стр. 386
وفي حديثِ مُعاذٍ عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "الصَّدقةُ تُطْفِئ الخطيئةَ كما يُطْفِئ الماءُ النَّارَ، وقيامُ الرَّجلِ مِن جوفِ (١) الليلِ" (٢)؛ يَعْني أنَّهُ يُطْفِئ الخطيئةَ أيضًا.
وقد صَرَّحَ بذلكَ في روايةِ الإمامِ أحْمَدَ.
وفي الصَّحيحِ عنهُ ﷺ ، أنَّهُ قالَ: "اتَّقوا النَّارَ ولو بشقِّ تمرةٍ" (٣).
وكانَ أبو الدَّرداءِ يَقولُ: صَلُّوا في ظلمةِ الليلِ ركعتينِ لظلمةِ القبور، صوموا يومًا شديدًا حرُّهُ لحرِّ يومِ النُّشور، تَصَدَّقوا بصدقةٍ لشرِّ يومٍ عسير.
* ومنها: أن الصِّيامَ لا بدَّ أنْ يَقَعَ فيهِ خللٌ ونقصٌ، وتكفيرُ الصِّيامِ للذنوبِ مشروطٌ بالتَّحفُّظِ ممَّا يَنْبَغي التَّحفُّظُ منهُ، كما وَرَدَ ذلكَ في حديثٍ خَرَّجَهُ ابنُ حِبَّانَ في "صحيحه"، وعامَّةُ صيامِ النَّاسِ لا يَجْتَمعُ في صومِهِ التَّحفُّظُ كما يَنْبَغي، ولهذا نُهِيَ أنْ يَقولَ الرَّجلُ: صُمْتُ رمضانَ كلَّهُ أو قمتُهُ كلَّهُ. فالصَّدقةُ تَجْبُرُ ما فيهِ مِن النَّقصِ والخللِ، ولهذا وَجَبَ في آخرِ شهرِ رمضانَ زكاةُ الفطرِ طهرةً للصَّائمِ مِن اللغوِ والرَّفثِ.
والصِّيامُ والصَّدقةُ لهُما مدخلٌ في كفاراتِ الأيمانِ ومحظوراتِ الإحرامِ وكفَّارةِ الوطءِ في رمضانَ. ولهذا كانَ اللهُ تَعالى قد خَيَّرَ المسلمينَ في ابتداءِ الأمرِ بينَ الصِّيامِ وإطعامِ المسكينِ، ثمَّ نُسِخَ ذلكَ وبَقِيَ الإطعامُ لمَن يَعْجِزُ عن الصِّيامِ لكبرِهِ. ومَن أخَّرَ قضاءَ رمضانَ حتَّى أدْرَكَهُ رمضانٌ آخر (٤)، فإنَّهُ يَقْضيهِ ويَضُمُّ إليهِ إطعامَ مسكينٍ لكلِّ يومٍ؛ تقويةً لهُ عندَ أكثرِ العلماءِ، كما أفْتى بهِ الصَّحابةُ. وكذلكَ مَن أفْطَرَ لأجلِ غيرِهِ - كالحاملِ والمرضعِ - على قولِ طائفةٍ مِن العلماءِ (٥).