِ عاشوراءَ: خالِفوا اليهودَ، وصوموا التّاسعَ والعاشرَ. قالَ الإمامُ أحْمَدُ: أنا أذْهَبُ إليهِ. ورُوِيَ عن ابن عَبَّاسٍ أنَّهُ صامَ التَّاسعَ والعاشرَ وعُلِّلَ بخشيةِ فواتِ عاشوراءَ. ورَوَى: ابنُ أبي ذِئْبٍ، عن شُعْبَةَ مولى ابن عَبَّاسٍ، عن ابن عَبَّاسٍ؛ أنَّهُ كانَ يَصومُ عاشوراءَ في السَّفرِ، ويُوالي بينَ اليومينِ؛ خشيةَ فواتِهِ. وكذلكَ رُوِيَ عن أبي إسْحاقَ أنَّهُ صامَ يومَ عاشوراءَ ويومًا قبلَهُ ويومًا بعدَهُ، وقالَ: إنَّما فَعَلْتُ ذلكَ خشيةَ أنْ يَفوتَني. ورُوِيَ عن ابن سِيرينَ؛ أنَّهُ كانَ يَصومُ ثلاثةَ أيَّامٍ عندَ الاختلافِ في هلالِ الشَّهرِ احتياطًا. ورُوِيَ عن ابن عَبَّاسٍ والضَّحَّاكِ؛ أن يومَ عاشوراءَ هوَ تاسعُ المُحَرَّمِ. قالَ ابنُ سِيرينَ: كانوا لا يَخْتَلِفونَ أنّهُ [اليومُ] العاشرُ؛ إلَّا ابنَ عَبَّاسٍ؛ فإنَّهُ قالَ: إنَّهُ التَّاسعُ. وقالَ الإمامُ أحْمَدُ في روايةِ المَيْمونِيِّ: لا أدري هوَ التَّاسعُ أوِ العاشرُ، ولكنْ نَصومُهُما، فإنِ اخْتُلِفَ في الهلالِ صامَ ثلاثةَ أيَّامٍ احتياطًا. وابنُ سِيرينَ يَقولُ ذلكَ. وممَّن رَأى صيامَ التَّاسعِ والعاشرِ الشَافِعِيُّ وأحْمَدُ وإسْحاقُ. وكَرِهَ أبو حَنِيفَةَ إفرادَ العاشرِ وحدَهُ بالصَّومِ. ورَوى الطَّبَرانيُّ مِن حديثِ: ابن أبي الزِّنادِ، عن أبيهِ، عن خارِجَةَ بن زَيْدٍ، عن أبيهِ؛ قالَ: ليسَ يومُ عاشوراءَ باليومِ الذي يقولُ النَّاسُ، إنَّما كانَ يومًا تُسْتَرُ فيهِ الكعبةُ وتَقْلِسُ (١) فيهِ الحبشةُ عندَ النَّبيِّ ﷺ ، وكانَ يَدورُ في السَّنةِ، فكانَ النَّاسُ يَأْتونَ فلانًا اليهوديَّ يَسْألونَهُ، فلمَّا ماتَ اليهوديُّ؛ أتَوْا زَيْدَ بنَ ثابِتٍ فسَألوه (٢).

стр. 128

وهذا فيهِ إشارةٌ إلى أن (١) عاشوراءَ ليسَ هوَ في المحرَّمِ، بل يُحْسَبُ بحسابِ السَّنةِ الشّمسيّةِ كحسابِ أهلِ الكتاب، وهذا خلافُ ما عليهِ عملُ المسلمينَ قديمًا وحديثًا! وفي "صحيح مسلم" (٢) عن ابن عَبَّاسٍ؛ أن النَّبي ﷺ كانَ يَعُدُّ مِن هلالِ المحرَّمِ ثمَّ يُصْبِحُ يومَ التَّاسعِ صائمًا (٣). وابنُ أبي الزِّنادِ لا يُعْتَمَدُ على ما يَنْفَرِدُ بهِ، وقد جَعَلَ الحديثَ كلَّهُ عن زَيْدِ بن ثابِتٍ، وآخرُهُ لا يَصْلُحُ أنْ يَكونَ مِن قولِ زَيْدٍ، فلعلَّهُ مِن قولِ مَن دونَهُ. واللهُ أعلم. وكانَ طائفةٌ مِن السَّلفِ يَصومونَ عاشوراءَ في السَّفرِ؛ منهُمُ: ابنُ عَبَّاس، وأبو إسْحاقَ السَّبِيعِيُّ، والزُّهْرِيُّ وقالَ: رمضانُ لهُ عدَّةٌ مِن أيَّامٍ أُخرَ وعاشوراءُ يَفوتُ. ونَصَّ أحْمَدُ على أنّهُ يُصامُ عاشوراءُ في السَّفرِ. ورَوَى عَبْدُ الرَّزّاقِ في كتابِهِ: عن إسْرائيلَ، عن سماكِ بن حَرْبٍ، عن مَعْبَدٍ القُرَشِيِّ؛ قالَ: كانَ النَّبيُّ ﷺ بقُدَيْدٍ، فأتاهُ رجلٌ، فقالَ لهُ النَّبيُّ ﷺ : "أطَعِمْتَ اليومَ شيئًا (ليومِ عاشوراءَ)؟ ". قالَ: لا؛ إلَّا أنِّي شَرِبْتُ ماءً. فقالَ: "فلا تَطْعَمْ شيئًا حتَّى تَغْرُبَ الشَمسُ، واؤْمُرْ مَن وَراءَكَ أنْ يَصوموا هذا اليومَ" (٤). ولَعَلَّ المأْمورَ كانَ مِن أهلِ قُدَيْدٍ.

стр. 129

ورَوى بإسنادِهِ عن طاووسٍ؛ أنَّهُ كانَ يَصومُ عاشوراءَ في الحضرِ ولا يَصومُهُ في السَّفرِ. • ومِن أعجبِ ما وَرَدَ في عاشوراءَ أنهُ كانَ يَصومُهُ الوحشُ والهوامُّ: وقد رُوِيَ مرفوعًا أن الصُّرَدَ أوَّلُ طيرٍ صامَ عاشوراء (١). خَرَّجَهُ الخطيبُ في "تاريخه"، وإسنادُهُ غريبٌ. وقد رُوِيَ ذلكَ عن أبي هُرَيْرَة (٢). ورُوِيَ عن فَتْح بن شَخْرَفَ؛ قالَ: كُنْتُ أفُتُّ للنَّملِ الخبزَ كلَّ يومٍ، فلمَّا كانَ يومُ عاشوراءَ؛ لمْ يَأْكُلوه (٣)! ورُوِيَ عن القادِرِ باللهِ الخليفةِ العَبَّاسِي أنّهُ جَرى لهُ مثلُ ذلكَ وأنَّهُ عَجِبَ منهُ، فسَألَ أبا الحَسَنِ القَزْوينِيَّ الزَّاهدَ، فذَكَرَ لهُ أن يومَ عاشوراءَ تَصومُهُ النَّملُ. ورَوى أبو موسى المَدِينِيُّ بإسنادِهِ عن قَيْسِ بن عُبادٍ؛ قالَ: بَلَغَني أن الوحشَ كانَتْ تَصومُ عاشوراءَ.

стр. 130

وبإسنادٍ لهُ عن رجلٍ أتى الباديةَ يومَ عاشوراءَ، فرَأى قومًا يَذْبَحونَ ذبائحَ، فسَألَهُم عن ذلكَ، فأخْبَروهُ أن الوحوشَ (١) صائمةٌ، وقالوا: اذْهَبْ بنا نُرِكَ. فذَهَبوا بهِ إلى روضةٍ فأوْقَفوهُ. قالَ: فلمَّا كانَ بعدَ العصرِ؛ جاءَتِ الوحوشُ مِن كلِّ وجهٍ، فأحاطَت بالرَّوضةِ رافعةً رؤوسَها إلى السَّماءِ ليسَ شيءٌ منها يَأْكُلُ، حتَّى إذا غابَت الشَّمسُ؛ أسْرَعَتْ جميعًا فأكَلَتْ. وبإسنادِهِ عن عَبْدِ اللهِ بن عَمْرٍو؛ قالَ: بينَ الهندِ والصِّينِ (٢) أرضٌ كانَ بها بطَّةٌ مِن نحاسٍ على عمودٍ مِن نحاسٍ، فإذا كانَ يومُ عاشوراءَ؛ مَدَّتْ منقارَها، فيَفِيضُ مِن منقارِها ماءٌ يَكْفيهِم لزروعِهِم ومواشيهِم إلى العامِ المقبلِ (٣). ورُئِيَ بعضُ العلماءِ المتقدِّمينَ في المنامِ، فسُئِلَ عن حالِهِ، فقالَ: غُفِرَ لي بصيامِ عاشوراءَ ستِّينَ سنةً. وفي روايةٍ: ويومٍ قبلَهُ ويومٍ بعدَهُ. وذَكَرَ عَبْدُ الوَهَّابِ الخَفَّافُ في كتابِ الصِّيامِ: قالَ سَعيدٌ: قالَ قَتادَةُ: كانَ يُقالُ: صومُ عاشوراءَ كفارةٌ لِما ضَيَّعَ الرَّجلُ مِن زكاةِ مالِهِ! وقد رُوِيَ أن يومَ عاشوراءَ كانَ يومَ الزِّينةِ الذي كانَ فيهِ ميعادُ موسى لفِرْعَوْنَ، وأنَّهُ كانَ عيدًا لهُم. ويُرْوى أن موسى ﵇ كانَ يَلْبَسُ فيهِ الكَتَّانَ ويَكْتَحِلُ فيهِ بالإثمدِ (٤). وكانَتِ اليهودُ مِن أهلِ المَدينَةِ وخَيْبَرَ في عهدِ النَّبيِّ ﷺ يَتَّخِذونَهُ عيدًا، وكانَ أهلُ الجاهليَّةِ يقْتَدونَ بهِم في ذلكَ، وكانوا يَسْتُرونَ فيهِ الكعبةَ. ولكنَّ شرعَنا وَرَدَ بخلافِ ذلكَ. ففي الصَّحيحينِ (٥): عن أبي موسى؛ قالَ: كانَ

стр. 131

يومُ عاشوراءَ يومًا تُعَظِّمُهُ اليهودُ وتتَّخِذُهُ عيدًا، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "صوموهُ أنتُم". وفي روايةٍ لمسلمٍ: كانَ أهلُ خَيْبَرَ يَصومونَ يومَ عاشوراءَ يَتَّخِذونَهُ عيدًا ويُلْبِسونَ نساءَهُم فيهِ حُلِيَّهُم وشارتَهُم، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "فصوموهُ أنتُم". وخَرَّجَهُ النَّسائيُّ وابنُ حِبَّانَ، وعندَهُما: فقالَ النَّبي ﷺ : "خالِفوهُمْ فصوموهُ". وهذا يَدُلُّ على النَّهيِ عن اتِّخاذِهِ عيدًا وعلى استحبابِ صيامِ أعيادِ الكفَّارِ (١)؛ فإنَّ الصَّومَ يُنافي اتِّخاذَهُ عيدًا، فيُوافَقونَ في صيامِهِ معَ صيامِ يومٍ آخرَ معَهُ كما تَقَدَّمَ؛ فإن في ذلكَ مخالفةً لهُم في كيفيَّةِ صيامِهِ أيضًا، فلا يَبْقى فيهِ موافقةٌ لهُم في شيءٍ بالكلِّيَّةِ. وعلى مثلِ هذا يُحْمَلُ ما خَرَّجَهُ الإمامُ أحْمَدُ والنَّسائِي وابنُ حِبَّانَ مِن حديثِ أمِّ سَلَمَةَ؛ أن النَّبيَّ ﷺ كانَ يَصومُ يومَ السَّبتِ ويومَ الأحدِ أكثرَ ما يَصومُ مِن الأيامِ، ويقولُ: "إنَّهُما يوما عيدٍ للمشركينَ، فأنا أُحِبُّ أنْ أُخالِفَهُمْ" (٢). فإنَّهُ إذا صامَ اليومينِ معًا؛ خَرَجَ بذلكَ عن مشابهةِ اليهودِ والنَّصارى في تعظيمِ كلِّ طائفةٍ ليومِها منفردًا، وصيامُهُ فيهِ مخالفةٌ لهُم في اتِّخاذِهِ عيدًا، ويُجْمَعُ بذلكَ بينَ هذا الحديثِ وبينَ حديثِ النَّهيِ عن صيامِ يومِ السَّبتِ (٣). • وكلُّ ما رُوِيَ في فضلِ الاكتحالِ في يومِ عاشوراءَ والاختضابِ والاغتسالِ فيهِ فموضوعٌ لا يَصِحُّ.

стр. 132

* وأمَّا الصَّدقةُ فيهِ؛ فقد رُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بن عَمْرِو بن العاصِ؛ قالَ: مَن صامَ عاشوراءَ؛ فكأنَّما صامَ السَّنةَ، ومَن تَصَدَّقَ فيهِ؛ كانَ كصدقةِ السَّنةِ (١). خَرَّجَهُ أبو موسى المَدِينِيُّ. * وأمَّا التَّوسعةُ فيهِ على العيالِ: فقالَ حَرْبٌ: سَألْتُ أحْمَدَ عن الحديثِ الذي جاءَ: "مَن وَسَّعَ على أهلِهِ يومَ عاشوراءَ"، فلمْ يَرَهُ شيئًا. وقالَ ابنُ مَنْصورٍ: قُلْتُ لأحْمَدَ: هل سَمِعْتَ في الحديثِ "مَن وَسَّعَ على أهلِهِ يومَ عاشوراءَ وَسَّعَ اللهُ عليهِ سائرَ السَّنةِ" (٢)؟ فقالَ: نعم. رواهُ سُفْيانُ بنُ عُيَيْنَةَ، عن

стр. 133

جَعْفَرٍ الأحْمَرِ، عن إبْراهيمَ بن مُحَمَّدِ بن المُنْتَشِرِ، وكانَ مِن أفضلِ أهلِ زمانِهِ؛ أنَّهُ بَلَغَهُ؛ أنّهُ مَن وَسَّعَ على عيالِهِ يومَ عاشوراءَ؛ وَسَّعَ اللهُ عليهِ سائرَ سنتِهِ. فقالَ ابنُ عُيَيْنَةَ: جَرَّبْناهُ منذُ خمسمينَ سنةً أو ستِّينَ سنةً فما رَأيْنا إلّا خيرًا. وقولُ حَرْبٍ "إنَّ أحْمَدَ لمْ يَرَهُ شيئًا" إنَّما أرادَ بهِ الحديثَ الذي يُرْوى مرفوعًا إلى النَّبي ﷺ !؟ فإنَّهُ لا يَصِحُّ إسنادُهُ، وقد رُوِيَ مِن وجوهٍ متعدِّدةٍ لا يَصِحُّ مِنها شيء. وممَّن قالَ ذلكَ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللهِ بن عَبْدِ الحَكَمِ. وقال العُقَيْلِيُّ: هوَ غيرُ محفوظٍ. وقد رُوِيَ عن عُمَرَ مِن قولِهِ، وفي إسنادِهِ مجهولٌ لا يُعْرَفُ. * وأمّا اتِّخاذُهُ مأْتمًا كما تَفْعَلُهُ الرّافضةُ لأجلِ قتلِ الحُسَيْنِ بن عَلِيٍّ ﵄ فيهِ؛ فهوَ مِن عملِ مَن ضَلَّ سعيُهُ في الحياةِ الدُّنيا وهوَ يَحْسَبُ أنَّهُ يُحْسِنُ صنعًا، ولمْ يَأْمُرِ اللهُ ولا رسولُهُ باتِّخاذِ أيَّامِ مصائبِ الأنبياءِ وموتِهِم مأْتمًا، فكيفَ بمَن دونَهُم (١)؟! • ومِن فضائلِ يومِ عاشوراءَ أنَّهُ يومٌ تابَ اللهُ فيهِ على قومٍ. وقد سَبَقَ حديثُ عَلِيٍّ الذي خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ؟ أن النَّبيَّ ﷺ قالَ لرجلٍ: "إنْ كُنْتَ

стр. 134

صائمًا شهرًا بعدَ رمضانَ؛ فصُمِ المُحَرَّمَ؛ فإنَّ فيهِ يومًا تابَ الله فيهِ على قومٍ ويَتوبُ فيهِ على آخرينَ" (١). وقد صَحَّ مِن حديثِ: أبي إسْحاقَ، عن الأسْوَدِ بن يَزيدَ (٢)؛ قالَ: سَأْلْتُ عُبَيْدَ بنَ عُمَيْرٍ عن صيامِ يومِ عاشوراءَ، فقالَ: المحرَّمُ شهرُ اللهِ الأصمُّ، فيهِ يومٌ تِيبَ فيهِ على آدَمَ، فإنِ اسْتَطَعْتَ ألَّا يَمُرَّ بكَ إلَّا صُمْتَهُ؛ فافْعَلْ. كذا رُوِيَ عن شُعْبَةَ عن أبي إسْحاقَ. ورَواهُ إسْرائيلُ عن أبي إسْحاقَ، ولفظُهُ: قالَ: إنَّ قومًا أذْنَبوا فتابوا فيه فتِيبَ عليهِم، فإنِ اسْتَطَعْت ألَّا يَمُرَّ بكَ إلَّا وأنتَ صائمٌ؛ فافْعَلْ. ورَواهُ يونُسُ عن أبى إسْحاقَ ولفظُهُ: إنَّ (٣) المحرَّمَ شهرُ اللهِ، وهوَ رأْسُ السَّنةِ، تُكْتَبُ فيهِ الكتبُ، ويُؤَرَّخُ فيهِ التَّاريخُ، وفيهِ تُضْرَبُ الوَرِقُ، وفيهِ يومٌ تابَ فيهِ قومٌ فتابَ اللهُ عليهِم، فلا يَمُرَّ بكَ إلَّا صُمْتَهُ (يَعْني: يومَ عاشوراءَ) (٤). ورَوى أبو موسى المَدِينِيُّ مِن حديثِ أبي موسى [مرفوعًا]: "هذا يومٌ تابَ اللهُ فيهِ على قومٍ فاجْعَلوهُ صلاةً وصومًا (يَعْني: يومَ عاشوراءَ) " (٥). وقال: حسنٌ غريبٌ. وليسَ كما قالَ. ورَوى بإسنادِهِ عن عَلِيٍّ؛ قالَ: يومُ عاشوراءَ هوَ اليومُ الذي تِيبَ فيهِ على قومِ يونُسَ. وعنِ ابنِ عَبَّاسٍ؛ قالَ: هوَ اليومُ الذي تِيبَ فيهِ على آدَمَ. وعن وَهْبٍ: أن الله تَعالى أوْحى إلى موسى ﵇ أنْ مُرْ قومَكَ يَتَقَرّبوا إليَّ في أوَّلِ عشرِ المحرَّمِ، فإذا كانَ يومُ العاشر؛ فلْيَخْرُجوا إليَّ حتَّى أغْفِرَ لهُم. ورَوى عَبْدُ الرَّزَّاقِ: عن ابن جُرَيْجٍ، عن رجلٍ، عن عِكرِمَةَ؛ قالَ: هوَ يومٌ تابَ

стр. 135

اللهُ فيهِ على آدَمَ؛ يومُ عاشوراءَ. ورَوى عَبْدُ الوَهَّابِ الخَفَّافُ: عن سَعيدٍ، عن قَتادَةَ؛ قالَ: كنَّا نتحَدَّثُ أن اليومَ الذي تِيبَ فيهِ على آدَمَ يومُ عاشوراءَ، وهَبَطَ فيهِ آدَمُ إلى الأرضِ يومُ عاشوراء (١). • وقولُهُ ﷺ في حديثِ عَلِيٍّ "ويَتوبُ فيهِ على آخرينَ": حثٌّ للنَّاسِ على تجديدِ التَّوبةِ النَّصوحِ في يومِ عاشوراءَ، وترجيةٌ لقبولِ التَّوبةِ ممَّن تابَ فيهِ إلى اللهِ مِن ذنوبِهِ كما تابَ فيهِ على مَن قبلَهُم. وقد قالَ تَعالى عن آدَمَ: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٣٧] (٢). وأخْبَرَ عنهُ وعن زوجِهِ أنَّهُما قالا: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]. وكَتَبَ عُمَرُ بنُ عَبْدِ لعَزيزِ إلى الأمصارِ كتابًا وقالَ فيهِ: قولوا كما قالَ أبوكُم آدَمَ: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]. وقولوا كما قالَ نوحٌ: ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود: ٤٧]. وقولوا كما قالَ موسى: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: ١٦]. وقولوا كما قالَ ذو النُّونِ: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]. اعترافُ المذنبِ بذنبهِ معَ النَّدمِ عليهِ توبةٌ مقبولةٌ. قالَ اللهُ : ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٢]. وقالَ النَّبيُّ ﷺ : "إنَّ العبدَ إذا اعْتَرَفَ بذنبِهِ ثمَّ تابَ؛ تابَ اللهُ عليهِ" (٣). وفي دعاءِ الاستفتاحِ الذي كانَ النَّبيُّ ﷺ يَسْتَفْتحُ بهِ: "اللهمَّ! أنتَ ربِّي، لا إلهَ إلَّا أنتَ، ظَلَمْتُ نفسي وأعْتَرَفْتُ بذنبي فاغْفِرْ لي؛ إنَّهُ لا يَغْفِرُ الدُّنوبَ إلَّا

стр. 136

أنتَ" (١). وفي الدُّعاءِ الذي عَلَّمَهُ ﷺ [لـ]ــــلصِّدِّيقِ أنْ يَقولَهُ في صلاتِهِ: "اللهمَّ! إنِّي ظَلَمْتُ نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يَغْفِرُ الذُنوبَ إلَّا أنتَ، فاغْفِرْ لي مغفرة مِن عندِكَ وارْحَمْني؛ إنَّكَ أنتَ الغفورُ الرحيمُ" (٢). وفي حديثِ شَدَّادِ بن أوس عن النّبي ﷺ : "سيِّدُ الاستغفارِ أنْ تقولَ العبدُ اللهمَّ! أنتَ ربي، لا إلهَ إلَّا أنتَ، خَلَقْتَني، وأنا عبدُكَ، وأنا على عهدِكَ ووعدِكَ ما اسْتَطَعْتُ، أعوذُ بكَ مِن شرِّ ما صَنَعْتُ، أبوءُ بنعمتِكَ عليَّ وأبوءُ بذنبي، فاغْفِرْ لي؛ إنهُ لا يَغْفِرُ الذُنوبَ إلَّا أنتَ" (٣). الاعترافُ يَمْحو الاقترافَ، كما قيلَ: وإنَّ اعْتِرافَ المَرْءِ يَمْحو اقْتِرافَهُ … كَما أنَّ إنْكارَ الذُنوبِ ذُنوبُ لمَّا أُهْبِطَ آدَمُ ﵇ مِن الجنّةِ بكى على تلكَ المعاهدِ - فيما يُرْوَى - ثلاثَ مئةِ عامٍ، وحُقَّ لهُ ذلكَ؛ كانَ في دارٍ لا يَجوعُ فيها ولا يَعْرى ولا يَظْمَأُ فيها ولا يَضْحى، فلمَّا نَزلَ إلى الأرضِ؛ أصابَهُ ذلكَ كلُّهُ، فكانَ إذا رَأى جبريلَ يَتَذَكَّرُ برؤيتِهِ تلكَ المعاهدَ، فيَشْتَدُّ بكاؤُهُ حتَّى يَبْكيَ جبريلُ لبكائِهِ وتقولَ لهُ: ما هذا البكاءُ يا آدَمُ؟ فيَقولُ: وكيفَ لا أبْكي وقد أُخْرِجْتُ مِن دارِ النعمةِ إلى دارِ البؤسِ؟! فقالَ لهُ بعضُ ولدِهِ: لقد آذَيْتَ أهلَ الأرضِ ببكائِكَ. فقالَ: إنّما أبكي على أصواتِ الملائكةِ حولَ العرشِ. وفي روايةٍ: قالَ: إنَّما أبكي على جوارِ ربِّي في دارٍ تربتُها طيِّبةٌ أسْمَعُ فيها أصواتَ الملائكةِ. وفي روايةٍ: قالَ: إنَّما أبْكي على دارٍ لو رَأيْتَها لَزَهَقَتْ نفسُكَ شوقًا إليها. ورُوِيَ أنَّهُ قالَ لولدِهِ: كنَّا نسلًا مِن نسلِ السَّماءِ، خُلِقْنا كخلقِهِم، وغُذِّينا بغذائِهِم، فسَبانا عدوُّنا إبْليسُ، فليسَ لنا فرحٌ ولا راحةٌ إلَّا الهمَّ والعناءَ حتَّى نُرَدَّ إلى

стр. 137

الدَّارِ التي أُخْرِجْنا منها. فَحَيَّ عَلى جَنَّاتِ عَدْنٍ فَإنَّها … مَنازِلُكَ الأُولى وَفيها المُخَيَّمُ وَلكِنَّنا سَبْيُ العَدُوِّ فَهَلْ تُرى … نَعودُ إلى أوْطانِنا وَنُسَلَّمُ لمَا الْتَقى آدَمُ وموسى ﵉؛ عاتَبَهُ موسى على إخراجِهِ نفسَهُ وذرِّيَّتَهُ مِن الجنَّةِ، فاحْتَجَّ آدَمُ بالقدرِ السَّابقِ، والاحتجاجُ بالقدرِ على المصائبِ حسن، كما قالَ النَّبيُّ ﷺ : "إنْ أصابَكَ شيءٌ، فلا تَقُلْ: لو أنِّي فَعَلْتُ [كانَ كذا و] كذا، ولكنْ قُلْ: قَدَّرَ اللهُ وما شاءَ فَعَلَ" (١)، كما قيلَ: واللهِ لَوْلا سابِقُ الأقْدارِ … لَمْ تَبْعُدْ قَطُّ دارُكُمْ عَنْ داري مِنْ قَبْلِ النّأْيِ جِرْيَةُ المِقْدارِ … هَلْ يَمْحو [الـ]ـــــعبْدُ ما قَضاهُ الباري (٢) لمَّا ظَهَرَتْ فضائلُ آدَمَ على الخلائقِ بسجودِ الملائكةِ لهُ وبتعليمِهِ أسماءَ كلِّ شيءٍ وإخبارِهِ الملائكةَ بها وهُم يَسْتَمِعونَ لهُ كاستماعِ المتعلِّمِ مِن معلِّمِهِ حتَّى أقَرُّوا بالعجزِ عن علمِهِ وأقَرُّوا لهُ بالفضلِ وأُسْكِنَ هوَ وزوجتُهُ الجنّةَ؛ ظَهَرَ الحسدُ مِن إبْليسَ وسَعى في الأذى، وما زالتِ الفضائلُ إذا ظَهَرَتْ تُحْسَدُ، كما قيلَ: لا ماتَ حُسَّادُكَ بَلْ خُلِّدوا … حَتَّى يَرَوْا مِنْكَ الذي يُكْمِدُ لا زِلْتَ مَحْسودًا عَلى نِعْمَةٍ … فَإنَّما الكامِلُ مَنْ يُحْسَدُ فما زالَ يَحْتالُ على آدَمَ ﵇ حتَّى تَسَبَّبَ في إخراجِهِ مِن الجنّةِ، وما فَهِمَ الأبلَهُ أن آدَمَ إذا خَرَجَ مِنها كَملَتْ فضائلُهُ ثمَّ عادَ إلى الجنَّةِ على أكملَ مِن حالتِهِ الأولى. إنّما أهْلَكَ إبْليسَ العُجْبُ بنفسِهِ، ولذلكَ قالَ: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف: ١٢]. وإنَّما كَمَلَتْ فضائلُ آدَمَ باعترافِهِ على نفسِهِ: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ [الأعراف: ٢٣]. كانَ إبْليسُ كلَّما أوْقَدَ نارَ الحسدِ لآدَمَ؛ فاحَ بها ريحُ طيبِ آدَمَ واحْتَرَقَ إبْليسُ. وَإذا أرادَ اللهُ نَشْرَ فَضيلَةٍ … طُوِيَتْ أتاحَ لَها لِسانَ حَسودِ

стр. 138

لَوْلا اشْتِعالُ النَّارِ فيما جاوَرَتْ (١) … ما كانَ يُعْرَفُ طيبُ عَرْفِ العودِ قالَ بعضُ السَّلفِ: آدَمُ أُخْرِجَ مِن الجنّةِ بذنبٍ واحدٍ، وأنتُم تَعْمَلونَ الذنوبَ وتكْثِرونَ مِنها وتُريدونَ أنْ تَدْخُلوا بها الجنّةَ! تَصِلُ الذُّنوبَ إلى الذُّنوبِ وَتَرْتَجي … دَرَجَ الجِنانِ بِها وَفَوْزَ العابِدِ وَنَسِيتَ أن الله أخْرَجَ آدَمًا … مِنْها إلى الدُّنْيا بِذَنْبٍ واحِدِ (٢) احْذَروا هذا العدوَّ الذي أخْرَجَ أباكُمْ مِن الجنَّةِ؛ فإنّهُ ساعٍ في منعِكُم مِن العودِ إليها بكلِّ سبيلٍ، والعداوةُ بينكُمْ وبينَهُ قديمةٌ؛ فإنَّهُ ما أخرِجَ مِن الجنَّةِ وطُرِدَ عن الخدمةِ إلَّا بسببِ تكبُّرِهِ على أبيكُم وامتناعِهِ مِن السُّجودِ لهُ لمَّا أمِرَ بهِ. وقد أبْلَسَ مِن الرَّحمةِ وأيِسَ مِن العودِ إلى الجنَّةِ وتَحَقَّقَ خلودَهُ في النَّارِ، فهوَ يَجْتهِدُ على أنْ يُخَلِّدَ معَهُ في النَّارِ بني آدَمَ؛ بتحسينِ الشِّركِ، فإنْ عَجَزَ؛ قَنعَ بما دونَهُ مِن الفسوقِ والعصيانِ. وقد حَذَّرَكُمْ مولاكُم منهُ، وقد أعْذَرَ مَن أنْذَرَ، فخُذوا حذرَكُم، ﴿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٧]. العَجَبُ ممَّن عَرَفَ ربَّهُ ثمَّ عَصاهُ، وعَرَفَ الشَّيطانَ ثمَّ أطاعَهُ! ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ [بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا]﴾ [الأعراف: ٢٧]. رَعى اللهُ مَنْ نَهْوى وَإنْ كانَ ما رَعى … حَفِظْنا لَهُ العَهْدَ القَديمَ فَضيَّعا وَصاحَبْتَ قَوْمًا كُنْتُ أنْهاكَ عَنْهُمُ … وَحَقِّكَ ما أبْقَيْتَ للصُّلْحِ مَوْضِعا لمَّا أُهبِطَ [آدَمُ] إلى الأرضِ؛ وُعِدَ العودَ إلى الجنَّةِ هوَ ومَن آمَنَ مِن ذرِّيَّتِهِ واتَّبَعَ الرُّسلَ: ﴿يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف: ٣٥]. فَلْيُبَشَّرِ المؤمنونَ بالجنَّةِ، هيَ إقطاعُهُم، وقد وَصَلَ منشورُ الإقطاعِ (٣) معَ جبريلَ إلى مُحَمَّدٍ عليهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ

стр. 139

: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: ٢٥]. إنّما خَرَجَ الإقطاعُ عمَّن خَرَجَ عن الطَّاعةِ، فأمَّا مَن تابَ وآمَنَ؛ فالإقطاعُ مردودٌ عليهِ. المؤمنونَ في دارِ الدُّنيا في سفرِ جهادٍ؛ يُجاهِدونَ فيهِ النُّفوسَ والهوى، فإذا انْقَضى سفرُ الجهادِ؛ عادوا إلى وطنِهِمُ الأوَّلِ الذي كانوا فيهِ في صلبِ أبيهِم. تكَفَّلَ اللهُ للمجاهدِ في سبيلِهِ أنْ يَرُدَّهُ إلى وطنِهِ بما نالَ مِن أجرٍ أو غنيمةٍ. وَصَلَتْ إليكُم معشرَ الأُمَّةِ رسالةٌ مِن أبيكُم إبْراهيمَ معَ نبيِّكُم مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عليهما وسَلَّمَ، قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "رَأيْتُ ليلةَ أُسْرِيَ بي إبْراهيمَ، فقالَ: يا مُحَمَّدُ! أقْرِئْ أُمَّتَكَ منِّيَ السّلامَ، وأخْبِرْهُم أن الجنّة عذبةُ الماءِ طيِّبةُ التُّربةِ، وأنَّها قيعانٌ، وأنَّ غراسَها: سُبْحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، ولا إلهَ إلَّا اللهُ، واللهُ أكبرُ" (١). وخَرَّجَ النَّسائِيُّ والتِّرْمِذِيُّ: عن جابرٍ، عن النّبيِّ ﷺ : "مَن قالَ: سبحانَ اللهِ العظيمِ وبحمدِهِ؛ غُرِسَتْ لهُ نخلة في الجنّةِ" (٢).

стр. 140

وخَرَّجَ ابنُ ماجَهْ عن أبي هُرَيْرَةَ مرفوعًا: " [قُلْ] (١) سبحانَ اللهِ والحمدُ للهِ ولا إلهَ إلَّا اللهُ واللهُ أكبرُ؛ يُغْرَسْ لكَ بكلِّ واحدةٍ شجرةٌ في الجنَّةِ" (٢). وخَرَّجَهُ الطبَرانِيُّ مِن حديثِ ابن عَبَّاسٍ مرفوعًا (٣). وخَرَّجَهُ ابنُ أبي الدُّنيا مِن حديثِ أبي هُرَيْرَةَ مرفوعًا: "مَن قال سُبْحانَ اللهِ

стр. 141

العظيمِ؛ بُنِيَ لهُ برجٌ في الجنَّةِ" (١). ورُوِيَ موقوفًا. وعنِ الحَسَنِ؛ قالَ: الملائكةُ يَعْمَلونَ لبني آدَمَ في الجنانِ يَغْرِسونَ ويَبْنونَ، فربَّما أمْسَكوا، فيُقالُ لهُم: قد أمْسَكْتُمْ؟ فيَقولونَ: حتَّى تَأْتِيَنا النَّفقاتُ. قالَ الحَسَنُ: فابْعَثوهُم بأبي أنتُم وأُمِّي على العملِ (٢). وقال بعضُ السَّلفِ: بَلَغَني أن دورَ الجنَّةِ تُبْنى بالذِّكرِ، فإذا أُمْسِكَ عن الذكرِ؛ أمْسَكوا عن البناءِ، فيُقالُ لهُم، فيقولونَ: حتَّى تَأْتِيَنا نفقةٌ. أرضُ الجنَّةِ اليومَ قيعان، والأعمالُ الصَّالحةُ لها عمران، بها تُبْنى القصورُ وتُغْرَسُ أرضُ الجنان، فإذا تكامَلَ الغراسُ والبنيان، انْتَقَلَ إليهِ السُّكَّان. رَأى بعضُ الصَّالحينَ في منامِهِ قائلًا تقولُ لهُ: قد أُمِرْنا بالفراغِ مِن بناءِ دارِكَ، واسمُها دارُ السُّرورِ، فأبْشِرْ، وقد أُمِرْنا بتنجيدِها وتزيينِها والفراغِ منها إلى سبعةِ أيَّامٍ. فلمَّا كانَ بعدَ سبعةِ أيَّامٍ؛ ماتَ، فرُئيَ في المنامِ، فقالَ: أدخِلْتُ دارَ السُّرورِ، وأنا في سرورٍ، فلا تَسْألْ عمَّا فيها، لمْ يُرَ مثلُ الكريمِ إذا حَلَّ بهِ مطيعٌ. رَأى بعضُهُم كأنَّهُ أُدْخِلَ الجنَّةَ وعُرِضَ عليهِ منازلُهُ وأزواجُهُ، فلمَّا أرادَ أنْ يَخْرُجَ؛ تَعَلَّقَ بهِ أزواجُهُ وقالوا لهُ: باللهِ؛ حَسِّنْ عملَكَ، فكلَّما حَسَّنْتَ عملَكَ؛ ازْدَدْنا نحنُ حُسْنًا. العاملونَ اليومَ يُسْلِفونَ رؤوسَ أموالِ الأعمالِ فيما تَشْتَهي الأنفسُ وتَلَذُّ الأعينُ إلى أجلِ يومِ المزيدِ في سوقِ الجنَّةِ، فإذا حَلَّ الأجلُ؛ دَخَلوا السُّوقَ فحَمَلوا منهُ ما شاؤوا بغيرِ نقدِ ثمنٍ على قدرِ ما سَلَفَ مِن تعجيلِ رأْس مالِ السَّلفِ، لكنْ بغيرِ مكيالٍ ولا ميزانٍ. فيا مَن عَزَمَ أنْ يُسْلِفَ اليومَ إلى ذَلكَ الموسمِ! عَجِّلْ بتقبيضِ رأْس المال؛ فإنَّ تأْخيرَ التَّقبيضِ يُفْسِدُ العقدَ.

стр. 142

فَللهِ واديها الذي (١) هُوَ مَوْعِدُ الْـ … زيدِ لِوَفْدِ الحُبِّ لَوْ كُنْتَ مِنْهُمُ فَما شِئْتَ خُذْ مِنْهُ بِلا ثَمَنٍ لَهُ … فَقَدْ أسْلَفَ التُّجَّارُ فيهِ وَأسْلَموا (٢) وفي الحديثِ: "إنَّ الجنَّةَ تَقولُ: يا ربِّ! ائْتِني بأهلي وبِما وَعَدْتَني؛ فقد كَثُرَ حريري وإستبرقي وسندسي ولؤلئي ومرجاني وزبرجدي وفضَّتي وذهبي وأباريقي وخمري وعسلي ولبني؛ فائْتِني بأهلي وبما وَعَدْتَني" (٣). وفي الحديثِ أيضًا: "مَن سَألَ الله الجنَّةَ؛ شَفَعَتْ لهُ الجنَّةُ إلى ربِّها وقالَتِ: اللهمَّ! أدْخِلْهُ الجنَّةَ" (٤). وفي الحديثِ أيضًا: "إنَّ الجنَّةَ تُفْتَحُ في كلِّ سحرٍ، ويُقالُ لها: ازْدادي طيبًا لأهلِكِ، فتَزْدادُ طيبًا، فذلكَ البردُ الذي يَجِدُهُ النَّاسُ في

стр. 143

السَّحَرِ" (١). قلوبُ العارفينَ تَسْتَنْشِقُ أحيانًا نسيمَ الجنَّةِ. قالَ أنَسُ بنُ النَّضْرِ يومَ أُحُدٍ: واهًا لريحِ الجنَّةِ، واللهِ؛ إنِّي لأجِدُ ريحَ الجنَّةِ مِن قِبَلِ أُحُدٍ، ثمَّ تَقَدَّمَ فقاتَلَ حتَّى قُتِلَ. تَمُرُّ الصَّبا صَفْحًا (٢) بِساكِنِ ذي الغَضا … وَيَصْدَعُ قَلْبي أنْ يَهُبَّ هُبوبُها قَريبَةُ عَهْدٍ بالحَبيبِ وَإنَّما … هَوى كُلِّ نَفْسٍ حَيْثُ حَلَّ (٣) حَبيبُها كم للهِ مِن لطفٍ وحكمةٍ في إهباطِ آدَمَ إلى الأرضِ، لولا نزولُهُ؛ لما ظَهَرَ جهادُ المجاهدينَ واجتهادُ المجتهدين، ولا صَعِدَتْ زفراتُ (٤) أنفاسِ التَّائبين، ولا نَزَلَتْ فطراتُ دموعِ المذنبين (٥). يا آدَمُ! إنْ كُنْتَ أُهْبِطْتَ مِن دارِ القربِ؛ فإنِّي قريبٌ أُجيبُ دعوةَ الدَّاعِ إذا دَعانِ، إنْ كانَ حَصَلَ لكَ بالإخراجِ مِن الجنَّةِ كسرٌ؛ فأنا عندَ المنكسرةِ قلوبُهُم مِن أجلي، إنْ كانَ فاتَكَ في السَّماءِ سماعُ زجلِ المسبِّحينَ؛ فقد تَعوَّضْتَ في الأرضِ بسماعِ أنينِ المذنبينَ، أنينُ المذنبينَ أحبُّ إلينا مِن زجلِ المسبِّحينَ، زجلُ المسبِّحينَ ربَّما يَشوبُهُ الافتخارُ وأنينُ المذنبينَ يَزينُهُ الانكسارُ. لو لمْ تُذْنِبوا؛ لَذَهَبَ اللهُ بكُم، وجاءَ بقومٍ يُذْنِبونَ، ثمَّ يَسْتَغْفِرونَ، فيَغْفِرَ لهُم.

стр. 144

سُبحانَ مَن إذا لَطَفَ بعبد في المحنِ قَلَبَها منحًا، وإذا خَذَلَ عبدًا لمْ يَنْفَعْهُ كثرةُ اجتهادِهِ وعادَ عليهِ وبالًا. لُقِّنَ آدَمُ حجَّتَهُ وأُلقِيَ إليهِ ما تُتَقَبَّلُ بهِ توبتُهُ، ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٣٧]. وطُرِدَ إبْليسُ بعدَ طولِ خدمتِهِ فصارَ عملُهُ هباءً منثورًا، ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الحجر: ٣٤ - ٣٥] (١). إذا وَضَعَ عدلَهُ على عبدٍ؛ لمْ تَبْقَ لهُ حسنةٌ، وإذا بَسَطَ فضلَهُ على عبدٍ؛ لمْ تَبْقَ لهُ سيِّئةٌ. يُعْطِي وَيَمْنَعُ مَنْ يَشاءُ كَما يَشا … وَهِباتُهُ لَيْسَتْ تُقارِنُها الرُّشا لمَّا ظَهَرَ فضلُ آدَمَ على الخلائقِ بالعلمِ، وكانَ العلمُ لا يَكْمُلُ بدونِ العملِ بمقتضاهُ، والجنَّةُ ليست دارَ عمل ومجاهدةٍ وإنّما هيَ دارُ نعيمٍ ومشاهدةٍ؛ قيلَ لهُ: يا آدَمُ! اهْبِطْ إلى رباطِ الجهاد، وصابِرْ جنودَ الهوى بالجدِّ والاجتهاد، واذْرِ دموعَ الأسفِ على البعاد، فكأنَّكَ بالعيشِ الماضي وقد عادَ على أكملِ مِن ذلكَ الوجهِ المعتاد. عُودوا إلى الوَصْلِ عُودوا … فَالهَجْرُ صَعْبٌ شَديدُ لَوْ ذاقَ طَعْمَ الفِراقِ رَضْوى … لَكادَ مِنْ وَجْدِهِ يَميدُ قَدْ حَمَّلوني عَذابَ شَوْقٍ … يَعْجِزُ عَنْ حَمْلِهِ الحَديدُ قُلْتُ وَقَلْبي أسيرُ وَجْدٍ … مُتيَّمٌ في الجَفا عَميدُ أنْتُمْ لَنا في الهوى مَوالٍ … وَنَحْنُ في أسْرِكُمْ عَبيدُ

стр. 145

المجلس الثالث في قدوم الحاج في الصَّحيحين (١): عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيِّ ﷺ ، قالَ: "مَن حَجَّ هذا البيتَ فلمْ يَرْفُثْ ولمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ مِن ذنوبِهِ كيومَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ". • مباني الإسلامِ الخمسُ؛ كلُّ واحدٍ منها يُكَفِّرُ الدُّنوبَ والخطايا ويَهْدِمُها: فلا إلهَ إلَّا اللهُ لا تُبْقي ذنبًا ولا يَسْبِقُها عملٌ. والصَّلواتُ الخمسُ والجمعةُ إلى الجمعةِ ورمضانُ إلى رمضانَ مكفِّراتٌ لِما بينَهُنَّ ما اجْتُنِبَتِ الكبائرُ. والصَّدقةُ تُطْفِئ الخطيئةَ كما يُطْفِى الماءُ النَّارَ. والحجُّ الذي لا رفثَ فيهِ ولا فسوقَ يَرْجِعُ صاحبُهُ مِن ذنوبِهِ كيومَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ. • وقدِ اسْتَنْبَطَ معنى هذا الحديثِ مِن القرآنِ طائفةٌ مِن العلماءِ، وتأوَّلوا قولَ اللهِ ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: ٢٠٣] بأن مَن قَضى نسكَهُ ورَجَعَ منهُ فإنَّ آثامَهُ تَسْقُطُ عنهُ إذا اتَّقى الله في أداءِ نسكِهِ، وسواءٌ نَفَرَ في اليومِ الأوَّلِ من يوميِ النَّفرِ متعجِّلًا أو تَأخَّرَ إلى اليومِ الثَّاني. وفي "مسند أبي يَعْلى المَوْصِلِي": عن النبي ﷺ ؛ قالَ: "مَن قَضى نسكَهُ، وسَلِمَ المسلمونَ مِن لسانِهِ ويدهِ، غُفِرَ لهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذنبِهِ وما تَأخَّرَ" (٢).
следующие страницы →