← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1151

لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف - ت عامر

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (739 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

قالَتْ: إنِّي رَأيْتُ خَرَجَ منِّي نورٌ أضاءَتْ منهُ قصورُ الشَّامِ (١). ورَوى: ابنُ إسْحاقَ، عن جَهْمِ بن أبي جَهْمٍ، عن عَبْدِ اللهِ بن جَعْفَرٍ، عمَّن حَدَّثَ، عن حَليمَةَ أُمِّ النَّبيِّ ﷺ التي أرْضَعَتْهُ، أن آمِنَةَ بنتَ وَهْبٍ حَدَّثَتْها؛ قالَتْ: إنِّي حَمَلْتُ بهِ فلمْ أرَ حملًا قطُّ كانَ أخفَّ عليَّ منهُ ولا أعظمَ بركةً منهُ، لقد رَأيْتُ نورًا كأنَّهُ شهابٌ خَرَجَ منِّي حينَ وَضَعْتُهُ، أضاءَتْ لهُ أعناقُ الإبلِ ببُصْرى (٢). وخروجُ هذا النُّورِ عندَ وضعِهِ إشارةٌ إلى ما يَجيءُ بهِ مِن النُّورِ الذي اهْتَدى بهِ أهلُ الأرضِ وزالَ بهِ ظلمةُ الشِّركِ منها: كما قالَ تَعالى: ﴿قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللهِ نورٌ وَكِتابٌ مُبينٌ. يَهْدي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ

стр. 212

بِإذْنِهِ وَيَهْديهِمْ إلى صِراطٍ مُسْتَقيمٍ﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦]. وقالَ تَعالى: ﴿فَالَّذينَ آمَنوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذي أُنزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ المُفْلِحونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. وفي هذا المعنى يَقولُ العَبَّاسُ في أبياتِهِ المشهورةِ السَّائرةِ: وَأنْتَ لَمَّا وُلِدْتَ أشْرَقَتِ الْـ … أرْضُ وَضَاءَتْ بِنُورِكَ الأُفُقُ فنَحْنُ في ذلِكَ الضِّياءِ وَفي الْـ … ـنُّورِ وَسُبْلِ الرَّشادِ نَخْتَرِقُ • وأمَّا إضاءَةُ قُصورِ بُصْرى بالنُّورِ الذي خَرَجَ معَهُ؛ فهوَ إشار إلى ما خَصَّ الشَّامَ مِن نورِ نبوَّتهِ؛ فإنَّها دارُ ملكِهِ - كما ذَكَرَ كَعْبٌ أن في الكتبِ السَّابقةِ: مُحَمَّدٌ رسولُ اللهِ، مولدُهُ بمكَّةَ، ومهاجَرُهُ يَثْرِبُ، وملكُهُ بالشَّامِ -، فمِن مكَّةَ بُدِئَتَ نبوَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وإلى الشَّامِ يَنْتَهي ملكُهُ. ولهذا أُسْرِيَ بهِ ﷺ إلى الشَّامِ إلى بيتِ المقدسِ كما هاجَرَ إبْراهيمُ مِن قبلِهِ إلى الشَّامِ. قالَ بعضُ السَّلفِ: ما بَعَثَ اللهُ نبيًّا إلَّا مِن الشَّامِ، فإنْ لمْ يُبْعَثْ منها؛ هاجَرَ إليها (١). وفي آخرِ الزَّمانِ يَسْتَقِرُّ العلمُ والإيمانُ بالشَّامِ، فيَكونُ نورُ النُّبوَّةِ فيها أظهرَ منهُ في سائرِ بلادِ الإسلامِ. وخَرَّجَ الإمامُ أحْمَدُ مِن حديثِ عَمْرِو بن العاصِ وأبي الدَّرْداءِ والحاكِمُ مِن حديثِ عَبْدِ اللهِ بن عَمْرِو بن العاصِ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "رَأيْتُ عمودَ الكتابِ انْتُزِعَ مِن تحتِ وسادتي، فأتْبَعْتُهُ بصري، فإذا هوَ عمودٌ ساطع عُمِدَ بهِ إلى الشَّامِ. ألا وإنَّ الإيمانَ إذا وَقَعَتِ الفتنُ بالشَّامِ" (٢).

стр. 213

وفي "المسند" والتِّرْمِذِيِّ (١) وغيرِهِما: عن النَّبيِّ ﷺ ، قالَ: "سَتكونُ هجرةٌ بعدَ هجرةٍ، فخيارُ أهلِ الأرضِ ألزمُهُم مهاجَرَ إبْراهيمَ (يَعْني: الشَّامَ) " (٢). وبالشَّامِ يَنْزِلُ عيسى بنُ مَرْيَمَ ﵇ في آخرِ الزَّمانِ، وهوَ المبشِّرُ بمُحَمَّدٍ

стр. 214

- ﷺ ، فيُقَرِّرُ عندَ نزولِهِ دينَ مُحَمَّدٍ ﷺ ، ويَحْكُمُ بهِ، ولا تقْبَلُ مِن أحدٍ غيرَ دينِهِ، فيَكْسِرُ الصَّليبَ، ويقْتُلُ الخنزيرَ، ويَضَعُ الجزيةَ، ويُصَلِّي خلفَ إمامِ المسلمينَ، ويَقولُ: إن هذهِ الأُمَّةَ أئمَّة بعضُهُم لبعض؛ إشارةً إلى أنَّهُ متَبعٌ لدينِهِم غيرُ ناسخٍ لهُ. والشَّامُ هيَ في آخرِ الزَّمانِ أرضُ المحشرِ والمنشرِ، فيُحْشَرُ النَّاسُ إليها قبلَ القيامةِ مِن أقطارِ الأرضِ، فيُهاجِرُ خيارُ أهلِ الأرضِ إلى مهاجَرِ إبراهيمَ - وهيَ أرضُ الشَّامِ - طوعًا، كما تَقَدَّمَ أن خيارَ أهلِ الأرضِ ألزمُهُم مهاجَرَ إبْراهيمَ. وقالَ ﷺ : "عليكُم بالشَّامِ، فإنَّها خيرةُ اللهِ مِن أرضِهِ يَجْتَبي إليها خيرتَهُ مِن عبادهِ" (١). خَرَّجَهُ الإمامُ أحْمَدُ وأبو داوودَ وابنُ حِبَّانَ والحاكِمُ في "صحيحيهِما". وقالَ أبو أُمامَةَ: لا تَقومُ السَّاعةُ حتَّى يَنْتَقِلَ خيارُ أهلِ العراقِ إلى الشَّامِ وشرارُ أهلِ الشَّامِ إلى العراقِ (٢). خَرَّجَهُ الإمامُ أحْمَدُ. وقد ثَبَتَ في الصَّحيحينِ (٣) عن النَّبي ﷺ ، أنَّهُ قالَ: "لا تَقومُ السَّاعةُ حتَّى تَخْرُجَ

стр. 215

نارٌ مِن أرضِ الحجازِ فتُضيءَ لها أعناقُ الإبلِ ببُصْرى". وقد خَرَجَتْ هذهِ النَّارُ بالحجازِ بقربِ المدينةِ، ورُئِيَتْ أعناقُ الإبلِ مِن ضوئِها ببُصْرى في سنةِ أربعٍ وخمسينَ وستِّ مئةٍ، وعَقِيبَهُما جَرَتْ واقعةٌ ببَغْدادَ وقُتِلَ بها الخليفةُ وعامَّةُ مَن كانَ ببغدادَ، وتكاملَ خرابُ أرضِ العراقِ على أيدي التَّتارِ، وهاجَرَ خيارُ أهلِها إلى الشَّامِ مِن حينئذٍ (١). فأمَّا شرارُ النَّاسِ؛ فتَخْرُجُ نارٌ في آخرِ الرمانِ تَسوقُهُمْ إلى الشَّامِ قهرًا حتَّى يَجْتَمعَ النَّاسُ كلُّهُم بالشَّامِ قبلَ قيامِ السَّاعةِ. وفي "سنن أبي داوودَ": عن أبي الدَّرْداءِ، عن النَّبي ﷺ ، قالَ: "إنَّ فُسْطاطَ المسلمينَ يومَ الملحمةِ بالغوطةِ إلى جانبِ مدينةٍ يقالُ لها: دِمَشْقُ، مِن خيرِ مدائنِ الشَّامِ". وخَرَّجَهُ الحاكِمُ ولفظُهُ: "خيرُ منازلِ المسلمينَ يومئذٍ" (٢). • إخواني! مَن كانَ مِن هذهِ الأُمَّةِ؛ فهوَ مِن خيرِ الأُممِ عندَ اللهِ. قالَ تَعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾. وقالَ النبي ﷺ : "أنتُم تُوفُونَ سبعينَ أُمَّةً، أنتُم خيرُها وأكرمُها على اللهِ تَعالى" (٣).

стр. 216

لمَّا كانَ هذا الرَّسولُ النَّبيُّ الأُمِّيُّ خيرَ الخلقِ وأفضلَم عندَ اللهِ سبحانَهُ؛ كانَتْ أُمَّتُهُ خيرَ أُمَّةِ وأفضلَها، فما يَحْسُنُ بمَن كانَ مِن خيرِ الأممِ وانْتَسَبَ إلى متابعةِ خيرِ الخلقِ وأفضلِهِم -[و] خصوصًا مَن كانَ يَسْكُنُ خيرَ منازلِ المسلمينَ في آخرِ الزَّمانِ - إلَّا أنْ يَكونَ متَّصفًا بصفاتِ الخيرِ مجتنبًا لصفاتِ الشَّرِّ، وقبيحٌ بهِ أنْ يَرْضى لنفسِهِ أنْ يَكونَ مِن شرارِ النَّاسِ معَ انتسابِهِ إلى خيرِ الأُممِ ومتابعةِ خيرِ الرُّسلِ. قالَ اللهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذينَ آمَنوا وَعَمِلوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾ [البيّنة: ٧]. فخيرُ النَّاسِ مَن آمَنَ وعَمِلَ صالحًا. وقالَ تَعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أخرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرونَ بِالمَعْروف وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وَتُؤْمِنونَ بِاللهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. وقد رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: "خيرُ النَّاسِ مَن فَقُهَ في دينِ اللهِ ووَصَلَ رَحِمَهُ وأمَرَ بالمعروفِ ونَهى عن المنكرِ" (١). وفي روايةٍ: "خيرُ النَّاسِ أتقاهُم للرَّبِّ وأوصلُهُم للرَّحمِ وآمَرُهُم بالمعروفِ وأنهاهُمْ عن المنكرِ" (٢).

стр. 217

وقالَ ﵇: "النَّاسُ معادنُ، فخيارُهُم في الجاهليَّةِ خيارُهُم في الإسلامِ إذا فَقُهوا" (١). وقالَ ﵇: "خيرُ النَّاسِ مَن طالَ عمرُهُ وحَسُنَ عملُهُ، وشرُّ النَّاسِ مَن طالَ عمرُهُ وساءَ عملُهُ" (٢). وقالَ: "خيرُكُمْ مَن يُرْجى خيرُهُ ويُؤْمَنُ شرّهُ، وشرُّكُمْ مَن لا يُرْجى خيرُهُ ولا يُؤْمَنُ شرُّهُ" (٣).

стр. 218

وقال: "ألا أُخْبِرُكُم بخيارِكُم؟ ". قالوا: بلى. قال: "الذينَ إذا رُؤوا ذُكِرَ اللهُ، ألا أُنبِئُكُم بشرارِكُم؟ ". قالوا: بلى. قال: "المشَّاؤونَ بالنَّميمةِ، المفرِّقونَ بينَ الأحبَّةِ، الباغونَ للبُرَآءِ العَنَتَ (١) " (٢).

стр. 219

وقالَ: "شرُّ النَّاسِ منزلةً عندَ اللهِ مَن تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقاءَ فحشِهِ" (١). وقالَ: "إنَّ مِن شرِّ النَّاسِ [يومَ القيامةِ] منزلةً عندَ اللهِ ذا الوجهينِ، الذي يَأْتي هؤلاءِ بوجهٍ وهؤلاءِ بوجهٍ" (٢). وقالَ: "مِن شرِّ النَّاسِ منزلةً عندَ اللهِ يومَ القيامةِ عبدٌ أذْهَبَ آخرتَهُ بدنيا غيرِهِ" (٣). وقالَ: "إنَّ مِن شرِّ النَّاسِ عندَ اللهِ منزلةً مَن يَقْرَأُ كتابَ اللهِ ثمَّ لا يَرْعَوي إلى ما فيهِ" (٤). أعمالُ الأُمَّةِ تُعْرَضُ على نبيِّها في البَرْزَخِ (٥)، فلْيَسْتَحِ عبدٌ أنْ يُعْرَضَ على نبيِّهِ مِن

стр. 220

عملِهِ ما نَهاهُ عنهُ. لمَّا وَقَفَ ﷺ عامَ حجَّةِ الوداع؛ قالَ: "إنِّي فَرَطُكُم على الحوضِ، وإنِّي مكاثرٌ بكُمُ الأُممَ، فلا تُسَوِّدوا وجهي" (١). يُشيرُ إلى أنَّهُ ﷺ يَسْتَحْي مِن سيِّئاتِ أُمَّتِهِ إذا عُرِضتْ عليهِ. وقالَ: "لَيُؤْخَذَنَّ برجالٍ مِن أُمَّتي ذاتَ الشِّمالِ، فأقولُ: يا ربِّ أصحابي! فيُقالُ: إنَّكَ لا تَدْري ما أحْدَثوا بعدَكَ، فأقولُ: سحقًا سحقًا لمَن بَدَّلَ بعدي" (٢). خيرُ هذهِ الأُمَّةِ أوَّلُها قرنًا: كما قالَ ﷺ : "خيرُ القرونِ قرني، ثمَّ الذينَ يَلونَهُم، ثمَّ الذينَ يَلونَهُم" (٣). وقالَ: "بُعِثْتُ مِن خيرِ قرونِ بني آدَمَ قَرْنًا فَقَرْنًا، حتَّى كُنْتُ مِن القرنِ الذي كُنْتُ منهُ" (٤). كم قد جاءَ مدحُ أصحابِهِ في كتابِهِ: ﴿مُحَمَّدٌ رَسولُ اللهِ وَالَّذينَ مَعَهُ أشِدَّاءُ عَلى الكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]. ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ المُؤْمِنينَ إذْ يُبايِعونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨]. وخَصَّ الصِّدِّيقَ مِن بينِهِم بالصُّحبةِ بقولِهِ: ﴿إذْ يَقولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إنَّ الله مَعَنا﴾ [التوبة: ٤٥]. لمَّا جَلى الرَّسولُ ﷺ عروسَ الإسلامِ وأبرزَها للبصائرِ مِن خدرِها؛ أخْرَجَ أبو بكْرٍ

стр. 221

مالَهُ كلَّهُ نثارًا لهذهِ العروسِ، فأخْرَجَ عُمَرُ النِّصفَ موافقةً لهُ، فقامَ عُثْمانُ بوليمةِ العرسِ فجَهَّزَ جيشَ العسرةِ، فعَلِمَ عَلِيٌّ ﵁ أن الدُّنيا ضرَّةُ هذهِ العروس وأنَّهُما لا يَجْتَمِعانِ فبَتَّ طلاقَها ثلاثًا. فالحمدُ للهِ الذي خَصَّنا بهذهِ الرَّحمة، وأسْبَغَ علينا هذهِ النِّعمة، وأعْطانا ببركةِ نبيِّنا هذهِ الفضائلَ الجمَّة، فقالَ لنا: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ [أُخْرِجَتْ لِلنَّاس]﴾ [آل عمران: ١١٠]. مِن أينَ في الأُممِ مثلُ أبي بَكْرٍ الصِّدِّيق، أو عُمَرَ الذي ما سَلَكَ طريقًا إلَّا هَرَبَ الشَّيطانُ مِن ذلكَ الطَّريق، أو عُثْمانَ الصَّابرِ على مُرِّ الضِّيق، أو عَلِيٍّ بحرِ العلمِ العميق، أو حَمْزَةَ والعَبَّاس؟! ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ للنَّاس﴾. أفيهِم مثلُ طلحةَ والزُّبَيْرِ القرينين، أو مثلُ سَعْدٍ وسَعيدٍ؟! هيهاتَ! مِن أين؟ أو مثلُ ابن عَوْفٍ وأبي عُبَيْدَةَ؟ ومَن مثلُ الاثنين؟ إن سَبَّهْتُم بهِم؛ فقد أبْعَدْتُمُ القياس! ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ للنَّاس﴾. مِن أينَ في زهَّادِ الأُممِ مثلُ أُوَيْس، أو في عبَّادِهِم مثلُ عامِرِ بن عَبْدِ قَيْس، أو في خائفيهِمْ مثلُ عُمَرَ بنُ عَبْدِ العَزيز؟! هيهاتَ! ليسَ ضوءُ الشَّمس كالمقباس! ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ للنَّاس﴾. أفي علمائِهِم مثلُ أبي حَنِيفَةَ ومالِك، والشَّافِعِيِّ الشَّديد المسالِك، كيفَ تَمْدَحُهُ وهوَ أجلُّ مِن ذلك؟ ما أحْسَنَ بنيانَهُ والأساس! ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ للنَّاس﴾. أفيهِم أعلى مِن الحَسَنِ البَصْرِيِّ وأنبل، أو ابن سِيرِينَ الذي بالورعِ تَقَبَّل، أو سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ الذي بالخوفِ والعلمِ تَسَرْبَل، أو مثلُ أحْمَدَ الذي بَذَلَ نفسَهُ للهِ وسَبَّل، تاللهِ ما في الأُممِ مثلُ ابن حَنْبَل، ارْفَعْ صوتَكَ بهذا ولا باس، ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاس﴾ [آل عمران: ١١٠]. لاحَ شَيْبُ الرَّأْسِ مِنِّي وَنَصَحْ (١) … بَعْدَ لَهْوٍ وَشَبابٍ وَمَرَحْ

стр. 222

إخْوَتي توبوا إلى اللهِ بِنا .. قَدْ لَهَوْنا وَجَهِلْنا ما صَلَحْ نَحْنُ في دارٍ نَرى المَوْتَ بِها … لَمْ يَدَعْ فيها لِذي اللُبِّ فَرَحْ يا بَني آدَمَ صونوا دينكُمْ … يَنْبَغي لِلدِّينِ ألَّا يُطَّرَحْ وَاحْمَدوا الله الَّذي أكْرَمَكُمْ … بِنَبِيٍّ قامَ فيكُمْ وَنَصَحْ بِنَبِيٍّ فتَحَ اللهُ بِه … كُلَّ خَيْرٍ نِلْتُموهُ وَمَنَحْ مُرْسَلٍ لَوْ يوزَنُ النَّاسُ بِهِ … في التُّقى وَالبِرِّ خَفُّوا وَرَجَحْ فَرَسولُ اللهِ أوْلى بِالعُلى … وَرَسولُ اللهِ أوْلى بِالمِدَحْ المجلس الثاني في ذكر المولد أيضا خَرَّجَ مُسْلِمٌ (١) مِن حديثِ أبي قَتادَةَ الأنصارِيِّ، أن النَّبي ﷺ سُئِلَ عن صيامِ يومِ الاثنينِ، فقال: "ذلكَ يومٌ وُلِدْتُ فيهِ، وأنزِلَتْ عليَّ فيهِ النُّبوَّةُ". • أمَّا ولادةُ النَّبيِّ ﷺ يومَ الاثنينِ، فكالمُجمعِ عليهِ بينَ العلماءِ، وقد قالَهُ ابنُ عَبَّاسٍ وغيرُهُ. وقد حُكِيَ عن بعضِهِم أنَّهُ وُلِدَ يومَ الجمعةِ، وهوَ قول ساقطٌ مردودٌ. ورُوِيَ عن أبي جَعْفَرٍ الباقِرِ أنَّهُ تَوَقَّفَ في ذلكَ وقال: لا يَعْلَمُ ذلكَ إلَّا اللهُ. وإنَّما قالَ هذا لأنَّهُ لمْ يَبْلُغْهُ في ذلكَ ما يُعْتَمَدُ عليهِ فتَوَقَّفَ في ذلكَ تورُّعًا، وأمَّا الجمهورُ؛ فبَلَغَهُم في ذلكَ ما قالوا بحسبِهِ. وقد رُوِيَ عن أبي جَعْفَرٍ أيضًا موافقتُهُم، وأنَّ النَّبي ﷺ وُلِدَ يومَ الاثنينِ، موافقةً لِما قالَهُ سائرُ العلماءِ. وحديثُ أبي قَتادَةَ يَدُلُّ على أنَّهُ ﷺ وُلِدَ نهارًا في يومِ الاثنينِ. وقد رُوِيَ أنَّهُ وُلِدَ عندَ طلوعِ الفجرِ منهُ. ورَوى أبو جَعْفَرِ بنُ أبي شَيْبَةَ في "تاريخِهِ" وخَرَّجَهُ مِن طريقِهِ أبو نُعَيْمٍ في "الدَّلائل" بإسنادٍ فيهِ ضعفٌ: عن عَبْدِ اللهِ بن عَمْرِو بن العاصِ، قال: كانَ بمَرِّ الظَّهرانِ راهبٌ يُسَمَّى عِيصًا مِن أهلِ الشَّامِ، وكانَ يَقول: يُوشِكُ أنْ يُولَدَ فيكُم (٢) يا أهلَ مَكَّةَ

стр. 223

مولودٌ تَدينُ لهُ العربُ ويَمْلِكُ العجمَ، هذا زمانُهُ. فكانَ لا يُولَدُ بمكَّةَ مولودٌ إلَّا سَألَ عنهُ. فلمَّا كانَ صبيحةُ اليومِ الذي وُلِدَ فيهِ رسولُ اللهِ ﷺ ؛ خَرَجَ عَبْدُ اللهِ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ حتَّى أتى عِيصًا، فناداهُ، فأشْرَفَ عليهِ، فقالَ لهُ عِيصٌ: كُنْ أباه، فقدْ وُلِدَ ذلكَ المولودُ الذي كُنْتُ أُحَدِّثُكُم عنهُ يومَ الاثنينِ، ويُبْعَثُ يومَ الاثنينِ، ويَموتُ يومَ الاثنينِ. قالَ: إنَّهُ وُلِدَ لي معَ الصُّبحِ مولودٌ. قالَ: فما سَمَّيْتَهُ؟ قالَ: مُحَمَّدًا. قالَ: واللهِ؛ لقدْ كُنْتُ أشْتَهي أنْ يَكونَ هذا المولودُ فيكُم أهلَ البيتِ لثلاثِ خصالٍ بها نَعْرِفُهُ، فقدْ أتى عليهِنَّ: منها؛ أنَّهُ طَلَعَ نجمُهُ البارحةَ، وأنَّهُ وُلِدَ اليومَ، وأن اسمَهُ مُحَمَّدٌ. انْطَلِقْ إليه؛ فإنَّهُ الذي كُنْتُ أُحَدِّثُكُم عنهُ (١). وقد رُوِيَ ما يَدُلُّ على أنَّهُ وُلِدَ ليلًا، وقدْ سَبَقَ في المجلس الذي قبلَهُ مِن الآثارِ ما يُسْتَدَلُّ بهِ لذلكَ (٢). وفي "صحيح الحاكم": عن عائِشَةَ؛ قالَتْ: كانَ بمكَّةَ يهوديٌّ يَتَّجِرُ فيها، فلمَّا كانَتِ الليلةُ التي وُلِدَ فيها رسولُ اللهِ ﷺ ؛ قالَ: يا معشرَ قريشٍ! هل وُلِدَ فيكُمُ الليلةَ مولودٌ؟ قالوا: لا نَعْلَمُهُ. قالَ: وُلِدَ الليلةَ نبيُّ هذهِ الأُمَّةِ الأخيرةِ، بينَ كتفيهِ علامةٌ فيها شعراتٌ متواتراتٌ كأنَّهُنَّ عرفُ فرسٍ. فخَرَجوا باليهوديِّ حتَّى أدْخَلوهُ على أُمِّهِ، فقالوا: أخْرِجي إلينا ابنَكِ. فأخْرَجَتْهُ، وكَشَفوا عن ظهرِهِ، فرَأى تلكَ الشَّامةَ، فوَقَعَ اليهوديُّ مغشيًّا عليهِ، فلمَّا أفاقَ؛ قالوا لهُ: ويلَكَ! ما لكَ؟ قالَ: ذَهَبَتْ واللهِ النُّبوَّةُ مِن بني إسرائيلَ (٣).

стр. 224

* وهذا الحديثُ يَدُلُّ على أنَّهُ وُلِدَ بخاتَمِ النُّبوَّةِ بينَ كتفيهِ. وخاتَمُ النُّبوَّةِ مِن علاماتِ نبوَّتِهِ التي كانَ يَعْرِفُهُ بها أهلُ الكتابِ ويَسْألونَ عنها ويَطْلُبونَ الوقوفَ عليها. وقد رُوِيَ أن هِرَقْلَ بَعَثَ إلى النَّبيِّ ﷺ مَن يَنْظُرُ لهُ خاتَمَ النُّبوَّةِ ثمَّ يُخْبِرُهُ عنهُ (١). وقد رُوِيَ مِن حديثِ أبي ذَرٍّ وعُتْبَةَ بن عبدٍ عن النَّبيِّ ﷺ ؛ أن الملَكينِ اللذينِ شَقَّا صدرَهُ ومَلآهُ حكمةً هُما اللذانِ خَتَماهُ بخاتمِ النُّبوَّةِ (٢). وهذا يُخالِفُ حديثَ عائِشَةَ هذا.

стр. 225

وقد رُوِيَ أن هذا الخاتَمَ رُفِعَ بعدَ موتِهِ مِن بين كتفيهِ (١)، ولكنَّ إسنادَ هذا الحديثِ ضعيفٌ. • وقد رُوِيَ في صفةِ ولادتِهِ آياتٌ تُسْتَغْرَبُ: فمِنها ما رُوِيَ عن آمِنَةَ بنتِ وَهْبٍ أنَّها قالَتْ: وَضَعْتُهُ فما وَقَعَ كما يَقَعُ الصِّبيانُ، وَقَعَ واضعًا يدَهُ على الأرضِ، رافعًا رأْسَهُ إلى السَّماءِ (٢). ورُوِيَ أيضًا أنَّهُ قَبَضَ قبضةً مِن التُّرابِ بيدِهِ لمَّا وَقَعَ بالأرضِ. فقالَ بعضُ القافةِ: إنْ صَدَقَ الفأْلُ لَيَغْلِبَن أهلَ الأرضِ (٣). ورُوِيَ أنَّهُ وُضِعَ تحتَ جَفْنَةٍ، فانْفَلَقَتْ عنهُ، ووَجَدوهُ يَنْظُرُ إلى السَّماءِ (٤). واخْتَلَفَتِ الرِّواياتُ؛ هلْ وُلِدَ مختونًا؟ فرُوِيَ أنَّهُ وُلِدَ مختونًا مسرورًا (يَعْني: مقطوعَ السُّرَّةِ) (٥)، حتَّى قالَ الحاكِمُ: تواتَرَتِ الرِّواياتُ

стр. 226

بذلكَ (١)! ورُوِيَ أن جدَّهُ خَتَنَهُ (٢). وتَوَقَّفَ الإمامُ أحْمَدُ في ذلكَ. قالَ المَرُّوذِيُّ: سُئِلَ أبو عَبْدِ اللهِ: هلْ وُلِدَ النَّبيُّ ﷺ مختونًا؟ قالَ: اللهُ أعلمُ، ثمَّ قالَ: لا أدْري. قالَ أبو بَكْرٍ عَبْدُ العَزيزِ بنُ جَعْفَرٍ مِن أصحابِنا: قد رُوِيَ أنَّهُ ﷺ وُلِدَ مختونًا مسرورًا، ولمْ يَجْتَرِئْ أبو عَبْدِ اللهِ على تصحيحِ هذا الحديثِ. • وأمَّا شهرُ ولادتِهِ؛ فقدِ اخْتُلِفَ فيهِ: فقيلَ: في شهرِ رمضانَ. رُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بن عَمْرٍو بإسنادٍ لا يَصِحُّ (٣). وقيلَ: في رجبٍ. ولا يَصِحُّ.

стр. 227

وقيلَ: في ربيعٍ الأوَّلِ. وهوَ المشهورُ بينَ الناسِ، حتَّى نَقَلَ ابنُ الجَوْزِيِّ وغيرُهُ عليهِ الاتِّفاقَ، ولكنهُ قولُ جمهورِ العلماءِ. ثمَّ اخْتَلَفوا في أيِّ يومٍ كانَ مِن الشَّهرِ: فمنهُم مَن قالَ: هوَ غيرُ معيَّنٍ، وإنَّما وُلِدَ في يومِ الاثنينِ مِن ربيعٍ [الأوَّلِ] مِن غيرِ تعيينٍ لعددِ ذلكَ اليومِ مِن الشَّهرِ. والجمهورُ على أنَّهُ يومٌ معيَّنٌ منهُ. ثمَّ اخْتَلَفوا: فقيلَ: لليلتينِ خَلَتا منهُ، وقيلَ: لثمانٍ خَلَتْ منهُ، وقيلَ: لعشرٍ، وقيلَ: لاثنتي عشرةَ، وقيلَ: لسبعَ عشرةَ، وقيلَ: لثماني عشرةَ، وقيلَ: لثمانٍ بقينَ منهُ، وقيلَ: إنَّ هذينِ القولينِ غيرُ صحيحينِ عمَّن حُكِيا عنهُ بالكلِّيَّةِ. والمشهورُ الذي عليهِ الجمهورُ أنَّهُ وُلِدَ يومَ الاثنينِ ثاني عشرَ ربيع الأوَّلِ، وهوَ قولُ ابن إسْحاقَ وغيرِهِ. • وأمَّا عامُ ولادتِهِ ﷺ ؛ فالأكثرونَ على أنَّهُ عامُ الفيلِ (١). وممَّن قالَ ذلكَ: قَيْسُ

стр. 228

بنُ مَخْرَمَةَ، وقُبَاثُ بنُ أشْيَمَ، وابنُ عَبَّاسٍ، ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ وُلِدَ يومَ الفيلِ (١)، وقيلَ: إنَّ هذهِ الروايةَ وهمٌ، إنَّما الصَّحيحُ عنهُ أنَّهُ قالَ (٢): عامَ الفيل. ومِن العلماءِ مَن حَكى الاتِّفاقَ على ذلكَ وقالَ: كل قولٍ يُخالِفُهُ فهوَ وهمٌ. والمشهورُ أنَّهُ ﷺ وُلِدَ بعدَ الفيلِ بخمسينَ يومًا. وقيلَ: بعدَهُ بخمسٍ وخمسينَ يومًا. وقيلَ: بشهرٍ. وقيلَ: بأربعينَ يومًا. و [قد] قيلَ: إنَّهُ وُلِدَ بعدَ الفيلِ بعشرِ سنينَ. وقيلَ: بثلاثٍ وعشرينَ سنةً. وقيلَ: بأربعينَ سنة. وقيلَ: قبلَ الفيلِ بخمسَ عشرةَ سنة. وهذهِ الأقوالُ وهم عندَ جمهورِ العلماءِ، ومنها ما لا يَصِحُّ عمَّن حُكِيَ عنهُ. قالَ إبْراهيمُ بنُ المُنْذِرِ الحِزامِيُّ (٣): الذي لا يَشُكُّ فيهِ أحدٌ مِن علمائِنا أنَّهُ ﵇ وُلِدَ عامَ الفيلِ. وقالَ خَليفَةُ بنُ خَياطٍ: هذا هوَ المجمَعُ عليهِ. وكانَتْ قصَّةُ الفيلِ توطئةً لنبوَّتِهِ وتقدمةً لظهورِهِ وبعثتِهِ ﷺ . وقد قَصَّ اللهُ تَعالى [ذلكَ] في كتابِهِ [فقالَ]: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ

стр. 229

مَأْكولٍ﴾ [القيل: ١ - ٥]: فقولُهُ ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحابِ الفيلِ﴾ استفهامُ تقريرٍ لمَن سَمعَ هذا الخطابَ، وهذا يَدُلُّ على اشتهارِ ذلكَ بينَهُم ومعرفتِهِم بهِ وأنَّهُ ممَّا لا يَخْفى علمُهُ عن العربِ خصوصًا قُرَيْش وأهلُ مَكَّةَ. وهذا أمرٌ اشْتَهَرَ بينَهُم وتَعارَفوهُ وقالوا فيهِ الأشعارَ السَّائرةَ. وقدْ قالَتْ عائِشَةُ: رَأيْتُ قائدَ اللَّيلِ وسائسَهُ بمَكَّةَ أعْمَيَيْنِ يَسْتَطْعِمانِ. وفي هذهِ القصَّةِ ما يَدُلُّ على تعظيمِ مَكَّةَ واحترامِها واحترامِ بيتِ اللهِ الذي فيها. وولادةُ النَّبيِّ ﷺ عَقيبَ ذلكَ تَدُلُّ على نبوَّتِهِ ورسالتِهِ؛ فإنَّهُ ﷺ بُعِثَ بتعظيمِ هذا البيتِ وحجِّهِ والصلاةِ إليهِ، وكانَ هذا البلدُ هوَ موطنَهُ ومولدَهُ فاضْطَرَّهُ قومُهُ عندَ دعوتِهِم إلى اللهِ إلى الخروجِ منهُ كرهًا بما نالوهُ منهُ مِن الأذى، ثمَّ إنَّ الله تَعالى ظَفَّرَهُ بهِم وأدْخَلَهُ عليهِم قهرًا، فمَلَكَ البلدَ عنوةً ومَلَكَ رقابَ أهلِهِ، ثمَّ مَنَّ عليهِم وأطْلَقَهُم وعَفا عنهُم، فكانَ في تسليطِ نبيِّهِ ﷺ على هذا البلدِ وتمليكِهِ إيَّاهُ ولأُمَّتِهِ مِن بعدهِ ما دَلَّ على صحَّةِ نبوَّتِهِ؛ فإنَّ الله حَبَسَ عنهُ مَن يُريدُهُ بالأذى وأهْلَكَهُ، ثمَّ سَلَّطَ عليهِ رسولَهُ وأُمَّتَهُ، كما قالَ ﷺ : "إنَّ الله حَبَسَ عن مَكَّةَ الفيلَ وسَلَّطَ عليها رسولَهُ والمؤمنينَ" (١). فإنَّ رسولَ اللهِ ﷺ وأُمَّتَهُ إنَّما قصدُهُم تعظيمُ البيتِ وتكريمُهُ واحترامُهُ. ولهذا أنْكَرَ النَّبيُّ ﷺ يومَ الفَتْحِ على مَن قالَ: اليومَ تُسْتَحَلُّ الكعبةُ، وقالَ: "اليومَ تُعَظَّمُ الكعبةُ" (٢). وقدْ كانَ أهلُ الجاهليَّةِ غَيَّروا دينَ إبْراهيمَ وإسْماعيلَ بما ابْتَدَعوهُ مِن الشِّركِ وتغييرِ بعضِ مناسكِ الحجِّ، فسَلَّطَ اللهُ رسولَهُ وأُمَّتَهُ على مَكَّةَ فطَهَّروها مِن ذلكَ كلِّهِ ورَدُّوا الأمرَ إلى دينِ إبْراهيمَ الحنيفِ، وهوَ الذي دَعا لهُم معَ ابنِهِ إسْماعيلَ عندَ بناءِ البيتِ أنْ يَبْعَثَ [اللهُ] فيهِم رسولًا منهُم يَتْلو عليهِم آياتِهِ ويُزَكِّيهِم ويُعَلِّمُهُمُ الكتابَ

стр. 230

والحكمةَ، فبَعَثَ اللهُ فيهِم مُحَمَّدا ﷺ مِن ولدِ إسْماعيلَ بهذهِ الصِّفةِ، فطَهَّرَ البيتَ وما حولَهُ مِن الشِّركِ، ورَدَّ الأمرَ إلى دينِ إبْراهيمَ الحنيفِ والتَّوحيدِ الذي لأجلِهِ بُنِيَ البيتُ، كما قالَ تَعالى: ﴿وَإذْ بَوَّأْنا لإبْراهيمَ مَكانَ البَيْتِ أنْ لا تُشْرِكَ بي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفينَ وَالقائِمينَ وَالرُّكَعِ السُّجودِ﴾ [الحجّ: ٢٦]. وأمَّا تسليطُ القَرامِطَةِ على البيتِ بعدَ ذلكَ، فإنَّما كانَ عقوبةً بسببِ ذنوبِ النَّاسِ، ولمْ يَصِلوا إلى هدمِهِ ونقضِهِ ومنعِ النَّاسِ مِن حجِّهِ وزيارتِهِ كما كانَ يَفْعَلُ أصحابُ الفيلِ لوْ قَدَروا على هدمِهِ وصرفِ النَّاسِ عن حجِّهِ. والقَرامِطَةُ أخَذوا الحجرَ والبابَ وقَتَلوا الحاجَّ وسَلَبوهُم أموالَهُم، ولمْ يَتَمَكَّنوا مِن منعِ النَّاس مِن حجِّهِ بالكلِّيَّةِ ولا قَدَروا على هدمِهِ بالكلِّيَّةِ كما كانَ أصحابُ الفيلِ يَقْصِدونَهُ، ثمَّ أذَلَّهُمُ اللهُ بعدَ ذلكَ وخَذَلَهُم وهَتَكَ أستارَهُم وكَشَفَ أسرارَهُم، والبيتُ المعظَّمُ باقٍ على حالِهِ مِن التَّعظيمِ والزِّيارةِ والحجِّ والاعتمارِ والصَّلاةِ إليهِ، لمْ يَبْطُلْ شيءٌ مِن ذلكَ عنهُ بحمدِ اللهِ ومنِّهِ، وغايةُ أمرِهِم أنَّهُم أخافوا حاجَّ العراقِ حتَّى انْقَطَعوا بعضَ السِّنينَ ثمَّ عادوا. ولمْ يَزَلِ اللهُ تَعالى يَمْتَحِنُ عبادَهُ المؤمنينَ بما يَشاءُ مِن المحنِ، ولكنَّ دينَهُ قائمٌ محفوظٌ لا يَزالُ تَقومُ بهِ أُمَّةٌ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ لا يَضُرُّهُم مَن خَذَلَهُم حتَّى يَأْتِيَ أمرُ اللهِ وهُم على ذلكَ، كما قالَ تَعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ [التوبة: ٣٢، ٣٣]. وقدْ أخْبَرَ النَّبيُّ ﷺ أن هذا البيتَ يُحَجُّ ويُعْتَمَرُ بعدَ خروجِ يَأْجوجَ ومأْجوجَ ولا يَزالُ كذلكَ حتَّى تُخَرِّبَهُ الحبشةُ ويُلْقوا حجارتَهُ في البحرِ، وذلكَ بعدَ أنْ يَبْعَثَ اللهُ ريحًا طيّبةً تَقْبِضُ أرواحَ المؤمنينَ كلِّهِم فلا يَبْقى في الأرضِ مؤمنٌ، ويُسْرى بالقرآنِ مِن الصُّدورِ والمصاحفِ فلا يَبْقى في الأرضِ قرآنٌ ولا إيمانٌ ولا شيءٌ مِن الخيرِ، فبعدَ ذلكَ تَقومُ السَّاعةُ، ولا تَقومُ إلَّا على شرارِ النَّاسِ (١).

стр. 231

• وقولُهُ ﷺ : "ويومٌ أُنزِلَتْ عليَّ فيهِ النُّبوَّةُ"؛ يَعْني: أنَّهُ ﷺ نُبِّئَ يومَ الاثنينِ. وفي "المسند": عن ابن عَبَّاسٍ؛ قالَ: وُلِدَ النَّبيُّ ﷺ يومَ الاثنينِ، واسْتُنْبِئَ يومَ الاثنينِ، وخَرَجَ مهاجرًا مِن مَكَّةَ إلى المدينةِ يومَ الاثنينِ، ودَخَلَ المدينةَ يومَ الاثنينِ، وتُوُفِّيَ يومَ الاثنينِ، ورَفَعَ الحجرَ الأسودَ يومَ الاثنينِ (١). وذَكَرَ ابنُ إسْحاقَ أن النُّبوَّةَ نَزَلَتْ يومَ الجمعةِ. وحديثُ أبي قَتادَةَ يَرُدُّ هذا. واخْتَلَفوا في أيِّ شهرٍ كانَ ابتداءُ النبوَّةِ: فقيلَ: في رمضانَ. وقيلَ: في رجبٍ. ولا يَصِحُّ. وقيلَ: في ربيعٍ الأوَّلِ. وقيلَ: إنَّهُ نُبِّئَ يومَ الاثنينِ لثمان مِن ربيعٍ الأوَّلِ. وأمَّا الإسراءُ؛ فقيلَ: كانَ في رجبٍ. وضَعَّفَهُ غيرُ واحدٍ (٢). وقيلَ: كانَ في ربيعٍ الأوَّلِ. وهوَ قولُ إبْراهيمَ الحَرْبِيِّ وغيرِهِ. وأمَّا دخولُهُ المدينةَ ووفاتُهُ ﷺ ؛ فكانا في ربيعٍ الأوَّلِ بغيرِ خلافٍ، معَ الاختلافِ في تعيينِ ذلكَ اليومِ مِن أيَّامِ الشَّهرِ. • وفي قولِ النَّبيِّ ﷺ لمَّا سُئِلَ عن صيامِ يومِ الاثنينِ "ذاكَ يومٌ وُلِدْتُ فيهِ وأنزِلَتْ عليَّ فيهِ النُّبوَّةُ" إشارةٌ إلى استحبابِ صيامِ الأيَّامِ التي [تَـ]ـتَجَدَّدُ فيها نعمُ اللهِ [تَعالى] على عبادهِ. فإنَّ أعظمَ نعمِ اللهِ على هذهِ الأُمَّةِ إظهارُ مُحَمَّدٍ ﷺ لهُم وبعثتُهُ وإرسالُهُ إليهِم، كما قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾

стр. 232

[آل عمران: ١٦٤]؛ فإن النِّعمةَ على الأُمَّةِ بإرسالِهِ أعظمُ مِن النِّعمةِ عليهِم بإيجادِ السَّماءِ والأرضِ والشَّمسِ والقمرِ والليلِ والنهارِ والرِّياحِ وإنزالِ المطرِ وإخراجِ النَّباتِ وغيرِ ذلكَ؛ فإنَّ هذهِ النِّعمةَ كلَّها قد عَمَّتْ خلقًا مِن بني آدَمَ كَفَروا باللهِ وبرسلِهِ وبلقائِهِ فبَدَّلوا نعمةَ اللهِ كفرًا، وأمَّا النِّعمةُ بإرسالِ مُحَمَّدٍ ﷺ ؛ فإنَّـ[ـهُ] (١) بها تَمَّتْ مصالحُ الدُّنيا والآخرةِ، وكَمَلَ بسببِها دينُ اللهِ الذي رَضِيَهُ لعبادِهِ، وكانَ قبولُهُ سببَ سعادتِهِم في دنياهُم وآخرتهِم. فصيامُ يومٍ تَجَدَّدَتْ فيهِ هذهِ النِّعمُ مِن اللهِ على عباده المؤمنينَ حسنٌ جميلٌ، وهوَ مِن بابِ مقابلةِ النِّعمِ في أوقاتِ تجدُّدِها بالشُّكر (٢). ونظيرُ هذا صيامُ يومِ عاشوراءَ حيثُ أنْجى اللهُ فيهِ نوحًا مِن الغرقِ ونَجَّى فيهِ مواسى وقومَهُ مِن فِرْعَوْنَ وجنودِهِ وأغْرَقَهُم في اليمِّ، فصامَهُ نوحٌ وموسى ﵉ شكرًا، وصامَهُ رسولُ اللهِ ﷺ متابعةً لأنبياءِ اللهِ، وقالَ لليهودِ: "نحنُ أحقُّ بموسى منكُم"، فصامَهُ وأمَرَ بصيامِهِ (٣). وقد رُوِيَ أن النبي ﷺ كانَ يَتَحَرَّى صيامَ يومِ الاثنينِ ويومِ الخميسِ؛ رُوِيَ ذلكَ عنه مِن حديثِ أبي هُرَيْرَةَ وعائِشَة (٤) وأُسامةَ بن زَيْدٍ:

стр. 233

وفي حديثِ أُسامَةَ؛ أنَّهُ سَألَهُ عن ذلكَ، فقالَ ﷺ : "إنَّهُما يومانِ تُعْرَضُ فيهِما الأعمالُ على ربِّ العالمينَ، فأُحِبُّ أنْ يُعْرَضَ عملي وأنا صائم" (١). وفي حديثِ أبي هُرَيْرَةَ؛ أنَّهُ سُئِلَ عن ذلكَ، فقالَ: "إنَّهُ يُغْفَرُ فيهِما لكل مسلمٍ؛ إلَّا مهتجرَيْنِ، يَقولُ: دَعْهُما حتَّى يَصْطَلِحا" (٢). وفي "صحيح مسلم" (٣) عن أبي هُرَيْرَةَ مرفوعًا: "تُفْتَحُ أبوابُ الجنَّةِ يومَ الاثنينِ والخميسِ، فيُغْفَرُ لكل عبدٍ لا يُشْرِكُ باللهِ شيئًا؛ إلَّا رجلًا كانَتْ بينَهُ وبينَ أخيهِ شحناءُ، فيُقالُ: أنْظِروا هذينِ حتَّى يَصْطَلِحا". ويُرْوى مِن حديثِ أبي أُمامَةَ مرفوعًا: "تُرْفَعُ الأعمالُ يومَ الاثنينِ والخميسِ، فيُغْفَرُ للمستغفرينَ، ويُتْرَكُ أهلُ الحقدِ بحقدِهِم" (٤). وفي "المسند": عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيِّ ﷺ : "إنَّ أعمالَ بني آدَمَ تُعْرَضُ [على اللهِ ﵎ عشيَّةَ] (٥) كلِّ خميسٍ ليلةَ الجمعةِ، فلا يُقْبَلُ عملُ قاطعِ

стр. 234

رحمٍ" (١). كانَ بعضُ السَّلفِ (٢) يَبْكي إلى امرأتِهِ يومَ الخميسِ وتَبْكي إليهِ ويَقولُ: اليومَ تُعْرَضُ أعمالُنا على اللهِ . يا مَن يُبَهْرِجُ بعملِه! على مَن تُبَهْرِجُ والنَّاقدُ بَصير؟! يا مَن يُسَوِّفُ بطولِ أملِه! إلى كم تُسَوِّفُ والعمرُ قصير؟! صُروفُ الحَتْفِ مُتْرَعَةُ الكؤوسِ … تُدارُ عَلى الرَّعايا وَالرُّؤوسِ فَلا تَتْبَعْ هَواكَ فَكُلُّ شَخْصٍ … يَصيرُ إلى بِلًى وَإلى دُروسِ وَخَفْ مِنْ هَوْلِ يَوْمٍ قَمْطَريرٍ … مَخوفٍ شَرُّهُ ضَنْكٍ عَبوسِ فَما لَكَ غَيْرُ تَقْوى اللهِ زادًا … وَفِعْلِكَ حينَ تُقْبَرُ مِن أنيسِ فَحَسِّنْهُ لِيُعْرَضَ مُسْتَقيمًا … فَفي الاثْنَيْنِ يُعْرَضُ وَالخَميسِ المجلس الثالث في ذكر وفاة رسول الله ﷺ - خَرَّجا في الصَّحيحينِ (٣) مِن حديثِ أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁؛ أن النَّبيَّ ﷺ جَلَسَ على المنبرِ، فقالَ: "إن عبدًا خَيَّرَهُ اللهُ بينَ أنْ يُؤْتِيَهُ [مِن] زهرةِ الدُّنيا ما شاءَ وبينَ ما عندَهُ فاخْتارَ ما عندَهُ". فبَكى أبو بَكْرٍ وقالَ: يا رسولَ اللهِ! فَدَيْناكَ بآبائِنا وأُمَّهاتِنا. قال: فعَجِبْنا، وقالَ النَّاسُ: انْظُروا إلى هذا الشَّيخِ! يُخْبِرُ رسولُ اللهِ ﷺ عن عبدٍ خَيَّرَهُ اللهُ بينَ أنْ يُؤْتِيَهُ [مِن] زهرةِ الدُّنيا ما شاءَ وبينَ ما عندَ اللهِ، وهوَ يَقولُ: فَدَيْناكَ بآبائِنا وأُمَّهاتِنا! قالَ: فكانَ رسولُ اللهِ ﷺ هوَ المخيَّرَ، وكانَ أبو بَكْرٍ هوَ أعْلَمَنا

стр. 235

بهِ. فقال النَّبيُّ ﷺ : "إنَّ أمنَّ (١) النَّاسِ عليَّ في صحبتِه ومالهِ أبو بكرٍ، ولوْ كُنْتُ متَّخذًا مِن أهلِ الأرضِ خليلًا لاتَّخَذْتُ أبا بكرٍ خليلًا، ولكَنْ أخوَّةُ الإسلامِ، لا تَبْقى في المسجدِ خوخةٌ إلَّا سُدَّتْ إلَّا خوخةُ أبي بكرٍ"؛ ﵁. • [اعْلَمْ أن] الموتَ مكتوبٌ على كلِّ حيٍّ مِن الأنبياءِ والرُّسلِ وغيرِهِم. قالَ تَعالى لنبيِّهِ ﷺ : ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وَإنَّهُمْ مَيِّتونَ﴾ [الزمر: ٣٠]. وقال تَعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٣٥)﴾ [الأنبياء: ٣٤، ٣٥]. وقال: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ … ﴾ الآيتين [آل عمران: ١٤٤]. خَلَقَ اللهُ آدَمَ مِن تُرابِ الأرضِ، ونَفَخَ فيهِ مِن روحِهِ (٢)، فكانَتْ روحُهُ في جسدِهِ وأرواحُ ذرِّيَّتِهِ في أجسادِهِم في هذهِ الدَّارِ عاريَّةً، وقَضى عليهِ وعلى ذرِّيَّتِهِ أنَّهُ لا بدَّ أنْ يَسْتَرِدَّ أرواحَهُم مِن هذهِ الأجسادِ ويُعيدَ أجسادَهُم (٣) إلى ما خُلِقَتْ منهُ - وهوَ التُّرابُ -، ووَعَدَ أنْ يُعيدَ الأجسادَ مِن الأرضِ مرَّةً ثانيةً ثمَّ يَرُدَّ إليها الأرواحَ مرَّةً ثانيةً تمليكًا دائمًا لا رجعةَ فيهِ في دارِ البقاءِ. قال تَعالى: ﴿فيها تَحْيَوْنَ وَفيها تَموتونَ وَمِنْها تُخْرَجونَ﴾ [الأعراف: ٢٥]. وقال: ﴿مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفيها نُعيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أخرى﴾ [طه: ٥٥]. وقال: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ [نوح: ١٧، ١٨]. وأرانا دليلًا في هذهِ الدَّارِ على إعادةِ الأجسادِ مِن التُّرابِ بإنباتِ الزَّرعِ مِن الأرضِ وإحياءِ الأرضِ بعدَ موتِها بالمطرِ، ودليلًا على إعادةِ الأرواحِ إلى أجسادِها بعدَ المفارقةِ بقبضِ أرواحِ العبادِ في منامِهِم (٤) ورَدِّها إليهِم في يقظتِهِم، كما قال تَعالى: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الأنْفُسَ حينَ مَوْتِها وَالَّتي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها

стр. 236

فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢)﴾ [الزمر: ٤٢]. وفي "مسند البزَّار" عن أنَسٍ؛ أن النَّبيَّ ﷺ قالَ لهُم لمَّا ناموا عن الصَّلاةِ: "إن هذهِ الأرواحَ عاريَّةٌ في أجسادِ العبادِ، فيَقْبِضُها إذا شاءَ ويُرْسِلُها إذا شاءَ" (١). اسْتَعِدِّي لِلمَوْتِ يا نَفْسُ وَاسْعَيْ … لِنَجاةٍ فَالحازِمُ المُسْتَعِدُّ قَدْ تَيَقَّنْتِ أنَّهُ لَيْسَ لِلْحَـ … ـي خُلودٌ وَلا مِنَ المَوْتِ بُدُّ إنَّما أنْتِ مُسْتَعيرَةٌ ما سَوْ … فَ تَرُدِّينَ وَالعَواري تُرَدُّ غيرُهُ: فَما أهْلُ الحَياةِ لَنا بِأهْلٍ … وَلا دارُ الحَياةِ لَنا بِدارِ وَما أمْوالُنا وَالأهْلُ فيها … وَلا أوْلادُنا إلَّا عَواري وَأنْفُسُنا إلى أجَلٍ قَريبٍ … سَيَأْخُذُها المُعيرُ مِنَ المُعارِ مفارقةُ الجسدِ للرُّوحِ لا تَقَعُ إلَّا بعدَ ألمٍ عظيمٍ تَذوقُهُ الرُّوحُ والجسدُ جميعًا. فإن الرُّوحَ قدْ تَعَلَّقَتْ بهذا الجسدِ وألِفَتْهُ واشْتَدَّتْ أُلفَتُها لهُ وامتزاجُها [بهِ] ودخولُها فيهِ حتَّى صارا كالشَّيءِ الواحدِ فلا يَتَفارَقانِ إلَّا بجهدٍ شديدٍ وألم عظيمٍ لمْ يَذُقِ ابنُ آدَمَ في حياتِهِ ألمًا مثلَهُ. وإلى ذلكَ الإشارةُ بقولِهِ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَة المَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥، الأنبياء: ٣٥، العنكبوت: ٥٧]. قالَ الرَّبيعُ بنُ خُثَيْمٍ: أكْثِروا [مِن] (٢) ذكرِ [هذا] الموتِ؛ فإنَّكُم لمْ تَذوقوا قبلَهُ مثلَهُ. ويَتَزايَدُ الألمُ بمعرفةِ المحتضرِ (٣) بأنَّ جسدَهُ إذا فارَقَتْهُ الرُّوحُ صارَ جيفةً مستقذرةً

стр. 237

يَأْكُلُهُ الهوامُّ ويُبْليهِ التُّرابُ حتَّى يَعودَ ترابًا، وأنَّ الرُّوحَ المفارقةَ [لهُ] لا تَدْري أينَ مستقرُّها؛ هلْ هوَ الجنَّةُ أوِ النَّارُ؟ فإنْ كانَ عاصيًا مصرًّا على المعصيةِ إلى الموتِ؛ فربَّما غَلَبَ على ظنِّهِ أن روحَهُ تَصيرُ إلى النَّارِ، فتَتَضاعَفُ بذلكَ حسرتُهُ وألمُهُ، وربَّما كُشِفَ لهُ معَ ذلكَ عن مقعدِهِ مِن النَّارِ فيَراهُ أوْ يُبَشَّرُ بذلكَ، فيَجْتَمعُ لهُ معَ كربِ الموتِ وألمِهِ العظيمِ معرفتُهُ بسوءِ مصيرِهِ، وهذا هوَ المرادُ بقولِهِ ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩)﴾ [القيامة: ٢٩] على ما فَسَّرَهُ بهِ كثيرٌ مِن السَّلفِ، فيَجْتَمعُ عليهِ سكرةُ الموتِ معَ حسرةِ الفوتِ، فلا تَسْألْ عن سوءِ حالِهِ. وقدْ سَمَّى اللهُ تَعالى ذلكَ سكرةً؛ لأنَّ ألمَ الموتِ معَ ما يَنْضَمُّ إليهِ يُسْكِرُ صاحبَهُ فيَغيبُ عقلُهُ غالبًا؛ قالَ تَعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق: ١٩]. ألا لِلْمَوْتِ كَأْسٌ أيُّ كَاسِ … وَأنْتَ لِكَأْسِهِ لا بُدَّ حاسي إلى كَمْ وَالمَماتُ إلى قَريبٍ … تُذَكَّرُ بِالمَماتِ وَأنْتَ ناسي • وقدْ أمَرَ النَّبيُّ ﷺ بكثرةِ ذكرِ الموتِ: فقالَ: "أكْثِروا ذكرَ هاذِمِ اللذاتِ؛ الموتِ" (١).

стр. 238

وفي حديثٍ مرسلٍ: أنَّهُ ﷺ مَرَّ بمجلسٍ قدِ اسْتَعْلاهُ الضَّحكُ، فقالَ: "شوبوا مجلسَكُم بذكرِ مكدِّرِ اللذَّاتِ؛ الموتِ" (١). وفي الإكثارِ مِن ذكرِ الموتِ فوائدُ منها: أنَّهُ يَحُثُّ على الاستعدادِ لهُ قبلَ نزولِهِ، ويُقَصِّرُ الأملَ، ويُرْضي بالقليلِ مِن الرِّزقِ، ويُزَهِّدُ في الدُّنيا، ويُرَغِّبُ في الآخرةِ، ويُهَوِّنُ مصائبَ الدُّنيا، ويَمْنَعُ مِن الأشرِ والبطرِ والتَّوسُّعِ في لذَّاتِ الدُّنيا. وفي حديثِ أبي ذرٍّ المرفوعِ الذي خَرَّجَهُ ابنُ حِبَّانَ في "صحيحه" وغيرُهُ أن صحفَ موسى ﵇ "كانَتْ عبرًا: عَجِبْتُ لمَن أيْقَنَ بالموتِ كيفَ يَفْرَحُ! عَجِبْتُ لمَن أيْقَنَ بالنَّارِ كيفَ يَضْحَكُ! عَجِبْتُ لمَن أيْقَنَ بالقَدَرِ كيفَ يَنْصَبُ! عَجِبْتُ لمَن رأى الدُّنيا وسرعةَ تقلُّبِها بأهلِها كيفَ يَطْمَئِن إليها! " (٢). وقدْ رُوِيَ أن الكنزَ الذي كانَ للغلامينِ كانَ لوحًا مِن ذهبٍ مكتوبٌ فيهِ هذا أيضًا (٣).

стр. 239

قالَ الحَسَنُ: إنَّ هذا الموتَ قد أفْسَدَ على أهلِ النَّعيمِ نعيمَهُم، فالْتَمِسوا عيشًا لا موتَ فيهِ. وقالَ: فَضَحَ الموتُ الدُّنيا فلمْ يَدعْ لذي لبٍّ بها فرحًا (١). وقالَ غيرُهُ: ذَهَبَ ذكرُ الموتِ بلذاذةِ كلِّ عيشٍ وسرورِ كلِّ نعيمٍ. ثمَّ بَكى وقالَ: واهًا لدارٍ لا موتَ فيها! اذْكُرِ المَوْتَ هاذِمَ اللَّذَّاتِ … وَتَهَيَّأ لِمَصْرَعٍ سَوْفَ ياتي (٢) يا غافِلَ القَلْبِ عَنْ ذِكْرِ المَنِيَّاتِ … عَمَّا قَليلٍ سَتُلْقى بَيْنَ أمْواتِ فَاذْكُرْ مَحَلَّكَ مِنْ قَبْلِ الحُلولِ بهِ … وَتُبْ إلى اللهِ مِنْ لَهْوٍ وَلَذَّاتِ إنَّ الحِمامَ لَهُ وَقْتٌ إلى أجَلٍ … فَاذْكُرْ مَصائِبَ أيَّامٍ وساعاتِ لا تَطْمَئِنَّ إلى الدُّنْيا وَزينَتِها … قَدْ آنَ لِلمَوْتِ يا ذا اللُّبِّ أنْ ياتي قالَ بعضُ السَّلفِ: شيئانِ قَطَعا عنِّي لذاذةَ الدُّنيا: ذكرُ الموتِ، والوقوفُ بينَ يديِ اللهِ . وَكَيْفَ يَلَذُّ العَيْشَ مَنْ كانَ موقِنًا … بِأنَّ المَنايا بَغْتَةً سَتُعاجِلُهْ وَكَيْفَ يَلَذُّ العَيْشَ مَنْ كانَ موقِنًا … بِأنَّ إلهَ العَرْشِ لا بُدَّ سائِلُهْ قالَ أبو الدَّرْداءِ: كَفى بالموتِ واعظًا، وكَفى بالدَّهرِ مفرِّقًا اليومَ في الدُّورِ وغدًا في القبورِ. أُذْكُرِ المَوْتَ وَلازِمْ ذِكْرَهُ … إنَّ في المَوْتِ لِذي اللُّبِّ عِبَرْ وَكَفى بِالمَوْتِ فَاعْلَمْ واعِظًا … لِمَنِ المَوْتُ عَلَيْهِ قَدْ قُدِرْ

стр. 240

غفلةُ الإنسانِ عن الموتِ معَ أنَّهُ لا بدَّ لهُ منهُ مِن العجبِ، والموجبُ لها طولُ الأملِ: كلُّنا في غَفْلَةٍ وَالمَوْتُ يَغْدو وَيَروحُ لبَني الدُّنْيا مِنَ المَوْتِ غَبوقٌ وَصَبوحُ سيَصيرُ المَرْءُ يومًا جَسَدًا ما فيهِ رُوحُ بيْنَ عَيْنَيْ كُلِّ حَيٍّ عَلَمُ المَوْتِ يَلوحُ نحْ عَلى نَفْسِكَ يا مِسْكينُ إنْ كُنْتَ تَنوحُ لتَموتَنَّ وَلَوْ عُمِّرْتَ ما عُمِّرَ نوحُ لمَّا كانَ الموتُ مكروهًا بالطَّبعِ لِما فيهِ مِن الشِّدَّةِ والمشقَّةِ العظيمةِ؛ لمْ يَمُتْ نبيٌّ مِن الأنبياءِ حتَّى يُخَيَّرَ، ولذلكَ وَقَعَ التَّردُّدُ فيهِ في حقِّ المؤمنِ، كما في حديثِ أبي هُرَيْرَةَ عن النَّبيّ ﷺ : "يَقولُ اللهُ : وما تَرَدَّدْتُ عن شيءٍ أنا فاعلُهُ تردُّدي في قبضِ نفسِ عبدي المؤمنِ؛ يَكْرَهُ الموتَ وأكْرَهُ مساءتَهُ، ولا بدَّ لهُ منهُ" (١). قالَ ابنُ أبي مُلَيْكَةَ: لمَّا قُبِضَ إبْراهيمُ ﵇؛ قالَ اللهُ تَعالى [لهُ]: كيفَ وَجَدْتَ الموتَ؟ قالَ: يا ربِّ! كأنَّ نفسي تُنْزَعُ بالسَّلى. فقالَ: هذا وقدْ هَوَّنَّا عليكَ الموتَ! وقال أبو إسْحاقَ: قيلَ لموسى ﵇: كيفَ وَجَدْتَ طعمَ الموتِ؟ قالَ: وَجَدْتُهُ كسُفُّودٍ أُدْخِلَ في صوفٍ فاجْتُذِبَ. قالَ: هذا وقد هَوَّنَّا عليكَ الموتَ. ويُرْوى أن عيسى ﵇ كانَ إذا ذَكَرَ الموتَ يَقْطُرُ جلدُهُ دمًا، وكانَ يَقولُ للحواريِّينَ: ادْعوا الله أنْ يُخَفِّفَ عنِّي الموتَ؛ فلقدْ خِفْتُ الموتَ خوفًا أوْقَفَني مخافةُ الموتِ على الموتِ (٢).

стр. 241

كيفَ يُطْمَعُ في البقاءِ وما مِن الأنبياءِ إلّا مَن ماتَ (١)؟! أم كيفَ يُؤْمَنُ هجومُ المنايا ولَم يَسْلَمِ الأصفياءُ والأحبَّاءُ؟! هيهاتَ هيهات! قَدْ ماتَ كُلُّ نَبِيٍّ … وَماتَ كُلُّ نَبيهِ وَماتَ كُلُّ شَريفٍ … وَعاقِلٍ وَسَفيه لا يُوحِشَنْكَ طَريقٌ … كُلُّ الخَلائِقِ فيهِ • أوَّلُ ما أُعْلِمَ النَّبيُّ ﷺ مِنِ انقضاءِ عُمُرِهِ باقترابِ أجلِهِ بنزولِ سورةِ ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالفَتْحُ﴾ [النصر: ١]؛ فإنَّ المرادَ مِن هذهِ السُّورةِ أنَّكَ يا مُحَمَّدُ إذا فَتَحَ اللهُ عليكَ البلادَ ودَخَلَ النَّاسُ في دينِكَ الذي دَعَوْتَهُم إليهِ أفواجًا؛ فقدِ اقْتَرَبَ أجلُكَ، فتَهَيَّأ للقائِنا بالتَّحميدِ والاستغفارِ؛ فإنَّهُ قد حَصَلَ منكَ مقصودُ ما أُمِرْتَ بهِ مِن أداءِ الرِّسالةِ والتَّبليغِ، وما عندَنا خير لكَ مِن الدُّنيا، فاسْتَعِدَّ للنُّقلةِ إلينا. قالَ ابنُ عَبَّاسٍ: لمَّا نَزَلَتْ هذهِ السُّورةُ، نُعِيَتْ لرسولِ اللهِ ﷺ نفسُهُ، فأخَذَ في أشدِّ ما كانَ اجتهادًا في أمرِ الآخرةِ (٢). ورُوِيَ في حديثٍ أنَّهُ تَعَبَّدَ حتَّى صارَ كالشَّنِّ البالي (٣).

стр. 242

وكانَ يَعْرِضُ القرآنَ [كلَّ عامٍ] على جبريلَ مرَّةً، فعَرَضَهُ ذلكَ العامَ مرَّتينِ (١). وكانَ يَعْتكِفُ العشرَ الأواخرَ مِن رمضانَ كلَّ عامٍ، فاعْتكَفَ في ذلكَ العامِ عشرينَ، وأكْثَرَ مِن الذِّكرِ والاستغفارِ (٢). قالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: كان رسولُ اللهِ ﷺ في آخرِ أمرِهِ لا يقومُ ولا يَقْعُدُ ولا يَذْهَبُ ولا يَجيءُ إلَّا قالَ: "سبحانَ اللهِ وبحمدِهِ". فذَكَرْتُ ذلكَ لهُ. فقالَ: "إنِّي أُمِرْتُ بذلكَ"، وتَلا هذهِ السُّورة (٣). (٤). وقالَتْ عائِشَةُ ﵂: كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يُكْثِرُ أنْ يَقولَ قبلَ موتِهِ: "سبحانَ اللهِ وبحمدهِ، أسْتَغْفِرُ الله وأتوبُ إليهِ". فقُلْتُ لهُ: إنَّكَ تَدْعو بدعاءٍ لمْ تَكُنْ تَدْعو بهِ قبلَ اليومِ. قالَ: "إنَّ ربِّي أخْبَرَني أنِّي سَأرى عَلَمًا في أُمَّتي، وأنِّي إذا رَأيْتُهُ أنْ أُسَبِّحَ بحمدِهِ وأسْتَغْفِرَهُ، وقد رَأيْتُهُ". ثمَّ تَلا هذهِ السُّورَة (٥). إذا كانَ سيدُ المحسنينَ يُؤْمَرُ بأنْ يَخْتِمَ أعمالَهُ بالحسنى؛ فكيفَ يَكونُ حالُ المذنبِ المسيءِ المتلوِّثِ بالذُّنوبِ المحتاجِ إلى التَّطهيرِ؟! مَن لمْ يُنْذِرْهُ باقترابِ أجلِهِ وحيٌ؛ أنْذَرَهُ الشَّيبُ وسلبُ أقرانِهِ بالموتِ. كَفى مُؤْذِنًا بِاقْتِرابِ الأجَلْ … شَبابٌ تَوَلَّى وَشَيْبٌ نَزَلْ وَمَوْتُ الِلداتِ وهَلْ بَعْدَه (٦) … بَقاءٌ يُؤَمِّلُهُ مَنْ عَقَلْ

стр. 243

إذا ارْتَحَلَتْ قُرَناءُ الفَتى … عَلى حُكْمِ رَيْبِ المَنونِ ارْتَحَلْ قالَ وُهَيْبُ بنُ الوَرْدِ: إنَّ للهِ مَلَكًا يُنادي في الماءِ كلَّ يومٍ وليلةٍ (١): أبناءَ الخمسينَ! زرعٌ دَنا حصادُهُ. أبناءَ السِّتِّينَ! هَلُمُّوا إلى الحسابِ. أبناءَ السَّبعينَ! ماذا قَدَّمْتُمْ وماذا أخَّرْتُم؟ أبناء الثَّمانينَ! لا عذرَ لكُم. وعن وَهْبٍ؛ قالَ: يُنادي منادٍ: أبناءَ السِّتَينَ! عُدُّوا أنفسَكُم في الموتى (٢). وفي "صحيح البخاري" (٣): عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "أعْذَرَ اللهُ إلى مَن بَلَّغَهُ ستِّينَ مِن عمرِهِ". وفي حديث آخرَ: "إذا كانَ يومُ القيامةِ؛ نودِيَ: أينَ أبناءُ السِّتِّينَ؟ وهوَ العمُرُ الذي قالَ اللهُ فيهِ: ﴿أوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فيهِ مَن تَذَكَّرَ﴾ [فاطر: ٣٧] " (٤). وفي التِّرْمِذِيِّ عنهُ؛ قالَ: "أعمارُ أُمَّتي ما بينَ السِّتِّينَ إلى السَّبعينَ، وأقلُّهُم مَن يَجوزُ ذلكَ" (٥).

стр. 244

وفي حديثٍ آخرَ: "معتركُ المنايا ما بينَ السِّتِّينَ إلى السَّبعينَ" (١). وفي حديثٍ آخرَ: "إنَّ لكلِّ شيءٍ حصادًا، وحصادُ أُمَّتي ما بينَ السِّتِّينَ إلى السَّبعينَ" (٢). وفي هذا المعتركِ قُبِضَ النَّبيُّ ﷺ . قالَ سُفْيانُ الثَّورِيُّ: مَن بَلَغَ سنَّ رسولِ اللهِ ﷺ ؛ فلْيَتَّخِذْ لنفسِهِ كفنًا. وإنَّ امْرَأً قدْ سارَ (٣) سِتِّينَ حِجَّةً … إلى مَنْهَلٍ مِن وُرْدِهِ لَقَريبُ قالَ الفُضَيْلُ لرجلٍ: كم أتى عليكَ؟ قالَ: ستُّونَ سنةً. قالَ لهُ: أنتَ منذُ ستِّينَ سنة تَسيرُ إلى ربِّكَ، يوشِكُ أَنْ تَبْلُغَ. فقالَ الرَّجلُ: إنَّا للهِ وإنَّا إليهِ راجعونَ. فقالَ الفُضيْلُ: مَن عَلِمَ أنَّهُ للهِ عبدٌ وأنَّهُ إليهِ راجعٌ؛ فلْيَعْلَمْ أنَّهُ موقوفٌ وأنَّهُ مسؤولٌ، فلْيُعِدَّ للمسألةِ جوابا. فقالَ لهُ الرَّجلُ: فما الحيلةُ؟ قالَ: يسيرةٌ. قالَ: [فـ]ـما هيَ؟ قالَ: تُحْسِنُ فيما بَقِيَ فيُغْفَرُ لكَ ما مَضى؛ فإنَّكَ إنْ أسَأْتَ فيما بَقِيَ؛ أُخِذْتَ بِما مَضى وبما بقِيَ. خُذْ في جِدٍّ فَقَدْ تَوَلَّى العُمُرُ … كَمْ ذا التَّفْريطُ قَدْ تَدانى الأمْرُ أقْبِلْ فَعَسى يُقْبَلُ مِنْكَ العُذْرُ … كَمْ تَبْني كَمْ تَنْقُضُ كَمْ ذا الغَدْرُ

стр. 245

• وما زالَ ﷺ يُعَرِّضُ باقترابِ أجلِهِ في آخرِ عمرِهِ: فإنَّهُ لمَّا خَطَبَ في حجَّةِ الوداعِ؛ قالَ للنَّاسِ: "خُذوا عنِّي مناسكَكُم، فلعلِّي لا أَلْقاكُم بعدَ عامي هذا" (١). وطَفِقَ يُوَدِّعُ النَّاسَ، فقالوا: هذهِ حجَّةُ الوداعِ. فلمَّا رَجَعَ مِن حجَّتِهِ إلى المدينةِ؛ جَمَعَ النَّاسَ بماءٍ يُدْعى خُمًّا في طريقِهِ بينَ مَكَّةَ والمدينةِ، فخَطَبَهُم وقالَ: "أيُّها النَّاسُ! إنَّما أنا بشرٌ (٢)، يُوشِكُ أنْ يَأْتِيَني رسولُ ربِّي فأُجيبَ". ثمَّ حَضَّ على التَّمسُّكِ بكتابِ اللهِ، ووَصى بأهلِ بيتِهِ (٣). • ثمَّ إنَّهُ ﷺ لمَّا بَدَأ بهِ مرضُ الموتِ؛ خُيِّرَ بينَ لقاءِ اللهِ وبينَ زهرةِ الدُّنيا والبقاءِ فيها [ما شاءَ اللهُ] فاخْتارَ لقاءَ اللهِ وخَطَبَ النَّاسَ وأشارَ إليهِم بذلكَ إشارةً مِن غيرِ تصريحٍ. وكانَ ابتداءُ مرضِهِ في أواخرِ شهرِ صَفَرَ. وكانَتْ مدَّةُ مرضِهِ ثلاثةَ عشرَ يومًا في المشهورِ. وقيلَ: أربعةَ عشرَ يومًا. وقيلَ: اثنا عشرَ يومًا. وقيلَ: عشرةُ أيام. وهو غريبٌ. وكانَتْ خطبتُهُ التي خَطَبَ بها في حديثِ أبي سَعيدٍ هذا الذي نتكَلَّمُ عليهِ هاهُنا في ابتداءِ مرضِهِ. ففي "المسند" و"صحيح ابن حِبَّان": عن أبي سَعيدٍ؛ قالَ: خَرَجَ إلينا رسولُ اللهِ ﷺ في مرضِهِ الذي ماتَ فيهِ وهوَ معصوبُ الرَّأْسِ، فقامَ على المنبرِ، فقالَ: "إنَّ عبدًا عُرِضَتْ عليهِ الدُّنيا وزينتُها، فاخْتارَ الآخرةَ". قالَ: فلمْ يَفْطَنْ لها أحدٌ مِن القومِ إلَّا أبو بَكْرٍ، فقالَ: بأبي وأُمِّي، بل نَفْديكَ بأموالِنا وأولادِنا وأنفسِنا. قالَ: ثمَّ هَبَطَ عن المنبرِ فَما رُئِيَ عليهِ حتَّى السَّاعةِ (٤).

стр. 246

وفي "المسند": عن أبي مُوَيْهِبَةَ؛ أن النَّبيَّ ﷺ خَرَجَ ليلةً إلى البقيعِ، فاسْتَغْفَرَ لأهلِ البقيعِ، وقالَ: "لِيَهْنِكُم ما أصبَحْتُمْ فيهِ ممَّا أصْبَحَ فيهِ النَّاسُ. أقْبَلَتِ الفتنُ كقطعِ الليلِ المظلمِ، يَتْبَعُ بعضُها بعضًا، يَتْبَعُ آخرُها أوَّلَها، الآخرةُ شرٌّ مِن الأُولى". ثمَّ قالَ: "يا أبا مُوَيْهِبَةَ! إنِّي قد أُعْطيتُ خزائنَ الدُّنيا والخلدَ ثمَّ الجنة، فخُيِّرْتُ بينَ ذلكَ وبينَ لقاءِ ربِّي والجنَّةِ، فاخْتَرْتُ لقاءَ ربِّي والجنَّةَ". ثمَّ انْصَرَفَ. فابْتَدَأهُ وجعُهُ الذي قَبَضَهُ اللهُ فيهِ (١). لمَّا قَوِيَتْ معرفةُ الرَّسولِ ﷺ بربِّهِ؛ ازْدادَ حبُّهُ وشوقُهُ إلى لقائِهِ، فلمَّا خُيِّرَ بينَ البقاءِ في الدُّنيا وبينَ لقاءِ ربِّهِ؛ اخْتارَ لقاءَهُ على خزائنِ الدُّنيا والبقاءِ فيها. سُئِلَ الشِّبْلِيُّ: هلْ يَقْنَعُ المحبُّ بشيءٍ مِن حبيبِهِ دونَ مشاهدتِهِ؟ فأنْشَدَ:

стр. 247

واللهِ لَوْ أنَّكَ تَوَّجْتَني … بِتاجِ كِسْرى مَلِكِ المَشْرِقِ وَلَوْ بِأمْوالِ الوَرى جُدْتَ لي … أمْوالِ مَنْ بادَ وَمَنْ قَدْ بَقِي وَقُلْتَ [لي] لا نَلْتَقي ساعَةً … إِخْتَرْتُ يا مَوْلايَ أنْ نَلْتَقي • لمَّا عَرَّضَ الرَّسول ﷺ على المنبرِ باختيارِهِ اللقاءَ على البقاءِ ولمْ يُصَرِّحْ؛ خَفِيَ المعنى على كثيرٍ ممَّن سَمعَ، ولمْ يَفْهَمِ المقصودَ غيرُ صاحبِهِ الخصيصِ بهِ ثانِي اثْنَيْنِ إذْ هُما في الغارِ، وكانَ ﵁ أعلمَ الأُمَّةِ بمقاصدِ النَّبيِّ ﷺ ، فلمَّا فَهِمَ المقصودَ مِن هذهِ الإشارةِ؛ بَكَى وقال: بل نَفْديكَ بأموالِنا وأنفسِنا وأولادِنا، فسَكَّنَ الرَّسول ﷺ جزعَهُ، وأخَذَ في مدحِهِ والثَّناءِ عليهِ على المنبرِ؛ لِيَعْلَمَ النَّاسُ كلهُم فضلَهُ، فلا يَقَعُ عليهِ اختلافٌ في خلافتِهِ: فقال: "إنَّ مِن أمنِّ النَّاسِ عليَّ في صحبتِهِ ومالِهِ أبو بَكْرٍ" (١). وفي روايةٍ أخرى أنَّهُ قال: "ما لأحدٍ عندَنا يدٌ إلَّا وقدْ كافَيْناهُ، ما خَلا أبا بَكْرٍ؛ فإنَّ لهُ عندَنا يدًا يُكافِئُهُ اللهُ يومَ القيامةِ بها، وما نَفَعَني مالُ أحدٍ قطُّ ما نَفَعَني مالُ أبي بَكْرٍ" (٢). خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ. ثمَّ قال ﷺ : "لو كُنْتُ متَّخذًا مِن أهلِ الأرضِ خليلًا؛ لاتَّخَذْتُ أبا بَكْرٍ خليلًا، ولكنْ أُخوَّةُ الإسلامِ" (٣). لمَّا كانَ الرَّسول ﷺ خليلَ اللهِ؛ لمْ يَصْلُحْ لهُ أنْ يُخالِلَ مخلوقًا؛ فإنَّ الخليلَ مَن جَرَتْ محبّةُ خليلِهِ منهُ مجرى الرُّوحِ، ولا يَصْلُحُ هذا

стр. 248

لبشرٍ (١)، كما قيلَ: قَدْ تَخَلَّلْتِ مَسْلَكَ الرُّوحِ مِنِّي … وَبِذا سُمِّيَ الخَليلُ خَليلا ولهذا المعنى قيلَ: إنَّ إبْراهيمَ الخليلَ ﵇ أُمِرَ بذبحِ ولدهِ، ولمْ يَكُنِ المقصودُ إراقةَ دمِ الولدِ، بل تفريغُ محلِّ الخلَّةِ لمَن لا يَصْلُحُ أنْ يُزاحِمَهُ فيها أحدٌ. أرُوحُ وَقَدْ خَتَمْتُ عَلى فُؤادي … بِحُبِّكَ أنْ يَحِلَّ بهِ سواكا فَلَوْ أنِّي اسْتَطَعْتُ غَضَضْتُ طَرْفي … فَلَمْ أنْظُرْ بِهِ حتَّى أراكا ثمَّ قالَ ﷺ : "لا يَبْقَيَنَّ خوخةٌ في المسجدِ إلَّا سُدَّتْ إلَّا خوخةَ أبي بَكْرٍ" (٢). وفي روايةٍ: "سُدُّوا هذهِ الأبوابَ (٣) الشَّارعَةَ في المسجدِ؛ إلَّا بابَ أبي بَكْرٍ" (٤). وفي هذا

стр. 249

إشارةٌ إلى أن أبا بَكْرٍ ﵁ هوَ الإمامُ بعدَهُ؛ فإنَّ الإمامَ يَحْتاجُ إلى سكنى المسجدِ والاستطراقِ فيهِ بخلافِ غيرِهِ، وذلكَ مِن مصالحِ المسلمينَ المصلِّينَ في المسجدِ. ثمَّ أكَّدَ هذا المعنى بأمرِهِ صريحًا أنْ يُصَلِّيَ بالنَّاسِ أبو بَكْرٍ، فرُوجِعَ في ذلكَ، فغَضِبَ وقالَ: "مُروا أبا بَكْرٍ يُصَلِّي (١) بالنَّاس" (٢). فوَلَّاه إمامةَ الصَّلاةِ دونَ غيرِهِ، وأبْقى استطراقَهُ مِن دارِه إلى مكانِ الصَّلاةِ، وسَدَّ استطراقَ غيرِهِ. وفي هذا إشارةٌ واضحةٌ إلى استخلافِهِ على الأمَّةِ دونَ غيرِهِ. ولهذا قالَتِ الصَّحابةُ ﵃ عندَ بيعةِ أبي بَكْر: رَضِيَهُ رسولُ اللهِ ﷺ لدينِنا، أفلا نَرْضاهُ لدنيانا؟ ولمَّا قالَ أبو بكْرٍ: قد أقَلْتكُمْ بيعتي. قالَ عَلِيٌّ: لا نَقيلُكَ ولا نَسْتَقيلُكَ، قَدَّمَكَ رسولُ اللهِ ﷺ ، فمَن ذا يُؤَخِّرُكَ (٣)؟! لمَّا انْطَوى بساطُ النُّبوَّةِ مِن الأرضِ بوفاةِ الرَّسولِ ﷺ ؛ لمْ يَبْقَ على وجهِ الأرضِ أكملُ مِن درجةِ الصِّدِّيقيَّةِ، وأبو بَكْرٍ رأْسُ الصِّدَيقينَ، فلهذا اسْتَحَقَّ خلافةَ الرَّسولِ ﷺ والقيامَ مقامَهُ. وكانَ النَّبيُّ ﷺ قد عَزَمَ على أنْ يَكْتُبَ لِأبي بَكْرٍ كتابًا لئلَّا يُخْتَلَفَ عليهِ، ثمَّ أعْرَضَ عن ذلكَ؛ لعلمِهِ أنَّهُ لا يَقَعُ غيرُهُ، وقالَ: "يَأْبى اللهُ والمؤمنونَ إلَّا أبا بَكْرٍ" (٤). وربَّما كانَ تَرَكَ ذلكَ لئلَّا يَتَوَهَّمَ متوهِّم أن نصَّهُ على خلافتِهِ كانَتْ مكافأةً ليدِهِ التي كانَتْ لهُ. والولاياتُ كلُّها لا يُقْصَدُ بها مصلحةُ المُوَلَّى، بل مصلحةُ المسلمينَ عامَّةً.

стр. 250

• كانَ أوَّلَ ما ابْتُدِئَ بهِ رسولُ اللهِ ﷺ مِن مرضِهِ وجعُ رأْسِهِ. ولهذا خَطَبَ وقدْ عَصَبَ رأْسَهُ بعصابة دسماء (١). وكانَ صداعُ الرَّأْسِ والشَّقيقةُ يَعْتَريهِ كثيرًا في حياتِهِ ويَتَألَّمُ منهُ أيَّامًا. وصداعُ الرَّأْسِ مِن علاماتِ أهلِ الإيمانِ وأهلِ الجنَّةِ. وقد رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّهُ وَصَفَ أهلَ النَّارِ فقالَ: "هُمُ الذينَ لا يَأْلَمونَ رؤوسَهُم" (٢). ودَخَلَ عليهِ أعرابيٌّ، فقالَ لهُ: "يا أعرابيُّ! هل أخَذَكَ هذا الصُّداعُ؟ ". فقالَ: وما الصُّداعُ؟ قالَ: "عروقٌ تَضْرِبُ على الإنسانِ في رأْسِهِ". فقالَ: ما وَجَدْتُ هذا. فلمَّا وَلَّى الأعرابيُّ؛ قالَ النَّبيُّ ﷺ : "مَن أحَبَّ أنْ يَنظُرَ إلى رجلٍ مِن أهلِ النَّارِ؛ فلْيَنْظُرْ إلى هذا" (٣). خَرَّجَهُ الإمامُ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ.
следующие страницы →