← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1151

لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف - ت عامر

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (739 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

منكرٌ، منهُم عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ مَهْدِيٍّ والإمامُ أحْمَدُ وأبو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ والأثْرَمُ. وقالَ أحْمَدُ: لمْ يَرْوِ العلاءُ حديثًا أنكرَ منهُ. ورَدَّهُ بحديثِ "لا تَقَدَّموا رمضانَ بصومِ يومٍ أو يومينِ"؛ فإنَّ مفهومَهُ جوازُ التَّقدُّمِ بأكثرَ مِن يومينِ (١). وقالَ الأثْرَمُ: الأحاديثُ كلُّها تُخالِفُهُ. يُشيرُ إلى أحاديثِ صيامِ النَّبيِّ ﷺ شعبانَ كلَّهُ ووصلِهِ برمضانَ ونهيهِ عن التَّقدُّمِ على رمضانَ بيومينِ، فصارَ الحديثُ حينئذٍ شاذًّا مخالفًا للأحاديثِ الصَّحيحةِ. وقالَ الطَّحاوِيُّ: هوَ منسوخٌ. وحَكى الإجماعَ على تركِ العملِ بهِ. وأكثرُ العلماءِ على أنَّهُ لا يُعْمَلُ بهِ. وقد أخَذَ بهِ آخرونَ - منهُمُ الشَّافِعِي وأصحابُهُ - ونَهَوْا - عن ابتداءِ التَّطوُّعِ بالصِّيامِ بعدَ نصفِ شعبانَ لمَن ليسَ لهُ عادةٌ، ووافَقَهُم بعضُ المتأخرينَ مِن أصحابِنا. • ثمَّ اخْتَلَفوا في علَّةِ النَّهيِ: فمنهُم مَن قالَ: خشيةَ أنْ يُزادَ في صيامِ رمضانَ ما ليسَ منهُ. وهذا بعيدٌ جدًّا فيما بعدَ النِّصفِ، وإنَّما يُحْتَمَلُ هذا في التَّقدُّمِ بيومٍ أو يومينِ. ومنهُم مَن قالَ: النَّهيُ للتَّقوِّي على صيامِ رمضانَ شفقةَ أنْ يُضْعِفَهُ ذلكَ عن صيامِ رمضانَ. ورُوِيَ ذلكَ عن وَكيعٍ. ويَرُدُّ هذا صيامُ النَّبيِّ ﷺ شعبانَ كلَّهُ أو أكثرَهُ ووصلُهُ برمضانَ. هذا كلُّهُ في الصِّيامِ بعدَ نصفِ شعبانَ. • فأمَّا صيامُ يومِ النِّصفِ منهُ؛ فغيرُ منهيٍّ عنهُ؛ فإنَّهُ مِن جملةِ أيَّامِ البيضِ الغرِّ المندوبِ إلى صيامِها مِن كلِّ شهرٍ. وقد وَرَدَ الأمرُ بصيامِهِ مِن شعبانَ بخصوصِهِ؛ ففي "سنن ابن ماجَهْ" بإسنادٍ ضعيفٍ: عن عَلِيٍّ، عن النَّبيِّ ﷺ : "إذا كانَ ليلةُ نصفِ شعبانَ؛ فقوموا ليلَها، وصوموا نهارَها؛ فإنَّ الله تَعالى يَنْزِلُ فيها لغروبِ الشَّمسِ إلى السَّماءِ الدُّنيا فيَقولُ: ألا مستغفرٌ فأغْفِرَ لهُ، ألا مسترزقٌ فأرْزُقَهُ، ألا مبتلًى فأُعافِيَهُ، ألا كذا، ألا كذا، حتَّى يَطْلُعَ الفجرُ" (٢).

стр. 317

• وفي فضلِ ليلةِ نصفِ شعبانَ أحاديثُ أُخَرُ متعدِّدةٌ، وقدِ اخْتُلِفَ فيها، فضَعَّفَها الأكثرونَ، وصَحَّحَ ابنُ حِبَّانَ بعضَها وخَرَّجَهُ في "صحيحه". ومِن أمثلِها حديثُ عائِشَةَ؛ قالَتْ: فَقَدْتُ النَّبيَّ ﷺ ، فخَرَجْتُ، فإذا هوَ بالبقيعِ رافعٌ رأْسَهُ إلى السَّماءِ، فقالَ: "أكُنْتِ تخافينَ أنْ يَحيفَ اللهُ عليكِ ورسولُهُ؟ ". فقُلْت: يا رسولَ اللهِ! ظَنَنْتُ أنَّكَ أتَيْتَ بعضَ نسائِكَ. فقالَ: "إنَّ الله [تَبارَكَ و] تَعالى يَنْزِلُ ليلةَ النِّصفِ مِن شعبانَ إلى السَّماءِ الدُّنيا، فيَغْفِرُ لأكثرَ مِن عددِ شعرِ غنمِ كلبٍ" (١). خَرَّجَهُ

стр. 318

الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وابنُ ماجَهْ، وذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ عن البُخارِيِّ أنَّهُ ضَعَّفَهُ. وخَرَّجَ ابنُ ماجَهْ مِن حديثِ: أبي موسى، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "إنَّ الله لَيَطَّلعُ ليلةَ النِّصفِ مِن شعبانَ فيَغْفِرُ لجميعِ خلقِهِ؛ إلَّا لمشركٍ أو مشاحنٍ" (١).

стр. 319

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 320

وخرَّجَ الإمامُ أحْمَدُ مِن حديثِ: عَبْدِ اللهِ بن عَمْرٍو، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "إنَّ الله لَيَطَّلعُ إلى خلقِهِ ليلةَ النِّصفِ مِن شعبانَ، فيَغْفِرُ لعبادِهِ؛ إلَّا اثنينِ؛ مشاحنٌ أو قاتلُ نفسٍ" (١). وخَرَّجَهُ ابنُ حِبَّانَ في "صحيحه" مِن حديثِ معاذٍ مرفوعًا (٢).

стр. 321

ويُرْوى مِن حديثِ عُثْمانَ بن أبي العاصِ مرفوعًا: "إذا كانَ ليلةُ النِّصفِ مِن شعبانَ؛ نادى منادٍ: هل مِن مستغفرٍ فأغْفِرَ له؛ هل مِن سائلٍ فأُعْطِيَهُ؟ فلا يَسْألُ أحدٌ شيئًا إلَّا أُعْطيَهُ؛ إلَّا زانيةً بفرجِها أو مشركًا" (١). وفي البابِ أحاديثُ أُخرُ فيها ضعفٌ (٢). ويُرْوى عن نَوْفٍ البِكالِيِّ؛ أن عَلِيًّا ﵇ خَرَجَ ليلةَ النِّصفِ مِن شعبانَ، فأكثَرَ الخروجَ فيها يَنْظُرُ إلى السَّماءِ، فقالَ: إنَّ داوودَ ﵇ خَرَجَ ذاتَ ليلةٍ في مثلِ هذهِ السَّاعةِ، فنَظَرَ إلى السَّماءِ، فقالَ: إنَّ هذهِ السَّاعةَ ما دَعا الله أحدٌ إلَّا أجابَهُ، ولا اسْتَغْفَرَ [هُ] أحدٌ في هذهِ الليلةِ إلَّا غَفَرَ لهُ، ما لم يَكُنْ عشَّارًا أو ساحرًا أو شاعرًا أو كاهنًا أو عريفًا أو شرطيًّا أو جابيًا أو صاحبَ كوبةٍ أو عُرْطُبَةٍ (قالَ نَوْفٌ: الكوبَةُ الطَّبلُ، والعُرْطُبَةُ الطُّنبورُ). اللهمَّ! ربَّ داوودَ! اغْفِرْ لمَن دَعاكَ في هذهِ الليلةِ ولمَنِ اسْتَغْفَرَكَ فيها (٣).

стр. 322

• وليلةُ النِّصفِ مِن شعبانَ كانَ التَّابعونَ مِن أهلِ الشَّامِ كخالِدِ بن مَعْدانَ ومَكْحولٍ ولُقْمانَ بن عامِرٍ وغيرِهِم يُعَظِّمونَها ويَجْتَهِدونَ فيها في العبادةِ، وعنهُم أخَذَ النَّاسُ فضلَها وتعظيمَها، وقد قيلَ: إنَّهُ بَلَغَهُم في ذلكَ آثارٌ إسرائيليَّةٌ (١). فلمَّا اشْتَهَرَ ذلكَ عنهُم في البلدانِ؛ اخْتَلَفَ النَّاسُ في ذلكَ، فمنهُم مَن قَبِلَهُ منهُم ووافَقَهُم (٢) على تعظيمِها - منهُم طائفةٌ مِن عبَّادِ [أهلِ] البصرةِ وغيرِهِم -، وأنْكَرَ ذلكَ أكثرُ العلماءِ مِن أهلِ الحجازِ - منهُم عطاءٌ وابنُ أبي مُلَيْكَةَ، ونَقَلَهُ عَبْدُ الرَّحمنِ بنُ زَيْدِ بن أسْلَمَ عن فقهاءِ أهلِ المدينةِ، وهوَ قولُ أصحابِ مالِكٍ وغيرِهِم - وقالوا: ذلكَ كلُّهُ بدعةٌ. واخْتَلَفَ علماءُ أهلِ الشَّامِ في صفةِ إحيائِها على قولينِ: أحدُهُما: أنَّهُ يُسْتَحَبُّ إحياؤُها جماعة في المساجدِ، كانَ خالِدُ بنُ مَعْدانَ ولُقْمانُ بنُ عامِرٍ وغيرُهُما يَلْبَسونَ فيها أحسنَ ثيابِهِم ويَتبَخَّرونَ ويَكْتَحِلونَ ويَقومونَ في المسجدِ ليلتَهُم تلكَ، ووافَقَهُم إسْحاقُ بنُ راهَوَيْهِ على ذلكَ، وقالَ في قيامِها في المساجدِ جماعةً: ليسَ ذلكَ ببدعةٍ. نَقَلَهُ عنهُ حربٌ الكِرْمانِيُّ في "مسائلِهِ". والثَّاني: أنَّهُ يُكْرَهُ الاجتماعُ لها (٣) في المساجدِ للصَّلاةِ والقصصِ والدُّعاءِ، ولا يُكْرَهُ أنْ يُصَلِّيَ الرَّجلُ فيها بخاصَّةِ نفسِهِ. وهذا قولُ الأوزاعِيِّ إمامِ أهلِ الشَّامِ وفقيهِهِم [وعالمِهِم]. وهذا هوَ الأقربُ إنْ شاءَ اللهُ. وقد رُوِيَ عن عُمَرَ بن عَبْدِ العَزيزِ أنَّهُ كتَبَ إلى عاملِهِ بالبصرةِ: عليكَ بأربعِ ليالٍ مِن السَّنةِ؛ فإنَّ الله يُفْرِغُ فيهِنَّ الرَّحمةَ إفراغًا: أوَّلِ ليلةٍ مِن رجبٍ، وليلةِ النِّصفِ مِن شعبانَ، وليلةِ الفطرِ، وليلةِ الأضحى. وفي صحَّتِهِ عنهُ نظرٌ. وقالَ الشَّافِعِيُّ: بلَغَنا أن الدُّعاءَ يُسْتَجابُ في خمسِ ليالٍ: ليلةِ الجمعةِ، والعيدينِ، وأوَّلِ رجبٍ، ونصفِ شعبانَ. قالَ: وأسْتَحِبُّ كلَّ ما حَكَيْتُ في هذهِ

стр. 323

الليالي. ولا يُعْرَفُ للإمامِ أحْمَدَ كلامٌ في ليلةِ نصفِ شعبانَ. ويُخَرَّجُ في استحبابِ قيامِها عنهُ روايتانِ مِن الرِّوايتينِ عنهُ في قيامِ ليلةِ العيدِ؛ فإنَّهُ في روايةٍ لمْ يَسْتَحِبَّ قيامَها جماعةً لأنَّهُ لم يُنْقَلْ عن النَّبيِّ ﷺ وأصحابِهِ، واسْتَحَبَّها في روايةٍ لفعلِ عَبْدِ الرَّحمنِ بن الأسودِ بن يَزيدَ (١) لذلكَ، وهوَ مِن التَّابعينَ. فكذلكَ قيامُ ليلةِ النِّصفِ مِن شعبانَ لم يَثْبُتْ فيها شيءٌ عن النَّبيِّ ﷺ ولا عن أصحابهِ، وثَبَتَ فيها عن طائفةٍ من التَّابعينَ مِن أعيانِ فقهاءِ [أهلِ] الشَّامِ (٢). ورُوِيَ عن كعبٍ؛ قالَ: إنَّ الله تَعالى يَبْعَثُ ليلةَ النِّصفِ مِن شعبانَ جبريلَ ﵇ إلى الجنَّةِ، فيَأْمُرُها أنْ تَتَزَيَّنَ، ويَقولُ: إن الله قدْ أعْتَقَ في ليلتِكِ هذهِ عددَ نجومِ السَّماءِ وعددَ أيَّامِ الدُّنيا ولياليها وعددَ ورقِ الشَّجرِ وزِنَةَ الجبالِ وعددَ الرِّمالِ (٣). ورَوى سَعيدُ بنُ مَنْصورٍ: حَدَّثَنا أبو مَعْشَرٍ، عن أبي حازِمٍ ومُحَمَّدِ بن قَيْسٍ، عن

стр. 324

عَطاءِ بن يَسارٍ؛ قالَ: ما مِن ليلةٍ بعدَ ليلةِ القدرِ أفضلَ مِن ليلةِ نصفِ شعبانَ، يَنْزِلُ اللهُ إلى السَّماءِ الدُّنيا فيَغْفِرُ لعبادِهِ كلِّهِم إلَّا لمشركٍ أو مشاحنٍ أو قاطعِ رحمٍ. فيا مَن أُعْتِقَ فيها مِن النَّارِ! هنيئًا لكَ هذهِ المنحةُ الجسيمة. ويا أيُّها المردودُ فيها! جَبَرَ اللهُ مصيبتَكَ فإنَّها مصيبةٌ عظيمة. بَكَيْتُ عَلى نَفْسي وَحَقِّي أنْ أبْكي … وَما أنا مِنْ تَضْييعِ عُمْرِيَ في شَكِّ لَئِنْ قُلْتُ إنِّي في صَنيعِيَ مُحْسِنُ … فَإنِّيَ في قَوْلي لِذلِكَ ذو إفْكِ لَيالِيَ شَعْبانٍ ولَيْلَةُ نِصْفِهِ … بِأيَّةِ حالٍ قَدْ تُنَزَّلُ في صَكِّي (١) وحَقِّي [لَـ]ـعَمْرِي (٢) أنْ أُديمَ تَضَرُّعي … لَعَلَّ إلهَ الخَلْقِ يَسْمَحُ بِالفَكِّ • فيَنْبَغي للمؤمنِ أنْ يَتَفرَّغَ في تلكَ الليلةِ لذكرِ اللهِ تَعالى ودعائِهِ بغفرانِ الذُّنوبِ وسترِ العيوبِ وتفريجِ الكروبِ، وأنْ يُقَدَّمَ على ذلكَ التَّوبةَ؛ فإنَّ الله يَتوبُ فيها على مَن يَتوبُ. فَقُمْ لَيْلَةَ النِّصْفِ الشَّريفِ مُصَلِّيًا … فَأشْرَفُ هذا الشَهْرِ لَيْلَةُ نِصفِهِ فَكَمْ مِنْ فَتًى قَدْ باتَ في النِّصْفِ غافِلًا … وَقَدْ نُسِخَتْ فيهِ صَحيفَةُ حَتْفِهِ فبادِرْ بِفِعْلِ الخَيْرِ قَبْلَ انْقِضائِهِ … وحاذِرْ هُجومَ المَوْتِ فيهِ بِصَرْفِهِ وَصُمْ يَوْمَها لِلِهِ وَاعْظِمْ رَجاءَهُ (٣) … لِتَظْفَرَ عِنْدَ الكَرْبِ مِنْهُ بِلُطْفِهِ (٤) ويَتَعَيَّنُ على المسلمِ أنْ يَتَجَنَّبَ الذُّنوبَ التي تَمْنَعُ مِن المغفرةِ وقبولِ الدُّعاءِ في تلكَ الليلةِ. وقد رُوِيَ أنَّها: الشِّركُ، وقتلُ النَّفسِ، والزِّنى (٥) وهذهِ الثَّلاثةُ أعظمُ الذُّنوبِ عندَ اللهِ ، كما في حديثِ ابن مَسْعودٍ المتَّفقِ على صحَّتِهِ؛ أنَّهُ سَألَ

стр. 325

النَّبيَّ ﷺ : أيُّ الذَّنبِ أعظمُ؟ قالَ: "أن تَجْعَلَ للهِ ندًّا وهوَ خَلَقَكَ". قالَ: ثمَّ أيٌّ؟ قالَ: "أنْ تَقْتُلَ ولدَكَ خشيةَ أنْ يَطْعَمَ معَكَ". قالَ: ثمَّ أيٌّ؟ قالَ: "أنْ تُزانِيَ حليلةَ جارِكَ". فأنْزَلَ اللهُ تَعالى تصديقَ ذلكَ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ الآية [الفرقان: ٦٨] (١). ومِن الذُّنوبِ المانعةِ مِن المغفرةِ أيضًا الشَّحناءُ، وهيَ حقدُ المسلمِ على أخيهِ بغضًا لهُ لهوى نفسِهِ، وذلكَ يَمْنَعُ أيضًا مِن المغفرةِ في أكثرِ أوقاتِ المغفرةِ والرَّحمةِ، كما في "صحيحِ مسلم" (٢): عن أبي هُرَيْرَةَ مرفوعًا: "تُفْتَحُ أبوابُ الجنَّةِ يومَ الاثنينِ والخميسِ، فيُغْفرُ لكلِّ عبدٍ لا يُشْرِكُ باللهِ شيئًا؛ إلَّا رجلًا كانَتْ بينَهُ وبينَ أخيهِ شحناءُ، يُقالُ: أنْظِروا هذينِ حتَّى يَصْطَلِحا". وقد فَسَّرَ الأوْزاعِيُّ هذهِ الشَّحناءَ المانعةَ بالذي في قلبِهِ شحناءُ لأصحابِ النَّبيِّ ﷺ . ولا ريبَ أن هذهِ الشَّحناءَ أعظمُ جرمًا مِن مشاحنةِ الأقرانِ بعضِهِم بعضًا. وعنِ الأوْزاعِيِّ أنَّهُ قالَ: المشاحنُ كلُّ صاحبِ بدعةٍ فارَقَ عليهـ[ـا] الأُمَّةَ. وكذا قالَ ابنُ ثَوْبانَ: المشاحِنُ هوَ: التَّاركُ لسنَّةِ نبيِّهِ ﷺ ، الطَّاعنُ على أُمَّتِهِ، السَّافِكُ دماءَهُم (٣). وهذهِ الشَّحناءُ - أعْني: شحناءَ البدعةِ - توجِبُ الطعنَ على جماعةِ المسلمينَ واستحلالَ دمائِهِم وأموالِهِم وأعراضِهِم، كبدعِ الخوارجِ والرَّوافضِ ونحوِهِم. فأفضلُ الأعمالِ: سلامةُ الصَّدرِ مِن أنواعِ الشَّحناءِ كلِّها، وأفضلُها السَّلامةُ مِن شحناءِ أهلِ الأهواءِ والبدعِ التي تَقْتَضي الطَّعنَ على سلفِ الأُمَّةِ وبغضَهُم والحقدَ عليهِم واعتقادَ تكفيرِهِم أو تبديعِهِم وتضليلِهِم، ثمَّ يَلي ذلكَ سلامةُ القلبِ مِن الشَّحناءِ لعمومِ المسلمينَ وإرادةُ الخيرِ لهُم ونصيحتُهُم وأنْ يُحِبَّ لهُم ما يُحِبُّ لنفسِهِ.

стр. 326

وقد وَصَفَ اللهُ المؤمنينَ عمومًا بأنَّهُم يَقولونَ: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠]. وفي "المسند": عن أنَسٍ؛ أن النَّبيَّ ﷺ قالَ لأصحابِهِ ثلاثةَ أيَّامٍ: "يَطْلُعُ عليكُمُ الآنَ رجلٌ مِن أهلِ الجنَّةِ". فيَطَلُعُ رجلٌ واحدٌ. فاسْتَضافَهُ عَبْدُ اللهِ بنُ عَمْرٍو، فنامَ عندَهُ ثلاثًا لِيَنْظُرَ عملَهُ، فلم يَرَ لهُ في بيتِهِ كثيرَ عملٍ، فأخْبَرَهُ بالحالِ، فقالَ لهُ: هوَ ما تَرى؛ إلَّا أنِّي أبِيتُ وليسَ في قلبي شيءٌ على أحدٍ مِن المسلمينَ. فقالَ عَبْدُ اللهِ: بهذا بَلَغَ ما بَلَغَ (١). وفي "سنن ابن ماجَهْ": عن عَبْدِ اللهِ بن عَمْرٍو؛ قالَ: قيلَ: يا رسولَ اللهِ! أيُّ النَّاسِ أفضلُ؟ قالَ: " [كلُّ] مخمومِ القلبِ صدوقِ اللسانِ". قالوا: صدوقُ اللسانِ نَعْرِفُهُ، فما مخمومُ القلبِ؟ قالَ: "هوَ التَّقيُّ النَّقيُّ الذي لا إثمَ فيهِ ولا بغيَ ولا غلَّ ولا حسدَ" (٢). قالَ بعضُ السَّلفِ: أفضلُ الأعمالِ سلامةُ الصُّدورِ وسخاوةُ النُّفوسِ والنَّصيحةُ للأُمَّةِ. وبهذهِ الخصالِ بَلَغَ مَن بَلَغَ لا بكثرةِ الاجتهادِ في الصَّومِ والصَّلاةِ.

стр. 327

إخواني! اجْتَنِبوا الذُّنوبَ التي تَحْرِمُ العبدَ مغفرةَ مولاهُ الغفَّار في مواسمِ الرَّحمةِ والتَّوبةِ والاستغفار. أمَّا الشِّركُ؛ فإنَّهُ ﴿مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢]. وأمَّا القتلُ؛ فلوِ اجْتَمَعَ أهلُ السَّماواتِ و [أهلُ] الأرضِ على قتلِ رجلٍ مسلمٍ بغيرِ حقٍّ؛ لأكَبَّهُمُ اللهُ جميعًا في النَّار. وأمَّا الزِّنى؛ فحذارِ حذارِ مِن التَّعرُّضِ لسخطِ الجبَّار، الخلقُ كلُهُم عبيدُهُ وإماؤهُ واللهُ يَغار، لا أحدَ أغيرُ مِن اللهِ أنْ يَزْنِيَ عبدُهُ أو تَزْني أمَتُهُ فمِن أجلِ ذلكَ حَرَّمَ الفواحشَ وأمَرَ بغضِّ الأبصار. وأمَّا الشَّحناءُ؛ فيا مَن أضْمَرَ لأخيهِ السُّوءَ وقَصَدَ لهُ الإضرار! ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢]، يَكْفيكَ حرمانُ المغفرةِ في أوقاتِ مغفرةِ الأوزار. خابَ عَبْدٌ بارَزَ المَوْ … لَى بِأسْبابِ المَعاصي وَيْحَهُ مِمَّا جَناهُ … لَمْ يَخَفْ يَوْمَ القِصاصِ يَوْمَ فيهِ تَرْعَدُ الأقْـ … دامُ مِنْ شَيْبِ النَّواصي لي ذُنوبٌ في ازْدِيادٍ … وَحَياةٌ في انْتِقاصِ فَمَتى أعْمَلُ ما أعـ … لَمُ لي فيهِ خَلاصي وقد رُوِيَ عن عِكْرِمَةَ وغيرِهِ مِن المفسِّرينَ في قولِهِ تَعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤]؛ أنَّها ليلةُ نصفِ شعبانَ! والجمهورُ [على] أنَّها ليلةُ القدرِ. وهوَ الصَّحيحُ. وقالَ عَطاءُ بنُ يَسارٍ: إذا كانَ ليلةُ النِّصفِ مِن شعبانَ؛ دُفِعَ إلى ملَكِ الموتِ صحيفةٌ، فيُقالُ: اقْبِضْ روحَ مَن في هذهِ الصَّحيفةِ؛ فإنَّ العبدَ لَيَغْرِسُ الغراسَ ويَنْكِحُ الأزواجَ ويَبْني البُنيانَ وإنَّ اسمَهُ قد نُسِخَ في الموتى، ما يَنْتَظِرُ بهِ ملَكُ الموتِ إلَّا أنْ يُؤْمَرَ بهِ فيَقْبِضَهُ (١). يا مغرورًا بطولِ الأمل! يا مسرورًا بسوءِ العمل! كُنْ مِن الموتِ على وَجَل، فما

стр. 328

تَدْري متى يَهْجُمُ الأجل. كُلُّ امْرِئ مُصَبَّحٌ في أهْلِهِ … وَالمَوْتُ أدْنى مِن شِراكِ نَعْلِهِ قالَ بعضُ السَّلفِ: كم مِن مستقبلٍ يومًا لا يَسْتكمِلُه، ومِن مؤمِّلٍ غدًا لا يُدْرِكُه؛ إنَّكُم لو رَأيْتُمُ الأجلَ ومسيرَه لأبْغَضْتُمُ الأملَ وغرورَه. أُؤَمِّلُ أنْ أُخَلَّدَ وَالمَنايا … تَدورُ عَلَي مِنْ كُلِّ النَّواحي وَما أدْري وَإنْ أمْسَيْتُ يَوْمًا … لَعَلِّي لا أعِيشُ إلى الصَّباحِ كم ممَّن راحَ في طلبِ الدُّنيا أو غَدا أصْبَحَ مِن سكَّانِ القبورِ غدا. كَأنَّكَ بِالمُضِيِّ إلى سَبيلِكْ … وَقَدْ جَدَّ المُجَهِّزُ في رَحيلِكْ وَجيءَ بِغاسِلٍ فَاسْتَعْجَلوهُ … بِقَوْلِهِمُ لَهُ افْرَغْ مِن غَسيلِكْ وَلَمْ تَحْمِلْ سِوى كَفنٍ وَقُطْنٍ … إلَيْهِـ[ـمْ] مِنْ كَثيرِكَ أوْ قَليلِكْ وَقَدْ مَدَّ الرِّجالُ إلَيْكَ نَعْشًا … فَأنْتَ عَلَيْهِ مَمْدودٌ بِطولِكْ وَصَلَّوْا لمَّ إنَّهُمُ تَداعَوْا … لِحَمْلِكَ (١) في بُكورِكَ أو أصيلِكْ فَلَمَّا أسْلَموكَ نَزَلْتَ قَبْرًا … وَمَنْ لَكَ بِالسَّلامَةِ في نُزولِكْ (٢) أعانَكَ يَومَ تَدْخُلُهُ رَحيمٌ … رَؤوفٌ بِالعِبادِ عَلى دُخولِكْ فَسَوْفَ تُجاوِرُ المَوْتى طَويلًا … فَذَرْني مِنْ قَصيرِكَ أو طَويلِكْ أخِي ها قَدْ (٣) نَصَحْتُكَ فاسْتَمعْ لي … وَبِاللهِ اسْتَعَنْتُ عَلى قَبولِكْ ألَسْتَ تَرى المَنايا كُلَّ حينٍ … تُصيبُكَ في أخيكَ وفي خَليلِكْ المجلس الثالث في صيام آخر شعبان في الصَّحيحينِ (٤) عن عِمْرانَ بن حُصَيْنٍ؛ أن النَّبيَّ ﷺ قالَ لرجل: "هل صُمْتَ

стр. 329

مِن سَرَرِ هذا الشَّهرِ شيئًا؟ ". قالَ: لا. قالَ: "فإذا أفْطَرْتَ فصُمْ يومينِ". وفي روايةٍ للبُخارِيِّ: أظُنُّهُ يَعْني رمضانَ (١). وفي رواية لمسلمٍ وعَلَّقَها البُخارِيُّ: "هل صُمْتَ مِن سَرَرِ شعبانَ شيئًا؟ ". وفي روايةٍ: "فإذا أفْطَرْتَ مِن رمضانَ؛ فصُمْ يومينِ مكانَهُ". وفي روايةٍ: يومًا أو يومينِ. شَكَّ شُعْبَةُ (٢). ورُوِيَ: "مِن سِرارِ [هذا] الشَّهرِ" (٣). • وقدِ اخْتُلِفَ في تفسيرِ السِّرارِ: * والمشهورُ أنَّهُ آخرُ الشَّهرِ، يُقالُ: سِرارُ الشَّهرِ وسَرارُهُ؛ بكسرِ السِّينِ وفتحِها، ذَكَرَهُ ابنُ السِّكِّيتِ وغيرُهُ. وقيلَ: إنَّ الفتحَ أفصحُ. قالَهُ الفَرَّاءُ. وسُمِّيَ آخرُ الشَّهرِ سِرارًا لاستسرارِ القمرِ فيهِ. وممَّن فَسَّرَ السِّرارَ بآخرِ الشَّهرِ أبو عُبَيْدٍ وغيرُهُ مِن الأئمَّةِ. وكذلكَ بَوَّبَ عليهِ البُخارِيُّ صيامَ آخرِ الشَّهرِ. وأشْكَلَ هذا على كثيرٍ مِن العلماءِ؛ فإنَّ في الصَّحيحينِ أيضًا (٤): عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ [قالَ]: "لا تَقَدموا رَمضانَ بيومٍ أو يومينِ؛ إلَّا مَن كانَ يَصومُ صومًا فلْيَصُمْهُ". فقالَ كثيرٌ مِن العلماءِ - كأبي عُبَيْدٍ ومَن تابَعَهُ كالخَطَّابِيِّ وأكثرِ شرَّاحِ الحديثِ -: إنَّ هذا الرَّجلَ الذي سَألَهُ النَّبيُّ ﷺ كانَ يَعْلَمُ أن لهُ عادةً بصيامِهِ أو كانَ قد نَذَرَهُ، فلذلكَ أمَرَهُ بقضائِهِ (٥). وقالَتْ طائفةٌ: حديثُ عِمْرانَ يَدُلُّ على أنَّهُ يَجوزُ صيامُ يومِ الشَّكِّ وآخرِ شعبانَ مطلقًا، سواءٌ وافَقَ عادةً أو لم يُوافِقْ، وإنَّما يُنْهى عنهُ إذا صامَهُ بنيَّةِ الرَّمضانيَّةِ احتياطًا.

стр. 330

وهذا مذهبُ مالِكٍ، وذَكَرَ أنَّهُ القولُ الذي أدْرَكَ عليهِ أهلَ العلمِ، حتَّى قالَ مُحَمَّدُ بنُ مَسْلَمَةَ مِن أصحابِهِ: يُكْرَهُ الأمرُ بفطرِهِ؛ لئلَّا يُعْتَقَدَ وجوبُ الفطرِ قبلَ الشَّهرِ كما وَجَبَ بعدَهُ، وحَكى ابنُ عَبْدِ البَرِّ هذا القولَ عن أكثرِ علماءِ الأمصارِ. وذَكَرَ مُحَمَّدُ بنُ ناصِرٍ الحافظُ أن هذا هوَ مذهبُ أحْمَدَ أيضًا، وغُلِّطَ في نقلِهِ هذا عن أحْمَدَ. ولكنْ يُشْكِلُ على هذا حديثُ أبي هُرَيْرَةَ وقولُهُ: "إلَّا مَن كانَ يَصومُ صومًا فَلْيَصُمْهُ" (١). وقد ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ في كتابِهِ "مختلف الحديث" احتمالًا في معنى قولِهِ "إلَّا مَن كانَ يَصومُ صومًا فَلْيَصُمْهُ" وفي روايةٍ "إلَّا أنْ يُوافِقَ ذلكَ صومًا كانَ يَصومُهُ أحدُكُم": أن المرادَ بموافقةِ العادةِ صيامُهُ على عادةِ النَّاسِ في التَّطوُّعِ بالصِّيامِ دونَ صيامِهِ بنيَّةِ الرَّمضانيَّةِ للاحتياطِ (٢). * وقالَتْ طائفةٌ: سرُّ الشَّهرِ؛ أوَّلُهُ. وخَرَّجَ أبو داوودَ في بابِ تقدُّمِ رمضانَ (٣) مِن حديثِ مُعاوِيَةَ، أنَّهُ قالَ: إنِّي متقدِّمٌ الشَّهرَ، فمَن شاءَ فَلْيَتَقَدَّمْ. فسُئِلَ عن ذلكَ، فقالَ: سَمِعْتُ النَّبي ﷺ يَقولُ: "صوموا الشَّهرَ وسرَّهُ" (٤). ثمَّ حَكى أبو داوودَ عن الأوْزاعِيِّ وسَعيدِ بن عَبْدِ العَزيزِ أن سرَّ الشَّهرِ أوَّلُهُ. قالَ أبو داوودَ: وقالَ بعضُهُم: سرُّهُ وسطُهُ.

стр. 331

* وفَرَّقَ الأزْهَرِيُّ بينَ سِرارِ الشَّهرِ وسِرِّهِ، فقالَ: سَرارُهُ وسَرَرُهُ آخرُهُ، وسِرُّهُ وسطُهُ، وهيَ أيَّامُ البيضِ، وسرُّ كلِّ شيءٍ جوفُهُ. وفي روايةٍ لمسلمٍ في حديثِ عِمْرانَ بن حُصَيْنٍ المذكورِ: "هل صُمْتَ مِن سُرَّةِ (١) هذا الشَّهرِ"، وفُسِّرَ ذلكَ بالأيَّامِ البيضِ. قُلْتُ: لا يَصِحُّ أنْ يُفَسَّرَ سِررُ الشَّهرِ وسَرارُهُ بأوَّلِهِ؛ لأنَّ أوَّلَ الشَّهرِ يَشْتَهِرُ فيهِ الهلالُ ويُرَى مِن أوَّلِ الليلِ، ولذلكَ سُمِّيَ الشَّهرُ شهرًا؛ لاشتهارِهِ وظهورِهِ. فتسميةُ ليالي الاشتهارِ لياليَ السِّرارِ قلبٌ للُّغةِ والعرفِ. وقد أنْكَرَ العلماءُ ما حَكاهُ أبو داوودَ عن الأوْزاعِيِّ، منهُمُ الخَطَّابِيُّ، ورَوى بإسنادِهِ عن الوَليدِ عن الأوْزاعِيِّ؛ قالَ: سِرُّ الشَّهرِ آخرُهُ. وقالَ الهَرَوِيُّ: المعروفُ أن سِرَّ الشَّهرِ آخرُهُ. وفَسَّرَ الخَطَّابِيُّ حديثَ مُعاوِيَةَ "صوموا الشَّهرَ وسِرَّهُ" بأنَّ المرادَ بالشَّهرِ الهلالُ، فيَكونُ المعنى: صوموا أوَّلَ الشَّهرِ وآخرَهُ، فلذلكَ أمَرَ مُعاوِيَةَ بصومِ آخرِ الشَّهرِ. قُلْتُ: لمَّا رَوى مُعاوِيَةُ "صوموا الشَّهرَ وسِرَّهُ" وصامَ آخرَ الشَّهرِ؛ عُلِمَ أنَّهُ فَسَّرَ السرَّ بالآخرِ. والأظهرُ أن المرادَ بالشَّهرِ شهرُ رمضانَ كلِّهِ، والمرادُ بسِرِّهِ آخرُ شعبانَ، كما في روايةِ البُخارِيِّ في حديثِ عِمْرانَ: "أظُنُّهُ يَعْني رمضانَ". وأضافَ السِّرَّ إلى رمضانَ وإنْ لمْ يَكُنْ منهُ، كما سُمِّيَ رمضانُ شهرَ عيدٍ وإنْ كانَ العيدُ ليسَ منهُ لكنَّهُ يَعْقُبُهُ. فدَلَّ حديثُ عِمْرانَ وحديثُ مُعاوِيَةَ على استحبابِ صيامِ آخرِ شعبانَ (٢). • وإنَّما أمَرَ بقضائِهِ في أوَّل شوَّالٍ؛ لأنَّ كلًّا مِن الوقتينِ صيامٌ يَلي شهرَ رمضانَ،

стр. 332

فهوَ ملتحِقٌ برمضانَ في الفضلِ، فمَن فاتَهُ ما قبلَهُ، صامَهُ فيما بعدَهُ (١)، كما كانَ النَّبيُّ ﷺ يَصومُ شعبانَ ونَدَبَ إلى صيامِ شوَّالٍ. • وإنَّما يُشْكِلُ على هذا حديثُ أبي هُرَيْرَةَ في نهي النَّبيِّ ﷺ عن تقدُّمِ رمضانَ بيومٍ أو يومينِ إلَّا مَن لهُ عادةٌ أو مَن كانَ يَصومُ صومًا. وأَكثرُ العلماءِ على أنَّهُ نَهى عن التَّقدُّمِ إلَّا مَن كانَتْ لهُ عادة بالتَّطوُّعِ فيهِ، وهوَ ظاهرُ الحديثِ. ولم يَذْكُرْ أكثرُ العلماءِ في تفسيرِهِ بذلكَ اختلافًا، وهوَ الذي اخْتارَهُ الشَّافِعِيُّ في تفسيرِهِ، ولم يُرَجِّحْ ذلكَ الاحتمالَ المتقدِّمَ. وعلى هذا؛ فيُرَجَّحُ حديثُ أبي هُرَيْرَةَ على حديثِ عِمْرانَ؛ فإنَّ حديثَ أبي هُرَيْرَةَ فيهِ نهيٌ عامٌّ للأمَّةِ عمومًا، فهوَ تشريعٌ عامٌّ للأُمَّةِ، فيُعْمَلُ بهِ. وأمَّا حديثُ عِمْرانَ، فهيَ قضيَّةُ عينٍ في حقِّ رجلٍ معيَّنٍ، فيَتَعَيَّنُ حملُهُ على صورةِ صيامٍ لا يُنْهى عن التَّقدُّمِ بهِ جمعًا بينَ الحديثينِ. وأحسنُ ما حُمِلَ عليهِ أن هذا الرَّجلَ الذي سَألَهُ النَّبيُّ ﷺ كانَ قد عَلِمَ منهُ ﷺ أنَّهُ كانَ يَصومُ شعبانَ أو أكثرَهُ موافقةً لصيامِ النَّبيِّ ﷺ ، وكانَ قد أفْطَرَ فيهِ بعضَهُ (٢)، فسَألَهُ عن صيامِ آخرِهِ، فلمَّا أخْبَرَهُ أنَّهُ لمْ يَصُمْ آخرَهُ؛ أمَرَهُ بأنْ يَصومَ بدلَهُ بعدَ يومِ الفطرِ، لأنَّ صيامَ أوَّلِ سوَّالٍ كصيامِ آخرِ شعبانَ، وكلاهُما حريمٌ لرمضانَ. • وفيهِ دليلٌ على استحبابِ قضاءِ ما فاتَ مِن التَّطوُّعِ بالصِّيامِ، وأنْ يَكونَ في أيَّامٍ مشابهةٍ للأيَّامِ التي فاتَ فيها الصِّيامُ في الفضلِ (٣). • وفيهِ دليلٌ على أنَّهُ يَجوزُ لمَن صامَ شعبانَ أو أكثرَهُ أنْ يَصِلَهُ برمضانَ مِن غيرِ فصلٍ بينَهُما. فصيامُ آخرِ شعبانَ لهُ ثلاثةُ أحوالٍ:

стр. 333

• أحدُها: أنْ يَصومَهُ بنيَّةِ الرَّمضانيَّةِ احتياطًا لرمضانَ. فهذا منهيٌّ عنهُ. وقد فَعَلَهُ بعضُ الصَّحابةِ، وكأنَّهُم لمْ يَبْلُغْهُمُ النَّهيُ عنهُ. وفَرَّقَ ابنُ عُمَرَ بينَ يومِ الغيمِ والصَّحوِ في يومِ الثَّلاثينَ مِن شعبانَ، وتَبِعَهُ الإمامُ أحْمَدُ (١). • والثَّاني: أن يُصامَ بنيَّةِ النَّذرِ أو قضاءً عن رمضانَ أو عن كفارةٍ ونحوِ ذلكَ: فجَوَّزَهُ الجمهورُ (٢). ونَهى عنهُ مَن أمَرَ بالفصلِ بينَ شعبانَ ورمضانَ بفطرِ يومٍ مطلقًا، وهم طائفةٌ مِن السَّلفِ. وحُكِيَ كراهتُهُ أيضًا عن أبي حَنيفَةَ والشَّافِعِيِّ، وفيهِ نظرٌ. • والثَّالثُ: أنْ يُصامَ بنيَّةِ التَّطوُّعِ المطلقِ. فكَرِهَهُ مَن أمَرَ بالفصلِ بينَ شعبانَ ورمضانَ بالفطرِ - ومنهُمُ الحَسَنُ - وإنْ وافَقَ صومًا كانَ يَصومُهُ، ورَخَّصَ فيهِ مالكٌ ومَن وافَقَهُ، وفَرَّقَ الشَّافِعِيُّ والأوزاعِيُّ وأحْمَدُ وغيرُهُم بينَ أنْ يُوافِقَ عادةً أو لا (٣). وكذلكَ يُفَرَّقُ [بينَ هذا و] (٤) بينَ مَن تَقَدَّمَ صيامَهُ بأكثرَ مِن يومينِ ووَصَلَهُ برمضانَ، فلا يُكْرَهُ أيضًا (٥)؛ إلَّا عندَ مَن كَرِهَ الابتداءَ بالتَّطوُّعِ بالصِّيامِ بعدَ نصفِ شعبانَ؛ فإنَّهُ يَنْهى عنهُ؛ إلَّا أنْ يَبْتَدِئَ الصِّيامَ قبلَ النِّصفِ ثمَّ يَصِلَهُ برمضانَ (٦). وفي الجملةِ؛ فحديثُ أبي هُرَيْرَةَ هوَ المعمولُ بهِ في هذا البابِ عندَ كثيرٍ مِن العلماءِ، وأنَّهُ يُكْرَهُ التَّقدُّمُ قبلَ رمضانَ بالتَّطوُّعِ بالصِّيامِ بيومٍ أو يومينِ لمَن ليسَ لهُ بهِ

стр. 334

عادةٌ ولا سَبَقَ منهُ صيام قبلَ ذلكَ في شعبانَ متَّصلًا بآخرِهِ. • ولكراهةِ التَّقدُّمِ ثلاثةُ معانٍ: * أحدُها: أنَّهُ على وجهِ الاحتياطِ لرمضانَ، فيُنْهى عن التَّقدُّمِ قبلَهُ؛ لئلَّا يُزادَ في صيامِ رمضانَ ما ليسَ منهُ كما نُهِيَ عن صيامِ يومِ العيدِ لهذا المعنى (١)، حذرًا ممَّا وَقَعَ فيهِ أهلُ الكتابِ في صيامِهِم، فزادوا فيهِ بآرائِهِم وأهوائِهِم. وخَرَّجَ الطَّبَرانِيُّ وغيرُهُ عن عائِشَةَ؛ قالَتْ: إن ناسًا كانوا يَتَقَدَّمونَ الشَّهرَ فيَصومونَ قبلَ النَّبيِّ ﷺ ، فأنْزَلَ اللهُ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١]. قالَتْ عائِشَةُ: إنَّما الصَّومُ صومُ النَّاسِ والفطرُ فطرُ النَّاسِ (٢). ومعَ هذا؛ فكانَ مِن السَّلفِ مَن يَتَقَدَّمُ للاحتياطِ، والحديثُ حجَّة عليهِ. ولهذا نُهِيَ عن صيامِ يومِ الشَّكِّ. قالَ عَمَّارٌ: مَن صامَهُ فقد عَصى أبا القاسِمِ ﷺ (٣).

стр. 335

ويومُ الشَّكِّ هوَ اليومُ الذي يُشَكُّ فيهِ هل هوَ مِن رمضانَ أو غيرِهِ، فكانَ مِن المتقدِّمينَ مَن يَصومُهُ احتياطًا، ورَخَّصَ فيهِ بعضُ الحنفيَّةِ للعلماءِ في أنفسِهِم خاصةً دونَ العامَّةِ (١) لئلَّا يَعْتَقِدوا وجوبَهُ بناءً على أصلِهِم في أن صومَ رمضانَ يُجْزِئُ بنيَّةِ الصِّيامِ المطلقِ والنَّفلِ، ويومُ الشَّكِّ هوَ الذي تَحَدَّثَ برؤيتِهِ مَن لمْ يُقْبَلْ قولُهُ. فأمَّا يومُ الغيمِ: فمِنَ العلماءِ مَن جَعَلَهُ يومَ شكٍّ ونَهى عن صيامِهِ، وهوَ قولُ الأكثرينَ. ومنهُم مَن صامَهُ احتياطًا، وهوَ قولُ ابن عُمَرَ، وكانَ الإمامُ أحْمَدُ يُتابِعُهُ على ذلكَ. وعنهُ في صيامِهِ ثلاثُ رواياتٍ مشهوراتٍ: ثالثُها: لا يُصامُ إلَّا معَ الإمامِ وجماعةِ المسلمينَ لئلَّا تقَعَ الافتئاتُ عليهِم والانفرادُ عنهُم. وقالَ إسْحاقُ: لا يُصامُ يومُ الغيمِ، ولكنْ يُتَصَبَّرُ بالأكلِ فيهِ إلى ضحوةِ النَّهارِ خشيةَ أنْ يُشْهَدَ برؤيتِهِ بخلافِ حالِ الصَّحوِ؛ فإنَّهُ يَأْكُلُ فيهِ مِن غدوةٍ (٢).

стр. 336

* والمعنى الثَّاني: الفصلُ بينَ صيامِ الفرضِ والنَّفلِ؛ فإن جنسَ الفصلِ بينَ الفرائضِ والنَّوافلِ مشروعٌ: ولهذا حَرُمَ صيامُ يومِ العيدِ. ونهى النَّبيُّ ﷺ أنْ توصَلَ صلاةٌ مفروضةٌ بصلاة حتَّى يُفْصَلَ بينَهُما بسلامٍ أو كلامٍ (١)، وخصوصًا سنَّةَ الفجرِ قبلَها؛ فإنَّهُ يُشْرَعُ الفصلُ بينَها وبينَ الفريضةِ، ولهذا يُشْرَعُ صلاتُها في البيتِ والاضطجاعُ بعدَها. ولمَّا رَأى النَّبيُّ ﷺ رجلًا يُصَلِّي وقد أُقيمَتْ صلاةُ الفجرِ؛ قالَ لهُ: "الصُّبحَ أربعًا" (٢). وفي "المسند"؛ أنَّهُ ﷺ قالَ: "افْصِلوا بينَها وبينَ المكتوبةِ ولا تَجْعَلوها كصلاةِ الظُّهرِ" (٣). وفي "سنن أبي داوود"؛ أن رجلًا صَلَّى معَ النَّبيِّ ﷺ ، فلمَّا سَلَّمَ قامَ يَشْفَعُ، فوَثَبَ إليهِ عُمَرُ، فأخَذَ بمنكبيهِ فهَزَّهُ ثمَّ قالَ: اجْلِسْ؛ فإنَّهُ لمْ يَهْلِكْ أهلُ الكتاب إلَّا أنَّهُ لم يَكُنْ لصلاتِهِم فصلٌ. فَرَفَعَ النَّبيُّ ﷺ بصرَهُ فقالَ: "أصابَ اللهُ بكَ يا ابنَ الخَطَّابِ" (٤).

стр. 337

ومَن عَلَّلَ بهذا؛ فمنهُم مَن كَرِهَ وصلَ صومِ شعبانَ برمضانَ مطلقًا. ورُوِيَ عن ابن عُمَرَ؛ قالَ: لو صُمْتُ الدَّهرَ كلَّهُ؛ لأفْطَرْتُ الذي بينَهُما. ورُوِيَ فيهِ حديثٌ مرفوعٌ لا يَصِحُّ. والجمهورُ على جوازِ صيامِ ما وافَقَ عادةً؛ لأنَّ الزِّيادةَ إنَّما تُخْشى إذا لمْ يُعْرَفْ سببُ الصِّيامِ. • والمعنى الثَّالثُ: أنَّهُ أمَرَ بذلكَ؛ للتَّقوِّي على صيامِ رمضانَ؛ فإنَّ مواصلةَ الصِّيامِ [قد] تُضْعِفُ عن صيامٍ الفرضِ، فإذا حَصَلَ الفطرُ قبلَهُ بيومٍ أو يومينِ؛ كانَ أقربَ إلى التَّقوِّي على صيامِ رمضان. وفي هذا التَّعليلِ نظرٌ؛ فإنَّهُ لا يُكْرَهُ التَّقدُّمُ بأكثرَ مِن ذلكَ (١)، ولا لمَن صامَ الشَّهرَ كلَّهُ، وهوَ أبلغُ في معنى الضَّعفِ، لكنَّ الفطرَ بنيَّةِ التَّقوِّي لصيامِ رمضانَ حسنٌ لمَن أضْعَفَهُ مواصلةُ الصِّيامِ، كما كانَ عَبْدُ اللهِ بنُ عَمْرِو بن العاصِ يَسْرُدُ الفطرَ أحيانًا ثمَّ يَسْرُدُ الصَّومَ لِيَتَقَوَّى بفطرِهِ على صومِهِ.

стр. 338

ومنهُ قولُ بعضِ الصَّحابةِ: إنِّي أحْتَسِبُ نومَتي كما أحْتَسِبُ قومَتي. وفي الحديثِ المرفوعِ: "الطَّاعمُ الشَّاكرُ كالصَّائمِ (١) الصَّابرِ" (٢). خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ

стр. 339

وغيرُهُ. • ولربَّما ظَنَّ بعضُ الجهَّالِ أن الفطرَ قبلَ رمضانَ يُرادُ بهِ اغتنامُ الأكلِ؛ لِتَأْخُذَ النُّفوسُ حظَّها مِن الشَّهواتِ قبلَ أنْ تُمْنَعَ مِن ذلكَ بالصِّيامِ، ولهذا يَقولونَ: هيَ أيَّامُ توديعٍ [لـ]ـلأكل، وتُسَمَّى تنحيسًا، واشتقاقُهُ مِن الأيَّامِ النَّحِساتِ. ومَن قالَ هوَ تنهيسٌ بالهاءِ فهوَ خطأٌ منهُ. ذَكَرَهُ ابنُ دُرُسْتَوَيْهِ النَّحويُّ، وذَكَرَ أن أصلَ ذلكَ متلقًّى مِن النَّصارى؛ فإنَّهُم يَفْعَلونَهُ عندَ قربِ صيامِهِم. وهذا كلُّهُ خطأٌ وجهلٌ ممَّن ظَنَّهُ. وربَّما لمْ يَقْتَصِرْ كثيرٌ منهُم على اغتنامِ الشَّهواتِ المباحةِ بل يَتَعَدَّى إلى المحرَّماتِ، وهذا هوَ الخسرانُ المبينُ. وأنْشَدَ بعضُهُم في المعنى: إذا العِشْرونَ مِنْ شَعْبانَ وَلَّتْ … فَواصِلْ شُرْبَ لَيْلِكَ بِالنَّهارِ وَلا تَشْرَبْ بِأقْداحٍ صِغارٍ … فَإنَّ الوَقْتَ ضاقَ عَلى الصِّغارِ وقال آخرُ (١):

стр. 340

جاءَ شَعْبانُ مُنْذِرًا بِالصِّيامِ … فاسْقِياني خمرًا بِماءِ الغَمامِ ومَن كانَتْ هذهِ حالُهُ؛ فالبهائمُ أعقلُ منهُ، ولهُ نصيبٌ مِن قولِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ الآيةَ [الأعراف: ١٧٩]. وربَّما تَكَرَّهَ كثيرٌ منهُم بصيامِ شهرِ رمضانَ، حتَّى إن بعضَ السُّفهاءِ مِن الشُّعراءِ كانَ يَسُبُّهُ. وكانَ للرَّشيدِ ابنٌ سفيهٌ، فقالَ مرَّةً: دَعانِيَ شَهْرُ الصَّوْمِ لا كانَ مِنْ شَهْرِ … وَلا صُمْتُ شَهْرًا بَعْدَهُ آخِرَ الدَّهْرِ فَلَوْ كانَ يُعْديني الأنامُ بِقُدْرَةٍ (١) … عَلى الشَّهْرِ لاسْتَعْدَيْتُ جَهْدي عَلى الشَّهْرِ فأخَذَهُ داءُ الصَّرْعِ، فكانَ يُصْرَعُ في كلِّ يومٍ مرَّاتٍ متعدِّدةً، وماتَ قبلَ أنْ يُدْرِكَهُ رمضانُ آخرُ. وهؤلاءِ السُّفهاءُ يَسْتَثْقِلونَ رمضانَ لاستثقالِهِمُ العباداتِ فيهِ مِن الصَّلاةِ والصِّيامِ. فكثيرٌ مِن هؤلاءِ الجهَّالِ لا يُصَلِّي إلَّا في رمضانَ إذا صامَ، وكثيرٌ منهُم لا يَجْتَنِبُ كبائرَ الذُّنوبِ إلَّا في رمضانَ، فيَطولُ عليهِ، ويَشُقُّ على نفسِهِ مفارقتُها لمألوفِها، فهوَ يَعُدُّ الأيَّامَ واللياليَ لِيَعودَ إلى المعصيةِ، وهؤلاءِ مصرُّونَ على ما فَعَلوا وهُم يَعْلَمونَ، فهُم هلكى، ومنهُم مَن لا يَصْبِرُ على المعاصي، فهوَ يواقِعُها في رمضانَ. وحكايةُ مُحَمَّدِ بن هارونَ البَلْخِيِّ مشهورةٌ قد رُوِيَتْ مِن وجوهٍ، وهوَ أنَّهُ كانَ مصرًّا على شربِ الخمرِ، فجاءَ في آخرِ يومٍ مِن شعبانَ وهوَ سكرانُ، فعاتَبَتْهُ أُمُّهُ وهيَ تَسْجُرُ تنُّورًا، فحَمَلَها فألْقاها في التَّنُّورِ فاحْتَرَقَتْ، وكانَ بعدَ ذلكَ قد تابَ وتَعَبَّدَ، فرُئِيَ لهُ في النَّومِ أن الله تَعالى قد غَفَرَ للحاجِّ كلِّهِم سواهُ. فمَن أرادَ اللهُ بهِ خيرًا حَبَّبَ إليهِ الإيمانَ وزَيَّنَهُ في قلبِهِ وكَرَّهَ إليهِ الكفرَ والفسوقَ والعصيانَ فصارَ مِن الرَّاشدينَ، ومَن أرادَ بهِ شرًّا خَلَّى بينَهُ وبينَ نفسِهِ فأتْبَعَهُ الشَّيطانُ (٢) فحَبَّبَ إليهِ الكفرَ والفسوقَ والعصيانَ فكانَ مِن الغاوينَ. الحذرَ الحذرَ مِن المعاصي! فكم سَلَبَتْ مِن نعم! وكم جَلَبَتْ مِن نقم! وكم

стр. 341

خَرَبَتْ مِن ديار! وكم أخْلَتْ ديارًا مِن أهلِها فما بَقِيَ منهُم ديَّار! كم أخَذَتْ مِن العصاةِ بالثَّار! كم مَحَتْ لهُم مِن آثار! يا صاحِبَ الذَّنْبِ لا تَأْمَنْ عَواقِبَهُ … عَواقِبُ الذَّنْبِ تُخْشى وَهْيَ تُنْتَظَرُ فَكُلُّ نَفْسٍ سَتُجْزى بِالَّذي كَسَبَتْ … وَلَيْسَ لِلْخَلْقِ مِن دَيَّانِهِمْ وَزَرُ (١) أينَ حالُ هؤلاءِ الحمقى مِن قومٍ كانَ دهرُهُم كلُّهُ رمضانَ؛ ليلُهُم قيامٌ ونهارُهُم صيامٌ؟! باعَ قومٌ مِن السَّلفِ جاريةً، فلمَّا قَرُبَ شهرُ رمضانَ؛ رَأتْهُمْ يَتَأهَّبونَ لهُ ويَسْتَعِدُّونَ بالأطعمةِ (٢) وغيرِها، فسَألَتْهُم، فقالوا: نَتَهَيأُ لصيامِ رمضانَ، فقا لَتْ: وأنتُم لا تَصومونَ إلَّا رمضانَ؟! لقد كُنْتُ عندَ قومٍ كلُّ زمانِهِم رمضانُ، رُدُّوني عليهِم. وباعَ الحَسَنُ بنُ صالِحٍ جاريةً لهُ، فلمَّا انْتَصَفَ الليلُ؛ قامَتْ فنادَتْهُم: يا أهلَ الدَّارِ! الصَّلاةَ الصَّلاةَ! قالوا: أطَلَعَ الفجرُ؟ قالَتْ: وأنتُم لا تُصَلُّونَ إلَّا المكتوبةَ؟! ثمَّ جاءَتْ إلى الحَسَنِ فقالَتْ: بِعْتَني على قومِ سوءٍ لا يُصَلُّونَ إلَّا الفرائضَ، رُدَّني رُدَّني. قال بعضُ السَّلفِ: صُمِ الدُّنيا واجْعَلْ فطرَكَ الموتَ. الدُّنيا كلُّها شهرُ صيامِ المتَّقينَ، يَصومونَ فيهِ عن الشَّهواتِ [المحرَّماتِ]، فإذا جاءَهُمُ الموتُ؛ فقدِ انْقَضى شهرُ صيامِهِم واسْتَهَلُّوا عيدَ فطرِهِم. وَقَدْ صُمْتُ عَنْ لَذَّاتِ دَهْرِيَ كُلِّها … وَيَوْمَ لِقاكُمْ ذاكَ فِطْرُ صِيامي مَن صامَ اليومَ عن شهواتِه؛ أفْطَرَ عليها بعدَ مماتِه، ومَن تَعَجَّلَ ما حُرمَ عليهِ قبلَ وفاتِه؛ عوقِبَ بحرمانِهِ في الآخرةِ وفواتِه. وشاهدُ ذلكَ: قولُهُ تَعالى: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ الآيةَ [الأحقاف: ٢٥]. وقولُ النَّبيِّ ﷺ : "مَن شَرِبَ الخمرَ في الدُّنيا؛ لمْ يَشْرَبْها في الآخرةِ" (٣)، و"مَن لَبِسَ الحريرَ في الدُّنيا؛ لمْ يَلْبَسْهُ في

стр. 342

الآخرةِ" (١). أنْتَ في دارِ شَتاتٍ … فَتَأهَّبْ لِشَتاتِكْ وَاجْعَلِ الدُّنْيا كَيَوْمٍ … صُمْتَهُ عَنْ شَهَواتِك وَلْيَكُنْ فِطْرُكَ عِنْدَ الـ … ـلهِ في يَوْمِ وَفاتِكْ في حديثٍ مرفوعٍ خَرَّجَهُ ابنُ أبي الدُّنيا: "لو يَعْلَمُ العبادُ ما في رمضانَ؛ لَتَمَنَّتْ أُمَّتي أنْ تَكونَ السَّنةُ كلُّها رمضانَ" (٢). • وكانَ النَّبيُّ ﷺ يُبَشِّرُ أصحابَهُ بقدومِ رمضانَ، كما خَرَّجَهُ الإمامُ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ عن أبي هُرَيْرَةَ؛ قالَ: كانَ النَّبيُّ ﷺ يُبَشِّرُ أصحابَهُ يَقولُ: "قد جاءَكُمْ شهرُ رمضانَ، شهرٌ مباركٌ، كَتَبَ اللهُ عليكُم صيامَهُ، تفْتَحُ فيهِ أبوابُ السَّماءِ، وتُغْلَقُ فيهِ

стр. 343

أبوابُ الجحيمِ، وتُغَلُّ فيهِ الشَّياطينُ، فيهِ ليلةٌ خيرٌ مِن ألفِ شهرٍ، مَن حُرِمَ خيرَها فقدْ حُرِمَ" (١). قالَ بعضُ العلماءِ: هذا الحديثُ أصلٌ في تهنئةِ النَّاسِ بعضِهِم بعضًا بشهرِ رمضانَ. كيفَ لا يُبَشَّرُ المؤمنُ بفتح أبوابِ الجنان؟! كيفَ لا يُبَشَّرُ المذنبُ بغلقِ أبوابِ النِّيران؟! كيفَ لا يُبَشَّرُ الغافلُ (٢) بوقتٍ يُغَلُّ فيهِ الشَّيطان؟! مِن أينَ يُشْبِهُ هذا الزَّمانَ زمان. وفي حديثٍ آخرَ: "أتاكُم رمضانُ سيِّدُ الشُهورِ؛ فمرحبًا بهِ وأهلًا" (٣). جاءَ شَهْرُ الصِّيامِ بِالبَرَكاتِ … فَأكْرِمْ بِهِ مِنْ زائِرٍ هُوَ آتِ [و] رُوِيَ أن النَّبيَّ ﷺ كانَ يَدْعو ببلوغِ رمضانَ، فكانَ إذا دَخَلَ شهرُ رجبٍ تقولُ: "اللهمَّ! بارِكْ لنا في رجبٍ وشعبانَ وبَلِّغْنا رمضانَ" (٤). خَرَّجَهُ الطَّبَرانِيُّ وغيرُهُ مِن حديثِ أنسٍ. وقالَ مُعَلَّى بنُ الفَضْلِ: كانوا يَدْعونَ الله ستَّةَ أشهرٍ أنْ يُبَلِّغَهُمْ رمضانَ، ثمَّ

стр. 344

يَدْعونَهُ ستَّةَ أشهرٍ أنْ يُتَقَبَّلَ منهُم. وقالَ يَحْيى بنُ أبي كَثيرٍ: كانَ مِن دعائِهِمُ: اللهمَّ! سَلِّمْني إلى رمضانَ، وسَلِّمْ لي رمضانَ، وتَسَلَّمْهُ منِّي متقبَّلًا. بلوغُ شهرِ رمضانَ وصيامُهُ نعمةٌ عظيمةٌ على مَن أقْدَرَهُ اللهُ عليهِ، ويَدُلُّ عليهِ حديثُ الثَّلاثةِ الذينَ اسْتُشْهِدَ اثنانِ منهُم ثمَّ ماتَ الثَّالثُ على فراشِهِ بعدَهُما، فرُئِيَ في المنامِ سابقًا لهُما، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : "أليسَ صَلَّى بعدَهُما كذا وكذا صلاةً وَأدْرَكَ رمضانَ فصامَهُ؟ فوالذي نفسي بيدِهِ؛ إنَّ بينَهُما لأبعدَ ممَّا بينَ السَّماءِ والأرضِ" (١).

стр. 345

خَرَّجَهُ الإمامُ أحْمَدُ وغيرُهُ. مَن رُحِمَ في شهرِ رمضانَ فهوَ المرحوم، ومَن حُرِمَ خيرَهُ فهوَ المحروم، ومَن لمْ يَتَزَوَّدْ فيهِ لِمَعادِ [هِ] فهوَ ملوم. أتى رَمضانُ مَزْرَعَةُ العِبادِ … لِتَطْهيرِ القُلوبِ مِنَ الفَسادِ فَأدِّ حُقوقَهُ قَوْلًا وَفِعْلًا … وَزادَكَ فَاتَّخِذْهُ إلى المعادِ (١) فَمَنْ زَرَعَ الحُبوبَ وَما سَقاها … تَأوَّهَ نادِمًا يَوْمَ الحَصادِ يا مَن طالَتْ غيبتُهُ عنَّا! قد قَرُبَتْ أيَّامُ المصالحة. يا مَن دامَتْ خسارتُهُ! قد أقْبَلَتْ أيامُ التِّجارةِ الرَّابحة. مَن لمْ يَرْبَحْ في هذا الشَّهرِ ففي أيِّ وقتٍ يَرْبَح؟! مَن لمْ يقْرُبْ فيهِ مِن مولاهُ فهوَ على بعدِهِ لا يَبْرَح. أُناسٌ أعْرَضوا عَنَّا … بِلا جُرْمٍ وَلا مَعْنى أساؤوا ظَنَّهُمْ فينا … فَهَلَّا أحْسَنوا الظَّنَّا فَإنْ عادوا لَنا عُدْنا … وَإنْ خانوا فَما خُنَّا

стр. 346

وَإنْ كانوا قَدِ اسْتَغْنَوْا … فَإنَّا عَنْهُمُ أغْنى كم يُنادى حَيَّ على الفلاحِ وأنْتَ خاسر! كم تُدْعى إلى الصَّلاحِ وأنتَ على الفسادِ مثابر! إذا رَمَضانُ أتى مُقْبِلًا … فَأقْبِلْ فَبِالخَيْرِ يُسْتَقْبَلُ لَعَلَّكَ تُخْطِئُهُ قابِلًا … وَتَأْتي بِعُذْرٍ فَلا يُقْبَلُ كم ممَّن أمَّلَ أنْ يَصومَ هذا الشَّهر فخانَهُ أملُهُ فصارَ قبلَهُ إلى ظلمةِ القبر! كم مِن مستقبلٍ يومًا لا يَسْتكْمِلُه ومؤمِّلٍ غدًا لا يُدْرِكُه! إنَّكم لو أبْصَرْتُمُ الأجلَ ومسيرَه؛ لأبْغَضْتُمُ الأملَ وغرورَه. خَطَبَ عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزيزِ آخرَ خطبةٍ خَطَبَها فقالَ فيها: إنَّكم لم تُخْلَقوا عبثًا، ولنْ تُتْرَكوا سدًى، وإنَّ لكُم معادًا يَنْزِلُ اللهُ فيهِ للفصلِ بينَ عبادِهِ، فقد خابَ وخَسِرَ مَن خَرَجَ مِن رحمةِ اللهِ التي وَسِعَتْ كلَّ شيءٍ وحُرِمَ جنَّةً عرضها السَّماواتُ والأرضُ. ألا تَرَوْن أنَّكم في أسلابِ الهالكينَ، وسَيَرِثُها بعدَكُمُ الباقونَ كذلكَ [حتَّى] تُرَدَّ إلى خيرِ الوارثينَ؟! وفي كلِّ يومٍ تُشَيِّعونَ غاديًا ورائحًا إلى اللهِ قد قَضى نحبَهُ وانْقَضى أجلُهُ، فتُوَدِّعونَهُ وتَدَعونَهُ في صدعٍ مِن الأرضِ غيرِ موسَّدٍ ولا ممهَّدٍ، قد خَلَعَ الأسبابَ وفارَق الأحبابَ وسَكَنَ التُّرابَ وواجَهَ الحسابَ، غنيًّا عمَّا خَلَّفَ فقيرًا إلى ما أسْلَفَ، فاتَّقوا الله عبادَ اللهِ قبلَ نزولِ الموتِ وانقضاءِ مواقيتِهِ، وإنِّي لأقولُ لكُم هذهِ المقالةَ وما أعْلَمُ عندَ أحدٍ مِن الذُّنوبِ أكثرَ ممَّا أعْلَمُ عندي، ولكنِّـ[ـي] أسْتَغْفِرُ الله وأتوبُ إليهِ. ثمَّ رَفَعَ طرفَ ردائِهِ وبَكى حتَّى شَهَقَ، ثمَّ نَزَلَ عن المنبرِ فما عادَ إلى المنبرِ بعدَها حتَّى ماتَ رحمةُ اللهِ عليهِ (١). يا ذا الذي ما كَفاهُ الذَّنْبُ في رَجَبٍ … حَتَّى عَصى رَبَّهُ في شَهْرِ شَعْبانِ لَقَدْ أظَلَّكَ شَهْرُ الصوْمِ بَعْدَهُما … فَلا تُصيِّرْهُ أيْضًا شَهْرَ عِصيانِ وَاتْلُ القُرَانَ وَسَبِّحْ فيهِ مُجْتَهِدًا … فَإنَّهُ شَهْرُ تَسْبيحٍ وَقُرْآنِ

стр. 347

وَاحْمِلْ عَلى جَسَدٍ تَرْجو النَّجاةَ لَهُ … فَسَوْفَ تُضْرَمُ أجْسامٌ بِنيرانِ كَمْ كُنْتَ تَعْرِفُ ممَّنْ صامَ في سَلَفٍ (١) … مِنْ بَيْنِ أهلٍ وجيرانٍ وَإخوانِ أفْناهُمُ المَوْتُ وَاسْتَبْقاكَ بَعْدَهُمُ … حَيًّا فَما أقْرَبَ القاصي مِنَ الدَّاني وَمُعْجَبٍ بثيابِ العيدِ يقْطَعُها … فَأصْبَحَتْ في غدٍ أثْوابَ أكْفانِ حَتَّى مَتى يَعْمُرُ الإنْسانُ مَسْكَنَهُ … مَصيرُ مَسْكَنِهِ قَبْرٌ لإنْسانِ * * *

стр. 348

وظائف شهر رمضان المعظم وفيه مجالس: المجلس الأول في فضل الصيام في الصَّحيحينِ (١): عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "كلُّ عملِ ابن آدَمَ لهُ؛ الحسنةُ بعشرِ أمثالِها إلى سبعِ مئةِ ضعفٍ. قالَ اللهُ : إلَّا الصِّيامَ؛ فإنَّهُ لي وأنا أجْزي بهِ. إنَّهُ تَرَكَ شهوتَهُ وطعامَهُ وشرابَهُ مِن أجلي. للصَّائمِ فرحتانِ: فرحةٌ عند فطرِهِ، وفرحةٌ عندَ لقاءِ ربِّهِ. ولَخُلوفُ فمِ الصَّائمِ عندَ اللهِ أطيَبُ مِن ريحِ المسكِ". وفي روايةٍ (٢): "كلُّ عملِ ابن آدَمَ لهُ إلَّا الصِّيامَ فإنَّهُ لي". وفي روايةٍ للبُخارِيِّ (٣): "لكلِّ عملٍ كفَّارةٌ، والصَّومُ لي وأنا أجْزي بهِ". وخَرَّجَهُ الإمامُ أحْمَدُ مِن هذا الوجهِ (٤) ولفظُهُ: "كلُّ عملِ ابن آدَمَ كفَّارةٌ؛ إلَّا الصَّومَ، والصَّومُ لي، وأنا أجْزي بهِ". • فعلى الرِّوايةِ الأُولى يَكونُ استثناءُ الصَّومِ مِن الأعمالِ المضاعفةِ، فتكونُ الأعمالُ كلُّها تُضاعَفُ بعشرِ أمثالِها إلى سبعِ مئةِ ضعفٍ؛ إلَّا الصِّيامَ؛ فإنَّهُ لا يَنْحَصِرُ تضعيفُهُ في هذا العددِ، بل يُضاعِفُهُ اللهُ أضعافًا كثيرةً بغيرِ حصرِ عددٍ:

стр. 349

* فإنَّ الصِّيامَ مِن الصَّبرِ، وقد قالَ اللهُ: ﴿إنَّما يُوَفَّى الصَّابِرونَ أجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]. ولهذا وَرَدَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّهُ سَمَّى شهرَ رمضانَ شهرَ الصَّبرِ (١). وفي حديثٍ آخرَ عنهُ ﷺ ؛ قالَ: "الصَّومُ نصفُ الصَّبرِ" (٢). خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ. والصَّبرُ ثلاثةُ أنواعٍ: صبرٌ على طاعةِ اللهِ ، وصبرٌ عن محارمِ اللهِ، وصبرٌ على أقدارِ اللهِ المؤلمةِ. وتَجْتَمعُ الثَّلاثةُ كلُّها في الصَّومِ؛ فإنَّ فيهِ صبرًا على طاعةِ اللهِ، وصبرًا عمَّا حَرَّمَ اللهُ على الصَّائمِ مِن الشَّهواتِ، وصبرًا على ما يَحْصُلُ للصَّائمِ [فيهِ] مِن ألمِ الجوعِ والعطشِ وضعفِ النَّفسِ والبدنِ. وهذا الألمُ النَّاشئ مِن أعمالِ الطَّاعاتِ يُثابُ عليهِ صاحبُهُ، كما قالَ تَعالى في المجاهدينَ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ

стр. 350

يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنينَ﴾ [التَّوبة: ١٢٠]. وفي حديثِ سَلْمانَ المرفوعِ الذي خَرَّجَهُ ابنُ خُزَيْمَةَ في "صحيحه" في فضلِ شهرِ رمضانَ: "وهوَ شهرُ الصَّبرِ، والصَّبرُ ثوابُهُ الجنَّةُ" (١). وفي الطَّبَرانِيِّ عن ابن عُمَرَ مرفوعًا: "الصِّيامُ للهِ، لا يَعْلَمُ ثوابَ عملِهِ إلَّا اللهُ " (٢). ورُوِيَ مرسلًا، وهوَ أصحَّ.

стр. 351

* واعْلَمْ أن مضاعفةَ الأجرِ للأعمالِ تكونُ بأسبابٍ: - منها: شرفُ المكانِ المعمولِ فيهِ ذلكَ العملُ، كالحرمِ. ولذلكَ تُضاعَفُ الصَّلاةُ في مسجدَي مَكَّةَ والمَدينَةِ، كما ثَبَتَ ذلكَ في الحديثِ الصَّحيحِ عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "صلاةٌ في مسجدي هذا خيرٌ مِن ألفِ صلاةٍ فيما سِواهُ مِن المساجدِ إلَّا المسجدَ الحرامَ" (١). وفي روايةٍ: "فإنَّهُ أفضلُ". وكذلكَ (٢) رُوِيَ أنَّ الصِّيامَ يُضاعَفُ بالحرمِ. وفي "سنن ابن ماجَهْ" بإسنادٍ ضعيفٍ عن ابن عَبَّاسٍ مرفوعًا: "مَن أدْرَكَ رمضانَ بمكَّةَ فصامَهُ وقامَ منهُ ما تَيَسَّرَ؛ كَتَبَ اللهُ لهُ مئةَ ألفِ شهرِ رمضانَ فيما سواهُ"، وذَكَرَ لهُ ثوابًا كثيرًا (٣). - ومنها: شرفُ الزَّمانِ، كشهرِ رمضانَ وعشرِ ذي الحجَّةِ. وفي حديثِ سَلْمانَ المرفوعِ الذي أشَرْنا إليهِ في فضلِ شهرِ رمضانَ: "مَن تَطَوَّعَ فيهِ بخصلةٍ مِن خصالِ الخيرِ؛ كانَ كمَن أدَّى فريضةً فيما سواهُ، ومَن أدَّى فيهِ فريضة؛ كانَ كمَن أدَّى سبعينَ فريضةً فيما سواهُ" (٤). وفي التِّرْمِذِيِّ عن أنَسٍ: سُئِلَ النَّبيُّ ﷺ : أيُّ الصَّدقةِ أفضلُ؟ قالَ: "الصَّدقةُ في

стр. 352

رمضانَ" (١). وفي الصَّحيحِ عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "عمرةٌ في رمضانَ تَعْدِلُ حجَّةً (أو قالَ: حجَّةً معي) " (٢). ووَرَدَ في حديثٍ آخرَ: "إنَّ عملَ الصَّائمِ مضاعَفٌ" (٣). وذَكَرَ أبو بكرِ بنُ أبي مَرْيَمَ عن أشياخِهِ؛ أنَّهُم كانوا يَقولونَ: إذا حَضَرَ شهرُ رمضانَ؛ فانْبَسِطوا فيهِ بالنَّفقةِ؛ فإنَّ النَّفقةَ فيهِ مضاعفةٌ كالنَّفقةِ في سبيلِ اللهِ، وتسبيحةٌ فيهِ أفضلُ مِن ألفِ تسبيحةٍ في غيرِهِ، [و] قالَ النَّخَعِيُّ: صومُ يومٍ مِن رمضانَ أفضلُ مِن ألفِ يومٍ، وتسبيحةٌ فيهِ أفضلُ مِن ألفِ تسبيحةٍ، وركعةٌ فيهِ أفضلُ مِن ألفِ ركعةٍ (٤).

стр. 353

فلمَّا كانَ الصِّيامُ في نفسِهِ مضاعفًا أجرُهُ بالنِّسبةِ إلى سائرِ الأعمالِ؛ كانَ صيامُ شهرِ رمضانَ مضاعفًا على سائرِ الصِّيامِ؛ لشرفِ زمانِهِ وكونِهِ هوَ الصَّومَ الذي فَرَضَهُ اللهُ على عبادِهِ، وجَعَلَ صيامَهُ أحدَ أركانِ الإسلامِ التي بُنِيَ الإسلامُ عليها. - وقد يُضاعَفُ الثَّوابُ بأسبابٍ أُخرَ منها: شرفُ العاملِ عندَ اللهِ وقربُهُ منهُ وكثرةُ تقواهُ، كما ضوعِفَ أجرُ هذهِ الأُمَّةِ على أُجورِ مَن قبلَهُم مِن الأُممِ وأُعْطُوا كفلينِ مِن الأجرِ. • وأمَّا على الرِّوايةِ الثانيةِ؛ فاستثناءُ الصِّيامِ مِن بين الأعمالِ يَرْجِعُ إلى أن سائرَ الأعمالِ للعبادِ والصِّيامُ اخْتَصَّهُ اللهُ لنفسِهِ مِن بين أعمالِ عبادِهِ وأضافَهُ إليهِ. وسَيَأْتي ذكرُ توجيهِ هذا الاختصاصِ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى. • وأمَّا [على] الرِّوايةِ الثَّالثةِ؛ فالاستثناءُ يَعودُ إلى التكفيرِ بالأعمالِ، ومِن أحسنِ ما قيلَ في معنى ذلكَ ما قالَهُ سُفْيانُ بنُ عُيَيْنَةَ ﵀؛ قالَ: هذا مِن أجودِ الأحاديثِ وأجلِّها، إذا كانَ يومُ القيامةِ؛ يُحاسِبُ اللهُ عبدَهُ، ويُؤَدِّي ما عليهِ مِن المظالمِ مِن سائرِ عملِهِ حتَّى لا يَبْقى إلَّا الصَّومُ، فيَتَحَمَّلُ اللهُ ما بَقِيَ عليهِ مِن المظالمِ ويُدْخِلُهُ بالصَّومِ الجنَّةَ. خَرَّجَهُ البَيْهَقِيُّ في "شعب الإيمان" وغيرُهُ. وعلى هذا فيَكونُ المعنى أن الصِّيامَ للهِ ، فلا سبيلَ لأحدٍ إلى أخذِ أجرِهِ مِن الصِّيامِ، بل أجرُهُ مدَّخرٌ لصاحبِهِ عندَ اللهِ . وحينئذٍ [فـ]ـقد يُقالُ: إنَّ سائرَ الأعمالِ [قد] يُكَفِّرُ بها اللهُ ذنوبَ صاحبِها فلا يَبْقى لها أجرٌ؛ فإنَّهُ رُوِيَ أنَّهُ يوازَنُ يومَ القيامةِ بينَ السَّيِّئاتِ والحسناتِ، ويُقَصُّ بعضُها مِن بعضٍ، فإنْ بَقِيَ مِن الحسناتِ حسنة؛ دَخَلَ بها صاحبُها الجنَّةَ. قالَهُ سَعيدُ بنُ جُبَيْرٍ وغيرُهُ، وفيهِ حديثٌ مرفوعٌ خَرَّجَهُ الحاكِمُ مِن حديثِ ابن عَبَّاسٍ مرفوعًا (١). فيُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ في الصَّومِ: إنَّهُ لا يَسْقُطُ ثوابُهُ بمقاصَّةٍ ولا غيرِها،

стр. 354

بل يُوَفَّرُ أجرُهُ لصاحبِهِ حتَّى يَدْخُلَ الجنَّةَ فيُوَفَّى أجرُهُ فيها (١). • وأمَّا قولُهُ: "فإنَّهُ لي"؛ فإن الله خَصَّ الصِّيامَ بإضافتِهِ إلى نفسِهِ دونَ سائرِ الأعمالِ، وقد كَثُرَ القولُ في معنى ذلكَ مِن الفقهاءِ والصُّوفيَّةِ وغيرِهِم، وذَكَروا فيهِ وجوهًا كثيرةً، ومِن أحسنِ ما ذُكِرَ فيهِ وجهانِ: * أحدُهُما: أن الصِّيامَ هوَ مجرَّدُ تركِ حظوظِ النَّفسِ وشهواتِها الأصليَّةِ التي جُبِلَتْ على الميلِ إليها للهِ ، ولا يوجَدُ ذلكَ في عبادةٍ أُخرى غيرِ الصِّيامِ: لأنَّ الإحرامَ إنَّما يُتْرَكُ فيهِ الجماعُ ودواعيهِ مِن الطِّيبِ دونَ سائرِ الشَّهواتِ مِن الأكلِ والشُّربِ. وكذلكَ الاعتكافُ معَ أنَّهُ تابعٌ للصَّومِ. وأمَّا الصَّلاةُ؛ فإنَّهُ وإنْ تَرَكَ المصلِّي فيها جميعَ الشَّهواتِ، إلَّا أن مدَّتَها لا تَطولُ، فلا يَجِدُ المصلِّي فقدَ الطَّعامِ والشَّرابِ في صلاتِهِ، بل قد نُهِيَ أنْ يُصَلِّيَ ونفسُهُ تَتوقُ إلى الطَّعامِ بحضرتِهِ حتَّى يَتَناوَلَ منهُ ما يُسَكِّنُ نفسَهُ. ولهذا أُمِرَ بتقديمِ العَشاءِ على الصَّلاةِ (٢). وذهَبَتْ طائفةٌ مِن العلماءِ إلى إباحةِ شربِ الماءِ في صلاةِ التَّطوُّعِ، وكانَ ابنُ الزُّبَيْرِ يَفْعَلُهُ في صلاتِهِ، وهوَ روايةٌ عن الإمامِ أحْمَدَ. وهذا بخلافِ الصِّيامِ؛ فإنَّهُ يَسْتَوْعِبُ النَّهارَ كلَّهُ، فيَجِدُ الصَّائمُ فقدَ هذهِ الشَّهواتِ، وتَتُوقُ نفسُهُ إليها، [و] خصوصًا في نهارِ الصَّيفِ؛ لشدَّةِ حرِّهِ وطولِهِ. ولهذا رُوِيَ أن مِن خصالِ الإيمانِ الصَّومَ في الصَّيفِ (٣).

стр. 355

وقد كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يَصومُ رمضانَ في السَّفرِ في شدَّةِ الحرِّ دونَ أصحابِهِ، كما قالَ أبو الدَّرْداءِ: كُنَّا معَ رسولِ اللهِ ﷺ في سفرٍ في رمضانَ، وأحدُنا يَضَعُ يدَهُ على رأْسِهِ مِن شدَّةِ الحرِّ، وما كانَ فينا صائمٌ إلَّا رسولَ اللهِ ﷺ وعَبْدَ اللهِ بنَ رَوَاحَةَ (١). وفي "الموطَّإ" أنَّهُ ﷺ كانَ بالعَرْجِ يَصُبُّ الماءَ على رأْسه وهوَ صائمٌ مِن العطشِ أو مِن الحرِّ (٢). فإذا اشْتَدَّ توقانُ النَّفسِ إلى ما تَشْتَهيهِ معَ قدرتِها عليهِ ثمَّ تَرَكَتْهُ للهِ في موضعٍ لا يَطَّلِعُ عليهِ إلَّا اللهُ، كانَ ذلكَ دليلًا على صحَّةِ الإيمانِ؛ فإنَّ الصَّائمَ يَعْلَمُ أن لهُ ربًّا يَطَّلعُ عليهِ في خلوتِهِ، وقد حَرَّمَ عليهِ أنْ يَتَناوَلَ شهواتِهِ المجبولَ على الميلِ إليها في الخلوةِ، فأطاعَ ربّهُ وامْتَثَلَ أمرَهُ واجْتَنَبَ نهيَهُ خوفًا مِن عقابِهِ ورغبةً في ثوابِهِ، فشَكَرَ اللهُ لهُ ذلكَ واخْتَصَّ لنفسِهِ عملَهُ هذا مِن بين سائرِ أعمالِهِ. ولهذا قالَ بعدَ ذلكَ: "إنَّهُ تَرَكَ شهوتَهُ وطعامَهُ وشرابَهُ مِن أجلي". قالَ بعضُ السَّلفِ: طوبى لمَن تَرَكَ شهوةً حاضرةً لموعدِ غيبٍ لمْ يَرَهُ. لمَّا عَلِمَ المؤمنُ الصَّائمُ أنَّ رضى مولاهُ في ترك شهواتِهِ، قَدَّمَ رضى مولاهُ على هواهُ، فصارَتْ لذَّتُهُ في تركِ شهوتِهِ لله - لإيمانِهِ باطِّلاع اللهِ [عليهِ] وثوابِهِ وعقابِهِ - أعظمَ مِن لذتِهِ في تناولِها في الخلوةِ، إيثارًا لرضى ربِّهِ على هوى نفسِهِ. بلِ المؤمنُ
следующие страницы →