← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1151

لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف - ت عامر

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (739 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وفي "المسند": عن أبي مُوَيْهِبَةَ؛ أن النَّبيَّ ﷺ خَرَجَ ليلةً إلى البقيعِ، فاسْتَغْفَرَ لأهلِ البقيعِ، وقالَ: "لِيَهْنِكُم ما أصبَحْتُمْ فيهِ ممَّا أصْبَحَ فيهِ النَّاسُ. أقْبَلَتِ الفتنُ كقطعِ الليلِ المظلمِ، يَتْبَعُ بعضُها بعضًا، يَتْبَعُ آخرُها أوَّلَها، الآخرةُ شرٌّ مِن الأُولى". ثمَّ قالَ: "يا أبا مُوَيْهِبَةَ! إنِّي قد أُعْطيتُ خزائنَ الدُّنيا والخلدَ ثمَّ الجنة، فخُيِّرْتُ بينَ ذلكَ وبينَ لقاءِ ربِّي والجنَّةِ، فاخْتَرْتُ لقاءَ ربِّي والجنَّةَ". ثمَّ انْصَرَفَ. فابْتَدَأهُ وجعُهُ الذي قَبَضَهُ اللهُ فيهِ (١). لمَّا قَوِيَتْ معرفةُ الرَّسولِ ﷺ بربِّهِ؛ ازْدادَ حبُّهُ وشوقُهُ إلى لقائِهِ، فلمَّا خُيِّرَ بينَ البقاءِ في الدُّنيا وبينَ لقاءِ ربِّهِ؛ اخْتارَ لقاءَهُ على خزائنِ الدُّنيا والبقاءِ فيها. سُئِلَ الشِّبْلِيُّ: هلْ يَقْنَعُ المحبُّ بشيءٍ مِن حبيبِهِ دونَ مشاهدتِهِ؟ فأنْشَدَ:

стр. 247

واللهِ لَوْ أنَّكَ تَوَّجْتَني … بِتاجِ كِسْرى مَلِكِ المَشْرِقِ وَلَوْ بِأمْوالِ الوَرى جُدْتَ لي … أمْوالِ مَنْ بادَ وَمَنْ قَدْ بَقِي وَقُلْتَ [لي] لا نَلْتَقي ساعَةً … إِخْتَرْتُ يا مَوْلايَ أنْ نَلْتَقي • لمَّا عَرَّضَ الرَّسول ﷺ على المنبرِ باختيارِهِ اللقاءَ على البقاءِ ولمْ يُصَرِّحْ؛ خَفِيَ المعنى على كثيرٍ ممَّن سَمعَ، ولمْ يَفْهَمِ المقصودَ غيرُ صاحبِهِ الخصيصِ بهِ ثانِي اثْنَيْنِ إذْ هُما في الغارِ، وكانَ ﵁ أعلمَ الأُمَّةِ بمقاصدِ النَّبيِّ ﷺ ، فلمَّا فَهِمَ المقصودَ مِن هذهِ الإشارةِ؛ بَكَى وقال: بل نَفْديكَ بأموالِنا وأنفسِنا وأولادِنا، فسَكَّنَ الرَّسول ﷺ جزعَهُ، وأخَذَ في مدحِهِ والثَّناءِ عليهِ على المنبرِ؛ لِيَعْلَمَ النَّاسُ كلهُم فضلَهُ، فلا يَقَعُ عليهِ اختلافٌ في خلافتِهِ: فقال: "إنَّ مِن أمنِّ النَّاسِ عليَّ في صحبتِهِ ومالِهِ أبو بَكْرٍ" (١). وفي روايةٍ أخرى أنَّهُ قال: "ما لأحدٍ عندَنا يدٌ إلَّا وقدْ كافَيْناهُ، ما خَلا أبا بَكْرٍ؛ فإنَّ لهُ عندَنا يدًا يُكافِئُهُ اللهُ يومَ القيامةِ بها، وما نَفَعَني مالُ أحدٍ قطُّ ما نَفَعَني مالُ أبي بَكْرٍ" (٢). خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ. ثمَّ قال ﷺ : "لو كُنْتُ متَّخذًا مِن أهلِ الأرضِ خليلًا؛ لاتَّخَذْتُ أبا بَكْرٍ خليلًا، ولكنْ أُخوَّةُ الإسلامِ" (٣). لمَّا كانَ الرَّسول ﷺ خليلَ اللهِ؛ لمْ يَصْلُحْ لهُ أنْ يُخالِلَ مخلوقًا؛ فإنَّ الخليلَ مَن جَرَتْ محبّةُ خليلِهِ منهُ مجرى الرُّوحِ، ولا يَصْلُحُ هذا

стр. 248

لبشرٍ (١)، كما قيلَ: قَدْ تَخَلَّلْتِ مَسْلَكَ الرُّوحِ مِنِّي … وَبِذا سُمِّيَ الخَليلُ خَليلا ولهذا المعنى قيلَ: إنَّ إبْراهيمَ الخليلَ ﵇ أُمِرَ بذبحِ ولدهِ، ولمْ يَكُنِ المقصودُ إراقةَ دمِ الولدِ، بل تفريغُ محلِّ الخلَّةِ لمَن لا يَصْلُحُ أنْ يُزاحِمَهُ فيها أحدٌ. أرُوحُ وَقَدْ خَتَمْتُ عَلى فُؤادي … بِحُبِّكَ أنْ يَحِلَّ بهِ سواكا فَلَوْ أنِّي اسْتَطَعْتُ غَضَضْتُ طَرْفي … فَلَمْ أنْظُرْ بِهِ حتَّى أراكا ثمَّ قالَ ﷺ : "لا يَبْقَيَنَّ خوخةٌ في المسجدِ إلَّا سُدَّتْ إلَّا خوخةَ أبي بَكْرٍ" (٢). وفي روايةٍ: "سُدُّوا هذهِ الأبوابَ (٣) الشَّارعَةَ في المسجدِ؛ إلَّا بابَ أبي بَكْرٍ" (٤). وفي هذا

стр. 249

إشارةٌ إلى أن أبا بَكْرٍ ﵁ هوَ الإمامُ بعدَهُ؛ فإنَّ الإمامَ يَحْتاجُ إلى سكنى المسجدِ والاستطراقِ فيهِ بخلافِ غيرِهِ، وذلكَ مِن مصالحِ المسلمينَ المصلِّينَ في المسجدِ. ثمَّ أكَّدَ هذا المعنى بأمرِهِ صريحًا أنْ يُصَلِّيَ بالنَّاسِ أبو بَكْرٍ، فرُوجِعَ في ذلكَ، فغَضِبَ وقالَ: "مُروا أبا بَكْرٍ يُصَلِّي (١) بالنَّاس" (٢). فوَلَّاه إمامةَ الصَّلاةِ دونَ غيرِهِ، وأبْقى استطراقَهُ مِن دارِه إلى مكانِ الصَّلاةِ، وسَدَّ استطراقَ غيرِهِ. وفي هذا إشارةٌ واضحةٌ إلى استخلافِهِ على الأمَّةِ دونَ غيرِهِ. ولهذا قالَتِ الصَّحابةُ ﵃ عندَ بيعةِ أبي بَكْر: رَضِيَهُ رسولُ اللهِ ﷺ لدينِنا، أفلا نَرْضاهُ لدنيانا؟ ولمَّا قالَ أبو بكْرٍ: قد أقَلْتكُمْ بيعتي. قالَ عَلِيٌّ: لا نَقيلُكَ ولا نَسْتَقيلُكَ، قَدَّمَكَ رسولُ اللهِ ﷺ ، فمَن ذا يُؤَخِّرُكَ (٣)؟! لمَّا انْطَوى بساطُ النُّبوَّةِ مِن الأرضِ بوفاةِ الرَّسولِ ﷺ ؛ لمْ يَبْقَ على وجهِ الأرضِ أكملُ مِن درجةِ الصِّدِّيقيَّةِ، وأبو بَكْرٍ رأْسُ الصِّدَيقينَ، فلهذا اسْتَحَقَّ خلافةَ الرَّسولِ ﷺ والقيامَ مقامَهُ. وكانَ النَّبيُّ ﷺ قد عَزَمَ على أنْ يَكْتُبَ لِأبي بَكْرٍ كتابًا لئلَّا يُخْتَلَفَ عليهِ، ثمَّ أعْرَضَ عن ذلكَ؛ لعلمِهِ أنَّهُ لا يَقَعُ غيرُهُ، وقالَ: "يَأْبى اللهُ والمؤمنونَ إلَّا أبا بَكْرٍ" (٤). وربَّما كانَ تَرَكَ ذلكَ لئلَّا يَتَوَهَّمَ متوهِّم أن نصَّهُ على خلافتِهِ كانَتْ مكافأةً ليدِهِ التي كانَتْ لهُ. والولاياتُ كلُّها لا يُقْصَدُ بها مصلحةُ المُوَلَّى، بل مصلحةُ المسلمينَ عامَّةً.

стр. 250

• كانَ أوَّلَ ما ابْتُدِئَ بهِ رسولُ اللهِ ﷺ مِن مرضِهِ وجعُ رأْسِهِ. ولهذا خَطَبَ وقدْ عَصَبَ رأْسَهُ بعصابة دسماء (١). وكانَ صداعُ الرَّأْسِ والشَّقيقةُ يَعْتَريهِ كثيرًا في حياتِهِ ويَتَألَّمُ منهُ أيَّامًا. وصداعُ الرَّأْسِ مِن علاماتِ أهلِ الإيمانِ وأهلِ الجنَّةِ. وقد رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّهُ وَصَفَ أهلَ النَّارِ فقالَ: "هُمُ الذينَ لا يَأْلَمونَ رؤوسَهُم" (٢). ودَخَلَ عليهِ أعرابيٌّ، فقالَ لهُ: "يا أعرابيُّ! هل أخَذَكَ هذا الصُّداعُ؟ ". فقالَ: وما الصُّداعُ؟ قالَ: "عروقٌ تَضْرِبُ على الإنسانِ في رأْسِهِ". فقالَ: ما وَجَدْتُ هذا. فلمَّا وَلَّى الأعرابيُّ؛ قالَ النَّبيُّ ﷺ : "مَن أحَبَّ أنْ يَنظُرَ إلى رجلٍ مِن أهلِ النَّارِ؛ فلْيَنْظُرْ إلى هذا" (٣). خَرَّجَهُ الإمامُ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ.

стр. 251

وقالَ كَعْبٌ: أجِدُ في التَّوراةِ: لولا أنْ يَحْزَنَ عبدي المؤمنُ؛ لَعَصَبْت الكافرَ بعصابة مِن حديدٍ لا يَصَّدَّعُ أبدًا. وفي "المسند" عن عائشةَ؛ قالَتْ: دَخَلَ عليَّ رسولُ اللهِ ﷺ في اليومِ الذي بُدِي فيهِ. فقُلْتُ: وارأْساهُ! فقالَ: "وَدِدْتُ أن ذلكَ كانَ وأنا حي، فهَيَّأْتُكِ ودَفَنْتُكِ". فقُلتُ غَيْرى: كأنِّي بكَ في ذلكَ اليومِ عروسًا ببعضِ نسائكَ! فقالَ: "أنا وارأْساهُ! ادْعوا لي أباكِ وأخاكِ حتَّى أكْتُبَ لأبي بَكْرٍ كتابًا؛ فإنِّي أخافُ أنْ يَقولَ قائلٌ ويَتَمَنَّى متمنٍّ، ويَأْبى اللهُ والمؤمنونَ إلَّا أبا بَكْرٍ" (١). وخَرَّجَهُ البُخاريُّ بمعناهُ، ولفظُهُ: إن عائِشَةَ قالَتْ: وارأْساهُ! فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "ذاكِ لو كانَ وأنا حيٌّ، فأسْتَغْفِرَ لكِ وأدْعُوَ لكِ". قالَتْ عائِشَةُ: واثُكْلاهُ! واللهِ؛ إنِّي لأظُنُّكَ تُحِبُّ موتي، ولو كانَ ذلكَ؛ لظَلَلْتَ آخرَ يومِكَ معرِّسًا ببعضِ أزواجِكَ. فقالَ النَّبيُّ ﷺ : "بل أنا وارأْساهُ! ". وذَكَرَ بقيَّةَ الحديثِ (٢). وفي "المسند" أيضًا عنها؛ قالَتْ: كانَ رسولُ اللهِ ﷺ إذا مَرَّ ببابي؛ ممَّا يُلْقي (٣) الكلمةَ يَنْفَعُ اللهُ بها. فمَرَّ ذاتَ يومٍ فلمْ يَقُلْ شيئًا مرَّتينِ أو ثلاثًا. فقُلْتُ: يا جاريةُ! ضَعي لي وسادةً على البابِ، وعَصَبْتُ رأْسي. فمَرَّ بي، فقالَ: "يا عائِشَةُ! ما شأْنُكِ؟ ". فقُلْتُ: أشْتكي رأْسي. فقالَ: "أنا وارأْساه! ". فذَهَبَ فلمْ يَلْبَثْ إلَّا يسيرًا حتَّى جيءَ بهِ محمولًا في كساءٍ، فدَخَلَ عليَّ، فبَعَثَ إلى النِّساءِ، فقالَ: "إنِّي اشْتكَيْتُ"، [وقالَ]: "إنِّي لا أسْتَطيعُ أنْ أدورَ بينكُن، فائْذَنَّ لي فَلأْكُنْ عندَ عائِشَةَ" (٤).

стр. 252

وفيهِ أيضًا عنها؛ قالَتْ: رَجَعَ إليَّ رسولُ اللهِ ﷺ ذاتَ يومٍ مِن جنازةٍ بالبقيعِ، وأنا أجِدُ صداعًا في رأْسي، وأنا أقولُ: وارأْساه! قالَ: "بل أنا وارأْساه! ". ثمَّ قالَ: "ما ضَرَّكِ لوْ مُتَ قبلي فغَسَّلْتُكِ وكَفَّنْتُكِ ثمَّ صَلَّيْتُ عليكِ ودَفَنْتُكِ؟ ". فقُلْتُ: لكأنِّي بكَ واللهِ لو فَعَلْتَ [ذلكَ]؛ لقدْ رَجَعْتَ إلى بيتي فأعْرَسْتَ فيهِ ببعضِ نسائِكَ. فتبَسَّمَ ﷺ ، ثمَّ بُدِئَ في وجعِهِ الذي ماتَ فيهِ (١). فقد تَبَيَّنَ أن أوَّلَ مرضِهِ [كانَ] صداعَ الرَّأْسِ. والظَّاهرُ أنّهُ كانَ معَ حمَّى؛ فإنَّ الحمَّى اشْتَدَّتْ بهِ في مرضِهِ الذي ماتَ فيهِ، فكانَ يَجْلِسُ في مِخْضَبٍ، ويُصَبُّ عليهِ الماءُ مِن سبعِ قِرَب لمْ تُحْلَلْ أوْكِيَتُهُنَّ؛ يَتبَرَّدُ بذلكَ (٢). وكانَ عليهِ قطيفةٌ، وكانَتْ حرارةُ الحمَّى تُصيبُ مَن وَضَعَ يدَهُ عليهِ مِن فوقِها،

стр. 253

فقيلَ لهُ في ذلكَ، فقالَ: "إنَّا كذلكَ يُشَدَّدُ علينا البلاءُ ويُضاعَفُ لنا الأجرُ" (١). وقالَ: "إنِّي أُوعَكُ كما يُوعَكُ رجلانِ منكُم" (٢). ومِن شدَّةِ وجعِهِ كانَ يُغْمى عليهِ في مرضِهِ ثمَّ يُفيقُ، وحَصَلَ لهُ ذلكَ غيرَ مرَّةٍ (٣). فأُغْمِيَ عليهِ مرَّةً، فظنُّوا أن وجعَهُ ذاتُ الجنبِ، فلَدُّوه (٤)، فلمَّا أفاقَ؛ أنْكَرَ ذلكَ، وأمَرَ أنْ يُلَدَّ مَن لَدَّهُ، وقالَ: "إنَّ [للهَ] لمْ يَكُنْ لِيُسَلِّطَها عليَّ (يَعْني: ذاتَ الجنبِ)، ولكنَّهُ مِن الأكلةِ التي أكَلْتُها يومَ خيبرَ" (٥)؛ يَعْني: أنَّهُ نَقَضَ عليهِ سمُّ الشَّاةِ التي أهْدَتْها لهُ اليهوديَّةُ فأكَلَ منها يومئذٍ، وكانَ ذلكَ يَثورُ عليهِ أحيانا، فقالَ في مرضِ موتِهِ: "ما زالَتْ أكلةُ خيبرَ تُعاوِدُني، فهذا أوانُ انقطاعِ أبهري" (٦). فكانَ ابنُ

стр. 254

مَسْعودٍ وغيرُهُ يقولونَ: إنَّهُ ﷺ ماتَ شهيدًا مِن السُّمِّ. وقالَتْ عائشةُ: ما رَأيْتُ أحدًا كانَ أشدَّ عليهِ الوجعُ مِن رسولِ اللهِ ﷺ (١). وكانَ عندَهُ في مرضِهِ سبعة دنانيرَ، فكانَ يَأْمُرُهُم بالصَّدقةِ بها ثمَّ يُغْمى عليهِ فيَشْتَغِلونَ بوجعِهِ، فدَعا بها فوَضَعَها في كفِّهِ وقالَ: "ما ظنُّ مُحَمَّدٍ بربِّهِ لو لَقِيَ الله وعندَهُ هذهِ؟ ". ثمَّ تَصَدَّقَ بها كلِّها (٢). فكيفَ يَكونُ حالُ مَن لَقِيَ الله وعندَهُ دماءُ المسلمينَ وأموالُهُمُ المحرَّمةُ وما ظنّهُ بربِّهِ؟! ولم يَكُنْ عندَهُم في مرضِهِ دهنٌ للمصباحِ يوقَدُ فيهِ. فلمَّا اشْتَدَّ وجعُهُ ليلةَ الاثنينِ؛ أرْسَلَتْ عائِشَةُ بالمصباحِ إلى امرأةٍ مِن النِّساءِ، فقالَتْ: قَطِّري لنا في مصباحِنا مِن عُكَّةِ السَّمنِ؛ فإنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أمسى في جديدِ الموتِ (٣). وكانَ عندَ عائِشَةَ إزارٌ غليظ ممَّا يُصْنَعُ باليمنِ، وكساءٌ مِن المُلَبَّدَةِ، فكانَتْ تُقْسِمُ

стр. 255

باللهِ إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قُبِضَ فيهِما (١). ودَخَلَتْ عليهِ فاطِمَةُ ﵍ في مرضِهِ، فسارَّها بشيء فبَكَتْ ثمَّ سارَّها فضَحِكَتْ، فسُئِلَتْ عن ذلكَ، فقالَتْ: لا أُفْشي سرَّ رسولِ اللهِ ﷺ . فلمَّا تُوُفِّيَ؛ سُئِلَتْ، فقالَتْ: أخْبَرَني أنَّهُ يَموتُ في مرضِهِ الذي ماتَ فيهِ فبَكَيْتُ، ثمَّ أخْبَرَني أنِّي أوَّلُ أهلِهِ لحوقًا بهِ وأنِّي سيِّدةُ نساءِ العالمينَ فضَحِكْتُ (٢). • فلمَّا احْتُضِرَ رسولُ اللهِ ﷺ ؛ اشْتَدَّ بهِ الأمرُ. فقالَتْ عائِشَةُ: ما أغْبِطُ أحدًا يُهَوَّنُ عليهِ الموتُ بعدَ الذي رَأيْتُ مِن شدَّةِ موتِ رسولِ اللهِ ﷺ (٣). قالَت: وكانَ عندَهُ قدحٌ مِن ماءٍ، فيُدْخِلُ يدَهُ في القدحِ، ثم يَمْسَحُ وجهَهُ بالماءِ ويَقولُ: "اللهمَّ! أعِنِّي على سكراتِ الموتِ" (٤).

стр. 256

قالَتْ: وجَعَلَ تقولُ: "لا إلهَ إلَّا اللهُ؛ إنَّ للموتِ لسكراتٍ" (١). وفي حديثٍ مرسلٍ أنَّهُ قالَ: "اللهمَّ! إنَّكَ تَأخُذُ الرُّوحَ مِن بين العصبِ والقصبِ والأناملِ، اللهمَّ! فأعِنِّي على الموتِ وهَوِّنْهُ عليَّ" (٢). ولمَّا ثَقُلَ النَّبيُّ ﷺ ؛ جَعَلَ يَتَغَشَّاة الكربُ، [فـ]ـقالَتْ فاطِمَةُ ﵍: واكربَ أبتاهُ! فقالَ لها: "لا كربَ على أبيكِ بعدَ اليومِ" (٣). وفي حديثٍ خَرَّجَهُ ابنُ ماجَهْ أنه ﷺ قالَ لفاطِمَةَ: " [إنَّهُ] قد حَضَرَ مِن أبيكِ ما ليسَ اللهُ بتاركٍ منهُ أحدًا؟ الموافاةُ يومَ القيامةِ" (٤). • ولمْ يُقبَضْ ﷺ حتَّى خُيِّرَ مرَّةً أُخرى بينَ الدّنيا والآخرةِ. قالَتْ عائِشَةُ: كانَ النَّبيّ ﷺ يَقولُ: "إنَّه لمْ يُقْبَضْ نبيٌّ حتَّى يَرى مقعدَهُ مِن الجنَّةِ، ثمَّ يُخَيَّرُ". فلمَّا نَزَلَ بهِ ورأْسُهُ على فخذي؛ غُشِيَ عليهِ ساعةً، ثم أفاقَ فأشْخَصَ بصرَهُ إلى سقفِ البيتِ، ثمَّ قالَ: "اللهمَّ! الرَّفيقَ الأعلى". فقُلْتُ: الآنَ لا يَخْتارُنا، [و] عَلِمْتُ

стр. 257

أنَّهُ الحديثُ الذي كانَ يُحَدِّثُناهُ. وهوَ صحيحٌ. وكانَتْ تلكَ آخرَ كلمةٍ تكلَّمَ بها (١). وفي روايةٍ أنَّهُ قالَ: "اللهمَّ! اغْفِرْ لي وارْحَمْني وألْحِقْني بالرَّفيقِ الأعلى" (٢). وفي روايةٍ أنَّهُ أصابَهُ بُحَّةٌ شديدةٌ، فسَمِعَتْهُ تقولُ: " ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] ". قالَتْ: فظَنَنْتُ أنَّهُ خُيِّرَ (٣). وهذهِ الرِّواياتُ مخرَّجةٌ في "صحيح البُخاريِّ" وغيرِهِ. وقد رُوِيَ ما يَدُلُّ على أنَّهُ قُبِضَ ثمَّ رَأى مقعدَهُ مِن الجنَّةِ ثُمَّ رُدَّتْ إليهِ نفسُهُ ثمَّ خُيِّرَ: ففي "المسند" عن عائِشَةَ؛ قالَتْ: كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يَقولُ: "ما مِن نبيٍّ إلَّا تُقْبَضُ نفسُهُ ثم يَرى الثَّوابَ ثمَّ تُرَدُّ إليهِ فيُخَيَّرُ بينَ أنْ تُرَدَّ إليهِ إلى أنْ يُلْحَقَ". فكُنْتُ قد حَفِظْتُ ذلكَ منهُ، فإنِّي لمسندتُهُ إلى صدري، فنَظَرْتُ إليهِ حتَّى مالَتْ عنقُهُ، فقُلْتُ: قد قَضى. قالَتْ: فعَرَفْتُ الذي قالَ، فنَظَرْتُ إليهِ حتَّى ارْتَفَعَ ونَظَرَ، فقُلْتُ: إذًا واللهِ لا يَخْتارُنا، فقالَ: "مَعَ الرَّفيقِ الأعْلى في الجَنَّةِ، ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] إلى آخرِ الآيةِ" (٤).

стр. 258

وفي "صحيح ابن حِبَّان" عنها؛ قالَتْ: أُغْمِيَ على رسولِ اللهِ ﷺ ورأْسُهُ في حجري، فجَعَلْتُ أمْسَحُهُ وأدْعو لهُ بالشِّفاءِ، فلَمَّا أفاقَ؛ قالَ: "لا بل أسْألُ الله الرَّفيقَ الأعلى معَ جِبْريلَ وميكائيلَ وإسْرافيلَ" (١). وفيهِ وفي "المسند" عنها؛ أنَّها كانَتْ تَرْقيهِ في مرضِهِ الذي ماتَ فيهِ، فقالَ: "ارْفَعي يدَكِ؛ فإنَّها كانَتْ تَنْفَعُني في المدَّةِ" (٢). قالَ الحَسَنُ: لمَّا كَرِهَتِ الأنبياءُ الموتَ؛ هَوَّنَ اللهُ ذلكَ عليهِم بلقاءِ اللهِ وبكل ما أحَبُّوا مِن تحفةٍ وكرامةٍ، حتَّى إنَّ نفسَ أحدِهِم لَتُنْزَعُ مِن بين جنبيهِ وهوَ يُحِبُّ ذلكَ لِما قد مُثِّلَ لهُ. وفي "المسند" عن عائِشَةَ، أن النَّبيَّ ﷺ قالَ: "إنَّهُ لَيُهَوِّنُ عليَّ الموتَ أنِّي رَأيْتُ بياضَ كفِّ عائِشَةَ في الجنَّةِ" (٣). وخَرَّجَهُ ابنُ سَعْدٍ وغيرهُ مرسلًا؛ أنَّهُ ﷺ قالَ: "لقد أُريتُها في الجنَّةِ لِيُهَوِّنَ بذلكَ

стр. 259

عليَّ موتي، كأنِّي أرى كفَّيها"؛ يَعْني: عائِشَة (١). كانَ ﷺ يُحِبُّ عائِشَةَ حبًّا شديدًا، حتَّى لا يَكادُ يَصْبِرُ عنها، فمُثِّلَتْ لهُ بينَ يديهِ في الجنَّةِ لِيُهَوَّنَ عليهِ موتُهُ؛ فإنَّ العيشَ إنَّما يَطيبُ باجتماعِ الأحبّةِ. وقد سَألَهُ رجلٌ: أيُّ النَّاسِ أحبُّ إليكَ؟ [فـ]ـقالَ: "عائِشَةُ". [فـ]ـقالَ [لهُ]: فمِنَ الرِّجالِ؟ قالَ: "أبوها" (٢). ولهذا قالَ لها في ابتداءِ مرضِهِ لمَّا قالَتْ وارأْساهُ: "وَدِدْتُ أن ذلكَ كانَ وأنا حيٌّ، فأُصَلِّيَ عليكِ وأدْفِنَكِ" (٣)، فعَظُمَ ذلكَ عليها، وظَنَّتْ أنَّهُ يُحِبُّ فراقَها. وإنَّما كانَ يُريدُ تعجيلَها بينَ يديهِ لِيقْرُبَ اجتماعُهُما. وقد كانَتْ عائِشَةُ مَضَغَتْ [لهُ ﷺ ]، سواكًا وطَيّبتْهُ بريقِها ثمَّ دَفَعَتْهُ إليهِ فاسْتَنَّ بهِ أحسنَ استنانٍ، ثمَّ ذَهَبَ يَتَناوَلُهُ فضَعُفَتْ يدُهُ عنهُ فسَقَطَ مِن يدِهِ الكريمةِ. فكانَتْ عائِشَةُ تَقولُ: جَمَعَ اللهُ بينَ ريقِهِ وريقي في آخرِ يومٍ مِن الدُّنيا وأوَّلِ يومٍ مِن الآخرةِ. والحديثُ مخرَّجٌ في الصَّحيحين (٤). وفي حديثٍ خَرَّجَهُ العُقَيْلِيُّ أن النَّبيَّ ﷺ قالَ لها في مرضِهِ: "ائْتِيني بسواكٍ رطبٍ امْضَغِيهِ ثمَّ ائْتِيني بهِ أمْضَغُهُ؛ لكي يَخْتَلِطَ ريقي بريقِكِ لكي يُهَوَّنَ بهِ عليَّ عندَ الموتِ" (٥).

стр. 260

قال جَعْفَرُ بنُ مُحَمَّدٍ عن أبيهِ: لمَّا بقِيَ مِن أجلِ رسول اللهِ ﷺ ثلاثٌ؛ نَزَل عليهِ جِبْريلُ ﵇. فقال: يا أحْمَدُ! إن الله قد أرْسَلَني إليكَ إكرامًا لكَ وتفضيلًا لكَ وخاصَّةً لكَ، يَسْألُكَ عمَّا هوَ أعلمُ بهِ منكَ، يَقول: كيفَ تَجِدُكَ؟ فقال: "أجِدُني يا جِبْريلُ مغمومًا وأجدُني يا جِبْريلُ مكروبًا". ثم أتاهُ في اليومِ الثَّاني، فقالَ لهُ مثلَ ذلكَ. ثمَّ أتاهُ في اليومِ الثالثِ، فقالَ لهُ مثلَ ذلكَ. ثمَّ اسْتَأْذَنَ فيهِ ملكُ الموتِ. فقال جِبْريلُ: يا أحْمَدُ! هذا ملكُ الموتِ يَسْتَأْذِنُ عليكَ، ولم يَسْتَأْذِنْ على آدميٍّ كانَ قبلَكَ، ولا يَسْتَأذِنُ على آدميٍّ بعدَكَ. قال: "ائْذَنْ لهُ". فدَخَلَ ملكُ الموتِ، فوَقَفَ بينَ يديهِ، فقال: يا رسول اللهِ! يا أحْمَدُ! إن الله قد أرْسَلَني إليكَ وأمَرَني أنْ أُطيعَكَ في كلِّ ما تَأْمُرُني؛ إنْ أمَرْتَني أنْ أقْبِضَ نفسَكَ قَبَضْتُها، وإنْ أمَرْتَني أنْ أتْرُكَها تَرَكْتُها؟ قال: "وتَفْعَلُ يا مَلَكَ الموتِ؟! ". قال: بذلكَ أُمِرْتُ؛ أنْ أُطيعَكَ في كلِّ ما تَأْمُرُني بهِ. فقال جِبْريلُ: يا أحْمَدُ! إن الله قدِ اشْتاقَ إليكَ. قال: "فامْضِ يا ملكَ الموتِ لِما أُمِرْتَ بهِ". فقال جِبْريلُ: السَّلامُ عليكَ يا رسول اللهِ (١)! هذا آخرُ موطئي مِن الأرضِ، إنَّما كُنْتَ حاجتي مِن الدُّنيا. وجاءَتِ التَّعزيةُ يَسْمَعونَ الصَّوتَ والحسَّ ولا يَرَوْنَ الشَّخصَ: السَّلامُ عليكُم يا أهلَ البيتِ ورحمةُ اللهِ وبركاتُهُ! ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، إنَّ في اللهِ عزاءً مِن كلِّ مصيبةٍ، وخلفًا مِن كلِّ هالكٍ، ودركًا مِن كلِّ فائتٍ، فباللهِ فثِقُوا، وإيَّاهُ فارْجُوا، إنَّما المصابُ مَن حُرِمَ الثوابَ، والسَّلامُ عليكُم ورحمةُ اللهِ وبركاتُهُ (٢).

стр. 261

• وكانَتْ وفاتُهُ ﷺ في يومِ الاثنينِ في شهرِ ربيعٍ الأوَّل بغيرِ خلافٍ، وكانَ ﷺ قد كَشَفَ السِّترَ في ذلكَ اليومِ والنَّاسُ في صلاةِ الصُّبحِ خلفَ أبي بَكْرٍ، فهَمَّ المسلمونَ أنْ يُفْتَتَنوا مِن فرحِهِم برؤيتِهِ ﷺ حينَ نَظَروا إلى وجهِهِ كأنَّهُ ورقةُ مصحفٍ، وظَنُّوا أنَّهُ يَخْرُجُ للصَّلاةِ، فأشارَ إليهِم أنْ مكانكم، ثمَّ أرْخى السِّترَ، وتُوُفِّيَ ﷺ مِن ذلكَ اليومِ (١). وظَنَّ المسلمونَ أنَّهُ ﷺ قد بَرِئَ مِن مرضِهِ لمَّا أصْبَحَ يومَ الاثنينِ مفيقًا، فخَرَجَ أبو بَكْرٍ إلى منزلهِ بالسُّنْح خارجَ المدينةِ، فلمَّا ارْتَفَعَ الضُّحى مِن ذلكَ اليومِ؛ تُوُفِّيَ ﷺ . وقيلَ: تُوُفِّيَ حينَ زاغتِ الشَّمسُ. والأوَّل أصحُّ؛ أنَّهُ تُوُفِّيَ حينَ اشْتَدَّ الضُّحى مِن يومِ الاثنينِ في مثلِ الوقتِ الذي دَخَلَ فيهِ المدينةَ حينَ هاجَرَ إليها. واخْتَلَفوا في تعيينِ ذلكَ اليومِ مِن الشَّهرِ: فقيلَ: كانَ أوَّلَهُ. وقيلَ: ثانيَهُ. وقيلَ: ثانيَ عشرِهِ. وقيلَ: ثالثَ عشرِهِ. وقيلَ: خامسَ عشرِهِ. والمشهورُ بينَ النَّاسِ أنَّهُ كانَ ثانيَ عشرَ ربيعٍ الأوَّل. وقد رَدَّ ذلكَ السُّهَيْلِيُّ وغيرُهُ بأنَّ وقفةَ حجَّةِ الوداعِ في السَّنةِ العاشرة كانَتِ الجمعةَ، وكانَ أوَّل ذي الحِجَّةِ فيها الخميسُ، ومتى كانَ كذلكَ؛ لمْ يَصِحَّ أنْ يَكونَ يومُ الاثنينِ ثانيَ عشرَ ربيعٍ الأوَّل، سواء حُسِبَتِ الشُّهورُ الثَّلاثةُ - أعني: ذا الحِجَّةِ ومحرَّمًا وصفرًا - كلُّها كاملةً أو ناقصةً، أو بعضُها كاملةً وبعضُها ناقصةً. ولكنْ أُجيبَ عن هذا بجوابٍ حسنٍ، وهوَ أن ابنَ إسْحاقَ ذَكَرَ أن النَّبيَّ

стр. 262

- ﷺ تُوُفِّيَ لاثنتي عشرةَ ليلةً مِن ربيعٍ الأوَّلِ، وهذا ممكنٌ، فإن العربَ تؤرِّخُ بالليالي دونَ الأيَّامِ، ولكنْ لا تُؤرِّخُ إلَّا بليلةٍ مضى يومُها، فيَكونُ اليومُ تبعًا للَّيلةِ، وكلُّ ليلةٍ لم يَمْضِ يومُها لم يُعْتَدَّ بها، وكذلكَ إذا ذَكَروا اللياليَ في عدب فإنَهُم يُريدونَ بها اللياليَ معَ أيَّامِها، فإذا قالوا: عشرُ ليال؛ فمرادُهُم بأيَّامِها. ومِن هنا تَتَبَيَّنُ صحَّةُ قولِ الجمهورِ في أن عدَّةَ الوفاةِ أربعةُ أشهرٍ وعشرُ ليالٍ بأيَّامِها، وأن يومَ العاشرِ مِن جملةِ إتمامِ العدَّةِ؛ خلافًا للأوْزاعِيِّ. وكذلكَ قالَ الجمهورُ في أشهرِ الحجِّ: [إنَّها] شوَّالٌ وذو القَعْدَةِ وعشرٌ مِن ذي الحِجَّةِ، وإنَّ يومَ النَّحرِ داخلٌ [فيها] لهذا المعنى؛ خلافًا للشَّافِعِيِّ. وحينئذٍ؛ فيومُ الاثنينِ الذي تُوُفِّيَ فيهِ رسولُ اللهِ ﷺ كانَ ثالثَ عشرَ الشَّهرِ، لكنْ لمَّا لمْ يَكُنْ يومُهُ قد مَضى لمْ يُؤَرَّخْ بليلتِهِ، إنَّما أرَّخوا بليلةِ الأحدِ ويومِها، وهوَ الثَّاني عشرَ، فلذلكَ قالَ ابنُ إسْحاقَ: تُوُفِّيَ لاثنتي عشرةَ ليلةً مَضَتْ مِن ربيعٍ الأوَّلِ. واللهُ أعلمُ. • واخْتَلَفوا في وقتِ دفنِهِ: فقيلَ: دُفِنَ مِن ساعتِهِ. وفيهِ بعدٌ. وقيلَ: مِن ليلةِ الثُّلاثاءِ. وقيلَ: يومَ الثُّلاثاءِ. وقيلَ: ليلةَ الأربعاءِ. • ولمَّا تُوُفِّيَ ﷺ اضْطَرَبَ المسلمونَ: فمنهُم مَن دُهِشَ فخولِطَ، ومنهُم مَن أُقْعِدَ فلمْ يُطِقِ القيامَ، ومنهُم مَنِ اعْتُقِلَ لسانُهُ فلمْ يُطِقِ الكلامَ، ومنهُم مَن أنْكَرَ موتَهُ بالكلِّيَّةِ وقالَ: إنَّما بُعِثَ إليهِ كما بُعِثَ إلى موسى. وكانَ مِن هؤلاءِ عُمَرُ. وبَلَغَ الخبرُ أبا بَكْرٍ، فأقْبَلَ مسرعًا، حتَّى دَخَلَ بيتَ عائِشَةَ، ورسولُ اللهِ ﷺ مسجًّى، فكَشَفَ عن وجهِهِ الثَّوبَ وأكَبَّ عليهِ وقَبَّلَ وجهَهُ مرارًا وهوَ يَبْكي ويَقولُ: وانبيَّاه! واخليلاه! وا صفيَّاه! وقالَ: إنَّا للهِ وإنَّا إليهِ راجعونَ، ماتَ واللهِ رسولُ اللهِ ﷺ . وقالَ: واللهِ؛ لا يَجْمَعُ اللهُ عليكَ موتتينِ، أمَّا الموتةُ التي كُتِبَتْ عليكَ؛ فقد مُتَّها. ثمَّ دَخَلَ المسجدَ، وعُمَرُ يُكَلِّمُ النَّاسَ، وهُم مجتمعونَ عليهِ، فتكَلَّمَ أبو بكرٍ ﵁ وتَشَهَّدَ وحَمِدَ الله، فأقْبَلَ النَّاسُ إليهِ (١) وتَرَكوا عُمَرَ، فقالَ: مَن كانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا؛ فإنَّ

стр. 263

مُحَمَدًا قد ماتَ، ومَن كانَ يَعْبُدُ الله؛ فإن الله حيٌّ لا يَموتُ، وتَلا ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ الآيةَ [آل عمران: ١٤٤]. فاسْتَيْقَنَ النَّاسُ كلُّهُم بموتِهِ وكأنَّهُم لم يَسْمَعوا هذهِ الآيةَ مِن قبلِ أنْ يَتْلُوَها أبو بكرٍ، فتَلَقَاها النّاسُ منهُ، فما يُسْمَعُ أحدٌ إلَّا يَتْلوها. وقالَتْ فاطِمَةُ ﵍: يا أبتاه! أجابَ ربًّا دَعاه، يا أبتاه! جنَّةُ الفردوسِ مأْواه، يا أبتاه! إلى جِبْريلَ أنْعاه، يا أبتاه! مِن ربِّهِ ما أدناه. وعاشَتْ بعدَهُ ستَّةَ أشهرٍ، فما ضَحِكَتْ في تلكَ المدَّةِ، وحُقَّ لها ذلكَ ﵂. عَلى مِثْلِ لَيْلَى يَقْتُلُ المَرْءُ نَفْسَهُ … وإنْ كانَ مِنْ لَيْلَى عَلى الهَجْرِ طاوِيا • كُلُ المصائبِ تَهونُ عندَ هذهِ المصيبةِ. في "سنن ابن ماجَهْ"؛ أنَّهُ ﷺ قالَ في مرضِهِ: "أيُّها النَّاسُ! إنْ أحدٌ مِن الناس (أو: مِن المؤمنينَ) أُصيبَ بمصيبةٍ؛ فَلْيَتَعَزَّ بمصيبتِهِ بي عن المصيبةِ التي تُصيبُهُ بغيري؛ فإنَّ أحدًا مِن أُمَّتي لن يُصابَ بمصيبةٍ بعدي أشدَّ عليهِ مِن مصيبتي" (١).

стр. 264

قالَ أبو الجَوْزاءِ: كانَ الرَّجلُ مِن أهلِ المدينةِ إذا أصابَتْهُ مصيبةٌ؛ جاءَ أخوهُ فصافَحَهُ، وتقولُ: يا عبدَ اللهِ! اتَّقِ الله؛ فإنَّ في رسولِ اللهِ ﷺ أُسوةً حسنةً. اصْبِرْ لِكُلِّ مُصيبَةٍ وَتَجَلَّدِ … وَاعْلَمْ بِأنَّ المَرْءَ غَيْرُ مُخَلَّدِ واصْبِرْ كَما صَبَرَ الكِرامُ فَإنَّها … نُوَبٌ تَنُوبُ اليَوْمَ تكْشَفُ في غَدِ وَإذا أتَتْكَ مُصيبَةٌ تَشْجى بِها … فَاذْكُرْ (١) مُصابَكَ بِالنَّبِيِّ مُحَمَّدِ

стр. 265

ولبعضِهِم: تَذَكَّرْتُ (١) لَمَّا فَرَّقَ الدَّهْرُ بَيْنَنا … فَعَزَّيْتُ نَفْسي بِالنَّبِيِّ مُحَمَّدِ وَقُلْتُ لَها إن المَنايا سَبيلُنا … فَمَنْ لَمْ يَمُتْ في يَوْمِهِ ماتَ في غَدِ كادَتِ الجماداتُ تتصَدَّعُ مِن ألمِ مفارقةِ الرَّسولِ؛ فكيفَ بقلوبِ المؤمنينَ؟! لمَّا فَقَدَهُ الجذعُ الذي كانَ يَخْطُبُ إليهِ قبلَ اتِّخاذِ المنبرِ؛ حَنَّ إليهِ وصاحَ كما يَصيحُ الصَّبيُّ، فنَزَلَ إليهِ فاعْتَنَقَهُ، فجَعَلَ يُهَدَّى كما يُهَدَّى الصَّبيُّ الذي يُسَكَّنُ عندَ بكائِهِ، فقال: "لو لمْ أعْتَنِقْهُ، لَحَنَّ إلى يومِ القيامةِ" (٢). كانَ الحَسَنُ إذا حَدَّثَ بهذا الحديثِ، بَكى وقالَ: هذهِ خشبة تَحِنُّ إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، فأنتُم أحقُّ أنْ تَشْتاقوا إليهِ. ورُوِيَ أن بلالًا كانَ يُؤذِّنُ بعدَ وفاةِ النَّبيِّ ﷺ قبلَ دفنِهِ، فإذا قال: أشْهَدُ أن مُحَمَّدًا رسول اللهِ؛ ارْتَجَّ المسجدُ بالبكاءِ والنَّحيبِ، فلمَّا دُفِنَ؛ تَرَكَ بلالٌ الأذانَ. ما أمَرَّ عيشَ مَن فارَقَ الأحباب! خصوصًا مَن كانَتْ رؤيتُهُ حياةَ الألباب. لَوْ ذاقَ طَعْمَ الفِراقِ رَضْوى … لَكادَ مِنْ وَجْدِهِ يَميدُ قَدْ حَمَّلوني عَذابَ شَوْقٍ … يَعْجِزُ عَنْ حَمْلِهِ الحَديدُ

стр. 266

لمَّا دُفِنَ ﷺ ؛ قالَتْ فاطِمَةُ: كيفَ طابَتْ أنفسُكُم أنْ تَحْثوا على رسولِ اللهِ ﷺ التُّرابَ؟! قالَ أنَسٌ: لمَّا كانَ اليومُ الذي دَخَلَ فيهِ رسولُ اللهِ ﷺ المدينةَ؛ أضاءَ منها كلُّ شيءٍ، فلمَّا كانَ اليومُ الذي دُفِنَ فيهِ، أظْلَمَ منها كلُّ شيءٍ، وما نَفَضْنا التُّرابَ (١) عن رسولِ اللهِ [ ﷺ ]، وإنَّا لفي دفنِهِ، حتَّى أنْكَرْنا قلوبَنا. لِيَبْكِ رَسولَ اللهِ مَنْ كانَ باكِيًا … فَلا تَنْسَ قَبْرًا بِالمدينةِ ثاوِيا جَزى اللهُ عَنَّا كُلَّ خَيْرٍ مُحَمَّدًا … فَقَدْ كانَ مَهْدِيًّا وَقَدْ كانَ هادِيا وَكانَ رَسولُ اللهِ رَوْحًا وَرَحْمَةً … وَنورًا وَبُرْهانًا مِنَ اللهِ بادِيا وَكانَ رَسولُ اللهِ بِالخَيْرِ آمِرًا … وَكانَ عَنِ الفَحْشاءِ والسُّوءِ ناهِيا وَكانَ رَسولُ اللهِ بِالقِسْطِ قائِمًا … وَكانَ لِما اسْتَرْعاهُ مَوْلاهُ راعِيا وَكانَ رَسولُ اللهِ يَدْعو إلى الهُدى … فَلَبَّى رَسولُ اللهِ لَبَّيْهِ داعِيا أيُنْسى أبَرُّ النَّاسِ بِالنَّاسِ كُلِّهِمْ … وَأكْرَمُهُمْ بَيْتًا وَشِعْبًا وَوادِيا أيُنْسى رَسولُ اللهِ أكْرَمُ مَن مَشى … وَآثارُهُ بِالْمَسْجِدَيْنِ كَما هِيا تكدَّرَ مِنْ بَعْدِ النَّبِي مُحَمَّدٍ … عَلَيْهِ سَلامٌ كُلُّ ما (٢) كانَ صافِيا رَكَنَّا إلى الدُّنْيا الدَّنِيَّةِ بَعْدَهُ … وَكَشَّفَتِ الأطْماعُ مِنَّا مَساوِيا وَكَمْ مِنْ مَنارٍ كانَ أوْضَحَهُ لَنا … وَمِنْ عَلَمٍ أمْسى وَأصْبَحَ عافِيا إذا المَرْءُ لَمْ يَلْبَسْ ثِيابًا مِنَ التُّقى … تَقَلَّبَ عُرْيانًا وَلَوْ كانَ كاسِيا [وَخَيْرُ خِصالِ المَرْءِ طاعَةُ رَبِّهِ … وَلا خَيْرَ فيمَنْ كانَ للهِ عاصِيا] * * *

стр. 267

وظيفة شهر رجب خَرَّجا في الصَّحيحينِ (١) مِن حديثِ أبي بَكْرَةَ: أن النَّبيَّ ﷺ خَطَبَ في حَجَّةِ الوداع فقالَ في خطبتِهِ: "إنَّ الزَّمانَ قدِ اسْتَدارَ كهيئتِهِ يومَ خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ والأرضَ، السَّنة اثنا عَشَرَ شهرًا، منها أربعة حرمٌ: ثلاثة متوالياتٌ؛ ذو القَعْدَةِ وذو الحِجَّةِ والمحرَّمُ، ورجبُ مُضَرَ الذي بينَ جُمادى وشعبانَ … " وذَكَرَ الحديثَ. • قالَ اللهُ تَعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦]. فأخْبَرَ سبحانَهُ أنَّهُ منذُ خَلَقَ السَّماواتِ والأرضَ، وخَلَقَ الليلَ والنَّهارَ يَدورانِ في الفلكِ، وخَلَقَ ما في السَّماءِ مِن الشَّمسِ والقمرِ والنُّجومِ، وجَعَلَ الشَّمسَ والقمرَ يَسْبَحانِ في الفَلَكِ [فـ]ـينْشَأُ منهُما ظلمةُ الليلِ وبياضُ النَّهارِ؛ فمِن حينئذٍ جَعَلَ السَّنةَ اثني عشرَ شهرًا بحسبِ الهلالِ. فالسَّنةُ في الشَّرعِ مقدَّرة بسيرِ القمرِ وطلوعِهِ لا بسيرِ الشَّمسِ وانتقالِها كما يَفْعَلُهُ أهلُ الكتابِ. وجَعَلَ [اللهُ تَعالى] مِن هذهِ الأشهرِ أربعةَ أشهرٍ حرمًا، وقد فَسَّرَها النَّبي ﷺ في هذا الحديثِ، وذَكَرَ أنَّها ثلاثةٌ متوالياتٌ؛ ذو القَعْدَةِ وذو الحِجَّةِ ومُحَرَّمٌ، وواحدٌ فردٌ وهوَ شهر رجبٍ. وهذا قد يَسْتَدِلُّ بهِ مَن يَقولُ: إنَّها مِن سنتينِ. وقد رُوِيَ مِن حديثِ ابن عُمَرَ مرفوعًا: "أوَّلُهُنَ رجبٌ" (٢)، وفي إسناده موسى بنُ عُبَيْدَةَ، وفيهِ ضعفٌ شديدٌ

стр. 268

مِن قبلِ حفظِهِ. وقد حُكِيَ عن أهلِ المدينةِ أنَّهُم جَعَلوها مِن سنتينِ، وأنَّ أوَّلَها ذو القَعْدَةِ ثمَّ ذو الحِجَّةِ ثمَّ المحرَّمُ ثمَّ رجبٌ، فيَكونُ رجبٌ آخرَها. وعن بعضِ المدنيِّينَ أنَّ أوَّلَها رجبٌ ثمَّ ذو القعدةِ ثم ذو الحجَّةِ ثمَّ المحرَّمُ. وعن [بعضِ] أهلِ الكوفةِ أنَّها مِن سنةٍ واحدةٍ؛ أوَّلُها المحرَّمُ ثمَّ رجبٌ ثمَّ ذو القَعْدَةِ ثمَّ ذو الحِجَّةِ (١). واخْتُلِفَ في أي هذهِ الأشهرِ الحرمِ أفضلُ: فقيلَ: رجبٌ. قالَهُ بعضُ الشَّافعيّةِ، وضَعَّفَهُ النَّوَوِيُّ وغيرُهُ. وقيلَ: المحرَّمُ. قالَهُ الحَسَنُ، ورَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ. وقيلَ: ذو الحِجَّةِ. رُوِيَ عن سَعيدِ بن جُبَيْرٍ وغيرِهِ، وهوَ أظهرُ. واللهُ أعلمُ. • وقولُهُ ﷺ : "إنَّ الزَّمانَ قدِ اسْتَدارَ كهيئتِهِ يومَ خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ والأرضَ، السَّنةُ اثنا عشرَ شهرًا"؛ مرادُهُ بذلكَ إبطالُ ما كانتِ الجاهليَّةُ تَفْعَلُهُ مِن النَّسيءِ، كما قالَ تَعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٣٧]. وقدِ اخْتُلِفَ في تفسيرِ النَّسيءِ: فقالَتْ طائفةٌ: كانوا يُبْدِلونَ بعضَ الأشهرِ الحرمِ بغيرِها مِن الأشهرِ فيُحَرِّمونَها بدلَها ويُحِلُّونَ ما أرادوا تحليلَهُ مِن الأشهرِ الحرمِ إذا احْتاجوا إلى ذلكَ، ولكنْ لا يَزيدونَ في عددِ الأشهرِ الهلاليّةِ شيئًا. ثمَّ مِن أهلِ هذهِ المقالةِ مَن قالَ: كانوا يُحِلُّونَ المحرَّمَ فيَسْتَحِلُّونَ القتالَ فيه؛ لطولِ مدَّةِ التَّحريمِ عليهِم بتوالي ثلاثةِ أشهرٍ محرَّمةٍ، ثمَّ يُحَرِّمونَ صَفَرَ مكانَهُ، فكأنَّهُم تقْتَرِضونَهُ ثمَّ يُوَفُّونَهُ. ومنهُم مَن قالَ: كانوا يُحِلُونَ المحرَّمَ معَ صَفَرَ مِن عامٍ ويُسَمُّونَهُما صَفرينِ، ثمَّ يُحِرِّمونَهُما مِن عامٍ قابلٍ ويُسَمُّونَهُما محرَّمينِ، قالَهُ ابنُ زيدِ بن أسْلَمَ. وقيلَ: بل كانوا ربَّما احْتاجوا إلى صَفَرَ أيضًا فأحَلُّوهُ وجَعَلوا مكانَهُ ربيعًا، ثمَّ يَدورُ ذلكَ التَّحريمُ

стр. 269

والتَّحليلُ بالتَّأْخير (١)، إلى أنْ جاءَ الإسلامُ ووافَقَ حجَّةَ الوداعِ [و] صارَ رجوعُ التَّحريمِ إلى محرَّمٍ الحقيقيِّ. وهذا هوَ الذي رَجَّحَهُ أبو عُبَيْدٍ. وعلى هذا (٢) فالتَّغييرُ إنَّما وَقَعَ في عينِ الأشهرِ الحرمِ خاصَّة. وقالَتْ طائفةٌ أُخرى: بل كانوا يَزيدونَ في عددِ شهورِ السَّنةِ، وظاهرُ الآيةِ يُشْعِرُ بذلكَ، حيثُ قالَ اللهُ تَعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ فذَكَرَ هذا توطئةً لهدمِ النَّسيءِ وإبطالِهِ. ثمَّ مِن هؤلاءِ مَن قالَ: كانوا يَجْعَلونَ السَّنةَ ثلاثةَ عشرَ شهرًا. قالَهُ مُجاهِدٌ وأبو مالِكٍ. قالَ أبو مالِكٍ: كانوا يَجْعَلونَ السَّنةَ ثلاثةَ عشرَ شهرًا، ويَجْعَلونَ المحرَّمَ صَفَرًا. وقالَ مُجاهِدٌ: كانوا يُسْقِطونَ المحرَّمَ، ثمَّ تقولونَ صَفَرَينِ لصَفَرَ وربيعٍ الأوَّلِ، ثمَّ يَقولونَ لرمضان شعبانُ (٣) ولِشوَّالٍ رمضانُ ولذي القعدةِ شوَّالٌ ولذي الحجَّةِ ذو القعدةِ - على وجهِ ما ابْتَدَؤوا -. وللمحرَّمِ ذو الحِجَّةِ، فيَعُدُّونَ ما ناسَؤُوا على مستقبلِهِ على وجهِ ما ابْتَدَؤُوا. وعنهُ قالَ: كانَتِ الجاهليَّةُ يَحُجُّونَ في كلِّ شهرٍ مِن شهورِ السَّنةِ عامينِ، فوافَقَ حجُّ رسولِ اللهِ ﷺ في ذي الحِجَّةِ، فقالَ: "هذا يومَ اسْتَدارَ الزَّمانُ كهيئتِهِ يومَ خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ والأرضَ" (٤). ومِن هؤلاءِ مَن قالَ: كانَتِ الجاهليَّةُ يَجْعَلونَ السَّنةَ (٥) اثني عشرَ شهرًا وخمسةَ أيَّامٍ. قالَهُ إياسُ بنُ مُعاوِيَةَ. وهذا العددُ قريبٌ مِن عددِ السَّنةِ الرُّوميَّةِ، ولهذا جاءَ في مراسيلِ عِكْرِمَةَ بن خالِدٍ؛ أن النَّبيَّ ﷺ قالَ في خطبتِهِ يومَ النَّحرِ: "والشَّهرُ هكذا وهكذا وهكذا، وخَنَسَ إبهامَهُ في الثَّالثةِ، وهكذا وهكذا وهكذا"؛ يَعْني

стр. 270

ثلاثينَ (١). فأشارَ إلى أن الشَّهرَ هلاليٌّ، ثمَّ تارةً يَنْقُصُ وتارةً يَتِمُّ. ولعل أهلَ النَّسيءِ كانوا يُتِمُّونَ الشُّهورَ كلَّها ويَزيدونَ عليها. واللهُ أعلمُ. وقد قيلَ: إنَّ رَبيعَةَ ومُضَرَ كانوا يُحَرِّمونَ أربعةَ أشهرٍ مِن السَّنةِ معَ اختلافِهِم في تعيينِ رجبٍ منها، كما سَنَذْكُرُهُ إنْ شاءَ اللهُ. وكانَت بَنو عَوْفِ بن لُؤَيٍّ يُحَرِّمونَ مِن السَّنةِ ثمانيةَ أشهرٍ، وهذا مبالغةٌ في الزِّيادةِ على ما حَرَّمَهُ اللهُ تَعالى. واخْتَلَفوا في أيِّ عامٍ عادَ الحجُ إلى ذي الحِجَّةِ على وجهِهِ، واسْتَدارَ الزَّمانُ فيهِ كهيئتِهِ: فقالَتْ طائفةٌ: إنَّما عادَ على وجهِهِ في حَجَّةِ الوداعِ، وأمَّا حَجَّةُ أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ ﵁؛ فكانَتْ [قد] وَقَعَتْ في شهرِ ذي القَعْدَةِ. هذا قولُ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ بن خالِدٍ وغيرِهِما. وقيلَ: إنَّهُ اجْتَمَعَ في ذلكَ العامِ حجُّ الأُممِ كلِّها في وقتٍ واحدٍ، فلذلكَ سُمِّيَ يومَ الحجِّ الأكبرِ. وقالَتْ طائفة: بل وَقَعَتْ حَجَّةُ الصِّدَيقِ في ذي الحِجَّةِ. قالَهُ الإمامُ أحْمَدُ، وأنْكَرَ قولَ مُجاهِدٍ، واسْتَدَلَّ بأنَّ النَّبيَّ ﷺ أمَرَ عليًّا فنادى يومَ النَّحرِ: "لا يَحُجُّ بعدَ العامِ مشركٌ" (٢). وفي روايةٍ: "واليومُ يومُ الحجِّ الأكبرِ" (٣). وقد قالَ تَعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٣]، فسَمَاهُ يومَ الحجِّ الأكبرِ، وهذا يَدُلُّ على أن النِّداءَ وَقَعَ في ذي الحِجَّةِ. وخَرَّجَ الطَبَرانِيُّ في "أوسطه" مِن حديثِ: عَمْرِو بن شُعَيْبٍ، عن أبيهِ، عن جدِّهِ؛ قالَ: كانَ العربُ يُحِلُّونَ عامًا شهرًا وعامًا شهرينِ، ولا يُصيبونَ الحجَّ إلَّا في كلِّ ستَّةٍ

стр. 271

وعشرينَ سنةً مرَّةً، وهوَ النَّسيءُ الذي ذَكَرَهُ اللهُ في كتابِهِ، فلمَّا كانَ عامَ حَجَّ أبو بَكْرٍ [الصِّدِّيقُ] بالنَّاسِ؛ وافَقَ في ذلكَ العامِ الحجَّ، فسَمَّاهُ اللهُ يومَ الحجِّ الأكبرِ. ثمَّ حجَّ رسولُ اللهِ ﷺ في العامِ المقبلِ، فاسْتَقْبَلَ النَّاسُ الأهلَّةَ، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "إنَّ الزَّمانَ قدِ اسْتَدارَ كهيئتِهِ يومَ خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ والأرضَ" (١). وقيلَ: بلِ استدارةُ الزَّمانِ كهيئتِهِ كانَ مِن عامِ الفتحِ. وخَرَّجَ البزَّارُ في "مسنده" مِن حديثِ سَمُرَةَ بن جُنْدَبٍ؛ أن رسولَ اللهِ ﷺ قالَ لهُم يومَ الفتحِ: "إنَّ هذا العامَ الحجُّ الأكبرُ، قدِ اجْتَمَعَ حجُّ المسلمينَ وحجُّ المشركينَ في ثلاثةِ أيَّامٍ متتابعاتٍ، واجْتَمَعَ حجُّ اليهودِ وحجُّ النَّصارى في ستةِ أيَّامٍ متتابعاتٍ، ولم يَجْتَمعْ منذُ خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ والأرضَ ولا يَجْتَمعُ بعدَ العامِ حتَّى تَقومَ السَّاعةُ" (٢). وفي إسنادِهِ يوسُفُ السَّمْتِيُّ، وهوَ ضعيفٌ جدًّا. • واخْتَلَفوا لِمَ سُمِّيَتْ هذهِ الأشهرُ الأربعةُ حرمًا: فقيلَ: لعظمِ حرمتِها وحرمةِ الذَّنبِ فيها. قالَ عَلِيُّ بنُ أبي طَلْحَةَ عن ابن عَبَّاسٍ: اخْتَصَّ اللهُ أربعةَ أشهرٍ وجَعَلَهُنَّ حرمًا، وعَظَّمَ حرماتِهِنَّ، وجَعَلَ الذَّنبَ فيهِنَّ أعظمَ، وجَعَلَ العملَ الصَّالحَ والأجرَ أعظمَ. قالَ كَعْبٌ: اخْتارَ اللهُ الزمانَ، فأحبُّهُ إلى اللهِ الأشهرُ الحرمُ. وقد رُوِيَ مرفوعًا،

стр. 272

ولا يَصِحُّ رفعُهُ. وقد قيلَ في قولِهِ تَعالى: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦]: إنَّ المرادَ في الأشهرِ الحرمِ. وقيلَ: بل في جميعِ شهورِ السَّنةِ. وقيلَ: إنَّما سُمِّيَتْ حرمًا لتحريمِ القتالِ فيها، وكانَ ذلكَ معروفًا في الجاهليّةِ. وقيلَ: إنَّهُ كانَ في عهدِ إبْراهيمَ ﵇. وقيلَ: إنَّ سببَ تحريمِ هذهِ الأشهرِ الأربعةِ بينَ العربِ لأجلِ التَّمكُّنِ مِن الحجِّ والعمرةِ: فحُرِّمَ (١) شهرُ ذي الحِجَّةِ لوقوعِ الحجِّ فيهِ، وحُرِّمَ معَهُ شهرُ ذي القعدةِ للسَّيرِ فيهِ إلى الحجِّ، وشهرُ المحرَّمِ للرُّجوعِ فيهِ مِن الحجِّ، حتَّى يَأْمَنَ الحاجُّ على نفسِهِ مِن حينِ يَخْرُجُ مِن بيتِهِ إلى أنْ يَرْجِعَ إليهِ، وحُرِّمَ شهرُ رَجَبٍ، للاعتمارِ فيهِ في وسطِ السَّنةِ، فيَعْتَمِرُ فيهِ مَن كانَ قريبًا مِن مَكَّةَ. • وقد شَرَعَ اللهُ تَعالى في أوَّلِ الإسلامِ تحريمَ القتالِ في الشَّهرِ الحرامِ: قالَ تَعالى: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٢]. وقالَ تَعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ٢١٧]. وخَرَّجَ ابنُ أبي حاتِمٍ بإسناده عن جُنْدَبِ بن عَبْدِ اللهِ؛ أن النَّبيَّ ﷺ بَعَثَ رهطًا وبَعَثَ عليهِم عَبْدَ اللهِ بنَ جَحْشٍ، فَلَقُوا ابنَ الحَضْرَمِيِّ فقَتَلوهُ، ولم يَدْروا أن ذلكَ مِن رجبٍ أو مِن جمادى، فقالَ المشركونَ للمسلمينَ: قَتَلْتُم في الشَّهرِ الحرامِ، فأنْزَلَ اللهُ تَعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٧] (٢).

стр. 273

ورَوَى السُّدِّيُّ: عن أبي مالكٍ وعن أبي صالحٍ عن ابن عَبَّاسٍ، وعن مُرَّةَ عن ابن مَسْعودٍ في هذهِ الآيةِ … فذَكَروا هذهِ القصَّةَ مبسوطةً، وقالوا فيها: فقالَ المشركونَ: يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ أنَّهُ يَتَبعُ طاعةَ اللهِ وهوَ أوَّلُ مَنِ اسْتَحَلَّ الشَّهرَ الحرامَ. فقالَ المسلمونَ: إنَّما قتَلْناهُ في جُمادى. وقيلَ: في أوَّلِ رجبٍ وآخرِ ليلةٍ مِن جمادى، وغَمَدَ المسلمونَ سيوفَهُم حينَ دَخَلَ شهرُ رجبٍ. وأنْزَلَ اللهُ تعييرًا لأهلِ مَكَّةَ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ لا يَحِلُّ، وما صَنَعْتُمْ أنتُم يا معشرَ المشركينَ أكبرُ مِن القتلِ في الشَّهرِ الحرامِ حينَ كَفَرْتُم باللهِ وصَدَدْتُم عن مُحَمَّدٍ وأصحابِهِ، وإخراجُ أهلِ المسجدِ الحرامِ حينَ أخْرَجوا منهُ مُحَمَّدًا ﷺ أكبرُ مِن القتلِ عندَ اللهِ. وقد رُوِيَ عن ابن عَبَّاسٍ هذا المعنى: مِن روايةِ العَوْفِيِّ عنهُ، ومِن روايةِ أبي سَعْدٍ البَقَّالِ عن عِكْرِمَةَ عنهُ، ومِن روايةِ الكَلْبِيِّ عن أبي صالحٍ عنهُ. وذَكَرَ ابنُ إسحاقَ أن ذلكَ كانَ في آخرِ يومٍ مِن رجبٍ، وأنَّهُم خافوا إنْ أخَّروا القتالَ أنْ يَسْبِقَهُمُ المشركونَ فيَدْخُلوا الحرمَ فيَأْمَنوا. وأنَّهُم لمَّا قَدِموا على النَّبيِّ ﷺ قالَ لهُم: "ما أمَرْتُكُم بالقتالِ في الشَّهرِ الحرامِ"، ولمْ يَأْخُذْ مِن غنيمتِهِم شيئًا. وقالَتْ قُرَيْشٌ: قدِ اسْتَحَلَّ مُحَمَّد وأصحابُهُ الشَّهرَ الحرامَ. فقالَ مَن بمَكَّةَ مِن المسلمينَ: إنَّما قَتَلوهُم في شعبانَ. فلمَّا أكْثَرَ النَّاسُ في ذلكَ؛ نَزَلَ قولُهُ تَعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ الآية (١). ورُوِيَ نحوُ هذا السِّياق عن عُرْوَةَ والزُّهْرِيِّ وغيرِهِما. وقيلَ: إنَّها كانَتْ أوَّلَ غنيمةٍ غَنِمَها المسلمونَ.

стр. 274

وقالَ عَبْدُ اللهِ بنُ جَحْشٍ في ذلكَ - وقيلَ: إنَّها لأبي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁: تَعُدُّونَ قَتْلًا في الحَرامِ عَظيمَةً … وَأعْظَمُ مِنْهُ لَوْ يَرَى الرُّشْدَ راشِدُ صُدودُكُمُ عَمَّا تقولُ مُحَمَّدٌ … وَكُفْرٌ بِهِ واللهُ راءٍ وَشاهِدُ وَإخْراجُكُمْ مِنْ مَسْجِدِ اللهِ أهْلَهُ … لِئَلَّا يُرى للهِ في البَيْتِ ساجِدُ … في أبياتٍ أُخرَ. • وقدِ اخْتَلَفَ العلماءُ في حكمِ القتالِ في الأشهرِ الحرمِ، هل تحريمُهُ باقٍ أم نُسِخَ: فالجمهورُ على أنَّهُ نُسِخَ تحريمُهُ، ونَصَّ على نسخِهِ الإمامُ أحْمَدُ وغيرُهُ مِن الأئمَّةِ. وذَهَبَ طائفةٌ مِن السَّلفِ - منهُم عطاءٌ - إلى بقاءِ تحريمِهِ، ورَجَّحَهُ بعضُ المتأخِّرينَ، واسْتَدَلُوا بآيةِ المائدةِ، والمائدةُ مِن آخرِ ما نَزَلَ مِن القرآنِ. وقد رُوِيَ (١): أحِلُّوا حلالَها وحَرِّموا حرامَها. وقيلَ: ليسَ فيها منسوخٌ. وفي "المسند": أن عائِشَةَ قالَتْ: هيَ آخرُ سورةٍ نَزَلَتْ، فما وَجَدْتُم فيها مِن حلالٍ فاسْتَحِلوهُ، وما وَجَدْتُم فيها مِن حرامٍ فحَرِّموهُ. ورَوى الإمامُ أحْمَدُ في "مسنده": حَدَّثَنا إسْحاقُ بنُ عيسى، حَدَّثَنا لَيْثُ بنُ سَعْدٍ، عن أبي الزُّبَيْرِ، عن جابِرٍ؛ قالَ: لم يَكُنْ رسولُ اللهِ ﷺ يَغْزو في الشَّهرِ الحرامِ إلَّا أنْ يُغْزى، ويَغْزو فإذا حَضَرَهُ أقامَ حتَّى يَنْسَلخَ (٢). وذَكَرَ بعضُهُم أن النَّبيَّ ﷺ حاصَرَ الطَّائفَ في شوَّالٍ، فلمَّا دَخَلَ ذو القَعْدَةِ؛ لمْ يُقاتِلْ، بل صابَرَهُم، ثمَّ رَجَعَ (٣).

стр. 275

وكذلكَ في عمرةِ الحُدَيْبِيَةِ (١) لمْ يُقاتِلْ حتَّى بَلَغَهُ أن عُثْمانَ قُتِلَ، فبايَعَ على القتالِ، ثمَّ لمَّا بَلَغَهُ أن ذلكَ لا حقيقةَ لهُ؛ كَفَّ عن القتالِ (٢). واسْتَدَلَّ الجمهورُ بأنَّ الصَّحابةَ ﵃ اشْتَغَلوا بعدَ النَّبي ﷺ بفتحِ البلادِ ومواصلةِ القتالِ والجهادِ ولمْ يُنْقَلْ عن أحدٍ منهُم أنَّهُ تَوَقَّفَ عن القتالِ وهوَ طالبٌ لهُ في شيء مِن الأشهرِ الحرمِ، وهذا يَدُلُّ على إجماعِهِم على نسخِ ذلكَ (٣). واللهُ أعلمُ. ومِن عجائبِ الأشهرِ الحرمِ ما رُوِيَ [عن] عَبْدِ اللهِ بن عَمْرِو بن العاصِ؛ أنَّهُ ذَكَرَ عجائبَ الدُّنيا، فعَدَّ منهـ[ـا]، بأرضِ عادٍ عمودَ نحاسٍ، عليهِ شجرة مِن نحاسٍ، فإذا كانَ في الأشهرِ الحرمِ؛ قَطَرَ منها الماءُ، فملؤوا منهُ حياضَهُم، وسَقَوْا مواشيَهُم وزروعَهُم، فإذا ذَهَبَ الأشهرُ الحرمُ؛ انْقَطَعَ المال (٤). • وقولُهُ ﷺ "ورَجَبُ مُضَر": سُمِّيَ رجبٌ رجبًا لأنَّهُ كانَ يُرَجَّبُ؛ أي: يُعَظّمُ. كذا قالَ الأصْمَعِيُّ والمُفَضَّلُ والفَرَّاءُ. وقيلَ: لأنَّ الملائكةَ [تَ]ـتَرَجَّبُ للتَّسبيحِ والتَّحميدِ فيهِ، وفي ذلكَ حديث مرفوعٌ؛ إلَّا أنَّهُ موضوعٌ.

стр. 276

وأمَّا إضافتُهُ إلى مُضَرَ: فقيلَ: لأنَّ مُضَرَ كانَتْ تَزيدُ في تعظيمِهِ واحترامِهِ، فنُسِبَ إليهِم لذلكَ. وقيلَ: بل كانَتْ ربيعةُ تُحَرِّمُ رمضانَ وتُحَرِّمُ مُضَرُ رجبًا، فلذلكَ سَمَّاهُ رجبَ مُضَرَ وحَقَّقَ ذلكَ بقولِهِ "الذي بينَ جمادى وشعبانَ". وذَكَرَ بعضُهُم أن لشهرِ رجبٍ أربعةَ عشرَ اسمًا: شهرُ اللهِ، ورجبٌ، ورجبُ مُضَرَ، ومُنْصِلُ الأسنَّةِ، والأصمُّ، والأصبُّ، ومُنَفِّسٌ، ومُطَهِّر، ومُعَلًّى، ومقيمٌ، وهَرِمٌ، ومقشقِشٌ، ومُبَرِّئ، وفردٌ. وذَكَرَ غيرُهُ أن لهُ سبعةَ عشرَ اسمًا، فزادَ: رَجَمَ بالميم، ومُنْصِلَ الألَّةِ وهيَ الحربةُ، ومنزِعَ الأسنَّةِ. • ويَتَعَلَّقُ بشهرِ رجبٍ أحكامٌ كثيرةٌ: فمنها ما كانَ في الجاهليَّةِ واخْتَلَفَ العلماءُ في استمرارِهِ في الإسلامِ: • كالقتالِ، وقد سَبَقَ ذكرُهُ. • وكالذَّبائحِ؛ فإنَّهُم كانوا في الجاهليّةِ يَذْبَحونَ ذبيحةً يُسَمُّونَها العَتِيرَةَ. واخْتَلَفَ العلماءُ في حكمِها في الإسلامِ: فالأكثرونَ على أن الإسلامَ أبْطَلَها. وفي الصَّحيحينِ (١): عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبي ﷺ ؛ قالَ: "لا فَرَعَ ولا عَتِيرَةَ" (٢). ومنهُم مَن قالَ: بل هيَ مستحبَّةٌ. منهُمُ ابنُ سِيرِينَ. وحَكاهُ الإمامُ أحْمَدُ عن أهلِ البَصْرَةِ. ورَجَّحَهُ طائفةٌ مِن أهلِ الحديثِ المتأخِّرينَ. ونَقَلَ حَنْبَلٌ عن أحْمَدَ نحوَهُ. وفي "سنن" أبي داوودَ والنَّسائِيِّ وابنِ ماجَهْ: عن مِخْنَفِ بن سُلَيْمٍ؛ أن النَّبيَّ ﷺ قالَ بعَرَفَةَ: "إنَّ على كلِّ أهلِ بيتٍ في كلِّ عامٍ أضْحاةٌ وعَتِيرَةً، وهيَ التي يُسَمُّونَها الرَّجَبِيّة" (٣).

стр. 277

وفي النَّسائِيِّ عن نُبَيْشَةَ؛ أنَّهُم قالوا: يا رسولَ اللهِ! إنَّا كنَّا نَعْتِرُ فيهِ في الجاهليَّةِ (يَعْني: في رجبٍ). قالَ: "اذْبَحوا للهِ في أيِّ شهرٍ كانَ (١)، وبَرُّوا الله وأطْعِموا" (٢). ورَوى الحارِثُ بنُ عَمْرٍو؛ أن النَّبيَّ ﷺ سُئِلَ عن الفَرَع والعَتائِرِ، فقالَ: "مَن شاءَ فَرَّعَ ومَن شاءَ لم يُفَرِّعْ، ومَن شاءَ عَتَرَ ومَن شاءَ لمْ يَعْتِرْ" (٣).

стр. 278

وفي حديثٍ آخرَ؛ قالَ: "العتيرةُ حقٌّ" (١). وفي النَّسائِيِّ عن أبي رَزِينٍ؛ قالَ: قُلْتُ: [يا رسولَ اللهِ]! كنَّا نَذْبَحُ ذبائحَ في الجاهليّةِ (يَعْني: في رجب)، فنَأْكُلُ ونُطعِمُ مَن جاءَنا. فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "لا بأْسَ بهِ" (٢).

стр. 279

وخَرَّجَ الطَّبَرانيُّ بإسنادِهِ عن ابن عَبَّاسٍ؛ قالَ: اسْتَأْذَنَتْ قُرَيْشٌ رسولَ اللهِ ﷺ في العَتِيرَةِ، فقالَ: "أعَتْرٌ كعَتْرِ الجاهليَّةِ، ولكنْ مَن أحَبَّ منكُم أنْ يَذْبَحَ للهِ فيَأْكُلَ ويَتَصَدَّقَ؛ فلْيَفْعَلْ" (١). وهؤلاءِ جَمَعوا بينَ هذهِ الأحاديثِ وبينَ حديثِ "لا فَرَعَ ولا عَتِيرَةَ" بأنَّ المنهيَّ عنهُ هوَ ما كانَ يَفْعَلُهُ أهلُ الجاهلية مِن الذبحِ لغيرِ اللهِ. وحَمَلَهُ سُفْيانُ بنُ عُيَيْنة على أنَّ المرادَ بهِ نفيُ الوجوبِ. ومِن العلماءِ مَن قالَ: حديثُ أبي هُرَيْرَةَ أصحُّ مِن هذهِ الأحاديثِ وأثبتُ، فيَكونُ العملُ عليهِ دونَها. وهذهِ طريقةُ الإمامِ أحْمَدَ. ورَوى مُبارَكُ بنُ فَضالَةَ عن الحَسَنِ؛ قالَ: ليسَ في الإسلامِ عتيرة، إنَّما كانَتِ العتيرةُ في الجاهليَّةِ، كانَ أحدُهُم يَصومُ رَجَبَ ويَعْتِرُ فيهِ (٢). • ويُشْبِهُ الذَّبحَ في رجبٍ اتِّخاذُهُ موسمًا وعيدًا لأكلِ الحلوى ونحوِها. وقد رُوِيَ عن ابن عَبَّاسٍ أنَّهُ كانَ يَكْرَهُ أنْ يُتَّخَذَ رجبٌ عيدًا. ورَوى عَبْدُ الرَّزاقِ: عن ابن جُرَيْجٍ، عن عَطاءٍ؛ قالَ: كانَ النَّبيُّ ﷺ يَنْهى عن

стр. 280

صيامِ رجبٍ كلِّهِ لئلَّا يُتَّخَذَ عيدًا (١). وعن مَعْمَرٍ، عن ابن طاووسٍ، عن أبيهِ؛ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "لا تتَّخِذوا شهرًا عيدًا ولا يومًا عيدًا" (٢). وأصلُ هذا أنَّهُ لا يُشْرَعُ أنْ يَتَّخِذَ المسلمونَ عيدًا إلَّا ما جاءَتِ الشَّريعةُ باتِّخاذِهِ عيدًا، وهوَ يومُ الفطرِ ويومُ الأضحى وأيَّامُ التَّشريقِ - وهيَ أعيادُ العامِ - ويومُ الجمعةِ - وهوَ عيدُ الأسبوعِ -، وما عَدا ذلكَ؛ فاتِّخاذُهُ عيدًا أو موسمًا بدعةٌ لا أصلَ لهـ[ـا] في الشَّريعةِ. ومِن أحكامِ رجبٍ ما وَرَدَ فيهِ مِن الصَّلاةِ والزَّكاةِ والصِّيامِ والاعتمارِ: • فأمَّا الصَّلاةُ؛ فلمْ يَصِحَّ في شهرِ رجبٍ صلاة مخصوصةٌ تَخْتَصُّ بهِ، والأحاديثُ المرويَّةُ في فضلِ صلاةِ الرَّغائبِ في أوَّلِ ليلةِ جمعة مِن شهرِ رجب كذبٌ وباطلٌ لا يَصِحُّ، وهذهِ الصَّلاةُ بدعةٌ عندَ جمهورِ العلماءِ. وممَّن ذَكَرَ ذلكَ مِن أعيانِ العلماءِ المتأخِّرينَ مِن الحفَّاظِ أبو إسْماعيلَ الأنْصارِيُّ وأبو بَكْرِ بنُ السَّمْعانِي وأبو الفَضْلِ بنُ ناصِرٍ وأبو الفَرَجِ بنُ الجَوْزِيِّ وغيرُهُم. وإنَّما لم يَذْكُرْها المتقدِّمونَ لأنَّها أُحْدِثَتْ بعدَهُم. وأوَّلُ ما ظهَرَتْ بعدَ الأربعِ مئةٍ، فلذلكَ لمْ يَعْرِفْها المتقدِّمونَ ولم

стр. 281

يَتَكَلَّموا فيها. • وأمَّا الصِّيامُ؛ فلمْ يَصِحَّ في فضلِ صومِ رجبٍ بخصوصهِ شيءٌ عن النَّبيِّ ﷺ ولا عن أصحابِهِ، ولكنْ رُوِيَ عن أبي قِلابةَ؛ قالَ: في الجنَّةِ قصرٌ لصوَّامِ رجبٍ. قالَ البَيْهَقِيُّ: أبو قِلابةَ مِن كبارِ التَّابعينَ لا يَقولُ مثلَهُ إلَّا عن بلاغٍ (١). وإنَّما وَرَدَ في صيامِ الأشهرِ الحرمِ كلِّها حديثُ: مُجِيبَة (٢) الباهِلِيّةِ، عن أبيها (أو: عمِّها)؛ أن رسولَ اللهِ ﷺ قالَ لهُ: "صُمْ مِن الحرمِ واتْرُكْ"؛ قالَها ثلاثًا (٣). خَرَّجَهُ أبو داوودَ وغيرُهُ. وخَرَّجَهُ ابنُ ماجَهْ، وعندَهُ: "صُم أشهُرَ الحرمِ". وقد كانَ بعضُ السَّلفِ يَصومُ الأشهرَ الحرمَ كلَّها، منهُمُ ابنُ عُمَرَ والحَسَنُ البَصرِيُّ وأبو إسْحاقَ السَّبِيعِيُّ (٤)، وقالَ الثَّوْرِيُّ: الأشهرُ الحرمُ أحبُّ إليَّ أنْ أصومَ فيها. وجاءَ في حديثٍ خَرَّجَهُ ابنُ ماجَهْ؛ أن أُسامَةَ بنَ زيدٍ كانَ يَصومُ أشهرَ الحرم، فقالَ لهُ رسولُ اللهِ ﷺ : "صُمْ شوَّالًا"، فتَرَكَ أشهرَ الحرمِ وصامَ شوَّالًا حتَّى ماتَ (٥). وفي إسناده انقطاعٌ. وخَرَّجَ ابن ماجَهْ أيضًا بإسنادٍ فيهِ ضعفٌ عن ابن عَبَّاسٍ؛ أن النَّبي ﷺ

стр. 282

نَهى عن صيامِ رجبٍ (١). والصحيحُ وقفُهُ على ابن عَبَّاس. ورَواهُ عَطاءٌ عن النَّبيِّ ﷺ مرسلًا (٢)، وقد سَبَقَ لفظُهُ. ورَوى عَبْدُ الرَّزاقِ في كتابِهِ: عن داوودَ بن قَيْسٍ، عن زَيْدِ بن أسْلَمَ: ذُكِرَ لرسولِ اللهِ ﷺ قومٌ يَصومونَ رجبًا. [فـ]ـقالَ: "أينَ هُم مِن شعبانَ؟ " (٣). ورَوى أزْهَرُ بنُ سَعيدٍ (٤) الجُمَحِيِّ عن أُمِّهِ؛ أنَّها سَألَتْ عائِشَةَ عن صومِ رجبٍ. فقالَتْ: إن كنتِ صائمةً؛ فعليكِ بشعبانَ. ورُوِيَ مرفوعًا، ووقفُهُ أصحُّ (٥). ورُوِيَ عن عُمَرَ ﵁؛ أنَّهُ كانَ يَضْرِبُ أكفَّ الرِّجالِ في صومِ رجبٍ حتَّى يَضَعوها في الطَّعامِ ويَقولُ: ما رجبٌ؟! إنَّ رجبًا كانَتْ تُعَظِّمُهُ أهلُ الجاهليةِ، فلمَّا كانَ الإسلامُ تُرِكَ (٦). وفي روايةٍ: كَرِهَ أنْ يَكونَ صيامُهُ سنَّةً. وعن أبي بَكْرَةَ؛ أنَّهُ رَأى أهلَهُ يَتَهَيَّؤونَ لصيامِ رجبٍ. فقالَ لهُم: أجَعَلْتُم رجبًا كرمضانَ؟! وألْقى السِّلالَ وكَسَرَ الكيزانَ. وعنِ ابن عَبَّاسٍ؛ أنَّهُ كَرِهَ أنْ يُصامَ رجبٌ كلُّهُ. وعنِ ابن عُمَرَ وابنِ عَبَّاسٍ أنَّهُما كانا يَرَيانِ أنْ يُفْطِرَ منهُ أيَّامًا. وكَرِهَهُ أنَسٌ [أيضًا] وسَعيدُ بنُ جُبَيْرٍ. وكَرِهَ صيامَ رجب كلِّهِ يَحْيى بنُ سَعيدٍ الأنْصارِيُّ والإمامُ أحْمَدُ، وقالَ: يُفْطِرُ منهُ

стр. 283

يومًا أو يومينِ، وحَكاهُ عن ابن عُمَرَ وابنِ عَبَّاسٍ. وقال الشَّافِعِيُّ في القديمِ: أكْرَهُ أنْ يَتَّخِذَ الرَّجلُ صومَ شهرٍ يُكْمِلُهُ كما يُكْمِلُ رمضانَ، واحْتَجَّ بحديثِ عائِشَةَ: ما رَأيْتُ رسول اللهِ ﷺ اسْتكمَلَ شهرًا قطُّ إلَّا رمضانَ (١). قال: وكذلكَ يومًا مِن بين الأيَّامِ. قال: وإنَّما كَرِهْتُهُ أنْ لا يَتَأسَّى رجل جاهلٌ فيَظُنَّ أن ذلكَ واجبٌ، وإنْ فَعَلَ فحَسَنٌ. وتَزول كراهةُ إفرادِ رجبٍ بالصَّومِ بأنْ يَصومَ [معَهُ] شهرًا آخرَ تطوُّعًا عندَ بعضِ أصحابِنا، مثلُ أن يَصومَ الأشهرَ الحرمَ، أو يَصومَ رجبَ وشعبانَ (٢). وقد تَقَدَّمَ عن ابن عُمَرَ وغيرِهِ صيامُ الأشهرِ الحرمِ. والمنصوصُ عن أحْمَدَ أنّهُ لا يَصومُهُ بتمامِهِ إلَّا مَن صامَ الدَّهرَ. ورُوِيَ عن ابن عُمَرَ ما يَدُلُّ عليهِ؛ فإنَّهُ بَلَغَهُ أن قومًا أنْكَروا عليهِ أنَّهُ حَرَّمَ صومَ رجبٍ، فقال: كيفَ بمَن يَصومُ الدَّهرَ؟! وهذا يَدُلُّ على أنَّهُ لا يُصامُ رجب إلَّا معَ صومِ الدَّهرِ! ورَوى: يوسُفُ بنُ عَطِيّةَ، عن هِشامِ بن حَسَّانَ، عن ابن سِيرينَ، عن عائِشَةَ؛ أن النَّبيَّ ﷺ لم يَصُمْ بعدَ رمضانَ إلَّا رجبًا وشعبانَ (٣). ويوسُفُ ضعيفٌ جدًّا. ورَوى أبو يوسُفَ القاضي: عن ابن أبي لَيْلى، عن أخيهِ عيسى، عن عَبْدِ الرَّحمنِ بن أبي لَيْلى، عن عائِشَةَ؛ أن النَّبيَّ ﷺ كانَ يَصومُ مِن كلِّ شهرٍ ثلاثةَ أيامٍ، وربَّما أخَّرَ

стр. 284

ذلكَ حتَّى يقْضِيَهُ في رجبٍ وشعبانَ (١). ورَواهُ عَمْرُو بنُ أبي قَيْسٍ عن ابن أبي لَيْلى، فلمْ يَذْكُرْ [فيهِ] رجبًا، وهوَ أصحُّ (٢). • وأمَّا الزَّكاةُ؛ فقدِ اعْتادَ أهلُ هذهِ البلادِ إخراجَ الزَّكاةِ في شهرِ رجب، ولا أصلَ لذلكَ في السُّنَّةِ، ولا عُرِفَ عن أحدٍ مِن السَّلفِ. ولكنْ رُوِيَ عن عُثْمانَ ﵁؛ أنَّهُ خَطَبَ النَّاسَ على المنبرِ فقالَ: إنَّ هذا شهرُ زكاتِكُم، فمَن كانَ عليهِ دينٌ؛ فلْيُؤدِّ دينَهُ ولْيُزَكِّ ما بَقِي (٣). خَرَّجَهُ مالِكٌ في "الموطَّإ". وقد قيلَ: إنَّ ذلكَ الشَّهرَ الذي كانوا يُخْرِجونَ فيهِ زكاتَهُم نُسِيَ ولمْ يُعْرَفْ. وقيلَ: بل كانَ شهرَ المُحَرَّمِ؛ لأنَّهُ رأْسُ الحولِ. وقد ذَكَرَ الفقهاءُ مِن أصحابِنا وغيرِهِم أن الإمامَ يَبْعَثُ سعاتَهُ لأخْذِ الزَّكاةِ في المحرَّمِ. وقيلَ: بل كانَ شهرَ رمضانَ؛ لفضلِهِ وفضلِ الصَّدقةِ فيهِ. وبكلِّ حالٍ؛ [فـ]ـإنَّما تَجِبُ الزَّكاةُ إذا تَمَّ الحولُ على النِّصابِ، فكلُّ أحدٍ لهُ حولٌ يَخُصُّهُ بحسبِ وقتِ ملكِهِ للنِّصابِ، فإذا تَمَّ حولُهُ؛ وَجَبَ عليهِ إخراجُ زكاتِهِ في أيِّ شهرٍ كان. فإنْ عَجَّلَ زكاتَهُ قبلَ الحولِ؛ أجْزَأهُ عندَ جمهورِ العلماءِ، سواءٌ كانَ تعجيلُهُ لاغتنامِ زمانٍ فاضلٍ أو لاغتنامِ الصَّدقةِ على مَن لا يَجِدُ مثلَهُ في الحاجةِ، أو كانَ لمشقَّةِ إخراجِ الزَّكاةِ عليهِ عندَ تمامِ الحولِ جملةً فيَكونُ التَّفريقُ في طولِ الحولِ أرفقَ بهِ. وقد صَرَّحَ مُجاهِدٌ بجوازِ التَّعجيلِ على هذا الوجهِ، وهوَ مقتضى إطلاقِ الأكثرينَ. وخالَفَ في هذهِ الصُّورةِ إسْحاقُ. نَقَلَهُ عنهُ ابن مَنْصورٍ.

стр. 285

وأمَّا إذا حال الحول؛ فليسَ لهُ التَّأْخيرُ بعدَ ذلكَ عندَ الأكثرينَ. وعن أحْمَدَ: يَجوزُ تأْخيرُها لانتظارِ قومٍ لا يَجِدُ مثلَهُم في الحاجةِ. وأجازَ مالِكٌ وأحْمَدُ في رواية نَقْلَها إلى بلدٍ فاضلٍ. فعلى قياسِ هذا لا يَبْعُدُ جوازُ تأْخيرِها إلى زمنٍ فاضلٍ لا يوجَدُ مثلُّهَ كرمضانَ ونحوِهِ. ورَوى يَزيدُ الرَّقاشِيُّ عن أنَسٍ؛ أن المسلمينَ كانوا يُخْرِجونَ زكاتَهُم في شعبانَ تقويةً على الاستعدادِ لرمضانَ (١). وفي الإسنادِ ضعفٌ. • وأمَّا الاعتمارُ في رجبٍ؛ فقد رَوى ابن عُمَرَ؛ أن النَّبيَّ ﷺ اعْتَمَرَ في رجبٍ، فأنْكَرَتْ ذلكَ عليهِ عائِشَةُ، وهوَ يَسْمَعُ، فسَكَتَ (٢). واسْتَحَبَّ الاعتمارَ في رجبٍ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ وغيرُهُ. وكانَتْ عائِشَةُ تَفْعَلُهُ وابنُ عُمَرَ أيضًا. ونَقَلَ ابن سِيرِينَ عن السَّلفِ أنَّهُم كانوا يَفْعَلونَهُ. فإنَّ أفضلَ الأنساكِ أنْ يُؤْتى بالحجِّ في سفرةٍ، وبالعمرةِ في سفرةٍ أُخرى في غيرِ أشهرِ الحجِّ، وذلكَ مِن جملةِ إتمامِ الحجِّ والعمرةِ المأْمورِ بهِ. كذلكَ قالَهُ جمهورُ الصَّحابةِ كعُمَرَ وعُثْمانَ وعَلِيٍّ وغيرِهِم ﵃ أجمعينَ (٣). • وقد رُوِيَ أنَّهُ كانَ في شهرِ رجب حوادثُ عظيمةٌ (٤)، ولمْ يَصِحَّ شيءٌ مِن ذلكَ: فرُوِيَ أن النَّبيَّ ﷺ وُلِدَ في أوَّلِ ليلةٍ منهُ، وأنَّهُ بُعِثَ في السَّابعِ والعشرينَ منهُ، وقيلَ: في الخامسِ والعشرينَ. ولا يَصِحُّ شيءٌ مِن ذلكَ. ورُوِيَ بإسنادٍ لا يَصِحُّ عن القاسِمِ بن مُحَمَّدٍ، أن الإسراءَ بالنَّبيِّ ﷺ كانَ في سابعِ عشرينَ رجبٍ. وأنْكَرَ ذلكَ إبْراهيمُ الحَرْبِيُّ وغيرُهُ.
следующие страницы →