← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1151

لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف - ت عامر

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (739 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

يَتَكَلَّموا فيها. • وأمَّا الصِّيامُ؛ فلمْ يَصِحَّ في فضلِ صومِ رجبٍ بخصوصهِ شيءٌ عن النَّبيِّ ﷺ ولا عن أصحابِهِ، ولكنْ رُوِيَ عن أبي قِلابةَ؛ قالَ: في الجنَّةِ قصرٌ لصوَّامِ رجبٍ. قالَ البَيْهَقِيُّ: أبو قِلابةَ مِن كبارِ التَّابعينَ لا يَقولُ مثلَهُ إلَّا عن بلاغٍ (١). وإنَّما وَرَدَ في صيامِ الأشهرِ الحرمِ كلِّها حديثُ: مُجِيبَة (٢) الباهِلِيّةِ، عن أبيها (أو: عمِّها)؛ أن رسولَ اللهِ ﷺ قالَ لهُ: "صُمْ مِن الحرمِ واتْرُكْ"؛ قالَها ثلاثًا (٣). خَرَّجَهُ أبو داوودَ وغيرُهُ. وخَرَّجَهُ ابنُ ماجَهْ، وعندَهُ: "صُم أشهُرَ الحرمِ". وقد كانَ بعضُ السَّلفِ يَصومُ الأشهرَ الحرمَ كلَّها، منهُمُ ابنُ عُمَرَ والحَسَنُ البَصرِيُّ وأبو إسْحاقَ السَّبِيعِيُّ (٤)، وقالَ الثَّوْرِيُّ: الأشهرُ الحرمُ أحبُّ إليَّ أنْ أصومَ فيها. وجاءَ في حديثٍ خَرَّجَهُ ابنُ ماجَهْ؛ أن أُسامَةَ بنَ زيدٍ كانَ يَصومُ أشهرَ الحرم، فقالَ لهُ رسولُ اللهِ ﷺ : "صُمْ شوَّالًا"، فتَرَكَ أشهرَ الحرمِ وصامَ شوَّالًا حتَّى ماتَ (٥). وفي إسناده انقطاعٌ. وخَرَّجَ ابن ماجَهْ أيضًا بإسنادٍ فيهِ ضعفٌ عن ابن عَبَّاسٍ؛ أن النَّبي ﷺ

стр. 282

نَهى عن صيامِ رجبٍ (١). والصحيحُ وقفُهُ على ابن عَبَّاس. ورَواهُ عَطاءٌ عن النَّبيِّ ﷺ مرسلًا (٢)، وقد سَبَقَ لفظُهُ. ورَوى عَبْدُ الرَّزاقِ في كتابِهِ: عن داوودَ بن قَيْسٍ، عن زَيْدِ بن أسْلَمَ: ذُكِرَ لرسولِ اللهِ ﷺ قومٌ يَصومونَ رجبًا. [فـ]ـقالَ: "أينَ هُم مِن شعبانَ؟ " (٣). ورَوى أزْهَرُ بنُ سَعيدٍ (٤) الجُمَحِيِّ عن أُمِّهِ؛ أنَّها سَألَتْ عائِشَةَ عن صومِ رجبٍ. فقالَتْ: إن كنتِ صائمةً؛ فعليكِ بشعبانَ. ورُوِيَ مرفوعًا، ووقفُهُ أصحُّ (٥). ورُوِيَ عن عُمَرَ ﵁؛ أنَّهُ كانَ يَضْرِبُ أكفَّ الرِّجالِ في صومِ رجبٍ حتَّى يَضَعوها في الطَّعامِ ويَقولُ: ما رجبٌ؟! إنَّ رجبًا كانَتْ تُعَظِّمُهُ أهلُ الجاهليةِ، فلمَّا كانَ الإسلامُ تُرِكَ (٦). وفي روايةٍ: كَرِهَ أنْ يَكونَ صيامُهُ سنَّةً. وعن أبي بَكْرَةَ؛ أنَّهُ رَأى أهلَهُ يَتَهَيَّؤونَ لصيامِ رجبٍ. فقالَ لهُم: أجَعَلْتُم رجبًا كرمضانَ؟! وألْقى السِّلالَ وكَسَرَ الكيزانَ. وعنِ ابن عَبَّاسٍ؛ أنَّهُ كَرِهَ أنْ يُصامَ رجبٌ كلُّهُ. وعنِ ابن عُمَرَ وابنِ عَبَّاسٍ أنَّهُما كانا يَرَيانِ أنْ يُفْطِرَ منهُ أيَّامًا. وكَرِهَهُ أنَسٌ [أيضًا] وسَعيدُ بنُ جُبَيْرٍ. وكَرِهَ صيامَ رجب كلِّهِ يَحْيى بنُ سَعيدٍ الأنْصارِيُّ والإمامُ أحْمَدُ، وقالَ: يُفْطِرُ منهُ

стр. 283

يومًا أو يومينِ، وحَكاهُ عن ابن عُمَرَ وابنِ عَبَّاسٍ. وقال الشَّافِعِيُّ في القديمِ: أكْرَهُ أنْ يَتَّخِذَ الرَّجلُ صومَ شهرٍ يُكْمِلُهُ كما يُكْمِلُ رمضانَ، واحْتَجَّ بحديثِ عائِشَةَ: ما رَأيْتُ رسول اللهِ ﷺ اسْتكمَلَ شهرًا قطُّ إلَّا رمضانَ (١). قال: وكذلكَ يومًا مِن بين الأيَّامِ. قال: وإنَّما كَرِهْتُهُ أنْ لا يَتَأسَّى رجل جاهلٌ فيَظُنَّ أن ذلكَ واجبٌ، وإنْ فَعَلَ فحَسَنٌ. وتَزول كراهةُ إفرادِ رجبٍ بالصَّومِ بأنْ يَصومَ [معَهُ] شهرًا آخرَ تطوُّعًا عندَ بعضِ أصحابِنا، مثلُ أن يَصومَ الأشهرَ الحرمَ، أو يَصومَ رجبَ وشعبانَ (٢). وقد تَقَدَّمَ عن ابن عُمَرَ وغيرِهِ صيامُ الأشهرِ الحرمِ. والمنصوصُ عن أحْمَدَ أنّهُ لا يَصومُهُ بتمامِهِ إلَّا مَن صامَ الدَّهرَ. ورُوِيَ عن ابن عُمَرَ ما يَدُلُّ عليهِ؛ فإنَّهُ بَلَغَهُ أن قومًا أنْكَروا عليهِ أنَّهُ حَرَّمَ صومَ رجبٍ، فقال: كيفَ بمَن يَصومُ الدَّهرَ؟! وهذا يَدُلُّ على أنَّهُ لا يُصامُ رجب إلَّا معَ صومِ الدَّهرِ! ورَوى: يوسُفُ بنُ عَطِيّةَ، عن هِشامِ بن حَسَّانَ، عن ابن سِيرينَ، عن عائِشَةَ؛ أن النَّبيَّ ﷺ لم يَصُمْ بعدَ رمضانَ إلَّا رجبًا وشعبانَ (٣). ويوسُفُ ضعيفٌ جدًّا. ورَوى أبو يوسُفَ القاضي: عن ابن أبي لَيْلى، عن أخيهِ عيسى، عن عَبْدِ الرَّحمنِ بن أبي لَيْلى، عن عائِشَةَ؛ أن النَّبيَّ ﷺ كانَ يَصومُ مِن كلِّ شهرٍ ثلاثةَ أيامٍ، وربَّما أخَّرَ

стр. 284

ذلكَ حتَّى يقْضِيَهُ في رجبٍ وشعبانَ (١). ورَواهُ عَمْرُو بنُ أبي قَيْسٍ عن ابن أبي لَيْلى، فلمْ يَذْكُرْ [فيهِ] رجبًا، وهوَ أصحُّ (٢). • وأمَّا الزَّكاةُ؛ فقدِ اعْتادَ أهلُ هذهِ البلادِ إخراجَ الزَّكاةِ في شهرِ رجب، ولا أصلَ لذلكَ في السُّنَّةِ، ولا عُرِفَ عن أحدٍ مِن السَّلفِ. ولكنْ رُوِيَ عن عُثْمانَ ﵁؛ أنَّهُ خَطَبَ النَّاسَ على المنبرِ فقالَ: إنَّ هذا شهرُ زكاتِكُم، فمَن كانَ عليهِ دينٌ؛ فلْيُؤدِّ دينَهُ ولْيُزَكِّ ما بَقِي (٣). خَرَّجَهُ مالِكٌ في "الموطَّإ". وقد قيلَ: إنَّ ذلكَ الشَّهرَ الذي كانوا يُخْرِجونَ فيهِ زكاتَهُم نُسِيَ ولمْ يُعْرَفْ. وقيلَ: بل كانَ شهرَ المُحَرَّمِ؛ لأنَّهُ رأْسُ الحولِ. وقد ذَكَرَ الفقهاءُ مِن أصحابِنا وغيرِهِم أن الإمامَ يَبْعَثُ سعاتَهُ لأخْذِ الزَّكاةِ في المحرَّمِ. وقيلَ: بل كانَ شهرَ رمضانَ؛ لفضلِهِ وفضلِ الصَّدقةِ فيهِ. وبكلِّ حالٍ؛ [فـ]ـإنَّما تَجِبُ الزَّكاةُ إذا تَمَّ الحولُ على النِّصابِ، فكلُّ أحدٍ لهُ حولٌ يَخُصُّهُ بحسبِ وقتِ ملكِهِ للنِّصابِ، فإذا تَمَّ حولُهُ؛ وَجَبَ عليهِ إخراجُ زكاتِهِ في أيِّ شهرٍ كان. فإنْ عَجَّلَ زكاتَهُ قبلَ الحولِ؛ أجْزَأهُ عندَ جمهورِ العلماءِ، سواءٌ كانَ تعجيلُهُ لاغتنامِ زمانٍ فاضلٍ أو لاغتنامِ الصَّدقةِ على مَن لا يَجِدُ مثلَهُ في الحاجةِ، أو كانَ لمشقَّةِ إخراجِ الزَّكاةِ عليهِ عندَ تمامِ الحولِ جملةً فيَكونُ التَّفريقُ في طولِ الحولِ أرفقَ بهِ. وقد صَرَّحَ مُجاهِدٌ بجوازِ التَّعجيلِ على هذا الوجهِ، وهوَ مقتضى إطلاقِ الأكثرينَ. وخالَفَ في هذهِ الصُّورةِ إسْحاقُ. نَقَلَهُ عنهُ ابن مَنْصورٍ.

стр. 285

وأمَّا إذا حال الحول؛ فليسَ لهُ التَّأْخيرُ بعدَ ذلكَ عندَ الأكثرينَ. وعن أحْمَدَ: يَجوزُ تأْخيرُها لانتظارِ قومٍ لا يَجِدُ مثلَهُم في الحاجةِ. وأجازَ مالِكٌ وأحْمَدُ في رواية نَقْلَها إلى بلدٍ فاضلٍ. فعلى قياسِ هذا لا يَبْعُدُ جوازُ تأْخيرِها إلى زمنٍ فاضلٍ لا يوجَدُ مثلُّهَ كرمضانَ ونحوِهِ. ورَوى يَزيدُ الرَّقاشِيُّ عن أنَسٍ؛ أن المسلمينَ كانوا يُخْرِجونَ زكاتَهُم في شعبانَ تقويةً على الاستعدادِ لرمضانَ (١). وفي الإسنادِ ضعفٌ. • وأمَّا الاعتمارُ في رجبٍ؛ فقد رَوى ابن عُمَرَ؛ أن النَّبيَّ ﷺ اعْتَمَرَ في رجبٍ، فأنْكَرَتْ ذلكَ عليهِ عائِشَةُ، وهوَ يَسْمَعُ، فسَكَتَ (٢). واسْتَحَبَّ الاعتمارَ في رجبٍ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ وغيرُهُ. وكانَتْ عائِشَةُ تَفْعَلُهُ وابنُ عُمَرَ أيضًا. ونَقَلَ ابن سِيرِينَ عن السَّلفِ أنَّهُم كانوا يَفْعَلونَهُ. فإنَّ أفضلَ الأنساكِ أنْ يُؤْتى بالحجِّ في سفرةٍ، وبالعمرةِ في سفرةٍ أُخرى في غيرِ أشهرِ الحجِّ، وذلكَ مِن جملةِ إتمامِ الحجِّ والعمرةِ المأْمورِ بهِ. كذلكَ قالَهُ جمهورُ الصَّحابةِ كعُمَرَ وعُثْمانَ وعَلِيٍّ وغيرِهِم ﵃ أجمعينَ (٣). • وقد رُوِيَ أنَّهُ كانَ في شهرِ رجب حوادثُ عظيمةٌ (٤)، ولمْ يَصِحَّ شيءٌ مِن ذلكَ: فرُوِيَ أن النَّبيَّ ﷺ وُلِدَ في أوَّلِ ليلةٍ منهُ، وأنَّهُ بُعِثَ في السَّابعِ والعشرينَ منهُ، وقيلَ: في الخامسِ والعشرينَ. ولا يَصِحُّ شيءٌ مِن ذلكَ. ورُوِيَ بإسنادٍ لا يَصِحُّ عن القاسِمِ بن مُحَمَّدٍ، أن الإسراءَ بالنَّبيِّ ﷺ كانَ في سابعِ عشرينَ رجبٍ. وأنْكَرَ ذلكَ إبْراهيمُ الحَرْبِيُّ وغيرُهُ.

стр. 286

ورُوِيَ عن قَيْسِ بن عُبادٍ؛ قالَ: في اليومِ العاشرِ مِن رجبٍ ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩]. وكانَ أهلُ الجاهليَّة يَتَحَرَّوْنَ الدُّعاءَ فيهِ على الظَّالمِ، وكانَ يُسْتَجابُ لهُم، ولهُم في ذلكَ أخبارٌ مشهورةٌ قد ذَكَرَها ابنُ أبي الدُّنيا في كتابِ "مجابي الدَّعوة" وغيرُهُ. وقد ذُكِرَ ذلكَ لعُمَرَ بن الخَطَّابِ، فقالَ [عُمَرُ]: إنَّ الله كانَ يَصْنَعُ بهِم ذلكَ لِيَحْجُزَ بعضَهُم عن بعضٍ، وإنَّ الله جَعَلَ السَّاعةَ موعدَكُم والسَّاعةُ أدْهى وأمرُّ (١). وروى زائِدَةُ بنُ أبي الرُّقادِ: عن زِيادٍ النُّمَيْرِيِّ، عن أنَسٍ؛ قالَ: كانَ رسولُ اللهِ ﷺ إذا دَخَلَ رجب؛ قالَ: "اللهمَّ! بارِكْ لنا في رجبٍ وشعبانَ وبَلِّغْنا رمضانَ" (٢). ورُوِيَ عن أبي إسْماعيلَ الأنْصارِيِّ أنَّهُ قالَ: لمْ يَصِحَّ في فضلِ رجبٍ غيرُ هذا الحديثِ. وفي قولِهِ نظرٌ؛ فإنَّ هذا الإسنادَ فيهِ ضعف. وفي هذا الحديثِ دليلٌ على استحبابِ الدُّعاءِ بالبقاءِ إلى الأزمانِ الفاضلةِ لإدراكِ الأعمالِ الصَّالحةِ فيها؛ فإنَّ المؤمنَ لا يَزيدُهُ عمرُهُ إلَّا خيرًا، وخيرُ النَّاسِ مَن طالَ عمرُهُ وحَسُنَ عملُهُ. وكانَ السَّلفُ يَسْتَحِبُّونَ أنْ يَموتوا عقبَ عملٍ صالحٍ مِن صومِ رمضانَ أو رجوع مِن حجٍّ، وكانَ يُقالُ: مَن ماتَ كذلكَ؛ غُفِرَ لهُ. كانَ بعضُ العلماءِ الصَّالحينَ قد مَرِضَ قبلَ شهرِ رجبٍ، فقالَ: إنِّي دَعَوْتُ الله أنْ يُؤَخِّرَ وفاتي إلى شهرِ رجب؛ فإنَّهُ بَلَغَني أن للهِ فيهِ عتقاءَ (٣)، فبَلَّغَهُ اللهُ ذلكَ وماتَ في

стр. 287

شهرِ رجبٍ. شهرُ رجبٍ مفتاحُ أشهرِ الخيرِ والبركةِ. قال أبو بكرٍ الوَرَّاقُ البَلْخِيُّ: شهرُ رجبٍ شهرُ الزَّرعِ، وشهرُ شعبانَ شهرُ السَّقيِ للزَّرعِ، وشهرُ رمضانَ شهرُ حصادِ الزَّرعِ. وعنهُ قال: مَثَلُ شهرِ رجبٍ مَثَلُ الرِّيح، ومَثَلُ شعبانَ مَثَلُ الغيمِ، ومَثَلُ رمضانَ مَثَلُ المطرِ. وقال بعضُهُم: السَّنةُ مثلُ الشَّجرةِ، وشهرُ رجبٍ أيَّامُ توريقِها، وشعبانُ أيَّامُ تفريعِها، ورمضانُ أيَّامُ قطفِها (١)، والمؤمنونَ قطَّافُها. جديرٌ بمَن سَوَّدَ صحيفتَهُ بالذُّنوبِ أنْ يُبيِّضَها بالتَّوبةِ في هذا الشَّهر، وبمَن ضَيَّعَ عمرَهُ في البطالةِ أنْ يَغْتَنِمَ فيهِ ما بقِيَ مِن العمر. بيِّضْ صحيفَتَكَ السَّوداءَ في رَجَبٍ … بِصالِحِ العَمَلِ المُنْجي مِنَ اللَهَبِ شَهْرٌ حَرامٌ أتى مِنْ أشْهُرٍ حُرُمٍ … إذا دَعا الله داعٍ فيهِ لَمْ يَخِبِ طوبى لِعَبْدٍ زكا فيهِ لَهُ عَمَلٌ … فَكَفَّ فيهِ عَنِ الفَحْشاءِ وَالرِّيَبِ انتهازُ الفرصةِ بالعملِ في هذا الشَّهرِ غنيمة، واغتنامُ أوقاتِهِ بالطَّاعاتِ لهُ فضيلةٌ عظيمة. يا عَبْدُ أقْبِلْ مُنيبًا واغْتَنِمْ رَجَبا … فَإنَّ عَفْوِيَ عَمَّنْ تابَ قَدْ وَجَبا في هذهِ الأشْهُرِ الأبوابُ قَدْ فُتِحَتْ … للتَّائِبينَ فَكُلٌّ نَحْوَنا هَرَبا حَطُّوا الرَّكائِبَ في أبْوابِ رَحْمَتِنا … بِحُسْنِ ظَنٍّ فكُلٌّ نال ما طَلَبا وَقَدْ نَثَرْنا عَلَيْهِمْ مِنْ تَعَطُّفِنا … نِثارَ حُسْنِ قَبولٍ فازَ مَن نَهَبا * * *

стр. 288

وظائف شهر شعبان ويَشْتَمِلُ على مجالسَ: المجلس الأول في صيامه خَرَّجَ الإمامُ أحْمَدُ والنَّسائيُّ مِن حديثِ [أُسامَةَ بن زَيْدٍ]؛ قالَ: كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يَصومُ الأيَّامَ يَسْرُدُ حتَّى نَقولَ لا يُفْطِرُ، ويُفْطِرُ الأيامَ حتَّى لا يَكادُ يَصومُ؛ إلَّا يومينِ مِن الجمعةِ إنْ كانا في صيامِهِ، وإلَّا؛ صامَهُما. ولمْ يَكُنْ يَصومُ مِن الشُّهورِ ما يَصومُ مِن شعبانَ. فقُلْتُ: يا رسولَ اللهِ! إنَّكَ تَصومُ لا تكادُ تُفْطِرُ، وتُفْطِرُ حتَّى لا تكادُ تَصومُ إلَّا يومينِ إنْ دَخَلا في صيامِكَ وإلَّا صمتَهُما. قالَ: "أيُّ يومينِ؟ ". قُلْتُ: يومُ الاثنينِ ويومُ الخميسِ. قالَ: "ذانِكَ يومانِ تُعْرَضُ فيهِما الأعمالُ على ربِّ العالمينَ، وأُحِبُّ أنْ يُعْرَضَ عملي وأنا صائمٌ". قُلْتُ: ولم أرَكَ تَصومُ مِن الشُّهورِ ما تَصومُ مِن شعبانَ. قالَ: "ذاكَ شهرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عنهُ بينَ رجب ورمضانَ، وهوَ [شهرٌ] تُرْفَعُ فيهِ الأعمالُ إلى ربّ العالمينَ ، وأُحِبُّ أنْ يُرْفَعَ عملي وأنا صائمٌ" (١).

стр. 289

قد تَضَمَّنَ هذا الحديثُ ذكرَ صيامِ النَّبيِّ ﷺ مِن جميعِ السَّنةِ، وصيامَهُ مِن أيَّامِ الأُسبوعِ، وصيامَهُ مِن شهورِ السَّنةِ. • فأمَّا صيامُهُ مِن السَّنةِ؛ فكانَ ﷺ يَسْرُدُ الصِّيامَ أحيانًا والفِطْرَ أحيانًا، فيَصومُ حتَّى يُقالَ لا يُفْطِرُ، ويُفْطِرُ حتَّى يُقالَ لا يَصومُ. وقد رَوَى ذلكَ أيضًا عائِشَةُ (١) وابنُ عَبَّاسٍ وأنَسٌ وغيرُهُم. ففي الصَّحيحينِ (٢) عن عائِشَةَ؛ قالَتْ: كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يَصومُ حتَّى نَقولَ: لا يُفْطِرُ، ويُفْطِرُ حتَّى نَقولَ: لا يَصومُ. وفيهِما (٣) عن ابن عَبَّاسٍ؛ قالَ: كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يَصومُ إذا صامَ حتَّى يَقولَ القائلُ: لا واللهِ لا يُفْطِرُ، ويُفْطِرُ إذا أفْطَرَ حتَّى تقولَ القائلُ: لا واللهِ لا يَصومُ. وفيهِما (٤) عن أنَسٍ؛ أنَّهُ سُئِلَ عن صيامِ النَّبيِّ ﷺ فقالَ: ما كُنْتُ أُحِبُّ أنْ أراهُ مِن الشَّهرِ صائمًا إلَّا رَأيْتُهُ ولا مفطرًا إلَّا رَأيْتُهُ، ولا مِن الليلِ قائمًا إلَّا رَأيْتُهُ ولا نائمًا إلَّا رَأيْتُهُ. ولمسلمٍ (٥) عنهُ؛ قالَ: كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يَصومُ حتَّى يُقالَ: قد صامَ قد صامَ، ويُفْطِرُ حتَّى يُقالَ: قَدْ أفْطَرَ قد أفْطَرَ (٦). • وقد كانَ النَّبيُّ ﷺ يُنْكِرُ على مَن يَسْرُدُ الصَّومَ الدَّهرَ ولا يُفْطِرُ منهُ، ويُخْبِرُ عن نفسِهِ أنَّهُ لا يَفْعَلُ ذلكَ.

стр. 290

ففي الصَّحيحينِ (١) عن عَبْدِ اللهِ بن عَمْرٍو؛ أن النَّبيَّ ﷺ قالَ لهُ: "أتَصومُ النَّهارَ وتَقومُ الليلَ؟ ". قالَ: نعم. فقالَ النَّبيُّ ﷺ : "لكنِّي أصومُ وأُفْطِرُ، وأُصَلِّي وأنامُ، وأمَسُّ النِّساءَ، فمَن رَغِبَ عن سنَّتي؛ فليسَ منِّي". وفيهِما (٢) عن أنَسٍ؛ أن نفرًا مِن أصحابِ النَّبيِّ ﷺ قالَ بعضهُم: لا أتَزَوَّجُ النِّساءَ، وقالَ بعضُهُم: لا آكلُ اللحمَ، وقالَ بعضُهُم: لا أنامُ على فراشٍ. فبَلَغَ ذلكَ النَّبيَّ ﷺ ، فخَطَبَ وقالَ: "ما بالُ أقوامٍ يَقولونَ كذا وكذا؟ لكنِّي أُصَلِّي وأنامُ، وأصومُ وأُفْطِرُ، وأتَزَوَّجُ النِّساءَ؛ فمَن رَغِبَ عن سنَّتي؛ فليسَ منِّي". وخَرَّجَهُ النَّسائيُّ وزادَ فيهِ: وقالَ بعضُهُم: أصومُ ولا أُفْطِرُ (٣). وفي "مسند الإمامِ أحْمَد": عن رجلٍ مِن الصَّحابةِ قالَ: ذُكِرَ للنَّبيِّ ﷺ مولاةٌ لبني عبدِ المُطَّلِبِ [أنَّها] قامَتِ الليلَ وتَصومُ النَّهارَ. فقالَ النَّبي ﷺ : "لكنِّي أنا أنامُ وأُصَلِّي (٤) وأصومُ وأُفْطِرُ، فمنِ اقْتَدى بي؛ فهوَ منِّي، ومَن رَغِبَ عن سنَّتي؛ فليسَ منِّي. إنَّ لكلِّ عملٍ شِرَّةً وفترةً، فمَن كانَتْ فترتُهُ إلى بدعةٍ فقد ضَلَّ، ومَن كانَتْ فترتُهُ إلى سنَّةٍ فقدِ اهْتَدى" (٥).

стр. 291

وفي "المسند" و "سنن أبي داوود" عن عائِشَةَ؛ أن عُثْمانَ بنَ مَظْعونٍ أرادَ التَّبتُّلَ، فقال لهُ النَّبيُّ ﷺ : "أتَرْغَبُ عن سنَّتي؟ ". قال: لا واللهِ، ولكنْ سنّتكَ أُريدُ. قال: "فإنِّي أنامُ وأُصَلِّي (١)، وأصومُ وأُفْطِرُ، وأنْكِحُ النِّساءَ، فاتَّقِ اللهِ يا عُثْمانُ؛ فإن لأهلِكَ عليكَ حقًّا، وإنَّ لضيفِكَ عليكَ حقًّا، و [إنَّ] لنفسِكَ عليكَ حقًّا، فصُمْ وأفْطِرْ وصَل ونَمْ" (٢). وقد قال عِكْرِمَةُ وغيرُهُ: إنّ عُثْمانَ بنَ مَظْعونٍ وعَلِيَّ بنَ أبي طالِبٍ والمِقْدادَ وسالِمًا مولى أبي حُذَيْفَةَ في جماعةٍ تَبَتَّلوا، فجَلَسوا في البيوتِ واعْتَزَلوا النِّساءَ وحَرَّموا طيِّباتِ الطَّعامِ واللباسِ؛ إلَّا ما يَأْكُلُ ويَلْبَسُ أهلُ السِّياحةِ مِن بني إسْرائيلَ، وهَمُّوا بالاختصاءِ، وأجْمَعوا لقيامِ الليلِ وصيامِ النَّهارِ، فنَزَلَتْ [فيهِم]: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا [إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ]﴾

стр. 292

[المائدة: ٨٧] (١). وفي "صحيح البخاريِّ" (٢)؛ أن سَلْمانَ زارَ أبا الدَّرْداءِ، وكانَ النَّبيُّ ﷺ قد آخى بينَهُما، فرَأى أُمَّ الدَّرْداءِ متبذِّلةً، فقالَ لها: ما شأْنُكِ متبذِّلةً؟ فقالَتْ: إنَّ أخاكَ أبا الدَّرْداءِ لا حاجةَ لهُ في الدُّنيا. فلمَّا جاءَ أبو الدَّرْداءِ؛ قَرَّبَ لهُ طعامًا. فقالَ لهُ: كُلْ. قالَ: إنِّي صائمٌ. قالَ: ما أنا بآكلٍ حتَّى تَأْكُلَ. فأكَلَ. فلمَّا كانَ الليلُ، ذَهَبَ أبو الدَّرْداءِ لِيَقومَ، فقالَ لهُ سَلْمانُ: نَمْ. ثمَّ ذَهَبَ لِيَقومَ، فقالَ لهُ: نَمْ. فلمَّا كانَ مِن آخرِ الليلِ؛ قالَ سَلْمانُ: قُمِ الآنَ. فقاما فصَلَّيا. فقالَ سَلْمانُ: إنَّ لنفسِكَ عليكَ حقًّا، وإنَّ لضيفِكَ عليكَ حقًّا، وإن لأهلِكَ عليكَ حقًّا، فأعْطِ كل ذي حقٍّ حقَّهُ. فأتَيا النَّبيَّ ﷺ ، فذَكَرا ذلكَ لهُ، فقالَ: "صَدَقَ سَلْمانُ". وفي روايةٍ في غيرِ الصَّحيحِ؛ قالَ: "ثَكِلَتْ سَلْمانَ أُمُّهُ! لقد أُشْبعَ مِن العلمِ" (٣). وهكذا قالَ النبيُّ ﷺ لعَبْدِ اللهِ بن عَمْرِو بن العاصِ لمَّا كانَ يَصومُ الدَّهرَ، فنَهاهُ وأمَرَهُ أنْ يَصومَ صومَ داوودَ؛ يَصومَ يومًا ويُفْطِرَ يومًا. وقالَ لهُ: "لا أفضلَ مِن ذلكَ" (٤). ووَرَدَ النَّهيُ عن صيامِ الدَّهرِ والتَّشديدُ فيهِ (٥).

стр. 293

• وهذا كلُّهُ يَدُلُّ على أن أفضلَ الصِّيامِ ألَّا يُسْتَدامَ، بل يُعاقَبُ بينَهُ وبينَ الفطرِ، وهذا هوَ الصَّحيحُ مِن قولَـ[ـي] العلماءِ، وهوَ مذهبُ أحْمَدَ وغيرِهِ. وقيلَ لِعُمَرَ: إنَّ فلانًا يَصومُ الدَّهرَ. فجَعَلَ يَقْرَعُ رأْسَهُ بقناةٍ معَهُ ويَقولُ: كُلْ يا دهرُ! كُلْ يا دهرُ! خَرَّجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ. • وقد أشارَ ﷺ إلى الحكمةِ في ذلكَ مِن وجوهٍ: - منها: قولُهُ ﷺ في صيامِ الدَّهرِ: "لا صامَ ولا أفْطَرَ" (١)؛ يَعْني: أنَّهُ لا يَجِدُ مشقَّةَ الصِّيامِ ولا فقدَ الطَّعامِ والشَّرابِ والشَّهوةِ؛ لأنَّهُ صارَ الصِّيامُ لهُ عادةً مأْلوفةً، فربَّما تَضَرَّرَ بتركِهِ، فإذا صامَ تارةً وأفْطَرَ أُخرى؛ حَصَلَ لهُ بالصِّيامِ مقصودُهُ بتركِ هذهِ الشَّهواتِ، وفي نفسِهِ داعية إليها، وذلكَ أفضلُ مِن أنْ يَتْرُكَها ونفسُهُ لا تتوقُ إليها. - ومنها: قولُهُ ﷺ في حقِّ داوودَ ﵇: "كانَ يَصومُ يومًا ويُفْطِرُ يومًا ولا يَفِرُّ إذا لاقى" (٢)؛ يُشيرُ إلى أنَّهُ كانَ لا يُضْعِفُهُ صيامُهُ عن ملاقاةِ عدوِّهِ ومجاهدتِهِ في سبيلِ اللهِ. ولهذا رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ لأصحابِهِ يومَ الفتحِ وكانَ في رمضانَ: "إنَّ هذا يومُ قتالٍ فأفْطِروا" (٣). وكانَ عُمَرُ إذا بَعَثَ سريَّةً؛ قالَ لهُم: لا تَصوموا؛ فإنَّ التَّقوِّيَ على الجهادِ أفضلُ مِن الصَّومِ. فأفضلُ الصَّومِ ألَّا يُضْعِفَ البدنَ حتَّى يَعْجِزَ عمَّا هوَ أفضلُ منهُ؛ مِن القيامِ بحقوق اللهِ أو حقوقِ عباده اللازمةِ، فإنْ أضْعَفَ عن شيءٍ مِن ذلكَ ممَّا هوَ أفضلُ منهُ؛ كانَ تركُهُ أفضلَ. فالأوَّلُ: مثلُ أنْ يُضْعِفَ الصِّيامُ البدنَ عن الصَّلاةِ أو عن الذِّكرِ أو العلمِ، كما قيلَ

стр. 294

في النَّهيِ عن صيامِ الجمعةِ ويومِ عرفةَ بعرفةَ: إنّهُ يُضْعِفُ عن الذِّكرِ والدُّعاءِ في هذينِ اليومينِ. وكانَ ابنُ مَسْعودٍ يُقِلُّ الصِّيامَ وتقولُ: إنَّهُ يَمْنَعُني مِن قراءةِ القرآنِ (١)، وقراءةُ القرآنِ أحبُّ إليَّ. فقراءةُ القرآنِ أفضلُ مِن الصِّيامِ. نَصَّ عليهِ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ وغيرُهُ مِن الأئمَّةِ. وكذلكَ تعلَّمُ العلمِ النَّافعِ وتعليمُهُ أفضلُ مِن الصِّيامِ. وقد نَصَّ الأئمَّةُ الأربعةُ على أن طلبَ العلمِ أفضلُ مِن صلاةِ النَّافلةِ، والصلاةُ أفضلُ مِن الصِّيامِ المتطوَّعِ بهِ، فيَكونُ العلمُ أفضلَ مِن الصِّيامِ بطريقِ الأَوْلى؛ فإنَّ العلمَ مصباحٌ يُسْتَضاءُ بهِ في ظلمةِ الجهلِ والهوى، فمَن سارَ في طريقٍ على غيرِ مصباحٍ؛ لمْ يَأْمَنْ أنْ يَقَعَ في بئرٍ بوارٍ فيَعْطَبَ. قالَ ابن سِيرِينَ: إنَّ قومًا تَرَكوا العلمَ واتَّخَذوا محاريبَ فصاموا وصَلَّوْا بغيرِ علمٍ، واللهِ؛ ما عَمِلَ أحدٌ بغيرِ علمٍ إلَّا كانَ ما يُفْسِدُ أكثرَ ممَّا يُصْلحُ. والثَّاني: [مثلُ] أنْ يُضْعِفَ الصِّيامُ عن الكسبِ للعيالِ أوِ القيامِ بحقوقِ الزَّوجاتِ، فيَكونُ تركُهُ أفضلَ. وإليهِ الإشارةُ بقولهِ ﷺ : "وإنَّ لأهلِكَ عليكَ حقًّا" (٢). - ومنها: ما أشارَ إليهِ ﷺ بقولِهِ: "إنَّ لنفسِكَ عليكَ حقًّا … فأعْطِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّهُ" (٣)؛ يُشيرُ إلى أن النَّفسَ وديعةٌ للهِ عندَ ابن آدَمَ، وهوَ مأْمورٌ أنْ يَقومَ بحقِّها، ومِن حقِّها اللطفُ بها حتَّى توصِلَ صاحبَها إلى المنزلِ. قالَ الحَسَنُ: نفوسُكُم مطاياكُم إلى ربكم، فأصْلِحوا مطاياكُم توصِلْكُم إلى ربِّكُم. فمَن وَفَّى نفسَهُ حظَّها مِن المباحِ بنيّةِ التَّقوِّي بهِ على أعمالِ الطَّاعاتِ (٤)؛ كانَ مأْجورًا في ذلكَ، كما قالَ مُعاذ: إنِّي أحْتَسِبُ نومتي كما أحْتَسِبُ قومتي. ومَن قَصَّرَ في حقِّها حتَّى ضَعُفَتْ وتَضَرَّرَتْ؛ كانَ ظالمًا لها. وإلى هذا أشارَ ﷺ بقولهِ لعَبْدِ اللهِ بن عَمْرٍو: "إنَّكَ إذا فَعَلْتَ ذلكَ نَفِهَتْ لهُ النَّفسُ وهَجَمَتْ لهُ العينُ" (٥). ومعنى نَفِهَتْ:

стр. 295

كَلَّتْ وأعْيَتْ. ومعنى هَجَمَتِ العينُ: غارَتْ. وقالَ لأعرابيٍّ جاءَهُ فأسْلَمَ، ثمَّ أتاهُ مِن عامٍ قابلٍ وقد تَغَيَّرَ فلمْ يَعْرِفْهُ، فلمَّا عَرَفَهُ؛ سَألَهُ عن حالِهِ، قالَ: ما أكَلْتُ بعدَكَ طعامًا بنهارٍ. فقالَ ﷺ : "ومَن أمَرَكَ أنْ تُعَذِّبَ نفسَكَ؟ " (١). فمَن عَذَّبَ نفسَهُ بأنْ حَمَّلَها ما لا تُطيقُهُ مِن الصِّيامِ ونحوِهِ؛ فربَّما أثَرَ ذلكَ في ضعفِ بدنِهِ وعقلِهِ، فيَفوتُهُ مِن الطَّاعاتِ الفاضلةِ أكثرُ ممَّا يَحْصُلُ لهُ بتعذيبِهِ نفسَهُ بالصِّيامِ. وكانَ النَّبيُّ ﷺ يَتَوَسَّطُ في إعطاءِ نفسِهِ حقَّها ويَعْدِلُ فيها غايةَ العدلِ: فيَصوم ويُفْطِرُ، ويقومُ ويَنامُ، ويَنكِحُ النِّساءَ، ويَأْكُلُ ممَّا يَجِدُ مِن الطَّيِّباتِ كالحلواءِ والعسلِ ولحمِ الدَّجاجِ. وتارةً يَجوعُ حتَّى يَرْبِطَ على بطنِهِ الحجرَ. وقالَ: "عَرَضَ عليَّ ربِّي أنْ يَجْعَلَ لي بطحاءَ مكَّةَ ذهبًا، فقُلْتُ: لا يا ربِّ! ولكنْ أجوعُ يومًا وأشْبَعُ يومًا، فإذا جُعْتُ؛ تَضَرَّعْتُ إليكَ وذَكَرْتُكَ، وإذا شَبِعْتُ؛ حَمِدْتُكَ وشَكَرْتُكَ" (٢). فاخْتارَ ﷺ لنفسِهِ أفضلَ الأحوال؛ لِيَجْمَعَ بينَ مقاميِ الشُّكرِ والصَّبرِ والرِّضى. - ومنها: ما أشارَ إليهِ بقولهِ ﷺ لعَبْدِ اللهِ بن عَمْرٍو: "لَعَلَّهُ أنْ يَطولَ بكَ حياةٌ" (٣)؛ يَعْني: أن مَن تكلَّفَ الاجتهاد (٤) في العبادةِ فقد تَحْمِلُهُ قوَّةُ الشَّبابِ ما دامَتْ باقيةً، فإذا

стр. 296

ذَهَبَ الشَّبابُ وجاءَ المشيبُ والكِبَرُ؛ عَجَزَ عن حملِ ذلكَ، فإنْ صابَرَ وجاهَدَ واسْتَمَرَّ؛ فربَّما هَلَكَ بدنُهُ، وإنْ قَطَعَ؛ فقد فاتَهُ أحبُّ العملِ إلى اللهِ تَعالى، وهوَ المداومةُ على العملِ. ولهذا قال ﷺ : "اكْلَفوا مِن العملِ ما تُطيقونَ، فواللهِ؛ لا يَمَلُّ الله حتَّى تَمَلُّوا (١). وقالَ: "أحبُّ العملِ إلى اللهِ أدومُهُ وإنْ قَلَّ" (٢). فمَن عَمِلَ عملًا تقْوى عليهِ بدنُهُ في طولِ عمرِهِ في قوَّتِهِ وضعفِهِ؛ اسْتَقامَ سيرُهُ. ومَن حَمَلَ ما لا يُطيقُ؛ فإنَّهُ قد يَحْدُثُ لهُ مرضٌ يَمْنَعُهُ مِن العملِ بالكلِّيَّةِ وقد يَسْأمُ ويَضْجَرُ فيقْطَعُ العملَ فيَصيرُ كالمُنْبَتِّ لا أرضًا قَطَعَ ولا ظهرًا أبْقى. • وأمَّا صيامُ النَّبِيِّ ﷺ مِن الأيَّامِ؛ أعْني: أيَّامَ الأسبوعِ (٣)؛ فكانَ يَتَحَرَّى صيامَ الاثنينِ والخميسِ. وكذا رُوِيَ عن عائِشَةَ: أن النَّبيَّ ﷺ كانَ يَتَحَرَّى صيامَ الاثنينِ والخميسِ (٤). خَرَّجَهُ الإمامُ أحْمَدُ والنَّسائيُّ وابنُ ماجَهْ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ. وخَرَّجَ ابنُ ماجَهْ مِن حديثِ أبي هُرَيْرَةَ ﵁؛ قالَ: كانَ النَّبيُّ ﷺ يَصومُ الاثنينِ والخميسَ. فقيلَ: يا رسولَ اللهِ! إنَّكَ تَصومُ الاثنينِ والخميسَ؟ فقال: "إنَّ يومَ الاثنينِ والخميسِ يَغْفِرُ [اللهُ] فيهِما لكلِّ مسلمٍ؛ إلَّا مهتجرينِ، فتقولُ: دَعوهُما حتَّى يَصْطَلِحا" (٥). وخَرَّجَهُ الإمامُ أحْمَدُ، وعندَهُ: أن رسولَ اللهِ ﷺ كانَ أكثرُ ما يَصومُ الاثنينِ والخميسَ، فقيلَ لهُ، قالَ: "إنَّ الأعمالَ تُعْرَضُ كل اثنينِ وخميسٍ، فيُغْفَرُ لكلِّ مسلمٍ

стр. 297

(أو: لكلِّ مؤمنٍ)؛ إلَّا المتهاجرينِ، فيَقولُ: أخِّروهُما" (١). وأخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، ولفظُهُ: قالَ: "تُعْرَضُ الأعمالُ يومَ الاثنينِ ويومَ الخميسِ، فأُحِبُّ أنْ يُعْرَضَ عملي وأنا صائمٌ" (٢). ورُوِيَ موقوفًا على أبي هُرَيْرَةَ، ورَجَّحَ بعضُهُم وقفَهُ. وفي "صحيح مسلم" (٣) عن أبي هُرَيْرَةَ مرفوعًا: "تُفْتَحُ أبوابُ الجنَّةِ يومَ الاثنينِ ويومَ الخميسِ، فيُغْفَرُ لكلِّ عبدٍ لا يُشْرِكُ باللهِ شيئًا؛ إلَّا رجلًا كانَتْ بينَهُ وبينَ أخيهِ شحناءُ، تقولُ: أنْظِروا هذينِ حتَّى يَصْطَلِحا". ويُرْوى بإسنادٍ فيهِ ضعف عن أبي أُمامَةَ مرفوعًا: "تُرْفَعُ الأعمالُ يومَ الاثنينِ ويومَ الخميسِ، فيُغْفَرُ للمستغفرينَ ويُتْرَكُ أهلُ الحقدِ بحقدِهِم" (٤). ورَوى عَلِيُّ [بنُ] أبي طَلْحَةَ عن ابن عَبَّاسٍ، في قولهِ : ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]، قالَ: يُكْتَبُ كلُّ ما تَكَلَّمَ بهِ مِن خيرٍ وشرٍّ، حتَّى إنَّهُ لَيُكْتَبُ قولُهُ أكَلْتُ وشَرِبْتُ وذَهَبْتُ وجِئْتُ ورَأيْتُ، حتَّى إذا كانَ يومُ الخميسِ؛ عُرِضَ قولُهُ وعملُهُ، فأُقِرَّ [منهُ] ما كانَ فيهِ مِن خيرٍ أو شرٍّ وأُلْقِيَ سائرُهُ. فذلكَ قولُهُ تَعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩] (٥). خَرَّجَهُ ابنُ أبي حاتِمٍ وغيرُهُ. فهذا يَدُلُّ على اختصاصِ يومِ الخميسِ بعرضٍ للأعمالِ لا يوجَدُ في غيرِهِ (٦). وكانَ إبْراهيمُ النَّخَعِيُّ يَبْكي إلى امرأتِهِ يومَ الخميسِ وتَبْكي إليهِ ويَقولُ: اليومَ تُعْرَضُ أعمالُنا على اللهِ .

стр. 298

فهذا عرضٌ خاصٌ في هذينِ اليومينِ غيرُ العرضِ العامِّ كلَّ يومٍ؛ فإنَّ ذلكَ عرضٌ دائمٌ كلَّ يومٍ بكرةً وعشيًّا. ويَدُلُّ على ذلكَ ما في الصَّحيحينِ (١): عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "يَتَعاقَبونَ فيكُم ملائكةٌ بالليلِ وملائكةٌ بالنَّهارِ، فيَجْتَمِعونَ في صلاةِ الصُّبحِ وفي صلاةِ العصرِ، فيَسْألُ الذينَ باتوا فيكُم - وهوَ أعْلَمُ -: كيفَ تَرَكْتُم عبادي؟ فيَقولونَ: أتَيْناهُم وهُم يُصَلُّونَ، وتَرَكْناهُم وهُم يُصلُّونَ". وفي "صحيح مسلم" (٢): عن أبي موسى الأشْعَرِيِّ؛ قالَ: قامَ فينا رسولُ اللهِ ﷺ بخمسِ كلماتٍ، فقالَ: "إنَّ الله لا يَنامُ، ولا يَنْبَغي لهُ أنْ يَنامَ، يَخْفِضُ القسطَ ويَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إليهِ عملُ الليلِ قبلَ النَّهارِ، وعملُ النَّهارِ قبلَ الليلِ، حجابُهُ النُّورُ، لو كَشَفَهُ؛ لأحْرَقَتْ سُبُحاتُ وجهِهِ ما انْتَهى إليهِ بصرُهُ مِن خلقِهِ". ويُرْوى عن ابن مَسْعودٍ؛ قالَ: إن مقدارَ كلِّ يومٍ مِن أيَّامِكُم عندَ ربَكُم ثنتا عشرةَ ساعةً، فتُعْرَضُ عليهِ أعمالُكُم بالأمسِ أوَّلَ النَّهارِ اليومَ، فيَنْظُرُ فيها ثلاثَ ساعاتٍ … وذَكَرَ باقيَهُ. كانَ الضَّحَّاكُ يَبْكي آخرَ النَّهارِ ويَقولُ: لا أدْري ما رُفعَ مِن عملي. يا مَن عملُهُ معروضٌ على مَن يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى، لا تُبَهْرِجْ؛ فالنَّاقدُ بصيرٌ. السُّقْمُ عَلى الجِسْمِ لَهُ تَرْدادُ … والعُمْرُ مَضى وَزَلَّتي تَزْدادُ ما أبْعَدَ شُقَتي وما لِيَ … ما أكْثَرَ بَهْرَجي ولي نُقَّادُ وحديثُ أُسامَةَ فيهِ أن النَّبيَّ ﷺ كانَ إذا سَرَدَ الفطرَ؛ يَصومُ الاثنينِ والخميسَ (٣). فدَلَّ على مواظبةِ النَّبيِّ ﷺ على صيامِهِما، وقد كانَ أُسامَةُ يَصومُهُما حضرًا وسفرًا لهذا. وفي "مسند الإمام أحْمَدَ" و "سنن النَّسائِي": عن عَبْدِ اللهِ بن عَمْرٍو؛ أن النَّبيَّ ﷺ

стр. 299

أمَرَهُ أنْ يَصومَ ثلاثةَ أيَّامٍ مِن كلِّ شهرٍ. فقالَ [لهُ]: إنِّي أقوى على أكثرَ مِن ذلكَ. قالَ: "فصُمْ مِن الجمعةِ [يومَ] الاثنينِ والخميسِ". قالَ: إنِّي أقوى على أكثرَ مِن ذلكَ. قالَ: "فصُمْ صيامَ داوودَ" (١). وفي "مسند الإمام أحْمَدَ" مِن روايةِ: عُثْمانَ بن رُشَيْدٍ، حَدَّثَني أنَسُ بنُ سِيرِينَ؛ قالَ: أتَيْنا أنَسَ بنَ مالِكٍ في يومِ خميسٍ، فدَعا بمائدتِهِ، فدَعاهُم إلى الغداءِ، فأكَلَ بعضُ القومِ وأمْسَكَ بعضٌ. ثمَّ أتَوْهُ يومَ خميسٍ، ففَعَلَ مثلَها. فقالَ أنَسٌ: لعلَّكُم أثنائيُّونَ، لعلَّكُم خميسيُّونَ، كان رسولُ اللهِ ﷺ يَصومُ حتَّى يُقالَ لا يُفْطِرُ، ويُفْطِرُ حتَّى يُقالَ لا يَصومُ (٢). وظاهرُ هذا الحديثِ يُخالِفُ حديثَ أُسامَةَ وأنَّ (٣) النَّبيَّ ﷺ إنَّما كانَ يَصومُ الاثنينِ والخميسَ إذا دَخَلا في صيامِهِ ولمْ يَكُنْ يَتَحَرَّى صيامَهُما في أيَّامِ سردِ فطرِهِ. ولكنَّ عُثْمانَ بنَ رُشَيْدٍ ضعيفٌ، ضَعفَهُ ابنُ مَعينٍ وغيرُهُ، وحديثُ أُسامَةَ أصحُّ منهُ. وقد رُوِيَ مِن حديثِ أُمَّ سَلَمَةَ أن النَّبيَّ ﷺ كانَ يَصومُ مِن كل شهرٍ ثلاثةَ أيَّامٍ؛ أوَّلَ خميسٍ والاثنينِ والاثنينِ (٤). وفي روايةٍ بالعكسِ: الاثنينِ والخميسَ والخميسَ (٥).

стр. 300

وأكثرُ العلماءِ على استحبابِ صيامِ الاثنينِ والخميسِ. ورُوِيَ كراهتُهُ عن أنسِ بن مالكٍ مِن غيرِ وجهٍ عنهُ. وكانَ مُجاهِدٌ يَفْعَلُهُ ثمَّ تَرَكَهُ وكَرِهَهُ. وكَرِهَ أبو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بنُ عَلِيٍّ صيامَ الاثنينِ. وكَرِهَتْ طائفةٌ صيامَ يومٍ معيَّنٍ كلَّما مَرَّ بالإنسانِ، رُوِيَ عن عِمْرانَ بن حُصَيْنٍ وابنِ عَبَّاسٍ والشَّعْبِيِّ والنَّخَعِيِّ، ونَقَلَهُ ابنُ القاسِمِ عن مالِكٍ. وقالَ الشَّافِعِيُّ في القديمِ: أكْرَهُ ذلكَ. قالَ: وإنَّما أكْرَهُهُ لئلَّا يَتَأسَّى جاهلٌ فيَظُنَّ أن ذلكَ واجبٌ. فالَ: وإنْ فَعَلَ فحسنٌ؛ يَعْني: على غيرِ اعتقادِ الوجوبِ (١). • وأمَّا صيامُ النَّبيِّ ﷺ مِن أشهرِ السَّنةِ؛ فكانَ يَصومُ مِن شعبانَ ما لا يَصومُ مِن غيرِهِ مِن الشُّهورِ. ففي الصَّحيحينِ (٢) عن عائِشَةَ؛ قالَتْ: ما رَأيْتُ رسولَ اللهِ ﷺ اسْتكْمَلَ صيامَ شهرٍ قطُّ إلَّا رمضانَ، وما رَأيْتُهُ في شهرٍ أكثرَ صيامًا منهُ في شعبانَ. زادَ البُخارِيُّ (٣) في روايةٍ: كانَ يَصومُ شعبانَ كلَّهُ. ولمسلمٍ (٤) في روايةٍ: كانَ يَصومُ شعبانَ كلَّهُ، كانَ يَصومُ شعبانَ إلَّا قليلًا. وفي روايةٍ [لـ]ـنَّسائيِّ عن عائِشَةَ؛ قالَتْ: كانَ أحبَّ الشُهورِ إلى رسولِ اللهِ ﷺ أنْ يَصومَ شعبانُ، كانَ يَصِلُهُ برمضانَ (٥).

стр. 301

وعنها وعن أُمِّ سَلَمَةَ؛ قالَتا: كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يَصومُ شعبانَ إلَّا قليلًا، بل كانَ يَصومُهُ كلَّهُ (١). وعن أُمِّ سَلَمَةَ؛ قالَتْ: ما رَأيْتُ رسولُ اللهِ ﷺ يَصومُ شهرينِ متتابعينِ إلَّا شعبانَ ورمضانَ (٢). • وقد رَجَّحَ طائفةٌ مِن العلماءِ - منهُمُ ابنُ المبارَكِ وغيرُهُ - أن النَّبيَّ ﷺ لمْ يَسْتكْمِلْ صيامَ شعبانَ، وإنَّما كانَ يَصومُ أكثرَهُ (٣). ويَشْهَدُ لهُ ما في "صحيحِ مسلم" (٤) عن عائِشَةَ؛ قالَتْ: ما عَلِمْتُهُ (يَعْني: النَّبيَّ ﷺ ) صامَ شهرًا كلَّهُ إلَّا رمضان. وفي روايةٍ لهُ (٥) أيضًا عنها قالَتْ: ما رَأيْتُهُ صامَ شهرًا

стр. 302

كاملًا منذُ قَدِمَ المدينةَ، إلَّا أنْ يَكونَ رمضانَ. وفي روايةٍ له (١) أيضًا " أنَّها قالَتْ: لا أعْلَمُ نبيَّ اللهِ ﷺ قَرَأ القرآنَ كلَّهُ في ليلةٍ ولا صامَ شهرًا كاملًا غيرَ رمضانَ. وفي رواية لهُ أيضًا (٢)؛ قالَتْ: ما رَأيْتُهُ قامَ ليلةَّ حَتى الصَّباحِ ولا صامَ شهرًا متتابعًا إلَّا رمضانَ. وفي الصَّحيحينِ (٣) عن ابن عَبَّاسٍ؛ قالَ: ما صامَ رسولُ اللهِ ﷺ شهرًا كاملًا غيرَ رمضانَ. وكانَ ابنُ عَبَّاسٍ يَكْرَهُ أنْ يَصومَ شهرًا كاملًا غيرَ رمضانَ. ورَوى عَبْدُ الرَّزَّاقِ في كتابِهِ: عن ابن جُرَيْجٍ، عن عَطاء، قالَ: كانَ ابنُ عَبَّاسٍ يَنْهى عن صيامِ الشَّهرِ كاملًا ويَقولُ: لِيَصُمْهُ إلَّا أيَّامًا، وكانَ يَنْهى عن إفرادِ اليومِ كلَّما مرَّ بهِ، وعن صيامِ الأيَّامِ المعلومةِ، وكانَ يَقولُ: لا تَصُمْ أيَّامًا معلومةً (٤). • فإنْ قيلَ: كيفَ كانَ النَّبيُّ ﷺ يَخُصُّ شعبانَ بصيامِ التَّطوُّعِ فيهِ معَ أنَّهُ قالَ: "أفضلُ الصِّيامِ بعدَ شهرِ رمضانَ شهرُ اللهِ المحرَّمُ" (٥)؟ فالجوابُ: أن جماعةً مِن النَّاسِ أجابوا عن ذلكَ بأجوبةٍ غيرِ قويَّةٍ، لاعتقادِهِم أن صيامَ المحرَّمِ والأشهرِ الحرمِ أفضلُ مِن صيامِ شعبانَ، كما صَرَّحَ بهِ الشَّافعيَّةُ وغيرُهُم، والأظهرُ خلافُ ذلكَ، وأن صيامَ شعبانَ أفضلُ مِن صيامِ الأشهرِ الحرمِ. ويَدُلُّ على ذلكَ ما خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِن حديثِ أنَسٍ: سُئِلَ النَّبيُّ ﷺ : أيُّ الصِّيامِ أفضلُ بعدَ رمضانَ؟ قالَ: "شعبانُ؛ تعظيمًا لرمضانَ" (٦). وفي إسنادِهِ مقالٌ.

стр. 303

وفي "سنن ابن ماجَهْ"؛ أن أُسامَةَ كانَ يَصومُ الأشهرَ الحرمَ، فقالَ لهُ رسولُ اللهِ ﷺ : "صُمْ شوَّالًا"، فتَرَكَ الأشهرَ الحرمَ، فكانَ يَصومُ شوَّالًا حتَّى ماتَ (١). وفي إسنادِهِ إرسالٌ. وقد رُوِيَ مِن وجهٍ آخرَ يَعْضُدُهُ (٢). فهذا نَصٌّ في تفضيلِ صيامِ شوَّالٍ على صيامِ الأشهرِ الحرمِ. وإنَّما كانَ كذلكَ لأنَّهُ يَلي رمضانَ مِن بعدِهِ، كما أن شعبانَ يَليهِ مِن قبلِهِ، وشعبانُ أفضلُ؛ لصيامِ رسولُ اللهِ ﷺ لهُ دونَ شوَّالٍ، فإذا كانَ صيامُ شوَّالٍ أفضلَ مِن الأشهرِ الحرمِ؛ فلأَنْ يَكونَ صومُ شعبانَ أفضلَ بطريقِ الأَوْلى (٣). فظَهَرَ بهذا أن أفضلَ التَّطوُّعِ ما كانَ قريبًا مِن رمضانَ قبلَهُ وبعدَهُ، وذلكَ ملتحقٌ بصيامِ رمضانَ لقربِهِ منهُ، وتَكونُ منزلتُهُ مِن الصِّيامِ بمنزلةِ السُّننِ الرَّواتبِ معَ الفرائضِ قبلَها وبعدَها فتَلْتَحِقُ بالفرائضِ في الفضلِ وهيَ تكملةٌ لنقصِ الفرائضِ، وكذلكَ صيامُ ما قبلَ رمضانَ وبعدَهُ. فكما أن السُّننَ الرَّواتبَ أفضلُ مِن التَّطوُّعِ المطلَقِ بالصَّلاةِ؛ فكذلكَ يَكونُ صيامُ ما قبلَ رمضانَ وما بعدَهُ أفضلَ مِن صيامِ ما بَعُدَ منهُ، ويَكونُ قولُهُ "أفضلُ الصِّيامِ بعدَ رمضانَ المحرَّمُ" محمولًا على التَّطوُّعِ المطلقِ بالصِّيامِ. فأمَّا ما قبلَ رمضانَ وبعدَهُ؛ فإنَّهُ ملتحقٌ بهِ في الفضلِ. كما أن قولَهُ في تمامِ الحديثِ "وأفضلُ الصَّلاةِ بعدَ المكتوبةِ قيامُ الليلِ" إنَّما أُريدَ بهِ تفضيلُ قيامِ الليلِ على التَّطوُّعِ المطلقِ دونَ السُّننِ الرَّواتبِ عندَ جمهورِ العلماءِ خلافًا لبعضِ الشَّافعيَّةِ (٤). واللهُ أعلمُ -. • فإنْ قيلَ: فقد قالَ ﷺ : "أفضلُ الصِّيامُ صيامُ داوودَ، كانَ يَصومُ يومًا ويُفْطِرُ

стр. 304

يومًا" (١)، ولم يَصُمْ كذلكَ، بل كانَ يَصومُ سردًا ويُفْطِرُ سردًا، ويَصومُ شعبانَ وكلَّ اثنينِ وخميسٍ. قيلَ: صيامُ داوودَ الذي فَضَّلَهُ على الصِّيامِ قد فَسَّرَهُ ﷺ في حديثٍ آخرَ بأنَّهُ صومُ شطرِ الدَّهرِ، وكانَ صيامُ النَّبيِّ ﷺ إذا جُمعَ يَبْلُغُ صيامَ نصفِ الدَّهرِ أو يَزيدُ عليهِ (٢)، وقد كانَ يَصومُ معَ ما سَبَقَ ذكرُهُ يومَ عاشوراءَ وتسعَ ذي الحِجَّةِ (٣)، وإنَّما كانَ يُفَرِّقُ صيامَهُ ولا يَصومُ يومًا ويُفْطِرُ يومًا؛ لأنَّهُ ﷺ كانَ يَتَحَرَّى صيامَ الأوقاتِ الفاضلةِ، ولا يَضُرُّ تفريقُ الصِّيامِ والفطرِ أكثرَ مِن يومٍ ويومٍ إذا كانَ القصدُ بهِ التَّقوِّيَ على ما هوَ أفضلُ مِن الصِّيامِ مِن أداءِ الرِّسالةِ وتبليغِها والجهادِ عليها والقيامِ بحقوقِها، وكانَ صيامُ يومٍ وفطرُ يومٍ يُضْعِفُهُ عن ذلكَ. ولهذا لمَّا سُئِلَ النَّبيُّ ﷺ في حديثِ أبي قَتادَةَ عمَّن يَصومُ يومًا ويُفْطِرُ يومينِ؛ قالَ: "وَدِدْتُ أنِّي طُوِّقْتُ ذلكَ" (٤). وقد كانَ عَبْدُ اللهِ بنُ عَمْرِو بن العاصِ لمَّا كَبُرَ يَسْرُدُ الفطرَ أحيانًا لِيَتَقَوَّى بهِ على الصِّيامِ ثمَّ يَعودُ فيَصومُ ما فاتَهُ؛ محافظةً على ما فارَقَ عليهِ النَّبيَّ ﷺ مِن صيامِ شطرِ الدَّهرِ. فحَصَلَ للنَّبي ﷺ أجرُ صيامِ شطرِ الدَّهرِ وأزيدُ منهُ بصيامِهِ المتفرَّقِ، وحَصَلَ لهُ ﷺ أجرُ تتابعِ الصِّيامِ بتمنِّيهِ لذلكَ، وإنَّما عاقَهُ عنهُ الاشتغالُ بما هوَ أهمُّ منهُ وأفضلُ. واللهُ أعلمُ. • وقد ظَهَرَ بما ذَكَرْناهُ وجهُ صيام النَّبيِّ ﷺ لشعبانَ دونَ غيرِهِ مِن الشُّهورِ، وفيهِ معانٍ أُخرُ، وقد ذَكَرَ منها ﷺ في حديثِ أُسامَةَ معنيينِ: أحدُهُما: أنَّهُ شهرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عنهُ بينَ رجب ورمضانَ؛ يُشيرُ [إلى] أنَّهُ لمَّا اكْتَنَفَهُ شهرانِ عظيمانِ؛ الشَّهرُ الحرامُ وشهرُ الصِّيامِ؛ اشْتَغَلَ النَّاسُ بهِما عنهُ فصارَ مغفولًا عنهُ. وكثيرٌ مِن النَّاس يَظُنُّ أن صيامَ رجبٍ أفضلُ مِن صيامِهِ؛ لأنَّهُ شهرٌ حرامٌ، وليسَ كذلكَ.

стр. 305

ورَوى ابنُ وَهْبٍ: عن مُعاوِيَةَ بن صالحٍ، عن أزْهَرَ بن سعيدٍ (١)، عن أبيهِ، عن عائِشَةَ؛ قالَتْ: ذُكِرَ لرسولِ اللهِ ﷺ ناسٌ يَصومونَ رجبًا، فقالَ: "فأينَ هُم عن شعبانَ" (٢). وفي قولِهِ ﷺ : "يَغْفُلُ النَّاسُ عنهُ بينَ رجبٍ ورمضانَ"، إشارةٌ إلى أنَّ بعضَ ما يَشْتَهِرُ فضلُهُ مِن الأزمانِ أوِ الأماكنِ أوِ الأشخاصِ قد يَكونُ غيرُهُ أفضلَ منهُ إمَّا مطلقًا أو لخصوصيَّةٍ فيهِ لا يَتَفَطَّنُ لها أكثرُ النَّاسِ فيَشْتَغِلونَ بالمشهورِ عنهُ ويُفَوِّتونَ تحصيلَ فضيلةِ ما ليسَ بمشهورٍ عندَهُم (٣). وفيهِ دليلٌ على استحبابِ عمارةِ أزمانِ غفلةِ النَّاسِ بالطَّاعةِ، وأنَّ ذلكَ محبوبٌ للهِ ، كما كانَ طائفةٌ مِن السَّلفِ يَسْتَحِبُّونَ إحياءَ ما بينَ العشاءينِ بالصلاةِ ويَقولونَ: هيَ ساعةُ الغفلةِ (٤)، وكذلكَ فضلُ القيامِ في وسطِ الليلِ لشمولِ الغفلةِ لأكثرِ النَّاسِ فيهِ عن الذِّكرِ، وقد قالَ ﷺ : "إنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَكونَ ممَّن يَذْكُرُ الله في تلكَ السَّاعةِ فكُنْ" (٥). ولهذا المعنى كانَ النَّبيُّ ﷺ يُريدُ أنْ يُؤَخِّرَ العشاءَ إلى نصفِ الليلِ، وإنَّما عَلَّلَ تركَ ذلكَ بخشيةِ المشقَّةِ على النَّاسِ (٦). ولما خَرَجَ ﷺ على أصحابهِ وهُم يَنْتَظِرونَهُ لصلاةِ العشاءِ؛ قالَ [لهُم]: "ما يَنْتَظِرُها أحدٌ مِن أهلِ الأرضِ غيرُكُم" (٧). وفي هذا إشارةٌ إلى فضيلةِ التَّفرُّدِ بذكرِ اللهِ في وقتٍ من الأوقاتِ لا يوجَدُ فيهِ ذاكرٌ لهُ. ولهذا وَرَدَ في فضلِ الذِّكرِ في الأسواقِ ما وَرَدَ مِن الحديثِ المرفوعِ والآثارِ الموقوفةِ، حتَّى

стр. 306

قالَ أبو صالحٍ: إنَّ الله لَيَضْحَكُ ممَّن يَذْكُرُهُ في السُّوقِ. وسببُ ذلكَ أنَّهُ ذكرٌ في موطنِ الغفلةِ بينَ أهلِ الغفلةِ. وفي حديثِ أبي ذَرٍّ المرفوعِ: "ثلاثةٌ يُحِبُّهُمُ اللهُ: قومٌ ساروا ليلتَهُم (١)، حتَّى إذا كانَ النَّومُ أحبَّ إليهِم ممَّا يُعْدَلُ بهِ، فوَضَعوا رؤوسَهُم، فقامَ أحدُهُم يَتَمَلَّقُني ويَتْلو آياتي. وقومٌ كانوا في سريَّةٍ، فانْهَزَموا، فتَقَدَّمَ أحدُهُم، فلَقِيَ العدوَّ فصَبَرَ حتَّى قُتِلَ". وذَكَرَ أيضًا قومًا جاءَهُم سائلٌ فسَألَهُم فلمْ يُعْطوهُ، فانْفَرَدَ أحدُهُم حتَّى أعْطاهُ سرًّا (٢). فهؤلاءِ الثَّلاثةُ انْفَرَدوا عن رفقتِهِم بمعاملةِ اللهِ سرًّا بينَهُم وبينَهُ، فأحَبَّهُمُ اللهُ. فكذلكَ مَن يَذْكُرُ الله في غفلةِ النَّاسِ أو مَن يَصومُ في أيَّامِ غفلةِ النَّاسِ عن الصِّيامِ (٣). وفي إحياءِ الوقتِ المغفولِ عنهُ بالطَّاعةِ فوائدُ (٤): منها: أنَّهُ يَكونُ أخفى، وإخفاءُ النَّوافلِ وإسرارُها أفضلُ، ولا سيَّما الصِّيامِ؛ فإنَّهُ سرٌّ بينَ العبدِ وربِّهِ، ولهذا قيلَ: إنَّهُ ليسَ فيهِ رياءٌ. وقد صامَ بعضُ السَّلفِ أربعينَ سنةً لا يَعْلَمُ بهِ أحدٌ، كانَ يَخْرُجُ مِن بيتِهِ إلى السُّوقِ ومعَهُ رغيفانِ، فيَتَصَدَّقُ بهِما ويَصومُ، فيَظُنُّ أهلُهُ أنَّهُ أكلَهُما، ويَظُنُّ أهلُ السُّوقِ

стр. 307

أنَّهُ أكَلَ في بيتِهِ. وكانوا يَسْتَحِبُّونَ لمَن صامَ أنْ يُظْهِرَ ما يُخْفي بهِ صيامَهُ. فعنِ ابن مَسْعودٍ قالَ: إذا أصْبَحْتُمْ صيامًا؛ فأصْبِحوا مدَّهنين. وقالَ قتادَةُ: يُسْتَحَبُّ للصَّائمِ أنْ يَدَّهِنَ حتَّى تَذْهَبَ عنهُ غُبْرَةُ الصِّيامِ. وقالَ أبو التَّيَّاحِ: أدْرَكْتُ أبي ومشيخةَ الحيِّ إذا صامَ أحدُهُمُ ادَّهَنَ ولَبِسَ أحسنَ ثيابِهِ. ويُرْوى أنَّ عيسى بنَ مَرْيَمَ ﵇ قالَ: إذا كانَ يومُ صومِ أحدِكُم؛ فلْيَدْهَنْ لحيتَهُ ولْيَمْسَحْ شفتيهِ مِن دهنِهِ حتَّى يَنْظُرَ النَّاظرُ إليهِ [فـ) ـيَرى أنَّهُ ليسَ بصائمٍ. اشْتَهَرَ بعضُ الصَّالحينَ بكثرةِ الصِّيامِ، فكانَ يَجْتَهِدُ في إظهارِ فطرِهِ للنَّاسِ، حتَّى [كانَ] يَقومُ يومَ الجمعةِ والنَّاسُ مجتمعونَ في مسجدِ الجامعِ، فيَأْخُذُ إبريقًا، [فـ) ـيَضَعُ بلبلتَهُ في فيهِ ويَمَصُّهُ ولا يَزْدَرِدُ منهُ شيئًا ويَبْقى ساعةً كذلكَ لِيَنْظُرَ النَّاسُ إليهِ فيَظنُّوا أنَّهُ يَشْرَبُ الماءَ، وما يَدْخُلُ إلى حلقِهِ منهُ شيءٌ. كم يَسْتُرُ الصَّادقونَ أحوالَهُم وريحُ الصِّدقِ يَنُمُّ عليهِم. ريحُ الصِّيامِ أطيبُ مِن ريحِ المسكِ، تَسْتَنْشِقُهُ قلوبُ المؤمنينَ وإنْ أُخْفِيَ، وكلَّما طالَتْ عليهِ المدَّةُ؛ ازْدادَ قوَّةُ ريحِهِ. كَمْ أكْتُمُ حُبَّكُمْ عَنِ الأغْيارِ … وَالدَّمْعُ يُذيعُ في الهَوى أسْراري كَمْ أسْتُرُكُم هَتَكْتُمُ أسْتاري … مَنْ يُخْفي في الهَوى لَهيبَ النَّارِ ما أسَرَّ أحدٌ سريرةً إلَّا ألْبَسَهُ اللهُ رداءَها علانيةً. وَهَبْني كَتَمْتُ السِّرَّ أوْ قُلْتُ غَيْرَهُ … أتَخْفى عَلى أهْلِ القُلوبِ السَّرائِرُ أبى ذاكَ أنَّ السِّرَّ في الوَجْهِ ناطِقٌ … وَأنَّ ضَميرَ القَلْبِ في العَيْنِ ظاهِرُ ومنها: أنَّهُ أشقُّ على النُّفوسِ، وأفضلُ الأعمالِ أشقُّها على النُّفوسِ (١). وسببُ

стр. 308

ذلكَ أن النُّفوسَ تتأسَّى بما تُشاهِدُ [هُ] مِن أحوالِ أبناءِ الجنسِ، فإذا كَثُرَتْ يقظةُ النَّاسِ وطاعاتُهُم (١)؛ كَثُرَ أهلُ الطَّاعةِ لكثرةِ المقتدينَ بهِم، فسَهُلَتِ الطَّاعاتُ. وإذا كَثُرَتِ الغفلاتُ وأهلُها؛ تَأسَّى بهِم عمومُ النَّاسِ، فيَشُقُّ على نفوسِ المتيقِّظينَ طاعاتُهُم؛ لقلَّةِ مَن يَقْتَدونَ بهِم فيها. ولهذا المعنى قالَ النَّبيُّ ﷺ : "للعاملِ منهُم أجرُ خمسينَ منكُم، إنَّكُم تَجِدونَ على الخيرِ أعوانًا ولا يَجِدونَ" (٢). وقالَ ﷺ : "بَدَأ الإسلامُ غريبًا، وسَيَعودُ غريبًا كما بَدَأ، فطوبى للغرباءِ" (٣). وفي روايةٍ: قيلَ: ومَنِ الغرباءُ؟ قالَ: "الذينَ يُصْلِحونَ إذا فَسَدَ النَّاسُ" (٤).

стр. 309

وفي "صحيح مسلم" (١) مِن حديثِ: مَعْقِلِ بن يَسارٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "العبادةُ في الهَرْجِ كالهجرةِ إليَّ". وخَرَّجَهُ الإمامُ أحْمَدُ، ولفظُهُ: "العبادةُ في الفتنةِ كالهجرةِ إليَّ" (٢). وسببُ ذلكَ أن النَّاسَ في زمنِ الفتنِ يَتَّبِعونَ أهواءَهُم ولا يَرْجِعونَ إلى دينٍ، فيَكونُ حالُهُم شبيهًا بحالِ الجاهليَّةِ، فإذا انْفَرَدَ مِن بينِهِم مَن يَتَمَسَّكُ بدينِهِ ويَعْبُدُ ربَّهُ ويَتَّبعُ مراضِيَهُ ويَجْتَنِبُ مساخطَهُ؛ كانَ بمنزلةِ مَن هاجَرَ مِن بين أهلِ الجاهليَّةِ إلى رسولِ اللهِ ﷺ مؤمنًا بهِ متَّبعًا لأوامرِهِ مجتنبًا لنواهيهِ. ومنها: أنَّ المنفردَ بالطَّاعةِ بينَ أهلِ المعاصي والغفلةِ قد يُدْفَعُ بهِ البلاءُ عن النَّاسِ [كلِّهِم]، فكأنَّهُ يَحْميهِم ويُدافِعُ عنهُم. وفي حديثِ ابن عُمَرَ الذي رَوَيْناهُ في "جزءِ ابن عَرَفَةَ" مرفوعًا: "ذاكرُ اللهِ في الغافلينَ كالذي يُقاتِلُ عن الفارِّينَ، وذاكرُ اللهِ في الغافلينَ كالشَّجرةِ الخضراءِ في وسطِ الشَّجرِ الذي تَحاتَّ ورقُهُ مِن الصَّريدِ (والصَّريدُ: البردُ الشَّديدُ)، وذاكرُ اللهِ في الغافلينَ يُغْفَرُ لهُ بعددِ كلِّ رطبٍ ويابسٍ، وذاكرُ اللهِ في الغافلينَ يَعْرِفُ مقعدَهُ في الجنَّةِ" (٣).

стр. 310

قالَ بعضُ السَّلفِ: ذاكرُ اللهِ في الغافلينَ كمَثَلِ الذي يَحْمي الفئةَ المنهزمةَ، ولولا مَن يَذْكُرُ الله في غفلةِ النَّاسِ؛ لَهَلَكَ النَّاسُ. رَأى جماعةٌ مِن المتقدِّمينَ في منامِهِم كأنَّ ملائكةً نَزَلَتْ إلى بلادٍ شتَّى، فقالَ بعضُهُم لبعضٍ: اخْسِفوا بهذهِ القريةِ، [فـ]ـقالَ بعضُهُم: كيفَ نَخْسِفُ بها وفلانٌ فيها قائم يُصَلِّي؟ ورَأى بعضُ المتقدِّمينَ في منامِهِ مَن يُنْشِدُ: لَوْلا الَّذينَ لَهُمْ وِرْدٌ يُصَلونا … وَآخَرونَ لَهُمْ سَرْدٌ يَصومونا لَدُكْدِكَتْ أرْضُكُمْ مِنْ تَحْتِكُمْ سَحَرًا … لِأنَّكُمْ قومُ سَوْءٍ ما تُطيعونا وفي "مسند البَزَّارِ" عن أبي هُرَيْرَةَ مرفوعًا: "مهلًا عن اللهِ مهلًا! فلولا عبادٌ رُكَّعٌ وأطفالٌ رُضَّع وبهائمُ رُتَّعٌّ؛ لَصُبَّ عليكُمُ العذابُ صبًّا" (١).

стр. 311

ولبعضِهِم في المعنى: لَوْلا عِبادٌ لِلإلهِ رُكَّعُ … وَصِبْيَةٌ مِنَ اليَتامى رُضَّعُ وَمُهْمَلاتٌ في الفَلاةِ رُتَّعُ … صُبَّ عَلَيْكُمُ (١) العَذابُ الموجِعُ وقد قيلَ في تأْويلِ قولِهِ تعالى ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ [البقرة: ٢٥١]: إنَّهُ يَدْخُلُ فيها دفعُهُ عن العصاةِ بأهلِ الطَّاعةِ. وجاءَ في الآثارِ: إنَّ الله يَدْفَعُ بالرَّجلِ الصَّالح عن أهلِهِ وولدِهِ وذرِّيَّتِهِ ومَن حولَهُ (٢). وفي بعضِ الآثارِ (٣): يَقولُ اللهُ : أحَبُّ العبادِ إليَّ: المتحابُّونَ بجلالي، المشَّاؤونَ في الأرضِ بالنَّصيحةِ، المشَّاؤونَ على أقدامِهِم إلى الجمعاتِ (وفي روايةٍ: المعلَّقةُ قلوبُهُم بالمساجدِ)، والمستغفرونَ بالأسحارِ، فإذا أرَدْتُ إنزالَ عذابٍ بأهلِ الأرضِ فنَظَرْتُ إليهِم؛ صَرَفْتُ العذابَ عن النَّاسِ. وقالَ مَكْحولٌ: ما دامَ في الناسِ خمسةَ عشرَ يَسْتَغْفِرُ كلٌّ منهُمُ [الله] كلَّ يومٍ خمسًا وعشرينَ مرَّةً؛ لم يَهْلِكوا بعذابٍ عامٍّ (٤). والآثارُ في هذا المعنى كثيرةٌ جدًّا. • وقد رُوِيَ في صيامِ النَّبيِّ ﷺ شعبانَ معنًى آخرَ، وهوَ أنَّهُ تُنْسَخُ فيهِ الآجالُ. فرُوِيَ بإسناد فيهِ ضعفٌ عن عائِشَةَ؛ قالَتْ: كانَ أكثرُ صيامِ النَّبيِّ ﷺ في شعبانَ، فقُلْتُ: يا رسولَ اللهِ! أرَى أكثرَ صيامِكَ في شعبانَ. قالَ: "إنَّ هذا الشَّهرَ يُكْتَبُ فيهِ لملَكِ

стр. 312

الموتِ مَن تقْبِضُ، فأنا لا أُحِبُّ أنْ يُنْسَخَ اسمي إلَّا وأنا صائمٌ" (١). وقد رُوِيَ مرسلًا، وقيلَ: إنَّهُ أصحُّ. وفي حديثٍ آخرَ مرسلِ: "تُقْطَعُ الآجالُ مِن شعبانَ إلى شعبانَ، حتَّى إن الرَّجلَ لَيَنْكِحُ ويولَدُ لهُ ولقدْ خَرَجَ اسمُهُ في الموتى" (٢). • ورُوِيَ في ذلكَ معنًى آخرُ، وهوَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ وقد رُوِيَ مرسلًا، كانَ يَصومُ مِن كلِّ شهرٍ ثلاثةَ أيَّامٍ، وربَّما أخَّرَ ذلكَ حتَّى يَصومَ شعبانَ (٣). رَواهُ: ابنُ أبي لَيْلى، عن أخيهِ عيسى، عن أبيهِما، عن عائِشَةَ. خَرَّجَهُ الطبَرانِى. ورَواهُ غيرُهُ وزادَ: قالَتْ عائِشَةُ: فربَّما أرَدْتُ أنْ أصومَ فلم أُطِقْ، حتَّى إذا [صامَ] صُمْتُ معَهُ (٤). وقد يُشْكِلُ على هذا ما في "صحيح مسلم" (٥) عن عائِشَةَ؛ قالَتْ: كانَ رسولُ اللهِ

стр. 313

- ﷺ يَصومُ ثلاثةَ أيَّامٍ مِن كلِّ شهرٍ، لا يُبالي مِن أيِّهِ كانَ. وفيهِ أيضًا (١) عنها؛ قالَتْ: ما عَلِمْتُهُ (تَعْني: النَّبيَّ ﷺ ) صامَ شهرًا كاملًا إلَّا رمضانَ، ولا أفْطَرَهُ كلَّهُ حتَّى يَصومَ منهُ، حتَّى مضى لسبيلِهِ. وقد يُجْمَعُ بينَهُما بأنَّهُ قد يَكونُ صومُهُ في بعضِ الشُّهورِ لا يَبْلُغُ ثلاثةَ أيَّامٍ، فيُكْمِلُ ما فاتَهُ مِن ذلكَ في شعبانَ، أو أنَّهُ كانَ يَصومُ مِن كل شهرٍ ثلاثةَ أيَّامٍ معَ الاثنينِ والخميسِ، فيُؤَخِّرُ الثلاثةَ خاصَّةً حتَّى يَقْضِيَها في شعبانَ معَ صومِهِ الاثنينِ والخميسَ. وبكلِّ حالٍ؛ [فـ]ـكانَ النَّبيُّ ﷺ عملُهُ ديمةٌ، وكانَ إذا فاتَهُ شيءٌ مِن نوافلِهِ قَضاهُ، كما [كانَ] يَقْضي ما فاتَهُ مِن سننِ الصَّلاةِ، وما فاتَهُ مِن قيامِ الليلِ قَضاهُ بالنَّهارِ. وكانَ إذا دَخَلَ شعبانُ وعليهِ بقيَّةٌ مِن صيامِ تطوُّعٍ لمْ يَصُمْهُ؛ قَضاهُ في شعبانَ حتَّى يَسْتكمِلَ نوافلَهُ بالصَّومِ قبلَ دخولِ رمضانَ (٢)، فكانَتْ عائِشَةُ حينئذٍ تَغْتَنِمُ قضاءَهُ لنوافلِهِ فتَقْضي ما عليها مِن فرضِ رمضانَ حينئذٍ لفطرِها فيهِ بالحيضِ، وكانَتْ في غيرِهِ مِن الشُّهورِ مشتغلةً بالنَّبيِّ ﷺ ؛ فإنَّ المرأةَ لا تَصومُ وبعلُها شاهدٌ إلَّا بإذنِهِ (٣). فمَن دَخَلَ عليهِ شعبانُ وقد بَقِيَ عليهِ مِن نوافلِ صيامِهِ في العامِ؛ اسْتُحِبَّ لهُ قضاؤُها فيهِ حتَّى يُكَمِّلَ نوافلَ صيامِهِ بينَ الرَّمضانينِ. ومَن كانَ عليهِ [شيءٌ] مِن قضاءِ رمضانَ؛ وَجَبَ عليهِ قضاؤُهُ معَ القدرةِ، ولا يَجوزُ لهُ تأْخيرُهُ إلى ما بعدَ رمضانَ آخرَ لغيرِ ضرورةٍ. فإنْ فَعَلَ ذلكَ وكانَ تأْخيرُهُ لعذرٍ مستمرٍّ بينَ الرَّمضانينِ؛ كانَ عليهِ قضاؤُهُ بعدَ رمضانَ الثَّاني ولا شيءَ عليهِ معَ القضاءِ. وإنْ كانَ ذلكَ لغيرِ عذرٍ: فقيلَ: يَقْضي ويُطْعِمُ معَ القضاءِ لكلِّ يومٍ مسكينًا، وهوَ قولُ مالِكٍ والشَّافِعِيِّ وأحْمَدَ اتِّباعًا لآثارٍ وَرَدَتْ بذلكَ. وقيلَ: يَقْضي ولا إطعامَ عليهِ، وهوَ

стр. 314

قولُ أبي حَنِيفَةَ. وقيلَ: يُطْعِمُ ولا يَقْضي، وهوَ ضعيفٌ (١)، • وقد قيلَ في صومِ شعبانَ معنًى آخرُ، وهوَ أن صيامَهُ كالتَّمرينِ على صيامِ رمضانَ، لئلَّا يَدْخُلَ في صيامِ رمضانَ على مشقَّةٍ وكلفةٍ، بل يَكونُ قد تَمَرَّنَ على الصِّيامِ واعْتادَهُ ووَجَدَ بصيامِ شعبانَ قبلَهُ حلاوةَ الصِّيامِ ولذَّتَهُ، فيَدْخُلُ في صيامِ رمضانَ بقوَّةٍ ونشاطٍ. ولمَّا كانَ شعبانُ كالمقدِّمةِ لرمضانَ؛ شُرِعَ فيهِ ما يُشْرَعُ في رمضانَ مِن الصِّيامِ وقراءةِ القرآنِ؛ لِيَحْصُلَ التَّأهُّبُ لِتَلَقِّي رمضان وتَرْتاضَ النُّفوسُ بذلكَ على طاعةِ الرَّحمنِ. رُوِّينا بإسنادٍ ضعيفٍ عن أنَسٍ، قالَ: كانَ المسلمونَ إذا دَخَلَ شعبانُ، أكَبُّوا على المصاحفِ يَقْرَؤونَها، وأخْرَجوا زكاةَ أموالِهِم، تقويةً للضَّعيفِ والمسكينِ على صيامِ رمضانَ (٢). وقالَ سَلَمَةُ بنُ كُهَيْلٍ: كانَ يُقالُ: شهرُ شعبانَ شهرُ القرَّاءِ. وكانَ حَبيبُ بنُ أبي ثابِتٍ إذا دَخَلَ شعبانُ قالَ: هذا شهرُ القرَّاءِ. وكانَ عَمْرُو بنُ قَيْسٍ المُلائِيُّ إذا دَخَلَ شعبانُ أغْلَقَ حانوتَهُ وتَفَرَّغَ لقراءةِ القرآنِ. قالَ الحَسَنُ بنُ سَهْلٍ: قالَ شعبانُ: يا ربِّ! جَعَلْتَني بينَ شهرينِ عظيمينِ فما لي؟ قالَ: جَعَلْتُ فيكَ قراءةَ القرآنِ. يا مَن فَرَّطَ في الأوقاتِ الشَّريفةِ وضَيَّعَها وأوْدَعَها الأعمالَ السَّيِّئةَ، وبئسَ ما اسْتَوْدَعَها! مَضى رَجَبٌ وما أحْسَنْتَ فيهِ … وهذا شَهْرُ شَعْبانَ المُبارَكْ

стр. 315

فَيا مَنْ ضَيَّعَ الأوْقاتَ جَهْلًا … بِحُرْمَتِها أفِقْ وَاحْذَرْ بَوارَكْ فَسَوْفَ تُفارِقُ اللَذَّاتِ قَهْرًا … وَيُخْلي المَوْتُ كَرْهًا مِنْكَ دارَكْ تَدارَكْ ما اسْتَطَعْتَ مِنَ الخَطايا … بِتَوْبَةِ مُخْلِصٍ وَاجْعَلْ مَدارَكْ عَلى طَلَبِ السَّلامَةِ مِنْ جَحِيمٍ … فَخَيْرُ ذوي الجَرائِمِ مَنْ تَدارَكْ المجلس الثاني في ذكر نصف شعبان خَرَّجَ الإمامُ أحْمَدُ وأبو داوودَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابنُ ماجَهْ وابنُ حِبَّانَ في "صحيحه" والحاكِمُ مِن حديثِ: العَلاءِ بن عَبْدِ الرَّحْمنِ، عن أبيهِ، عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "إذا انْتَصَفَ شعبانُ؛ فلا تَصوموا حتَّى رمضانَ" (١). وصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وغيرُهُ. • واخْتَلَفَ العلماءُ في صحَّةِ هذا الحديثِ ثمَّ في العملِ بهِ: • فأمَّا تصحيحُهُ؛ فصَحَّحَهُ غيرُ واحدٍ، منهُمُ التِّرْمِذِيُّ وابنُ حِبَّانَ والحاكِمُ والطَّحاوِيُّ وابنُ عَبْدِ البَرِّ، وتَكَلَّمَ فيهِ مَن هوَ أكبرُ مِن هؤلاءِ وأعلمُ وقالوا: هوَ حديثٌ

стр. 316

منكرٌ، منهُم عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ مَهْدِيٍّ والإمامُ أحْمَدُ وأبو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ والأثْرَمُ. وقالَ أحْمَدُ: لمْ يَرْوِ العلاءُ حديثًا أنكرَ منهُ. ورَدَّهُ بحديثِ "لا تَقَدَّموا رمضانَ بصومِ يومٍ أو يومينِ"؛ فإنَّ مفهومَهُ جوازُ التَّقدُّمِ بأكثرَ مِن يومينِ (١). وقالَ الأثْرَمُ: الأحاديثُ كلُّها تُخالِفُهُ. يُشيرُ إلى أحاديثِ صيامِ النَّبيِّ ﷺ شعبانَ كلَّهُ ووصلِهِ برمضانَ ونهيهِ عن التَّقدُّمِ على رمضانَ بيومينِ، فصارَ الحديثُ حينئذٍ شاذًّا مخالفًا للأحاديثِ الصَّحيحةِ. وقالَ الطَّحاوِيُّ: هوَ منسوخٌ. وحَكى الإجماعَ على تركِ العملِ بهِ. وأكثرُ العلماءِ على أنَّهُ لا يُعْمَلُ بهِ. وقد أخَذَ بهِ آخرونَ - منهُمُ الشَّافِعِي وأصحابُهُ - ونَهَوْا - عن ابتداءِ التَّطوُّعِ بالصِّيامِ بعدَ نصفِ شعبانَ لمَن ليسَ لهُ عادةٌ، ووافَقَهُم بعضُ المتأخرينَ مِن أصحابِنا. • ثمَّ اخْتَلَفوا في علَّةِ النَّهيِ: فمنهُم مَن قالَ: خشيةَ أنْ يُزادَ في صيامِ رمضانَ ما ليسَ منهُ. وهذا بعيدٌ جدًّا فيما بعدَ النِّصفِ، وإنَّما يُحْتَمَلُ هذا في التَّقدُّمِ بيومٍ أو يومينِ. ومنهُم مَن قالَ: النَّهيُ للتَّقوِّي على صيامِ رمضانَ شفقةَ أنْ يُضْعِفَهُ ذلكَ عن صيامِ رمضانَ. ورُوِيَ ذلكَ عن وَكيعٍ. ويَرُدُّ هذا صيامُ النَّبيِّ ﷺ شعبانَ كلَّهُ أو أكثرَهُ ووصلُهُ برمضانَ. هذا كلُّهُ في الصِّيامِ بعدَ نصفِ شعبانَ. • فأمَّا صيامُ يومِ النِّصفِ منهُ؛ فغيرُ منهيٍّ عنهُ؛ فإنَّهُ مِن جملةِ أيَّامِ البيضِ الغرِّ المندوبِ إلى صيامِها مِن كلِّ شهرٍ. وقد وَرَدَ الأمرُ بصيامِهِ مِن شعبانَ بخصوصِهِ؛ ففي "سنن ابن ماجَهْ" بإسنادٍ ضعيفٍ: عن عَلِيٍّ، عن النَّبيِّ ﷺ : "إذا كانَ ليلةُ نصفِ شعبانَ؛ فقوموا ليلَها، وصوموا نهارَها؛ فإنَّ الله تَعالى يَنْزِلُ فيها لغروبِ الشَّمسِ إلى السَّماءِ الدُّنيا فيَقولُ: ألا مستغفرٌ فأغْفِرَ لهُ، ألا مسترزقٌ فأرْزُقَهُ، ألا مبتلًى فأُعافِيَهُ، ألا كذا، ألا كذا، حتَّى يَطْلُعَ الفجرُ" (٢).

стр. 317

• وفي فضلِ ليلةِ نصفِ شعبانَ أحاديثُ أُخَرُ متعدِّدةٌ، وقدِ اخْتُلِفَ فيها، فضَعَّفَها الأكثرونَ، وصَحَّحَ ابنُ حِبَّانَ بعضَها وخَرَّجَهُ في "صحيحه". ومِن أمثلِها حديثُ عائِشَةَ؛ قالَتْ: فَقَدْتُ النَّبيَّ ﷺ ، فخَرَجْتُ، فإذا هوَ بالبقيعِ رافعٌ رأْسَهُ إلى السَّماءِ، فقالَ: "أكُنْتِ تخافينَ أنْ يَحيفَ اللهُ عليكِ ورسولُهُ؟ ". فقُلْت: يا رسولَ اللهِ! ظَنَنْتُ أنَّكَ أتَيْتَ بعضَ نسائِكَ. فقالَ: "إنَّ الله [تَبارَكَ و] تَعالى يَنْزِلُ ليلةَ النِّصفِ مِن شعبانَ إلى السَّماءِ الدُّنيا، فيَغْفِرُ لأكثرَ مِن عددِ شعرِ غنمِ كلبٍ" (١). خَرَّجَهُ

стр. 318

الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وابنُ ماجَهْ، وذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ عن البُخارِيِّ أنَّهُ ضَعَّفَهُ. وخَرَّجَ ابنُ ماجَهْ مِن حديثِ: أبي موسى، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "إنَّ الله لَيَطَّلعُ ليلةَ النِّصفِ مِن شعبانَ فيَغْفِرُ لجميعِ خلقِهِ؛ إلَّا لمشركٍ أو مشاحنٍ" (١).

стр. 319

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 320

وخرَّجَ الإمامُ أحْمَدُ مِن حديثِ: عَبْدِ اللهِ بن عَمْرٍو، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "إنَّ الله لَيَطَّلعُ إلى خلقِهِ ليلةَ النِّصفِ مِن شعبانَ، فيَغْفِرُ لعبادِهِ؛ إلَّا اثنينِ؛ مشاحنٌ أو قاتلُ نفسٍ" (١). وخَرَّجَهُ ابنُ حِبَّانَ في "صحيحه" مِن حديثِ معاذٍ مرفوعًا (٢).
следующие страницы →