← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1151

لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف - ت عامر

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (739 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

* واعْلَمْ أن مضاعفةَ الأجرِ للأعمالِ تكونُ بأسبابٍ: - منها: شرفُ المكانِ المعمولِ فيهِ ذلكَ العملُ، كالحرمِ. ولذلكَ تُضاعَفُ الصَّلاةُ في مسجدَي مَكَّةَ والمَدينَةِ، كما ثَبَتَ ذلكَ في الحديثِ الصَّحيحِ عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "صلاةٌ في مسجدي هذا خيرٌ مِن ألفِ صلاةٍ فيما سِواهُ مِن المساجدِ إلَّا المسجدَ الحرامَ" (١). وفي روايةٍ: "فإنَّهُ أفضلُ". وكذلكَ (٢) رُوِيَ أنَّ الصِّيامَ يُضاعَفُ بالحرمِ. وفي "سنن ابن ماجَهْ" بإسنادٍ ضعيفٍ عن ابن عَبَّاسٍ مرفوعًا: "مَن أدْرَكَ رمضانَ بمكَّةَ فصامَهُ وقامَ منهُ ما تَيَسَّرَ؛ كَتَبَ اللهُ لهُ مئةَ ألفِ شهرِ رمضانَ فيما سواهُ"، وذَكَرَ لهُ ثوابًا كثيرًا (٣). - ومنها: شرفُ الزَّمانِ، كشهرِ رمضانَ وعشرِ ذي الحجَّةِ. وفي حديثِ سَلْمانَ المرفوعِ الذي أشَرْنا إليهِ في فضلِ شهرِ رمضانَ: "مَن تَطَوَّعَ فيهِ بخصلةٍ مِن خصالِ الخيرِ؛ كانَ كمَن أدَّى فريضةً فيما سواهُ، ومَن أدَّى فيهِ فريضة؛ كانَ كمَن أدَّى سبعينَ فريضةً فيما سواهُ" (٤). وفي التِّرْمِذِيِّ عن أنَسٍ: سُئِلَ النَّبيُّ ﷺ : أيُّ الصَّدقةِ أفضلُ؟ قالَ: "الصَّدقةُ في

стр. 352

رمضانَ" (١). وفي الصَّحيحِ عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "عمرةٌ في رمضانَ تَعْدِلُ حجَّةً (أو قالَ: حجَّةً معي) " (٢). ووَرَدَ في حديثٍ آخرَ: "إنَّ عملَ الصَّائمِ مضاعَفٌ" (٣). وذَكَرَ أبو بكرِ بنُ أبي مَرْيَمَ عن أشياخِهِ؛ أنَّهُم كانوا يَقولونَ: إذا حَضَرَ شهرُ رمضانَ؛ فانْبَسِطوا فيهِ بالنَّفقةِ؛ فإنَّ النَّفقةَ فيهِ مضاعفةٌ كالنَّفقةِ في سبيلِ اللهِ، وتسبيحةٌ فيهِ أفضلُ مِن ألفِ تسبيحةٍ في غيرِهِ، [و] قالَ النَّخَعِيُّ: صومُ يومٍ مِن رمضانَ أفضلُ مِن ألفِ يومٍ، وتسبيحةٌ فيهِ أفضلُ مِن ألفِ تسبيحةٍ، وركعةٌ فيهِ أفضلُ مِن ألفِ ركعةٍ (٤).

стр. 353

فلمَّا كانَ الصِّيامُ في نفسِهِ مضاعفًا أجرُهُ بالنِّسبةِ إلى سائرِ الأعمالِ؛ كانَ صيامُ شهرِ رمضانَ مضاعفًا على سائرِ الصِّيامِ؛ لشرفِ زمانِهِ وكونِهِ هوَ الصَّومَ الذي فَرَضَهُ اللهُ على عبادِهِ، وجَعَلَ صيامَهُ أحدَ أركانِ الإسلامِ التي بُنِيَ الإسلامُ عليها. - وقد يُضاعَفُ الثَّوابُ بأسبابٍ أُخرَ منها: شرفُ العاملِ عندَ اللهِ وقربُهُ منهُ وكثرةُ تقواهُ، كما ضوعِفَ أجرُ هذهِ الأُمَّةِ على أُجورِ مَن قبلَهُم مِن الأُممِ وأُعْطُوا كفلينِ مِن الأجرِ. • وأمَّا على الرِّوايةِ الثانيةِ؛ فاستثناءُ الصِّيامِ مِن بين الأعمالِ يَرْجِعُ إلى أن سائرَ الأعمالِ للعبادِ والصِّيامُ اخْتَصَّهُ اللهُ لنفسِهِ مِن بين أعمالِ عبادِهِ وأضافَهُ إليهِ. وسَيَأْتي ذكرُ توجيهِ هذا الاختصاصِ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى. • وأمَّا [على] الرِّوايةِ الثَّالثةِ؛ فالاستثناءُ يَعودُ إلى التكفيرِ بالأعمالِ، ومِن أحسنِ ما قيلَ في معنى ذلكَ ما قالَهُ سُفْيانُ بنُ عُيَيْنَةَ ﵀؛ قالَ: هذا مِن أجودِ الأحاديثِ وأجلِّها، إذا كانَ يومُ القيامةِ؛ يُحاسِبُ اللهُ عبدَهُ، ويُؤَدِّي ما عليهِ مِن المظالمِ مِن سائرِ عملِهِ حتَّى لا يَبْقى إلَّا الصَّومُ، فيَتَحَمَّلُ اللهُ ما بَقِيَ عليهِ مِن المظالمِ ويُدْخِلُهُ بالصَّومِ الجنَّةَ. خَرَّجَهُ البَيْهَقِيُّ في "شعب الإيمان" وغيرُهُ. وعلى هذا فيَكونُ المعنى أن الصِّيامَ للهِ ، فلا سبيلَ لأحدٍ إلى أخذِ أجرِهِ مِن الصِّيامِ، بل أجرُهُ مدَّخرٌ لصاحبِهِ عندَ اللهِ . وحينئذٍ [فـ]ـقد يُقالُ: إنَّ سائرَ الأعمالِ [قد] يُكَفِّرُ بها اللهُ ذنوبَ صاحبِها فلا يَبْقى لها أجرٌ؛ فإنَّهُ رُوِيَ أنَّهُ يوازَنُ يومَ القيامةِ بينَ السَّيِّئاتِ والحسناتِ، ويُقَصُّ بعضُها مِن بعضٍ، فإنْ بَقِيَ مِن الحسناتِ حسنة؛ دَخَلَ بها صاحبُها الجنَّةَ. قالَهُ سَعيدُ بنُ جُبَيْرٍ وغيرُهُ، وفيهِ حديثٌ مرفوعٌ خَرَّجَهُ الحاكِمُ مِن حديثِ ابن عَبَّاسٍ مرفوعًا (١). فيُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ في الصَّومِ: إنَّهُ لا يَسْقُطُ ثوابُهُ بمقاصَّةٍ ولا غيرِها،

стр. 354

بل يُوَفَّرُ أجرُهُ لصاحبِهِ حتَّى يَدْخُلَ الجنَّةَ فيُوَفَّى أجرُهُ فيها (١). • وأمَّا قولُهُ: "فإنَّهُ لي"؛ فإن الله خَصَّ الصِّيامَ بإضافتِهِ إلى نفسِهِ دونَ سائرِ الأعمالِ، وقد كَثُرَ القولُ في معنى ذلكَ مِن الفقهاءِ والصُّوفيَّةِ وغيرِهِم، وذَكَروا فيهِ وجوهًا كثيرةً، ومِن أحسنِ ما ذُكِرَ فيهِ وجهانِ: * أحدُهُما: أن الصِّيامَ هوَ مجرَّدُ تركِ حظوظِ النَّفسِ وشهواتِها الأصليَّةِ التي جُبِلَتْ على الميلِ إليها للهِ ، ولا يوجَدُ ذلكَ في عبادةٍ أُخرى غيرِ الصِّيامِ: لأنَّ الإحرامَ إنَّما يُتْرَكُ فيهِ الجماعُ ودواعيهِ مِن الطِّيبِ دونَ سائرِ الشَّهواتِ مِن الأكلِ والشُّربِ. وكذلكَ الاعتكافُ معَ أنَّهُ تابعٌ للصَّومِ. وأمَّا الصَّلاةُ؛ فإنَّهُ وإنْ تَرَكَ المصلِّي فيها جميعَ الشَّهواتِ، إلَّا أن مدَّتَها لا تَطولُ، فلا يَجِدُ المصلِّي فقدَ الطَّعامِ والشَّرابِ في صلاتِهِ، بل قد نُهِيَ أنْ يُصَلِّيَ ونفسُهُ تَتوقُ إلى الطَّعامِ بحضرتِهِ حتَّى يَتَناوَلَ منهُ ما يُسَكِّنُ نفسَهُ. ولهذا أُمِرَ بتقديمِ العَشاءِ على الصَّلاةِ (٢). وذهَبَتْ طائفةٌ مِن العلماءِ إلى إباحةِ شربِ الماءِ في صلاةِ التَّطوُّعِ، وكانَ ابنُ الزُّبَيْرِ يَفْعَلُهُ في صلاتِهِ، وهوَ روايةٌ عن الإمامِ أحْمَدَ. وهذا بخلافِ الصِّيامِ؛ فإنَّهُ يَسْتَوْعِبُ النَّهارَ كلَّهُ، فيَجِدُ الصَّائمُ فقدَ هذهِ الشَّهواتِ، وتَتُوقُ نفسُهُ إليها، [و] خصوصًا في نهارِ الصَّيفِ؛ لشدَّةِ حرِّهِ وطولِهِ. ولهذا رُوِيَ أن مِن خصالِ الإيمانِ الصَّومَ في الصَّيفِ (٣).

стр. 355

وقد كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يَصومُ رمضانَ في السَّفرِ في شدَّةِ الحرِّ دونَ أصحابِهِ، كما قالَ أبو الدَّرْداءِ: كُنَّا معَ رسولِ اللهِ ﷺ في سفرٍ في رمضانَ، وأحدُنا يَضَعُ يدَهُ على رأْسِهِ مِن شدَّةِ الحرِّ، وما كانَ فينا صائمٌ إلَّا رسولَ اللهِ ﷺ وعَبْدَ اللهِ بنَ رَوَاحَةَ (١). وفي "الموطَّإ" أنَّهُ ﷺ كانَ بالعَرْجِ يَصُبُّ الماءَ على رأْسه وهوَ صائمٌ مِن العطشِ أو مِن الحرِّ (٢). فإذا اشْتَدَّ توقانُ النَّفسِ إلى ما تَشْتَهيهِ معَ قدرتِها عليهِ ثمَّ تَرَكَتْهُ للهِ في موضعٍ لا يَطَّلِعُ عليهِ إلَّا اللهُ، كانَ ذلكَ دليلًا على صحَّةِ الإيمانِ؛ فإنَّ الصَّائمَ يَعْلَمُ أن لهُ ربًّا يَطَّلعُ عليهِ في خلوتِهِ، وقد حَرَّمَ عليهِ أنْ يَتَناوَلَ شهواتِهِ المجبولَ على الميلِ إليها في الخلوةِ، فأطاعَ ربّهُ وامْتَثَلَ أمرَهُ واجْتَنَبَ نهيَهُ خوفًا مِن عقابِهِ ورغبةً في ثوابِهِ، فشَكَرَ اللهُ لهُ ذلكَ واخْتَصَّ لنفسِهِ عملَهُ هذا مِن بين سائرِ أعمالِهِ. ولهذا قالَ بعدَ ذلكَ: "إنَّهُ تَرَكَ شهوتَهُ وطعامَهُ وشرابَهُ مِن أجلي". قالَ بعضُ السَّلفِ: طوبى لمَن تَرَكَ شهوةً حاضرةً لموعدِ غيبٍ لمْ يَرَهُ. لمَّا عَلِمَ المؤمنُ الصَّائمُ أنَّ رضى مولاهُ في ترك شهواتِهِ، قَدَّمَ رضى مولاهُ على هواهُ، فصارَتْ لذَّتُهُ في تركِ شهوتِهِ لله - لإيمانِهِ باطِّلاع اللهِ [عليهِ] وثوابِهِ وعقابِهِ - أعظمَ مِن لذتِهِ في تناولِها في الخلوةِ، إيثارًا لرضى ربِّهِ على هوى نفسِهِ. بلِ المؤمنُ

стр. 356

يَكْرَهُ ذلكَ في خلوتِهِ أشدَّ مِن كراهتِهِ لألمِ الضَّربِ. ولهذا؛ أكثرُ المؤمنينَ لو ضُرِبَ على أنْ يُفْطِرَ في أشهرِ، رمضانَ لغيرِ عذرٍ لمْ يَفْعَلْ؛ لعلمِهِ بكراهةِ اللهِ لفطرِهِ في هذا الشَّهرِ، وهذا مِن علاماتِ الإيمانِ أنْ يَكْرَهَ المؤمنُ ما يُلائِمُهُ مِن شهواتِهِ إذا عَلِمَ أن الله يَكْرَهُهُ، فتَصيرُ لذَّتُهُ فيما يُرْضي مولاهُ وإنْ كانَ مخالفًا لهواهُ، ويَكونُ ألمُهُ فيما يَكْرَهُهُ مولاهُ وإنْ كانَ موافقًا لهواهُ. وإذا كانَ هذا فيما حُرِّمَ لعارضِ الصَّومِ مِن الطعامِ والشَّرابِ ومباشرةِ النِّساءِ؛ فيَنْبَغي أنْ يَتَأكَّدَ ذلكَ فيما حُرِّمَ على الإطلاقِ كالزِّنى وشربِ الخمرِ وأخذِ الأموالِ أوِ الأعراضِ بغيرِ حقٍّ وسفكِ الدِّماءِ المحرَّمةِ؛ فإنَّ هذا يُسْخِطُ الله على كلِّ حالٍ وفي كلِّ زمانٍ ومكانٍ، فإذا كَمَلَ إيمانُ المؤمنِ (١)؛ كَرِهَ ذلكَ كلَّهُ أعظمَ مِن كراهتِهِ للقتلِ والضَّربِ. ولهذا جَعَلَ رسولُ اللهِ ﷺ مِن علاماتِ وجودِ حلاوةِ الإيمانِ: أنْ يَكْرَهَ أنْ يَرْجِعَ إلى الكفرِ بعدَ أنْ أنْقَذَهُ اللهُ كما يَكْرَهُ أنْ يُلْقى في النَّارِ (٢). وقالَ يوسُفُ ﵇: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ مِمَّا يَدْعونَني إلَيْهِ﴾ [يوسف: ٣٣]. سُئِلَ ذو النُّونِ: متى أُحِبُّ ربِّي؟ قالَ: إذا كانَ ما يَكْرَهُهُ أمَرَّ عندَكَ مِن الصَّبرِ. وقالَ غيرُهُ: ليسَ مِن أعلامِ المحبَّةِ أنْ تُحِبَّ ما يَكْرَهُهُ حبيبُكَ. وكثيرٌ مِن النَّاسِ يَمْشي على العوائدِ دونَ ما يوجِبُهُ الإيمانُ ويَقْتَضيهِ، فلهذا كثيرٌ منهُم لو ضُرِبَ ما أفْطَرَ في رمضانَ لغيرِ عذرٍ، ومِن جهَّالِهِم مَن لا يُفْطِرُ لعذرٍ ولو تَضَرَّرَ بالصَّومِ - معَ أنَّ الله يُحِبُّ منهُ أنْ يَقْبَلَ رخصتَهُ - جريًا منهُ على العادةِ، وقدِ اعْتادَ معَ ذلكَ ما حَرَّمـ[ـهُ] اللهُ مِن شربِ الخمرِ والزِّنى وأخذِ الأموالِ والأعراضِ أوِ الدِّماءِ بغيرِ حقٍّ! فهذا يَجْري على عوائدهِ في ذلكَ كلِّهِ لا على مقتضى الإيمانِ، ومَن عَمِلَ بمقتضى

стр. 357

الإيمانِ؛ صارَتْ لذَّتُهُ في مصابرةِ نفسِهِ عمَّا تَميلُ نفسُهُ إليهِ إذا كانَ فيهِ سخطُ اللهِ، وربَّما يَرْتَقي إلى أنْ يَكْرَهَ جميعَ ما يَكْرَهُهُ اللهُ منهُ ويَنْفُرَ منهُ وإنْ كانَ ملائمًا للنُّفوسِ، كما قيلَ: إنْ كانَ رِضاكُمْ في سَهَري … فَسَلامُ اللهِ عَلى وَسَني وقالَ آخرُ: فَما لِجُرْحٍ إذا أرْضاكُمُ ألَمُ. وقالَ آخرُ: عَذابُهُ فيكَ عَذْبُ … وَبُعْدُهُ فيكَ قُرْبُ وَأنْتَ عِنْدي كَرُوحي … بَلْ أنْتَ مِنْها أحَبُّ حَسْبي مِنَ الحُبِّ أنِّي … لِما تُحِبُّ أُحِبُّ * الوجهُ الثَّاني: أن الصِّيامَ سرٌّ بينَ العبدِ وربِّهِ لا يَطَّلعُ عليهِ غيرُهُ؛ لأنَّهُ مركَّبٌ مِن نيَّةٍ باطنةٍ لا يَطَّلعُ عليها إلَّا اللهُ، وتركٍ لتناولِ الشَّهواتِ التي يُسْتَخْفى [بـ]ـتناولِها في العادةِ، ولذلكَ قيلَ: لا تَكْتبهُ الحفظةُ، وقيلَ: إنَّهُ ليسَ فيهِ رياءٌ. كذا قالَهُ الإمامُ أحْمَدُ وغيرُهُ. وفيهِ حديثٌ مرفوعٌ مرسلٌ (١). وهذا الوجهُ اختيارُ أبي عُبَيْدٍ وغيرِهِ. وقد يَرْجِعُ إلى الأوَّلِ؛ فإنَّ مَن تَرَكَ ما تَدْعوهُ نفسُهُ إليهِ للهِ حيثُ لا يَطَّلعُ عليهِ غيرُ مَن أمَرَهُ ونَهاهُ؛ دَلَّ على صحَّةِ إيمانِهِ. واللهُ تَعالى يُحِبُّ مِن عبادِهِ أنْ يُعامِلوهُ سرًّا بينَهُم وبينَهُ، وأهلُ محبَّتِهِ يُحِبُّونَ أنْ يُعامِلوهُ سرًّا بينَهُم وبينَهُ بحيثُ لا يَطَّلعُ على معاملتِهِم إيَّاهُ سواهُ، حتَّى كانَ بعضُ السَّلفِ يَوَدُّ لو تَمَكَّنَ مِن عبادةٍ لا تَشْعُرُ بها الملائكةُ الحفظةُ. وقالَ بعضُهُم لمَّا اطُّلِعَ على بعضِ سرائرِهِ: إنَّما كانَتْ تَطيبُ الحياةُ لمَّا كانَتِ المعاملةُ بيني وبينَهُ سرًّا، ثمَّ دَعا لنفسه بالموتِ، فماتَ (٢).

стр. 358

المحبُّونَ يَغارونَ مِنِ اطِّلاعِ الأغيارِ على الأسرارِ التي بينَهُم وبينَ مَن يُحِبُّهُم ويُحِبُّونَهُ. نَسيمَ صَبا نَجْدٍ مَتى جِئْتَ حامِلًا … تَحِيَّتَهُم فَأطْوِ الحَديثَ عَنِ الرَّكْبِ وَلا تُذعِ السِّرَّ المَصونَ فَإنَّني … أغارُ عَلى ذِكْرِ الأحِبَّةِ مِنْ صَحْبي • وقولُهُ "تَرَكَ شهوتَهُ وطعامَهُ وشرابَهُ مِن أجلي" فيهِ إشارة إلى المعنى الذي ذَكَرْناهُ، وأنَّ الصَّائمَ تَقَرَّبَ إلى اللهِ بتركِ ما تَشْتَهيهِ نفسُهُ مِن الطَّعامِ والشَّرابِ والنِّكاحِ، وهذهِ أعظمُ شهواتِ النَّفسِ. * وفي التَّقرُّبِ بتركِ هذهِ الشَّهواتِ بالصِّيامِ فوائدُ: منها: كسرُ النَّفسِ؛ فإنَّ الشِّبعَ والرِّيَّ ومباشرةَ النِّساءِ تَحْمِلُ النَّفسَ على الأشرِ والبطرِ والغفلةِ. ومنها: تخلِّي القلبِ للفكرِ والذِّكرِ؛ فإنَّ تناول هذهِ الشَّهواتِ قد تُقَسِّي القلبَ وتُعْميهِ وتَحول بينَ العبدِ وبينَ الفكرِ والذِّكرِ وتَسْتَدْعي الغفلةَ. وخلوُّ الباطنِ مِن الطَّعامِ والشَّرابِ يُنَوِّرُ القلبَ ويوجِبُ رقَّتَهُ ويُزيلُ قسوتَهُ ويُخْليهِ للذِّكرِ والفكرِ. ومنها: أنَّ الغنيَّ يَعْرِفُ قدرَ نعمةِ اللهِ عليهِ بإقدارِهِ لهُ على ما مَنَعَهُ كثيرًا مِن الفقراءِ مِن فضول الطَّعامِ والشَّرابِ والنِّكاحِ؛ فإنَّهُ بامتناعِهِ مِن ذلكَ في وقتٍ مخصوصٍ وحصول المشقَّةِ لهُ بذلكَ يَتَذَكَّرُ بهِ مَن مُنعَ مِن ذلكَ على الإطلاقِ، فيوجِبُ لهُ ذلكَ شكرَ نعمةِ اللهِ عليهِ بالغنى، ويَدْعوهُ إلى رحمةِ أخيهِ المحتاجِ ومواساتِهِ بما يُمْكِنُ مِن ذلكَ. ومنها: أن الصِّيامَ يُضَيِّقُ مجاريَ الدَّمِ التي هيَ مجاري الشَّيطانِ منِ ابن آدَمَ؛ فإنَّ الشَّيطانَ يَجْري مِنِ آبنِ آدَمَ مجرى الدَّمِ، فتَسْكُنُ بالصِّيامِ وساوسُ الشَّيطانِ، وتَنْكَسِرُ

стр. 359

سَوْرَةُ الشَّهوةِ والغضبِ، ولهذا جَعَلَ النَّبيُّ ﷺ الصِّيامَ وِجاءً؛ لقطعِهِ عن شهوةِ النِّكاحِ. * واعْلَمْ أنَّهُ لا يَتِمُّ التَّقرُّبُ إلى اللهِ تَعالى بتركِ هذهِ الشَّهواتِ المباحةِ في غيرِ حالةِ الصِّيامِ إلَّا بعدَ التَّقرُّبِ إليهِ بتركِ ما حَرَّمَـ[ـهُ] اللهُ في كل حالٍ مِن الكذبِ والظُّلمِ والعدوانِ على النَّاسِ في دمائِهِم وأموالِهِم وأعراضِهِم. ولهذا قالَ النَّبيُّ ﷺ : "مَن لمْ يَدَعْ قولَ الزورِ والعملَ بهِ؛ فليسَ للهِ حاجةٌ في أنْ يَدَعَ طعامَهُ وشرابَهُ". خَرَّجَهُ البخاريُّ (١). وفي حديثٍ آخرَ: "ليسَ الصِّيامُ مِن الطَّعامِ والشَّرابِ، إنَّما الصّيامُ مِن اللغوِ والرَّفثِ" (٢). قالَ الحافظُ أبو موسى المَدينِي: هوَ على شرطِ مسلمٍ. [و] قالَ بعضُ السَّلفِ: أهونُ الصِّيامِ تركُ الشَّرابِ والطعامِ. وقالَ جابِرٌ: إذا صُمْتَ؛ فلْيَصُمْ سمعُكَ وبصرُكَ ولسانُكَ عن الكذبِ والمحارمِ، ودع أذى الجارِ، ولْيَكُنْ عليكَ سكينةٌ ووقارٌ يومَ صومِكَ، ولا تَجْعَلْ يومَ صومِكَ ويومَ فطرِكَ سواء. إذا لَمْ يَكُنْ في السَّمْعِ مِنِّي تَصاوُنٌ … وَفي بَصَري غَضٌّ وَفي مَنْطِقي صَمْتُ فَحَظِّي إذًا مِنْ صَوْمِيَ الجوعُ وَالظَّما … فَإنْ قُلْتُ إنِّي صُمْتُ يَوْمِي فَما صُمْتُ وقالَ النَّبيُّ ﷺ : "ربَّ صائمٍ حظُّهُ مِن صيامِهِ (٣) الجوعُ والعطشُ، وربَّ قائمٍ حظُّهُ

стр. 360

مِن قيامِهِ السَّهرُ" (١). وسرُّ هذا أنَّ التَّقرُّبَ إلى اللهِ تَعالى بتركِ المباحاتِ لا يَكْمُلُ إلَّا بعدَ التَّقرُّبِ إليهِ بتركِ المحرَّماتِ، فمَنِ ارْتكبَ المحرَّماتِ ثمَّ تَقَرَّبَ بتركِ المباحاتِ؛ كانَ بمثابةِ مَن يَتْرُكُ الفرائضَ ويَتَقَرَّبُ بالنَّوافلِ، وإنْ كانَ صومُهُ مجزئًا عندَ الجمهورِ بحيثُ لا يُؤْمَرُ بإعادتِهِ؛ لأنَّ العملَ إنَّما يَبْطُلُ بارتكابِ ما نُهِيَ عنهُ فيهِ بخصوصِهِ دونَ ارتكابِ ما نُهِيَ عنهُ لغيرِ معنًى يَخْتَصُّ بهِ. هذا هوَ أصلُ جمهورِ العلماءِ. وفي "مسند الإمام أحْمَد": أنَّ امرأتينِ صامَتا في عهدِ النَّبيِّ ﷺ ، فكادَتا أنْ تَموتا مِن العطشِ، فذُكِرَ ذلكَ للنَّبيِّ ﷺ فأعْرَضَ، ثمَّ ذُكِرَتا لهُ فدَعاهُما وأمَرَهُما أنْ يَتَقَيَّأا، فقاءَتا ملءَ قدحٍ قيحًا ودمًا وصديدًا ولحمًا عبيطًا. فقالَ النبي ﷺ : "إن هاتينِ صامَتا عمَّا أحَلَّ اللهُ لهُما، وأفْطَرَتا على ما حَرَّمَ اللهُ عليهِما، جَلَسَتْ إحداهُما إلى الأُخرى، فجَعَلَتا يَأْكُلانِ لحومَ النَّاسِ" (٢).

стр. 361

ولهذا المعنى - واللهُ أعلمُ - وَرَدَ في القرآنِ بعدَ ذكرِ تحريمِ الطَّعامِ والشَّرابِ على الصَّائمِ بالنَّهارِ ذكرُ تحريمِ أكلِ أموالِ النَّاسِ بالباطلِ؛ فإنَّ تحريمَ هذا عامٌّ في كلِّ زمانٍ ومكانٍ، بخلافِ الطعامِ والشَّرابِ، فكانَ إشارةً إلى أن مَنِ امْتَثَلَ أمرَ اللهِ في اجتنابِ الطعامِ والشَّرابِ في نهارِ صومِهِ؛ فلْيَمْتَثِلْ أمرَهُ في اجتنابِ أكلِ الأموالِ بالباطلِ؛ فإنَّهُ محرَّمٌ بكلِّ حالٍ لا يُباحُ في وقتٍ مِن الأوقاتِ. واللهُ أعلمُ. • وقولُهُ ﷺ : "وللصَّائمِ فرحتانِ: فرحةٌ عندَ فطرِهِ، وفرحةٌ عندَ لقاءِ ربِّهِ": * أمَّا فرحةُ (١) الصَّائمِ عندَ فطرِهِ؛ فإنَّ النُّفوسَ مجبولة على الميلِ إلى ما يُلائِمُها مِن مطعمٍ ومشربٍ ومنكحٍ، فإذا مُنِعَتْ مِن ذلكَ في وقتٍ مِن الأوقاتِ، ثمَّ أُبيحَ لها في وقتٍ آخرَ؛ فَرِحَتْ إباحةِ ما مُنِعَتْ منهُ، خصوصًا عندَ اشتدادِ الحاجةِ إليهِ؛ فإنَّ النُّفوسَ تَفْرَحُ بذلكَ طبعًا، فإنْ كانَ ذلكَ محبوبًا للهِ؛ كانَ محبوبًا شرعًا، والصَّائمُ عندَ فطرِهِ كذلكَ، فكما أنَّ الله تَعالى حَرَّمَ على الصَّائمِ في نهارِ الصَّومِ تناولَ هذهِ الشَّهواتِ فقد أذِنَ لهُ فيها في ليلِ الصِّيامِ، بل أحَبَّ منهُ المبادرةَ إلى تناولِها في أوَّلِ الليلِ وآخرِهِ، فأحبُّ عبادِهِ إليهِ أعجلُهُم فطرًا، واللهُ وملائكتُهُ يُصلُّونَ على المتسحِّرينَ.

стр. 362

فالصَّائمُ تَرَكَ شهواتِهِ للهِ بالنَّهارِ تقرُّبًا إليهِ وطاعةً لهُ، وبادَرَ إليها في الليلِ تقرُّبًا إلى اللهِ وطاعةً لهُ، فما تَرَكَها إلَّا بأمرِ ربِّهِ ولا عادَ إليها إلَّا بأمرِ ربِّهِ، فهوَ مطيعٌ لهُ في الحالينِ. ولهذا نُهِيَ عن الوصالِ في الصِّيامِ. فإذا بادَرَ الصَّائمُ إلى الفطرِ تقرُّبًا إلى مولاهُ، وأكَلَ وشَرِبَ وحَمِدَ الله؛ فإنَّهُ يُرْجى لهُ المغفرةُ أو بلوغُ الرِّضوانِ بذلكَ. وفي الحديثِ: "إنَّ الله لَيَرْضى عن عبدِهِ يَأْكُلُ الأكلةَ فيَحْمَدُهُ عليها ويَشْرَبُ الشَّربةَ فيَحْمَدُهُ عليها" (١). وربَّما اسْتُجيبَ دعاؤُهُ عندَ ذلكَ، كما في الحديثِ المرفوعِ الذي خَرَّجَهُ ابنُ ماجَهْ: "إنَّ للصَّائمِ عندَ فطرِهِ دعوةً ما تُرَدُّ" (٢). وإنْ نَوى بأكلِهِ وشربِهِ تقويةَ بدنِهِ على القيامِ والصِّيامِ؛ كانَ مثابًا على ذلكَ، كما أنَّهُ إذا نَوى بنومِهِ في الليلِ والنَّهارِ التَّقوِّيَ

стр. 363

على العملِ؛ كانَ نومُهُ عبادةً. وفي حديثٍ مرفوعٍ: "نومُ الصَّائمِ عبادةٌ" (١). قالَتْ حَفْصَةُ بنتُ سِيرينَ: قال أبو العالِيَةِ: الصَّائمُ في عبادة ما لمْ يَغْتَبْ أحدًا وإنْ كانَ نائمًا على فراشِهِ. قال: وكانَتْ حَفْصَةُ تَقول: يا حَبَّذا عبادةٌ وأنا نائمةٌ على فراشي. خَرَّجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ. فالصَّائمُ في ليلهِ ونهارِهِ في عبادةٍ، ويُسْتَجابُ دعاؤُهُ في صيامِهِ وعندَ فطرِهِ، فهوَ في نهارِهِ صائم صابرٌ، وفي ليلِهِ طاعم شاكرٌ. وفي الحديثِ الذي خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ وغيرُهُ: "الطَّاعمُ الشَّاكرُ بمنزلةِ الصَّائمِ الصَّابرِ" (٢). ومَن فَهِمَ هذا الذي أشَرْنا إليهِ؛ لمْ يَتَوَقَّفْ في معنى فرحِ الصَّائمِ عندَ فطرِهِ؛ فإنَّ فطرَهُ على الوجهِ المشارِ إليهِ مِن فضلِ اللهِ ورحمتِهِ، فيَدْخُلُ في قولِهِ تَعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحوا﴾ [يونس: ٥٨]. ولكنْ شرطُ ذلكَ أنْ يَكونَ فطرُهُ على حلالٍ، فإنْ كانَ فطرُهُ على حرامٍ؛ كانَ ممَّن صامَ عمَّا أحَلَّ اللهُ وأفْطَرَ على ما حَرَّمَ اللهُ (٣) ولمْ يُسْتَجَبْ لهُ دعاءٌ، كما قال النَّبيُّ ﷺ في الذي يُطيلُ السَّفرَ: "يَمُدُّ يديهِ إلى السَّماءِ: يا ربِّ! يا ربِّ! ومطعمُهُ حرامٌ، ومشربُهُ حرامٌ، وملبسُهُ حرامٌ، وغُذِيَ بالحرامِ، فأنَّى يُسْتَجابُ لذلكَ" (٤). * وأمَّا فرحُهُ عندَ لقاءِ ربِّهِ؛ فبما يَجِدُهُ عندَ اللهِ مِن ثوابِ الصِّيامِ مدَّخرًا، فيَجِدُهُ أحوجَ ما كانَ إليهِ: كما قال تَعالى: ﴿وَما تُقَدِّموا لِأنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدوهُ عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْرًا وَأعْظَمَ أجْرًا﴾ [المزَّمِّل: ٢٠]. وقال تَعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا] [آل عمران: ٣٠]. وقالَ تَعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقال ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهْ﴾

стр. 364

[الزَّلزلة: ٧]. وقد تَقَدَّمَ قولُ ابن عُيَيْنَةَ أنَّ ثوابَ الصَّائمِ لا يَأْخُذُهُ الغرماءُ في المظالمِ بل يَدَّخِرُهُ اللهُ عندَهُ للصَّائمِ حتَّى يُدْخِلَهُ بهِ الجنَّةَ (١). وفي "المسند": عن عُقْبَةَ بن عامِرٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "ليسَ مِن عملِ يومٍ إلَّا يُخْتَمُ عليهِ" (٢). وعن عيسى ﵇؛ قالَ: إنَّ هذا الليلَ والنَّهارَ خزانتانِ، فانْظُروا ما تَضَعونَ فيهِما. فالأيامُ خزائنُ للنَّاسِ ممتلئةٌ بما خَزَنوهُ فيها مِن خيرٍ وشرٍّ، وفي يومِ القيامةِ تُفْتَحُ هذهِ الخزائنُ لأهلِها، فالمتَّقونَ يَجِدونَ في خزائنِهِم العزَّ والكرامةَ، والمذنبونَ يَجِدون في خزائنِهِمُ الحسرةَ والنَّدامةَ. • الصَّائمونَ على طبقتينِ: * إحداهُما: مَن تَرَكَ طعامَهُ وشرابَهُ وشهوتَهُ للهِ يَرْجو عندَهُ عوضَ ذلكَ في الجنَّةِ، فهذا [قد] تاجَرَ معَ اللهِ وعامَلَهُ، واللهُ تَعالى لا يُضِيعُ أجرَ مَن أحْسَنَ عملًا ولا يَخِيبُ [معَهُ] مَن عامَلَهُ، بل يَرْبَحُ عليهِ أعظمَ الرِّبحِ. وقالَ النَّبيُّ ﷺ لرجلٍ: "إنَّكَ لنْ تَدَعَ شيئًا اتِّقاءَ اللهِ إلَّا آتاكَ اللهُ خيرًا منهُ" (٣). خَرَّجَهُ الإمامُ أحمدُ. فهذا الصَّائمُ يُعْطى في الجنَّةِ ما شاءَ اللهُ مِن طعامٍ وشرابٍ ونساءٍ.

стр. 365

قالَ اللهُ تَعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِما أسْلَفْتُمْ في الأيَّامِ الخالِيَةِ﴾ [الحاقَّة: ٢٤]. قالَ مُجاهِدٌ وغيرُهُ: نَزَلَتْ في الصَّائمينَ. قالَ يَعْقوبُ بنُ يوسُفَ الحَنَفِيُّ: بَلَغَنا أن الله تَعالى يَقولُ لأوليائِهِ يومَ القيامةِ: يا أوليائي! طالَما نَظَرْتُ إليكُم في الدُّنيا وقد قَلَصَتْ شفاهُكُم عن الأشربةِ وغارَتْ أعينُكُم وخَفَقَتْ بطونكُم! كونوا اليومَ في نعيمِكُم، وتَعاطَوُا الكأْسَ فيما بينكم، وكُلوا واشْرَبوا هنيئًا بما أسْلَفْتُمْ في الأيَّامِ الخاليةِ. وقالَ الحَسَنُ: تَقولُ الحوراءُ لوليِّ اللهِ وهوَ متَّكئ معَها على نهرِ العسلِ تُعاطيهِ الكأْسَ: إنَّ الله نَظَرَ إليكَ في يومٍ صائفٍ بعيدِ ما بينَ الطَّرفينِ وأنتَ في ظمإ هاجرةٍ مِن جهدِ العطشِ، فباهى بكَ الملائكةَ وقالَ: انْظُروا إلى عبدي، تَرَكَ زوجتَهُ وشهوتَهُ ولذَّتَهُ وطعامَهُ وشرابَهُ مِن أجلي رغبةً فيما عندي، اشْهَدوا أنِّي قد غَفَرْتُ لهُ، فغَفَرَ لكَ يومئذٍ وزَوَّجَنيكَ. وفي الصَّحيحينِ (١): عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "إنَّ في الجنَّةِ بابًا يُقالُ لهُ الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ منهُ الصَّائمونَ، لا يَدْخُلُ منهُ غيرُهُم". وفي روايةٍ: "فإذا دَخَلوا أُغْلِقَ". وفي روايةٍ: "مَن دَخَلَ منهُ شَرِبَ، ومَن شَرِبَ لمْ يَظْمَأْ أبدًا". وفي حديثِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بن سَمُرَةَ عن النَّبيِّ ﷺ في منامِهِ الطَّويلِ؛ قالَ: "ورَأيْتُ رجلًا مِن أُمَّتي يَلْهَثُ عطشًا، كلَّما وَرَدَ حوضًا مُنِعَ، فجاءَهُ صيامُ رمضانَ، فسَقاهُ وأرواهُ" (٢). خَرَّجَهُ الطَّبَرانِي وغيرُهُ.

стр. 366

ورَوى ابنُ أبي الدُّنيا بإسنادٍ فيهِ ضعف عن أنسٍ مرفوعًا: "الصَّائمونَ يَنْفَحُ (١) مِن أفواهِهِم ريحُ المسكِ، ويوضَعُ لهُم مائدةٌ تحتَ العرشِ، يَأْكُلونَ منها والنَّاسُ في الحسابِ" (٢). وعن أنَسٍ مرفوعًا: "إنَّ للهِ مائدةً لم تَرَ مثلَها عينٌ ولمْ تَسْمَعْ أُذنٌ ولا خَطَرَ على قلبِ بشرٍ، لا يَقْعُدُ عليها إلَّا الصَّائمونَ" (٣). وعن بعضِ السَّلفِ؛ قالَ: بَلَغَنا أنَّهُ يُوضَعُ للصُّوَّامِ مائدةٌ يَأْكُلونَ عليها والنَّاسُ في الحسابِ، فيَقولونَ: يا ربِّ! نحنُ نُحاسَبُ وهُم يَأْكُلونَ؟ فيُقالُ: إنَّهُم طالَما صاموا وأفْطَرْتُم وقاموا ونِمْتُم (٤).

стр. 367

رَأى بعضُهُم بِشْرَ بنَ الحارِثِ في المنامِ وبينَ يديهِ مائدةٌ وهوَ يَأْكُلُ ويُقالُ لهُ: كُلْ يا مَن لمْ يَأْكُلْ! واشْرَبْ يا مَن لمْ يَشْرَبْ! كانَ بعضُ الصَّالحينَ قد صامَ حتَّى انْحَنى وانْقَطَعَ صوتُهُ فماتَ، فرُئِيَ بعضُ أصحابِهِ الصَّالحينَ في المنامِ، فسُئِلَ عن حالِهِ (١)، فضَحِكَ وأنْشَدَ: قَدْ كُسِي حُلَّةَ البَهاءِ وَأطافَتْ … بِأباريقَ حَوْلَهُ الخُدَّامُ ثُمَّ حُلِّي وَقيلَ يا قارِئُ أرْقَ … فَلَعَمْري لَقَدْ بَراكَ الصِّيامُ (٢) اجْتازَ بعضُ العارفينَ بمنادٍ يُنادي على السَّحورِ في رمضانَ: ياما خَبَأْنا للصَّائمينَ! فتَنَبَّهَ بهذهِ الكلمةِ، وأكْثَرَ مِن الصّيامِ. رَأى بعضُ العارفينَ في منامِهِ كأنَّهُ أُدْخِلَ الجنَّةَ، فسَمعَ قائلًا يَقولُ لهُ: هل تَذْكُرُ أنَّكَ صُمْتَ للهِ يومًا قطُّ (٣)؟ فقالَ: نعم! قالَ: فأخَذَتْني صواني النِّثارِ مِن الجنَّةِ. مَن تَرَكَ للهِ في الدُّنيا طعامًا وشرابًا وشهوةً مدَّةً يسيرةً عَوَّضهُ اللهُ عندَهُ طعامًا وشرابًا لا يَنْفَدُ وأزواجًا لا يَمُتْنَ أبدًا. شهرُ رمضانَ فيهِ يُزَوَّجُ الصَّائمونَ. في الحديثِ: "إنَّ الجنَّةَ لَتُزَخْرَفُ وتُنَجَّدُ مِن الحولِ إلى الحولِ لدخولِ رمضانَ، فتَقولُ الحورُ: يا ربِّ! اجْعَلْ لنا في هذا الشَّهرِ مِن عبادِكَ أزواجًا تَقَرُّ أعينُنا بهم وتَقَرُّ أعيُنُهم بنا" (٤).

стр. 368

وفي حديثٍ آخرَ: "إنَّ الحورَ تُنادي في شهرِ رمضانَ: هل مِن خاطبٍ إلى اللهِ فيُزَوِّجَهُ؟ " (١). مهورُ الحورِ طولُ التَّهجُّدِ، وهوَ حاصلٌ في شهرِ رمضانَ أكثرَ مِن غيرِهِ. كانَ بعضُ الصَّالحينَ كثيرَ التَّهجُّدِ والصِّيامِ، فصَلَّى ليلةً في المسجدِ ودَعا، فغَلَبَتْهُ عيناهُ، فرَأى في منامِهِ جماعةً عَلِمَ أنَّهُم لَيْسوا مِن الآدميِّينَ، بأيديهِم أطباقٌ عليها أرغفةٌ ببياضِ الثَّلجِ (٢)، فوقَ كلِّ رغيفٍ درٌّ أمثالُ الرُّمَّانِ. فقالوا: كُلْ. فقالَ: إنِّي أريدُ الصَّومَ. قالوا لهُ: يَأْمُرُكَ صاحبُ هذا البيتِ أنْ تَأْكُلَ. قالَ: فأكَلْتُ، وجَعَلْتُ آخُذ ذلكَ الدُّرَّ لِأحْتَمِلَهُ. فقالوا لي: دَعْهُ نَغْرِسْهُ لكَ شجرًا يُنْبِتُ لكَ خيرًا مِن هذا. قالَ: أينَ؟ قالوا: في دارٍ لا تَخْرَبُ وثمرٍ لا يَتَغَيَّرُ وملكٍ لا يَنْقَطعُ وثيابٍ لا تَبْلى، فيها رضوى وعينا وقرَّةُ أعينٍ، أزواجٌ رضيَّاتٌ مرضيَّات راضياتٌ، لا يَغِرْنَ ولا يُغَرْنَ، فعليكَ بالانكماشِ فيما أنتَ؛ فإنَّما هيَ غفوةٌ حتَّى تَرْتَحِلَ فتَنْزِلَ الدَّارَ. فما مَكَثَ بعدَ هذهِ

стр. 369

الرُّؤيا إلَّا جمعتينِ حتَّى تُوُفِّيَ، فرَآهُ ليلةَ وفاتِهِ في المنامِ بعضُ أصحابِهِ الذينَ حَدَّثَهُم برؤياهُ وهوَ يَقولُ: ألا تَعْجَبُ مِن شجرٍ غُرِسَ لي في يومِ حَدَّثْتُكَ وقد حَمَلَ؟! فقالَ لهُ: ما حَمَلَ؟! قالَ: لا تَسْألْ، لا يَقْدِرُ أحدٌ على صفتِهِ. لمْ يُرَ مثلُ الكريمِ إذا حَلَّ بهِ مطيعٌ. يا قومِ! ألا خاطبٌ في هذا الشَّهرِ إلى الرَّحمن؟! ألا راغبٌ فيما أعَدَّهُ اللهُ تَعالى للطَّائعينَ في الجنان؟! ألا طالبٌ لِما أخْبَرَ بهِ مِن النَّعيمِ المقيمِ معَ أنَّهُ ليسَ الخبرُ كالعيان؟ مَن يُرِدْ مُلْكَ الجِنانِ … فَلْيَدَعْ عَنْهُ التَّواني وَلْيَقُمْ في ظُلْمَةِ اللَيْـ … ـلِ إلى نورِ القُرانِ وَلْيَصِلْ صَوْمًا بِصوْمٍ … إنَّ هذا العَيْشَ فاني إنَّما العَيْشُ جِوارُ الـ … ـلهِ في دارِ الأمانِ * الطَّبقةُ الثَّانيةُ مِن الصَّائمينَ: مَن يَصومُ في الدُّنيا عمَّا سِوى اللهِ، فيَحْفَظُ الرَّأْسَ وما حَوى، ويَحْفَظُ البطنَ وما وَعى، ويَذْكُرُ الموتَ والبِلى، ويُريدُ الآخرةَ فيَتْرُكُ زينةَ الدُّنيا. فهذا عيدُ فطرِهِ يومَ لقاءِ ربِّهِ وفرحِهِ برؤيتِهِ. أهْلُ الخُصوصِ مِنَ الصُّوَّامِ صَوْمُهُمُ … صَوْنُ اللِسانِ عَنِ البُهْتانِ وَالكَذِبِ وَالعارِفونَ وَأهْلُ الأُنْسِ صَوْمُهُمُ … صَوْنُ القُلوبِ عَنِ الأغْيارِ وَالحُجُبِ العارفونَ لا يُسَلِّيهِم عن رؤيةِ مولاهُم قصرٌ، ولا يُرَوِّيهِم دونَ مشاهدتِهِ نهرٌ، هممُهُم أجلُّ مِن ذلكَ. كَبُرَتْ هِمَّةُ عَبْدٍ … طَمِعَتْ في أنْ تَراكَ مَنْ يَصُمْ عَنْ مُفْطِراتٍ … فَصِيامي عَنْ سِواكَ مَن صامَ عن شهواتِهِ في الدنيا؛ أدْرَكَها غدًا في الجنَّةِ. ومَن صامَ عمَّا سِوى اللهِ؛ فعيدُهُ يومَ لقائِهِ. ﴿مَنْ كانَ يَرْجو لِقاءَ اللهِ فَإنَّ أجَلَ اللهِ لَاتٍ﴾ [العنكبوت: ٥]. وَقَدْ صُمْتُ عَنْ لَذَّاتِ دَهْرِيَ كُلِّها … وَيَوْمَ لِقاكُمْ ذاكَ فِطْرُ صِيامي رُئِيَ بِشْرٌ في المنامِ، فسُئِلَ عن حالِهِ، فقالَ: عَلِمَ قلَّةَ رغبتي في الطَّعامِ فأباحَني

стр. 370

النَّظرَ إليهِ (١). وقيلَ لبعضِهِم: أينَ نَطْلُبُكَ في الآخرةِ؟ قالَ: في زمرةِ الناظرينَ إلى اللهِ. قيلَ لهُ: كيفَ عَلِمْتَ ذلكَ؟ قالَ: بغضِّي طرفيَ لهُ عن كلِّ محرَّمٍ، وباجتنابي فيهِ كلَّ منكرٍ ومأْثم، وقد سَألْتُهُ أنْ يَجْعَلَ جنَّتي النَّظرَ إليهِ. يا حَبِيبَ القُلوبِ مَنْ لي سِواكا … إرْحَمِ اليَوْمَ مُذْنِبًا قَدْ أتاكا لَيْسَ لي في الجِنانِ مَوْلايَ إرْبٌ … غَيْرَ أنِّي أُريدُها لِأراكا (٢) يا معشرَ الصَّائمينَ! صوموا اليومَ عن شهواتِ الهوى، لِتُدْرِكوا عيدَ الفطرِ يومَ اللقاءِ، لا يَطولَنَّ عليكُمُ الأمدُ باستبطاءِ الأجلِ؛ فإنَّ معظمَ نهارِ الصِّيامِ قد ذَهَب وعيدُ اللقاءِ قدِ اقْتَرَب. إنَّ يَوْمًا جامِعًا شَمْلي بِهِمْ … ذاكَ عِيدي لَيْسَ لي عِيدٌ سِواهُ • قولُهُ: "ولَخُلوفُ فمِ الصَّائمِ أطيبُ عندَ اللهِ مِن ريحِ المسكِ": خُلوفُ الفمِ: رائحةُ ما يَتَصاعَدُ منهُ مِن الأبخرةِ؛ لخلوِّ المعدةِ مِن الطَّعامِ بالصِّيامِ. وهيَ رائحةٌ مستكرهةٌ في مشامِّ النَّاسِ في الدُّنيا، لكنَّها طيِّبة عندَ اللهِ حيثُ كانَتْ ناشئةً عن طاعتِهِ وابتغاءَ مرضاتِهِ، كما أن دمَ الشَّهيدِ يَجيءُ يومَ القيامةِ يَثْعَبُ دمًا؛ لونُهُ لونُ الدَّمِ، وريحُهُ ريحُ المسكِ.

стр. 371

وبهذا اسْتَدَلَّ مَن كَرِهَ السَّواكَ للصَّائمِ أو لمْ يَسْتَحِبَّهُ مِن العلماءِ. وأوَّلُ مَن عَلِمْناهُ اسْتَدَلَّ بذلكَ عطاءُ بنُ أبي رَباحٍ. ورُوِيَ عن أبي هُرَيْرَةَ أنَّهُ اسْتَدَلَّ بهِ، لكنْ مِن وجهٍ لا يَثْبُتُ. وفي المسألةِ اختلافٌ مشهورٌ بينَ العلماءِ. وإنَّما كَرِهَهُ مَن كَرِهَهُ في آخرِ نهارِ الصَّومِ؛ لأنَّهُ وقتُ خلوِّ المعدةِ وتصاعدِ الأبخرةِ. وهل يَدْخُلُ وقتُ الكراهةِ بصلاةِ العصرِ أو بزوالِ الشَّمسِ أو بفعلِ صلاةِ الظُّهرِ في أوَّلِ وقتِها، على أقوالٍ ثلاثةٍ، والثَّالثُ هوَ المنصوصُ عن أحْمَدَ (١). • وفي طيبِ ريحِ خُلوفِ فمِ الصَّائمِ عندَ اللهِ معنيانِ: * أحدُهُما: أن الصِّيامَ لمَّا كانَ سرًّا بينَ العبدِ وربِّهِ في الدُّنيا؛ أظْهَرَهُ اللهُ في الآخرةِ علانيةً للخلقِ؛ لِيَشْتَهِرَ بذلكَ أهلُ الصِّيامِ ويُعْرَفوا بصيامِهِم بينَ النَّاسِ جزاءً لإخفائِهِم صيامَهُم في الدُّنيا. ورَوى أبو الشَّيخِ الأصبَهانِيُّ بإسنادٍ فيهِ ضعفٌ عن أنَسٍ مرفوعًا: "يَخْرُجُ الصَّائمونَ مِن قبورِهِم يُعْرَفونَ بريحِ أفواهِهِم، أفواهُهُم أطيبُ مِن ريحِ المسكِ" (٢). قالَ مَكْحولٌ: يُرَوَّحُ أهلُ الجنَّةِ برائحةٍ. فيَقولونَ: ربَّنا! ما وَجَدْنا ريحًا منذُ دَخَلْنا الجنَّةَ أطيبَ مِن هذهِ الرِّيحِ. فيُقالُ: هذهِ ريحُ أفواهِ الصَّائمينَ. وقد تَفوحُ رائحةُ الصِّيامِ في الدُّنيا فتُسْتَنْشَقُ قبلَ الآخرةِ، وهوَ نوعانِ:

стр. 372

أحدُهُما: ما يُدْرَكُ بالحواسِّ الظَّاهرةِ. كانَ عَبْدُ اللهِ بنُ غالِبٍ مِن العبَّادِ المجتهدينَ في الصَّلاةِ والصَّومِ، فلمَّا دُفِنَ؛ كانَ يَفوحُ مِن ترابِ قبرِهِ رائحةُ المسكِ، فرُئِيَ في المنامِ، فسُئِلَ عن تلكَ الرَّائحةِ التي توجَدُ مِن قبرِهِ، فقالَ: تلكَ رائحةُ التِّلاوةِ والظَّمإِ (١). والنَّوع الثَّاني: ما تَسْتَنْشِقُهُ الأرواحُ والقلوبُ، فيُوجِبُ ذلكَ للصَّائمينَ المخلصينَ المودَّةَ والمحبَّةَ في قلوبِ المؤمنينَ. وفي حديثِ الحارِثِ الأشْعَرِيِّ عن النَّبي ﷺ : "إنَّ [يَحْيى بنَ] (٢) زَكَرِيَّا ﵇ قالَ لبني إسْرائيلَ: آمُرُكُم بالصِّيامِ؛ فإن مَثَلَ ذلكَ كمَثَلِ رجلٍ في عصابةٍ، معَهُ صرَّةٌ فيها مسكٌ، فكلُّهُم يُعْجِبُهُ ريحُهُ، وإنَّ ريحَ الصَّائمِ عندَ اللهِ أطيبُ مِن ريحِ المسكِ" (٣). خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ وغيرُهُ.

стр. 373

لمَّا كانَ معاملةُ المخلصينَ بصيامِهِم لمولاهُم سرًّا بينَهُ وبينَهُم، أظْهَرَ اللهُ سرَّهُم لعبادِهِ فصارَ علانيةً، فصارَ هذا التَّجلِّي والإظهار جزاءً لذلكَ الصَّونِ والإسرار. في الحديثِ: "ما أسَرَّ أحدٌ سريرةً إلَّا ألْبَسَهُ اللهُ رداءَها علانيةً" (١). قالَ يوسُفُ بنُ أسْباطٍ: أوْحى اللهُ تَعالى إلى نبيٍّ مِن الأنبياءِ: قُلْ لقومِكَ يُخْفونَ لي أعمالَهُم وعليَّ أظهارُها لهُم. تَذَلُّلُ أرْبابِ الهَوى في الهَوى عِزُّ … وَفَقْرُهُمُ نَحْوَ الحَبيبِ هُوَ الكَنْزُ وَسَتْرُهُمُ فيهِ السَّرائِرَ شُهْرَةٌ … وَغَيْرُ تَلافِ النَّفْسِ فيهِ هُوَ العَجْزُ * والمعنى الثَّاني: أن مَن عَبَدَ الله وأطاعَهُ وطَلَبَ رضاهُ في الدُّنيا بعملٍ، فنَشَأ مِن

стр. 374

عملِهِ آثارٌ مكروهةٌ للنُّفوسِ في الدُّنيا؛ فإنَّ تلكَ الآثارَ غيرُ مكروهةٍ عندَ اللهِ، بل هيَ محبوبةٌ لهُ وطيِّبةٌ عندَهُ؛ لكونها نَشَأتْ عن طاعتِهِ واتِّباعِ مرضاتِهِ. فإخبارُهُ بذلكَ للعاملينَ في الدُّنيا فيهِ تطييبٌ لقلوبِهِم؛ لئلّا يُكْرَهَ منهُم ما وُجِدَ في الدُّنيا. قالَ بعضُ السَّلفِ: وَعَدَ اللهُ موسى ﵇ ثلاثينَ ليلةً أنْ يُكَلِّمَهُ على رأْسِها، فصامَ ثلاثينَ يومًا، ثمَّ وَجَدَ مِن فيهِ خُلوفًا، فكَرِهَ أنْ يُناجِيَ ربَّهُ على تلكَ الحالِ، فأخَذَ سواكًا فاسْتاكَ بهِ، فلمَّا أتى لموعدِ اللهِ إيَّاهُ؛ قالَ لهُ: يا موسى! أما عَلِمْتَ أن خُلوفَ فمِ الصَّائمِ أطيبُ عندَنا مِن ريحِ المسكِ، ارْجِعْ فصُم عشرةً أُخرى (١). ولهذا المعنى كانَ دمُ الشَّهيدِ ريحُهُ يومَ القيامةِ كريحِ المسكِ، وغبارُ المجاهدينَ في سبيلِهِ ذريرةَ أهلِ الجنَّةِ، وَرَدَ في ذلكَ حديثٌ مرسلٌ (٢). كلُّ شيءٍ ناقصٍ في عرفِ النَّاسِ في الدُّنيا إذا انْتَسَبَ إلى طاعتِهِ ورضاهُ فهوَ الكاملُ في الحقيقةِ. خُلوفُ أفواهِ الصَّائمينَ لهُ أطيبُ مِن ريحِ المسكِ، عُرْيُ المحرمينَ لزيارةِ بيتِهِ أجملُ مِن لباسِ الحللِ، نَوْحُ المذنبينَ على أنفسِهِم مِن خشيتِهِ أفضلُ مِن التَّسبيحِ، انكسارُ المخبتينَ لعظمتِهِ هوَ الجبرُ، ذلُّ الخائفينَ مِن سطوتِهِ هوَ العزُّ، تهتكُ المحبِّينَ في محبَّتِهِ أحسنُ مِن السَّترِ، بذلُ النُّفوسِ للقتلِ في سبيلِهِ هوَ الحياةُ، جوعُ الصَّائمينَ لأجلِهِ هوَ الشِّبعُ، عطشُهُم في طلبِ مرضاتِهِ هوَ الرِّيُّ، نَصَبُ المجتهدينَ في خدمتِهِ هوَ الرَّاحةُ. ذُلُّ الفَتى في الحُبِّ مَكْرُمَةٌ … وَخُضوعُهُ لِحَبيبِهِ شَرَفُ هَبَّتِ اليومَ على القلوبِ نفحةٌ مِن نفحاتِ نسيمِ القربِ.

стр. 375

سَعى سمسارُ المواعظِ للمهجورينَ في الصُّلحِ. وَصَلَتِ البشارةُ للمنقطعينَ بالوصلِ وللمذنبينَ بالعفوِ وللمستوجبينَ النَّارَ بالعتقِ. لمَّا سُلْسِلَ الشَّيطانُ في شهرِ رمضانَ وخَمَدَتْ نيرانُ الشَّهواتِ بالصِّيامِ؛ انْعَزَلَ سلطانُ الهوى، وصارَتِ الدَّولةُ لحاكمِ العقلِ بالعدلِ، فلم يَبْقَ للعاصي عذرٌ. يا غيومَ الغفلةِ عن القلوبِ تَقَشَعي! يا شُموسَ التَّقوى والإيمانِ اطْلُعي! يا صحائفَ أعمالِ الصَّالحينَ ارْتَفِعي! يا قلوبَ الصَّائمينَ اخْشَعي! يا أقدامَ المجتهدينَ اسْجُدي لربكِ وارْكَعي! يا عيونَ المتهجِّدينَ لا تَهْجَعي! يا ذنوبَ التَّائبينَ لا تَرْجِعي! يا أرضَ الهوى ابْلَعي ماءَكِ ويا سماءَ النُّفوسِ أقْلِعي! يا بُروقَ الأشواقِ للعشَّاقِ الْمَعي! يا خواطرَ العارفينَ ارْتَعي! يا هممَ المحبِّينَ بغيرِ اللهِ لا تَقْنَعي! يا جُنَيْدُ اطْرَبْ، يا شِبْلِيُّ احْضُرْ، يا رابعةُ اسْمَعي! قد مُدَّتْ في هذهِ الأيامِ موائدُ الإنعامِ للصُّوَّامِ فما منكُم إلَّا مَن دُعي. يا قومَنا أجِيبوا داعيَ اللهِ، ويا هممَ المؤمنينَ أسْرِعي! فطوبى لمَن أجابَ فأصابَ، وويلٌ لمَن طُرِدَ عن البابِ وما دُعي! سَألْتُكِ يا بانَةَ الأجْرَعي … مَتى رُفِعَ الحَيُّ مِنْ لَعْلَعي وَهَلْ مَرَّ قَلْبي مَعَ الظَّاعِنيـ … ـنَ أمْ خارَ ضَعْفًا فَلَمْ يَتْبَعي رَحَلْنا ووافَقَنا الصَّادِقونَ … وَلَمْ يَتَخَلَّفْ سِوى مُدَّعي لَيْتَ شِعْري إنْ جِئْتُهُمْ يَقْبَلوني … أمْ تُراهُمْ عَنْ بابِهِم يَصْرِفوني أمْ تُراني إذا وَقَفْتُ لَدَيْهِمْ … يَأْذَنوا بِالدُّخولِ أمْ يَطْرُدوني (١) المجلس الثاني: في فضل الجود في رمضان وتلاوة القرآن في الصَّحيحين (٢): عن ابن عَبَّاسٍ؛ قالَ: كانَ النَّبيُّ ﷺ أجوَدَ النَّاسِ، وكانَ أجودَ ما يَكونُ في رمضانَ حينَ يَلْقاهُ جِبْريلُ فيُدارِسُهُ القرآنَ، وكانَ جِبْريلُ يَلْقاهُ في كلِّ ليلةٍ

стр. 376

فيُدارِسُهُ القرآنَ، فلَرسولُ اللهِ ﷺ حينَ يَلْقاهُ جِبْريلُ أجودُ بالخيرِ مِن الرِّيحِ المرسلةِ". وخَرَّجَهُ الإمامُ أحْمَدُ بزيادة في آخرِهِ، وهيَ: "لا يُسْألُ عن شيءٍ إلَّا أعْطاهُ" (١). • الجودُ هوَ سعةُ العطاءِ وكثرتُهُ، واللهُ تَعالى يوصفُ بالجودِ. وفي التِّرْمِذِيِّ مِن حديثِ: سَعْدِ بن أبي وَقَّاصٍ، عن النَّبيِّ ﷺ : "إنَّ الله جوادٌ يُحِبُّ الجودَ، كريم يُحِبُّ الكرمَ" (٢).

стр. 377

وفيهِ أيضًا مِن حديثِ: أبي ذَرٍّ، عن النَّبيِّ ﷺ ، عن ربِّهِ؛ قالَ: "يا عبادي! لو أن أوَّلَكُم وآخرَكُم وحيَّكُم وميِّتَكُم ورطبَكُم ويابسَكُمُ اجْتَمَعوا في صعيدٍ واحدٍ، فسَألَ كلُّ إنسانٍ منكُم ما بَلَغَتْ أُمنيتُهُ، فأعْطَيْتُ كلَّ سائلٍ منكُم؛ ما نَقَصَ ذلكَ مِن ملكي إلَّا كما لو أنَّ أحدَكُم مَرَّ بالبحرِ فغَمَسَ فيهِ إبرةً ثمَّ رَفَعَها إليهِ، ذلكَ بأنِّي جواد واجد ماجد أفْعَلُ ما أُريدُ، عَطائي كلامٌ وعذابي كلامٌ، إنَّما أمري لشيءٍ إذا أرَدْتُ أنْ أقولَ لهُ كُنْ فيَكونُ" (١). وفي الأثرِ المشهورِ عن فُضَيْلِ بن عِياضٍ: إنَّ الله تَعالى يَقولُ كلَّ ليلةٍ: أنا الجوادُ

стр. 378

ومنِّي الجودُ، أنا الكريمُ ومنِّي الكرمُ (١). فاللهُ سبحانَهُ أجودُ الأجودينَ، وجودُهُ يَتَضاعَفُ في أوقاتٍ خاصَّةٍ كشهرِ رمضانَ: وفيهِ أُنْزِلَ قولُهُ [تَعالى]: ﴿وَإذا سَألَكَ عِبادي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ أُجيبُ دَعْوَةَ الدَّاعي إذا دَعانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]. وفي الحديثِ الذي خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ وغيرُهُ: أنَّهُ يُنادي فيه منادٍ: "يا باغيَ الخيرِ! هَلُمَّ، ويا باغيَ الشَّرِّ! أقْصِرْ. وللهِ عتقاءُ مِن النَّارِ، وذَلكَ كلَّ ليلةٍ" (٢). • ولمَّا كانَ اللهُ قد جَبَلَ نبيَّهُ ﵇ على أكملِ الأخلاقِ وأشرفِها كما في حديثِ: أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبي ﷺ ؛ قالَ: "إنَّما بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ صالحَ الأخلاقِ" (٣). وذَكَرَهُ مالكٌ في "الموطَّإ" بلاغًا. فكانَ رسولُ اللهِ ﷺ أجودَ النَّاس كلَهِم. وخَرَّجَ ابنُ عَدِيٍّ بإسنادٍ فيهِ ضعفٌ مِن حديثِ أنَسٍ مرفوعًا: "ألا أُخْبِرُكُم بالأجودِ

стр. 379

الأجودِ؟ اللهُ الأجودُ الأجودُ. وأنا أجودُ بني آدَمَ. وأجودُهُم مِن بعدي: رجلٌ عَلِمَ علمًا فنَشَرَ علمَهُ، يُبْعَثُ يومَ القيامةِ أُمَّةً وحدَهُ. ورجلٌ جادَ بنفسِهِ في سبيلِ اللهِ" (١). فدَلَّ هذا على أنَّهُ ﵇ أجودُ بني آدَمَ على الإطلاقِ، كما أنَّهُ أفضلُهُم وأعلمُهُم وأشجعُهُم وأكملُهُم في جميعِ الأوصافِ الحميدةِ. وكانَ جودُهُ بجميعِ أنواعِ الجودِ مِن: بذلِ العلمِ والمالِ، وبذلِ نفسِهِ للهِ في إظهارِ دينِهِ وهدايةِ عبادِهِ وإيصالِ النَّفعِ إليهِم بكلِّ طريقٍ مِن إطعامِ جائعِهِم ووعظِ جاهلِهِم وقضاءِ حوائجِهِم وتحمُّلِ أثقالِهِم. ولمْ يَزَلْ ﷺ على هذهِ الخصالِ الحميدةِ منذُ نَشَأ، ولهذا قالَتْ لهُ خديجةُ في أوَّلِ مبعثِهِ: واللهِ؛ لا يُخْزيكَ اللهُ أبدًا، إنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحمَ وتَقْري الضَّيفَ وتَحْمِلُ الكَلَّ وتكْسِبُ المعدومَ وتُعينُ على نوائبِ الحق (٢). ثمَّ تَزايَدَتْ هذهِ الخصالُ فيهِ ﷺ بعدَ البعثةِ وتَضاعَفَتْ أضعافًا كثيرةً. وفي الصَّحيحينِ (٣): عن أنَسٍ؛ قالَ: كانَ رسولُ اللهِ ﷺ أحسنَ النَّاسِ وأشجعَ النَّاسِ وأجودَ النَّاسِ. وفي "صحيح مسلم" (٤) عنهُ؛ قالَ: ما سُئِلَ رسولُ اللهِ ﷺ على الإسلامِ شيئًا إلَّا أعْطاهُ، فجاءَهُ رجلٌ فأعطاهُ غنمًا بينَ جبلينِ، فرَجَعَ إلى قومِهِ فقالَ: يا قومِ! أسْلِموا؛

стр. 380

فإنَّ مُحَمَّدًا يُعْطي عطاءَ مَن لا يَخْشى الفاقةَ. وفي روايةٍ لهُ (١): أن رجلًا سَألَ النَّبيَّ ﷺ غنمًا بينَ جبلينِ، فأعْطاهُ إيَّاهُ، فأتى قومَهُ فقالَ: يا قومِ! أسْلِموا؛ فإنَّ مُحَمَّدًا يُعْطي عطاءً ما يَخافُ (٢) الفقرَ. قالَ أنَسٌ: إنْ كانَ الرَّجلُ لَيُسْلِمُ ما يُريدُ إلَّا الدُّنيا، فما يُمْسي حتَّى يَكونَ الإسلامُ أحبَّ إليهِ مِن الدُّنيا وما عليها. وفيهِ أيضًا (٣): عن صَفْوانَ بن أُمَيَّةَ؛ قالَ: لقد أعْطاني رسولُ اللهِ ﷺ ما أعْطاني وإنَّهُ لَمِن أبغضِ النَّاسِ إليَّ، فما بَرِحَ يُعْطيني حتَّى إنَّهُ لأَحبُّ النَّاسِ إليَّ. قالَ ابنُ شِهابٍ: أعْطاهُ يومَ حنينٍ مئةً مِن النَّعمِ ثمَّ مئةً ثمَّ مئةً. وفي "مغازي الواقِدِيِّ": أن النَّبيَّ ﷺ أعْطى صَفْوانَ [بنَ أُمَيَّةَ] يومئذٍ واديًا مملوءًا إبلًا ونعمًا، فقالَ صَفْوانُ: أشْهَدُ ما طابَتْ بهذا إلَّا نفسُ نبيٍّ (٤). وفي الصَّحيحينِ (٥): عن جُبَيْرِ بن مُطْعِمٍ؛ أن الأعرابَ عَلِقوا بالنَّبيِّ ﷺ مرجعَهُ مِن حُنَيْنٍ يَسْألونَهُ أنْ يَقْسِمَ بينَهُم. فقالَ: "لو كانَ لي عددُ هذهِ العِضاهِ نَعَمًا؛ لَقَسَمْتُهُ بينكُم، ثمَّ لا تَجِدوني بخيلًا ولا كذوبًا ولا جبانًا". وفيهِما (٦): عن جابِرٍ؛ قالَ: ما سُئِلَ رسولُ اللهِ ﷺ شيئًا فقالَ: لا. وأنَّهُ قالَ لجابِرٍ: "لو جاءَنا مالُ البحرينِ؛ لقد أعْطَيْتُكَ هكذا وهكذا وهكذا (وقالَ بيديهِ جميعًا) ".

стр. 381

وخَرَّجَ البُخارِيُّ (١) مِن حديثِ سَهْلِ بن سَعْدٍ؛ أن شَمْلَةً أهْدِيَتْ للنَّبيِّ ﷺ ، فلَبِسَها وهوَ محتاجٌ إليها، فسَألَهُ إيَّاها رجلٌ فأعْطاهُ، فلامَهُ النَّاسُ وقالوا: كانَ محتاجًا إليها، وقد عَلِمْتَ أنَّهُ لا يَرُدُّ سائلًا! فقالَ: إنَّما سَألْتُها لِتكونَ كفني. فكانَتْ كفنَهُ. • وكانَ جودُهُ ﷺ كلُّه للهِ وفي ابتغاءِ مرضاتِهِ؛ فإنَّهُ كانَ يَبْذُلُ المالَ إمَّا لفقيرٍ أو محتاجٍ، أو يُنْفِقُهُ في سبيلِ اللهِ، أو يَتَألَّفُ بهِ على الإسلامِ مَن يَقْوى الإسلامُ بإسلامِهِ. وكانَ يُؤْثِرُ على نفسِهِ وأهلِهِ وأولادِهِ، فيُعْطي عطاءً يَعْجِزُ عنهُ الملوكُ مثلُ كسرى وقيصرَ ويَعيشُ في نفسِهِ عيشَ الفقراءِ، فيَأْتي عليهِ الشَّهرُ والشَّهرانِ لا يُوقَدُ في بيتِهِ نارٌ، وربَّما رَبَطَ على بطنِهِ الحجرَ مِن الجوعِ. وكانَ قد أتاهُ ﷺ سبيٌ مرَّةً، فشَكَتْ إليهِ فاطِمَةُ ما تَلْقى مِن خدمةِ البيتِ، وطَلَبَتْ منهُ خادمًا يَكْفِيها مؤونةَ بيتِهاِ، فأمَرَها أنْ تَسْتَعينَ بالتَّسبيحِ والتَّكبيرِ والتَّحميدِ عندَ نومِها، وقالَ: "لا أُعْطيكِ وأدَعُ أهلَ الصُّفَّةِ تُطْوى بطونُهُم مِن الجوعِ" (٢). وكانَ جودُهُ ﷺ يَتَضاعَفُ في شهرِ رمضانَ على غيرِهِ مِن الشُّهورِ كما أن جودَ ربِّهِ يَتَضاعَفُ فيهِ أيضًا؛ فإنَّ الله جَبَلَهُ على ما يُحِبُّهُ مِن الأخلاقِ الكريمةِ، وكانَ على ذلكَ مِن قبلِ البعثةِ. ذَكَرَ ابنُ إسْحاقَ عن: وَهْبِ بن كَيْسانَ، عن عُبَيْدِ بن عُمَيْرٍ، قالَ: كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يُجاوِرُ في حراءَ مِن كلِّ سنةٍ شهرًا يُطْعِمُ مَن جاءَهُ مِن المساكينِ، حتَّى إذا كانَ الشَّهرُ الذي أرادَ اللهُ [بهِ] ما أرادَ مِن كرامتِهِ مِن السَّنةِ التي بَعَثَهُ اللهُ فيها - وذلكَ الشَّهرُ شهرُ

стр. 382

رمضانَ -؛ خَرَجَ إلى حراءَ كما كانَ يَخْرُجُ لجوارِهِ معَهُ أهلُهُ، حتَّى إذا كانَتِ الليلةُ التي أكْرَمَهُ اللهُ برسالتِهِ ورَحِمَ العبادَ بها؛ جاءَهُ جبريلُ مِن اللهِ (١). ثمَّ كانَ بعدَ الرِّسالةِ جودُهُ في رمضانَ أضعافُ ما كانَ قبلَ ذلكَ؛ فإنَّهُ كانَ يَلْتَقي هوَ وجبريلُ ﵇، وهوَ أفضلُ الملائكةِ وأكرمُهُم، ويُدارِسُهُ الكتابَ الذي جاءَ بهِ إليهِ، وهوَ أشرفُ الكتبِ وأفضلُها، وهوَ يَحُثُّ على الإحسانِ ومكارمِ الأخلاقِ. وقد كانَ ﷺ هذا الكتابُ لهُ خلُقًا بحيثُ: يَرْضى لرضاهُ، ويَسْخَطُ لسخطِهِ، ويُسارِعُ إلى ما حَثَّ عليهِ، ويَمْتَنِعُ ممَّا زَجَرَ عنهُ. فلهذا كانَ يَتَضاعَفُ جودُهُ وإفضالُهُ في هذا الشَّهرِ؛ لقربِ عهدِهِ بمخالطةِ جِبْريلَ ﵇، وكثرةِ مدارستِهِ لهُ هذا الكتابَ الكريمَ الذي يَحُثُّ على المكارمِ والجودِ. ولا شكَّ أن المخالطةَ تُؤَثِّرُ وتُورِثُ أخلاقًا مِن المخالطِ. كانَ بعضُ الشُّعراءِ قدِ امْتَدَحَ ملكًا جوادًا، فأعْطاهُ جائزةً سنيَّةً، فخَرَجَ بها مِن عندِهِ وفَرَّقَها كلَّها على النَّاسِ، وأنْشَدَ: لَمَسْتُ بِكَفِّي كَفَّهُ أبْتَغي الغِنى … وَلَمْ أدْرِ أنَّ الجودَ مِن كَفِّهِ يُعْدي فبَلَغَ ذلكَ الملكَ فأضْعَفَ لهُ الجائزةَ. وقد قال بعضُ الشُّعراءِ يَمْدَحُ بعضَ الأجوادِ - ولا يَصْلُحُ أنْ يَكونَ ذلكَ إلَّا لرسول اللهِ ﷺ -: تَعَوَّدَ بَسْطَ الكَفِّ حَتَّى لَوَ انَّهُ … ثَناها لِقَبْضٍ لَمْ تُطِعْهُ أنامِلُهْ

стр. 383

تَراهُ إذا ما جِئْتَهُ مُتَهَلِّلًا … كَأنَّكَ تُعْطيهِ الذي أنْتَ سائِلُهْ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ في كَفِّهِ غَيْرُ رُوحِهِ … لَجادَ بِها فَلْيَتَّقِ الله سائِلُهْ هُوَ البَحْرُ مِن أيِّ النَّواحي أتَيْتَهُ … فَلُجَّتُهُ المَعْروفُ والجودُ ساحِلُهْ سَمعَ الشِّبْلِيُّ قائلًا يَقولُ: يا اللهُ! يا جوادُ! فتَأوَّهَ وصاحَ وقالَ: كيفَ يُمْكِنُني أنْ أصِفَ الحقَّ بالجودِ ومخلوقٌ يَقولُ في شكلِهِ … فذَكَرَ هذهِ الأبياتَ ثمَّ بكى وقالَ: بلى يا جوادُ! فإنَّكَ أوْجَدْتَ تلكَ الجوارحَ، وبَسَطْتَ تلكَ الهممَ، فأنتَ الجوادُ كلُّ الجوادِ؛ فإنَّهُم يُعْطونَ عن محدودٍ وعطاؤُكَ لا حدَّ لهُ ولا صفةَ، فيا جوادًا يَعْلو كلَّ جوادٍ وبهِ جادَ كلُّ مَن جاد (١)! • وفي تضاعفِ جودِهِ ﷺ في شهرِ رمضانَ بخصوصِهِ فوائدُ كثيرةٌ: * منها: شرفُ الزَّمانِ ومضاعفةُ أجرِ العملِ فيهِ. وفي التِّرْمِذِيِّ: عن أنَسٍ مرفوعًا: "أفضلُ الصَّدقةِ صدقةٌ في رمضانَ" (٢). * ومنها: إعانةُ الصَّائمينَ والقائمينَ والذَّاكرينَ على طاعاتِهِم، فيَسْتَوْجِبُ المعينُ لهُم مثلَ أجرِهِم، كما أن مَن جَهَّزَ غازيًا فقد غَزا ومَن خَلَفَهُ في أهلِهِ فقد غَزا. وفي حديثِ: زَيْدِ بن خالِدٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ، قالَ: "مَن فَطَرَ صائمًا فلَهُ مثلُ أجرِهِ مِن غيرِ أنْ يَنْقُصَ مِن أجرِ الصَّائمِ شيءٌ" (٣). خَرَّجَهُ الإمامُ أحْمَدُ والنَّسائيُّ والتِّرْمِذِيُّ

стр. 384

وابنُ ماجَهْ. وخَرَّجَهُ الطَّبَرانِيُّ مِن حديثِ عائِشَةَ وزادَ: "وما عَمِلَ الصَّائمُ مِن أعمالِ البرِّ إلَّا كانَ لصاحبِ الطَّعامِ ما دامَ قوَّةُ الطَّعامِ فيهِ" (١). وخَرَّجَ ابنُ خُزَيْمَةَ في "صحيحه" مِن حديثِ سَلْمانَ مرفوعًا حديثًا في فضلِ شهرِ رمضانَ، وفيهِ: "وهوَ شهرُ المواساةِ، وشهرٌ يُزادُ فيهِ في رزقِ المؤمنِ، مَن فَطَّرَ فيهِ صائمًا؛ كانَ مغفرةً لذنوبِهِ وعتقَ رقبتِهِ مِن النَّارِ وكانَ لهُ مثلُ أجرِهِ مِن غيرِ أنْ يَنْقُصَ مِن أجرِهِ شيءٌ". قالوا: يا رسولَ اللهِ! ليسَ كلُّنا يَجِدُ ما يُفَطِّرُ الصَّائمَ. قالَ: "يُعْطي اللهُ هذا الثَّوابَ لمَن فَطَّرَ صائمًا على مَذْقَةِ لبنٍ أو تمرةٍ أو شربةِ ماءٍ. ومَن أشْبَعَ فيهِ صائمًا؛ سَقاهُ اللهُ مِن حوضي شربةً لا يَظْمَأُ بعدَها حتَّى يَدْخُلَ الجنَّةَ" (٢). * ومنها: أن شهرَ رمضانَ شهرٌ يَجودُ اللهُ فيهِ على عبادهِ بالرَّحمةِ والمغفرةِ والعتقِ مِن النَّارِ، لا سيَّما في ليلةِ القدرِ، واللهُ تَعالى يَرْحَمُ مِن عبادهِ الرُّحماءَ، كما قالَ النَّبيُّ ﷺ : "إنَّما يَرْحَمُ اللهُ مِن عباده الرُّحماءَ" (٣)، فمَن جادَ على عبادِ اللهِ؛ جادَ اللهُ عليهِ بالعطاءِ والفضلِ، والجزاءُ مِن جنسِ العملِ. * ومنها: أنَّ الجمعَ بينَ الصِّيامِ والصَّدقةِ مِن موجِباتِ الجنَّةِ، كما في حديثِ

стр. 385

عَلِيٍّ عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "إنَّ في الجنَّةِ غرفًا يُرى ظهورُها مِن بطونِها وبطونُها مِن ظهورِها". قالوا: لمَن هيَ يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: "لمَن طَيَّبَ الكلام، وأطْعَمَ الطعام، وأدامَ الصِّيام، وصَلَّى بالليلِ والنَّاسُ نيام" (١). وهذهِ الخصالُ كلُّها تَكونُ في رمضانَ، فيَجْتَمعُ فيهِ للمؤمنِ الصِّيامُ والقيامُ والصَّدقةُ وطيبُ الكلامِ؛ فإنَّهُ يُنْهى فيهِ الصَّائمُ عن اللغوِ والرَّفثِ، والصِّيامُ والصَّلاةُ والصَّدقةُ توصِلُ صاحبَها إلى اللهِ . قالَ بعضُ السَّلفِ: الصَّلاةُ توصِلُ صاحبَها إلى نصفِ الطَّريقِ، والصِّيامُ يوصِلُهُ إلى بابِ الملكِ، والصَّدقةُ تَأْخُذُ بيدِهِ فتُدْخِلُهُ على الملكِ. وفي "صحيح مسلم" (٢): عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ أنَّهُ قالَ: "مَن أصْبَحَ منكُمُ اليومَ صائمًا؟ ". قالَ أبو بَكْرٍ: أنا. قالَ: "مَن تَبعَ منكُمُ اليومَ جنازةً؟ ". قالَ أبو بَكْرٍ: أنا. قالَ: "فمَن أطْعَمَ اليومَ مسكينًا؟ ". قالَ أبو بكرٍ: أنا. قالَ: "مَن تَصَدَّقَ بصدقةٍ؟ ". قالَ أبو بكرٍ: أنا. قالَ: "فمَن عادَ منكُم مريضًا؟ ". قالَ أبو بكرٍ: أنا. قالَ: "ما اجْتَمَعْنَ في امرئ إلَّا دَخَلَ الجنَّةَ". • ومنها: أن الجمعَ بينَ الصِّيامِ والصَّدقةِ أبلغُ في تكفيرِ الخطايا واتِّقاءِ جهنَّمَ والمباعدةِ عنها، وخصوصًا إنْ ضُمَّ إلى ذلكَ قيامُ الليلِ. فقد ثَبَتَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: "الصِّيامُ جُنَّةٌ (وفي روايةٍ: جُنَّةُ أحدِكُم) مِن النَّارِ كجُنَّتِهِ مِن القتالِ" (٣).

стр. 386

وفي حديثِ مُعاذٍ عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "الصَّدقةُ تُطْفِئ الخطيئةَ كما يُطْفِئ الماءُ النَّارَ، وقيامُ الرَّجلِ مِن جوفِ (١) الليلِ" (٢)؛ يَعْني أنَّهُ يُطْفِئ الخطيئةَ أيضًا. وقد صَرَّحَ بذلكَ في روايةِ الإمامِ أحْمَدَ. وفي الصَّحيحِ عنهُ ﷺ ، أنَّهُ قالَ: "اتَّقوا النَّارَ ولو بشقِّ تمرةٍ" (٣). وكانَ أبو الدَّرداءِ يَقولُ: صَلُّوا في ظلمةِ الليلِ ركعتينِ لظلمةِ القبور، صوموا يومًا شديدًا حرُّهُ لحرِّ يومِ النُّشور، تَصَدَّقوا بصدقةٍ لشرِّ يومٍ عسير. * ومنها: أن الصِّيامَ لا بدَّ أنْ يَقَعَ فيهِ خللٌ ونقصٌ، وتكفيرُ الصِّيامِ للذنوبِ مشروطٌ بالتَّحفُّظِ ممَّا يَنْبَغي التَّحفُّظُ منهُ، كما وَرَدَ ذلكَ في حديثٍ خَرَّجَهُ ابنُ حِبَّانَ في "صحيحه"، وعامَّةُ صيامِ النَّاسِ لا يَجْتَمعُ في صومِهِ التَّحفُّظُ كما يَنْبَغي، ولهذا نُهِيَ أنْ يَقولَ الرَّجلُ: صُمْتُ رمضانَ كلَّهُ أو قمتُهُ كلَّهُ. فالصَّدقةُ تَجْبُرُ ما فيهِ مِن النَّقصِ والخللِ، ولهذا وَجَبَ في آخرِ شهرِ رمضانَ زكاةُ الفطرِ طهرةً للصَّائمِ مِن اللغوِ والرَّفثِ. والصِّيامُ والصَّدقةُ لهُما مدخلٌ في كفاراتِ الأيمانِ ومحظوراتِ الإحرامِ وكفَّارةِ الوطءِ في رمضانَ. ولهذا كانَ اللهُ تَعالى قد خَيَّرَ المسلمينَ في ابتداءِ الأمرِ بينَ الصِّيامِ وإطعامِ المسكينِ، ثمَّ نُسِخَ ذلكَ وبَقِيَ الإطعامُ لمَن يَعْجِزُ عن الصِّيامِ لكبرِهِ. ومَن أخَّرَ قضاءَ رمضانَ حتَّى أدْرَكَهُ رمضانٌ آخر (٤)، فإنَّهُ يَقْضيهِ ويَضُمُّ إليهِ إطعامَ مسكينٍ لكلِّ يومٍ؛ تقويةً لهُ عندَ أكثرِ العلماءِ، كما أفْتى بهِ الصَّحابةُ. وكذلكَ مَن أفْطَرَ لأجلِ غيرِهِ - كالحاملِ والمرضعِ - على قولِ طائفةٍ مِن العلماءِ (٥).

стр. 387

* ومنها: أن الصَّائمَ يَدَعُ طعامَهُ وشرابَهُ للهِ، فإذا أعانَ الصَّائمينَ على التَّقوِّي على طعامِهِم وشرابِهِم؛ كانَ بمنزلةِ مَن تَرَكَ شهوةً للهِ تَعالى وآثَرَ بِها أو واسى فيها. ولهذا يُشْرَعُ لهُ تفطيرُ الصُّوَّامِ معَهُ إذا أفْطَرَ؛ لأنَّ الطعامَ يَكونُ محبوبًا لهُ حينئذٍ، فيواسي منهُ حتَّى يَكونَ ممَّن أطْعَمَ الطَّعامَ على حبِّهِ، ويَكونُ في ذلكَ شكرٌ للهِ على نعمةِ إباحةِ الطعامِ والشَّرابِ لهُ وردِّهِ عليهِ بعدَ منعِهِ إيَّاهُ؛ فإنَّ هذهِ النِّعمةَ إنَّما عُرِفَ قدرُها عندَ المنعِ منها. وسُئِلَ بعضُ السَّلفِ: لمَ شُرِعَ الصِّيامُ؟ قالَ: لِيَذوقَ الغنيُّ طعمَ الجوعِ فلا يَنْسى الجائعَ. وهذا مِن بعضِ حكمِ الصَّومِ وفوائدِهِ. وقد ذَكَرْنا فيما تَقَدَّمَ حديثَ سَلْمانَ، وفيهِ "وهوَ شهرُ المواساةِ" (١)، فمَن لمْ يَقْدِرْ فيهِ على درجةِ الإيثارِ على نفسِهِ؛ فلا يَعْجِزْ عن درجةِ أهلِ المواساةِ. كانَ كثيرٌ مِن السَّلفِ يواسونَ مِن إفطارِهِم أو يُؤْثِرونَ بهِ ويَطْوونَ، وكانَ ابنُ عُمَرَ يَصومُ ولا يُفْطِرُ إلَّا معَ المساكينِ، فإذا مَنَعَهُم أهلُهُ عنهُ؛ لم يَتَعَشَّ تلكَ الليلةَ. وكانَ إذا جاءَهُ سائلٌ وهوَ على طعامِهِ؛ أخَذَ نصيبَهُ مِن الطعامِ وقامَ فأعْطاهُ السَّائلَ، فيَرْجِعُ وقد أكَلَ أهلُهُ ما بَقِيَ في الجفنةِ، فيُصْبِحُ صائمًا ولم يَأْكُلْ شيئًا. واشْتَهى بعضُ الصَّالحينَ مِن السَّلفِ طعامًا، وكانَ صائمًا، فوُضِعَ بينَ يديهِ عندَ فطرِهِ، فسَمعَ سائلًا يَقولُ: مَن يُقْرِضُ الملِيَّ الوفيَّ الغنيَّ؟ فقالَ: عبدُهُ المعدمُ مِن الحسناتِ. فقامَ فأخَذَ الصَّحفةَ وخَرَجَ بها إليهِ وباتَ طاويًا. وجاءَ سائلٌ إلى الإمامِ أحْمَدَ، فدَفَعَ إليهِ رغيفينِ كانَ يُعِدُّهُما لفطرِهِ، ثمَّ طَوى وأصْبَحَ صائمًا. وكانَ الحَسَنُ يُطْعِمُ إخوانَهُ وهوَ صائمٌ تطوُّعًا، ويَجْلِسُ يُرَوِّحُهُم وهُم يَأْكُلونَ. وكانَ ابنُ المُبارَكِ يُطْعِمُ إخوانَهُ الألوانَ مِن الحلواءِ وغيرِها في السَّفرِ وهوَ صائمٌ. سلامُ اللهِ على تلكَ الأرواح، رحمةُ اللهِ على تلكَ الأشباح، لم يَبْقَ منهُم إلَّا أخبارٌ وآثار، كم بينَ مَن يَمْنَعُ الحق الواجبَ عليهِ وبينَ أهلِ الإيثار.

стр. 388

لا تَعْرِضَنَّ لِذِكْرِنا في ذِكْرِهِمْ … لَيْسَ الصَّحيحُ إذا مَشى كَالمُقْعَدِ ولهُ فوائدُ أُخرُ: قالَ الشَّافِعِيُّ: أُحِبُّ للرَّجلِ الزِّيادةَ بالجودِ في شهرِ رمضانَ اقتداءً برسولِ اللهِ ﷺ ، ولحاجةِ النَّاسِ فيهِ إلى مصالحِهِم، ولتشاغلِ كثيرٍ منهُم بالصَّومِ والصَّلاةِ عن مكاسبِهِم. وكذا قالَ القاضي أبو يَعْلى وغيرُهُ مِن أصحابِنا أيضًا. • ودَلَّ الحديثُ أيضًا على استحبابِ دراسةِ القرآنِ في رمضانَ والاجتماعِ على ذلكَ وعرضِ القرانِ على مَن هوَ أحفظُ لهُ منهُ. وفيهِ دليلٌ على استحبابِ الإكثارِ مِن تلاوةِ القرآنِ في شهرِ رمضانَ. وفي حديثِ فاطِمَةَ ﵍: عن أبيها ﷺ ؛ أنَّهُ أخْبَرَها أن جِبْريلَ كانَ يَعارِضُهُ القرآنَ كلَّ عامٍ مرَّةً، وأنَّهُ عارَضَهُ في عامِ وفاتِهِ مرَّتينِ (١). وفي حديثِ ابن عَبَّاسٍ (٢) أن المدارسةَ بينَهُ وبينَ جِبْريلَ كانَتْ ليلًا. فدَلَّ على استحبابِ الإكثارِ مِن التِّلاوةِ في رمضانَ ليلًا؛ فإنَّ الليلَ تَنْقَطعُ فيهِ الشَّواغلُ، وتَجْتَمعُ فيهِ الهممُ، ويَتَواطَأُ فيهِ القلبُ واللسانُ على التَّدبُّرِ، كما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ ناشِئَةَ اللَيْلِ هِيَ أشَدُّ وَطْئًا وَأقْوَمُ قيلًا﴾ [المزَّمِّل: ٦]. وشهرُ رمضانَ لهُ خصوصيَّةٌ بالقرآنِ، كما قالَ تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذي أُنزِلَ فيهِ القُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وقد قالَ ابنُ عَبَّاسٍ: إنَّهُ أُنْزِلَ جملةً واحدةً مِن اللوحِ المحفوظِ إلى بيتِ العزَّةِ في ليلةِ القدرِ. ويَشْهَدُ لذلكَ قولُهُ تَعالى: ﴿إنَّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القدر: ١]، وقولُهُ: ﴿إنَّا أَنْزَلْناهُ في لَيْلَة مُبارَكَةٍ﴾ [الدُّخان: ٣]. وقد سَبَقَ عن عُبَيْدِ بن عُمَيْرٍ أن النَّبيَّ ﷺ بُدِئَ بالوحيِ ونزولِ القرآنِ عليهِ في شهرِ رمضانَ (٣). وفي "المسند": عن واثِلَةَ بن الأسْقَعِ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ أنَّهُ قالَ: "نَزَلَتْ صحفُ

стр. 389

إبْراهيمَ في أوَّلِ ليلةٍ مِن شهرِ رمضانَ، وأُنْزِلَتِ التَّوراةُ لستٍّ مَضَيْنَ مِن رمضانَ، وأُنْزِلَ الإنجيلُ لثلاثَ عشرةَ مِن رمضانَ، وأنزِلَ القرآنُ لأربعٍ وعشرينَ خَلَتْ مِن رمضانَ" (١). وقد كانَ النَّبيُّ ﷺ يُطيلُ القراءةَ في قيامِ رمضانَ بالليلِ أكثرَ مِن غيرِهِ. وقد صَلَّى معَهُ حُذَيْفَةُ ليلةً في رمضانَ، فقَرَأ بالبقرةِ ثمَّ بالنِّساءِ ثمَّ بآلِ عِمْرانَ، لا يَمُرُّ بآيةِ تخويفٍ إلَّا وَقَفَ وسَألَ. قالَ: فما صَلَّى الرَّكعتينِ حتَّى جاءَهُ بلالٌ فآذَنَهُ بالصَّلاةِ (٢). خَرَّجَهُ الإمامُ أحْمَدُ. وخَرَّجَهُ النَّسائيُّ، وعندَهُ [أنَّهُ] ما صَلَّى إلَّا أربعَ

стр. 390

ركعاتٍ (١). وكانَ عُمَرُ قد أمَرَ أُبَيَّ بنَ كَعْبٍ وتَميمًا الدَّارِيَّ أنْ يقوما بالنَّاسِ في شهرِ رمضانَ، فكانَ القارئ يقْرَأُ بالمئتينِ في ركعةٍ، حتى كانوا يَعْتَمِدونَ على العِصِيِّ مِن طول القيامِ، ما كانوا يَنْصَرِفونَ إلَّا عندَ الفجرِ. وفي رواية: أنَّهُم كانوا يَرْبِطونَ الحبال بينَ السَّواري، ثمَّ يَتَعَلَّقونَ بها. ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ جمعَ ثلاثةَ قرَّاءٍ: فأمَرَ أسْرَعَهُم قراءةً أنْ يَقْرَأ بالنَّاسِ ثلاثينَ، وأوسطَهُم بخمسٍ وعشرينَ، وأبطأهُم بعشرينَ. ثمَّ كانَ في زمانِ التَّابعينَ يَقْرَؤونَ بالبقرةِ في قيامِ رمضانَ في ثمانِ ركعاتٍ، فإنْ
следующие страницы →