← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1151

لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف - ت عامر

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (739 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وفي حديثِ مُعاذٍ عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "الصَّدقةُ تُطْفِئ الخطيئةَ كما يُطْفِئ الماءُ النَّارَ، وقيامُ الرَّجلِ مِن جوفِ (١) الليلِ" (٢)؛ يَعْني أنَّهُ يُطْفِئ الخطيئةَ أيضًا. وقد صَرَّحَ بذلكَ في روايةِ الإمامِ أحْمَدَ. وفي الصَّحيحِ عنهُ ﷺ ، أنَّهُ قالَ: "اتَّقوا النَّارَ ولو بشقِّ تمرةٍ" (٣). وكانَ أبو الدَّرداءِ يَقولُ: صَلُّوا في ظلمةِ الليلِ ركعتينِ لظلمةِ القبور، صوموا يومًا شديدًا حرُّهُ لحرِّ يومِ النُّشور، تَصَدَّقوا بصدقةٍ لشرِّ يومٍ عسير. * ومنها: أن الصِّيامَ لا بدَّ أنْ يَقَعَ فيهِ خللٌ ونقصٌ، وتكفيرُ الصِّيامِ للذنوبِ مشروطٌ بالتَّحفُّظِ ممَّا يَنْبَغي التَّحفُّظُ منهُ، كما وَرَدَ ذلكَ في حديثٍ خَرَّجَهُ ابنُ حِبَّانَ في "صحيحه"، وعامَّةُ صيامِ النَّاسِ لا يَجْتَمعُ في صومِهِ التَّحفُّظُ كما يَنْبَغي، ولهذا نُهِيَ أنْ يَقولَ الرَّجلُ: صُمْتُ رمضانَ كلَّهُ أو قمتُهُ كلَّهُ. فالصَّدقةُ تَجْبُرُ ما فيهِ مِن النَّقصِ والخللِ، ولهذا وَجَبَ في آخرِ شهرِ رمضانَ زكاةُ الفطرِ طهرةً للصَّائمِ مِن اللغوِ والرَّفثِ. والصِّيامُ والصَّدقةُ لهُما مدخلٌ في كفاراتِ الأيمانِ ومحظوراتِ الإحرامِ وكفَّارةِ الوطءِ في رمضانَ. ولهذا كانَ اللهُ تَعالى قد خَيَّرَ المسلمينَ في ابتداءِ الأمرِ بينَ الصِّيامِ وإطعامِ المسكينِ، ثمَّ نُسِخَ ذلكَ وبَقِيَ الإطعامُ لمَن يَعْجِزُ عن الصِّيامِ لكبرِهِ. ومَن أخَّرَ قضاءَ رمضانَ حتَّى أدْرَكَهُ رمضانٌ آخر (٤)، فإنَّهُ يَقْضيهِ ويَضُمُّ إليهِ إطعامَ مسكينٍ لكلِّ يومٍ؛ تقويةً لهُ عندَ أكثرِ العلماءِ، كما أفْتى بهِ الصَّحابةُ. وكذلكَ مَن أفْطَرَ لأجلِ غيرِهِ - كالحاملِ والمرضعِ - على قولِ طائفةٍ مِن العلماءِ (٥).

стр. 387

* ومنها: أن الصَّائمَ يَدَعُ طعامَهُ وشرابَهُ للهِ، فإذا أعانَ الصَّائمينَ على التَّقوِّي على طعامِهِم وشرابِهِم؛ كانَ بمنزلةِ مَن تَرَكَ شهوةً للهِ تَعالى وآثَرَ بِها أو واسى فيها. ولهذا يُشْرَعُ لهُ تفطيرُ الصُّوَّامِ معَهُ إذا أفْطَرَ؛ لأنَّ الطعامَ يَكونُ محبوبًا لهُ حينئذٍ، فيواسي منهُ حتَّى يَكونَ ممَّن أطْعَمَ الطَّعامَ على حبِّهِ، ويَكونُ في ذلكَ شكرٌ للهِ على نعمةِ إباحةِ الطعامِ والشَّرابِ لهُ وردِّهِ عليهِ بعدَ منعِهِ إيَّاهُ؛ فإنَّ هذهِ النِّعمةَ إنَّما عُرِفَ قدرُها عندَ المنعِ منها. وسُئِلَ بعضُ السَّلفِ: لمَ شُرِعَ الصِّيامُ؟ قالَ: لِيَذوقَ الغنيُّ طعمَ الجوعِ فلا يَنْسى الجائعَ. وهذا مِن بعضِ حكمِ الصَّومِ وفوائدِهِ. وقد ذَكَرْنا فيما تَقَدَّمَ حديثَ سَلْمانَ، وفيهِ "وهوَ شهرُ المواساةِ" (١)، فمَن لمْ يَقْدِرْ فيهِ على درجةِ الإيثارِ على نفسِهِ؛ فلا يَعْجِزْ عن درجةِ أهلِ المواساةِ. كانَ كثيرٌ مِن السَّلفِ يواسونَ مِن إفطارِهِم أو يُؤْثِرونَ بهِ ويَطْوونَ، وكانَ ابنُ عُمَرَ يَصومُ ولا يُفْطِرُ إلَّا معَ المساكينِ، فإذا مَنَعَهُم أهلُهُ عنهُ؛ لم يَتَعَشَّ تلكَ الليلةَ. وكانَ إذا جاءَهُ سائلٌ وهوَ على طعامِهِ؛ أخَذَ نصيبَهُ مِن الطعامِ وقامَ فأعْطاهُ السَّائلَ، فيَرْجِعُ وقد أكَلَ أهلُهُ ما بَقِيَ في الجفنةِ، فيُصْبِحُ صائمًا ولم يَأْكُلْ شيئًا. واشْتَهى بعضُ الصَّالحينَ مِن السَّلفِ طعامًا، وكانَ صائمًا، فوُضِعَ بينَ يديهِ عندَ فطرِهِ، فسَمعَ سائلًا يَقولُ: مَن يُقْرِضُ الملِيَّ الوفيَّ الغنيَّ؟ فقالَ: عبدُهُ المعدمُ مِن الحسناتِ. فقامَ فأخَذَ الصَّحفةَ وخَرَجَ بها إليهِ وباتَ طاويًا. وجاءَ سائلٌ إلى الإمامِ أحْمَدَ، فدَفَعَ إليهِ رغيفينِ كانَ يُعِدُّهُما لفطرِهِ، ثمَّ طَوى وأصْبَحَ صائمًا. وكانَ الحَسَنُ يُطْعِمُ إخوانَهُ وهوَ صائمٌ تطوُّعًا، ويَجْلِسُ يُرَوِّحُهُم وهُم يَأْكُلونَ. وكانَ ابنُ المُبارَكِ يُطْعِمُ إخوانَهُ الألوانَ مِن الحلواءِ وغيرِها في السَّفرِ وهوَ صائمٌ. سلامُ اللهِ على تلكَ الأرواح، رحمةُ اللهِ على تلكَ الأشباح، لم يَبْقَ منهُم إلَّا أخبارٌ وآثار، كم بينَ مَن يَمْنَعُ الحق الواجبَ عليهِ وبينَ أهلِ الإيثار.

стр. 388

لا تَعْرِضَنَّ لِذِكْرِنا في ذِكْرِهِمْ … لَيْسَ الصَّحيحُ إذا مَشى كَالمُقْعَدِ ولهُ فوائدُ أُخرُ: قالَ الشَّافِعِيُّ: أُحِبُّ للرَّجلِ الزِّيادةَ بالجودِ في شهرِ رمضانَ اقتداءً برسولِ اللهِ ﷺ ، ولحاجةِ النَّاسِ فيهِ إلى مصالحِهِم، ولتشاغلِ كثيرٍ منهُم بالصَّومِ والصَّلاةِ عن مكاسبِهِم. وكذا قالَ القاضي أبو يَعْلى وغيرُهُ مِن أصحابِنا أيضًا. • ودَلَّ الحديثُ أيضًا على استحبابِ دراسةِ القرآنِ في رمضانَ والاجتماعِ على ذلكَ وعرضِ القرانِ على مَن هوَ أحفظُ لهُ منهُ. وفيهِ دليلٌ على استحبابِ الإكثارِ مِن تلاوةِ القرآنِ في شهرِ رمضانَ. وفي حديثِ فاطِمَةَ ﵍: عن أبيها ﷺ ؛ أنَّهُ أخْبَرَها أن جِبْريلَ كانَ يَعارِضُهُ القرآنَ كلَّ عامٍ مرَّةً، وأنَّهُ عارَضَهُ في عامِ وفاتِهِ مرَّتينِ (١). وفي حديثِ ابن عَبَّاسٍ (٢) أن المدارسةَ بينَهُ وبينَ جِبْريلَ كانَتْ ليلًا. فدَلَّ على استحبابِ الإكثارِ مِن التِّلاوةِ في رمضانَ ليلًا؛ فإنَّ الليلَ تَنْقَطعُ فيهِ الشَّواغلُ، وتَجْتَمعُ فيهِ الهممُ، ويَتَواطَأُ فيهِ القلبُ واللسانُ على التَّدبُّرِ، كما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ ناشِئَةَ اللَيْلِ هِيَ أشَدُّ وَطْئًا وَأقْوَمُ قيلًا﴾ [المزَّمِّل: ٦]. وشهرُ رمضانَ لهُ خصوصيَّةٌ بالقرآنِ، كما قالَ تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذي أُنزِلَ فيهِ القُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وقد قالَ ابنُ عَبَّاسٍ: إنَّهُ أُنْزِلَ جملةً واحدةً مِن اللوحِ المحفوظِ إلى بيتِ العزَّةِ في ليلةِ القدرِ. ويَشْهَدُ لذلكَ قولُهُ تَعالى: ﴿إنَّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القدر: ١]، وقولُهُ: ﴿إنَّا أَنْزَلْناهُ في لَيْلَة مُبارَكَةٍ﴾ [الدُّخان: ٣]. وقد سَبَقَ عن عُبَيْدِ بن عُمَيْرٍ أن النَّبيَّ ﷺ بُدِئَ بالوحيِ ونزولِ القرآنِ عليهِ في شهرِ رمضانَ (٣). وفي "المسند": عن واثِلَةَ بن الأسْقَعِ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ أنَّهُ قالَ: "نَزَلَتْ صحفُ

стр. 389

إبْراهيمَ في أوَّلِ ليلةٍ مِن شهرِ رمضانَ، وأُنْزِلَتِ التَّوراةُ لستٍّ مَضَيْنَ مِن رمضانَ، وأُنْزِلَ الإنجيلُ لثلاثَ عشرةَ مِن رمضانَ، وأنزِلَ القرآنُ لأربعٍ وعشرينَ خَلَتْ مِن رمضانَ" (١). وقد كانَ النَّبيُّ ﷺ يُطيلُ القراءةَ في قيامِ رمضانَ بالليلِ أكثرَ مِن غيرِهِ. وقد صَلَّى معَهُ حُذَيْفَةُ ليلةً في رمضانَ، فقَرَأ بالبقرةِ ثمَّ بالنِّساءِ ثمَّ بآلِ عِمْرانَ، لا يَمُرُّ بآيةِ تخويفٍ إلَّا وَقَفَ وسَألَ. قالَ: فما صَلَّى الرَّكعتينِ حتَّى جاءَهُ بلالٌ فآذَنَهُ بالصَّلاةِ (٢). خَرَّجَهُ الإمامُ أحْمَدُ. وخَرَّجَهُ النَّسائيُّ، وعندَهُ [أنَّهُ] ما صَلَّى إلَّا أربعَ

стр. 390

ركعاتٍ (١). وكانَ عُمَرُ قد أمَرَ أُبَيَّ بنَ كَعْبٍ وتَميمًا الدَّارِيَّ أنْ يقوما بالنَّاسِ في شهرِ رمضانَ، فكانَ القارئ يقْرَأُ بالمئتينِ في ركعةٍ، حتى كانوا يَعْتَمِدونَ على العِصِيِّ مِن طول القيامِ، ما كانوا يَنْصَرِفونَ إلَّا عندَ الفجرِ. وفي رواية: أنَّهُم كانوا يَرْبِطونَ الحبال بينَ السَّواري، ثمَّ يَتَعَلَّقونَ بها. ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ جمعَ ثلاثةَ قرَّاءٍ: فأمَرَ أسْرَعَهُم قراءةً أنْ يَقْرَأ بالنَّاسِ ثلاثينَ، وأوسطَهُم بخمسٍ وعشرينَ، وأبطأهُم بعشرينَ. ثمَّ كانَ في زمانِ التَّابعينَ يَقْرَؤونَ بالبقرةِ في قيامِ رمضانَ في ثمانِ ركعاتٍ، فإنْ

стр. 391

قَرَأ [بها] في اثنتي عشرةَ ركعةً؛ رَأَوا أنَّهُ قد خَفَّفَ. قالَ ابنُ مَنْصورِ: سُئِلَ إسْحاقُ (يَعْني: ابنَ راهَوَيْهِ): كم يُقْرَأُ في قيامِ شهرِ رمضانَ؟ فلم يُرَخِّصْ في دونِ عشرِ آياتٍ من البقرةِ. فقيلَ لهُ: إنَّهُم لا يَرْضَوْنَ. فقالَ: لا رَضُوا، فلا تَؤُمَّهُم إذا لم يَرْضَوْا بعشرِ آياتٍ مِن البقرةِ، ثمَّ إذا صِرْتَ إلى الآياتِ الخفافِ فبقدرِ عشرِ آياتِ مِن البقرةِ؛ يَعْني: في كلِّ ركعةٍ. وكذلكَ كَرِهَ مالكٌ أنْ يُقْرَأ دونَ عشرِ آياتٍ. وسُئِلَ الإمامُ أحْمَدُ عمَّا رُوِيَ عن عُمَرَ كما تَقَدَّمَ ذكرُهُ في السَّريعِ القراءةِ والبطيءِ. فقالَ: في هذا مشقَّةٌ على النَّاسِ، ولا سيَّما في هذهِ الليالي القصارِ، وإنَّما الأمرُ على ما يَحْتَمِلُهُ النَّاسُ (١). وقالَ أحْمَدُ لبعضِ أصحابِهِ - وكانَ يُصَلِّي بهِم في رمضانَ -: هؤلاءِ قومٌ ضعفاءُ، اقْرَأْ بِهِم خمسًا ستًّا سبعًا. قالَ: فقَرَأْتُ فخَتَمْتُ ليلةَ سبعٍ وعشرينَ. وقد رُوِيَ عن الحَسَنِ: أن الذي أمَرَهُ عُمَرُ أنْ يُصَلِّيَ بالنَّاسِ كانَ يَقْرَأ خمسَ آياتٍ ستَّ آياتٍ. وكلامُ الإمامِ أحْمَدَ يَدُلُّ على أنَّهُ يُراعى في القراءةِ حالُ المأْمومينَ، فلا يُشَقُّ عليهِم. وقالَهُ أيضًا غيرُهُ مِن الفقهاءِ مِن أصحابِ أبي حَنِيفَةَ وغيرِهِم. وقد رُوِيَ عن أبي ذَرٍّ: أن النَّبيَّ ﷺ قامَ بهِم ليلةَ ثلاثٍ وعشرينَ إلى ثلثِ الليلِ، وليلةَ خمسٍ وعشرينَ إلى نصفِ الليلِ. فقالوا لهُ: لو نَفَّلْتَنا بقيَّةَ ليلتِنا؟ فقالَ: "إنَّ الرَّجلَ إذا صَلَّى مَعَ الإمامِ حتَّى يَنْصرِفَ؛ كُتِبَ لهُ بقيَّةُ ليلتِهِ" (٢). خَرَّجَهُ أهلُ السُّننِ،

стр. 392

وحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ. وهذا يَدُلُّ على أن قيامَ ثلثِ الليلِ ونصفِ الليلِ يُكْتَبُ بهِ قيامُ ليلةٍ، لكنْ معَ

стр. 393

الإمامِ. وكانَ الإمامُ أحْمَدُ يَأْخُذُ بهذا الحديثِ، ويُصَلِّي معَ الإمامِ حتَّى يَنْصَرِفَ، ولا يَنْصَرِفُ حتَّى يَنْصَرِفَ الإمامُ. وقالَ بعضُ السَّلفِ: مَن قامَ نصفَ الليلِ فقد قامَ الليلَ. وفي "سنن أبي داوود": عن عَبْدِ اللهِ بن عَمْرٍو، عن النَّبي ﷺ ؛ قالَ: "مَن قامَ بعَشْرِ آياتٍ؛ لمْ يُكْتَبْ مِن الغافلينَ، ومَن قامَ بمئةِ آيةٍ؛ كُتِبَ مِن القانتينَ، ومَن قامَ بألفِ آَيةٍ كُتِبَ مِن المقنطرينَ" (١)؛ يَعْني: أنَّهُ يُكْتَبُ لهُ قنطارٌ مِن الأجرِ. ويُرْوى مِن حديثِ تَميمٍ وأنَسٍ مرفوعًا: "مَن قَرَأ بمئةِ آيةٍ في ليلةٍ؛ كُتِبَ لهُ قيامُ ليلةٍ" (٢). وفي إسنادِهِما ضعفٌ. ورُوِيَ حديثُ تَميمٍ موقوفًا عليهِ، وهوَ

стр. 394

أصحُّ (١). وعنِ ابن مَسْعودٍ؛ قالَ: مَن قَرَأ في ليلةٍ خمسينَ آية، لمْ يُكْتَبْ مِن الغافلينَ، ومَن قَرَأ مئةَ آيةٍ؛ كُتِبَ مِن القانتينَ، ومَن قَرَأ ثلاثَ مئةِ آيةٍ؛ كُتِبَ لهُ قنطارٌ (٢). أرادَ أنْ يُطيلَ في القراءةِ ويَزيدَ وكانَ يُصَلِّي لنفسِهِ، فلْيُطَوِّلْ ما شاءَ، كما قالَهُ النَّبيُّ ﷺ (٣) وكذلكَ مَن صَلَّى بجماعةٍ يَرْضَوْنَ بصلاتِهِ. وكان بعضُ السَّلفِ يَخْتِمُ في قيامِ رمضانَ في كلِّ ثلاثِ ليالي. وبعضُهُم في كلِّ سبعٍ، قَتادَةُ. وبعضُهُم في كلِّ عشرٍ. منهُم أبو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ. وكان السَّلفُ يَتْلونَ القرآنَ في شهرِ رمضانَ في الصَّلاةِ وغيرِها: كان الأسودُ يقْرَأُ القرآنَ في كلِّ ليلتينِ في رمضانَ. وكان النَّخَعِيُّ يَفْعَلُ ذلكَ في العشرِ الأواخرِ منهُ خاصَّةً، وفي بقيَّةِ الشَّهرِ في كلِّ ثلاثٍ. وكانَ قَتادَةُ يَخْتِمُ في كلِّ سبعٍ دائمًا، وفي رمضانَ في كلِّ ثلاثٍ، وفي العشرِ

стр. 395

الأواخرِ كلَّ ليلةٍ. وكانَ للشَّافِعِي في رمضانَ ستُّونَ ختمةً تقْرَؤُها في غيرِ الصَّلاةِ. وعن أبي حَنيفَةَ نحوُهُ. وكانَ قَتَادَةُ يَدْرُسُ القرآنَ في شهرِ رمضانَ (١). وكانَ الزُّهْرِيُّ إذا دَخَلَ رمضانُ قالَ: إنَّما هوَ تلاوةُ القرآنِ وإطعامُ الطَّعامِ. قالَ ابنُ عَبْدِ الحَكَمِ: كانَ مالِكٌ إذا دَخَلَ رمضانُ؛ نَفَرَ (٢) مِن قراءةِ الحديثِ ومجالسةِ أهلِ العلمِ، وأقْبَلَ على تلاوةِ القرآنِ مِن المصحفِ. وقالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: كانَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ إذا دَخَلَ رمضانُ؛ تَرَكَ جميعَ العبادةِ وأقْبَلَ على تلاوةِ القرآنِ. وكانَتْ عائِشَةُ تَقْرَأُ في المصحفِ أوَّلَ النَّهارِ في شهرِ رمضانَ، فإذا طَلَعـ[ـتِ] الشَّمسُ؛ نامَتْ. وقالَ سُفْيانُ: كانَ زُبَيْدٌ اليمامِيُّ إذا حَضَرَ رمضانُ؛ أحْضَرَ المصاحفَ وجَمَعَ إليهِ أصحابَهُ. وإنَّما وَرَدَ النَّهيُ عن قراءةِ القرآنِ في أقلَّ مِن ثلاثٍ على المداومةِ على ذلكَ. فأمَّا في الأوقاتِ المفضَّلةِ - كشهرِ رمضانَ خصوصًا اللياليَ التي يُطْلَبُ فيها ليلةُ القدرِ - أو في الأماكنِ المفضَّلةِ (٣) - كمكَّةَ لمَن دَخَلَها مِن غيرِ أهلِها -؛ فيُسْتَحَبُّ الإكثارُ فيها مِن تلاوةِ القرآنِ؛ اغتنامًا للزَّمانِ والمكانِ. وهذا قولُ أحْمَدَ وإسْحاقَ وغيرِهِما مِن الأئمَّةِ، وعليهِ يَدُلُّ عملُ غيرِهِم، كما سَبَقَ ذكرُهُ (٤).

стр. 396

• واعْلَمْ أن المؤمنَ يَجْتَمعُ لهُ في شهرِ رمضانَ جهادانِ لنفسِهِ: جهادٌ بالنَّهارِ على الصِّيامِ، وجهادٌ بالليلِ على القيامِ. فمَن جَمَعَ بينَ هذينِ الجهادينِ ووَفى بحقوقِهِما وصَبَرَ عليهِما؛ وُفِّيَ أجرَهُ بغيرِ حسابٍ. قالَ كَعْبٌ: يُنادي يومَ القيامةِ منادٍ: إنَّ كلَّ حارثٍ يُعْطى بحرثِهِ ويُزادُ، غيرَ أهلِ القرآنِ والصُّوَّامِ، يُعْطَوْنَ أُجورَهُم بغيرِ حسابٍ. ويَشْفَعانِ لهُ أيضًا عندَ اللهِ كما في "المسند": عن عَبْدِ اللهِ بن عَمْرٍو، عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: "الصِّيامُ والقرآنُ (١) يَشْفَعانِ للعبدِ يومَ القيامةِ، يَقولُ الصِّيامُ: أيْ ربِّ! مَنَعْتُهُ الطَّعامَ والشَّهواتِ بالنَّهارِ [فشَفِّعْني فيهِ] (٢). ويَقولُ القرآنُ: مَنَعْتُهُ النَّومَ بالليلِ فشَفِّعْني فيهِ. فيُشَفَّعانِ" (٣).

стр. 397

فالصِّيامُ يَشْفَعُ لمَن مَنَعَهُ الطَّعامَ والشَّهواتِ المحرَّمةَ كلَّها، سواءٌ كانَ تحريمُها يَخْتَصُّ بالصِّيامِ - كشهوةِ الطَّعامِ والشَّرابِ والنِّكاحِ ومقدِّماتِها - أو لا يَخْتَصُّ بهِ - كشهوةِ فضولِ الكلامِ المحرَّمِ والنَّظرِ المحرَّمِ والسَّماعِ المحرَّمِ والكسبِ المحرَّمِ -، فإذا مَنَعَهُ الصِّيامُ مِن هذهِ المحرَّماتِ كلِّها؛ فإنَّهُ يَشْفَعُ لهُ عندَ اللهِ يومَ القيامةِ فيَقولُ: يا ربِّ! مَنَعْتُهُ شهواتِهِ فشَفِّعْني فيهِ. فهذا لمَن حَفِظَ صيامَهُ ومَنَعَهُ مِن شهواتِهِ. فأمَّا مَن ضَيَّعَ صيامَهُ ولمْ يَمْنَعْهُ ممَّا حَرَّمَهُ اللهُ عليهِ؛ فإنَّهُ جديرٌ أنْ يُضرَبَ بهِ وجهُ صاحبِهِ ويَقولَ لهُ: ضَيَّعَكَ اللهُ كما ضَيَّعْتَني، كما وَرَدَ مثلُ ذلكَ في الصَّلاةِ. قالَ بعضُ السَّلفِ: إذا احْتُضِرَ المؤمنُ؛ يُقالُ للمَلَكِ: شُمَّ رأْسَهُ. قالَ: أجِدُ في رأْسِهِ القرآنَ. فيُقالُ: شُمَّ قلبَهُ. فيَقولُ: أجِدُ في قلبِهِ الصِّيامَ. فيُقالُ (١): شُمَّ قدميهِ. فيَقولُ: أجدُ في قدميهِ القيامَ. فيُقالُ: حَفِظَ نفسَهُ حَفِظَهُ اللهُ. وكذَلكَ القرآنُ إنَّما يَشْفَعُ لمَن مَنَعَهُ مِن النَّومِ بالليلِ؛ فإنَّ مَن قَرَأ القرآنَ وقامَ بهِ؛ فقد قامَ بحقِّهِ، فيَشْفَعُ لهُ. وقد ذَكَرَ النَّبيُّ ﷺ رجلًا، فقالَ: "ذاكَ لا يَتَوَسَّدُ القرآنَ" (٢)؛ يَعْني: لا يَنامُ عليهِ فيَصيرُ لهُ كالوسادةِ (٣).

стр. 398

وخَرَّجَ الإمامُ أحمدُ مِن حديثِ بُرَيْدَةَ مرفوعًا: "إنَّ القرآنَ يَلْقى صاحبَهُ يومَ القيامةِ حينَ يَنْشَقُّ عنهُ قبرُهُ كالرَّجلِ الشَّاحبِ، فيقولُ: هل تَعْرِفُني؟ أنا صاحبُكَ، الذي أظْمَأْتُكَ في الهواجرِ وأسْهَرْتُ ليلَكَ، وكلُّ تاجرٍ مِن وراءِ تجارتِهِ. فيُعْطى الملكَ بيمينِهِ، والخلدَ بشمالِهِ، ويوضَعُ على رأْسِهِ تاجُ الوقارِ، ثمَّ يُقالُ لهُ: اقْرَأْ واصْعَدْ في درجِ الجنَّةِ وغرفِها، فهوَ في صعودٍ ما دامَ يَقْرَأ؛ هذًّا كانَ أو ترتيلًا" (١). وفي حديثِ عُبادَةَ بن الصَّامِتِ الطَّويلِ: "إنَّ القرآنَ يَأْتي صاحبَهُ في القبرِ فيَقولُ لهُ: أنا الذي كُنْتُ أشْهِرُ ليلَكَ وأُظْمِئُ نهارَكَ وأمْنَعُكَ شهواتِكَ وسمعَكَ وبصرَكَ، فسَتَجِدُني مِن الأخلَّاءِ خليلَ صدقٍ. ثمَّ يَصْعَدُ فيَسْألُ لهُ (٢) فراشًا ودثارًا، فيُؤْمَرُ لهُ بفراشٍ مِن الجنَّةِ وقنديلٍ مِن الجنَّةِ وياسَمين مِن الجنَّةِ، ثمَّ يَدْفَعُ القرآنُ في قبلةِ القبرِ فيُوَسِّعُ عليهِ ما شاءَ الله مِن ذلكَ" (٣).

стр. 399

قالَ ابنُ مَسْعودٍ: يَنْبَغي لقارئ القرآنِ أنْ يُعْرَفَ: بليلِهِ إذا النَّاسُ يَنامونَ، وبنهارِهِ إذا النَّاسُ يُفْطِرونَ، وببكائِهِ إذا النَّاسُ يَضْحَكونَ، وبورعِهِ إذا النَّاسُ يُخَلِّطونَ، وبصمتِهِ إذا النَّاسُ يَخوضونَ، وبخشوعِهِ إذا النَّاسُ يَخْتالونَ، وبحزنِهِ إذا النَّاسُ يَفْرَحونَ. قالَ مُحَمَّدُ بنُ كَعْبٍ: كنَّا نَعْرِفُ قارئَ القرآنِ بصفرةِ لونِهِ. يُشيرُ إلى سهرِهِ وطولِ تهجُّدِهِ. قالَ وُهَيْبُ بنُ الوَرْدِ: قيلَ لرجلٍ: ألا تَنامُ؟ قالَ: إنَّ عجائبَ القرآنِ أطَرْنَ نومي. وصَحِبَ رجلٌ رجلًا شهرينِ، فلم يَرَهُ نائمًا، فقالَ: ما لي لا أراكَ نائمًا؟! قالَ: إنَّ عجائبَ القرآنِ أطَرْنَ نومي، ما أخْرُجُ مِن أُعجوبةٍ إلَّا وَقَعْتُ في أُخرى. قالَ أحْمَدُ بنُ أبي الحَوَاري: إنِّي لأَقْرَأُ القرآنَ وأنْظُرُ في آيةٍ آيةٍ، فيَحِيرُ عقلي بها، وأعْجَبُ مِن حفَّاظِ القرآنِ كيفَ يَهْنِيهِمُ النَّومُ ويَسَعُهُم أنْ يَشْتَغِلوا بشيءٍ منَ الدُّنيا وهُم يَتْلونَ كلامَ اللهِ؟! أما إنَّهُم لو فَهِموا ما يَتْلونَ وعَرَفوا حقَّهُ وتَلَذَّذوا بهِ واسْتَحْلَوُا المناجاةَ بهِ؛ لذَهَبَ عنهُمُ النَّومُ فرحًا بما قد رُزِقوا. وأنْشَدَ ذو النُّونِ: مَنَعَ القُرَانُ بِوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ … مُقَلَ العُيونِ بِلَيْلِها لا تَهْجَعُ فَهِمُوا عَنِ المَلِكِ الجَليلِ كَلامَهُ … فَهْمًا تَذِلُّ لَهُ الرِّقابُ وَتَخْضَعُ فأمَّا مَن كانَ معَهُ القرآنُ فنامَ عنهُ بالليلِ ولمْ يَعْمَلْ بهِ بالنَّهارِ؛ فإنَّهُ يَنْتَصِبُ القرآنُ (١) خصمًا لهُ، يُطالِبُهُ بحقوقِهِ التي ضَيَّعَها. وخَرَّجَ الإمامُ أحْمَدُ مِن حديثِ سَمُرَةَ؛ أن النَّبيَّ ﷺ رَأى في منامِهِ رجلًا مستلقيًا على قفاهُ ورجلٌ قائمٌ بيدِهِ فهرٌ أو صخرةٌ فيَشْدَخُ بهِ رأْسَهُ فيَتَدَهْدَهُ الحجرُ، فإذا ذَهَبَ لِيَأخُذَهُ؛ عادَ رأْسُهُ كما كانَ، فصَنَعَ بهِ مثلَ ذلكَ، فسَألَ عنهُ، فقيلَ لهُ: هذا رجلٌ آتاهُ اللهُ القرآنَ فنامَ عنهُ بالليلِ ولمْ يَعْمَلْ بهِ بالنَّهارِ، فهوَ يَفْعَلُ بهِ ذلكَ إلى يومِ القيامةِ (٢). وقد

стр. 400

خَرَّجَهُ البُخارِيُّ بغيرِ هذا اللفظِ. وفي حديثِ: عَمْرِو بن شُعَيْب، عن أبيهِ، عن جدِّهِ، عن النَّبيِّ ﷺ : "يُمَثَّلُ القرآنُ يومَ القيامةِ رجلًا، فيُؤْتى بالرَّجلِ قد حَمَلَهُ فخالَفَ أمرَهُ، فيَتَمَثَّلُ لهُ خصمًا، فيَقولُ: يا ربِّ! حَمَّلْتَهُ إيَّايَ فبئسَ الحاملُ؛ تَعَدَّى حدودي، وضَيَّعَ فرائضي، ورَكِبَ معصيتي، وتَرَكَ طاعتي، فما يَزالُ يَقْذِفُ عليهِ بالحججِ حتَّى يُقالَ: شأْنَكَ بهِ! فيَأْخُذُ بيدِهِ، فما يُرسِلُهُ حتَّى يَكُبَّهُ على مَنْخِرِهِ في النَّارِ. ويُؤْتى بالرَّجلِ الصَّالحِ كانَ قد حَمَلَهُ وحَفِظَ أمرَهُ، فيَمْثُلُ خصمًا دونَهُ، فيَقولُ: يا ربِّ! حَمَّلْتَهُ إيَّايَ فخيرُ حامل؛ حَفِظَ حدودي، وعَمِلَ بفرائضي، واجْتَنَبَ معصيتي، واتَّبَعَ طاعتي، فلا يَزالُ يَقْذِفُ لهُ بالحججِ حتَّى يُقالَ: شأْنَكَ بهِ، فيَأْخُذُ بيدِهِ، فما يُرْسِلُهُ حتَّى يلبِسَهُ حُلَّةَ الإستبرقِ ويَعْقِدَ عليهِ تاجَ الملكِ ويَسْقِيَهُ كأسَ الخمرِ" (١). يا مَن ضَيَّعَ عمرَهُ في غيرِ الطَّاعة! يا مَن فَرَّطَ في شهرِهِ بل في دهرِهِ وأضاعَه! يا مَن بضاعتُهُ التَّسويفُ والتَّفريطُ وبئستِ البضاعة! يا مَن جَعَلَ خصمَهُ القرآنَ وشهرَ رمضانَ كيفَ تَرْجو ممَّن جَعَلْتَهُ خصمَكَ الشَّفاعة؟! وَيْلٌ لِمَنْ شُفَعاؤُهُ خُصَماؤُهُ … وَالصُّوْرُ في يَوْمِ القِيامَةِ يُنْفَخُ ربَّ صائمٍ حظُّهُ مِن صيامِهِ الجوعُ والعطشُ وقائمٍ حظُّهُ مِن قيامِهِ السَّهرُ. كلُّ قيامٍ لا يَنْهى عن الفحشاءِ والمنكرِ لا يَزيدُ صاحبَهُ إلَّا بعدًا، وكلُّ صيامٍ لا يُصانُ عن قولِ الزُّورِ والعملِ بهِ لا يُورِثُ صاحبَهُ إلَّا مقتًا وردًّا. يا قومِ! أينَ آثارُ الصِّيامِ؟! أينَ أنوارُ القيامِ؟!

стр. 401

إنْ كُنْتَ تَنوحُ يا حَمامَ البانِ … لِلْبَيْنِ فَأيْنَ شاهِدُ الأحْزانِ أجْفانُكَ لِلدُّموعِ أمْ أجْفاني … لا يُقْبَلُ مُدَّعٍ بِلا بُرْهانِ هذا عبادَ اللهِ شهرُ رمضانَ الذي أُنزِلَ فيهِ القرآنُ وفي بقيَّتِهِ للعابدينَ مستمتع، وهذا كتابُ اللهِ يُتْلى فيهِ بينَ أظهرِكُم (١) ويُسْمَع، وهوَ القرآنُ الذي لو أُنْزِلَ على جبلٍ لرَأيْتَهُ خاشعًا يَتَصَدَّع، ومعَ هذا فلا قلبٌ يَخْشَعُ ولا عين تَدمَعُ ولا صيامٌ يُصانُ عن الحرامِ فيَنْفَعُ ولا قيامٌ اسْتَقامَ فيُرْجى في صاحبِهِ أنْ يَشْفَع! قلوبٌ خَلَتْ مِن التَّقوى فهيَ خرابٌ بَلْقَع، وتَراكَمَتْ عليها ظلمةُ الذُّنوبِ فهيَ لا تُبْصِرُ ولا تَسْمَع. كم تُتْلى علينا آياتُ القرآنِ وقلوبُنا كالحجارةِ أو أشدُّ قسوة! وكم يَتَوالى علينا شهرُ رمضانَ وحالُنا فيهِ كحالِ أهلِ الشِّقوة؛ لا الشَّابُّ منَّا يَنْتَهي عن الصَّبوةِ ولا الشَّيخُ يَنْزَجِرُ عن القبيحِ فيَلْتَحِقُ بالصَّفوة! أينَ نحنُ مِن قومٍ إذا سَمِعوا داعيَ اللهِ أجابوا الدَّعوة، وإذا تُلِيَتْ عليهِم آياتُ اللهِ جَلَتْ قلوبَهُم جَلْوَة، وإذا صاموا صامَتْ منهُمُ الألسنةُ والأسماعُ والأبصارُ؟ أفما لنا فيهِم أُسوة؟ كم بينَنا وبينَ حالِ أهلِ الصَّفا! أبعدُ ممَّا بينَنا وبينَ (٢) الصَّفا والمروة. كلَّما حَسُنَتْ منَّا الأقوالُ ساءَتِ الأعمالُ! فلا حولَ ولا قوَّةَ إلَّا باللهِ العليِّ العظيمِ. يا نَفْسُ فازَ الصَّالِحونَ بِالتُّقى … وَأبْصَروا الحَقَّ وَقَلْبي قَدْ عَمِي يا حُسْنَهُمْ وَاللَيْلُ قَدْ جَنَّهُمُ … وَنورُهُمْ يَفوقُ نورَ الأنْجُمِ تَرَنَّموا بِالذِّكْرِ في لَيْلِهِمُ … فَعَيْشُهُمْ قَدْ طابَ بِالتَّرَنُّمِ قُلوبُهُمْ لِلذِّكْرِ قَدْ تَفَرَّغَتْ … دُموعُهُمْ كَلُؤْلُؤٍ مُنْتَظِم أسْحارُهُمْ بِهِمْ لَهُمْ قدْ أشْرَقَتْ … وَخِلَعُ الغُفْرانِ خَيْرُ القِسَم وَيْحَكِ يا نَفْسُ ألا تَيَقُّظٌ … يَنْفَعُ قَبْلَ أنْ تَزِلَّ قَدَمي مَضى الزَّمانُ في تَوانٍ وَهَوًى … فَاسْتَدْرِكي ما قدْ بَقِي وَاغْتَنِمي

стр. 402

المجلس الثالث في ذكر العشر الأوسط من شهر رمضان وذكر نصف الشهر الأخير في الصَّحيحينِ (١): عن أبي سَعيدٍ الخُدْرِيِّ؛ قالَ: كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يَعْتكِفُ في العشرِ الأوسطِ مِن رمضانَ، فاعْتكَفَ عامًا، حتَّى إذا كانَتْ ليلةُ إحدى وعشرينَ، وهيَ الليلةُ التي يَخْرُجُ في صبيحتِها من اعتكافه؛ قالَ: "مَن كانَ اعْتكَفَ معي؛ فلْيَعْتكِفِ العشرَ الأواخرَ، وقد أُرِيتُ هذهِ الليلةَ ثمَّ أُنسِيتُها، وقد رَأيْتُني أسْجُدُ في ماءٍ وطينٍ مِن صبيحتِها، فالْتَمِسوها في العشرِ الأواخرِ، والْتَمِسوها في كلِّ وترٍ". فمَطَرَتِ السَّماءُ تلكَ الليلةَ، وكانَ المسجدُ على عريشٍ، فوَكَفَ المسجدُ، فبَصُرَتْ عينايَ رسولَ اللهِ ﷺ وعلى جبهتِهِ أثرُ الماءِ والطِّينِ مِن صبحِ إحدى وعشرينَ. • هذا الحديثُ يَدُلُّ على أن النَّبيَّ ﷺ كانَ يَعْتكِفُ العشرَ الأوسطَ مِن شهرِ رمضانَ؛ لابتغاءِ ليلةِ القدرِ فيهِ. وهذا السِّياقُ يَقْتَضي أن ذلكَ تَكَرَّرَ منهُ ﷺ . وفي روايةٍ في الصَّحيحينِ (٢) في هذا الحديثِ: أنَّهُ اعْتكَفَ العشرَ الأوَّلَ، ثمَّ اعْتكَفَ العشرَ الأوسطَ، ثمَّ قالَ: "إنِّي أُتِيتُ، فقيلَ لي: إنَّها في العشرِ الأواخرِ، فمَن أحَبَّ منكُم أنْ يَعْتكِفَ؛ فلْيَعْتكِفْ". فاعْتكَفَ النَّاسُ معَهُ. وهذا يَدُلُّ على أن ذلكَ كانَ منهُ قبلَ أنْ يَتبَيَّنَ لهُ أنَّها في العشرِ الأواخرِ، ثمَّ لمَّا تَبَيَّنَ لهُ ذلكَ؛ اعْتَكَفَ العشرَ الأواخرَ حتَّى قَبَضَهُ اللهُ . كما رَواهُ عنهُ عائِشَةُ وأبو هُرَيْرَةَ وغيرُهُما (٣). • ورُوِيَ أن عُمَرَ جَمَعَ جماعةً مِن الصَّحابةِ، فسَألَهُم عن ليلةِ القدرِ، فقالَ

стр. 403

بعضُهُم: كنَّا نَراها في العشرِ الأوسطِ، ثمَّ بَلَغَنا أنَّها في العشرِ الأواخرِ. وسَيَأْتي الحديثُ بتمامِهِ في موضعٍ آخرَ إن شاءَ اللهُ. وخَرَّجَ ابنُ أبي عاصِمٍ في كتابِ "الصِّيام" وغيرِهِ مِن حديثِ: خالِدِ بن مَحْدوجٍ، عن أنَسٍ؛ أن النَّبي ﷺ قالَ: "الْتَمِسوها في أوَّلِ ليلةٍ، أو في تسعٍ، أو في أربعَ عشرةَ" (١). وخالدٌ هذا فيهِ ضعفٌ. وهذا يَدُلُّ على أنَّها تُطْلَبُ في ليلتينِ مِن العشرِ الأوَّلِ، وفي ليلةٍ مِن العشرِ الأوسطِ، وهيَ أربعَ عشرةَ (٢). وقد سَبَقَ مِن حديثِ واثِلَةَ بن الأسْقَعِ مرفوعًا: "إنَّ الإنجيلَ أُنْزِلَ لثلاثَ عشرةَ مِن رمضانَ" (٣). وقد وَرَدَ الأمرُ بطلبِ ليلةِ القدرِ في النِّصفِ الأواخرِ مِن رمضانَ، وفي أفرادِ ما بَقِيَ مِن العشرِ الأوسطِ مِن هذا النِّصفِ، وهُما ليلتانِ: ليلةُ سبعَ عشرةَ، وليلةُ تسعَ عشرةَ. أمَّا الأوَّلُ؛ فخَرَّجَهُ الطبَرانِيُّ مِن حديثِ: عَبْدِ اللهِ بن أُنَيسٍ؛ أنَّهُ سَألَ النَّبيَّ ﷺ عن ليلةِ القدرِ. فقالَ: "رَأيْتُها ونَسيتُها، فتَحَرَّها في النِّصفِ الأواخرِ". ثمَّ عادَ فسَألَهُ. فقالَ: "الْتَمِسْها في ليلةِ ثلاثٍ وعشرينَ تَمْضي مِن الشَّهرِ" (٤).

стр. 404

ولهذا المعنى - واللهُ أعلمُ - كانَ أُبيُّ بنُ كَعْبٍ يَقْنُتُ في الوترِ في ليالي النِّصفِ الأواخرِ؛ لأنَّهُ يُرْجى فيهِ ليلةُ القدرِ. وأيضًا؛ فكلُّ زمانٍ فاضلٍ مِن ليل أو نهارٍ؛ فإنَّ آخرَهُ أفضلُ مِن أوَّلِهِ (١)، كيومِ عرفةَ ويومِ الجمعةِ. وكذلكَ الليلُ والنَّهارُ عمومًا آخرُهُ أفضلُ مِن أوَّلِهِ. ولذلكَ كانَتِ الصَّلاةُ الوسطى صلاةَ العصرِ، كما دَلَّتِ الأحاديثُ الصَّحيحةُ عليهِ، وآثارُ السَّلفِ [الـ]ــــكثيرةُ تَدُلُّ عليهِ. وكذلكَ عشرُ ذي الحجةِ والمحرَّمِ؛ آخرُهُما أفضلُ مِن أوَّلِهما. وأمَّا الثَّاني؛ ففي "سنن أبي داورد" عن ابن مَسْعودٍ مرفوعًا: "اطْلُبوها ليلةَ سبعَ عشرةَ مِن رمضانَ، وليلةَ إحدى وعشرينَ، وليلةَ ثلاثٍ وعشرينَ". ثمَّ سَكَتَ (٢). وفي روايةٍ: "ليلةَ تسعَ عشرةَ" (٣). وقيلَ: إنَّ الصَّحيحَ وقفُهُ على ابن مَسْعودٍ، فقد صَحَّ عنهُ

стр. 405

أنَّهُ قالَ: تَحَرَّوا ليلةَ القدرِ ليلةَ سبعَ عشرةَ صبَّاحةَ بدرٍ أو إحدى وعشرينَ. وفي روايةٍ عنهُ؛ قالَ: ليلةَ سبعَ عشرةَ فإنْ لم تَكُنْ ففي تسعَ عشر (١). وخَرَّجَ الطَّبَرانِيُّ مِن روايةِ أبي المُهَزِّمِ - وهوَ ضعيفٌ - عن أبي هُرَيْرَةَ مرفوعًا؛ قالَ: "الْتَمِسوا ليلةَ القدرِ في سبعَ عشرةَ أو تسعَ عشرةَ أو إحدى وعشرينَ أو ثلاثٍ وعشرينَ أو خمسٍ وعشرينَ أو سبعٍ وعشرينَ أو تسعٍ وعشرينَ" (٢). ففي هذا الحديثِ التماسُها في أفرادِ النِّصفِ الثَّاني كلِّها. ويُرْوى مِن حديثِ عائِشَةَ؛ أن النَّبيَّ ﷺ كانَ إذا كانَ ليلةُ تسعَ عشرةَ مِن رمضانَ؛ شَدَّ المئزرَ وهَجَرَ الفراشَ حتَّى يُفْطِرَ (٣). قالَ البُخارِيُّ: تَفَرَّدَ بهِ عُمَرُ بنُ مِسْكينٍ، ولا يُتابَعُ عليهِ. • وقد رُوِيَ عن طائفةٍ مِن الصَّحابةِ أنَّها تُطْلَبُ ليلةَ سبعَ عشرةَ، وقالوا: إنَّ صبيحتَها كانَ يومُ بدرٍ. رُوِيَ عن عَلِي وابنِ مَسْعودٍ وزَيْدِ بن ثابِتٍ وزَيْدِ بن أرْقَمَ وعَمْرِو بن حُرَيْثٍ. ومنهُم مَن رُوِيَ عنهُ أنَّها ليلةُ تسعَ عشرةَ. رُوِيَ عن عَلِيٍّ وابنِ مَسْعودٍ وزَيْدِ بن

стр. 406

أَرْقَمَ. والمشهورُ عندَ أهلِ السِّيرِ والمغازي أنَّ ليلةَ بدرٍ كانَتْ ليلةَ سبعَ عشرةَ وكانَتْ ليلةَ جمعةٍ. رُوِيَ ذلكَ عن عَلِيٍّ وابنِ عَبَّاسٍ وغيرِهِما. وعنِ ابن عَبَّاسٍ روايةٌ ضعيفةٌ أنَّها كانَتْ ليلةَ الاثنينِ. وكانَ زَيْدُ بنُ ثابِتٍ لا يُحْيي ليلةً مِن رمضانَ كما يُحْيي ليلةَ سبعَ عشرةَ ويقولُ: إنَّ الله فَرَقَ في صبيحتِها بينَ الحقِّ والباطلِ وأذَلَّ في صبيحتِها أئمَّةَ الكفرِ. وحَكى الإمامُ أحْمَدُ هذا القولَ عن أهلِ المدينةِ؛ أن ليلةَ القدرِ تُطْلَبُ ليلةَ سبعَ عشرةَ. قالَ في روايةِ أبي داوردَ فيمَن قالَ لامرأتِهِ: أنتِ طالقٌ ليلةَ القدرِ؛ قالَ: يَعْتَزِلُها إذا دَخَلَ العشرُ وقبلَ العشرِ، أهلُ المدينةِ يَرَوْنَها في السَّبعَ عشرةَ، إلَّا أن المثبتَ عن رسولِ اللهِ ﷺ في العشرِ الأواخر (١). وحُكِيَ عن عامِرِ بن عَبْدِ اللهِ بن الزُّبَيْرِ أنَّهُ كانَ يُواصِلُ ليلةَ سبعَ عشرةَ. وعن أهلِ مَكَّةَ أنَّهُم كانوا لا يَنامونَ فيها ويَعْتَمِرونَ. وحُكِيَ عن أبي يوسُفَ ومُحَمَّدٍ صاحبي أبي حَنيفَةَ أن ليلةَ القدرِ في النِّصفِ الأواخرِ مِن رمضانَ مِن غيرِ تعيينٍ لها بليلةٍ، وإنْ كانَتْ في نفسِ الأمرِ عندَ اللهِ معيَّنةً. ورُوِيَ عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بن الحارِثِ بن هِشامٍ (٢)، قالَ: ليلةُ القدرِ ليلةُ سبعَ عشرةَ ليلةُ جمعةٍ. خَرَّجَهُ ابنُ أبي شَيْبَةَ. وظاهرُهُ أنَّها إنَّما تَكونُ ليلةَ القدرِ إذا كانَتْ ليلةَ جمعةٍ لِتُوافِقَ ليلةَ بدرٍ. ورَوى أبو الشَّيخِ الأصْبَهانِيُّ بإسنادٍ جيِّدٍ عن الحَسَنِ؛ قالَ: إنَّ غلامًا لعُثْمانَ بن أبي العاصِ قالَ لهُ: يا سيِّدي! إنَّ البحرَ يَعْذُبُ في هذا الشَّهرِ في ليلةٍ. قالَ: فإذا كانَتْ تلكَ الليلةُ؛ فأعْلِمْني. قالَ: فلمَّا كانَتْ تلكَ الليلةُ؛ آذَنَهُ، فنَظَروا، فوَجَدوهُ عذبًا، فإذا هيَ ليلةُ سبعَ عشرةَ (٣).

стр. 407

ورُوِيَ مِن حديثِ جابرٍ؛ قالَ: كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يَأتي قُباءً صبيحةَ سبعَ عشرةَ مِن رمضانَ أيَّ يومٍ كانَ (١). خَرَّجَهُ أبو موسى المَدِينِيُّ. وقد قيلَ: إنَّ المعراجَ كانَ فيها أيضًا. ذَكَرَ ابنُ سَعْدٍ: عن الواقِدِيِّ، عن أشياخِهِ؛ أن المعراجَ كانَ ليلةَ السَّبتِ لسبعَ عشرةَ خَلَتْ مِن رمضانَ قبلَ الهجرةِ إلى السَّماءِ، وأنَّ الإسراءَ كانَ ليلةَ سبعَ عشرةَ مِن ربيع الأوَّلِ قبلَ الهجرةِ بسنةٍ إلى بيتِ المقدسِ (٢). [وهذا على قولِ مَن فَرَّقَ بينَ المعراجِ والإسراءِ، فجَعَلَ المعراجَ إلى السَّماءِ كما ذُكِرَ في سورةِ النَّجمِ والإسراءَ إلى بيتِ المقدسِ] خاصَّةً كما ذُكِرَ في سورةِ ﴿سُبْحَانَ﴾. وقد قيلَ: إنَّ ابتداءَ نبوَّةِ النَّبيِّ ﷺ كانَ في سابعَ عشرةَ رمضانَ. قالَ أبو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بنُ عَلِيٍّ الباقِرُ: نَزَلَ جِبْريلُ على رسولِ اللهِ ﷺ ليلةَ السَّبتِ وليلةَ الأحدِ، ثمَّ ظَهَرَ لهُ بحِراءَ برسالةِ اللهِ يومَ الاثنينِ لسبعَ عشرةَ خَلَتْ مِن رمضانَ (٣). • وأصَحُّ ما رُوِيَ من الحوادثِ في هذهِ الليلةِ أنَّها ليلةُ بدرٍ كما سَبَقَ أنَّها كانَتْ ليلةَ سبعَ عشرةَ. وقيلَ: تسعَ عشرةَ. والمشهورُ أنَّها كانَتْ ليلةَ سبعَ عشرةَ كما تَقَدَّمَ. وصبيحتُها هوَ يومُ الفرقانِ، يومَ الْتَقى الجمعانِ. وسُمِّيَ يومَ الفرقانِ؛ لأنَّ الله تَعالى فَرَقَ فيهِ بينَ الحقِّ والباطلِ، وأظْهَرَ الحقَّ وأهلَهُ على الباطلِ وحزبِهِ، وعَلَتْ كلمةُ اللهِ وتوحيدُهُ، وذَلَّ أعداؤُهُ مِن المشركينَ وأهلِ الكتابِ. وكانَ ذلكَ في السَّنةِ الثانيةِ مِن الهجرةِ؛ فإنَّ النَّبيَّ ﷺ قَدِمَ المدينةَ في ربيعٍ الأوَّلِ في أوَّلِ سنةٍ مِن سني الهجرةِ، ولم يُفْرَضْ رمضانُ في ذلكَ العامِ، ثمَّ صامَ عاشوراءَ وفُرِضَ عليهِ رمضانُ في ثاني سنةٍ، فهوَ أوَّلُ رمضانٍ صامَهُ وصامَهُ المسلمونَ معَهُ. ثمَّ

стр. 408

خَرَجَ النَّبيُّ ﷺ لطلبِ عيرٍ [لِـ]ـــقُرَيْشٍ قَدِمَتْ مِن الشَّامِ إلى المدينةِ في يومِ السَّبتِ لاثنتي عشرةَ ليلةً خَلَتْ مِن رمضانَ وأفْطَرَ ﷺ في خروجِهِ إليها. قالَ ابنُ المُسَيَّبِ: قالَ عُمَرُ: غَزَوْنا معَ رسولِ اللهِ ﷺ غزوتينِ في رمضانَ يومَ بدرٍ ويومَ الفتحِ وأفْطَرْنا فيهِما (١). وكانَ سببُ خروجِهِ حاجةَ أصحابِهِ، خصوصًا المهاجرونَ، ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر: ٨]. وكانَتْ هذهِ العيرُ فيها أموالٌ كثيرةٌ لأعدائِهِمُ الكفَّارِ الذينَ أخْرَجوهُم مِن ديارِهِم وأموالِهِم ظلمًا وعدوانًا، كما قالَ تَعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [الحج: ٣٩، ٤٠]، فقَصَدَ النَّبيُّ ﷺ أنْ يَأخُذَ أموالَ هؤلاءِ الكفَّارِ الظَّالمينَ المعتدينَ على أولياءِ اللهِ وحزبِهِ وجندِهِ، فيَرُدَّها على أولياءِ اللهِ وحزبِهِ المظلومينَ المخرَجينَ مِن ديارِهِم وأموالِهِم لِيَتَقَوَّوا بها على عبادةِ اللهِ وطاعتِهِ وجهادِ أعدائِهِ. وهذا منَا أحَلَّهُ اللهُ لهذهِ الأمَّةِ؛ فإنَّهُ أحَلَّ لهُمُ الغنائمَ، ولم تَحِلَّ لأحدٍ قبلَهُم. وكانَ عدَّةُ مَن معَهُ ثلاثَ مئةٍ وبضعةَ عشرَ، وكانوا على عدَّةِ أصحابِ طالوتَ الذينَ جازوا معَهُ النَّهرَ، وما جازَهُ معَهُ إلَّا مؤمنٌ (٢).

стр. 409

وفي "سنن أبي داورد" مِن حديثِ عَبْدِ اللهِ بن عَمْرٍو؛ قالَ: خَرَجَ رسول اللهِ ﷺ يومَ بَدْرٍ في ثلاثِ مئةٍ وخمسةَ عشرَ مِن المقاتلةِ كما خَرَجَ طالوتُ، فدَعا لهُم رسولُ اللهِ ﷺ حينَ خَرَجوا فقال: "اللهمَّ! إنَّهُم حفاةٌ فاحْمِلْهُم، وإنَّهُم عراةٌ فأكْسُهُم، وإنَّهُم جياعٌ فأشْبِعْهُمْ". ففَتَحَ اللهُ يومَ بدرٍ، فانْقَلَبوا حينَ انْقَلَبوا وما فيهِم رجلٌ إلَّا وقد رَجَعَ بجملٍ أو جملينِ واكْتَسَوا وشَبِعوا (١). وكانَ أصحابُ النَّبيِّ ﷺ حينَ خَرَجوا على غايةٍ مِن قلَّةِ الظَّهرِ والزَّادِ؛ فإنَّهُم لم يَخْرُجوا مستعدِّينَ لحرب ولا لقتالٍ، وإنَّما خَرَجوا لطلبِ العيرِ، وكانَ معَهُم نحوُ سبعينَ بعيرًا يَعْتَقِبونَها بينَهُم، كلُّ ثلاثةٍ على بعيرٍ، وكانَ للنَّبيِّ ﷺ زميلانِ، وكانوا يَعْتَقِبونَ على بعيرٍ واحدٍ، فكانَ زميلاهُ يَقولانِ لهُ: يا رسول اللهِ! ارْكَبْ حتَّى نَمْشِيَ عنكَ، فيَقولُ: "ما أنتُما بأقوى على المشيِ منِّي ولا أنا [بـ]ــــأغنى عن الأجرِ منكُما" (٢). ولم يَكُنْ معَهُم إلَّا فرسانِ، وقيلَ ثلاثةٌ، وقيلَ فرسٌ واحدٌ للمِقدادِ. وبَلَغَ المشركينَ خروجُ النَّبيِّ ﷺ لطلبِ العيرِ، فأخَذَ أبو سُفْيانَ بالعيرِ نحوَ السَّاحلِ، وبَعَثَ إلى أهلِ مَكَّةَ يُخْبِرُهُمُ الخبرَ ويَطْلُبُ منهُم أنْ يَنْفِروا لحمايةِ عيرِهِم، فخَرَجوا مستصرخينَ، وخَرَجَ أشرافُهُم ورؤساؤُهُم وساروا نحوَ بدرٍ.

стр. 410

واسْتَشارَ النَّبيُّ ﷺ المسلمينَ في القتالِ، فتكلَّمَ المهاجرونَ فسَكَتَ عنهُم، وإنَّما كانَ قصدُهُ ﷺ الأنصارَ؛ لأنَّهُ ظَنَّ أنَّهُم لمْ يُبايِعوه إلَّا على نصرتِهِ على مَن قَصَدَهُ في ديارِهِم، فقامَ سَعْدُ بنُ عُبادَةَ فقالَ: إيَّانا تُريدُ (يَعْني: الأنصارَ)؟ والذي نفسي بيده؛ لو أمَرْتَنا أنْ نُخِيضَها البحرَ؛ لأخَضْناها، ولو أمَرْتَنا أنْ نَضْرِبَ أكبادَها إلى بَرْكِ الغِمادِ؛ لَفَعَلْنا (١). وقالَ لهُ المِقدادُ: لا نَقولُ لكَ كما قالَ بنو إسْرائيلَ لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤]، ولكنْ نُقاتِلُ معكَ عن يَمينِكَ وشمالِكَ وبينَ يديكَ ومِن خلفِكَ، فسُرَّ النَّبيُّ ﷺ بذلكَ (٢) وأجْمَعَ على القتالِ وباتَ تلكَ الليلةَ ليلةَ الجمعةِ سابعَ عشرَ رمضانَ قائمًا يُصَلِّي ويَبْكي ويَدْعو الله ويَسْتَنْصِرُهُ على أعدائِهِ. وفي "المسند": عن عَلِيِّ [بن أبي طالِبٍ]؛ قالَ: لقد رَأيْتُنا وما فينا إلَّا نائمٌ؛ إلَّا رسولَ اللهِ ﷺ تحتَ شجرةٍ يُصَلِّي ويَبْكي حتَّى أصْبَحَ (٣). وفيهِ عنهُ أيضًا؛ قالَ: أصابَنا طشٌّ مِن مطرٍ (يَعْني: ليلةَ بدرٍ)، فانْطَلَقْنا تحتَ الشَّجرِ والحَجَفِ نَسْتَظِلُّ بها مِن المطرِ، وباتَ رسولُ اللهِ ﷺ يَدْعو ربَّهُ ويَقولُ: "إنْ تَهْلِكْ هذهِ الفئةُ لا تُعْبَدْ". فلمَّا أنْ طَلَعَ الفجرُ؛ نادى: الصَّلاةَ عبادَ اللهِ! فجاءَ النَّاسُ مِن تحتِ الشَّجرِ والحجفِ، فصَلَّى بنا رسولُ اللهِ ﷺ وحَثَّ على القتالِ (٤).

стр. 411

وأمَدَّ اللهُ تَعالى نبيَّهُ والمؤمنينَ بنصرٍ مِن عندِهِ وبجندٍ مِن جندِهِ، كما قالَ تَعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٩، ١٠]. وفي "صحيح البُخارِيِّ" (١) أن جِبْريلَ قالَ للنَّبيِّ ﷺ : ما تَعُدُّونَ أهلَ بدرٍ فيكُم؟ قالَ: "مِن أفضلِ المسلمينَ (أو كلمةً نحوَها) ". قالَ: وكذلكَ مَن شَهِدَ بدرًا مِن الملائكةِ. وقالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٢٣]. وقالَ: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]. ورُوِيَ أن النَّبيَّ ﷺ لمَّا رَآهُم؛ قالَ: "اللهمَّ! إنَّ هؤلاءِ قُرَيْشٌ قد جاءَتْ بخُيَلائِها يُكَذِّبونَ رسولَك، فأنْجِزْ لي ما وَعَدْتَني" (٢). فأتاهُ جبريلُ فقالَ: خُذْ قبضةً مِن ترابٍ فأرْمِهِم بها. فأخَذَ قبضةً مِن حصباءِ الوادي فرَمى بها نحوَهُم وقالَ: "شاهَتِ الوجوهُ". فلم يَبْقَ مشركٌ إلَّا دَخَلَ في عينِيهِ ومَنْخِرِهِ وفمِهِ شيءٌ، ثمَّ كانَتِ الهزيمةُ (٣).

стр. 412

وقالَ حَكيمُ بنُ حِزامٍ: سَمِعْنا يومَ بدرٍ صوتًا وَقَعَ مِن السَّماءِ كأنَّهُ صوتُ حصاةٍ على طستٍ، فرَمى رسولُ اللهِ ﷺ تلكَ الرَّميةَ، فانْهَزَمْنا (١). ولمَّا قَدِمَ الخبرُ على أهلِ مكَّةَ؛ قالوا لمَن أتاهُم بالخبرِ: كيفَ حالُ النَّاسِ؟ قالَ: لا شيءَ! واللهِ؛ إنْ كانَ إلَّا أنْ لَقِيْناهُم فمَنَحْناهُم أكتافَنا يَقْتُلونَنا ويَأْسِروننا كيفَ شاؤوا! وايْمُ اللهِ؛ معَ ذلكَ ما لُمْتُ النَّاسَ، لَقِينا رجالًا على خيلٍ بلقٍ بينَ السَّماءِ والأرضِ ما يَقومُ لها شيءٌ. وقتَلَ اللهُ صناديدَ كفَّارِ قريشٍ يومئذٍ، منهُم عُتْبَةُ بنُ رَبيعَةَ وشَيْبَةُ والوَليدُ بنُ عُتْبَةَ وأبو جَهْلٍ وغيرُهُم، وأسَروا منهُم سبعينَ. وقصَّةُ بدرٍ يَطولُ استقصاؤُها، وهيَ مشهورةٌ في التفسيرِ وكتبِ الصِّحاحِ والسُّننِ والمسانيدِ والمغازي والتَّواريخِ وغيرِها. وإنَّما المقصودُ [ها] هُنا التَّشبيهُ على بعضِ مقاصدِها. وكانَ عدوُّ اللهِ إبْليسُ قد جاءَ إلى المشركينَ في صورةِ سُراقَةَ بن مالكٍ، وكانَتْ يدُهُ في يدِ الحارثِ بن هشامٍ، وجَعَلَ يُشَجِّعُهُم ويَعِدُهُم ويُمَنِّيهِم، فلمَّا رَأى الملائكةَ؛ هَرَبَ وألْقى نفسَهُ في البحرِ (٢).

стр. 413

وقد أخْبَرَ اللهُ عن ذلكَ بقولهِ تَعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٤٨]. • وفي "الموطَّإ" حديث مرسلٌ: عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "ما رُئِيَ الشَّيطانُ أحقرَ ولا أدحرَ ولا أصغرَ مِن يومِ عَرَفَةَ؛ إلَّا ما رَأى يومَ بدرٍ". قيلَ: وما رَأى يومَ بدرٍ؟ قالَ: "رَأى جِبْريلَ يَزَعُ الملائكةَ" (١). فإبليسُ عدوُّ اللهِ يَسْعى جهدَهُ في إطفاءِ نورِ اللهِ وتوحيدِهِ، ويُغْري بذلكَ أولياءَهُ مِن الكفَّارِ والمنافقينَ. فلمَّا عَجَزَ عن ذلكَ بنصرِ اللهِ نبيَّهُ وإظهارِ دينِهِ على الدِّينِ كلِّهِ؛ رَضِيَ بإلقاءِ الفتنِ بينَ المسلمينَ واجْتَزى منهُم بمحقَّراتِ الذُّنوبِ حيثُ عَجَزَ عن ردِّهِم عن دينِهِم، كما قالَ النَّبيُّ ﷺ : "إن الشَّيطانَ قد أيِسَ أنْ يَعْبُدَهُ المصلُّونَ في جزيرةِ العربِ، ولكنْ في التَّحريشِ بينَهُم". خَرَّجَهُ مسلمٌ (٢) مِن حديثِ جابِرٍ. وخَرَّجَ الإمامُ أحْمَدُ والنَّسائيُّ والتِّرْمِذِيُّ وابنُ ماجَهْ من حديثِ عمرِو بن الأحْوَصِ؛ قالَ: سَمِعْتُ النَّبيَّ ﷺ تقولُ في حجَّةِ الوداعِ: "ألا إنَّ الشَّيطانَ قد أيِسَ أنْ يُعْبَدَ في بلدِكُم هذا [أبدًا]، ولكن سَتكونُ لهُ طاعةٌ في بعضِ ما تَحْتَقِرونَ مِن أعمالِكُم، فيَرْضى بها" (٣).

стр. 414

وفي "صحيحِ الحاكم" (١): عن ابن عَبَّاسٍ؛ أن النَّبيَّ ﷺ خَطَبَ في حجَّةِ الوداعِ، فقالَ: "إنَّ الشَّيطان قد أيِسَ أنْ يُعْبَدَ بأرضِكُم، ولكنَّهُ يَرْضى أنْ يُطاعَ فيما سوى ذلكَ فيما تَحاقَرونَ مِن أعمالِكُم، فأحْذَروا. يا أيُّها النَّاسُ! إنِّي [قد] تَرَكْتُ فيكُم ما إنِ اعْتَصَمْتُمْ بهِ فلَن تَضِلُّوا أبدًا؛ كتابَ اللهِ وسنَّةَ نبيِّهِ ﷺ " (٢). ولم يَعْظُمْ على إبليسَ شيءٌ أكثرُ مِن بعثةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وانتشارِ دعوتِهِ في مشارقِ الأرضِ ومغاربِها؛ فإنَّهُ أيِسَ أنْ تَعودَ أُمَّتُهُ كلُّهُم إلى الشِّركِ الأكبرِ. قالَ سَعيدُ بنُ جُبَيْرٍ: لمَّا رَأى إبْليسُ النَّبيَّ ﷺ قائمًا بمكَّةَ يُصَلِّي رَنَّ. ولمَّا افْتَتَحَ النَّبيُّ ﷺ مكَّةَ رَنَّ رنَّةً أُخرى؛ اجْتَمَعَتْ إليهِ ذرِّيَّتُهُ، فقالَ: ائيَسوا أنْ تَرُدُّوا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ إلى الشِّركِ بعدَ يومِكُم هذا، ولكنِ افْتِنوهُم في دينِهِم، وأفْشُوا فيهِمُ النَّوحَ والشَّعرَ (٣). خَرَّجَهُ ابنُ أبي الدُّنيا. وخَرَّجَ الطَّبَرانِيُّ بإسنادِهِ عن: مُجاهِدٍ، عن أبي هُرَيْرَةَ؛ قالَ: إنَّ إبليسَ رَنَّ لمَّا

стр. 415

أُنزِلَتْ فاتحةُ الكتابِ، وأُنزِلَتْ بالمدينةِ (١) والمعروفُ هذا عن مجاهدٍ مِن قولِهِ؛ قالَ: رَنَّ إبليسُ أربعَ رنَّاتٍ: حينَ لُعِنَ، وحينَ أُهْبِطَ مِن الجنَّةِ، وحينَ بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ ، وحينَ أُنزِلَتْ فاتحةُ الكتابِ، وأُنْزِلَتْ بالمدينةِ (٢). خَرَّجَهُ وَكيعٌ وغيرُهُ. وقالَ بعضُ التَّابعينَ: لمَّا نَزَلَتْ هذهِ الآيةُ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ الآية [آل عمران: ١٣٥] بَكى إبْليسُ. يُشيرُ إلى شدَّةِ حزنهِ بنزولِها؛ لِما فيها مِن الفرحِ لأهلِ الذُّنوبِ. فهوَ لا يَزالُ في همٍّ وغمٍّ وحزنٍ منذُ بُعِثَ النَّبيُّ ﷺ ، لِما رَأى منهُ ومِن أُمَّتِهِ ما يُهِمُّهُ ويَغيظُهُ. قالَ ثابِتٌ: لمَّا بُعِثَ النَّبيُّ ﷺ ؛ قالَ إبليسُ لشياطينِهِ: لقد حَدَثَ أمرٌ فانْظُروا ما هوَ. فانْطَلَقوا. ثمَّ جاؤوهُ فقالوا: ما ندري. قالَ إبْليسُ: أنا آتيكُم بالخبرِ. فذَهَبَ وجاءَ؛ قالَ: [قد] بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ . فجَعَلَ يُرْسِلُ شياطينَهُ إلى أصحابِ النَّبيِّ ﷺ ، فيَجيئونَ بصحفِهِم ليسَ فيها شيءٌ. فقالَ: ما لكُم لا تُصيبونَ منهم شيئًا؟ قالوا: ما صَحِبْنا قومًا قطُّ مثلَ هؤلاءِ؛ نُصيبُ منهُم ثمَّ تقومونَ إلى الصَّلاةِ، فيُمْحى ذلكَ. قالَ: رويدًا! إنَّهُم عسى أنْ يَفْتَحَ اللهُ لهُمُ الدُّنيا، هنالكَ تُصيبونَ حاجتكُم منهُم (٣).

стр. 416

وعنِ الحَسَنِ؛ قالَ: قالَ إبْليسُ: سَوَّلْتُ لأُمَّةِ مُحَمَّدٍ المعاصيَ فقَطَعوا ظهري بالاستغفارِ، فسَوَّلْتُ لهُم ذنوبًا لا يَسْتَغْفِرونَ منها؛ يَعْني: الأهواءَ. ولا يَزالُ إبْليسُ يَرى في مواسمِ المغفرةِ والعتقِ مِن النَّارِ ما يَسوؤُهُ؛ فيومَ عرفةَ لا يُرى أصغرَ ولا أحقرَ ولا أدحرَ فيهِ منهُ لِما يَرى مِن تنزلِ الرَّحمةِ وتجاوزِ اللهِ عن الذُّنوبِ العظامِ؛ إلَّا ما رُئِيَ يومَ بدرٍ. ورُوِيَ أنَّهُ لمَّا رَأى نزولَ المغفرةِ للأُمَّةِ في حجَّةِ الوداعِ يومَ النَّحرِ بالمزدلفةِ؛ أهوى يَحْثي على رأْسِهِ التُّرابَ ويَدْعو بالويلِ والثُّبور. فتبَسَّمَ النَّبيُّ ﷺ ممَّا رَأى مِن جزعِ الخبيثِ (١). • وفي شهرِ رمضانَ يَلْطُفُ اللهُ بأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، فيَغِلُّ فيهِ الشَّياطينَ ومردةَ الجنِّ حتَّى لا يَقْدِروا على ما كانوا يَقْدِرونَ عليهِ في غيرِهِ مِن تسويلِ الذُّنوبِ، ولهذا تَقِلُّ المعاصي في شهرِ رمضانَ في الأُمَّةِ لذلكَ. ففي الصَّحيحينِ (٢): عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "إذا دَخَلَ رمضانُ؛ فُتِّحَتْ أبوابُ السَّماءِ، وغُلِّقَتْ أبوابُ جهنَّمَ، وسُلْسِلَتِ الشَّياطينُ". ولمسلمٍ: "فُتِّحَتْ أبوابُ الرَّحمةِ". ولهُ أيضًا: عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "إذا جاءَ رمضانُ؛ فتِّحَتْ أبوابُ الجنَّةِ، وغُلِّقَتْ أبوابُ النَّارِ، وصُفِّدَتِ الشَّياطينُ". وخَرَّجَ منهُ البُخارِيُّ ذكرَ فتحِ أبوابِ الجنَّةِ. وللتِّرْمِذِيِّ وابنِ ماجَهْ: عنهُ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "إذا كانَ أوَّلُ ليلةٍ مِن شهرِ رمضانَ؛ صُفِّدَتِ الشَّياطينُ ومردةُ الجنِّ، وغلِّقَتْ أبوابُ النَّارِ فلم يُفْتَحْ منها بابٌ، وفُتِحَتْ أبوابُ الجنَّةِ فلم يُغْلَقْ منها بابٌ، ويُنادي منادٍ: يا باغيَ الخيرِ! أقْبِلْ، ويا باغيَ الشَّرِّ! أقْصِرْ. وللهِ عُتقاءُ مِن النَّارِ، وذلكَ كل ليلةٍ" (٣).

стр. 417

وفي روايةٍ للنَّسائِيِّ: "وتُغَلُّ فيهِ مردةُ الشَّياطينِ" (١). وللإمامِ أحْمَدَ: عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "أُعْطِيَتْ أُمَّتي في رمضانَ خمسَ خصالٍ لم تُعْطَهُ أُمَّةٌ قبلَهُم: خلوفُ فمِ الصَّائمِ أطيبُ عندَ اللهِ مِن ريحِ المسكِ، وتَسْتَغْفِرُ لهُمُ الملائكةُ حتَّى يُفْطِروا، ويُزَيِّنُ اللهُ كلَّ يومٍ جنَّتَهُ ثمَّ يَقولُ: يوشِكُ عبادي الصَّالحونَ أنْ يُلْقوا عنهُمُ المؤنةَ والأذى ويَصيروا إليكِ، وتُصَفَّدُ فيهِ مردةُ الشَّياطينِ فلا يَخْلُصونَ فيهِ إلى ما كانوا يَخْلُصونَ إليهِ في غيرِهِ، ويُغْفَرُ لهُم في آخرِ ليلةٍ". قيلَ: يا رسولَ اللهِ! أهيَ ليلةُ القدرِ؟ قالَ: "لا، ولكنَّ العاملَ إنَّما يُوَفَّى أجرَهُ إذا قَضى عملَهُ" (٢). وفي ليلةِ القدرِ تَنْتَشِرُ الملائكةُ في الأرضِ فيَبْطُلُ سلطانُ الشَّياطينِ: كما قالَ تَعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ٤، ٥].

стр. 418

وفي "المسند": عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ أنَّهُ قالَ: "الملائكةُ تلكَ الليلةَ في الأرضِ أكثرُ مِن عددِ الحصى" (١). وفي "صحيح ابن حِبَّانَ": عن جابِرٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ في ليلةِ القدرِ: "لا يَخْرُجُ شيطانُها حتَّى يَخْرُجَ فجرُها" (٢). وفي "المسند" مِن حديثِ: عُبادَةَ بن الصَّامِتِ، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ في ليلةِ القدرِ: "لا يَحِلُّ لكوكبٍ أنْ يُرْمى بهِ حتَّى يُصْبِحَ، وإنَّ أمارتَها أن الشَّمسَ تَخْرُجُ صبيحتَها مستويةً ليسَ لها شعاعٌ مثلَ القمرِ ليلةَ البدرِ، لا يَحِلُّ للشَّيطانِ أنْ يَخْرُجَ معَها يومئذٍ" (٣).

стр. 419

ورُوِيَ عن ابن عَبَّاسٍ؛ قالَ: إنَّ الشَّيطانَ يَطْلُعُ معَ الشَّمس كلَّ يومٍ إلَّا ليلةَ القدرِ، وذلكَ أنَّها تَطْلُعُ لا شعاعَ لها. وقالَ مجاهِدٌ في قولِهِ ﴿سَلَامٌ هِيَ﴾ قالَ: سلامٌ؛ أي: لا يَحْدُثُ فيها داءٌ ولا يَسْتَطيعُ شيطانٌ (١) العملَ فيها. وعنهُ قالَ: ليلةُ القدرِ ليلةٌ سالمةٌ لا يَحْدُثُ فيها داءٌ ولا يُرْسَلُ فيها شيطانٌ. وعنهُ قالَ: هيَ سالمة لا يَسْتَطيعُ الشَّيطانُ أنْ يَعْمَلَ فيها سوءًا ولا يُحْدِثَ فيها أذًى. وعنِ الضَّحَّاكِ، عن ابن عَبَّاسٍ؛ قالَ: في تلكَ الليلةِ تُصَفَّدُ مردةُ الجنِّ، وتُغَلُّ عفاريتُ الجنِّ، وتُفْتَحُ فيها أبوابُ السَّماءِ كلِّها، ويَقْبَلُ اللهُ فيها التَّوبةَ لكلِّ تائبٍ، فلذلكَ قالَ: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾. ويُرْوى عن أُبيِّ بن كَعْبٍ ﵁؛ قالَ: لا يَسْتَطيعُ الشَّيطانُ أنْ يُصيبَ فيها أحدًا بخبلٍ أو داءٍ أو ضربٍ مِن ضروبِ الفسادِ، ولا يَنْفُذُ فيها سحرُ [ساحرٍ]. ويُرْوى بإسنادٍ ضعيفٍ عن أنسٍ مرفوعًا: أنَّهُ "لا تَسْري نجومُها، ولا تَنْبَحُ كلابُها" (٢). وكل هذا يَدُلُّ على كفِّ الشَّياطينِ فيها عن انتشارِهِم في الأرضِ ومنعِهِم مِنِ استراقِ السَّمعِ فيها مِن السَّماءِ. • ابنَ آدَمَ! لو عَرَفْتَ قدرَ نفسِكَ؛ ما أهَنْتَها بالمعاصي، أنتَ المختارُ مِن المخلوقاتِ، ولكَ أُعِدَّتِ الجنَّةُ إنِ اتَّقَيْتَ فهيَ أقطاعُ المتَّقين، والدُّنيا أقطاعُ إبْليسَ فهوَ فيها مِن المنظَرين. فكيفَ رَضِيتَ لنفسِكَ بالإعراضِ عن أقطاعِكَ ومزاحمةِ إبْليسَ على أقطاعِه، وأنْ تكونَ معَهُ غدًا في النَّارِ مِن جملةِ أتباعِه؟! إنَّما طَرَدْناهُ عن السَّماءِ لأجلِكَ حيثُ تَكَبَّرَ عن السُّجودِ لأبيكَ، وطَلَبْنا قربَكَ؛ لِتَكونَ مِن خاصَّتِنا وحزبِنا، فعادَيْتَنا ووالَيْتَ عدوَّنا، ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ

стр. 420

بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠]. رَعى اللهُ مَن نَهْوى وَإنْ كانَ ما رَعى … حَفِظْنا لَهُ العَهْدَ القَديمَ فَضَيَّعا وَصاحَبْتَ قَوْمًا كنْتُ أنْهاكَ عَنْهُمُ … وَحَقِّكَ ما أبْقَيْتَ لِلصُّلْحِ مَوْضِعا أبْشِروا با معاشرَ المسلمينَ! فهذهِ أبوابُ الجنَّةِ الثَّمانيةُ في هذا الشَّهرِ لأجلِكُم قد فُتِحَتْ، ونسماتُها على قلوبِ المؤمنينَ قد نَفَحَتْ، وأبوابُ الجحيمِ كلُّها لأجلِكُم مغلقة، وأقدامُ إبْليسَ وذرِّيَّتهِ مِن أجلِكُم موثقة. ففي هذا الشَّهرِ يُؤْخَذُ مِن إبْليسَ بالثَّار، وتُسْتَخْلَصُ العصاةُ مِن أسرِهِ فما يَبْقى لهُم عندَهُ آثار. كانوا أفراخَهُ قد غَذَاهُم بالشَّهواتِ في أوكارِهِ فهَجَروا اليومَ تلكَ الأوكار، نَقَضوا معاقلَ حصونِهِ بمعاولِ التَّوبةِ والاستغفار، خَرَجوا مِن سجنِهِ إلى حصنِ التَّقوى والإيمانِ فأمِنُوا مِن عذابِ النَّار، قَصَموا ظهرَهُ بكلمةِ التَّوحيدِ فهوَ يَشْكُو ألمَ الانكسار. في كلِّ موسمٍ مِن مواسمِ الفضلِ يَحْزَنُ ففي هذا الشَّهرِ يَدْعو بالويلِ والثُّبورِ لِما يَرى مِن تنزُّلِ الرَّحمةِ ومغفرةِ الأوزار، غَلَبَ حزبُ الرَّحمنِ وهَرَبَ حزبُ الشَّيطانِ فما بَقِيَ لهُ سلطانٌ إلَّا على الكفَّار، عُزِلَ سلطانُ الهوى وصارَتِ الدَّولةُ لسلطانِ التَّقوى ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢]. يا ندامايَ صَحا القَلْبُ صَحا … فَاطْرُدوا عَنَي الصِّبا وَالمَرَحا هَزَمَ العَقلُ جُنودًا لِلْهَوى … فاسِدي لا تَعْجَبوا إنْ صَلَحا زَجَرَ الحَقُّ فُؤادي فَارْعَوى … وَأفاقَ القَلْبُ مِنِّي وَصَحا بادِروا التَّوْبَةَ مِنْ قَبْلِ الرَّدى … فَمُناديهِ يُنادينا الوَحا هذا - عبادَ اللهِ - شهرُ رمضانَ قدِ انْتَصَف؛ فمَن منكُم حاسَبَ فيهِ نفسَهُ للهِ وأنْصَف؟ مَن منكُم قامَ في هذا الشَّهرِ بحقِّهِ الذي عَرَف؟ مَن منكُم عَزَمَ قبلَ غَلْقِ أبوابِ الجنَّةِ أنْ يَبْنِيَ لهُ فيها غرفًا مِن فوقِها غرف؟ ألا إنَّ شهرَكُم قد أخَذَ في النَّقصِ فزيدوا أنتُم في العملِ فكأنَّكُم بهِ وقدِ انْصَرَف، فكلُّ شهرٍ فعَسى أنْ يَكونَ منهُ خلفٌ وَأَمَّا شهرُ رمضانَ فمِن أينَ لكُم منهُ خلف؟ تنَصَّفَ الشَّهْرُ وا لَهْفاهُ وَانْهَدَما … وَاخْتَصَّ بِالفَوْزِ بِالجَنَّاتِ مَنْ خَدَما (١)

стр. 421

وَأصْبَحَ الغافِلُ المِسْكينُ مُنْكَسِرًا … مِثْلي فَيا وَيْحَهُ يا عُظْمَ ما حُرِما مَن فاتَهُ الزَّرْعُ في وَقْتِ البِذارِ فَما … تَراهُ يَحْصُدُ إلَّا الهَمَّ وَالنَّدَما طُوبَى لِمَن كانَتِ التَّقْوى بِضاعَتَهُ … في شَهْرِهِ وَبِحَبْلِ اللهِ مُعْتَصِما المجلس الرابع: في ذكر العشر الأواخر من رمضان في الصَّحيحينِ (١): عن عائِشَةَ ﵂؛ قالَتْ: كانَ رسولُ اللهِ ﷺ إذا دَخَلَ العشرُ؛ شَدَّ مئزرَهُ وأحْيا ليلَهُ وأيْقَظَ أهلَهُ. هذا لفظُ البُخارِيِّ. ولفظُ مسلمٍ: أحيا الليلَ وأيْقَظَ أهلَهُ وجَدَّ وشَدَّ المئزرَ. وفي روايةٍ لمسلمٍ (٢) عنها؛ قالَتْ: كانَ النَّبيُّ ﷺ يَجْتَهِدُ في العشرِ الأواخرِ ما لا يَجْتَهِدُ في غيرِهِ. كانَ النَّبيُّ ﷺ يَخُصُّ العشرَ الأواخرَ مِن رمضانَ بأعمالٍ لا يَعْمَلُها في بقيَّةِ الشَّهرِ. • فمنها: إحياءُ الليلِ فيُحْتَمَلُ أن المرادَ إحياءُ الليلِ كلِّهِ. وقد رُوِيَ من حديثِ عائِشَةَ ﵂ مِن وجهٍ فيهِ ضعفٌ بلفظِ: "وأحيا الليلَ كلَّهُ" (٣).

стр. 422

وفي "المسند" من وجهٍ آخرَ عنها؛ قالَتْ: كانَ النَّبيُّ ﷺ يَخْلِطُ العشرينَ بصلاةٍ ونومٍ، فإذا كانَ العشرُ شَمَّرَ وشَدَّ المئزرَ (١). وخَرَّجَ الحافظُ أبو نُعَيْمٍ بإسنادٍ فيهِ ضعفٌ عن أنَسٍ: كانَ النَّبيُّ ﷺ إذا شَهِدَ رمضانَ؛ قامَ ونامَ، فإذا كانَ أربعًا وعشرينَ؛ لم يَذُقْ غمضًا (٢). ويُحْتَمَلُ أنْ يُريدَ بإحياءِ الليلِ إحياءَ غالبِهِ. وقد رُوِيَ عن بعضِ المتقدِّمينَ مِن بني هاشمٍ (ظَنَّهُ الرَّاوي أبا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بنَ عَلِيٍّ) أنَّهُ فَسَّرَ ذلكَ بإحياءِ نصفِ الليلِ، وقالَ: مَن أحيا نصفَ الليلِ؛ فقد أحيا الليلَ. وقد سَبَقَ مثلُ هذا في قولِ عائِشَةَ: كانَ النَّبيُّ ﷺ يَصومُ شعبانَ كلَّهُ، كانَ يَصومُهُ إلَّا قليلًا (٣). ويُؤَيِّدُهُ ما في "صحيح مسلم" (٤): عن عائِشَةَ؛ قالَتْ: ما أعْلَمُهُ ﷺ قامَ ليلةً حتَّى الصَّباحِ. وذَكَرَ بعضُ الشَّافعيَّةِ في إحياءِ ليلتي العيدينِ أنَّهُ تَحْصُلُ فضيلةُ الإحياءِ بمعظمِ الليلِ. قالَ: وقيلَ: تَحْصُلُ بساعةٍ. وقد نَقَلَ الشَّافِعِيُّ في "الأُمِّ" عن جماعةٍ مِن خيارِ أهلِ المدينةِ ما يُؤَيِّدُهُ. ونَقَلَ بعضُ أصحابِهِم عن ابن عَبَّاسٍ أن إحياءَها يَحْصُلُ بأنْ يُصَلِّيَ العشاءَ في

стр. 423

جماعةٍ ويَعْزِمَ على أنْ يُصَلِّيَ الصُّبحَ في جماعةٍ. وقالَ مالِكٌ في "الموطَّأ": بَلَغَني أن ابنَ المُسَيَّبِ قالَ: مَن شَهِدَ العشاءَ ليلةَ القدرِ (يَعْني: في جماعةٍ)؛ فقد أخَذَ بحظِّهِ منها. وكذا قالَ الشَّافِعِي في القديمِ: مَن شَهِدَ العشاءَ والصُّبحَ ليلةَ القدرِ؛ فقد أخذَ بحظِّهِ منها. وقد رُوِيَ هذا مِن حديثِ أبي هُرَيرَةَ مرفوعًا: "مَن صَلَّى العشاءَ الآخرةَ في جماعةٍ في رمضانَ؛ فقد أدْرَكَ ليلةَ القدرِ" (١). خَرَّجَهُ أبو الشَّيخِ الأصْبَهانِيُّ، ومِن طريقِهِ أبو موسى المَدِينِيُّ وذَكَرَ أنَّهُ رُوِيَ مِن وجهِ آخرَ عن أبي هُرَيْرَةَ نحوُهُ. ويُرْوى مِن حديثِ عَلِيِّ بن أبي طالِبٍ مرفوعًا (٢)، لكنَّ إسنادَهُ ضعيفٌ جدًّا. ويُرْوى مِن حديثِ أبي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بن عَلِيٍّ مرسلًا؛ أن النَّبيَّ ﷺ قالَ: "مَن أتى عليه رمضانُ صحيحًا مسلمًا، فصامَ نهارَهُ، وصَلَى وردًا مِن ليلِهِ، وغَضَّ بصرَهُ، وحَفِظَ فرجَهُ ولسانَهُ ويدَهُ، وحافَظَ على صلاتِهِ في الجماعةِ، وبَكَّرَ إلى جمعِهِ (٣)؛ فقد صامَ الشَّهرَ واسْتكْمَلَ الأجرَ وأدْرَكَ ليلةَ القدرِ وفازَ بجائزةِ الرَّبِّ ". قالَ أبو جَعْفَرٍ: جائزةٌ لا تُشْبِهُ جوائزَ الأُمراءِ (٤). خَرَّجَهُ ابنُ أبي الدُّنيا.

стр. 424

ولو نَذَرَ قيامَ ليلةِ القدرِ؛ لَزِمَهُ أنْ يَقومَ مِن ليالي شهرِ رمضانَ ما يُتَيَقَّنُ بهِ قيامُها: فمَن قالَ مِن العلماءِ إنَّها في جميعِ الشَّهرِ يَقولُ: يَلْزَمُهُ قيامُ جميعِ ليالي الشَّهرِ، ومَن قالَ هيَ في النِّصفِ الأخيرِ مِن الشَّهرِ قالَ: يَلْزَمُهُ قيامُ ليالي النِّصفِ الأخيرِ منهُ، ومَن قالَ: هيَ في العشرِ الأواخرِ مِن الشَّهرِ قالَ: يَلْزَمُهُ قيامُ ليالي العشرِ كلِّها، وهوَ قولُ أصحابِنا. وإنْ كانَ نذرُهُ كذلكَ وقد مَضى بعضُ ليالي العشرِ: فإنْ قُلْنا إنَّها لا تَنْتَقِلُ في العشرِ؛ أجْزَأهُ مِن نذرِهِ أنْ يَقومَ ما بَقِيَ مِن ليالي العشرِ ويَقومَ مِن عامٍ قابلٍ مِن أوَّلِ العشرِ إلى وقتِ نذرِهِ. وإنْ قُلْنا: إنَّها تَنْتَقِلُ في العشرِ؛ لم يَخْرُجْ مِن نذرِهِ بدونِ قيامِ ليالي العشرِ كلِّها بعدَ عامِ نذرِهِ. ولو نَذَرَ قيامَ ليلةٍ غيرِ معيَّنةٍ؛ لَزِمَهُ قيامُ ليلةٍ تامَّةٍ، فإنْ قامَ نصفَ ليلةٍ ثمَّ نامَ؛ أجْزَأهُ أنْ يَقومَ مِن ليلةٍ أُخرى نصفَها. قالَهُ الأوْزاعِيُّ، نَقَلَهُ عنهُ الوليدُ بنُ مُسْلِمٍ في كتابِ "النُّذور"، وهوَ شبيهٌ بقولِ مَن قالَ مِن أصحابِنا وغيرِهِم: إنَّ الكفَّارةَ يُجْزئُ فيها أنْ يُعْتِقَ نصفي رقبتينِ. • ومنها: أن النَّبيَّ كانَ يوقِظُ أهلَهُ للصَّلاةِ في ليالي العشرِ دونَ غيرِهِ مِن الليالي. وفي حديثِ أبي ذَرٍّ أن النَّبيَّ ﷺ لمَّا قامَ بهِم ليلةَ ثلاثٍ وعشرينَ وخمسٍ وعشرينَ وسبعٍ وعشرينَ؛ ذَكَرَ أنَّهُ دَعا أهلَهُ ونساءَهُ ليلةَ سبعٍ وعشرينَ خاصَّةً (١). وهذا يَدُلُّ على أنَّهُ يَتَأكَّدُ إيقاظُهُم في آكدِ الأوتارِ التي تُرْجى فيها ليلةُ القدرِ. وخَرَّجَ الطَّبَرانِيُّ مِن حديثِ عَلِيٍّ؛ أن النَّبيَّ ﷺ كانَ يوقِظُ أهلَهُ في العشرِ الأواخرِ مِن رمضانَ وكلَّ صغيرٍ وكبيرٍ يُطيقُ الصَّلاةَ (٢).

стр. 425

قالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: أحبُّ إليَّ إذا دَخَلَ العشرُ الأواخرُ أنْ يَتَهَجَّدَ بالليلِ ويَجْتَهِدَ فيهِ ويُنْهِضَ أهلَهُ وولدَهُ إلى الصَّلاةِ إنْ أطاقوا ذلكَ. وقد صَحَّ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّهُ كانَ يَطْرُقُ فاطِمَةَ (١) وعَلِيًّا ليلًا فيَقولُ لهُما: "ألا تَقومانِ فتُصَلِّيانِ" (٢). وكانَ يوقِظُ عائِشَةَ بالليلِ إذا قضى تهجُّدَهُ وأرادَ أنْ يوتِرَ (٣). ووَرَدَ التَّرغيبُ في إيقاظِ أحدِ الزَّوجينِ صاحبَهُ للصَّلاةِ ونضحِ الماءِ في وجهِهِ. وفي "الموطَّأ": أن عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ كانَ يُصَلِّي مِن الليلِ ما شاءَ اللهُ أنْ يُصَلِّيَ، حتَّى إذا كانَ نصفُ الليلِ؛ أيْقَظَ أهلَهُ للصَّلاةِ، يَقولُ لهُمُ: الصَّلاةَ الصَّلاةَ، ويَتْلو هذهِ الآيةَ: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢]. كانَتِ امرأةُ حَبِيبٍ أبي مُحَمَّدٍ تَقولُ لهُ بالليلِ: قد ذَهَبَ الليلُ، وبينَ أيدينا طريقٌ بعيدٌ، وزادُنا قليلٌ، وقوافلُ الصَّالحينَ قد سارَتْ قدَّامَنا، ونحنُ قد بَقِينا! يا نائِمً [ـــا بِـ]ــــاللَيْلِ كَمْ تَرْقُدُ … قُمْ يا حَبِيبي قَدْ دَنا المَوْعِدُ وَخُذْ مِنَ اللَيْلِ وَأوْقاتِهِ … وِرْدًا إذا ما هَجَعَ الرُّقَّدُ مَنْ نامَ حَتَّى يَنْقَضي لَيْلُهُ … لَمْ يَبْلُغِ المَنْزِلَ أوْ يَجْهَدُ • ومنها: أن النَّبيَّ ﷺ كانَ يَشُدُّ المئزرَ واخْتَلَفوا في تفسيرِهِ: فمنهُم مَن قالَ: هوَ كنايةٌ عن شدَّةِ جدِّهِ واجتهادِهِ في العبادةِ، كما يُقالُ: فلانٌ يَشُدُّ وسطَهُ ويَسْعى في كذا. وهذا فيهِ نظرٌ؛ فإنَّها قالَتْ: "جَدَّ وشَدَّ المئزرَ"، فعطَفَتْ شَدَّ المئزرَ على جدِّهِ.
следующие страницы →