← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1151

لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف - ت عامر

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (739 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وأسبابُ الرَّحمةِ يُرَجِّي بها عبادَهُ، مثلُ الغيمِ الرَّطبِ والرِّيحِ الطَّيِّبةِ، ومثلُ المطرِ المعتادِ عندَ الحاجةِ إليهِ، ولهذا يُقالُ عندَ نزولِ الغيثِ: اللهمَّ! سُقْيا رحمةٍ ولا سُقْيا عذابٍ. وأمَّا مَنِ اتَّقى أسبابَ الضَّررِ بعدَ انعقادِها بالأسبابِ المنهيِّ عنها؛ فإنَّهُ لا يَنْفَعُهُ ذلكَ غالبًا: كمَن رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ عن حاجتِهِ خشيةَ أنْ يُصيبَهُ ما تَطَيَّرَ بهِ؛ فإنَّهُ كثيرًا ما يُصابُ بما يَخْشى منهُ، كما قالَ ابنُ مَسْعودٍ، ودَلَّ عليهِ حديثُ أنَسٍ المتقدِّمُ. وكمَنِ اتَّقى الطَّاعونَ الواقعَ في بلدِهِ بالفرارِ منهُ؛ فإنَّهُ قَلَّ أنْ يُنْجِيَهُ ذلكَ. وقد فَرَّ كثيرٌ مِن المتقدِّمينَ والمتأخِّرينَ مِن الطَّاعونِ فأصابَهُم ولمْ يَنْفَعْهُمُ الفرارُ. وقد قالَ اللهُ تَعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣]. وقد ذُكِرَ كثيرٌ مِن السَّلفِ أنَّهُم كانوا قد فَرُّوا مِن الطَّاعونِ فأصابَهُم. وفَرَّ بعضُ المتقدِّمينَ مِن طاعونٍ وَقَعَ، فبينا هوَ يَسيرُ بالليلِ على حمارٍ لهُ؛ إذْ سَمِعَ قائلًا يَقولُ: لَنْ يُسْبَقَ اللهُ عَلى حِمارِ … وَلا عَلى ذي مَيْعَةٍ طَيَّارِ (١) أوْ يَأْتِيَ الحَتْفُ عَلى مِقْدارِ … قَدْ يُصْبِحُ اللهُ أمامَ السَّاري فأصابَهُ الطَّاعونُ فماتَ. • وأمَّا قولُهُ ﷺ : "لا هامةَ"؛ فهوَ نفيٌ لِما كانَتِ الجاهليَّهُ تَعْتَقِدُهُ أن الميِّتَ إذا ماتَ صارَتْ روحُهُ أو عظامُهُ هامةً، وهوَ طائرٌ يَطيرُ. وهو شبيهٌ باعتقادِ أهلِ التَّناسخِ أن أرواحَ الموتى تَنْتَقِلُ إلى أجسادِ حيواناتٍ مِن غيرِ بعثٍ ولا نشورٍ، وكلُّ هذهِ اعتقاداتٌ باطلةٌ جاءَ الإسلامُ لإبطالِها وتكذيبِها. ولكنِ الذي جاءَتْ بهِ الشَّريعةُ "أنَّ أرواحَ الشُّهداءِ في حواصلِ طيرٍ خضرٍ تَأْكُلُ مِن ثمارِ الجنَّةِ وتَرِدُ مِن أنهارِ الجنَّةِ إلى أنْ يَرُدَّها اللهُ تَعالى إلى أجسادِها يومَ القيامةِ" (٢). ورُوِيَ أيضًا "أن نسمةَ المؤمنِ طائرٌ يَعْلُقُ في شجرِ الجنَّةِ حتَّى يَرْجِعَها اللهُ إلى

стр. 177

أجسادِها يومَ القيامةِ" (١). • وأمَّا قولُهُ ﷺ : "ولا صَفَرَ"؛ فاخْتُلِفَ في تفسيرِهِ: * فقالَ كثيرٌ مِن المتقدِّمينَ: الصَّفرُ داءٌ في البطنِ، يُقالُ: إنَّهُ دودٌ كبارٌ كالحيَّاتِ، وكانوا يَعْتَقِدونَ أنَّهُ يُعْدِي، فنَفى ذلكَ النَّبيُّ ﷺ . وممَّن قالَ هذا مِن العلماءِ ابنُ عُيَيْنَةَ والإمامُ أحْمَدُ وغيرُهُما. ولكنْ لو كانَ كذلكَ؛ لكانَ هذا داخلًا في قولِهِ "لا عدوى"، وقد يُقالُ: هوَ مِن بابِ عطفِ الخاصِّ على العامِّ، وخَصَّهُ بالذِّكرِ لاشتهارِهِ عندَهُم

стр. 178

بالعدوى. وقالَتْ طائفةٌ: بلِ المرادُ بِـ"صَفَرَ" شهرُ صفرَ، ثمَّ اخْتَلَفوا في تفسيرِهِ على قولينِ: أحدُهُما: أنَّ المرادَ نفيُ ما كانَ أهلُ الجاهليَّةِ يَفْعَلونَهُ في النَّسيءِ، فكانوا يُحِلُّونَ المُحَرَّمَ ويُحَرِّمونَ صَفَرَ مكانَهُ، وهذا قولُ مالكٍ. والثَّاني: أن المرادَ أنَّ أهلَ الجاهليَّةِ كانوا يَسْتَشْئِمونَ بصفرَ ويَقولونَ: إنَّهُ شهرٌ مشؤومٌ، فأبْطَلَ النَّبيُّ ﷺ ذلكَ. وهذا حَكاهُ أبو داوودَ عن مُحَمَّدِ بن راشِدٍ المَكْحولِيِّ عمَّن سَمِعَهُ يَقولُ ذلكَ. * ولعلَّ هذا القولَ أشبهُ الأقوالِ، وكثيرٌ مِن الجهَّالِ يَتَشاءَمُ بصَفَرَ، وربَّما يَنْهى عن السَّفرِ فيهِ. والتَّشاؤمُ بصَفَرَ هوَ مِن جنسِ الطِّيَرَةِ المنهيِّ عنها. وكذلكَ التَّشاؤمُ بيومٍ مِن الأيَّامِ كيومِ الأربعاءِ. وقد رُوِيَ أنَّهُ يومُ نحسٍ مستمرٍّ (١) في حديثٍ لا يَصِحُّ. بل في "المسند": عن جابرٍ؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ دَعا على الأحزابِ يومَ الاثنينِ والثُّلاثاءِ والأربعاءِ، فاسْتُجيبَ لهُ يومَ الأربعاءِ بينَ الظُّهرِ والعصرِ. قالَ جابِرٌ: فما نَزَلَ بي أمرٌ مهمٌّ غائظٌ إلَّا تَوَخَّيْتُ ذلكَ الوقتَ فدَعَوْتُ الله فيهِ فرَأيْتُ الإجابةَ (٢). أو كما قالَ.

стр. 179

وكذلكَ تشاؤمُ أهلِ الجاهليَّةِ بشوَّالٍ في النِّكاحِ فيهِ خاصَّةً. وقد قيلَ: إنَّ أصلَهُ [أن] طاعونًا وَقَعَ في شوَّالٍ في سنةٍ مِن السِّنينَ، فماتَ فيهِ كثيرٌ مِن العرائسِ، فتَشاءَمَ بذلكَ أهلُ الجاهليَّةِ. وقد وَرَدَ الشَّرعُ بإبطالِهِ. قالَتْ عائِشَةُ ﵂: تَزَوَّجَني رسولُ اللهِ ﷺ في شوَّالٍ، وبَنى بي في شوَّالٍ، فأيُّ نسائِهِ كانَ أحظى عندَهُ منِّي؟! وكانَتْ عائِشَةُ تَسْتَحِبُّ أنْ تُدْخِلَ نساءَها في شوَّالٍ (١). وتَزَوَّجَ النَّبيُّ ﷺ أمَّ سَلَمَةَ في شوَّالٍ أيضًا (٢). * وأمَّا قولُ النَّبيِّ ﷺ : "لا عدوى ولا طِيَرَةَ، والشُّؤمُ في ثلاثٍ؛ في المرأةِ والدَّارِ والدَّابَّةِ". خَرَّجاهُ في الصَّحيحينِ (٣) مِن حديثِ ابن عُمَرَ عن النَّبيِّ ﷺ . فقدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ في معناهُ أيضًا:

стр. 180

فرُوِيَ عن عائِشَةَ؛ أنَّها أنْكَرَتْ هذا الحديثَ أنْ يَكونَ مِن كلامِ النَّبيِّ ﷺ ، وقالَتْ: إنَّما قالَ: "كانَ أهلُ الجاهليَّةِ يَقولونَ ذلكَ" (١). خَرَّجَهُ الإمامُ أحْمَدُ. وقالَ مَعْمَرٌ: سَمِعْتُ مَن يُفَسِّرُ هذا الحديثَ؛ يَقولونَ: شؤمُ المرأةِ إذا كانَتْ غيرَ وَلودٍ، وشؤمُ الفرسِ إذا لمْ يُغْزَ عليهِ في سبيلِ اللهِ، وشؤمُ الدَّارِ جارُ السُّوءِ. ويُرْوى هذا المعنى مرفوعًا مِن وجوهٍ لا تَصِحُّ (٢). ومنهُم مَن قالَ: قد رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: "لا شؤمَ، وإنْ يَكُنِ اليُمْنُ في شيءٍ؟ ففي ثلاثةٍ (فذَكَرَ هذهِ الثَّلاثةَ) " (٣). وقالَ: هذهِ الرِّوايةُ أشبهُ بأُصولِ الشَّرعِ. كذا

стр. 181

قالَهُ ابنُ عَبْدِ البَرِّ، ولكنَّ إسنادَ هذهِ الرِّوايةِ لا يُقاوِمُ ذلكَ الإسنادَ. والتَّحقيقُ أنْ يُقالَ في إثباتِ الشُّؤمِ في هذهِ الثَّلاثةِ ما ذَكَرْناهُ في النَّهيِ عن إيرادِ المريضِ على الصَّحيحِ والفرارِ مِن المجذومِ ومِن أرضِ الطَّاعونِ؛ إنَّ هذهِ الثَّلاثةَ أسبابٌ يُقَدِّرُ اللهُ بها الشُّؤمَ واليُمنَ ويَقْرِنُهُ بها (١).

стр. 182

ولهذا يُشْرَعُ لمَنِ اسْتَفادَ زوجةً أو أمةً أو دابَّةً أنْ يَسْألَ الله مِن خيرِها وخيرِ ما جُبِلَتْ عليهِ ويَسْتَعيذَ بهِ مِن شرِّها وشرِّ ما جُبِلَتْ عليهِ كما في حديثِ عَمْرِو بن شُعَيْبٍ عن أبيهِ عن جدِّهِ عن النَّبيِّ ﷺ الذي خَرَّجَهُ أبو داوودَ وغيرُهُ (١). وكذا يَنْبَغي لمَن سَكَنَ دارًا أنْ يَفْعَلَ ذلكَ. وقدْ أمَرَ رسولُ اللهِ ﷺ قومًا سَكَنوا

стр. 183

دارًا فقَلَّ عددُهُم وقَلَّ مالُهُم أنْ يَتْرُكوها ذميمةً (١). فتركُ ما لا يَجِدُ الإنسانُ فيهِ بركةً مِن دارٍ أو زوجةٍ أو دابَّةٍ غيرُ منهيٍّ عنهُ.

стр. 184

وكذلكَ مَنِ اتَّجَرَ في شيءٍ فلمْ يَرْبَحْ فيهِ ثلاثَ مرَّاتٍ؛ فإنَّهُ يَتَحَوَّلُ عنهُ. رُوِيَ ذلكَ عن عُمَرَ بن الخَطَّابِ. فإنْ بورِكَ لهُ في شيءٍ؛ فلا يَتَغَيَّرُ عنهُ. ففي "المسند" و"سنن ابن ماجه" عن عائِشَةَ مرفوعًا: "إذا كانَ لأحدِكُم رزقٌ في شيءٍ؛ فلا يَدَعْهُ حتَّى يَتَغَيَّرَ لهُ أو يَتَنَكَّرَ لهُ" (١). * وأمَّا تخصيصُ الشُّؤمِ بزمانٍ دونَ زمانٍ - كشهرِ صَفَرَ أو غيرِهِ -؛ فغيرُ صحيحٍ، وإنَّما الزَّمانُ كلُّهُ خلقُ اللهِ تَعالى، وفيهِ تَقَعُ أفعالُ بني آدَمَ. فكلُّ زمانٍ شَغَلَهُ المؤمنُ بطاعةِ اللهِ فهوَ زمانٌ مبارَكٌ عليهِ، وكلُّ زمانٍ شَغَلَهُ العبدُ بمعصيةِ اللهِ فهوَ مشؤومٌ عليهِ. فالشُّؤمُ في الحقيقةِ هوَ معصيةُ اللهِ تَعالى: كما قالَ ابنُ مَسْعودٍ: إنْ كانَ الشُّؤمُ في شيءٍ؛ ففيما بينَ اللحيينِ؛ يَعْني: اللسانَ. وقالَ: ما مِن شيءٍ أحوجَ إلى طولِ سجنٍ مِن لسانٍ. وقالَ عَدِيُّ بنُ حاتِمٍ: أيمنُ امْرئ وأشأمُهُ بينَ لحييهِ؛ يَعْني: لسانَهُ. وفي "سننِ أبي داوودَ" (٢): عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "حسنُ المَلَكَةِ نَماءٌ، وسوءُ المَلَكَةِ شؤمٌ، والبرُّ زيادةٌ في العمرِ، والصَّدقةُ تَمْنَعُ ميتةَ السُّوءِ" (٣). فجَعَلَ سوءَ المَلَكَةِ

стр. 185

شؤمًا. وفي حديثٍ آخرَ: "لا يَدْخُلُ الجنَّةَ سيِّئُ المَلَكَةِ" (١). وهوَ مَن يُسيءُ إلى مماليكِهِ ويَظْلِمُهُم. وفي الحديثِ: "إنَّ الصَّدقةَ تَدْفَعُ ميتةَ السُّوءِ" (٢).

стр. 186

ويُرْوى مِن حديثِ عَلِيٍّ مرفوعًا: "باكِروا بالصَّدقةِ؛ فإنَّ البلاءَ لا يَتَخَطَّاها" (١). خَرَّجَهُ الطَّبَرانِيُّ. وفي حديثٍ آخرَ: " [إنَّ] لكلِّ يومٍ نحسًا؛ فادْفَعوا نحسَ ذلكَ اليومِ

стр. 187

بالصَّدقةِ" (١). فالصَّدقةُ تَمْنَعُ وقوعَ البلاءِ بعدَ انعقادِ أسبابِهِ، وكذلكَ الدُّعاءُ. وفي الحديثِ: "إنَّ البلاءَ والدُّعاءَ يَلْتَقِيانِ بينَ السَّماءِ والأرضِ فيَعْتَلِجانِ إلى يومِ القيامةِ" (٢). خَرَّجَهُ البَزَّارُ والحاكِمُ. وخَرَّجَ التِّرْمِذِيُّ مِن حديثِ سَلْمانَ مرفوعًا: "لا يَرُدُّ القضاءَ إلَّا الدُّعاءُ" (٣).

стр. 188

وقالَ ابنُ عَبَّاسٍ: لا يَنْفَعُ الحذرُ مِن القدرِ، ولكنَّ الله يَمْحو بالدُّعاءِ ما يَشاءُ مِن القدرِ. وعنهُ قالَ: الدُّعاءُ يَدْفَعُ القدرَ (١)، وهوَ إذا دَفَعَ القدرَ؛ فهوَ مِن القدرِ. وهذا كقولِ النَّبيِّ ﷺ لمَّا سُئِلَ عن الأدويةِ والرُّقى: هلْ تَرُدُّ مِن قدرِ اللهِ شيئًا؟ فقالَ: "هيَ مِن قدرِ اللهِ تَعالى" (٢).

стр. 189

وكذلكَ قالَ عُمَرُ لمَّا رَجَعَ مِن الطَّاعونِ، فقالَ لهُ أبو عُبَيْدَةَ: أفرارًا مِن قدرِ اللهِ؟ فقالَ عُمَرُ: نَفِرُّ مِن قدرِ اللهِ إلى قدرِ اللهِ. فإنَّ الله تَعالى يُقَدِّرُ المقاديرَ ويُقَدِّرُ ما يَدْفَعُ بعضَها قبلَ وقوعِهِ. وكذلكَ الأذكارُ المشروعةُ تَدْفَعُ البلاءَ. وفي حديثِ عُثْمانَ ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ : "مَن قالَ حينَ يُصْبِحُ ويُمْسي بسمِ اللهِ الذي لا يَضُرُّ معَ اسمِهِ شيءٌ في الأرضِ ولا في السَّماءِ وهوَ السَّميعُ العليمُ؛ لمْ يُصِبْهُ بلاءٌ" (١). وفي "المسند": عن عائِشَةَ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "الشُّؤمُ سوءُ الخلقِ" (٢).

стр. 190

وخَرَّجَهُ الخَرائِطِيُّ، ولفظُهُ: "اليُمْنُ حسنُ الخُلُقِ" (١). * وفي الجملةِ؛ فلا شؤمَ إلَّا المعاصي والذُّنوبُ؛ فإنَّها تُسْخِطُ الله، فإذا سَخِطَ اللهُ على عبدِهِ؛ شَقِيَ في الدُّنيا والآخرةِ، كما أنَّهُ إذا رَضِيَ عن عبدِهِ سَعِدَ في الدُّنيا والآخرةِ. قالَ بعضُ الصَّالحينَ، وقد شُكِيَ إليهِ بلاءٌ وَقَعَ في النَّاسِ، فقالَ: ما أرَى ما أنتُم فيهِ إلَّا بشؤمِ الذُّنوبِ. وقالَ أبو حازمٍ: كلُّ ما شَغَلَكَ عن اللهِ مِن أهلٍ أو ولدٍ أو مالٍ فهوَ عليكَ شؤمٌ.

стр. 191

وقد قيلَ: فَلا كانَ ما يُلْهي عَنِ اللهِ إنَّهُ … يَضُرُّ وَيُؤْذي إنَّهُ لَمَشُومُ فالشُّؤمُ في الحقيقةِ هوَ المعصيةُ، واليمنُ [هوَ] طاعةُ اللهِ وتقواهُ، كما قيلَ: إنَّ رَأْيًا دَعا إلى طاعةِ اللـ … ـهِ لَرَأْيٌ مبارَكٌ مَيْمونُ والعدوى التي تُهْلِكُ مَن قارَبَها هيَ المعاصي، فمَن قارَبَها وخالَطَها وأصَرَّ عليها؛ هَلَكَ، وكذلكَ مخالطةُ أهلِ المعاصي ومَن يُحَسِّنُ المعاصيَ ويُزَيِّنُها ويَدْعو إليها مِن شياطينِ الإنسِ، وهُم أضرُّ مِن شياطينِ الجنِّ. قالَ بعضُ السَّلفِ: شيطانُ الجنِّ تَسْتَعيذُ بِاللهِ منهُ فيَنْصَرِفُ، وشيطانُ الإنسِ لا يَبْرَحُ حتَّى يوقِعَكَ في المعصيةِ. وفي الحديثِ: "يُحْشَرُ المرءُ على دينِ خليلِهِ، فلْيَنْظُرْ أحدُكُمْ مَن يُخالِلُ" (١). وفي حديثٍ آخرَ: "لا تَصْحَبْ إلَّا مؤمنًا ولا يَأْكُلْ طَعامَكَ إلَّا تقيٌّ" (٢).

стр. 192

وممَّا يُرْوى لعَلِيِّ بن أبي طالِبٍ ﵁: [فَـ]ـلَا تَصْحَبْ أخا الجَهْلِ … وَإيَّاكَ وَإيَّاهُ فَكَمْ مِنْ جاهِلٍ أرْدى … حَكيمًا حينَ آخاهُ يُقاسُ المَرْءُ بِالْمَرْءِ … إذا ما المَرْءُ ماشاهُ وَلِلشَّيْءِ على الشَّيْءِ … مَقاييسٌ وأشْباهُ ولِلْقَلْبِ عَلى القَلْبِ … دَليلٌ حينَ يَلْقاهُ فالعاصي مشؤومٌ على نفسِهِ وعلى غيرِهِ؛ فإنَّهُ لا يُؤْمَنُ أنْ يَنْزِلَ عليهِ عذابٌ فيَعُمَّ النَّاسَ، خصوصًا مَن لمْ يُنْكِرْ عليهِ عملَهُ، فالبعدُ عنهُ متعيِّنٌ، فإذا كَثُرَ الخَبَثُ هَلَكَ النَّاسُ عمومًا. وكذلكَ أماكنُ المعاصي وعقوباتُها يَتَعَيَّنُ البعدُ عنها (١) والهربُ منها خشيةَ نزولِ العذابِ، كما قالَ النَّبيُّ ﷺ لأصحابِهِ لمَّا مَرَّ على ديارِ ثمودَ بالحِجْرِ: "لا تَدْخُلوا على هؤلاءِ المعذَّبينَ؛ إلَّا أنْ تَكونوا باكينَ؛ خشيةَ أنْ يُصيبَكُمْ ما أصابَهُم" (٢). ولمَّا تابَ الذي قَتَلَ مئةَ نفسٍ مِن بني إسرائيلَ وسَألَ العالِمَ هلْ لهُ [مِن] توبةٍ؛ قالَ لهُ: نعم، فأمَرَهُ أنْ يَنْتَقِلَ مِن قريةِ السُّوءِ إلى القريةِ الصَّالحةِ، فأدْرَكَهُ الموتُ بينَهُما، فاخْتَصَمَ فيهِ ملائكةُ الرَّحمةِ وملائكةُ العذابِ، فأوْحى اللهُ إليهِم: أنْ قيسوا بينَهُما، فإلى أيِّهِما كانَ أقربَ فألْحِقوهُ بها، فوَجَدوهُ إلى القريةِ الصَّالحةِ أقربَ برميةِ حجرٍ، فغُفِرَ لهُ. هجرانُ أماكنِ المعصيةِ وإخوانِها مِن جملةِ الهجرةِ المأْمورِ بها؛ فإنَّ المهاجرَ مَن

стр. 193

هَجَرَ ما نَهى اللهُ عنهُ. قالَ إبْراهيمُ بنُ أدْهَمَ: مَن أرادَ التَّوبةَ؛ فلْيَخْرُجْ مِن المظالمِ، ولْيَدَعْ مخالطةَ مَن كانَ يُخالِطُهُ، وإلَّا؛ لمْ يَنَلْ ما يُريدُ. احْذَروا الذُّنوبَ؛ فإنَّها مشؤومة، عواقبُها ذميمة، وعقوباتُها أليمة، والقلوبُ المحبَّةُ لها سقيمة، والنُّفوسُ المائلةُ إليها غيرُ مستقيمة، والسَّلامةُ منها غنيمة، والعافيةُ منها ليس لها قيمة، والبليَّةُ بها - لا سيَّما بعدَ نزولِ الشَّيبِ - داهيةٌ عظيمة. طاعَةُ اللهِ خَيْرُ ما اكْتَسَبَ العَبْـ … ـدُ كُنْ طائِعًا لِلهِ لا تَعْصِيَنْهُ ما هَلاكُ النُّفوسِ إلَّا المعاصي … فَاجْتَنِبْ ما نَهاكَ لا تَقْرَبَنْهُ إنَّ شَيْئًا هَلاكُ نَفْسِكَ فيهِ … يَنْبَغي أنْ تَصونَ نَفْسَكَ عَنْهُ يا مَن ضاعَ قلبُهُ! انْشُدْهُ في مجلسِ الذِّكرِ، عَسى أنْ تَجِدَهُ. يا مَن مَرِضَ قلبُهُ! احْمِلْهُ إلى مجلسِ الذِّكرِ، لَعَلَّهُ أنْ يُعافى. مجالسُ الذِّكرِ مارَسْتاناتُ (١) الذُّنوبِ، تُداوى فيها أمراضُ القلوبِ كما تُداوى أمراضُ الأبدانِ في مارستاناتِ الدُّنيا، ونزهٌ لقلوبِ المؤمنينَ تَتَنَزَّهُ فيهـ[ـا] (٢) بسماعِ كلامِ الحكمةِ كما تَتَنَزَّهُ أبصارُ أهلِ الدُّنيا في رياضِها وبساتينِها. مجلسُنا هذا حضرةٌ في روضةِ الخشوع، طعامُنا فيهِ الجوع، وشرابُنا فيهِ الدُّموع، ونُقْلُنا (٣) هذا الكلامُ المسموع، نُداوي فيهِ أمراضًا أعْيَتْ جالينوسَ وبَخْتيشوع، نَسْقي فيهِ دِرْياقَ الذُّنوبِ وفاروقَ المعاصي (٤) فمَن شَرِبَ لمْ يَكُنْ لهُ إلى المعصيةِ رجوع، كم أفاقَ فيهِ مِن المعصيةِ مصروع، وبَرِئَ فيهِ مِن الهوى ملسوع، ووَصَلَ فيهِ إلى اللهِ مقطوع، ما عيبُهُ إلَّا أن الطَّبيبَ الذي لهُ لو كانَ يَسْتَعْمِلُ ما يَصِفُ للنَّاسِ لكانَ إلى قولِهِ المرجوع. يا ضيعةَ العمرِ إنْ نَجا السَّامعُ وهَلَكَ المسموع! يا خيبةَ المسعى إنْ وَصَلَ

стр. 194

التَّابعُ وانْقَطَعَ المتبوع! وَغَيْرُ تَقِيٍّ يَأْمُرُ النَّاسَ بِالتُّقى … طَبيبٌ يُداوي النَّاسَ وَهْوَ سَقيمُ (١) يا أيُّها الرَّجُلُ المُقَوِّمُ غَيْرَهُ … هَلَّا لِنَفْسِكَ كانَ ذا التَّقْويمُ فابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَانْهَها عَنْ غَيِّها … فَإنِ انْتَهَتْ عَنْهُ فَأنْتَ حَكيمُ فَهُناكَ يُقْبَلُ ما تَقولُ وَيُقْتَدى … بِالقَوْلِ مِنْكَ وَيَنْفَعُ التَّعْليمُ لا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ … عارٌ عَلَيْكَ إذا فَعَلْتَ عَظيمُ (٢) غيرُهُ: كَمْ ذا التَّمادي فها قَدْ جاءَنا صَفَرُ … شَهْرٌ بِهِ الفَوْزُ وَالتَّوْفيقُ وَالظَّفَرُ فَابْدَأْ بِما شِئْتَ مِنْ فِعْلٍ تُسَرُّ بهِ … يَوْمَ المَعادِ ففيهِ الخَيْرُ يُنْتَظَرُ توبوا إلى اللهِ فيهِ مِن ذُنوبِكُمُ … مِنْ قَبْلِ يَبْلُغُ فيكُمْ حَدَّهُ العُمُرُ * * *

стр. 195

وظائف شهر ربيع الأول ويَشْتَمِلُ على مجالسَ: المجلس الأول في ذكر مولد النبي ﷺ - خَرَّجَ الإمامُ أحْمَدُ مِن حديثِ: العِرْباضِ بن سارِيَةَ السُّلَمِيِّ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "إنِّي عندَ اللهِ في أُمِّ الكتابِ لخاتمُ النَّبيِّينَ وإنَّ آدَمَ لَمُنْجَدِلٌ في طينتِهِ، وسوفَ أُنَبِّئُكُمْ بتأْويلِ ذلكَ: دعوةُ أبي إبْراهيمَ، وبشارةُ عيسى قومَهُ، ورؤيا أُمِّي التي رَأتْ أنَّهُ خَرَجَ منها نورٌ أضاءَتْ لهُ قصورُ الشَّامِ، وكذلكَ أُمَّهاتُ النَّبيينَ يَرَيْنَ" (١).

стр. 196

وخَرَّجَهُ الحاكِمُ وقالَ: صحيحُ الإسنادِ. وقد رُوِيَ معناهُ مِن حديثِ أبي أُمامَةَ الباهِلِيِّ (١) ومِن وجوهٍ أخُرَ مرسَلَةٍ. • المقصودُ مِن هذا الحديثِ أن نبوَّةَ النبي ﷺ كانَتْ مذكورةً معروفةً مِن قبلِ أنْ يَخْلُقَهُ اللهُ ويُخْرِجَهُ إلى دارِ الدُّنيا حيًّا، وأنَّ ذلكَ كانَ مكتوبًا في أُمِّ الكتابِ مِن قبلِ نفخِ الرُّوحِ في آدَمَ ﵇. وفُسِّرَ أمُّ الكتابِ باللوحِ المحفوظِ وبالذِّكرِ في قولهِ تَعالى: ﴿يَمْحو اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾ [الرعد: ٣٩]. وعنِ ابن عَبَّاسٍ أنَّهُ سَألَ كَعْبًا عن أُمِّ الكتابِ، فقالَ: عَلِمَ اللهُ ما هوَ خالقٌ وما خلقُهُ عاملونَ، فقالَ لعلمِهِ: كُنْ كتابًا، فكانَ كتابًا. ولا ريبَ أن علمَ اللهِ قديمٌ أزليٌّ لم يَزَلْ عالمًا بما يُحْدِثُهُ مِن مخلوقاتِهِ، ثمَّ إنَّهُ تَعالى كَتَبَ ذلكَ في كتابٍ عندَهُ قبلَ خلقِ السَّماواتِ والأرضِ، كما قالَ تَعالى: ﴿مَا أَصابَ مِنْ مُصيبَةٍ في الأرْضِ وَلا في أنْفُسِكُمْ إلَّا في كتابٍ مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأَها إنَّ ذلِكَ عَلى اللهِ يَسيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢]. وفي "صحيح البُخارِيِّ" (٢) عن: عِمْرانَ بن حُصَيْنٍ، عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: "كانَ اللهُ ولا شيءَ قبلَهُ، وكانَ عرشُهُ على الماءِ، وكَتَبَ في الذِّكرِ كل شيءٍ، ثمَّ خَلَقَ

стр. 197

السَّماواتِ والأرضَ". وفي "صحيح مُسْلِم" (١) عن: عَبْدِ اللهِ بن عَمْرِو بن العاصِ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "إنَّ الله كَتَبَ مقاديرَ الخلائقِ قبلَ أنْ يَخْلُقَ السَّماواتِ وَالأرضَ بخمسينَ ألفَ سنة، وكانَ عرشُهُ على الماءِ". ومِن جملةِ ما كَتبَهُ في هذا الذكرِ - وهوَ أُمُّ الكتابِ - أن مُحَمَّدًا خاتمُ النَّبيِّينَ، ومِن حينئذ انْتَقَلَتِ المخلوقاتُ مِن مرتبةِ العلمِ إلى مرتبةِ الكتابةِ، وهوَ نوع مِن أنواعِ الوجودِ الخارجيِّ. ولهذا قالَ سَعيدُ بنُ راشِدٍ: سَألْتُ عَطاءً: هل كانَ النَّبيُّ ﷺ نبيًّا قبلَ أنْ يُخْلَقَ (٢)؟ قالَ: إي واللهِ، وقبلَ أنْ تُخْلَقَ الدُّنيا بألفي عامٍ. خَرَّجَهُ أبو بَكْرٍ الآجُرِّيُّ في كتاب "الشَّريعة". وعطاءٌ الظَّاهرُ أنَّهُ الخُراسانِيُّ. وهذا إشارة (٣) إلى ما ذَكَرْناهُ مِن كتابةِ نبوَّتِهِ ﷺ في أُمِّ الكتابِ عندَ تقديرِ المقاديرِ. • وقولُهُ ﷺ في هذا الحديثِ "إنِّي عندَ اللهِ في أُمِّ الكتابِ لَخاتمُ النَّبيِّينَ وإنَّ آدَمَ لَمُنْجَدِلٌ في طينتِهِ" ليسَ المرادُ بهِ - واللهُ أعلمُ - أنَّهُ حينئذ كُتِبَ في أُمِّ الكتابِ ختمُهُ للنَّبيينَ، وإنَّما المرادُ الإخبارُ عن كونِ ذلكَ مكتوبًا في أُمِّ الكتابِ في تلكَ الحالِ قبلَ نفخِ الرُّوحِ في آدَمَ، وهوَ أوَّلُ ما خُلِقَ مِن النَّوعِ الإنسانيِّ. وجاءَ في أحاديثَ أُخرَ أنَّهُ في تلكَ الحالِ وَجَبَتْ لهُ النُّبوَّة (٤). وهذهِ مرتبة ثالثة، وهيَ انتقالُهُ مِن مرتبةِ العلمِ والكتابةِ إلى مرتبةِ الوجودِ العينيِّ الخارجي؛ فإنَّهُ ﷺ اسْتُخْرِجَ حينئذ مِن ظهرِ آدَمَ ونُبِّئَ، فصارَتْ نبوَّتُهُ موجودةً في الخارجِ بعدَ كونِها كانَتْ مكتوبة مقدَّرةً في أُمِّ الكتابِ. ففي حديثِ مَيْسَرَةَ الفَجْرِ قُلْتُ: يا رسولَ اللهِ! متى كُنْتَ نبيًّا؟ قالَ: "وآدَمُ بينَ

стр. 198

الرُّوحِ والجسدِ" (١). خَرَّجَهُ الإمامُ أحْمَدُ والحاكِمُ. قالَ الإمامُ أحْمَدُ في روايةِ مُهَنَّى: وبعضُهُم يَرْويهِ: متى كُتِبْتَ نبيًّا؟ مِن الكتابةِ. فإنْ صَحَّتْ هذهِ الروايةُ؟ حُمِلَتْ معَ حديثِ العِرْباضِ على وجوبِ نبوَّتِهِ وثبوتها وظهورِها في الخارجِ؛ فإنَّ الكتابةَ إنَّما تُسْتَعْمَلُ فيما هوَ واجبٌ: إمَّا شرعًا كقولهِ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] أو قدرًا كقولِهِ تَعالى: ﴿كَتَبَ اللهُ لأغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلي﴾ [المجادلة: ٢١]. وفي حديثِ: أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ أنَّهُم قالوا: يا رسولَ اللهِ! متى وَجَبَتْ لكَ النُّبوَّةُ؟ قالَ: "وآدَمُ بينَ الرُّوحِ والجسدِ" (٢). خَرَّجَهُ التَرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ (وفي نسخةٍ

стр. 199

صَحَّحَهُ)، وخَرَّجَهُ الحاكِمُ. ورَوى ابنُ سَعْدٍ مِن روايةِ: جابِرٍ الجُعْفِيُّ، عن الشَّعْبِيِّ؛ قال: قال رجلٌ للنَّبِيِّ ﷺ : متى اسْتُنْبِئْتَ؟ قال: "وآدَمُ بينَ الرُّوحِ والجسدِ، حينَ أُخِذَ منِّي الميثاقُ" (١). وهذهِ الرِّوايةُ تَدُلُّ على أنَّهُ [ ﷺ ] حينئذٍ اسْتُخْرِجَ مِن ظهرِ آدَمَ ونُبِّئَ وأُخِذَ ميثاقُهُ: فيُحْتَمَلُ أنْ يَكونَ ذلكَ دليلًا على أن استخراجَ ذرِّيَّةِ آدَمَ مِن ظهرِهِ وأخذَ الميثاقِ منهُم كانَ قبلَ نفخِ الرُّوحِ في آدَمَ (٢). وقد رُوِيَ هذا عن سَلْمانَ الفارِسِيِّ وغيرِهِ من السَّلفِ. ويُسْتَدَلُّ لهُ أيضًا بظاهرِ قولِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلمَلائِكَةِ اسْجُدوا لآدَمَ﴾ [الأعراف: ١١]؛ على ما فَسَّرَهُ بهِ مُجاهِدٌ وغيرُهُ؛ أن المرادَ إخراجُ ذرِّيَّةِ آدَمَ مِن ظهرِهِ قبلَ أمرِ الملائكةِ بالسُّجودِ لهُ. ولكنَّ أكثرَ السَّلفِ على أن استخراجَ ذرّيَّةِ آدَمَ منهُ كانَ بعدَ نفخِ الرُّوحِ فيهِ، وعلى هذا تَدُلُّ أكثرُ الأحاديثِ، فيُحْتَمَلُ على هذا أنْ يَكونَ مُحَمَّدٌ ﷺ خُصَّ باستخراجِهِ مِن ظهرِ آدَمَ قبلَ نفخِ الرُّوحِ فيهِ؛ فإنَّ مُحمَّدًا ﷺ هوَ المقصودُ مِن خلقِ النَّوعِ

стр. 200

الإنسانيِّ (١)، وهوَ عينُهُ وخلاصتُهُ (٢) وواسطةُ عقدِهِ، فلا يَبْعُدُ أنْ يَكونَ أُخْرِجَ مِن ظهرِ آدَمَ عندَ خلقِهِ قبلَ نفخ الرُّوحِ فيهِ (٣). وقد رُوِيَ أن آدَمَ ﵇ رَأى اسمَ مُحَمَّد ﷺ مكتوبًا على العرشِ، وأنَّ الله قالَ لآدَمَ: لولا مُحَمَّدٌ ما خَلَقْتُكَ (٤). وقد خَرَّجَهُ الحاكِمُ في "صحيحه" (٥). فيَكونُ حينئذٍ مِن حينَ صُوِّرَ آدَمُ طينًا اسْتُخْرِجَ منهُ مُحَمَّدٌ ﷺ ونُبِّئَ وأُخِذَ منهُ الميثاقُ ثمَّ أُعيدَ إلى ظهرِ آدَمَ حتَّى خَرَجَ في وقتِ خروجِهِ الذي قَدَّرَ اللهُ خروجَهُ فيهِ. ويَشْهَدُ لذلكَ ما رُوِيَ عن قَتادَةَ؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: "كُنْتُ أوَّلَ النَّبيينَ في الخلقِ وآخرَهُم في البعثِ" (٦). وفي روايةٍ: "أوَّلَ النَّاسِ في الخلقِ". خَرَّجَهُ ابنُ سَعْدٍ وغيرُهُ.

стр. 201

وخَرَّجَهُ الطَّبَرانِيُّ (١) مِن روايةِ قتادَةَ عن الحَسَنِ عن أبي هُرَيْرَةَ مرفوعًا. والمرسلُ أشبهُ. وفي روايةٍ عن قَتادَةَ مرسلةٍ: ثمَّ تَلا: ﴿وإذْ أخَذْنا مِن النَّبيِّينَ ميثاقَهُم وَمِنْكَ وَمِنْ نوحٍ وَإبْراهيمَ وَموسى وَعيسى ابن مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب: ٧]، فبَدَأ بهِ قبلَ نوحٍ الذي هوَ أوَّلُ الرُّسلِ. فمُحَمَّدٌ ﷺ أول الرُّسلِ خَلْقًا وآخرُهُم بعثًا؛ فإنَّهُ اسْتُخْرِجَ مِن ظهرِ آدَمَ لمَّا صُوِّرَ ونُبِّئَ ﷺ وأُخِذَ ميثاقُهُ ثمَّ أُعيدَ إلى ظهرِهِ (٢). ولا يُقالُ: فقد خُلِقَ آدَمُ قبلَهُ؛ لأنَّ آدَمَ كانَ حينئذٍ مواتًا لا روحَ فيهِ ومُحَمَّدٌ ﷺ كانَ حيًّا حينَ اسْتُخْرِجَ ونُبِّئَ وأُخِذَ ميثاقُهُ، فهوَ أوَّلُ النَّبيِّينَ خَلقًا وآخرُهُم بعثًا، فهوَ خاتَمُ النَّبيِّينَ باعتبارِ أنَّ زمانَهُ تَأخَّرَ عنهُم، فهوَ المُقَفِّي والعاقِبُ الذي جاءَ عقبَ الأنبياءِ ويقْفوهُم. قالَ تَعالى: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسولَ اللهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]. وفي الصَّحيحينِ (٣): عن جابِرٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "مَثَلي ومَثَلُ الأنبياءِ كمَثَلِ

стр. 202

رجلٍ بنى دارًا فأكْمَلَها وأحْسَنَها إلَّا موضعَ لَبِنَةٍ، فجَعَلَ النَّاسُ يَدْخُلونَها ويَعْجَبونَ منها ويَقولونَ: لولا موضعُ اللَّبِنَةِ". زادَ مسلمٌ: قالَ: "فجِئْتُ فخَتَمْتُ الأنبياءَ". وفيهِما أيضًا (١): عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيِّ ﷺ ، معناهُ. وفيهِ: "فجَعَلَ النَّاسُ يَطوفونَ بهِ ويَقولونَ: هلَّا وُضِعَتِ اللَبِنَةُ! فأنا اللَبِنَةُ، وأنا خاتَمُ النَّبيِّينَ". وقدِ اسْتَدَلَّ الإمامُ أحْمَدُ بحديثِ العِرْباضِ هذا على أن النَّبيَّ ﷺ لمْ يَزَلْ على التَّوحيدِ منذُ نَشَأ ورَدَّ بذلكَ على مَن زَعَمَ غيرَ ذلكَ. بل قد يُسْتَدَلُّ بهذا الحديثِ على أنَّهُ ﷺ ولِدَ نبيًّا، فإنَّ نبوَّتَهُ وَجَبَتْ لهُ مِن حينَ أُخذَ الميثاقُ منهُ، حيثُ اسْتُخْرِجَ مِن صلبِ آدَمَ، فكانَ نبيًّا مِن حينئذٍ، لكنْ كانَتْ مدَّةُ خروجِهِ إلى الدُّنيا متأخِّرةً عن ذلكَ، وذلكَ لا يَمْنَعُ كونَهُ نبيًّا قبلَ خروجِهِ، كمَن يُوَلَّى ولايةً ويُؤْمَرُ بالتَّصَرُّفِ فيها في زمنٍ مستقبلٍ، فحكمُ الولايةِ ثابتٌ لهُ مِن حينِ ولايتِهِ وإنْ كانَ تصرُّفُهُ يَتَأخَّرُ إلى حينِ مجيءِ الوقتِ. قالَ حَنْبَلٌ: قُلْتُ لأبي عَبْدِ اللهِ (يَعْني: أحْمَدَ): مَن زَعَمَ أن النَّبيَّ ﷺ كانَ على دينِ قومِهِ قبلَ أنْ يُبْعَثَ. قالَ: هذا قولُ سوءٍ، يَنْبَغي لصاحبِ هذهِ المقالةِ أن يُحْذَرَ كلامُهُ ولا يُجالَسَ. قُلْتُ لهُ: إنَّ جارَنا النَّاقدَ أبا العَبَّاسِ يَقولُ هذهِ المقالةَ. قالَ: قاتَلَهُ اللهُ! وأيُّ شيءٍ أبْقى إذا زَعَمَ أن رسولَ اللهِ ﷺ كانَ على دينِ قومِهِ وهُم يَعْبُدونَ الأصنامَ؟! قالَ اللهُ تَعالى حاكيًا عن عيسى: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسولٍ يَأْتي مِنْ بَعْدي اسْمُهُ أحْمَدُ﴾ [الصف: ٦]. قُلْتُ لهُ: وَزَعَمَ أن خَديجَةَ كانَتْ على ذلكَ حينَ تَزَوَّجَها النَّبيُّ ﷺ في الجاهليَّةِ. قالَ: أمَّا خديجةُ؛ فلا أقولُ شيئًا، قد كانَتْ أوَّلَ مَن آمَنَ بهِ مِن النِّساءِ. ثمَّ قالَ: ما [ذا] يُحْدِثُ النَّاسُ مِن الكلامِ! هؤلاءِ أصحابُ الكلامِ! مَن أحَبَّ الكلامَ لمْ يُفْلحْ! سبحانَ اللهِ لهذا القولِ! واحْتَجَّ في ذلكَ بكلامٍ لمْ أحْفَظْهُ. وذَكَرَ أن أمَّهُ حينَ وَلَدَتْ رَأتْ نورًا أضاءَ لهُ قصورُ الشَّامِ، أوليسَ هذا عندَما وَلَدَتْ رَأتْ هذا؟! وقبلَ أنْ يُبْعَثَ كانَ طاهرًا مطهَّرًا مِن الأوثانِ، أوليسَ كانَ لا يَأْكُلُ ما ذُبِحَ على

стр. 203

النُّصبِ؟! ثمَّ قالَ: أحْذَروا الكلامَ؛ فإنَّ أصحابَ الكلامِ لا يَؤولُ أمرُهُم إلى خيرٍ. خَرَّجَهُ أبو بَكْرٍ عَبْدُ العَزيزِ بنُ جَعْفَرٍ في كتابِ "السُّنَّة". ومرادُ أحْمَدَ الاستدلالُ بتقدُّمِ البشارةِ بنبوَّتهِ مِن الأنبياءِ الذينَ قبلَهُ وبِما شوهِدَ عندَ ولادتِهِ مِن الآياتِ على أنَّهُ كانَ نبيًّا مِن قبلِ خروجِهِ إلى الدُّنيا وولادتِهِ، وهذا هوَ الذي يَدُلُّ عليهِ حديثُ العِرْباضِ هذا؛ فإنَّهُ ﷺ ذَكَرَ فيهِ أن نبوَّتَهُ كانَتْ حاصلةً منذُ كانَ آدَمُ مُنْجَدِلًا في طينتِهِ، والمرادُ بالمُنْجَدِلِ الطَّريحُ الملقى على الأرضِ قبلَ نفخِ الرُّوحِ فيهِ، ويُقالُ للقتيلِ إنَّهُ مُنْجَدِل لذلكَ. • ثمَّ اسْتَدَلَّ ﷺ على سبقِ ذكرِهِ والتَّنويهِ باسمِهِ ونبوَّتِهِ وشرفِ قدرِهِ لخروجِهِ إلى الدُّنيا بثلاثِ دلائلَ، وهوَ مرادُهُ بقولِهِ: "وسَأنبِّئُكُم بتأْويلِ ذلكَ". • الدَّليلُ الأوَّلُ: دعوةُ [أبيهِ] إبْراهيمَ ﵇. وأشارَ بذلكَ إلى ما قَصَّ اللهُ في كتابِهِ العزيزِ عن إبْراهيمَ وإسْماعيلَ أنَّهُما قالا عندَ بناءِ البيتِ الذي بمَكَّةَ: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧ - ١٢٩]. فاسْتَجابَ اللهُ دعاءَهُما وبَعَثَ في أهلِ مَكَّةَ منهُم رسولًا بهذهِ الصِّفةِ مِن ولدِ إسْماعيلَ الذي دَعا معَ أبيهِ إبْراهيمَ ﵉ بهذا الدُّعاءِ. وقدِ امْتَنَّ اللهُ تَعالى على المؤمنينَ ببعثِ هذا النَّبيِّ منهُم على هذهِ الصِّفةِ التي دَعا بها إبْراهيمُ وَإسْماعيلُ: قالَ اللهُ : ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤]. وقالَ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ

стр. 204

الْعَظِيمِ (٤)﴾ [الجمعة: ٢ - ٤] ومعلومٌ أنَّهُ لمْ يُبْعَثْ في مَكَّةَ رسولٌ منهُم بهذهِ الصِّفةِ غيرُ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وهوَ مِن ولدِ إسْماعيلَ، كما أن أنبياءَ بني إسرائيلَ مِن ولدِ إسْحاقَ. وذَكَرَ تَعالى أنَّهُ مَنَّ على المؤمنينَ بهذهِ الرِّسالةِ، فليسَ للهِ نعمةٌ أعظمُ مِن إرسالِ مُحَمَّدٍ ﷺ يَهْدي إلى الحقِّ وإلى طريقٍ مستقيمٍ. وقولُهُ ﴿في الأُمَيِّينَ﴾ - والمرادُ بهِمُ العربُ - تنبيهٌ لهُم على قدرِ هذهِ النِّعمةِ وعظمِها، حيثُ كانوا أُمِّيِّينَ لا كتابَ لهُم، وليسَ عندَهُم شيءٌ مِن آثارِ النُّبوَّاتِ، كما كانَ عندَ أهلِ الكتابِ، فمَنَّ اللهُ عليهِم بهذا الرَّسولِ وبهذا الكتابِ، حتَّى صاروا أفضلَ الأُممِ وأعلمَهُم، وعَرَفوا ضلالةَ مَن ضَلَّ مِن الأُممِ مِن قبلِهِم. وفي كونهِ منهُم فائدتانِ: إحداهُما: أن هذا الرَّسولَ كانَ أيضًا أُمِّيًّا كأُمَّتِهِ المبعوثِ إليهِم: لمْ تقْرَأْ كتابًا قطُّ ولمْ يَخُطَّهُ بيمينِهِ، كما قالَ تَعالى: ﴿وَما كُنْتَ تَتْلو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتاب وَلا تَخُطُّهُ بِيَمينِكَ … ﴾ الآياتِ [العنكبوت: ٤٨]. ولا خَرَجَ عن ديارِ قومِهِ فأقامَ عندَ غيرِهِم حتَّى تَعَلَّمَ منهُم شيئًا، بلْ لمْ يَزَلْ أُمِّيًّا بينَ أُمَّةٍ أُمَيَّةَ لا يَكْتُبُ ولا يقرَأُ حتَّى كَمَّلَ الأربعينَ مِن عُمُرِهِ، ثمَّ جاءَ بعدَ ذلكَ بهذا الكتاب المبينِ وهذهِ الشَّريعةِ الباهرةِ وهذا الدِّينِ القيِّمِ الذي اعْتَرَفَ حذَّاقُ أهلِ الأرضِ ونظَّارُهُم أنَّهُ لمْ يَقْرَعِ العالَمَ ناموس أعظمُ منهُ. وفي هذا برهانٌ ظاهرٌ على صدقِهِ. والفائدةُ الثَّانيةُ: التَّنبيهُ على أن المبعوثَ منهُم - وهُمُ الأمِّيُّونَ خصوصًا أهلَ مَكَّةَ - يَعْرِفونَ نسبَهُ وشرفَهُ وصدقَهُ وأمانتَهُ وعفَّتَهُ، وأنَّهُ نَشَأ بينَهُم معروفًا بذلكَ كلِّهِ، وأنَّهُ لمْ يَكْذِبْ قطُّ، فكيفَ كانَ يَدَعُ الكذبَ على النَّاسِ ثمَّ يَفْتَري الكذبَ على اللهِ، هذا هوَ الباطلُ، ولذلكَ سَألَ هِرَقْلُ عن هذهِ الأوصافِ، واسْتَدَلَّ بها على صدقِهِ فيما ادَّعاهُ مِن النُّبوَّةِ والرسالةِ. وقولُهُ تَعالى: ﴿يَتْلو عَلَيْهِمْ آياتِهِ﴾؛ يَعْني: يَتْلو عليهِم ما أَنْزَلَ اللهُ عليهِ مِن آياتِهِ المتلوَّةِ، وهوَ القرآنُ، وهوَ أعظمُ الكتبِ السَّماويَّةِ، وقد تَضَمَّنَ مِن العلومِ والحكمِ

стр. 205

والمواعظِ والقصصِ والتَّرغيبِ والتَّرهيبِ وذكرِ أخبارِ مَن سَبَقَ وأخبارِ ما يَأْتي مِن البعثِ والنُّشورِ والجنَّةِ والنَّارِ ما لمْ يَشْتَمِلْ عليهِ كتابٌ غيرُهُ، حتَّى قالَ بعضُ العلماءِ: لوْ أنَّ هذا الكتابَ وُجِدَ مكتوبًا في مصحفٍ في فلاةٍ مِن الأرضِ ولمْ يُعْلَمْ مَن وَضَعَهُ هناكَ؛ لشَهِدَتِ العقولُ السَّليمةُ أنَّهُ منزَّل مِن عندِ اللهِ وأنَّ البشرَ لا قدرةَ لهُم على تأْليفِ ذلكَ، فكيفَ إذا جاءَ على يدي أصدقِ الخلقِ وأبرِّهِم وأتقاهُم، وقالَ: إنَّهُ كلامُ اللهِ، وتَحَدَّى الخلقَ كلَّهُم أنْ يَأْتوا بسورةٍ مِن مثلِهِ فعَجَزوا؟! فكيفَ يَبْقى معَ هذا شكٌّ فيهِ؟! ولهذا قالَ تَعالى: ﴿ذلكَ الكتابُ لا رَيْبَ فيهِ﴾ [البقرة: ٢]. وقالَ: ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنَّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١]. فلو لمْ يَكُنْ لمُحَمَّدٍ مِن المعجزاتِ الدَّالَّةِ على صدقِهِ غيرُ هذا الكتابِ؛ لَكَفاهُ؛ فكيفَ ولهُ مِن المعجزاتِ الأرضيَّةِ والسَّماويَّةِ ما لا يُحْصى؟! وقولُهُ تَعالى: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾؛ يَعْني: أنَّهُ يُزَكِّي قلوبَهُم ويُطَهِّرُها مِن أدناسِ الشِّركِ والفجورِ والضَّلالِ؛ فإنَّ النُّفوسَ تَزْكو إذا طَهُرَتْ مِن ذلكَ كلِّهِ، ومَن زَكَتْ نفسُهُ؛ فقد أفْلَحَ، كما قالَ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَنْ زَكَاها﴾ [الشمس: ٩]، وقالَ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى: ١٤]. وقولُهُ تَعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ وَالحِكْمَةَ﴾؛ يَعْني بالكتابِ: القرآنَ، والمرادُ تعليمُهُم تلاوةَ ألفاظِهِ. ويَعْني بالحكمةِ: فهمَ معاني القرآنِ والعملَ بما فيهِ. فالحكمةُ هيَ فهمُ القرآنِ والعملُ بهِ، فلا يُكْتَفى بتلاوةِ ألفاظِ الكتابِ حتَّى يُعْلَمَ معناهُ ويُعْمَلَ بمقتضاهُ، فمَن جُمِعَ لهُ ذلكَ كلُّهُ؛ فقد أُوتِيَ الحكمةَ. قالَ تَعالى: ﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]. قالَ الفُضَيْلُ: العلماءُ كثيرٌ، والحكماءُ قليلٌ. وقالَ: الحكماءُ ورثةُ الأنبياءِ. فالحكمةُ هيَ العلمُ النَّافعُ الذي يَتْبَعُهُ العملُ الصَّالحُ، وهيَ نورٌ يُقْذَفُ في القلبِ يُفْهَمُ بهِ معنى العلمِ المنزَّلِ مِن الماءِ ويَحُضُّ على اتِّباعِهِ والعملِ بهِ. ومَن قالَ: الحكمةُ السُّنَّةُ؛ فقولُهُ حقٌّ؛ لأنَّ السُّنَّةَ تُفَسِّرُ القرآنَ وتُبَيِّنُ معانيَهُ وتَحُضُّ على اتِّباعِهِ

стр. 206

والعملِ بهِ، فالحكيمُ هوَ العالمُ المستنبطُ لدقائقِ العلمِ المنتفعُ بعلمِهِ بالعملِ بهِ. ولأبي العَتاهِيَةِ: وَكَيْفَ تُحِبُّ أنْ تُدْعى حَكيمًا … وَأنْتَ لِكُلِّ ما تَهْوى رَكوبُ وَتَضْحَكُ دائِبًا ظَهْرًا لِبَطْنٍ … وَتَذْكُرُ ما عَمِلْتَ فَلا تَتوبُ وقولُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ كانوا مِنْ قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبينٍ﴾ [الجمعة: ٢]؛ إشارةً إلى ما كانَ النَّاسُ عليهِ قبلَ إنزالِ هذا الكتابِ مِن الضَّلالِ؛ فإنَّ الله نَظَرَ حينئذ إلى أهلِ الأرضِ فمَقَتَهُم؛ عربَهُم وعجمَهُم؛ إلَّا بقايا مِن أهلِ الكتابِ تَمَسَّكوا بدينِهِمُ الذي لمْ يُبَدَّلْ ولمْ يُغَيَّرْ وكانوا قليلًا جدًّا. فأمَّا عامَّةُ أهلِ الكتابِ؛ فكانوا قد بَدَّلوا كتبَهُم وغَيَّروها وحَرَّفوها وأدْخَلوا في دينِهِم ما ليسَ منهُ فَضَلُّوا وأضَلُّوا. وأمَّا غيرُ أهلِ الكتابِ؛ فكانوا على ضلال بيِّنٍ: فالأُمِّيُّونَ أهلُ شركٍ يَعْبُدونَ الأوثانَ، والمجوسُ يَعْبُدونَ النِّيرانَ ويَقولونَ بإلهينِ اثنينِ، وكذلكَ غيرُهُم مِن أهلِ الأرضِ؛ منهُم مَن كانَ يَعْبُدُ النُّجومَ، ومنهُم مَن كانَ يَعْبُدُ الشَّمسَ أوِ القمرَ. فهَدى اللهُ المؤمنينَ بإرسالِ مُحَمَّدٍ ﷺ إلى ما جاءَ بهِ مِن الهدى ودينِ الحقِّ، وأظْهَرَ اللهُ دينَهُ حتَّى بَلَغَ مشارقَ الأرضِ ومغاربَها، فظَهَرَتْ فيها كلمةُ التَّوحيدِ والعملِ بالعدلِ بعدَ أنْ كانَتِ الأرضُ كلُّها ممتلئةً مِن ظلمةِ الشِّركِ والظُّلمِ. فالأُمِّيُّونَ همُ العربُ، والآخرونَ الذينَ لمْ يَلْحَقوا بهِم هُم أهلُ فارسَ والرُّومُ. فكانَتْ أهلُ فارسَ مجوسًا والرُّومُ نصارى، فهَدى اللهُ جميعَ هؤلاءِ برسالةِ مُحَمَّدٍ ﷺ إلى التَّوحيدِ. وقد رُئِيَ الإمامُ أحْمَدُ بعدَ موتِهِ في المنامِ، فسُئِلَ عن حالِهِ، فقالَ: لولا هذا النَّبيُّ؛ لَكُنَّا مجوسًا. وهوَ كما قالَ؛ فإنَّ أهلَ العراقِ لولا رسالةُ مُحَمَّدٍ ﷺ [لَـ]ـكانوا مجوسًا، وأهلَ الشَّامِ ومِصْرَ والرُّومَ لولا مُحَمَّد ﷺ لَكانوا نصارى، وأهلَ جزيرةِ العربِ لولا رسالةُ مُحَمَّدٍ ﷺ لَكانوا مشركينَ عُبَّادَ أوثانٍ. ولكنْ رَحِمَ اللهُ عبادَهُ بإرسالِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، فأنْقَذَهُم مِن الضَّلالِ، كما قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. ولهذا قالَ تَعالى: ﴿ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ

стр. 207

ذو الفَضْلِ العَظيمِ﴾ [الجمعة: ٤]. فمَن حَصَلَ لهُ نصيبٌ مِن دينِ الإسلامِ؛ فقد حَصَلَ لهُ الفضلُ العظيمُ، وقد عَظُمَتْ عليهِ نعمةُ اللهِ، فما أحْوَجَهُ إلى القيامِ بشكرِ هذهِ النِّعمةِ وسؤالِهِ دوامَها والثَّباتَ عليها إلى المماتِ والموتَ عليها، فبذلكَ تَتِمُّ النِّعمةُ. فإبْراهيمُ ﵇ هوَ إمامُ الحنفاءِ المأْمورُ مُحَمَّدٌ ﷺ ومَن قبلَهُ مِن الأنبياءِ بالاقتداء بهِ، وهوَ الذي جَعَلَهُ اللهُ للنَّاسِ إمامًا. وقد دَعا هوَ وابنُهُ إسْماعيلُ بأنْ يَبْعَثَ اللهُ في أهلِ مَكَّةَ رسولًا منهُم موصوفًا بهذهِ الأوصافِ، فاسْتَجابَ اللهُ لهُما وجَعَلَ هذا النَّبيَّ المبعوثَ فيهِم مِن ولدِ إسْماعيلَ بن إبْراهيمَ كما دَعَيا بذلكَ، وهوَ النَّبيُّ الذي أظْهَرَ دينَ إبْراهيمَ الحنيفَ بعدَ اضمحلالِهِ وخفائِهِ على أهلِ الأرضِ. فلهذا كانَ أولى النَّاسِ بإبْراهيمَ: كما قال تَعالى: ﴿إنَّ أوْلى النَّاسِ بِإبْراهيمَ لَلَّذينَ اتَّبَعُوهُ وَهذا النَّبيُّ وَالَّذينَ آمَنوا﴾ [آل عمران: ٦٨]. وقال ﷺ : "إنَّ لكلِّ نبي وليًّا مِن النَّبيِّينَ وإن وليي إبْراهيمُ (ثمَّ تَلا هذهِ الآيةَ) " (١). وكانَ ﷺ أشبهَ ولدِ إبْراهيمَ بهِ صورةً ومعنًى، حتَّى إنَّهُ أشْبَهَهُ في خُلَّةِ اللهِ تَعالى، فقال: "إنَّ الله اتَّخَذني خليلًا كما اتَّخَذَ إبْراهيمَ خليلًا" (٢). • الثَّاني: بشارةُ عيسى ﵇ بهِ، وعيسى آخرُ أنبياءِ بني إسرائيلَ، وقد قال

стр. 208

تَعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦]. وقد كانَ المسيح ﵇ يَحُضُّ على اتِّباعِهِ وتقولُ: إنَّهُ يُبْعَثُ بالسَّيفِ، فلا يَمْنَعَنَّكُمْ ذلكَ منهُ. ورُوِيَ عنهُ ﵇ أنَّهُ قالَ: سوفَ أذْهَبُ أنا ويَأْتي الذي بعدي، لا يَتَحَمَّدُكُمْ بدعواهُ (١)، ولكنْ يَسُل السَّيفَ فتَدْخُلونَهُ طوعًا وكرهًا. وفي "المسند": عن أبي الدَّرْداءِ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ أن الله أوْحى إلى عيسى ﵇: "إنِّي باعثٌ بعدَكَ أمَّةً: إنْ أصابَهُمْ ما يُحِبُّونَ؛ حَمِدوا وشَكَروا، وإنْ أصابَهُم ما يَكْرَهونَ؛ احْتَسَبوا وصَبَروا، ولا حِلْمَ ولا عِلْمَ. قالَ: يا ربِّ! كيفَ هذا ولا حِلْمَ ولا عِلْمَ؟! قالَ: أُعْطيهِم مِن حِلْمي وعِلْمي" (٢). قالَ ابنُ إسْحاقَ: حَدَّثَني بعضُ أهلِ العلم؛ أن عيسى ﵇ قالَ: إنّ أحَبَّ الأُممِ إلى اللهِ لأُمَّةُ أحْمَدَ ﷺ . قيلَ لهُ: وما فضلُهُمُ الذي تَذْكُرُ؟ قالَ: لمْ تُذَلَّلْ لا إلهَ إلَّا اللهُ على ألسنِ أُمَّةٍ مِن الأُممِ تذليلَها على ألسنتِهِم. • الثَّالثُ ممَّا دَلَّ على نبوَّتِهِ ﷺ قبلَ ظهورِهِ: رؤيا أمِّهِ التي رَأتْ أنَّهُ خَرَجَ منها نورٌ أضاءَتْ لهُ قصورُ الشَّامِ، وذَكَرَ أن أُمَّهاتِ النَّبيِّينَ كذلكَ يَرَيْنَ.

стр. 209

والرُّؤيا هنا إنْ أُريدَ بها رؤيا المنامِ: فقدْ رُوِيَ أنَّ آمِنَةَ بنتَ وَهْبٍ رَأتْ في أوَّلِ حملِها بالنَّبيِّ ﷺ أنَّها بُشِّرَتْ بأنَّهُ يَخْرُجُ منها عندَ ولادتِها نورٌ تُضيءُ لهُ قصورُ الشَّامِ (١). ورَوى الطَّبَرانِي بإسنادِهِ: عن أبي مَرْيَمَ (٢) الكِنْدِيِّ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ أنَّهُ سُئِلَ: أيُّ شيءٍ كانَ أوَّل مِن أمرِ نبوَّتكَ؟ قالَ: "أخَذَ اللهُ منِّي الميثاقَ كما أخَذَ مِن النَّبيِّينَ ميثاقَهُم (وتَلا: ﴿[وَإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ ميثاقَهُمْ] (٣) وَمِنْكَ وَمِنْ نوحٍ﴾ الآيةَ [الأحزاب: ٧])، وبُشرى المسيحِ بن مَرْيَمَ، ورَأتْ أُمُّ رسولِ اللهِ ﷺ في منامِها أنَّهُ خَرَجَ مِن بين يديها سراجٌ أضاءَتْ لها منهُ قصورُ الشَّامِ". ثمَّ قالَ: "ووراءَ ذلكَ"؛ مرَّتينِ أو ثلاثًا (٤). * وإنْ أُريدَ بها رؤيةُ عينٍ: كما قالَ ابنُ عَبَّاسٍ في قولِ اللهِ تَعالى ﴿وَما جَعَلْنا الرُّؤيا التي أرَيْناكَ إلَّا فِتْنةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]: إنَّها رؤيةُ عينٍ أُرِيَها رسولُ اللهِ ﷺ ليلةَ أُسْرِيَ بهِ؛ فقدْ رُوِيَ أن آمِنَةَ رَأتْ ذلكَ عندَ ولادةِ النَّبيِّ ﷺ . قالَ ابنُ إسْحاقَ: كانَتْ آمِنَةُ بنتُ وَهْبٍ تُحَدِّثُ أنَّها أُتِيَتْ حينَ حَمَلَتْ برسولِ اللهِ ﷺ ، فقيلَ لها: إنَّكِ حَمَلْتِ بسيِّدِ هذهِ الأُمَّةِ، فإذا وَقَعَ إلى الأرضِ؛ فقولي: أُعيذُهُ

стр. 210

بالواحدِ مِن شرِّ كلِّ حاسدٍ، وآيةُ ذلكَ أنْ يَخْرُجَ معَهُ نورٌ يَمْلأُ قصورَ بُصْرى مِن أرضِ الشَّامِ، فإذا وَقَعَ؛ [فـ]ـسَمِّيهِ مُحَمَّدًا؛ فإنَّ اسمَهُ في التَّوراةِ أحْمَدُ يَحْمَدُهُ أهلُ السَّماءِ وأهلُ الأرضِ، واسمُهُ في الإنجيلِ أحْمَدُ يَحْمَدُهُ أهلُ السَّماءِ وأهلُ الأرضِ، واسمُهُ في القرآنِ مُحَمَّد (١). وذَكَرَ ابنُ سَعْدٍ عن الواقِدِيِّ بأسانيدَ [لهُ] متعدِّدةٍ؛ أن آمِنَةَ بنتَ وَهْب قالَتْ: لقدْ عَلِقْتُ بهِ (تَعْني: النَّبيَّ ﷺ )، فما وَجَدْتُ لهُ مشقَّةً حتَّى وَضَعْتُهُ، فلمَّا فُصِلَ منِّي؛ خَرَجَ معَهُ نورٌ أضاءَ لهُ ما بينَ المشرقِ إلى المغرب، ثمَّ وَقَعَ إلى الأرضِ (٢) معتمدًا على يديهِ، ثمَّ أخَذَ قبضةً مِن التُّرابِ فقَبَضها ورَفَعَ رأسَهُ إلى السَّماءِ. وفي حديثِ بعضِهِم: وَقَعَ جاثيًا على ركبتيهِ، وخَرَجَ معَهُ نور أضاءَتْ لهُ قصورُ الشَّامِ وأسواقُها، حتَّى رُئِيَتْ أعناق الإبلِ ببُصْرى، رافعًا رأْسَهُ إلى السَّماءِ (٣). ورَوى البَيْهَقِيُّ بإسنادهِ: عن عُثْمانَ بن أبي العاصِ، حَدَّثَتْني أُمِّي؛ أنَّها شَهِدَتْ ولادةَ آمِنَةَ بنتِ وَهْبٍ رسولَ اللهِ ﷺ ليلةَ وَلَدَتْهُ؛ قالَتْ: فما شيءٌ أنْظُرُ إليهِ مِن البيتِ إلَّا نورٌ، وإنِّي أنْظُرُ إلى النُّجومِ تَدْنو حتَّى إنِّي لأقولُ: لَيَقَعُنَّ عليَّ (٤). وخَرَّجَ الإمامُ أحْمَدُ مِن حديثِ: عُتْبَةَ بن عَبْدٍ السُّلَمِيِّ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ أن أُمَّهُ

стр. 211

قالَتْ: إنِّي رَأيْتُ خَرَجَ منِّي نورٌ أضاءَتْ منهُ قصورُ الشَّامِ (١). ورَوى: ابنُ إسْحاقَ، عن جَهْمِ بن أبي جَهْمٍ، عن عَبْدِ اللهِ بن جَعْفَرٍ، عمَّن حَدَّثَ، عن حَليمَةَ أُمِّ النَّبيِّ ﷺ التي أرْضَعَتْهُ، أن آمِنَةَ بنتَ وَهْبٍ حَدَّثَتْها؛ قالَتْ: إنِّي حَمَلْتُ بهِ فلمْ أرَ حملًا قطُّ كانَ أخفَّ عليَّ منهُ ولا أعظمَ بركةً منهُ، لقد رَأيْتُ نورًا كأنَّهُ شهابٌ خَرَجَ منِّي حينَ وَضَعْتُهُ، أضاءَتْ لهُ أعناقُ الإبلِ ببُصْرى (٢). وخروجُ هذا النُّورِ عندَ وضعِهِ إشارةٌ إلى ما يَجيءُ بهِ مِن النُّورِ الذي اهْتَدى بهِ أهلُ الأرضِ وزالَ بهِ ظلمةُ الشِّركِ منها: كما قالَ تَعالى: ﴿قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللهِ نورٌ وَكِتابٌ مُبينٌ. يَهْدي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ

стр. 212

بِإذْنِهِ وَيَهْديهِمْ إلى صِراطٍ مُسْتَقيمٍ﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦]. وقالَ تَعالى: ﴿فَالَّذينَ آمَنوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذي أُنزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ المُفْلِحونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. وفي هذا المعنى يَقولُ العَبَّاسُ في أبياتِهِ المشهورةِ السَّائرةِ: وَأنْتَ لَمَّا وُلِدْتَ أشْرَقَتِ الْـ … أرْضُ وَضَاءَتْ بِنُورِكَ الأُفُقُ فنَحْنُ في ذلِكَ الضِّياءِ وَفي الْـ … ـنُّورِ وَسُبْلِ الرَّشادِ نَخْتَرِقُ • وأمَّا إضاءَةُ قُصورِ بُصْرى بالنُّورِ الذي خَرَجَ معَهُ؛ فهوَ إشار إلى ما خَصَّ الشَّامَ مِن نورِ نبوَّتهِ؛ فإنَّها دارُ ملكِهِ - كما ذَكَرَ كَعْبٌ أن في الكتبِ السَّابقةِ: مُحَمَّدٌ رسولُ اللهِ، مولدُهُ بمكَّةَ، ومهاجَرُهُ يَثْرِبُ، وملكُهُ بالشَّامِ -، فمِن مكَّةَ بُدِئَتَ نبوَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وإلى الشَّامِ يَنْتَهي ملكُهُ. ولهذا أُسْرِيَ بهِ ﷺ إلى الشَّامِ إلى بيتِ المقدسِ كما هاجَرَ إبْراهيمُ مِن قبلِهِ إلى الشَّامِ. قالَ بعضُ السَّلفِ: ما بَعَثَ اللهُ نبيًّا إلَّا مِن الشَّامِ، فإنْ لمْ يُبْعَثْ منها؛ هاجَرَ إليها (١). وفي آخرِ الزَّمانِ يَسْتَقِرُّ العلمُ والإيمانُ بالشَّامِ، فيَكونُ نورُ النُّبوَّةِ فيها أظهرَ منهُ في سائرِ بلادِ الإسلامِ. وخَرَّجَ الإمامُ أحْمَدُ مِن حديثِ عَمْرِو بن العاصِ وأبي الدَّرْداءِ والحاكِمُ مِن حديثِ عَبْدِ اللهِ بن عَمْرِو بن العاصِ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "رَأيْتُ عمودَ الكتابِ انْتُزِعَ مِن تحتِ وسادتي، فأتْبَعْتُهُ بصري، فإذا هوَ عمودٌ ساطع عُمِدَ بهِ إلى الشَّامِ. ألا وإنَّ الإيمانَ إذا وَقَعَتِ الفتنُ بالشَّامِ" (٢).

стр. 213

وفي "المسند" والتِّرْمِذِيِّ (١) وغيرِهِما: عن النَّبيِّ ﷺ ، قالَ: "سَتكونُ هجرةٌ بعدَ هجرةٍ، فخيارُ أهلِ الأرضِ ألزمُهُم مهاجَرَ إبْراهيمَ (يَعْني: الشَّامَ) " (٢). وبالشَّامِ يَنْزِلُ عيسى بنُ مَرْيَمَ ﵇ في آخرِ الزَّمانِ، وهوَ المبشِّرُ بمُحَمَّدٍ

стр. 214

- ﷺ ، فيُقَرِّرُ عندَ نزولِهِ دينَ مُحَمَّدٍ ﷺ ، ويَحْكُمُ بهِ، ولا تقْبَلُ مِن أحدٍ غيرَ دينِهِ، فيَكْسِرُ الصَّليبَ، ويقْتُلُ الخنزيرَ، ويَضَعُ الجزيةَ، ويُصَلِّي خلفَ إمامِ المسلمينَ، ويَقولُ: إن هذهِ الأُمَّةَ أئمَّة بعضُهُم لبعض؛ إشارةً إلى أنَّهُ متَبعٌ لدينِهِم غيرُ ناسخٍ لهُ. والشَّامُ هيَ في آخرِ الزَّمانِ أرضُ المحشرِ والمنشرِ، فيُحْشَرُ النَّاسُ إليها قبلَ القيامةِ مِن أقطارِ الأرضِ، فيُهاجِرُ خيارُ أهلِ الأرضِ إلى مهاجَرِ إبراهيمَ - وهيَ أرضُ الشَّامِ - طوعًا، كما تَقَدَّمَ أن خيارَ أهلِ الأرضِ ألزمُهُم مهاجَرَ إبْراهيمَ. وقالَ ﷺ : "عليكُم بالشَّامِ، فإنَّها خيرةُ اللهِ مِن أرضِهِ يَجْتَبي إليها خيرتَهُ مِن عبادهِ" (١). خَرَّجَهُ الإمامُ أحْمَدُ وأبو داوودَ وابنُ حِبَّانَ والحاكِمُ في "صحيحيهِما". وقالَ أبو أُمامَةَ: لا تَقومُ السَّاعةُ حتَّى يَنْتَقِلَ خيارُ أهلِ العراقِ إلى الشَّامِ وشرارُ أهلِ الشَّامِ إلى العراقِ (٢). خَرَّجَهُ الإمامُ أحْمَدُ. وقد ثَبَتَ في الصَّحيحينِ (٣) عن النَّبي ﷺ ، أنَّهُ قالَ: "لا تَقومُ السَّاعةُ حتَّى تَخْرُجَ

стр. 215

نارٌ مِن أرضِ الحجازِ فتُضيءَ لها أعناقُ الإبلِ ببُصْرى". وقد خَرَجَتْ هذهِ النَّارُ بالحجازِ بقربِ المدينةِ، ورُئِيَتْ أعناقُ الإبلِ مِن ضوئِها ببُصْرى في سنةِ أربعٍ وخمسينَ وستِّ مئةٍ، وعَقِيبَهُما جَرَتْ واقعةٌ ببَغْدادَ وقُتِلَ بها الخليفةُ وعامَّةُ مَن كانَ ببغدادَ، وتكاملَ خرابُ أرضِ العراقِ على أيدي التَّتارِ، وهاجَرَ خيارُ أهلِها إلى الشَّامِ مِن حينئذٍ (١). فأمَّا شرارُ النَّاسِ؛ فتَخْرُجُ نارٌ في آخرِ الرمانِ تَسوقُهُمْ إلى الشَّامِ قهرًا حتَّى يَجْتَمعَ النَّاسُ كلُّهُم بالشَّامِ قبلَ قيامِ السَّاعةِ. وفي "سنن أبي داوودَ": عن أبي الدَّرْداءِ، عن النَّبي ﷺ ، قالَ: "إنَّ فُسْطاطَ المسلمينَ يومَ الملحمةِ بالغوطةِ إلى جانبِ مدينةٍ يقالُ لها: دِمَشْقُ، مِن خيرِ مدائنِ الشَّامِ". وخَرَّجَهُ الحاكِمُ ولفظُهُ: "خيرُ منازلِ المسلمينَ يومئذٍ" (٢). • إخواني! مَن كانَ مِن هذهِ الأُمَّةِ؛ فهوَ مِن خيرِ الأُممِ عندَ اللهِ. قالَ تَعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾. وقالَ النبي ﷺ : "أنتُم تُوفُونَ سبعينَ أُمَّةً، أنتُم خيرُها وأكرمُها على اللهِ تَعالى" (٣).
следующие страницы →