← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1151

لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف - ت عامر

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (739 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

العظيمِ؛ بُنِيَ لهُ برجٌ في الجنَّةِ" (١). ورُوِيَ موقوفًا. وعنِ الحَسَنِ؛ قالَ: الملائكةُ يَعْمَلونَ لبني آدَمَ في الجنانِ يَغْرِسونَ ويَبْنونَ، فربَّما أمْسَكوا، فيُقالُ لهُم: قد أمْسَكْتُمْ؟ فيَقولونَ: حتَّى تَأْتِيَنا النَّفقاتُ. قالَ الحَسَنُ: فابْعَثوهُم بأبي أنتُم وأُمِّي على العملِ (٢). وقال بعضُ السَّلفِ: بَلَغَني أن دورَ الجنَّةِ تُبْنى بالذِّكرِ، فإذا أُمْسِكَ عن الذكرِ؛ أمْسَكوا عن البناءِ، فيُقالُ لهُم، فيقولونَ: حتَّى تَأْتِيَنا نفقةٌ. أرضُ الجنَّةِ اليومَ قيعان، والأعمالُ الصَّالحةُ لها عمران، بها تُبْنى القصورُ وتُغْرَسُ أرضُ الجنان، فإذا تكامَلَ الغراسُ والبنيان، انْتَقَلَ إليهِ السُّكَّان. رَأى بعضُ الصَّالحينَ في منامِهِ قائلًا تقولُ لهُ: قد أُمِرْنا بالفراغِ مِن بناءِ دارِكَ، واسمُها دارُ السُّرورِ، فأبْشِرْ، وقد أُمِرْنا بتنجيدِها وتزيينِها والفراغِ منها إلى سبعةِ أيَّامٍ. فلمَّا كانَ بعدَ سبعةِ أيَّامٍ؛ ماتَ، فرُئيَ في المنامِ، فقالَ: أدخِلْتُ دارَ السُّرورِ، وأنا في سرورٍ، فلا تَسْألْ عمَّا فيها، لمْ يُرَ مثلُ الكريمِ إذا حَلَّ بهِ مطيعٌ. رَأى بعضُهُم كأنَّهُ أُدْخِلَ الجنَّةَ وعُرِضَ عليهِ منازلُهُ وأزواجُهُ، فلمَّا أرادَ أنْ يَخْرُجَ؛ تَعَلَّقَ بهِ أزواجُهُ وقالوا لهُ: باللهِ؛ حَسِّنْ عملَكَ، فكلَّما حَسَّنْتَ عملَكَ؛ ازْدَدْنا نحنُ حُسْنًا. العاملونَ اليومَ يُسْلِفونَ رؤوسَ أموالِ الأعمالِ فيما تَشْتَهي الأنفسُ وتَلَذُّ الأعينُ إلى أجلِ يومِ المزيدِ في سوقِ الجنَّةِ، فإذا حَلَّ الأجلُ؛ دَخَلوا السُّوقَ فحَمَلوا منهُ ما شاؤوا بغيرِ نقدِ ثمنٍ على قدرِ ما سَلَفَ مِن تعجيلِ رأْس مالِ السَّلفِ، لكنْ بغيرِ مكيالٍ ولا ميزانٍ. فيا مَن عَزَمَ أنْ يُسْلِفَ اليومَ إلى ذَلكَ الموسمِ! عَجِّلْ بتقبيضِ رأْس المال؛ فإنَّ تأْخيرَ التَّقبيضِ يُفْسِدُ العقدَ.

стр. 142

فَللهِ واديها الذي (١) هُوَ مَوْعِدُ الْـ … زيدِ لِوَفْدِ الحُبِّ لَوْ كُنْتَ مِنْهُمُ فَما شِئْتَ خُذْ مِنْهُ بِلا ثَمَنٍ لَهُ … فَقَدْ أسْلَفَ التُّجَّارُ فيهِ وَأسْلَموا (٢) وفي الحديثِ: "إنَّ الجنَّةَ تَقولُ: يا ربِّ! ائْتِني بأهلي وبِما وَعَدْتَني؛ فقد كَثُرَ حريري وإستبرقي وسندسي ولؤلئي ومرجاني وزبرجدي وفضَّتي وذهبي وأباريقي وخمري وعسلي ولبني؛ فائْتِني بأهلي وبما وَعَدْتَني" (٣). وفي الحديثِ أيضًا: "مَن سَألَ الله الجنَّةَ؛ شَفَعَتْ لهُ الجنَّةُ إلى ربِّها وقالَتِ: اللهمَّ! أدْخِلْهُ الجنَّةَ" (٤). وفي الحديثِ أيضًا: "إنَّ الجنَّةَ تُفْتَحُ في كلِّ سحرٍ، ويُقالُ لها: ازْدادي طيبًا لأهلِكِ، فتَزْدادُ طيبًا، فذلكَ البردُ الذي يَجِدُهُ النَّاسُ في

стр. 143

السَّحَرِ" (١). قلوبُ العارفينَ تَسْتَنْشِقُ أحيانًا نسيمَ الجنَّةِ. قالَ أنَسُ بنُ النَّضْرِ يومَ أُحُدٍ: واهًا لريحِ الجنَّةِ، واللهِ؛ إنِّي لأجِدُ ريحَ الجنَّةِ مِن قِبَلِ أُحُدٍ، ثمَّ تَقَدَّمَ فقاتَلَ حتَّى قُتِلَ. تَمُرُّ الصَّبا صَفْحًا (٢) بِساكِنِ ذي الغَضا … وَيَصْدَعُ قَلْبي أنْ يَهُبَّ هُبوبُها قَريبَةُ عَهْدٍ بالحَبيبِ وَإنَّما … هَوى كُلِّ نَفْسٍ حَيْثُ حَلَّ (٣) حَبيبُها كم للهِ مِن لطفٍ وحكمةٍ في إهباطِ آدَمَ إلى الأرضِ، لولا نزولُهُ؛ لما ظَهَرَ جهادُ المجاهدينَ واجتهادُ المجتهدين، ولا صَعِدَتْ زفراتُ (٤) أنفاسِ التَّائبين، ولا نَزَلَتْ فطراتُ دموعِ المذنبين (٥). يا آدَمُ! إنْ كُنْتَ أُهْبِطْتَ مِن دارِ القربِ؛ فإنِّي قريبٌ أُجيبُ دعوةَ الدَّاعِ إذا دَعانِ، إنْ كانَ حَصَلَ لكَ بالإخراجِ مِن الجنَّةِ كسرٌ؛ فأنا عندَ المنكسرةِ قلوبُهُم مِن أجلي، إنْ كانَ فاتَكَ في السَّماءِ سماعُ زجلِ المسبِّحينَ؛ فقد تَعوَّضْتَ في الأرضِ بسماعِ أنينِ المذنبينَ، أنينُ المذنبينَ أحبُّ إلينا مِن زجلِ المسبِّحينَ، زجلُ المسبِّحينَ ربَّما يَشوبُهُ الافتخارُ وأنينُ المذنبينَ يَزينُهُ الانكسارُ. لو لمْ تُذْنِبوا؛ لَذَهَبَ اللهُ بكُم، وجاءَ بقومٍ يُذْنِبونَ، ثمَّ يَسْتَغْفِرونَ، فيَغْفِرَ لهُم.

стр. 144

سُبحانَ مَن إذا لَطَفَ بعبد في المحنِ قَلَبَها منحًا، وإذا خَذَلَ عبدًا لمْ يَنْفَعْهُ كثرةُ اجتهادِهِ وعادَ عليهِ وبالًا. لُقِّنَ آدَمُ حجَّتَهُ وأُلقِيَ إليهِ ما تُتَقَبَّلُ بهِ توبتُهُ، ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٣٧]. وطُرِدَ إبْليسُ بعدَ طولِ خدمتِهِ فصارَ عملُهُ هباءً منثورًا، ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الحجر: ٣٤ - ٣٥] (١). إذا وَضَعَ عدلَهُ على عبدٍ؛ لمْ تَبْقَ لهُ حسنةٌ، وإذا بَسَطَ فضلَهُ على عبدٍ؛ لمْ تَبْقَ لهُ سيِّئةٌ. يُعْطِي وَيَمْنَعُ مَنْ يَشاءُ كَما يَشا … وَهِباتُهُ لَيْسَتْ تُقارِنُها الرُّشا لمَّا ظَهَرَ فضلُ آدَمَ على الخلائقِ بالعلمِ، وكانَ العلمُ لا يَكْمُلُ بدونِ العملِ بمقتضاهُ، والجنَّةُ ليست دارَ عمل ومجاهدةٍ وإنّما هيَ دارُ نعيمٍ ومشاهدةٍ؛ قيلَ لهُ: يا آدَمُ! اهْبِطْ إلى رباطِ الجهاد، وصابِرْ جنودَ الهوى بالجدِّ والاجتهاد، واذْرِ دموعَ الأسفِ على البعاد، فكأنَّكَ بالعيشِ الماضي وقد عادَ على أكملِ مِن ذلكَ الوجهِ المعتاد. عُودوا إلى الوَصْلِ عُودوا … فَالهَجْرُ صَعْبٌ شَديدُ لَوْ ذاقَ طَعْمَ الفِراقِ رَضْوى … لَكادَ مِنْ وَجْدِهِ يَميدُ قَدْ حَمَّلوني عَذابَ شَوْقٍ … يَعْجِزُ عَنْ حَمْلِهِ الحَديدُ قُلْتُ وَقَلْبي أسيرُ وَجْدٍ … مُتيَّمٌ في الجَفا عَميدُ أنْتُمْ لَنا في الهوى مَوالٍ … وَنَحْنُ في أسْرِكُمْ عَبيدُ

стр. 145

المجلس الثالث في قدوم الحاج في الصَّحيحين (١): عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيِّ ﷺ ، قالَ: "مَن حَجَّ هذا البيتَ فلمْ يَرْفُثْ ولمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ مِن ذنوبِهِ كيومَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ". • مباني الإسلامِ الخمسُ؛ كلُّ واحدٍ منها يُكَفِّرُ الدُّنوبَ والخطايا ويَهْدِمُها: فلا إلهَ إلَّا اللهُ لا تُبْقي ذنبًا ولا يَسْبِقُها عملٌ. والصَّلواتُ الخمسُ والجمعةُ إلى الجمعةِ ورمضانُ إلى رمضانَ مكفِّراتٌ لِما بينَهُنَّ ما اجْتُنِبَتِ الكبائرُ. والصَّدقةُ تُطْفِئ الخطيئةَ كما يُطْفِى الماءُ النَّارَ. والحجُّ الذي لا رفثَ فيهِ ولا فسوقَ يَرْجِعُ صاحبُهُ مِن ذنوبِهِ كيومَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ. • وقدِ اسْتَنْبَطَ معنى هذا الحديثِ مِن القرآنِ طائفةٌ مِن العلماءِ، وتأوَّلوا قولَ اللهِ ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: ٢٠٣] بأن مَن قَضى نسكَهُ ورَجَعَ منهُ فإنَّ آثامَهُ تَسْقُطُ عنهُ إذا اتَّقى الله في أداءِ نسكِهِ، وسواءٌ نَفَرَ في اليومِ الأوَّلِ من يوميِ النَّفرِ متعجِّلًا أو تَأخَّرَ إلى اليومِ الثَّاني. وفي "مسند أبي يَعْلى المَوْصِلِي": عن النبي ﷺ ؛ قالَ: "مَن قَضى نسكَهُ، وسَلِمَ المسلمونَ مِن لسانِهِ ويدهِ، غُفِرَ لهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذنبِهِ وما تَأخَّرَ" (٢).

стр. 146

وفي الصَّحيحينِ (١): عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "الحجُّ المبرورُ ليسَ لهُ جزاءً إلَّا الجنَّةُ". وفي "صحيح مسلم" (٢): عنهُ ﷺ ؛ قالَ: "الحجُّ يَهْدِمُ ما قبلَهُ". فالحجُّ المبرورُ يُكَفِّرُ السِّيِّئاتِ ويوجِبُ دخولَ الجنَّاتِ. وقد رُوِيَ أنَّهُ ﷺ سُئِلَ عن برِّ الحجِّ، فقالَ: "إطعامُ الطَّعامِ وطيبُ الكلامِ" (٣). فالحجُّ المبرورُ ما اجْتَمَعَ فيهِ فعلُ أعمالِ البرِّ معَ اجتنابِ أعمالِ الإثمِ. فما دَعا الحاجُّ لنفسِهِ ولا دَعا لهُ غيرُهُ بأحسنَ مِن الدُّعاءِ بأنْ يَكونَ حجُّهُ مبرورًا. ولهذا يُشْرَعُ للحاجِّ إذا فَرَغَ مِن أعمالِ حجِّهِ وشَرَعَ في التَّحلُّلِ مِن إحرامِهِ برميِ جمرةِ العقبةِ يومَ النَّحرِ أنْ يَقولَ: اللهمَّ! اجْعَلْهُ حجًّا مبرورًا، وسعيًا مشكورًا، وذنبًا مغفورًا. رُوِيَ ذلكَ عن ابن مَسْعودٍ وابنِ عُمَرَ مِن قولِهِما، ورُوِيَ عنهُما مرفوعًا (٤).

стр. 147

وكذلكَ يُدْعى للقادِمِ مِن الحجِّ بأنْ يَجْعَلَ اللهُ حجَّهُ مبرورًا. وفي الأثرِ أن آدَمَ ﵇ لمَّا حَجَّ البيتَ وقَضى نسكَهُ؛ أتَتْهُ الملائكةُ فقالوا لهُ: يا آدَمُ! بَرَّ حجُّكَ! لقد حَجَجْنا هذا البيتَ قبلَكَ بألفي عامٍ (١). وكذلكَ [كانَ] السَّلفُ يَدْعونَ لمَن رَجَعَ مِن حجِّهِ. لمَّا حَجَّ خالِدٌ الحَذَّاءُ ورَجَعَ؛ قالَ لهُ أبو قِلابَةَ: بَرَّ العملُ! معناهُ: جَعَلَ اللهُ عملَكَ مبرورًا. • وللحجِّ المبرورِ علاماتٌ لا تَخْفى: قيلَ للحَسَنِ: الحجُّ المبرورُ جزاؤُهُ الجنَّةُ. قالَ: آيةُ ذلكَ أنْ يَرْجِعَ زاهدًا في الدُّنيا راغبًا في الآخرةِ. وقيلَ لهُ: جزاءُ الحجِّ المبرورِ المغفرةُ. قالَ: آيةُ ذلكَ أنْ يَدَعَ سيِّئَ ما كانَ عليهِ مِن العملِ. الحجُّ المبرورُ مثلُ حجِّ إبراهيمَ بن أدْهَمَ معَ رفيقِهِ الرَّجلِ الصَّالحِ الذي صَحِبَهُ مِن بَلْخَ: فرَجَعَ مِن حجِّهِ زاهدًا في الدُّنيا راغبًا في الآخرةِ، وخَرَجَ عن ملكِهِ ومالِهِ وآلِهِ وعشيرتِهِ وبلادِهِ واختارَ بلادَ الغربةِ، وقَنَعَ بالأكلِ مِن عملِ يدِهِ إمَّا مِن الحصادِ أو مِن نظارةِ البساتينِ (٢).

стр. 148

حجَّ مرَّةً مع جماعةٍ مِن أصحابِهِ، فشَرَطَ عليهِم في ابتداءِ السَّفرِ ألَّا يَتَكَلَّمَ أحدُهُم إلَّا للهِ ولا يَنْظُرَ إلَّا لهُ، فلمَّا وَصَلوا وطافوا بالبيتِ؛ رَأوا جماعةً مِن أهلِ خُراسانَ في الطَّوافِ معَهُم غلامٌ جميلٌ قد فُتِنَ النَّاسُ بالنَّظرِ إليهِ، فجَعَلَ إبْراهيمُ يُسارِقُهُ النَّظرَ ويَبْكي، فقالَ لهُ بعضُ أصحابِهِ: يا أبا إسْحاقَ! ألمْ تَقُلْ لنا لا تَنْظُروا إلَّا للهِ؟ فقالَ: ويحكَ! هذا ولدي، وهؤلاءِ خدمي وحشمي، [ثمَّ أنْشَدَ]: هَجَرْتُ الخَلْقَ طُرًّا في هَواكا … وأيْتَمْتُ العِيالَ لِكَيْ أراكا فَلَوْ قَطَّعْتَني في الحُبِّ إرْبًا … لَما حَنَّ الفُؤادُ إلى سِواكا (١) قالَ بعضُ السَّلفِ: استلامُ الحجرِ الأسودِ هوَ ألَّا تَعودَ إلى معصيةٍ. يُشيرُ إلى ما قالَهُ ابنُ عَبَّاسٍ: إنَّ الحجرَ الأسودَ يَمينُ اللهِ في الأرضِ، فمَنِ اسْتَلَمَهُ وصافَحَهُ؛ فكأنَّما صافَحَ الله وقَبَّلَ يمينَهُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: الحجرُ الأسودُ يَمينُ اللهِ في الأرضِ، فمَن لمْ يُدْرِكْ بيعةَ رسولِ اللهِ ﷺ ، فمَسَحَ الرُّكنَ؛ فقد بايَعَ الله ورسولَهُ (٢).

стр. 149

ووَرَدَ في حديثٍ أن الله لمَّا اسْتَخْرَجَ مِن ظهرِ آدَمَ ذرِّيَّتَهُ وأخَذَ عليهِمُ الميثاقَ؛ كَتَبَ ذلكَ العهدَ في رَقٍّ، ثمَّ اسْتَوْدَعَهُ هذا الحجرَ (١). فمِن ثَمَّ يَقولُ مَنِ اسْتَلَمَهُ: وفاءً بعهدِكَ (٢). فمستلِمُ الحجرِ يُبايِعُ الله على اجتنابِ معاصيهِ والقيامِ بحقوقِهِ، ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ١٠]. يا معاهدينا على التَّوبةِ! بينَنا وبينَكُم عهودٌ أكيدةٌ: أوَّلُها: يومُ ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]، والمقصودُ الأعظمُ مِن هذا العهدِ ألَّا تَعْبُدوا إلَّا إيَّاهُ، وتمامُ العملِ بمقتضاهُ أنِ اتَّقوا الله حقَّ تقواهُ. وثانيها: يومَ أرْسَلَ إليكُم رسولَهُ وأنْزَلَ عليهِ في كتابِهِ ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]. قالَ سَهْلٌ التُّسْتَرِيُّ: مَن قالَ لا إلهَ إلَّا اللهُ؛ فقد بايَعَ الله، فحرامٌ عليهِ إذا بايَعَهُ أنْ

стр. 150

يَعْصِيَهُ في شيءٍ مِن أمرِهِ في السِّرِّ والعلانيةِ أو يُوالِيَ عدوَّهُ أو يُعادِيَ وليَّهُ. يا بَني الإسْلامِ مَنْ عَلَّمَكُمْ … بَعْدَ إذْ عاهَدْتُمُ نَقْضَ العُهودِ كُلُّ شَيْءٍ في الهَوى مُسْتَحْسَنٌ … ما خَلا الغَدْرَ وَإخْلافَ الوُعودِ وثالثها: لمَن حَجَّ إذا اسْتَلَمَ الحجرَ؛ فإنَّهُ يُجَدِّدُ البيعةَ ويَلْتَزِمُ الوفاءَ بالعهدِ المتقدِّمِ. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣]. الحرُّ الكريم لا يَنْقُضُ العَهْدَ القديم. أحَسِبْتُمُ أن اللَيالِيَ غَيَّرَتْ … عَقْدَ الهَوى لا كانَ مَنْ يَتَغَيَّرُ يَفْنى الزَّمانُ وَلَيْسَ يُنْسى عَهْدُكُمْ … وعَلى مَحَبَّتِكُمْ أموتُ وأُحْشَرُ إذا دَعَتْكَ نفسُكَ إلى نقضِ عهدِ مولاكَ؛ فقُلْ لها: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [يوسف: ٢٣]. اجْتازَ بعضُهُم على منظورٍ مُشْتهى، فهَمَّتْ عينُهُ أنْ تَمْتَدَّ، فصاحَ: حَلَفْتُ بِدينِ الحُبِّ (١) لا خُنْتُ عَهْدَكُمْ … وَذلِكَ عَهْدٌ لو عَرَفْتَ وَثيقُ تابَ بعضُ مَن تَقَدَّمَ ثمَّ نَقَضَ، فهَتَفَ بهِ هاتفٌ بالليلِ يَقولُ: سَأتْرُكُ ما بَيْني وَبَيْنَكَ عامرًا (٢) … فَإنْ عُدْتَ عُدْنا وَالوِدادُ مُقيمُ تُواصِلُ قَوْمًا لا وَفاءَ لِعَهْدِهِمْ … وَتَتْرُكُ مِثْلي والحِفاظُ قَديمُ مَن تَكَرَّرَ منهُ نقضُ العهدِ لمْ يُوثَقْ بمعاهدتِهِ. دَخَلَ بعضُ السَّلفِ على مريضٍ مكروبٍ فقالَ لهُ: عاهِدِ الله على التَّوبةِ لَعَلَّهُ أنْ يَقِيلَكَ صرعتَكَ. فقالَ: كُنْتُ كلَّما مَرِضْتُ عاهَدْتُ الله على التَّوبةِ فيَقِيلُني، فلمَّا كانَ هذهِ المرَّةُ؛ ذَهَبْتُ أُعاهِدُ كما كُنْتُ أُعاهِدُ، فهَتَفَ بي هاتفٌ مِن ناحيةِ البيتِ: قد أقَلْناكَ مرارًا فوَجَدْناكَ كذَّابًا (٣). ثمَّ ماتَ عن قريبٍ.

стр. 151

لا كانَ مَنْ يَنْقُضُ العَهْدَ لا كانْ … لا يَنْقُضُ العَهْدَ إلَّا كُلُّ خَوَّانْ تَرى الحَيَّ الأُلى بانوا … عَلى العَهْدِ كَما كانوا أمِ الدَّهْرُ بِهِمْ خانا … وَدَهْرُ المَرْءِ خَوَّانُ إذا اغْتَرَّ بِغَيْرِ اللـ … ـهِ يَوْمًا مَعْشَرٌ هانوا مَن رَجَعَ مِن الحجِّ؛ فلْيُحافِظْ على ما عاهَدَ عليهِ الله عندَ استلامِ الحجرِ. حَجَّ بعضُ مَن تَقَدَّمَ فباتَ بمكَّةَ معَ قومٍ، فدَعَتْهُ نفسُهُ إلى معصيةٍ، فسَمعَ هاتفًا يَقولُ: ويلكَ! ألمْ تَحُجَّ؟ فعَصَمَهُ اللهُ مِن ذلكَ. قبيحٌ بمَن كَمَّلَ القيامَ بمباني الإسلامِ الخمسِ أنْ يَشْرَعَ في نقضِ ما بَنى بالمعاصي. في حديثٍ مرسلٍ خَرَّجَهُ ابنُ أبي الدُّنيا أن النَّبيَّ ﷺ قالَ لرجلٍ: "يا فلانُ! إنَّكَ تَبْني وتَهْدِمُ"؛ يَعْني: تَعْمَلُ الحسناتِ والسَّيِّئاتِ. فقالَ: يا رسولَ اللهِ! سوفَ أبْني ولا أهْدِمُ (١). خُذْ في جِدٍّ فَقَدْ تَوَلَّى العُمْرُ … كَمْ ذا التَّفْريطُ قَدْ تَدانى الأمْرُ أقْبِلْ فَعَسى يُقْبَلُ مِنْكَ العُذْرُ … كَمْ تَبْني كَمْ تَنْقُضُ ما ذا الغَدْرُ علامةُ قبولِ الطَّاعةِ أنْ توصَلَ بطاعةٍ بعدَها، وعلامةُ ردِّها أنْ توصَلَ بمعصيةٍ. ما أحسنَ الحسنةَ بعدَ الحسنةِ وأقبحَ السَّيِّئةَ بعدَ الحسنةِ (٢)! ذنبٌ بعدَ التَّوبةِ أقبحُ مِن سبعينَ قبلَها (٣). النَّكسةُ أصعبُ مِن المرضِ الأوَّلِ. ما أوْحَشَ ذلَّ المعصيةِ بعدَ عزِّ الطَّاعةِ!

стр. 152

ارْحَموا عزيزَ قومٍ بالمعاصي ذَلَّ (١) وغنيَّ قومٍ بالذُّنوبِ افْتَقَرَ. سَلوا الله الثَّباتَ إلى المماتِ، وتَعَوَّذوا مِن الحَوْرِ بعدَ الكَوْرِ. كانَ الإمامُ أحْمَدُ يَدْعو ويَقولُ: اللهمَّ! أعِزَّني بطاعتِكَ ولا تُذِلَّني بمعصيتِكَ. وكانَ عامَّةُ دعاءِ إبْراهيمَ بن أدْهَمَ: اللهمَّ! انْقُلْني مِن ذلِّ المعصيةِ إلى عزِّ الطَّاعةِ. وفي بعضِ الآثارِ الإلهيَّةِ (٢): يَقولُ اللهُ تَعالى: أنا العزيزُ، فمَن أرادَ العزَّ؛ فلْيُطعِ العزيزَ. ألا إنَّما التَّقوى هِيَ العِزُّ وَالكَرَمْ … وَحُبُّكَ لِلدُّنْيا هُوَ الذُلُّ وَالسَّقَمْ وَلَيْسَ عَلى عَبْدٍ تَقِيٍّ نَقيصَةٌ … إذا حَقَّقَ التَّقْوى وَإنْ حاكَ أوْ حَجَمْ • الحاجُّ إذا كانَ حجُّهُ مبرورًا؛ غُفِرَ لهُ ولمَنِ اسْتَغْفَرَ لهُ وشُفِّعَ فيمَن شُفِّعَ فيهِ. وقد رُوِىَ أن الله تَعالى يَقولُ لهُم يومَ عرفةَ: "أفيضوا مغفورًا لكُم ولمَن شَفَعْتُمْ فيهِ" (٣).

стр. 153

ورَوى الإمامُ أحْمَدُ بإسنادِهِ عن أبي موسى الأشْعَرِيِّ؛ قالَ: إنَّ الحاجَّ لَيَشْفَعُ في أربعِ مئةِ بيتٍ مِن قومِهِ، ويُبارَكُ في أربعينَ مِن أُمَّهاتِ البعيرِ الذي يَحْمِلُهُ، ويَخْرُجُ مِن خطاياهُ كيومَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ (١). فإذا رَجَعَ مِن الحجِّ المبرورِ؛ رَجَعَ وذنبُهُ مغفورٌ ودعاؤُهُ مستجابٌ. فلذلكَ يُسْتَحَبُّ تلقِّيهِ والسَّلامُ عليهِ وطلبُ الاستغفارِ منهُ. وتلقِّي الحاجِّ مسنونٌ. وفي "صحيح مسلم" (٢): عن عَبْدِ اللهِ بن جَعْفَرٍ؛ قالَ: كانَ النَّبيُّ ﷺ إذا قَدِمَ مِن سَفَرٍ، تُلُقِّيَ بصبيانِ أهلِ بيتِهِ، وإنَّهُ ﷺ قَدِمَ مِن سفرٍ، فسُبِقَ بي إليهِ، فحَمَلَني بينَ يديهِ ثمَّ جيءَ بأحدِ ابْنَي فاطِمَةَ، فأرْدَفَهُ خلفَهُ، فأُدْخِلْنا المدينةَ ثلاثةً على دابَّةٍ. وقد وَرَدَ النَّهيُ عن ركوبِ ثلاثةٍ على دابّةٍ في حديثٍ مرسلٍ (٣)، فإنْ صَحَّ؛ حُمِلَ

стр. 154

على ركوبِ ثلاثةِ رجالٍ؛ فإنَّ الدَّابَّةَ يَشُقُّ عليها حملُهُم بخلافِ رجلٍ وصغيرينِ (١). وفي "المسند" و"صحيح الحاكم" (٢): عن عائِشَةَ؛ قالَتْ: أقْبَلْنا مِن مَكَّةَ في حجٍّ أو عمرةٍ، فتَلَقَّانا غلمانٌ مِن الأنصارِ كانوا يَتَلَقَّوْنَ أهاليَهُم إذا قَدِموا (٣).

стр. 155

وكذلكَ السَّلامُ على الحاجِّ إذا قَدِمَ ومصافحتُهُ وطلبُ الدُّعاءِ منهُ. وفي "المسند" بإسنادٍ فيهِ ضعفٌ: عن ابن عُمَرَ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "إذا لَقِيتَ الحاجَّ؛ فسَلِّمْ عليهِ وصافِحْهُ ومُرْهُ أنْ يَسْتَغْفِرَ لكَ قبلَ أنْ يَدْخُلَ بيتَهُ؛ فإنَّهُ مغفورٌ لهُ" (١). وفيهِ أيضًا: عن حَبيبِ بن أبي ثابِتٍ، قالَ: خَرَجْتُ معَ أبي نَتَلَقَّى الحاجَّ ونُسَلِّمُ عليهِم قبلَ أنْ يَتَدَنَّسوا. ورَوى مُعاذُ بنُ الحَكَمِ؛ قالَ: حَدَّثَنا موسى بنُ أعْيَنَ، عن الحَسَنِ؛ قالَ: إذا خَرَجَ الحاجُّ، فشَيِّعوهُمْ وزَوِّدوهُمُ الدُّعاءَ، وإذا قَفَلوا؛ فالْتَقوهُمْ وصافِحوهُمْ قبلَ أنْ يُخالِطوا الذُّنوبَ؛ فإنَّ البركةَ في أيديهِم. ورَوى أبو الشَّيخِ الأصْبَهانِيُّ وغيرُهُ مِن روايةِ: ليثٍ، عن مُجاهِدٍ؛ قالَ: قالَ عُمَرُ: يُغْفَرُ للحاجِّ ولمَنِ اسْتَغْفَرَ لهُ الحاجُّ بقيَّةَ ذي الحِجَّةِ ومحرَّمٍ وصَفَرَ وعشرٍ مِن ربيعٍ الأوَّلِ (٢). وفي "مسند البزَّار" و"صحيح الحاكم" مِن حديثِ أبي هُرَيْرَةَ مرفوعًا: "اللهمَّ! اغْفِرْ للحاجِّ، ولمَنِ اسْتَغْفَرَ لهُ الحاجُّ" (٣).

стр. 156

ورَوى: أبو مُعاوِيَةَ الضَّريرُ، عن حَجَّاجٍ، عن الحَكَمِ؛ قالَ: قالَ ابنُ عَبَّاسٍ: لوْ يَعْلَمُ المقيمونَ ما للحاجِّ عليهِم مِن الحقِّ؛ لأتَوْهُمْ حينَ يَقْدَمونَ حتَّى يُقَبِّلوا رواحلَهُم؛ لأنَّهُم وفدُ اللهِ في جميعِ النَّاسِ. ما للمنقطعِ حيلةٌ سوى التَّعلُّقِ بأذيالِ الواصلينَ. هَلِ الدَّهْرُ يَوْمًا بِوَصْلٍ يَجودُ … وَأيَّامُنا بِاللِوى هَلْ تَعودُ زَمانٌ تَقَضَّى وَعَيْشٌ مَضى … بِنَفْسِيَ وَاللهِ تِلْكَ العُهودُ ألا قُلْ لِزُوَّارِ دارِ الحَبيبِ … هَنيئًا لَكُمْ في الجِنانِ الخُلودُ أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ فَيْضًا … فَنَحْنُ عِطاشٌ وَأنْتُمْ وُرودُ أحبُّ ما إلى المحبِّ سؤالُ مَن قَدِمَ مِن ديارِ الحبيبِ. عارِضا بي رَكْبَ الحِجازِ أُسائِلْـ … ـهُ مَتى عَهْدُهُ بِأيَّامِ سَلْعِ وَاسْتَمِلَّا حَديثَ مَنْ سَكَنَ الخَيْـ … ـفَ وَلا تَكْتُباهُ إلَّا بِدَمْعي فاتَني أنْ أرى الدِّيارَ بِطَرْفي … فَلَعَلِّي أرى الدِّيارَ بِسَمْعي (١) مَنْ يُعيدُ أيَّامَ جَمْعٍ عَلى ما … كانَ مِنْها وَأيْنَ أيَّامُ جَمْعي لقاءُ الأحبابِ لقاحُ الألبابِ، وأخيارُ تلكَ الدِّيارِ أحلى عندَ المحبِّينَ مِن الأسمارِ إذا قَدِمَ الرَّكْبُ يَمَّمْتُهُمْ … أُحَيِّي الوُجوهَ قُدومًا ووِرْدًا وأسْألُهُمْ عَنْ عَقيقِ الحِمى … وَعَنْ أرْضِ نَجْدٍ وَمَنْ حَلَّ نَجْدا حَدِّثوني عَنِ العَقيقِ حَديثًا … أنْتُمُ بِالعَقيقِ أقْرَبُ عَهْدا (٢)

стр. 157

ألا هَلْ سَمِعْتُمْ ضَجيجِ الحجيجِ … عَلى ساحَةِ الخَيْفِ وَالعِيسُ تُحْدى فَذِكْرُ المَشْاعِرِ وَالمَرْوَتَيْنِ … وَذِكْرُ الصَّفا يَطْرُدُ الهَمَّ طَرْدا أرواحُ القبولِ تَفوحُ مِن المقبولينَ، وأنوارُ الوصولِ تَلوحُ على الواصلينَ. تَفوحُ أرواحُ نَجْدٍ مِنْ ثِيابِهِمُ … عِنْدَ القُدومِ لِقُرْبِ العَهْدِ بِالدَّارِ أهْفو إلى الرَّكْبِ تَعْلو لي ركائِبُهُمْ … مِنَ الحِمى في أُسَيْحاقٍ وَأطْمارِ (١) يا راكِبْانِ قِفا لي وَاقْضِيا وَطَري … وَحَدِّثانيَ عَنْ نَجْدٍ بِأخْبارِ ما يُؤَهَّلُ للإكثارِ مِن التَّردُّدِ إلى تلكَ الآثار إلَّا محبوبٌ مختار. • حَجَّ [عَلِيُّ] بنُ المُوَفَّقِ ستِّينَ حَجَّةً. قالَ: فلمَّا كانَ بعدَ ذلكَ؛ جَلَسْتُ في الحجرِ أُفَكِّرُ في حالي وكثرةِ تَردادي إلى ذلكَ المكانِ ولا أدْري هلْ قُبِلَ منِّي حجِّي أم رُدَّ، ثمَّ نِمْتُ فرَأيْتُ في منامي قائلًا يَقولُ لي: هلْ تَدْعو إلى بيتِكَ إلَّا مَن تُحِبُّ؟ قالَ: فاسْتَيْقَظْتُ وقدْ سُرِّيَ عنِّي. ما كلُّ مَن حَجَّ قُبِل، ولا كلُ مَن صَلَّى وُصِل. قيلَ لابنِ عُمَرَ: ما أكثرَ الحاجَّ! قالَ: ما أقلَّهُم! وقالَ: الرَّكبُ كثيرٌ، والحاجُّ قليلٌ. حجَّ بعضُ المتقدِّمينَ، فتُوُفِّيَ في الطَّريقِ في رجوعِهِ، فدَفَنَهُ أصحابُهُ ونَسُوا الفأْسَ في قبرِهِ، فُنَبشوهُ لِيَأْخُذوا الفأْسَ، فإذا عنقُهُ ويداهُ قد جُمِعَتْ في حَلْقَةِ الفأْسِ، فرَدُّوا عليهِ التُّرابَ، ثمَّ رَجَعوا إلى أهلِهِ، فسَألوهُم عن حالِهِ، فقالوا: صَحِبَ رجلًا، فأخَذَ مالَهُ، فكانَ يَحُجُّ منهُ. إذا حَجَجْتَ بِمالٍ أصْلُهُ سُحْتٌ … فَما حَجَجْتَ وَلكِنْ حَجَّتِ العيرُ لا يَقْبَلُ اللهُ إلَّا كُلَّ صالِحَةٍ … ما كُلُّ مَنْ حَجَّ بَيْتَ اللهِ مَبْرورُ مَن حجُّهُ مبرورٌ قليلٌ، ولكنْ قدْ يوهَبُ المسيءُ للمحسنِ. وقد رُوِيَ أن الله تَعالى يَقولُ عشيَّةَ عَرَفَةَ: قد وَهَبْتُ مسيئَكُمْ لمحسنِكُمْ (٢).

стр. 158

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 159

حَجَّ بعضُ المتقدِّمينَ، فنامَ ليلةً، فرَأى ملَكينِ نَزَلا مِن السَّماءِ، فقالَ أحدُهُما للآخرِ: كم حَجَّ العامَ؟ قالَ: ستُّ مئةِ ألفٍ. قالَ لهُ: كم قُبِلَ منهُم؟ قالَ: ستَّةٌ. قالَ: فاسْتَيْقَظَ الرَّجلُ وهوَ قلقٌ ممَّا رَأى. فرَأى في الليلةِ الثَّانيةِ كأنَّهُما نَزَلا وأعادا القولَ، وقالَ أحدُهُما: إنَّ الله وَهَبَ لكلِّ واحدٍ مِن السِّتَّةِ مئةَ ألفٍ. كانَ يعضُ السَّلفِ يَقولُ في دعائِهِ: اللهمَّ! إنْ لمْ تَقْبَلْني؛ فهَبْني لمَن شِئْتَ مِن خلقِكَ. مَن رُدَّ عليهِ عملُهُ ولمْ يُقْبَلْ منهُ؛ فقد يُعَوَّضُ ما يُعَوَّضُ المصابُ فيُرْحَمُ بذلكَ. قالَ بعضُ السَّلفِ في دعائِهِ بعَرَفَةَ: اللهمَّ! إنْ كُنْتَ لمْ تَقْبَلْ حجِّي وتعبي ونصبي؛

стр. 160

فلا تَحْرِمْني أجرَ المصيبةِ على تركِكَ القبولَ منِّي. وقالَ آخرُ منهُم: اللهمَّ! ارْحَمْني؛ فإنَّ رحمتَكَ قريبٌ مِن المحسنينَ، فإنْ لمْ أكُنْ محسنًا؛ فقدْ قُلْتَ: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣]، فإنْ لمْ أكُنْ كذلكَ؛ فأنا شيءٌ، وقد قُلْتَ: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦]، فإنْ لمْ أكُنْ شيئًا؛ فأنا مصابٌ بردِّ عملي وتعبي ونصبي؛ فلا تَحْرِمْني ما وَعَدْتَ المصابَ مِن الرَّحمةِ (١). قالَ هِلالُ بنُ يِسافٍ: بَلَغَني أن المسلمَ إذا دَعا الله فلمْ يُسْتَجِبْ لهُ؛ كُتِبَ لهُ حسنةٌ. خَرَّجَهُ ابنُ أبي شَيْبَةَ؛ يَعْني: جزاءً لمصيبةِ ردِّهِ (٢). وَمَنْ كانَ في سُخْطِهِ مُحْسِنًا … فَكَيْفَ يَكونُ إذا ما رَضِي • قدومُ الحاجِّ يُذَكِّرُ بالقدومِ على اللهِ : قَدِمَ مسافرٌ فيما مَضى على أهلِهِ، فسُرُّوا بهِ، وهناكَ امرأةٌ مِن الصَّالحاتِ، فبَكَتْ وقالَتْ: أذْكَرَني هذا بقدومِهِ القدومَ على اللهِ ، فمِن مسرورٍ ومبثورٍ. قالَ بعضُ الملوكِ لأبي حازِمٍ: كيفَ القدومُ على اللهِ؟ فقالَ أبو حازِمٍ: أمَّا قدومُ الطَّائعِ على اللهِ تَعالى؛ فكقدومِ الغائبِ على أهلِهِ المشتاقينَ إليهِ، وأمَّا قدومُ العاصي؛ فكقدومِ الآبقِ على سيِّدِهِ الغضبانِ. لَعَلَّكَ غَضْبانٌ وَقَلْبِيَ غافِلٌ … سَلامٌ عَلى الدَّارَيْنِ إنْ كنْتَ راضِيا في بعضِ الآثارِ الإسرائيليَّةِ: يَقولُ اللهُ : ألا طالَ شوقُ الأبرارِ إليَّ، وأنا إلى لقائِهِم أشدُّ شوقًا. كم بينَ الذينَ ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] وبينَ الذينَ ﴿يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣].

стр. 161

قالَ عَلِيٌّ ﵁: تَتَلَقَّاهُمُ الملائكةُ على أبوابِ الجنَّةِ ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]، ويَلْقى كلُّ غلمانٍ صاحبَهُم يُطيفونَ بهِ فعلَ الولدانِ بالِحميمِ جاءَ مِن الغَيْبَةِ: أبْشِرْ؛ قدْ أعَدَّ اللهُ لكَ مِن الكرامةِ كذا وكذا، ويَنْطَلِقُ غلامٌ مِن غلمانِهِ إلى أزواجِهِ مِن الحورِ العينِ، فيَقولُ: هذا فلانٌ (باسمِهِ في الدُّنيا)، فيَقُلْنَ: أنتَ رَأيْتَهُ؟ فيَقولُ: نعم. فيَسْتَخِفُّهُنَّ الفرحُ حتَّى يَخْرُجْنَ إلى أُسكفَّةِ البابِ (١). قالَ أبو سُلَيْمانَ الدَّارانِيُّ: تَبْعَثُ الحَوْراءُ مِن الحورِ الوصيفَ مِن وصائفِها، فتَقولُ: وَيْحَكَ! انْظُرْ ما فُعِلَ بوليِّ اللهِ، فتَسْتَبْطِئُهُ، فتَبْعَثُ وصيفًا آخرَ، فيَأْتي الأوَّلُ فيَقولُ: تَرَكْتُهُ عندَ الميزانِ، فيَأْتي الثَّاني فيَقولُ: تَرَكْتُهُ عندَ الصِّراطِ، ويَأْتي الثَّالثُ فيَقولُ: قدْ دَخَلَ بابَ الجنَّةِ، فيَسْتَخِفُّها الفرحُ، فتَقِفُ على بابِ الجنَّةِ، فإذا أتاها اعْتَنَقَتْهُ، فيَدْخُلُ خياشيمَهُ مِن ريحِها ما لا يَخْرُجُ أبدًا. قَدْ أُزْلِفَتْ جَنَّةُ النَّعيمِ فَيا … طوبى لِقَوْمٍ بِرَبْعِها نَزَلوا أكْوابُهُمْ عَسْجَدٌ يُطافُ بِها … وَالخَمْرُ والسَّلْسَبيلُ وَالعَسَلُ وَالحُورُ تَلْقاهُمْ وَقَدْ كُشِفَتْ … عَنِ الوُجوهِ بِها الأسْتارُ وَالكِلَلُ * * *

стр. 162

وظائف شهر صفر في الصَّحيحينِ (١): عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "لا عدوى ولا هامةَ ولا صَفَرَ". فقالَ أعرابيٌّ: يا رسولَ اللهِ! فما بالُ الإبلِ تَكونُ في الرَّملِ كأنَّها الظِّباءُ فيُخالِطُها البعيرُ الأجربُ فيُجْرِبُها؟ فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "فمَن أعْدى الأوَّلَ؟ ". • أمَّا العدوى؛ فمعناها أن المرضَ يَتَعَدَّى مِن صاحبِهِ إلى مَن يُقارِبُهُ مِن الأصحَّاءِ فيَمْرَضُ بذلكَ. وكانَتِ العربُ تَعْتَقِدُ ذلكَ في أمراضٍ كثيرةٍ منها الجربُ، ولذلكَ سَألَ الأعرابيُّ عن الإبلِ الصَّحيحةِ يُخالِطُها البعيرُ الأجربُ فتَجْرَبُ، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : "فمَن أعْدى الأوَّلَ؟ "، ومرادُهُ أن الأوَّلَ لمْ يَجْرَبْ بالعدوى بل بقضاءِ اللهِ وقدرِهِ فكذلكَ الثَّاني وما بعدَهُ (٢). * وقد وَرَدَتْ أحاديثُ أشْكَلَ على كثيرٍ مِن النَّاسِ فهمُها حتَّى ظَنَّ بعضُهُم أنَّها ناسخةٌ لقولِهِ: "لا عدوى": مثلُ ما في الصَّحيحينِ (٣): عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "لا يُورِدُ ممرِضٌ على مصحٍّ". والممرِضُ: صاحبُ الإبلِ المريضةِ، والمُصِحُّ: صاحبُ الإبلِ الصَّحيحةِ. والمرادُ النَّهيُ عن إيرادِ الإبلِ المريضةِ على الصَّحيحةِ. ومثلُ قولِهِ ﷺ : "فِرَّ مِن المجذومِ فرارَكَ مِن الأسدِ" (٤).

стр. 163

وقولِهِ ﷺ في الطَّاعونِ: "إذا سَمِعْتُمْ بهِ بأرضٍ؛ فَلا تَدْخُلوها" (١). ودخولُ النَّسخِ في هذا كما تَخَيَّلَهُ بعضُهُم لا معنى لهُ؛ فإنَّ قولَهُ "لا عدوى" خبرٌ محضٌ لا يُمْكِنُ نسخُهُ؛ إلَّا أنْ يُقالَ: هوَ نهيٌ عن اعتقادِ العدوى لا نفيٌ لها. ولكنْ يُمْكِنُ أنْ يَكونَ ناسخًا للنَّهيِ في هذهِ الأحاديثِ الثَّلاثةِ وما في معناها (٢). والصَّحيحُ الذي عليه جمهورُ العلماءِ أنَّهُ لا نسخَ في ذلكَ، ولكنِ اخْتَلَفوا في معنى قولِهِ "لا عدوى"، وأظْهَرُ ما قيلَ في ذلكَ أنَّهُ نفيٌ لِما كانَ يَعْتَقِدُهُ أهلُ الجاهليَّةِ مِن أن هذهِ الأمراضَ تُعْدي بطبعِها مِن غيرِ اعتقادِ تقديرِ اللهِ لذلكَ، ويَدُلُّ على هذا قولُهُ "فمَن أعْدى والأوَّلَ"؛ يُشيرُ إلى أن الأوَّلَ إنَّما جَرِبَ بقضاءِ اللهِ وقدرِهِ فكذلكَ الثَّاني وما بعدَهُ (٣).

стр. 164

وخَرَّجَ الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ مِن حديثِ: ابن مَسْعودٍ؛ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "لا يُعْدي شيءٌ شيئًا (قالَها ثلاثًا) ". فقالَ أعرابيٌّ: يا رسولُ اللهِ! النُّقْيَةُ مِن الجربِ تَكونُ بمشفرِ البعيرِ أو بذنبِهِ في الإبلِ العظيمةِ، فتَجْرَبُ كلُّها. فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "فما أجْرَبَ الأوَّلَ؟ لا عدوى ولا هامَةَ ولا صَفَرَ، خَلَقَ اللهُ كلَّ نفسٍ وكَتَبَ حياتَها ومصابَها ورزقَها" (١). فأخْبَرَ أن ذلكَ كلَّهُ بقضاءِ اللهِ وقدرِهِ كما دَلَّ عليهِ قولُهُ تَعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾

стр. 165

[الحديد: ٢٢]. فأمَّا نهيُهُ ﷺ عن إيرادِ الممرِضِ على المصِحِّ، وأمرُهُ بالفرارِ مِن المجذومِ، ونهيُهُ عن الدُّخولِ إلى موضعِ الطَّاعونِ؛ فإنَّهُ مِن بابِ اجتنابِ الأسبابِ التي خَلَقَها اللهُ وجَعَلَها أسبابًا للهلاكِ أوِ الأذى. والعبدُ مأْمورٌ باتِّقاءِ أسبابِ البلاءِ إذا كانَ في عافيةٍ منها، فكما أنَّهُ يُؤْمَرُ أنْ لا يُلْقِيَ نفسَهُ في الماءِ أو في النَّارِ أو يَدْخُلَ تحتَ الهدمِ ونحوِهِ ممَّا جَرَتِ العادةُ (١) بأنَّهُ يُهْلِكُ أو يُؤْذي؛ فكذلكَ اجتنابُ مقاربةِ المريضِ كالمجذومِ أوِ القدومِ على بلدِ الطَّاعونِ؛ فإنَّ هذهِ كلَّها أسبابٌ للمرضِ والتَّلفِ (٢)؛ واللهُ تَعالى هوَ خالقُ الأسبابِ ومسبَّباتِها، لا خالقَ غيرُهُ ولا مقدِّرَ غيرُهُ. * وقد رُوِيَ في حديثٍ مرسَلٍ خَرَّجَهُ أبو داوودَ في "مراسيلِهِ" (٣): أنَّ النَّبيَّ ﷺ مَرَّ بحائطٍ مائلٍ فأسْرَعَ وقالَ: "أخافُ موتَ الفَواتِ" (٤). ورُوِيَ متَّصلًا، والمرسلُ أصحُّ.

стр. 166

وهذهِ الأسبابُ التي جَعَلَها اللهُ أسبابًا يَخْلُقُ المسبَّباتِ بها، كما دَلَّ عليهِ قولُهُ تَعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف: ٥٧]. وقالَتْ طائفةٌ: إنَّهُ يَخْلُقُ المسبَّباتِ عندَها لا بِها (١)! وأمَّا إذا قَوِيَ التَّوكُّلُ على اللهِ والإيمانُ بقضائِهِ وقدرِهِ [فـ]ـقَوِيَتِ النَّفسُ على مباشرةِ بعضِ هذهِ الأسبابِ اعتمادًا على اللهِ ورجاءً منهُ ألَّا يَحْصُلَ بهِ ضررٌ؛ ففي هذهِ الحالِ تَجوزُ مباشرةُ ذلكَ، لا سيَّما إذا كانَ فيهِ مصلحةٌ عامَّةٌ أو خاصَّةٌ (٢). وعلى مثلِ هذا يُحْمَلُ الحديثُ الذي خَرَّجَهُ أبو داوودَ والتِّرْمِذِيُّ؛ أن النَّبيَّ ﷺ أخَذَ بيدِ مجذومٍ، فأدْخَلَها معَهُ في القصعةِ، ثمَّ قالَ: "كُلْ باسمِ اللهِ؛ ثقةً باللهِ وتوكُّلًا عليهِ" (٣). وقد أخَذَ بهِ الإمامُ أحْمَدُ.

стр. 167

وقد رُوِيَ نحوُ ذلكَ عن عُمَرَ وابنِهِ عَبْدِ اللهِ وسَلْمانَ ﵃ (١). ونظيرُ ذلكَ ما رُوِيَ عن خالِدِ بن الوَليدِ ﵁ مِن أكلِ السُّمِّ. ومنهُ مشيُ سَعْدِ بن أبي وَقَّاصٍ وأبي مُسْلِمٍ الخَوْلانِيِّ بالجيوشِ على متنِ البحرِ. ومنهُ أمرُ عُمَرَ ﵁ لتَميمَ حيثُ خَرَجَتِ النَّارُ مِن الحَرَّةِ أنْ يَرُدَّها فدَخَلَ إليها في الغارِ التي خَرَجَتْ منهُ (٢). فهذا كلُّهُ لا يَصْلُحُ إلَّا لخواصَّ مِن النَّاسِ قَوِيَ إيمانُهُم باللهِ وقضائِهِ وقدرِهِ وتوكُّلُهُم عليهِ وثقتُهُم بهِ. ونظيرُ ذلكَ دخولُ المفاوزِ بغيرِ زادٍ؛ فإنَّهُ يَجوزُ لمَن قَوِيَ يقينُهُ وتوكُّلُهُ خاصَّةً (٣). وقد نَصَّ عليهِ الإمامُ أحْمَدُ وإسْحاقُ وغيرُهُما مِن الأئمَّةِ. وكذلكَ تركُ التَّكسُّبِ (٤) والتَّطبُّبِ. كلُّ ذلكَ يَجوزُ عندَ الإمامِ أحْمَدَ لمَن قَوِيَ توكُّلُهُ (٥)؛ فإنَّ التَّوكُّلَ أعظمُ

стр. 168

الأسبابِ التي تُسْتَجْلَبُ بها المنافعُ ويُسْتَدْفَعُ بها المضارُّ، كما قالَ الفُضَيْلُ: لو عَلِمَ اللهُ منكَ إخراجَ المخلوقينَ مِن قلبِكَ؛ لأعْطاكَ كلَّ ما تُريدُ. وبذلكَ فَسَّرَ الإمامُ أحْمَدُ التَّوكُّلَ، فقالَ: هوَ قطعُ الاستشرافِ باليأْسِ مِن المخلوقينَ. قيلَ لهُ: فما الحجَّةُ فيهِ؟ قالَ: قولُ إبْراهيمَ لمَّا أُلْقِيَ في النَّارِ، فعَرَضَ لهُ جبريلُ ﵇، فقالَ: ألكَ حاجةٌ؟ قالَ: أمَّا إليكَ؛ فلا (١). فلا يُشْرَعُ تركُ الأسبابِ الظَّاهرةِ إلَّا لمَن تَعَرَّضَ عنها بالسَّببِ الباطنِ، وهوَ تحقيقُ التَّوكُّلِ عليهِ (٢)؛ فإنَّهُ أقوى مِن الأسبابِ الظَّاهرةِ لأهلِهِ وأنفعُ منها. فالتَّوكُّلُ علمٌ وعملٌ؛ فالعلمُ معرفةُ القلبِ بتوحيدِ اللهِ بالنَّفعِ والضُّرِّ، وعامَّةُ المؤمنينَ تَعْلَمُ ذلكَ (٣). والعملُ هوَ ثقةُ القلبِ باللهِ وفراغُهُ مِن كلِّ ما سواهُ، وهذا عزيزٌ، ويَخْتَصُّ بهِ خواصُّ المؤمنينَ. * والأسبابُ نوعانِ: أحدُهُما: أسبابُ الخيرِ. فالمشروعُ أنَّهُ يَفْرَحُ بها ويَسْتَبْشِرُ ولا يَسْكُنُ إليها بل إلى خالقِها ومسبِّبِها، وذلكَ هوَ تحقيقُ التَّوكُّلِ على اللهِ والإيمانِ بهِ، كما قالَ تَعالى في الإمدادِ بالملائكةِ: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ١٠]. ومِن هذا البابِ الاستبشارُ بالفأْلِ، وهوَ الكلمةُ الصَّالحةُ يَسْمَعُها طالبُ الحاجةِ. وأكثرُ النَّاسِ يَرْكَنُ بقلبِهِ إلى الأسبابِ ويَنْسى المسبِّبَ لها، وقَلَّ مَن فَعَلَ ذلكَ إلَّا

стр. 169

وُكِلَ إليها وخُذِلَ؛ فإنَّ جميعَ النِّعمِ مِن اللهِ وفضلِهِ: كما قالَ تَعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٩]، وقالَ تَعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] لا نِلْتُ خَيْرًا ما بَقِيْـ … ـتُ وَلا عَداني الدَّهْرَ شَرُّ إنْ كُنْتُ أعْلَمُ أن غَيْـ … ـرَ اللهِ يَنْفَعُ أوْ يَضُرُّ ولا تُضافُ النِّعمُ إلى الأسبابِ، بل إلى مسبِّبِها ومقدِّرِها: كما في الحديث الصَّحيحِ عن النَّبيِّ ﷺ ؛ أنَّهُ صَلَّى بهِمُ الصُّبحَ في إثرِ سماءٍ، ثمَّ قالَ "أتَدْرونَ ما قالَ ربُّكُمُ الليلةَ؟ ". قالوا: اللهُ ورسولُهُ أعلمُ. قالَ: "أصْبَحَ مِن عبادي مؤمنٌ [بي] وكافرٌ؛ فأمَّا المؤمنُ؛ فقالَ: مُطِرْنا بفضلِ اللهِ ورحمتِهِ، فذلكَ مؤمنٌ بي كافرٌ بالكوكبِ، وأمَّا الكافرُ؛ فقالَ: مُطِرْنا بنوءِ كذا وكذا، فذلكَ كافرٌ بي مؤمنٌ بالكوكبِ" (١). وفي "صحيح مسلم" عن أبي هُرَيْرَةَ عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "لا عدوى، ولا هامةَ، ولا نَوْءَ، ولا صَفَرَ" (٢). وهذا ممَّا يَدُلُّ على أن المرادَ نفيُ تأْثيرِ هذهِ الأسبابِ بنفسِها مِن غيرِ اعتقادِ أنَّها بتقديرِ اللهِ وقضائِهِ، فمَن أضافَ شيئًا مِن النِّعمِ إلى غيرِ اللهِ معَ اعتقادِهِ أنَّهُ ليسَ مِن اللهِ؛ فهوَ مشركٌ حقيقةً، ومعَ اعتقادِ أنَّهُ مِن اللهِ؛ فهوَ نوعُ شركٍ خفيٍّ. والنَّوع الثَّاني: أسبابُ الشَّرِّ. فلا تُضافُ إلَّا إلى الذُّنوبِ؛ لأنَّ جميعَ المصائبِ إنَّما هيَ بسببِ الذُّنوبِ، كما قالَ تَعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩]، وقالَ تَعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]. فلا تُضافُ إلى شيءٍ من الأسبابِ سوى الذُّنوبِ كالعدوى أو غيرِها (٣).

стр. 170

والمشروعُ اجتنابُ ما ظَهَرَ منها واتِّقاؤُهُ بقدرِ ما وَرَدَتْ بهِ الشَّريعةُ (١)، مثلُ اتِّقاءِ المجذومِ والمريضِ والقدومِ على مكانِ الطَّاعونِ. وأمَّا ما خَفِيَ مِنها (٢)؛ فلا يُشْرَعُ اتِّقاؤُهُ واجتنابُهُ؛ فإنَّ ذلكَ من الطِّيَرَةِ المنهيِّ عنها، والطِّيَرَةُ مِن أعمالِ أهلِ الشِّركِ والكفرِ، وقد حَكاها اللهُ في كتابِهِ عن قومِ فِرْعَوْنَ وقومِ صالِح وأصحابِ القريةِ التي جاءَها المرسلونَ. وقد ثَبَتَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: "لا طِيَرَةَ" (٣). وفي حديثٍ: "مَن رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ فقد قارَفَ الشِّركَ" (٤). وفي حديثِ ابن مَسْعودٍ المرفوعِ: "الطِّيَرَةُ مِن الشِّركِ، وما منَّا إلَّا (٥)؛ ولكنَّ الله يُذْهِبُهُ بالتَّوكُّلِ" (٦).

стр. 171

• والبحثُ عن أسبابِ الشَّرِّ مِن النَّظرِ في النُّجومِ ونحوِها هوَ مِن الطِّيَرَةِ المنهيِّ عنها (١)، والباحثونَ عن ذلكَ غالبًا لا يَشْتَغِلونَ بما يَدْفَعُ البلاءَ مِن الطَّاعاتِ، بل يَأْمُرونَ يلزومِ المنزلِ وتركِ الحركةِ، وهذا لا يَمْنَعُ نفوذَ القضاءِ والقدرِ. ومنهُم مَن يَشْتَغِلُ بالمعاصي، وهذا ممَّا يُقَوِّي وقوعَ البلاءِ ونفوذَهُ. والذي جاءَتْ بهِ الشَّريعةُ هوَ تركُ البحثِ عن ذلكَ والإعراضُ عنهُ والاشتغالُ بما يَدْفَعُ البلاءَ مِن الدُّعاءِ والذِّكرِ والصَّدقةِ وتحقيقِ التَّوكُّلِ على اللهِ والإيمانِ بقضائِهِ وقدرِهِ. وفي "مسند ابن وهب"؛ أن عَبْدَ اللهِ بنَ عَمْرِو بن العاصِ الْتَقى هوَ وكَعْبٌ، فقالَ عَبْدُ اللهِ لكَعْبٍ: علمُ النُّجومِ؟ فقالَ كَعْبٌ: لا خيرَ فيهِ. قالَ عَبْدُ اللهِ: لِمَ؟ قالَ: تَرى فيها ما تَكْرَهُ (يُريدُ الطِّيَرَةَ) (٢). فقالَ كَعْبٌ: فإنْ مَضى، وقالَ: اللهمَّ! لا طيرَ إلَّا طيرُكَ، ولا خيرَ إلَّا خيرُكَ، ولا ربَّ غيرُكَ. فقالَ عَبْدُ اللهِ: ولا حولَ ولا قوَّةَ إلَّا بكَ. فقالَ كَعْبٌ: جاء بها عَبْدُ اللهِ، والذي نفسي بيدِهِ؛ إنَّها لرأْسُ التَّوكُّلِ وكنزُ العبدِ في الجنَّةِ، ولا يَقولُهُنَّ عبدٌ عندَ ذلكَ ثمَّ يَمْضي إلَّا لمْ يَضُرَّهُ شيءٌ. قالَ عَبْدُ اللهِ: أرَأيْتَ إنْ لمْ يَمْضِ وقَعَدَ؟ قالَ: طَعِمَ قلبُهُ طعمَ الإشراكِ.

стр. 172

وفي "مراسيل أبي داوودَ": أن النَّبيَّ ﷺ قالَ: "ليسَ عبدٌ إلَّا سَيَدْخُلُ قلبَهُ طِيَرَةٌ، فإذا أحَسَّ بذلكَ؛ فلْيَقُلْ: أنا عَبْدُ اللهِ، ما شاءَ اللهُ، لا قوَّةَ إلَّا باللهِ، لا يَأْتي بالحسناتِ إلَّا اللهُ، ولا يَذْهَبُ بالسَّيِّئاتِ إلَّا اللهُ، أشْهَدُ أن الله على كلِّ شيءٍ قديرٌ. ثمَّ يَمْضي لوجهِهِ" (١). وفي "مسند الإمام أحْمَدَ": عن عَبْدِ اللهِ بن عَمْرٍو مرفوعًا: "مَن رَجَعَتْهُ الطِّيَرَةُ مِن حاجتِهِ؛ فقدْ أشْرَكَ. وكفَّارةُ ذلكَ أنْ يَقولَ أحدُهُم: اللهمَّ! لا طيرَ إلَّا طيرُكَ، ولا خيرَ إلَّا خيرُكَ، ولا إلهَ غيرُكَ" (٢). وخَرَّجَ أحْمَدُ وأبو داوودَ مِن حديثِ: عُرْوَةَ بن عامِرٍ القُرَشِيِّ؛ قالَ: ذُكِرَتِ الطِّيَرَةُ عندَ رسولِ اللهِ ﷺ ، فقالَ: "أحسنُها الفأْلُ، ولا تَرُدُّ مسلمًا، فإذا رَأى أحدُكُم ما يَكْرَهُ؛ فلْيَقُلِ: اللهمَّ! لا يَأْتي بالحسناتِ إلَّا أنتَ، ولا يَدْفَعُ السَّيِّئاتِ إلَّا أنتَ، ولا حولَ ولا قوَّةَ إلَّا بكَ" (٣). وخَرَّجَهُ أبو القاسِمِ البَغَوِيُّ، وعندَهُ: "ولا تَضُرُّ مسلمًا".

стр. 173

وفي "صحيح ابن حِبَّان": عن أنَسٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "لا طِيَرَةَ، والطِّيَرَةُ على مَن تَطَيَّرَ" (١). وقالَ النَّخَعِيُّ: قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْعودٍ: لا تَضُرُّ الطِّيَرَةُ إلَّا مَن تَطَيَّرَ. ومعنى هذا أنَّ مَن تَطَيَّرَ تطيُّرًا منهيًّا عنهُ - وهوَ أنْ يَعْتَمِدَ على ما يَسْمَعُهُ أو يَراهُ ممَّا يُتَطَيَّرُ بهِ حتَّى يَمْنَعَهُ ممَّا يُريدُ مِن حاجتِهِ - فإنَّهُ [قد] يُصيبُهُ ما يَكْرَهُهُ. وأمَّا مَن تَوَكَّلَ على اللهِ ووَثِقَ بهِ بحيثُ عَلَّقَ قلبَهُ باللهِ خوفًا ورجاءً وقَطَعَهُ عن الالتفاتِ إلى هذهِ الأسبابِ المَخُوفَةِ وقالَ ما أُمِرَ بهِ مِن هذهِ الكلماتِ ومَضى؛ فإنَّهُ لا يَضُرُّهُ [ذلكَ]. وقد رُوِيَ عن ابن عَبَّاسٍ؛ أنَّهُ كانَ إذا سَمِعَ نَعْقَ الغرابِ قالَ: اللهمَّ! لا طيرَ إلَّا طيرُكَ ولا خيرَ إلَّا خيرُكَ. وكذلكَ أمَرَ رسولُ اللهِ ﷺ عندَ انعقادِ أسبابِ العذابِ السَّماويَّةِ المَخُوفةِ كالكسوفِ بأعمالِ البرِّ؛ مِن الصَّلاةِ والدُّعاءِ والصَّدقةِ والعتقِ حتَّى يُكْشَفَ ذلكَ عن النَّاسِ (٢).

стр. 174

وهذا كلُّهُ ممَّا يَدُلُّ على أن الأسبابَ المكروهةَ إذا وُجِدَتْ فإنَّ المشروعَ الاشتغالُ بما يُرْجى بهِ دفعُ العذابِ المخوفِ منها؛ مِن أعمالِ الطَّاعاتِ والدُّعاءِ وتحقيقِ التَّوكُّلِ على اللهِ والثِّقةِ بهِ؛ فإنَّ هذهِ الأسبابَ كلَّها مقتضِياتٌ لا موجباتٌ، ولها موانعُ تَمْنَعُها. فأعمالُ البرِّ والتَّقوى والدُّعاءُ والتَّوكُّلُ مِن أعظمِ ما يُسْتَدْفَعُ بهِ. ومِن كلامِ بعضِ الحكماءِ المتقدِّمينَ: ضجيجُ الأصوات في هياكلِ العبادات بأفنانِ اللغات تُحَلِّلُ ما عَقَدَتْهُ الأفلاكُ الدَّائرات (١). وهذا على زعمِهِم واعتقادِهِم في الأفلاكِ، وأمَّا اعتقادُ المسلمينَ؛ فأنَّ الله وحدَهُ هوَ الفاعلُ لِما يَشاءُ، ولكنَّهُ يَعْقِدُ أسبابًا للعذابِ وأسبابًا للرَّحمةِ، فأسبابُ العذابِ يُخَوِّفُ بها عبادَهُ لِيَتوبوا إليهِ ويَتَضَرَّعوا إليهِ، مثلُ كسوفِ الشَّمسِ والقمرِ؛ فإنَّهُما آيتانِ مِن آياتِ اللهِ يُخَوِّفُ بهِما عبادَهُ؛ لِيَنْظُرَ مَن يُحْدِثُ لهُ توبةً، فدَلَّ على أن كسوفَهُما سببٌ يُخْشى منهُ وقوعُ عذابٍ. وقدْ أمَرَ النَّبيُّ ﷺ عائِشَةَ ﵂ أنْ تَسْتَعيذَ مِن شرِّ القمرِ، وقالَ: "هوَ الغاسقُ إذا وَقَبَ" (٢). وقد أمَرَ اللهُ تَعالى بالاستعاذةِ مِن شرِّ غاسقٍ إذا وَقَبَ، وهوَ الليلُ إذا أظْلَمَ؛ فإنَّهُ تَنْتَشِرُ فيهِ شياطينُ الجِنِّ والإنسِ. والاستعاذةُ مِن القمرِ لأنَّهُ آيةُ الليلِ، وفيهِ إشارةٌ إلى أنَّ شرَّ الليلِ المَخُوفَ لا يَنْدَفعُ بإشراقِ القمرِ فيهِ ولا يَصيرُ بذلكَ

стр. 175

كالنَّهارِ، بل يُسْتَعاذُ منهُ وإنْ كانَ مقمرًا. وخَرَّجَ الطَّبَرانِيُّ مِن حديثِ جابِرٍ مرفوعًا: "لا تَسُبُّوا الليلَ ولا النَّهارَ ولا الشَّمسَ ولا القمرَ ولا الرِّيحَ؛ فإنَّها رحمةٌ لقومٍ وعذابٌ لآخرينَ" (١). ومثلُ اشتدادِ الرَّياحِ؛ فإنَّ الرِّيحَ كما قالَ النَّبيُّ ﷺ مِن رَوْحِ اللهِ؛ تَأْتي بالرَّحمةِ وتَأْتي بالعذابِ (٢). وأمَرَ إذا اشْتَدَّتِ الرِّيحُ أنْ يُسْألَ اللهُ خيرَها وخيرَ ما أُرْسِلَتْ بهِ ويُسْتَعاذَ بهِ مِن شرِّها وشرِّ ما أُرْسِلَتْ بهِ (٣). وقد كانَ النَّبيُّ ﷺ إذا رَأى ريحًا أو غيمًا؛ تَغَيَّرَ وجهُهُ وأقْبَلَ وأدْبَرَ، فإذا مَطَرَتْ؛ سُرِّيَ عنهُ، ويَقولُ: "قدْ عُذِّبَ قومٌ بالرِّيحِ، ورَأى قومٌ السَّحابَ فقالوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤] " (٤).

стр. 176

وأسبابُ الرَّحمةِ يُرَجِّي بها عبادَهُ، مثلُ الغيمِ الرَّطبِ والرِّيحِ الطَّيِّبةِ، ومثلُ المطرِ المعتادِ عندَ الحاجةِ إليهِ، ولهذا يُقالُ عندَ نزولِ الغيثِ: اللهمَّ! سُقْيا رحمةٍ ولا سُقْيا عذابٍ. وأمَّا مَنِ اتَّقى أسبابَ الضَّررِ بعدَ انعقادِها بالأسبابِ المنهيِّ عنها؛ فإنَّهُ لا يَنْفَعُهُ ذلكَ غالبًا: كمَن رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ عن حاجتِهِ خشيةَ أنْ يُصيبَهُ ما تَطَيَّرَ بهِ؛ فإنَّهُ كثيرًا ما يُصابُ بما يَخْشى منهُ، كما قالَ ابنُ مَسْعودٍ، ودَلَّ عليهِ حديثُ أنَسٍ المتقدِّمُ. وكمَنِ اتَّقى الطَّاعونَ الواقعَ في بلدِهِ بالفرارِ منهُ؛ فإنَّهُ قَلَّ أنْ يُنْجِيَهُ ذلكَ. وقد فَرَّ كثيرٌ مِن المتقدِّمينَ والمتأخِّرينَ مِن الطَّاعونِ فأصابَهُم ولمْ يَنْفَعْهُمُ الفرارُ. وقد قالَ اللهُ تَعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣]. وقد ذُكِرَ كثيرٌ مِن السَّلفِ أنَّهُم كانوا قد فَرُّوا مِن الطَّاعونِ فأصابَهُم. وفَرَّ بعضُ المتقدِّمينَ مِن طاعونٍ وَقَعَ، فبينا هوَ يَسيرُ بالليلِ على حمارٍ لهُ؛ إذْ سَمِعَ قائلًا يَقولُ: لَنْ يُسْبَقَ اللهُ عَلى حِمارِ … وَلا عَلى ذي مَيْعَةٍ طَيَّارِ (١) أوْ يَأْتِيَ الحَتْفُ عَلى مِقْدارِ … قَدْ يُصْبِحُ اللهُ أمامَ السَّاري فأصابَهُ الطَّاعونُ فماتَ. • وأمَّا قولُهُ ﷺ : "لا هامةَ"؛ فهوَ نفيٌ لِما كانَتِ الجاهليَّهُ تَعْتَقِدُهُ أن الميِّتَ إذا ماتَ صارَتْ روحُهُ أو عظامُهُ هامةً، وهوَ طائرٌ يَطيرُ. وهو شبيهٌ باعتقادِ أهلِ التَّناسخِ أن أرواحَ الموتى تَنْتَقِلُ إلى أجسادِ حيواناتٍ مِن غيرِ بعثٍ ولا نشورٍ، وكلُّ هذهِ اعتقاداتٌ باطلةٌ جاءَ الإسلامُ لإبطالِها وتكذيبِها. ولكنِ الذي جاءَتْ بهِ الشَّريعةُ "أنَّ أرواحَ الشُّهداءِ في حواصلِ طيرٍ خضرٍ تَأْكُلُ مِن ثمارِ الجنَّةِ وتَرِدُ مِن أنهارِ الجنَّةِ إلى أنْ يَرُدَّها اللهُ تَعالى إلى أجسادِها يومَ القيامةِ" (٢). ورُوِيَ أيضًا "أن نسمةَ المؤمنِ طائرٌ يَعْلُقُ في شجرِ الجنَّةِ حتَّى يَرْجِعَها اللهُ إلى

стр. 177

أجسادِها يومَ القيامةِ" (١). • وأمَّا قولُهُ ﷺ : "ولا صَفَرَ"؛ فاخْتُلِفَ في تفسيرِهِ: * فقالَ كثيرٌ مِن المتقدِّمينَ: الصَّفرُ داءٌ في البطنِ، يُقالُ: إنَّهُ دودٌ كبارٌ كالحيَّاتِ، وكانوا يَعْتَقِدونَ أنَّهُ يُعْدِي، فنَفى ذلكَ النَّبيُّ ﷺ . وممَّن قالَ هذا مِن العلماءِ ابنُ عُيَيْنَةَ والإمامُ أحْمَدُ وغيرُهُما. ولكنْ لو كانَ كذلكَ؛ لكانَ هذا داخلًا في قولِهِ "لا عدوى"، وقد يُقالُ: هوَ مِن بابِ عطفِ الخاصِّ على العامِّ، وخَصَّهُ بالذِّكرِ لاشتهارِهِ عندَهُم

стр. 178

بالعدوى. وقالَتْ طائفةٌ: بلِ المرادُ بِـ"صَفَرَ" شهرُ صفرَ، ثمَّ اخْتَلَفوا في تفسيرِهِ على قولينِ: أحدُهُما: أنَّ المرادَ نفيُ ما كانَ أهلُ الجاهليَّةِ يَفْعَلونَهُ في النَّسيءِ، فكانوا يُحِلُّونَ المُحَرَّمَ ويُحَرِّمونَ صَفَرَ مكانَهُ، وهذا قولُ مالكٍ. والثَّاني: أن المرادَ أنَّ أهلَ الجاهليَّةِ كانوا يَسْتَشْئِمونَ بصفرَ ويَقولونَ: إنَّهُ شهرٌ مشؤومٌ، فأبْطَلَ النَّبيُّ ﷺ ذلكَ. وهذا حَكاهُ أبو داوودَ عن مُحَمَّدِ بن راشِدٍ المَكْحولِيِّ عمَّن سَمِعَهُ يَقولُ ذلكَ. * ولعلَّ هذا القولَ أشبهُ الأقوالِ، وكثيرٌ مِن الجهَّالِ يَتَشاءَمُ بصَفَرَ، وربَّما يَنْهى عن السَّفرِ فيهِ. والتَّشاؤمُ بصَفَرَ هوَ مِن جنسِ الطِّيَرَةِ المنهيِّ عنها. وكذلكَ التَّشاؤمُ بيومٍ مِن الأيَّامِ كيومِ الأربعاءِ. وقد رُوِيَ أنَّهُ يومُ نحسٍ مستمرٍّ (١) في حديثٍ لا يَصِحُّ. بل في "المسند": عن جابرٍ؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ دَعا على الأحزابِ يومَ الاثنينِ والثُّلاثاءِ والأربعاءِ، فاسْتُجيبَ لهُ يومَ الأربعاءِ بينَ الظُّهرِ والعصرِ. قالَ جابِرٌ: فما نَزَلَ بي أمرٌ مهمٌّ غائظٌ إلَّا تَوَخَّيْتُ ذلكَ الوقتَ فدَعَوْتُ الله فيهِ فرَأيْتُ الإجابةَ (٢). أو كما قالَ.

стр. 179

وكذلكَ تشاؤمُ أهلِ الجاهليَّةِ بشوَّالٍ في النِّكاحِ فيهِ خاصَّةً. وقد قيلَ: إنَّ أصلَهُ [أن] طاعونًا وَقَعَ في شوَّالٍ في سنةٍ مِن السِّنينَ، فماتَ فيهِ كثيرٌ مِن العرائسِ، فتَشاءَمَ بذلكَ أهلُ الجاهليَّةِ. وقد وَرَدَ الشَّرعُ بإبطالِهِ. قالَتْ عائِشَةُ ﵂: تَزَوَّجَني رسولُ اللهِ ﷺ في شوَّالٍ، وبَنى بي في شوَّالٍ، فأيُّ نسائِهِ كانَ أحظى عندَهُ منِّي؟! وكانَتْ عائِشَةُ تَسْتَحِبُّ أنْ تُدْخِلَ نساءَها في شوَّالٍ (١). وتَزَوَّجَ النَّبيُّ ﷺ أمَّ سَلَمَةَ في شوَّالٍ أيضًا (٢). * وأمَّا قولُ النَّبيِّ ﷺ : "لا عدوى ولا طِيَرَةَ، والشُّؤمُ في ثلاثٍ؛ في المرأةِ والدَّارِ والدَّابَّةِ". خَرَّجاهُ في الصَّحيحينِ (٣) مِن حديثِ ابن عُمَرَ عن النَّبيِّ ﷺ . فقدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ في معناهُ أيضًا:

стр. 180

فرُوِيَ عن عائِشَةَ؛ أنَّها أنْكَرَتْ هذا الحديثَ أنْ يَكونَ مِن كلامِ النَّبيِّ ﷺ ، وقالَتْ: إنَّما قالَ: "كانَ أهلُ الجاهليَّةِ يَقولونَ ذلكَ" (١). خَرَّجَهُ الإمامُ أحْمَدُ. وقالَ مَعْمَرٌ: سَمِعْتُ مَن يُفَسِّرُ هذا الحديثَ؛ يَقولونَ: شؤمُ المرأةِ إذا كانَتْ غيرَ وَلودٍ، وشؤمُ الفرسِ إذا لمْ يُغْزَ عليهِ في سبيلِ اللهِ، وشؤمُ الدَّارِ جارُ السُّوءِ. ويُرْوى هذا المعنى مرفوعًا مِن وجوهٍ لا تَصِحُّ (٢). ومنهُم مَن قالَ: قد رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: "لا شؤمَ، وإنْ يَكُنِ اليُمْنُ في شيءٍ؟ ففي ثلاثةٍ (فذَكَرَ هذهِ الثَّلاثةَ) " (٣). وقالَ: هذهِ الرِّوايةُ أشبهُ بأُصولِ الشَّرعِ. كذا
следующие страницы →