← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1151

لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف - ت عامر

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (739 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وَأصْبَحَ الغافِلُ المِسْكينُ مُنْكَسِرًا … مِثْلي فَيا وَيْحَهُ يا عُظْمَ ما حُرِما مَن فاتَهُ الزَّرْعُ في وَقْتِ البِذارِ فَما … تَراهُ يَحْصُدُ إلَّا الهَمَّ وَالنَّدَما طُوبَى لِمَن كانَتِ التَّقْوى بِضاعَتَهُ … في شَهْرِهِ وَبِحَبْلِ اللهِ مُعْتَصِما المجلس الرابع: في ذكر العشر الأواخر من رمضان في الصَّحيحينِ (١): عن عائِشَةَ ﵂؛ قالَتْ: كانَ رسولُ اللهِ ﷺ إذا دَخَلَ العشرُ؛ شَدَّ مئزرَهُ وأحْيا ليلَهُ وأيْقَظَ أهلَهُ. هذا لفظُ البُخارِيِّ. ولفظُ مسلمٍ: أحيا الليلَ وأيْقَظَ أهلَهُ وجَدَّ وشَدَّ المئزرَ. وفي روايةٍ لمسلمٍ (٢) عنها؛ قالَتْ: كانَ النَّبيُّ ﷺ يَجْتَهِدُ في العشرِ الأواخرِ ما لا يَجْتَهِدُ في غيرِهِ. كانَ النَّبيُّ ﷺ يَخُصُّ العشرَ الأواخرَ مِن رمضانَ بأعمالٍ لا يَعْمَلُها في بقيَّةِ الشَّهرِ. • فمنها: إحياءُ الليلِ فيُحْتَمَلُ أن المرادَ إحياءُ الليلِ كلِّهِ. وقد رُوِيَ من حديثِ عائِشَةَ ﵂ مِن وجهٍ فيهِ ضعفٌ بلفظِ: "وأحيا الليلَ كلَّهُ" (٣).

стр. 422

وفي "المسند" من وجهٍ آخرَ عنها؛ قالَتْ: كانَ النَّبيُّ ﷺ يَخْلِطُ العشرينَ بصلاةٍ ونومٍ، فإذا كانَ العشرُ شَمَّرَ وشَدَّ المئزرَ (١). وخَرَّجَ الحافظُ أبو نُعَيْمٍ بإسنادٍ فيهِ ضعفٌ عن أنَسٍ: كانَ النَّبيُّ ﷺ إذا شَهِدَ رمضانَ؛ قامَ ونامَ، فإذا كانَ أربعًا وعشرينَ؛ لم يَذُقْ غمضًا (٢). ويُحْتَمَلُ أنْ يُريدَ بإحياءِ الليلِ إحياءَ غالبِهِ. وقد رُوِيَ عن بعضِ المتقدِّمينَ مِن بني هاشمٍ (ظَنَّهُ الرَّاوي أبا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بنَ عَلِيٍّ) أنَّهُ فَسَّرَ ذلكَ بإحياءِ نصفِ الليلِ، وقالَ: مَن أحيا نصفَ الليلِ؛ فقد أحيا الليلَ. وقد سَبَقَ مثلُ هذا في قولِ عائِشَةَ: كانَ النَّبيُّ ﷺ يَصومُ شعبانَ كلَّهُ، كانَ يَصومُهُ إلَّا قليلًا (٣). ويُؤَيِّدُهُ ما في "صحيح مسلم" (٤): عن عائِشَةَ؛ قالَتْ: ما أعْلَمُهُ ﷺ قامَ ليلةً حتَّى الصَّباحِ. وذَكَرَ بعضُ الشَّافعيَّةِ في إحياءِ ليلتي العيدينِ أنَّهُ تَحْصُلُ فضيلةُ الإحياءِ بمعظمِ الليلِ. قالَ: وقيلَ: تَحْصُلُ بساعةٍ. وقد نَقَلَ الشَّافِعِيُّ في "الأُمِّ" عن جماعةٍ مِن خيارِ أهلِ المدينةِ ما يُؤَيِّدُهُ. ونَقَلَ بعضُ أصحابِهِم عن ابن عَبَّاسٍ أن إحياءَها يَحْصُلُ بأنْ يُصَلِّيَ العشاءَ في

стр. 423

جماعةٍ ويَعْزِمَ على أنْ يُصَلِّيَ الصُّبحَ في جماعةٍ. وقالَ مالِكٌ في "الموطَّأ": بَلَغَني أن ابنَ المُسَيَّبِ قالَ: مَن شَهِدَ العشاءَ ليلةَ القدرِ (يَعْني: في جماعةٍ)؛ فقد أخَذَ بحظِّهِ منها. وكذا قالَ الشَّافِعِي في القديمِ: مَن شَهِدَ العشاءَ والصُّبحَ ليلةَ القدرِ؛ فقد أخذَ بحظِّهِ منها. وقد رُوِيَ هذا مِن حديثِ أبي هُرَيرَةَ مرفوعًا: "مَن صَلَّى العشاءَ الآخرةَ في جماعةٍ في رمضانَ؛ فقد أدْرَكَ ليلةَ القدرِ" (١). خَرَّجَهُ أبو الشَّيخِ الأصْبَهانِيُّ، ومِن طريقِهِ أبو موسى المَدِينِيُّ وذَكَرَ أنَّهُ رُوِيَ مِن وجهِ آخرَ عن أبي هُرَيْرَةَ نحوُهُ. ويُرْوى مِن حديثِ عَلِيِّ بن أبي طالِبٍ مرفوعًا (٢)، لكنَّ إسنادَهُ ضعيفٌ جدًّا. ويُرْوى مِن حديثِ أبي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بن عَلِيٍّ مرسلًا؛ أن النَّبيَّ ﷺ قالَ: "مَن أتى عليه رمضانُ صحيحًا مسلمًا، فصامَ نهارَهُ، وصَلَى وردًا مِن ليلِهِ، وغَضَّ بصرَهُ، وحَفِظَ فرجَهُ ولسانَهُ ويدَهُ، وحافَظَ على صلاتِهِ في الجماعةِ، وبَكَّرَ إلى جمعِهِ (٣)؛ فقد صامَ الشَّهرَ واسْتكْمَلَ الأجرَ وأدْرَكَ ليلةَ القدرِ وفازَ بجائزةِ الرَّبِّ ". قالَ أبو جَعْفَرٍ: جائزةٌ لا تُشْبِهُ جوائزَ الأُمراءِ (٤). خَرَّجَهُ ابنُ أبي الدُّنيا.

стр. 424

ولو نَذَرَ قيامَ ليلةِ القدرِ؛ لَزِمَهُ أنْ يَقومَ مِن ليالي شهرِ رمضانَ ما يُتَيَقَّنُ بهِ قيامُها: فمَن قالَ مِن العلماءِ إنَّها في جميعِ الشَّهرِ يَقولُ: يَلْزَمُهُ قيامُ جميعِ ليالي الشَّهرِ، ومَن قالَ هيَ في النِّصفِ الأخيرِ مِن الشَّهرِ قالَ: يَلْزَمُهُ قيامُ ليالي النِّصفِ الأخيرِ منهُ، ومَن قالَ: هيَ في العشرِ الأواخرِ مِن الشَّهرِ قالَ: يَلْزَمُهُ قيامُ ليالي العشرِ كلِّها، وهوَ قولُ أصحابِنا. وإنْ كانَ نذرُهُ كذلكَ وقد مَضى بعضُ ليالي العشرِ: فإنْ قُلْنا إنَّها لا تَنْتَقِلُ في العشرِ؛ أجْزَأهُ مِن نذرِهِ أنْ يَقومَ ما بَقِيَ مِن ليالي العشرِ ويَقومَ مِن عامٍ قابلٍ مِن أوَّلِ العشرِ إلى وقتِ نذرِهِ. وإنْ قُلْنا: إنَّها تَنْتَقِلُ في العشرِ؛ لم يَخْرُجْ مِن نذرِهِ بدونِ قيامِ ليالي العشرِ كلِّها بعدَ عامِ نذرِهِ. ولو نَذَرَ قيامَ ليلةٍ غيرِ معيَّنةٍ؛ لَزِمَهُ قيامُ ليلةٍ تامَّةٍ، فإنْ قامَ نصفَ ليلةٍ ثمَّ نامَ؛ أجْزَأهُ أنْ يَقومَ مِن ليلةٍ أُخرى نصفَها. قالَهُ الأوْزاعِيُّ، نَقَلَهُ عنهُ الوليدُ بنُ مُسْلِمٍ في كتابِ "النُّذور"، وهوَ شبيهٌ بقولِ مَن قالَ مِن أصحابِنا وغيرِهِم: إنَّ الكفَّارةَ يُجْزئُ فيها أنْ يُعْتِقَ نصفي رقبتينِ. • ومنها: أن النَّبيَّ كانَ يوقِظُ أهلَهُ للصَّلاةِ في ليالي العشرِ دونَ غيرِهِ مِن الليالي. وفي حديثِ أبي ذَرٍّ أن النَّبيَّ ﷺ لمَّا قامَ بهِم ليلةَ ثلاثٍ وعشرينَ وخمسٍ وعشرينَ وسبعٍ وعشرينَ؛ ذَكَرَ أنَّهُ دَعا أهلَهُ ونساءَهُ ليلةَ سبعٍ وعشرينَ خاصَّةً (١). وهذا يَدُلُّ على أنَّهُ يَتَأكَّدُ إيقاظُهُم في آكدِ الأوتارِ التي تُرْجى فيها ليلةُ القدرِ. وخَرَّجَ الطَّبَرانِيُّ مِن حديثِ عَلِيٍّ؛ أن النَّبيَّ ﷺ كانَ يوقِظُ أهلَهُ في العشرِ الأواخرِ مِن رمضانَ وكلَّ صغيرٍ وكبيرٍ يُطيقُ الصَّلاةَ (٢).

стр. 425

قالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: أحبُّ إليَّ إذا دَخَلَ العشرُ الأواخرُ أنْ يَتَهَجَّدَ بالليلِ ويَجْتَهِدَ فيهِ ويُنْهِضَ أهلَهُ وولدَهُ إلى الصَّلاةِ إنْ أطاقوا ذلكَ. وقد صَحَّ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّهُ كانَ يَطْرُقُ فاطِمَةَ (١) وعَلِيًّا ليلًا فيَقولُ لهُما: "ألا تَقومانِ فتُصَلِّيانِ" (٢). وكانَ يوقِظُ عائِشَةَ بالليلِ إذا قضى تهجُّدَهُ وأرادَ أنْ يوتِرَ (٣). ووَرَدَ التَّرغيبُ في إيقاظِ أحدِ الزَّوجينِ صاحبَهُ للصَّلاةِ ونضحِ الماءِ في وجهِهِ. وفي "الموطَّأ": أن عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ كانَ يُصَلِّي مِن الليلِ ما شاءَ اللهُ أنْ يُصَلِّيَ، حتَّى إذا كانَ نصفُ الليلِ؛ أيْقَظَ أهلَهُ للصَّلاةِ، يَقولُ لهُمُ: الصَّلاةَ الصَّلاةَ، ويَتْلو هذهِ الآيةَ: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢]. كانَتِ امرأةُ حَبِيبٍ أبي مُحَمَّدٍ تَقولُ لهُ بالليلِ: قد ذَهَبَ الليلُ، وبينَ أيدينا طريقٌ بعيدٌ، وزادُنا قليلٌ، وقوافلُ الصَّالحينَ قد سارَتْ قدَّامَنا، ونحنُ قد بَقِينا! يا نائِمً [ـــا بِـ]ــــاللَيْلِ كَمْ تَرْقُدُ … قُمْ يا حَبِيبي قَدْ دَنا المَوْعِدُ وَخُذْ مِنَ اللَيْلِ وَأوْقاتِهِ … وِرْدًا إذا ما هَجَعَ الرُّقَّدُ مَنْ نامَ حَتَّى يَنْقَضي لَيْلُهُ … لَمْ يَبْلُغِ المَنْزِلَ أوْ يَجْهَدُ • ومنها: أن النَّبيَّ ﷺ كانَ يَشُدُّ المئزرَ واخْتَلَفوا في تفسيرِهِ: فمنهُم مَن قالَ: هوَ كنايةٌ عن شدَّةِ جدِّهِ واجتهادِهِ في العبادةِ، كما يُقالُ: فلانٌ يَشُدُّ وسطَهُ ويَسْعى في كذا. وهذا فيهِ نظرٌ؛ فإنَّها قالَتْ: "جَدَّ وشَدَّ المئزرَ"، فعطَفَتْ شَدَّ المئزرَ على جدِّهِ.

стр. 426

والصَّحيحُ أن المرادَ اعتزالُهُ للنِّساءِ، وبذلكَ فَسَّرَهُ السَّلفُ والأئمَّةُ المتقدِّمونَ، منهُمُ الثَّورِيُّ. وقد وَرَدَ ذلكَ صريحًا مِن حديثِ عائِشَةَ وأنَسٍ، ووَرَدَ تفسيرُهُ بأنَّهُ لم يَأْوِ إلى فراشِهِ حتَّى يَنْسَلخَ رمضانُ، وفي حديثِ أنَسٍ: "وطَوى فراشَهُ، واعْتَزَلَ النِّساءَ" (١). وقد كانَ النَّبيُّ ﷺ غالبًا يَعْتكِفُ العشرَ الأواخرَ، والمعتكفُ ممنوعٌ مِن قربانِ النِّساءِ بالنَّصِّ والإجماعِ، وقد قالَ طائفةٌ مِن السَّلفِ في تفسيرِ قولِهِ تَعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]: إنَّهُ طلبُ ليلةِ القدرِ. والمعنى في ذلكَ أن الله تَعالى لمَّا أباحَ مباشرةَ النِّساءِ في ليالي الصِّيامِ إلى أنْ يَتبَيَّنَ الخيطُ الأبيضُ مِن الخيطِ الأسودِ؛ أمَرَ معَ ذلكَ بطلبِ ليلةِ القدرِ، لئلَّا يَشْتَغِلَ المسلمونَ في طولِ ليالي الشَّهرِ بالاستمتاعِ المباحِ فيفوتُهُم طلبُ ليلةِ القدرِ، فأمَرَ معَ ذلكَ بطلبِ ليلةِ القدرِ بالتَّهجُّدِ مِن الليلِ، خصوصًا في الليالي المرجوِّ فيها ليلةُ القدرِ، فمِن هُنا كانَ النَّبيُّ ﷺ يُصيبُ مِن أهلِهِ في العشرينَ مِن رمضانَ، ثمَّ يَعْتَزِلُ نساءَهُ ويَتَفَرَّغُ لطلبِ ليلةِ القدرِ في العشرِ الأواخرِ. • ومنها: تأْخيرُهُ للفطورِ إلى السَّحَرِ رُوِيَ عنهُ مِن حديثِ عائِشَةَ وأنَسٍ أنَّهُ ﷺ كانَ في ليالي العشرِ يَجْعَلُ عشاءَهُ سحورًا. ولفظُ حديثِ عائِشَةَ: كانَ رسولُ اللهِ ﷺ إذا كانَ رمضانُ؛ قامَ ونامَ، فإذا دَخَلَ العشرُ؛ شَدَّ المئزرَ واجْتَنَبَ النِّساءَ واغْتَسَلَ بينَ الأذانينِ وجَعَلَ العشاءَ سحورًا (٢).

стр. 427

أخْرَجَهُ ابنُ أبي عاصِمٍ، وإسنادُهُ مقاربٌ. وحديثُ أنَسٍ خَرَّجَهُ الطبَرانِيُّ، ولفظُهُ: كانَ رسولُ اللهِ ﷺ إذا دَخَلَ العشرُ الأواخرُ مِن رمضانَ؛ طَوى فراشَهُ واعْتَزَلَ النِّساءَ وجَعَلَ عشاءَهُ سحورًا (١). وفي إسنادِهِ حَفْصُ بنُ واقِدٍ؛ قالَ ابنُ عَدِيٍّ: هذا الحديثُ مِن أنكرِ ما رَأيْتُ لهُ. ورُوِيَ أيضًا نحوُهُ مِن حديثِ جابِرٍ (٢)، خَرَّجَهُ أبو بكْرٍ الخَطيبُ، وفي إسنادِهِ مَن لا يُعْرَفُ حالُهُ. وفي الصَّحيحينِ ما يَشْهَدُ لهذهِ الرِّواياتِ، ففيهِما (٣): عن أبي هُرَيْرَةَ؛ قالَ: نَهَى رسولُ اللهِ ﷺ عن الوصالِ في الصَّومِ. فقالَ لهُ رجلٌ مِن المسلمينَ: إنَّكَ تُواصِلُ يا رسولَ اللهِ. قالَ: "وأيكُّم مثلي؟ إنِّي أبيتُ يُطْعِمُني ربِّي ويَسْقيني". فلمَّا أبَوْا أنْ يَنْتَهوا عن الوِصالِ؛ واصلَ بهِم يومًا، ثمَّ يومًا، ثمَّ رَأَوُا الهلالَ. فقالَ: "لو تأخَّرَ لَزِدْتُكُمْ"، كالتَّنكيلِ لهُم حينَ أبَوْا أنْ ينْتَهوا. فهذا يَدُلُّ على أنَّهُ واصلَ بالنَّاسِ في آخرِ الشَّهرِ. ورَوى: عاصِمُ بنُ كلَيْبٍ، عن أبيهِ، عن أبي هُرَيْرَةَ؛ قالَ: ما واصلَ النَّبيُّ ﷺ وصالَكُم قطُّ، غيرَ أنَّهُ قد أخَّرَ الفطرَ إلى السَّحرِ (٤). وإسنادُهُ لا بأْسَ بهِ. وخَرَّجَ الإمامُ أحْمَدُ مِن حديثِ عَلِيٍّ؛ أن النَّبيَّ ﷺ كانَ يُواصِلُ إلى السَّحَرْ (٥).

стр. 428

وخَرَّجَهُ الطَّبَرانِيُّ مِن حديثِ جابِرٍ أيضًا (١). وخَرَّجَ ابنُ جَريرٍ الطَّبَرِيُّ مِن حديثِ أبي هُرَيْرَةَ؛ أن النَّبيَّ ﷺ كانَ يُواصِلُ إلى السَّحَرِ، ففَعَلَ ذلكَ بعضُ أصحابِهِ، فنَهاهُ، فقالَ: أنتَ تَفْعَلُ ذلكَ. فقالَ: "إنَّكُم لستُم مثلي، إنِّي أظَلُّ عند ربِّي يُطْعِمُني ويَسْقيني" (٢). وزَعَمَ ابنُ جَريرٍ أن النَّبيَّ ﷺ لمْ يَكُنْ يُواصِلُ في صيامِهِ إلَّا إلى السَّحَرِ خاصَّةً، وأنَّ ذلكَ يَجوزُ لمَن قَوِيَ عليهِ ويُكْرَهُ لغيرِهِ، وأنْكَرَ أنْ يَكونَ استدامةُ الصِّيامِ في الليلِ كلِّهِ طاعة عندَ أحدٍ منَ العلماءِ؛ قالَ: وإنَّما كانَ يُمْسِكُ بعضُهُم لمعنًى آخرَ غيرِ الصِّيامِ: إمَّا لِيَكونَ أنشطَ لهُ على العبادةِ، أو إيثارًا بطعامِهِ على نفسِهِ، أو لخوفٍ مقلقٍ مَنَعَهُ طعامَهُ، أو نحوِ ذلكَ. فمقتضى كلامِهِ: أنَّ مَن واصَلَ ولم يُفْطِرْ لِيَكونَ أنشطَ لهُ على العبادةِ مِن غيرِ أنْ يَعْتَقِدَ أن إمساكَ الليلِ قربةٌ أنَّهُ جائزٌ (٣). وإنْ أمْسَكَ تعبُّدًا بالمواصلةِ، فإنْ كانَ إلى السَّحرِ وقَوِيَ عليهِ لم يُكْرَهْ، وإلَّا كُرِهَ.

стр. 429

ولذلكَ قالَ أحْمَدُ وإسْحاقُ: لا يُكْرَهُ الوصالُ إلى السَّحرِ. وفي "صحيح البخاريِّ" (١): عن أبي سَعيدٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "لا تُواصِلوا، فأيُّكُم أرادَ أنْ يُواصِلَ؛ فلْيُواصِلْ إلى السَّحرِ". قالوا: فإنَّكَ تُواصِلُ يا رسولَ اللهِ! قالَ: "إنِّي لستُ كهيئتِكُم، إنِّي أبيتُ لي مطعمٌ يُطْعِمُني وساقٍ يَسْقيني". وظاهرُ هذا يَدُلُّ على أنَّهُ ﷺ كانَ يُواصِلُ الليلَ كلَّهُ، وقد يَكونُ النَّبيُّ ﷺ إنَّما فَعَلَ ذلكَ لأنَّهُ رَآهُ أنشطَ لهُ على الاجتهادِ في ليالي العشرِ، ولم يَكُنْ ذلكَ مضعِفًا لهُ عن العملِ؛ فإنَّ الله كانَ يُطْعِمُهُ ويَسْقيهِ. واخْتُلِفَ في معنى إطعامِهِ: فقيلَ: إنَّهُ كانَ يُؤْتَى بطعامٍ مِن الجنَّةِ يَأْكُلُهُ. وفي هذا نظرٌ؛ فإنَّهُ لو كانَ كذلكَ؛ لم يَكُنْ مواصلًا، وقد أقَرَّهُم على قولِهِم لهُ: إنَّكَ تُواصِلُ. لكنْ رَوى عَبْدُ الرَّزَّاقِ في "كتابِهِ": عن ابن جُرَيْجٍ، أخْبَرَني عَمْرُو بنُ دينارٍ؛ أن النَّبيَّ ﷺ نَهى عن الوصالِ. قالوا: فإنَّكَ تُواصِلُ! قالَ: "وما يُدْريكُم! لعلَّ ربِّي يُطْعِمُني ويَسْقِيني" (٢). وهذا مرسلٌ. وفي روايةٍ لمسلمٍ (٣) مِن حديثِ أنَسٍ: "إنِّي أظَلُّ يُطْعِمُني ربِّي ويَسْقيني". وإنَّما يُقالُ: ظَلَّ يَفْعَلُ كذا إذا كانَ نهارًا، ولو كانَ أكلًا حقيقيًّا؛ كانَ منافيًا للصِّيامِ. والصَّحيحُ أنَّهُ إشارةٌ إلى ما كانَ اللهُ تَعالى يَفْتَحُهُ عليهِ في صيامِهِ وخلوتِهِ بربِّهِ لمناجاتِهِ وذكرِهِ مِن موادِّ أُنسهِ ونفحاتِ قدسِهِ، فكانَ يَرِدُ بذلكَ على قلبِهِ مِن المعارفِ الإلهيَّةِ والمنحِ الرَّبَّانيَّةِ ما يُغَذِّيهِ ويُغْنيهِ عن الطَّعامِ والشَّرابِ. كما قيلَ: لَها أحاديثُ مِنْ ذِكْراكَ تَشْغَلُها … عَنِ الطَّعامِ وتُلْهيها عن الزَّادِ لَها بِوَجْهِكَ نورٌ تَسْتَضيءُ بِهِ … وَقْتَ المَسيرِ وفي أعْقابِها حادي إذا شَكَتْ مِنْ كَلالِ السَّيْرِ أوْعَدَها … رَوْحُ القُدومِ فَتَحْيا عِنْدَ ميعادِ

стр. 430

الذِّكرُ قوتُ قلوبِ (١) العارفينَ، يُغْنيهِم عن الطَّعامِ والشَّرابِ، كما قيلَ: أنْتَ رِيِّي إذا ظَمِئْتُ إلى الما … ءِ وَقُوتي إذا أرَدْتُ الطَّعاما لمَّا جاعَ المتهجِّدونَ، شَبِعوا مِن طعامِ المناجاةِ. فأُفٍّ لمَن باعَ لذَّةَ المناجاةِ بفضلِ لقمةٍ. يا مَنْ لِحَشا المُحِبِّ بِالشَّوْقِ حَشا … ذا سِرُّ سُراكَ في الدُّجى كَيْفَ فَشا هذا المُوَلَّى إلى المَماليكِ مَشى … لا كانَ عَيْشًا أوْرَثَ القَلْبَ غِشا (٢) ويَتأكَّدُ تأْخيرُ الفطرِ في الليالي التي تُرْجى فيها ليلةُ القدرِ (٣). قالَ زِرُّ بنُ حُبَيْشٍ في ليلةِ سبعٍ وعشرينَ: مَنِ اسْتَطاعَ منكُم أن يُؤخِّرَ فطرَهُ؛ فلْيَفْعَلْ، ولْيُفْطِرْ على ضَياحِ لبنٍ. ورَواهُ بعضُهُم عن زِرٍّ عن أُبَيِّ بن كَعْبٍ مرفوعًا، ولا يَصِحُّ (٤). وضِياحُ اللبنِ ويُرْوى ضَيْحُ - بالضَّادِ المعجمةِ والياءِ آخرِ الحروفِ - هوَ اللبنُ الخاثرُ الممزوجُ بالماءِ. ورَوَى أبو الشَّيخِ الأصْبَهانِيُّ بإسنادِهِ: عن عَلِيٍّ؛ قالَ: إنْ وافَقَ ليلةَ القدرِ وهوَ يَأْكُلُ؛ أوْرَثَهُ داءً لا يُفارِقُهُ حتَّى يَموتَ (٥). وخَرَّجَهُ مِنْ طريقِهِ أبو موسى المَدِينِيُّ. وكأنَّهُ يُريدُ: إذا وافَقَ دخولُها أكلَهُ. واللهُ أعلمُ. • ومنها: اغتسالُهُ ﷺ بينَ العشاءينِ وقد تَقَدَّمَ مِن حديثِ عائِشَةَ: "واغْتَسَلَ بينَ الأذانينِ" (٦). والمرادُ: أذانُ المغربِ

стр. 431

والعشاءِ. ورُوِيَ مِن حديثِ عَلِيٍّ؛ أن النَّبيَّ ﷺ كانَ يَغْتَسِلُ بينَ العشاءينِ كل ليلةٍ، يَعْني: مِن العشرِ الأواخر (١). وفي إسنادِهِ ضعفٌ. ورُوِيَ عن حُذَيْفَةَ؛ أنَّهُ قامَ معَ النَّبيِّ ﷺ ليلةً مِن رمضانَ، فاغْتَسَلَ النَّبيُّ ﷺ وسَتَرَهُ حُذَيْفَةُ، وبقِيَتْ فضلةٌ فاغْتَسَلَ بها حُذَيْفَةُ وسَتَرَهُ النَّبيُّ ﷺ (٢). خَرجَهُ ابنُ أبي عاصِمٍ. وفي روايةٍ أُخرى عن حُذَيْفَةَ؛ قالَ: قامَ النَّبيُّ ﷺ ذاتَ ليلةٍ مِن رمضانَ في حجرةٍ مِن جريدِ النَّخلِ، فصَبَّ عليهِ دلوًا مِن ماءٍ (٣). وقالَ ابنُ جَريرٍ: كانوا يَسْتَحِبُّونَ أنْ يَغْتَسِلوا كلَّ ليلةٍ مِن ليالي العشرِ الأواخرِ. وكانَ النَّخَعِيُّ يَغْتَسِلُ في العشرِ كلَّ ليلةٍ. ومنهُم مَن كانَ يَغْتَسِلُ ويَتَطَيَّبُ في الليالي التي تكونُ أرجى لليلةِ القدرِ: فأمَرَ زِرُّ بنُ حُبَيْشٍ بالاغتسالِ ليلةَ سبعٍ وعشرينَ مِن رمضانَ. ورُوِيَ عن أنَسِ بن مالِكٍ، أنَّهُ إذا كانَ ليلةُ أربعٍ وعشرينَ مِن رمضانَ، اغْتَسَلَ وتَطَيَّبَ ولَبِسَ حلَّةً إزارًا ورداءً، فإذا أصْبَحَ، طَواهُما فلم يَلْبَسْهُما إلى مثلِها مِن قابلٍ. وكانَ أيُّوبُ السُّخْتِيانِيُّ يَغْتَسِلُ ليلةَ ثلاثٍ وعشرينَ وأربعٍ وعشرينَ، ويَلْبَسُ ثوبينِ جديدينِ، ويَسْتَجْمِرُ، ويَقولُ: ليلةُ ثلاثٍ وعشرينَ هيَ ليلةُ أهلِ المدينةِ، والتي تَلِيها ليلتُنا؛ يَعْني: البصريِّينَ. وقالَ حَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ: كانَ ثابِتٌ البُنانِيُّ وحُمَيْدٌ الطَويلُ يَلْبَسانِ أحسنَ ثيابِهِما ويَتَطَيَّبانِ ويُطَيِّبونَ المسجدَ بالنَّضوحِ والدُّخنةِ في الليلةِ التي تُرْجى فيها ليلةُ القدرِ. وقالَ ثابِتٌ البُنانِيُّ: كانَ لتَميمٍ الدَّارِيِّ حلَّةٌ اشْتَراها بألفِ درهمٍ، كانَ يَلْبَسُها في الليلةِ التي يُرْجى فيها ليلةُ القدرِ.

стр. 432

فتبَيَّنَ بهذا أنَّهُ يُسْتَحَبُّ في الليالي التي تُرْجى فيها ليلةُ القدرِ التَّنظُّفُ والتَّزيُّنُ والتَّطيُّبُ بالغسلِ والطِّيبِ واللباسِ الحسنِ، كما يُشْرَعُ ذلكَ في الجمعِ والأعيادِ. وكذلكَ يُشْرَعُ أخذُ الزِّينةِ بالثِّيابِ في سائرِ الصَّلواتِ، كما قالَ تَعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]. وقالَ ابنُ عُمَرَ: اللهُ أحقُّ أنْ يُتَزَيَّنَ لهُ. ويُرْوى عنهُ مرفوعًا (١). ولا يَكْمُلُ التَّزيُّنُ الظَّاهرُ إلَّا بتزيُّنِ الباطنِ بالتَّوبةِ والإنابةِ إلى اللهِ وتطهيرِهِ مِن أناسِ الذُّنوبِ وأوضارِها؛ فإنَّ زينةَ الظَّاهرِ معَ خراب الباطنِ لا تُغْني شيئًا. قالَ اللهُ تَعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦]: إذا المَرْءُ لَمْ يَلْبَسْ ثِيابًا مِنَ التُّقى … تَقَلَّبَ عُرْيانًا وَإنْ كانَ كاسِيا لا يَصْلُحُ لمناجاةِ الملوكٍ في الخلواتِ إلَّا مَن زَيَّنَ ظاهرَهُ وباطنَهُ وطَهَّرَهُما،

стр. 433

خصوصًا ملكَ الملوكِ الذي يَعْلَمُ السِّرَّ وأخفى وهوَ لا يَنْظُرُ إلى صورِكُم وإنَّما يَنْظُرُ إلى قلوبِكُم وأعمالِكُم، فمَن وَقَفَ بينَ يديهِ؛ فلْيُزَيِّنْ [لهُ] ظاهرَهُ باللباسِ وباطنَهُ بلباسِ التَّقوى. أنْشَدَ الشِّبْلِيُّ: قالوا غَدا العيدُ ماذا أنْتَ لابِسُهُ … فَقُلْتُ خِلْعَةَ ساقٍ حُبَّهُ جُرَعا فَقْرٌ وصَبْرٌ هُما ثَوْبانِ تَحْتَهُما … قَلْبٌ يَرى إلْفَهُ الأعيادَ وَالجُمَعا أحْرى الملابسِ أنْ تَلْقى الحَبيبَ بِهِ … يَوْمَ التَّزاوُرِ في الثَّوْبِ الذي خَلَعا فَالدَّهْرُ لي مَأْتَمٌ إنْ غِبْتَ يا أمَلِي … وَالعيدُ ما كُنْتَ لي مَرْأًى وَمُسْتَمَعا (١) • ومنها: الاعتكافُ ففي الصَّحيحينِ (٢): عن عائِشَةَ ﵂؛ أن النَّبي ﷺ كانَ يَعْتكِفُ العشرَ الأواخرَ مِن رمضانَ حتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ. وفي "صحيح البُخارِيِّ" (٣): عن أبي هُرَيْرَةَ؛ قالَ: كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يَعْتكِفُ في كلِّ رمضانَ عشرةَ أيامٍ، فلمَّا كانَ العامُ الذي قُبِضَ فيهِ؛ اعْتكفَ عشرينَ. وإنَّما كانَ يَعْتكِفُ ﷺ في هذهِ العشرِ التي يُطْلَبُ فيها ليلةُ القدرِ قطعًا لأشغالِهِ وتفريغًا لبالِهِ وتخلِّيًا لمناجاةِ ربِّهِ وذكرِهِ ودعائِهِ. وكانَ ﷺ يَحْتَجِرُ حصيرًا يَتَخَلَّى فيها عن النَّاسِ فلا يُخالِطُهُم ولا يَشْتَغِلُ بهِم (٤). ولهذا ذَهَبَ الإمامُ أحْمَدُ إلى أن المعتكفَ لا يُسْتَحَبُّ لهُ مخالطةُ النَّاسِ، حتَّى ولا لتعليمِ علمٍ وإقراءِ قرآنٍ، بلِ الأفضلُ لهُ الانفرادُ بنفسِهِ والتَّخلِّي بمناجاةِ ربِّهِ وذكرِهِ

стр. 434

ودعائِهِ. وهذا الاعتكافُ هوَ الخلوةُ الشَّرعيَّةُ، وإنَّما يَكونُ في المساجدِ؛ لئلَّا يُتْرَكَ بهِ الجمعُ والجماعاتُ؛ فإنَّ الخلوةَ القاطعةَ عن الجمعِ والجماعاتِ منهيٌّ عنها. سُئِلَ ابنُ عَبَّاسٍ عن رجلٍ يَصومُ النَّهارَ ويَقومُ الليلَ ولا يَشْهَدُ الجمعةَ والجماعةَ؟ قالَ: هوَ في النَّارِ. فالخلوةُ المشروعةُ لهذهِ الأُمَّةِ هيَ الاعتكافُ في المساجدِ، خصوصًا في شهرِ رمضانَ، خصوصًا في العشرِ الأواخرِ منهُ، كما كانَ النَّبيُّ ﷺ يَفْعَلُهُ. فالمعتكفُ قد حَبَسَ نفسَهُ على طاعةِ اللهِ وذكرِهِ، وقَطَعَ عن نفسِهِ كلَّ شاغلٍ يَشْغَلُهُ عنهُ، وعَكَفَ بقلبِهِ وقالبِهِ على ربِّهِ وما يُقرِّبُهُ منهُ، فما بَقِيَ لهُ همٌّ سوى اللهِ وما يُرْضيهِ عنهُ. كما كانَ داوردُ الطَّائِيُّ يَقولُ في ليلِهِ: همُّكَ عَطَّلَ عليَّ الهمومَ وحالَفَ بيني وبينَ السُّهادِ، وشوقي إلى النَّظرِ إليكَ أوْبَقَ منِّيَ اللذَّاتِ وحالَ بيني وبينَ الشَّهواتِ. ما لي شُغُلٌ سِواهُ ما لي شُغُلُ … ما يَصْرِفُ عَنْ هَواهُ قَلْبي عَذَلُ ما أصْنَعُ إنْ جَفا وَخابَ الأمَلُ … مِنِّي بَدَلٌ وَمِنْهُ ما لي بَدَلُ فمعنى الاعتكاف وحقيقتُهُ قطعُ العلائقِ عن الخلائقِ للاتِّصالِ بخدمةِ الخالقِ، وكلَّما قَوِيَتِ المعرفةُ باللهِ والمحبَّةُ لهُ والأُنسُ بهِ؛ أوْرَثَتْ صاحبَها الانقطاعَ إلى اللهِ تَعالى بالكلِّيَّةِ على كلِّ حالٍ. كانَ بعضُهُم لا يَزالُ منفردًا في بيتِهِ خاليًا بربِّهِ، فقيلَ لهُ: أما تَسْتَوْحِشُ؟ قالَ: كيفَ أسْتَوْحِشُ وهوَ يَقولُ: أنا جليسُ مَن ذَكَرَني؟! أوْحَشَتْني خَلَواتي … بِكَ مِنْ كُلِّ أنِيسي وَتَفَرَّدْتُ فَعايَنـ … تُكَ بِالغَيْبِ جَليسي • يا ليلةَ القدرِ! للعابدينَ أشْهَدي، يا أقدامَ القانتينَ! ارْكَعي لربِّكِ واسْجُدي، يا ألسنةَ السَّائلينَ! جُدِّي في المسألةِ واجْتَهِدي.

стр. 435

يا رِجالَ اللَيْلِ جُدُّوا … رُبَّ داعٍ لا يُرَدُّ ما يَقومُ اللَيْلَ إلَّا … مَنْ لَهُ عَزْمٌ وَجِدُّ ليلةُ القدرِ عندَ المحبِّينَ ليلةُ الحظوةِ بأُنسِ (١) مولاهُم وقربِهِ، وإنَّما يَفِرُّونَ مِن ليالي البعدِ والهجرِ. كانَ ببغدادَ موضعانِ يُقالُ لأحدِهِما دارُ الملكِ وللأُخرى القطيعةُ، فجازَ بعضُ العارفينَ بملَّاحٍ في سفينةٍ، فقالَ لهُ: احْمِلْني معَكَ إلى دارِ الملكِ. فقالَ لهُ الملَّاحُ: ما أقْصِدُ إلَّا القطيعةَ. فصاحَ العارفُ: لا باللهِ لا باللهِ، منها أفِرُّ. وَلَيْلَةٍ بِتُّ بِأكْنافِها … تَعْدِلُ عِنْدِيَ لَيْلَةَ القَدْرِ كانَتْ سَلامًا لِسُروري بِها … بِالْوَصْلِ حَتَّى مَطْلَعِ الفَجْرِ يا مَن ضاعَ عمرُهُ في لا شيء! اسْتَدْرِكْ ما فاتَكَ في ليلةِ القدرِ؛ فإنَّها تُحْسَبُ بالعمرِ. وَلَيْلَةِ وَصْلٍ باتَ مُنْجِزُ وَعْدِهِ … سَمِيرِيَ فيها بَعْدَ طولِ مَطالِ شَفَيْتُ بِها قَلْبًا أُظيلَ عَليلُهُ … زَمانًا فَكانَتْ لَيْلَةً بِلَيالي قالَ اللهُ تَعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ١ - ٣]. قالَ مالِكٌ: بَلَغَني أن رسولَ اللهِ ﷺ أُريَ أعمارَ النَّاسِ قبلَهُ أو ما شاءَ اللهُ مِن ذلكَ، فكأنَّهُ تَقاصَرَ أعمارَ أُمَّتِهِ ألَّا يَبْلُغوا مِن العملِ الذي بَلَغَ غيرُهُم في طولِ العمرِ، فأعْطاهُ اللهُ ليلةَ القدرِ خيرًا مِن ألفِ شهرٍ (٢).

стр. 436

ورُوِيَ عن مجاهِدٍ؛ أن النَّبيَّ ﷺ ذَكَرَ رجلًا مِن بني إسْرائيلَ لَبِسَ السِّلاحَ ألفَ شهرٍ، فعَجِبَ المسلمونَ مِن ذلكَ، فأنْزَلَ اللهُ تَعالى هذهِ السُّورةَ ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ الذي لَبِسَ فيها ذلكَ الرَّجلُ السِّلاحَ في سبيلِ اللهِ ألفَ شهرٍ (١). وقالَ النَّخَعِيُّ: العملُ فيها خيرٌ مِن العملِ في ألفِ شهرٍ. وفي الصَّحيحينِ (٢): عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "مَن قامَ ليلةَ القدرِ إيمانًا واحتسابًا؛ غُفِرَ لهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذنبِهِ". وفي "المسند": عن عُبادَةَ بن الصَّامِتِ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ أنَّهُ قالَ: "مَن قامَها ابتغاءَها، ثمَّ وَقَعَتْ لهُ؛ غُفِرَ لهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذنبِهِ وما تأخَّرَ" (٣). وفي "المسند" و"النَّسائِيِّ": عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ أنَّهُ قالَ في شهرِ رمضانَ: "فيهِ ليلةٌ خيرٌ مِن ألفِ شهرٍ، مَن حُرِمَ خيرَها فقد حُرِمَ" (٤).

стр. 437

قالَ جُوَيْبِرٌ: قُلْتُ للضَّحَّاكِ: أرَأيْتَ النُّفساءَ والحائضَ والمسافرَ والنَّائمَ لهُم في ليلةِ القدرِ نصيبٌ؟ قالَ: نعم، كلُّ مَن تَقَبَّلَ اللهُ عملَهُ سَيُعْطِيهِ نصيبَهُ مِن ليلةِ القدرِ. إخواني! المعوَّلُ على القبولِ لا على الاجتهادِ، والاعتبارُ بسيرِ القلوبِ (١) لا بعملِ الأبدانِ. ربَّ قائمٍ حظُّهُ مِن قيامِهِ السَّهرُ! كم مِن قائمٍ محروم ومِن نائمٍ مرحوم! هذا نامَ وقلبُهُ ذاكر، وهذا قامَ وقلبُهُ فاجر. إنَّ المَقاديرَ إذا ساعَدَتْ … ألْحَقَتِ النَّائِمَ بِالقائِمِ (٢) لكنَّ العبدَ مأْمورٌ بالسَّعيِ في اكتسابِ الخيراتِ والاجتهادِ في الأعمالِ الصَّالحاتِ، وكلٌّ ميسَّرٌ لِما خُلِقَ لهُ، أمَّا أهلُ السَّعادةِ؛ فيُيَسَّرونَ لعملِ أهلِ السَّعادةِ، وَأَمَّا أهلُ الشَّقاوةِ؛ فيُيَسَّرونَ لعملِ أهلِ الشَّقاوةِ. ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ١٠]. فالمبادرةَ المبادرةَ إلى اغتنامِ العملِ فيما بَقِيَ مِن الشَّهرِ، فعسى أنْ يُسْتَدْرَكَ بهِ ما فاتَ مِن ضياعِ العمرِ. تَوَلَّى العُمْرُ في سَهْوٍ … وَفي لَهْوٍ وَفي خُسْرِ فيا ضَيْعَةَ ما أنْفَقـ … ــــــتُ في الأيَّامِ مِنْ عُمْري وَما لي في الذي ضَيَّعـ … ـــتُ مِنْ عُمْرِيَ مِنْ عُذْرِ

стр. 438

فَما أغْفَلَنا عَنْ وا … جِباتِ الحَمْدِ وَالشُّكْر أما قَدْ خَصَّنا اللهُ … بِشَهْرٍ أيِّما شَهْرِ بِشَهْرٍ أنْزَلَ الرَّحْما … نُ فيهِ أشْرَفَ الذِّكْر وَهَلْ يُشْبِهُهُ شَهْرٌ … وَفيهِ لَيْلَةُ القَدْرِ فَكَمْ مِنْ خَبَرٍ صَحَّ … بِما فيها مِنَ الخَيْر (١) رَوَيْنا كَنْ ثِقاتٍ أنـ … ـــنَها تُطْلَبُ في الوِتْرِ فَطوبى لامْرِئ يَطْلُـ … ـــبُها في هذِهِ العَشْرِ فَفِيها تَنْزِلُ الأمْلا … كُ بِالأنْوارِ وَالبِرِّ وقَدْ قالَ سَلامٌ هـ … ـــــــيَ حَتَّى مَطْلَعِ الفَجْرِ ألا فَادَّخِروها إنـ … ـــــنَها مِنْ أنْفَسِ الذُّخْرِ فَكَمْ مِنْ مُعْتَقٍ فيها … مِنَ النَّارِ وَلا يَدْري المجلس الخامس في ذكر السبع الأواخر من رمضان في الصَّحيحينِ (٢): عن ابن عُمَرَ ﵄؛ أن رجالًا مِن أصحابِ النَّبيِّ ﷺ أُروا ليلةَ القدرِ في المنامِ في السَّبعِ الأواخرِ. فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "أرى رؤياكُم قد تَواطَأتْ في السَّبعِ الأواخرِ، فمَن كانَ متحرِّيَها فلْيَتَحَرَّها في السَّبعِ الأواخرِ". وفي "صحيح مسلم" (٣): عنهُ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "الْتَمِسوها في العشرِ الأواخرِ، فإنْ ضَعُفَ أحدُكُم أو عَجَزَ؛ فلا يُغْلَبَنَّ على السَّبعِ البواقي". • قد ذَكَرْنا فيما تَقَدَّمَ أن النَّبيَّ ﷺ كانَ يَجْتَهِدُ في شهرِ رمضانَ على طلبِ ليلةِ

стр. 439

القدرِ، وأنَّهُ اعْتكَفَ مرَّةً العشرَ الأوَّلَ منهُ، ثمَّ طَلَبَها فاعْتكَفَ بعدَ ذلكَ العشرَ الأوسطَ في طلبِها، وأنَّ ذلكَ تَكَرَّرَ منهُ غيرَ مرَّةٍ، ثمَّ اسْتَقَرَّ أمرُهُ على اعتكافِ العشرِ الأواخرِ في طلبِها وأمَرَ بطلبِها فيهِ. ففي الصَّحيحينِ (١): عن عائِشَةَ؛ أن النَّبيَّ ﷺ قالَ: "تَحَرَّوْا ليلةَ القدرِ في العشرِ. الأواخرِ مِن رمضانَ". وفي روايةٍ للبُخارِيِّ (٢): "في الوترِ مِن العشرِ الأواخرِ مِن رمضانَ". ولهُ (٣) مِن حديثِ: ابن عَبَّاسٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "الْتَمِسوها في العشرِ الأواخرِ مِن رمضانَ". ولمسلمٍ (٤) مِن حديثِ: أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "الْتَمِسوها في العشرِ الغوابرِ". والأحاديثُ في المعنى كثيرةٌ. • وكانَ يَأْمُرُ بالتماسِها في أوتارِ العشرِ الأواخرِ: ففي "صحيح البُخارِيِّ" (٥): عن ابن عَبَّاسٍ ﵄، عن رسول اللهِ ﷺ ؛ قال: "الْتَمِسوا ليلةَ القدرِ في العشرِ الأواخرِ مِن رمضانَ؛ في تاسعةٍ تَبْقى، في سابعةٍ تَبْقى، في خامسةٍ تَبْقى". وفي روايةٍ لهُ (٦): "هيَ في العشرِ؛ في سبعٍ يَمْضينَ، أو سبعٍ يَبْقَيْنَ". وخَرَّجَ الإمامُ أحْمَدُ والنَّسائِيِّ والتِّرْمِذِيُّ مِن حديثِ: أبي بَكْرَةَ؛ قالَ: ما أنا بملتمسِها لشيءٍ سَمِعْتُهُ مِن رسول اللهِ ﷺ إلَّا في العشرِ الأواخرِ؛ فإنِّي سَمِعْتُهُ يَقولُ:

стр. 440

"الْتَمِسوها في تسعٍ يَبْقَيْنَ، أو سبعٍ يَبْقَيْنَ (١)، أو خمسٍ يَبْقَيْنَ، أو ثلاثٍ يَبْقَيْنَ، أو آخرِ ليلةٍ". وكانَ أبو بَكْرَةَ يُصَلِّي في العشرينَ مِن رمضانَ كصلاتِهِ في سائرِ السَّنةِ، فإذا دَخَلَ العشرُ؛ اجْتَهَدَ (٢). • ثمَّ بعدَ ذلكَ أمَرَ بطلبِها في السَّبعِ الأواخرِ. وفي "المسند" و "كتاب النَّسائِيِّ": عن أبي ذَرٍّ؛ قالَ: كُنْتُ أسْألُ النَّاسَ عنها (يَعْني: ليلةَ القدرِ)، فقُلْتُ: يا رسولَ اللهِ! أخْبِرْني عن ليلةِ القدرِ؛ أفي رمضانَ هيَ أو في غيرِهِ؟ قالَ: "بل هيَ في رمضانَ". قُلْتُ: تَكونُ معَ الأنبياءِ ما كانوا فإذا قُبِضوا رُفِعَتْ، أم هيَ إلى يومِ القيامةِ؟ قالَ: "بل هيَ إلى يومِ القيامةِ". قُلْتُ: في أيِّ رمضانَ هيَ؟ قالَ: "الْتَمِسوها في العشرِ الأوَّلِ والعشرِ الأواخرِ". قُلْتُ: في أيِّ العَشْرَيْنِ هيَ؟ قالَ: "في العشرِ الأواخرِ، لا تَسْألْني عن شيءٍ بعدَها". ثمَّ حَدَّثَ رسولُ اللهِ ﷺ ، ثمَّ اهْتَبَلْتُ غفلتَهُ، فقُلْتُ: يا رسولَ اللهِ! أقْسَمْتُ عليكَ بحقِّي لَما أخْبَرْتَني، في أيِّ العشرِ هيَ؟ فغَضِبَ عليَّ غضبًا لم يَغْضَبْ مثلَهُ منذُ صَحِبْتُهُ، وقالَ: "الْتَمِسوها في السَّبعِ الأواخرِ؛ لا تَسْألْني عن شيءٍ بعدَها" (٣).

стр. 441

وخَرَّجَهُ ابنُ حِبَّانَ في "صحيحه" والحاكمُ. وفي روايةٍ لهُما؛ أنَّهُ قالَ: "ألمْ أنْهَكَ أنْ تَسْألَني (١) عنها؟ إنَّ الله لو أذِنَ لي أنْ أُخْبِرَكُم بها لأخْبَرْتُكُم، لا آمَنُ أنْ تَكونَ في السَّبعِ الأواخرِ" (٢). ففي هذهِ الرِّوايةِ أن بيانَ النَّبيِّ ﷺ لليلةِ القدرِ انْتَهى إلى أنَّها في السَّبعِ الأواخرِ، ولم يَزِدْ على ذلكَ شيئًا. وهذا ممَّا يَسْتَدِلُّ بهِ مَن رَجَّحَ ليلةَ ثلاثٍ وعشرينَ وخمسٍ وعشرينَ على ليلةِ إحدى وعشرينَ؛ فإنَّ ليلةَ إحدى وعشرينَ ليستْ مِن السَّبعِ الأواخرِ بلا تردُّدٍ. وقد رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ مِن وجوهٍ أُخَرَ أنَّهُ بَيَّنَ أنَّها ليلةُ سبعٍ وعشرينَ، كما سَيَأْتي إنْ شاءَ اللهُ تَعالى. • واخْتُلِفَ في أوَّلِ السَّبعِ الأواخرِ: • فمنهُم مَن قالَ: أوَّلُ السَّبعِ ليلةُ ثلاثٍ وعشرينَ على حسابِ نقصانِ الشَّهرِ دونَ تمامِهِ لأنَّهُ المتيقَّنُ. ورُوِيَ هذا عن ابن عَبَّاسٍ، وسَيَأْتي كلامُهُ فيما بعدُ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى. وفي "صحيح البُخارِيِّ": عن بِلالٍ؛ قالَ: إنَّها أوَّلُ السَّبعِ مِن العشرِ الأواخرِ. [و] خَرَّجَهُ ابنُ أبي شَيْبَةَ وعندَهُ قالَ: ليلةُ ثلاثٍ وعشرينَ. وهذا قولُ مالكٍ؛ قالَ: أرى - واللهُ أعلمُ - أن التَّاسعةَ ليلةُ إحدى وعشرينَ، والسابعةَ ليلةُ ثلاثٍ وعشرينَ، والخامسةَ ليلةُ خمسٍ وعشرينَ. وتَأوَّلَهُ عَبْدُ المَلِكِ بنُ حَبيبٍ على أنَّهُ إنَّما يُحْسَبُ كذلكَ إذا كانَ الشَّهرُ ناقصًا، وليسَ هذا بشيءٍ؛ فإنَّهُ إنَّما أمَرَ بالاجتهادِ في هذهِ الليالي على هذا الحسابِ، وهذا لا يُمْكِنُ أن يَكونَ مراعًى بنقصانِ الشَّهرِ في آخرِهِ. وكانَ أيُّوبُ السُّخْتِيانِيُّ يَغْتَسِلُ [في] ليلةِ ثلاثٍ وعشرينَ ويَمَسُّ طيبًا وليلةِ أربعٍ وعشرينَ، ويَقولُ: ليلةُ ثلاثٍ وعشرينَ ليلةُ أهلِ المدينةِ، وليلةُ أربعٍ وعشرينَ ليلتُنا؛

стр. 442

يَعْني: أهلَ البصرةِ. وكذلكَ كانَ ثابِتٌ وحُمَيْدٌ يَفْعَلانِ. • وكانَتْ طائفةٌ يَجْتَهِدونَ ليلةَ أربعٍ وعشرينَ. رُوِيَ عن أنسٍ والحَسَنِ. ورُوِيَ عنهُ قالَ: رَقَبْتُ الشَّمسَ عشرينَ سنةً ليلةَ أربعٍ وعشرينَ، فكانَتْ تَطْلُعُ لا شعاعَ لها. ورُوِيَ عن ابن عَبَّاسٍ. ذَكَرَهُ البُخارِيُّ عنهُ. وقيلَ: إنَّ المحفوظَ عنهُ أنَّها ليلةُ ثلاثٍ وعشرينَ كما سَبَقَ. وقد تَقَدَّمَ حديثُ إنزالِ القرآنِ في ليلةِ أربعٍ وعشرينَ. وكذلكَ أبو سَعيدٍ الخُدْرِيُّ وأبو ذَرٍّ حَسَبا الشَّهرَ تامًّا، فيَكونُ عندَهُما أوَّلُ السَّبعِ الأواخرِ ليلةَ أربعٍ وعشرينَ. وممَّن اخْتارَ هذا القولَ ابنُ عَبْدِ البَرِّ، واسْتَدَلَّ بأنَّ الأصلَ تمامُ الشَّهرِ، ولهذا أمَرَ النَّبيُّ ﷺ بإكمالِهِ إذا غُمَّ معَ احتمالِ نقصِهِ. وكذلكَ رَجَّحَه بعضُ أصحابِنا. وقد تَقَدَّمَ مِن حديثِ أنسٍ أن النَّبيَّ ﷺ إذا كانَ ليلةُ أربعٍ وعشرينَ لم يَذُقْ غمضًا (١). وإسنادُهُ ضعيفٌ. * وقد رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ ما يَدُلُّ على أن أوَّلَ السَّبعِ البواقي ليلةُ ثلاثٍ وعشرينَ. ففي "مسند الإمامِ أحْمَدَ": عن جابرٍ؛ أن عَبْدَ اللهِ بنَ أُنَيْسٍ سَألَ النَّبيَّ ﷺ عن ليلةِ القدرِ، وقد خَلَتِ اثنتانِ وعشرونَ ليلةً، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "الْتَمِسوها في هذهِ السَّبعِ الأواخرِ التي بَقِينَ مِن الشَّهرِ" (٢). وفيهِ أيضًا: عن عَبْدِ اللهِ بن أُنَيْسٍ؛ أنَّهُم سَألوا النَّبيَّ ﷺ عن ليلةِ القدرِ، وذلكَ

стр. 443

مساءَ ليلةِ ثلاثٍ وعشرينَ، فقالَ: "الْتَمِسوها هذهِ الليلةَ". فقالَ رجلٌ مِن القومِ: فهيَ إذنْ يا رسولَ اللهِ أُولى ثمانٍ. فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "إنَّها ليست بأُولى ثمانٍ، ولكنَّها أُولى سبعٍ، إنَّ الشَّهرَ لا يَتِمُّ" (١). وفيهِ أيضًا: عن أبي هُرَيْرَةَ؛ أن النَّبيَّ ﷺ قالَ: "كم مَضى مِن الشَّهرِ؟ ". قُلْنا: مَضَتْ ثنتانِ وعشرونَ وبَقِيَ ثمانٌ. فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "لا؛ بل مَضَتْ ثنتانِ وعشرونَ، وبَقِيَ سبعٌ، اطْلُبوها الليلةَ" (٢). وقد يُحْمَل هذا على شهرٍ خاصٍّ اطَّلَعَ النَّبيُّ ﷺ على نقصانِهِ، وهوَ بعيدٌ. ويَدُلُّ على خلافِهِ أنَّهُ رُوِيَ في تمامِ حديثِ أبي هُرَيْرَةَ: ثمَّ قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "الشَّهرُ هكذا وهكذا وهكذا، ثمَّ خَنَسَ إبهامَهُ في الثَّالثةِ" (٣). فهذا يَدُلُّ على أنَّهُ تشريعٌ عامٌ، وأنَّهُ

стр. 444

حَسَبَ الشَّهرَ على تقديرِ نقصانِهِ أبدًا؛ لأَنَّهُ المتيقَّنُ، كما ذَهَبَ إليهِ أيُّوبُ ومالِكٌ وغيرُهُما، وعلى قولِهِما تَكونُ ليلةُ سابعةٍ تَبْقى ليلةَ ثلاثٍ وعشرينَ، وليلةُ خامسةٍ تَبْقى ليلةَ خمسٍ وعشرينَ، وليلةُ تاسعةٍ تَبْقى ليلةَ إحدى وعشرينَ (١). وقد رُوِيَ عن النُّعْمانِ بن بَشيرٍ؛ أنَّهُ أنْكَرَ أنْ تُحْسَبَ ليلةُ القدرِ بما مَضى مِن الشَّهرِ، وأخْبَرَ أن الصَّحابةَ يَحْسِبونَها بما بَقِيَ منهُ (٢). وهذا الاحتمالُ إنَّما يَكونُ في مثلِ قولِ النَّبيِّ ﷺ : "الْتَمِسوها في التَّاسعةِ والسَّابعةِ والخامسةِ". وقد خَرَّجَهُ البُخارِيُّ (٣) مِن حديثِ عُبادَةَ، ومسلمٌ (٤) مِن حديثِ أبي سَعيدٍ. فإنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بهِ التَّاسعةُ والسَّابعةُ والخامسةُ ممَّا يَبْقى وممَّا يَمْضي. وأمَّا حديثُ ابن عَبَّاسٍ وأبي بَكْرَةَ وما في معناهُما (٥)؛ فإنَّها مقيَّدةٌ بالباقي مِن الشَّهرِ، فلا يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بهِ الماضي، وحينئذٍ يَتَوَجَّهُ الاختلافُ السَّابقُ في أنَّهُ: هل يُحْسَبُ على تقديرِ تمامِ الشَّهرِ أو نقصانِهِ؟ وحديثُ ابن عَبَّاسٍ قد رُوِيَ بالشَّكِّ فيما مَضى أو يَبْقى. وقد خَرَّجَهُ البُخارِيُّ بالوجهين (٦). وحديثُ أبي ذَرٍّ في قيامِ النَّبيِّ ﷺ بهِم أفرادَ العشرِ الأواخرِ قد خَرَّجَهُ أبو داوودَ

стр. 445

الطَّيالِسِيُّ بلفظٍ صريحٍ أنَّهُ قامَ بهِم أشفاعَ العشرِ الأواخرِ وحَسَبَها أوتارًا بالنِّسبةِ إلى ما يَبْقى مِن الشَّهرِ وقَدَّرَهُ تامًّا وجَعَلَ الليلةَ التي قامَها حتَّى خَشُوا أنْ يَفوتَهُمُ الفلاحُ ليلةَ ثمانٍ وعشرينَ وهيَ الثَّالثةُ ممَّا يَبْقى (١). وقد قيلَ: إنَّ ذلكَ مِن تصرُّفِ بعضِ الرُّواةِ بما فَهِمَهُ مِن المعنى. واللهُ أعلمُ. * وعلى قياسِ قولِ مَن حَسَبَ اللياليَ الباقيةَ مِن الشَّهرِ على تقديرِ نقصانِ الشَّهرِ يَنْبَغي أنْ يَكونَ عندَهُ أوَّلُ العشرِ الأواخرِ ليلةَ العشرينَ؛ لاحتمالِ أنْ يَكونَ الشَّهرُ ناقصًا، فلا يَتَحَقَّقُ كونُها عشرَ ليالٍ بدونِ إدخالِ ليلةِ العشرينَ فيها. وقد يُقالُ: بلِ العشرُ الأواخرُ عبارةٌ عمَّا بعدَ انقضاءِ العشرينَ الماضيةِ مِن الشَّهرِ، وسواءٌ كانَتْ تامَّةً أو ناقصةً فهيَ المعبَّرُ عنها بالعشرِ الأواخرِ وقيامُها هوَ قيامُ العشرِ الأواخر (٢). وهذا كما يُقالُ: صامَ عشرَ ذي الحجَّةِ، وإنَّما يُصامُ منهُ تسعةُ أيَّامٍ، ولهذا كانَ ابنُ سِيرِينَ يَكْرَهُ أنْ يُقالَ: صامَ عشرَ ذي الحجَّةِ، وقالَ: إنَّما يُقالُ: صامَ التِّسعَ. ومَن لم يَكْرَهْهُ - وهُمُ الجمهورُ - فقد يَقولونَ: الصِّيامُ المضافُ إلى العشرِ هوَ صيامُ ما يُمْكِنُ منهُ، وهوَ ما عدا يومَ النَّحرِ. ويُطْلَقُ على ذلكَ العشرُ لأنَّهُ أكثرُ العشرِ. واللهُ أعلمُ. • وقدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ في ليلةِ القدرِ اختلافًا كثيرًا: * فحُكِيَ عن بعضِهِم أنَّها رُفِعَتْ، وحديثُ أبي ذَرٍّ يَرُدُّ ذلكَ (٣). ورُويَ عن مُحَمَّدِ بن الحَنَفِيَّةِ أنَّها في كل سبعِ سنينَ مرَّةٌ. وفي إسنادِهِ ضعفٌ. وعن بعضِهِم أنَّها في كلِّ السَّنةِ. حُكِيَ عن ابن مَسْعودٍ (٤) وطائفةٍ مِن الكوفيِّينَ،

стр. 446

ورُوِيَ عن أبي حَنِيفَةَ. • وقالَ الجمهورُ: هيَ في رمضانَ كلَّ سنةٍ. ثمَّ منهُم مَن قالَ: هيَ في الشَّهرِ كلِّهِ. وحُكِيَ عن بعضِ المتقدِّمينَ أنَّها أوَّلُ ليلةٍ منهُ. وقالَتْ طائفةٌ: هيَ في النِّصفِ الثَّاني منهُ. و [قد] حُكِيَ عن أبي يوسُفَ ومُحَمَّدٍ. وقد تَقَدَّمَ قولُ مَن قالَ: إنَّها ليلةُ بدرٍ؛ على اختلافِهِم هل هيَ ليلةُ سبعَ عشرةَ [أ] و تسعَ عشرةَ. * وقال الجمهورُ: هيَ منحصرةٌ في العشرِ الأواخرِ، واخْتَلَفوا في أيِّ ليالي العشرِ أرجى: فحُكِيَ عن الحَسَنِ ومالِكٍ أنَّها تُطْلَبُ في جميعِ ليالي العشرِ؛ أشفاعِهِ وأوتارِهِ، ورَجَّحَهُ بعضُ أصحابِنا [و] قالَ: لأنَّ قولَ النَّبيِّ ﷺ "الْتَمِسوها في تاسعةٍ تَبْقى أو سابعةٍ تَبْقى أو خامسةٍ تَبْقى": إن حَمَلْناهُ على تقديرِ كمالِ الشَّهرِ؛ كانَتْ أشفاعًا، وإنْ حَمَلْناهُ على ما يَبْقى منهُ حقيقةً؛ كانَ الأمرُ موقوفًا على كمالِ الشَّهرِ فلا يُعْلَمُ قبلَهُ، فإنْ كانَ تامًّا؛ كانَتِ الليالي المأْمورُ بطلبِها أشفاعًا، وإنْ كانَ ناقصًا؛ كانَتْ أوتارًا. فيُوجِبُ ذلكَ الاجتهادَ في القيامِ في كلا الليلتينِ؛ الشَّفعِ منها والوترِ (١). وقالَ الأكثرونَ: بل بعضُ لياليهِ أرجى مِن بعضٍ، وقالوا: الأوتارُ أرجى في الجملةِ. ثمَّ اخْتَلَفوا: في أيِّ أوتارِهِ أرجى: * فمنهُم مَن قالَ: ليلةُ إحدى وعشرينَ، وهوَ المشهورُ عن الشَّافِعِيِّ؛ لحديثِ

стр. 447

أبي سَعيدٍ الخُدْرِيِّ، وقد ذَكَرْناهُ فيما سَبَقَ. وحُكِيَ عنهُ أنَّها تُطْلَبُ ليلةَ إحدى وعشرينَ وثلاثٍ وعشرينَ، قالَ في القديمِ: كأنِّي رَأيْتُ - واللهُ أعلمُ - أقوى الأحاديثِ فيهِ ليلةَ إحدى وعشرينَ وليلةَ ثلاثٍ وعشرينَ. وقد جاءَ في ليلةِ سبعَ عشرةَ وليلةِ أربعٍ وعشرينَ وليلةِ سبعٍ وعشرينَ. انْتَهى. ورُوِيَ عن عَلِيٍّ وآبنِ مَسْعودٍ أنَّها تُطْلَبُ ليلةَ إحدى وعشرينَ وثلاثٍ وعشرينَ. • وحُّكِيَ للشَّافِعِيِّ قولٌ آخرُ؛ أن أرجاها ليلةُ ثلاثٍ وعشرينَ - وهذا قولُ أهلِ المدينةِ. وحَكاهُ سفيانُ الثَّوْرِيُّ عن أهلِ مَكَّةَ والمدينةِ. وممَّن رُوِيَ عنهُ أنَّهُ كانَ يوقِظُ أهلَهُ فيها ابنُ عَبَّاسٍ وعائِشةُ. وهوَ قولُ مَكحولٍ. ورَوى: رِشدينُ بنُ سَعْدٍ، عن زُهْرَةَ بن مَعْبَدٍ؛ قالَ: أصابَني احتلامٌ في أرضِ العدوِّ وأنا في اليحرِ ليلةَ ثلاثٍ وعشرينَ - في رمضانَ، فذَهَبْتُ لِأغتَسِلَ، فسَقَطْتُ في الماءِ، فإذا الماءُ عذبٌ، فنادَيْتُ أصحابي أُعلِمُهُم أنِّي في ماءٍ عذبٍ (١). قالَ ابنُ عَبْدِ البَرِّ: هذهِ الليلةُ تُعْرَفُ بليلةِ الجُهَنِيِّ بالمدينةِ؛ يَعْني: عَبْدَ اللهِ بنَ أُنَيْسٍ. وقد رُوِيَ عنهُ أن النَّبيَّ ﷺ أمَرَهُ بقيامِها (٢). وفي "صحيح مسلم" (٣) عنهُ؛ أن النَّبيَّ ﷺ قالَ في ليلةِ القدرِ: "أُرِيتُ أنِّي أسْجُدُ صبيحتَها في ماءٍ وطينٍ". فانْصَرَفَ النَّبيُّ ﷺ مِن صلاةِ الصُّبح يومَ ثلاثٍ وعشرينَ وعلى جيهتِهِ أثرُ الماءِ والطِّينِ. وقالَ سَعيدُ بنُ المُسَيَّبِ: كانَ النَّبيُّ ﷺ في نفرٍ مِن أصحابِهِ، فقالَ: "ألا أُخْبِرُكُم بليلةِ القدرِ؟ ". قالوا: بلى يا رسولَ اللهِ! فسَكتَ ساعةً، فقالَ: "لقد قُلْتُ لكُم ما قُلْتُ آنفًا وأنا أعْلَمُها، ثمَّ أُنْسِيتُها، أرَأيْتُم يومًا كنَّا بموضعِ كذا وكذا؛ أيُّ ليلةٍ هيَ (في غزوةٍ غَزاها)؟ ". ققالوا: سِرْنا، ققَفَلْنا … حتَّى اسْتَقامَ ملأُ القومِ على أنَّها ليلةُ ثلاثٍ

стр. 448

وعشرينَ (١). خَرَّجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ في "كتابِهِ". • ورَجَّحَتْ طائفةٌ ليلةَ أربعٍ وعشرينَ، وهمُ الحَسَنُ وأهلُ البصرةِ. وقد رُوِيَ عن أنَسٍ. وكانَ حُمَيْدٌ وأيُّوبُ وثابِتٌ يَحْتاطونَ فيَجْمَعونَ بينَ الليلتينِ؛ أعْني: ليلةَ ثلاثٍ وأربعٍ. • ورَجَّحَتْ طائفةٌ ليلةَ سبعٍ وعشرينَ، وحَكاهُ الثَّوْرِيُّ عن أهلِ الكوفةِ، فقالَ: نحنُ نَقولُ: هيَ ليلةُ سبعٍ وعشرينَ؛ لما جاءَنا عن أُبَيِّ بن كَعْبٍ. وممَّن قالَ بهذا أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ - وكانَ يَحْلِفُ عليهِ ولا يَسْتَثْني - وزِرُّ بنُ حُبَيْشٍ وعَبْدَةُ بنُ أبي لُبابَةَ. ورُوِيَ عن قَنانِ بن عَبْدِ اللهِ النَّهْمِيِّ (٢)؛ قالَ: سَألْتُ زِرًّا عن ليلةِ القدرِ. فقالَ: كانَ عُمَرُ وحُذَيْفَةُ وأُناسٌ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ لا يَشُكُّونَ أنَّها ليلةُ سبعٍ وعشرينَ. خَرَّجَهُ ابنُ أبي شيْبَةَ. وهوَ قولُ أحْمَدَ وإسحاقَ. وذَهَبَ أبو قِلابَةَ وطائفةٌ إلى أنَّها تَنْتَقِلُ في ليالي العشرِ. ورُوِيَ عنهُ أنَّها تَنْتَقِلُ في أوتارِهِ خاصَّةً. وممَّن قالَ بانتقالِها في ليالي العشرِ المُزَنيُّ وابنُ خُزَيْمَةَ، وحَكاهُ ابنُ عَبْدِ البَرِّ عن مالِكٍ والثَّوْرِيِّ والشَّافِعِيِّ وأحْمَدَ وإسْحاقَ وأبي ثَوْرٍ (٣). وفي صحَّةِ ذلكَ عنهُم بعدٌ، وإنَّما قولُ هؤلاءِ أنَّها في العشرِ وتُطْلَبُ في لياليهِ كلِّهِ، واخْتَلَفوا في أرجى لياليهِ كما سَبَقَ.

стр. 449

واسْتَدَلَّ مَن رَجَّحَ ليلةَ سبعٍ وعشرينَ بأنَّ أُبَيَّ بنَ كَعْبٍ كانَ يَحْلِفُ على ذلكَ ويَقولُ: بالآيةِ أو بالعلامةِ التي أخْبَرَنا بها رسولُ اللهِ ﷺ أن الشَّمسَ تَطْلُعُ صبيحتَها لا شعاعَ لها. خَرَّجَهُ مسلمٌ (١). وخَرَّجَهُ أيضًا (٢) بلفظٍ آخرَ عن أُبَيِّ بن كَعْبٍ؛ قالَ: واللهِ؛ إنِّي لأعلمُ أيَّ ليلةٍ هيَ، هيَ الليلةُ التي أمَرَنا رسولُ اللهِ ﷺ بقيامِها، وهيَ ليلةُ سبعٍ وعشرينَ (٣). وفي "مسند [الإمام أحْمَدَ] ": عن ابن عَبَّاسٍ؛ أن رجلًا قالَ: يا رسولَ اللهِ! إنِّي شيخٌ كبيرٌ عليلٌ يَشُقُّ عليَّ القيامُ، فمُرْني بليلةٍ [لعلَ الله] (٤) يُوَفِّقُني فيها لليلةِ القدرِ. قالَ: "عليكَ بالسَّابعةِ" (٥). وإسنادُهُ على شرطِ البُخارِيِّ. ورَوى الإمامُ أحْمَدُ أيضًا، قالَ: حَدَّثَنا يَزيدُ بنُ هارونَ، أنْبَأنا شُعْبَةُ، عن عَبْدِ اللهِ بن دينارٍ، عن ابن عُمَرَ؛ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "مَن كانَ منكُم متحرِّيَها؛ فلْيَتَحَرَّها ليلةَ سبعٍ وعشرينَ (أو قالَ: تَحَرَّوْها ليلةَ سبعٍ وعشرينَ) "؛ يَعْني: ليلةَ القدرِ. ورَواهُ شَبابَةُ ووَهْبُ بنُ جَريرٍ عنْ شُعْبَةَ مثلَهُ. ورَواهُ أسْوَدُ بنُ عامِرٍ عن شُعْبَةَ مثلَهُ وزادَ: "في السَّبعِ البواقي". قالَ شُعْبَةُ: وأخْبَرَني رجلٌ ثقةٌ عن سُفْيانَ أنَّهُ إنَّما قالَ: "في السَّبعِ البواقي"؛ يَعْني: لم تقُلْ ليلةَ سبعٍ وعشرينَ. قالَ أحْمَدُ في روايةِ ابنِهِ صالحٍ: الثِّقةُ هوَ

стр. 450

يَحْيى بنُ سَعيدٍ. قالَ شُعْبَةُ: فلا أدري أيَّهما قالَ. ورَواهُ عَمْرٌو عن شُعْبَةَ وقالَ في حديثِهِ: "ليلةَ سبعٍ وعشرينَ (أو قالَ: في السَّبعِ الأواخرِ) "؛ بالشَّكِّ، فرَجَعَ الأمرُ إلى أن شُعْبَةَ شَكَّ في لفظِهِ (١). ورَواهُ: حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ ج عن أيُّوبَ، عن نافعٍ، عن ابن عُمَرَ؛ قالَ: كانوا لا يَزالونَ يَقُصُّونَ على النَّبيِّ ﷺ أنَّها الليلةُ السابعةُ مِن العشرِ الأواخرِ، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "أرى رؤياكُم أنَّها قد تَواطَأتْ أنَّها ليلةُ السَّابعةِ في العشرِ الأواخرِ، فمَن كانَ متحرِّيَها فلْيَتَحَرَّها ليلةَ (٢) السَّابعةِ مِن العشرِ الأواخرِ" (٣). كذا رَواهُ حَنْبَلُ بنُ إسْحاقَ عنْ عارِمٍ عنْ حَمَّادٍ. وكذا خَرَّجَهُ الطَّحاوِيُّ عنْ إبْراهيمَ بن مَرْزوقٍ عنْ عارِمٍ. ورَواهُ البُخارِيُّ في "صحيحه" عنْ عارِمٍ؛ إلَّا أنَّهُ لم يَذْكُرْ لفظةَ "ليلة السَّابعةِ"، بل قالَ: "مَن كانَ متحرِّيَها؛ فليَتَحَرَّها في العشرِ الأواخرِ". ورَواهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ في "كتابِهِ" عن: مَعْمَرٍ، عن أيُّوبَ، عن نافعٍ، عن ابن عُمَرَ؛ قالَ: جاءَ رجلٌ إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، فقالَ: يا رسولَ اللهِ! إنِّي رَأيْتُ في النَّومِ ليلةَ القدرِ كأنَّها ليلةُ سابعةٍ. فقالَ النَّبيُّ ﷺ : "إنِّي أرى رؤياكُم قد تَواطَأتْ أنَّها ليلةُ سابعةٍ، فمَن كانَ متحرِّيَها [منكُم] فلْيَتَحَرَّها في ليلةِ سابعةٍ". قالَ مَعْمَرٌ: فكانَ أيُّوبُ يَغْتَسِلُ في ليلةِ ثلاثٍ وعشرينَ. يُشيرُ إلى أنَّهُ حَمَلَها على سابعةٍ تَبْقى (٤). وخَرَّجَهُ الثَّعْلَبِيُّ في "تفسيرِهِ" مِن طريقِ: الحَسَنِ بن عَبْدِ الأعْلى، عنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ … بهذا الإسنادِ، وقالَ في حديثِهِ: "ليلةُ سابعةٍ تَبْقى". فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "إنِّي أرى رؤياكُم قد تَواطَأتْ على ثلاثٍ وعشرينَ، فمَن كانَ منكُم يُريدُ أنْ يَقومَ مِن الشَّهرِ شيئًا، فلْيَقُمْ ليلةَ ثلاثٍ وعشرينَ" (٥). وهذهِ الألفاظُ غيرُ محفوظةٍ في الحديثِ (٦)

стр. 451

واللهُ أعلمُ. وفي "سنن أبي داوود" بإسنادٍ رجالُهُ كلُّهُم رجالُ الصَّحيحِ: عن مُعاوِيَةَ، عن النَّبيِّ

стр. 452

- ﷺ ؛ في ليلةِ القدرِ: "ليلةُ سبعٍ وعشرينَ" (١). وخَرَّجَهُ ابنُ حِبَّانَ في "صحيحِهِ"، وصَحَّحَهُ ابنُ عَبْدِ البَرِّ، ولهُ علَّةٌ، وهيَ وقفُهُ على معاويةَ، وهوَ أصحُّ عندَ الإمامِ أحْمَدَ والدَّارَقُطْنِيِّ. وقدِ اخْتُلِفَ أيضًا عليهِ في لفظِهِ. وفي "المسند": عن ابن مَسْعودٍ؛ أن رجلًا أتى النَّبيَّ ﷺ ، فقالَ: متى ليلةُ القدرِ؟ فقالَ: "مَن يَذْكُرُ منكُم ليلةَ الصَّهباواتِ؟ ". قالَ عَبْدُ اللهِ: أنا؛ بأبي أنتَ وأُمِّي، وإنَّ في يدي لتَمراتٍ أتَسَحَّرُ بهنَّ مستترًا بمؤخرةِ رحلي مِن الفجرِ، وذلكَ حينَ طَلَعَ [القمرُ] (٢). وخَرَّجَهُ يَعْقوبُ بنُ شَيْبَةَ في "مسندِهِ" وزادَ: "وذلكَ ليلةَ سبعٍ وعشرينَ" (٣). وقالَ: صالحُ الإسنادِ. والصَّهباواتُ موضعٌ بقربِ خَيْبَرَ. وفى "المسند" أيضًا مِن وجهٍ آخرَ: عن أبنِ مَسْعودٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "إنَّ ليلةَ

стр. 453

القدرِ في النِّصفِ مِن السَّبعِ الأواخرِ مِن رمضانَ" (١). وإذا حَسَبْنا أوَّلَ السَّبعِ الأواخرِ ليلةَ أربعٍ وعشرينَ؛ كانَتْ ليلةُ سبعٍ وعشرينَ نصفَ السَّبعِ؛ لأنَّ قبلَها ثلاثُ ليالٍ وبعدَها ثلاثُ ليالٍ. وممَّا يُرَجِّحُ أن ليلةَ القدرِ ليلةُ سبعٍ وعشرينَ أنَّها مِن السَّبعِ الأواخرِ التي أمَرَ النَّبيُّ ﷺ بالتماسِها فيها بالاتِّفاقِ. وفي دخولِ الثَّالثةِ والعشرينَ في السَّبعِ اختلافٌ سَبَقَ ذكرُهُ، ولا خلافَ أنَّها آكَدُ مِن الخامسةِ والعشرينَ. وممَّا يَدُلُّ على ذلكَ أيضًا حديثُ أبي ذَرٍّ في قيامِ النَّبيِّ ﷺ بهِم في أفرادِ السَّبعِ الأواخرِ، وأنَّهُ قامَ بهِم في الثَّالثةِ والعشرينَ إلى ثلثِ الليلِ، وفي الخامسةِ إلى نصفِ الليلِ، وفي السَّابعةِ إلى آخرِ الليلِ حتَّى خَشُوا أنْ يَفوتَهُمُ الفلاحُ، وجَمَعَ أهلَهُ ليلتئذٍ وجَمَعَ النَّاسَ (٢). وهذا كلُّهُ يَدُلُّ على تأكُّدِها على سائرِ أفرادِ السَّبعِ والعشرِ (٣). وممَّا يَدُلُّ على ذلكَ (٤) ما اسْتَشْهَدَ بهِ ابنُ عَبَّاسٍ بحضرةِ عُمَرَ والصَّحابةُ معَهُ

стр. 454

وَاسْتَحْسَنَهُ عُمَرَ (١)، وقد رُوِيَ مِن وجوهٍ متعدِّدةٍ: فرَوى عَبْدُ الرَّزَّاقِ في "كتابِهِ": عن مَعْمَرٍ، عن قَتادَةَ وعاصِمٍ؛ أنَّهُما سَمِعا عِكْرِمَةَ يَقولُ: قالَ ابنُ عَبَّاسٍ: دَعا عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ أصحابَ مُحَمَّدٍ ﷺ ، فسَألَهُم عن ليلةِ القدرِ، فأجْمَعوا على أنَّها في العشرِ الأواخرِ. قالَ ابنُ عَبَّاسٍ: فقُلْتُ لعُمَرَ: إنِّي لأعلمُ (أو: إنِّي لأظُنُّ) أيُّ ليلةٍ هيَ. قالَ عُمَرُ: وأيُّ ليلةٍ هيَ؟ قُلْتُ: سابعةٌ تَمْضي أو سابعةٌ تَبْقى مِن العشرِ الأواخرِ. فقالَ عُمَرُ: ومِن أينَ عَلِمْتَ ذلكَ؟ قالَ: فقُلْتُ: إنَّ الله خَلَقَ سبعَ سماواتٍ، وسبعَ أرضينَ، وسبعةَ أيَّامٍ، وإنَّ الدَّهرَ يَدورُ على سبعٍ، وخَلَقَ اللهُ الإنسانَ مِن سبعٍ، ويَأْكُلُ مِن سبعٍ، ويَسْجُدُ على سبعٍ، والطَّوافُ بالبيتِ سبعٌ، ورميُ الجمارِ سبعٌ … لأشياءَ ذَكَرَها. فقالَ عُمَرُ: لقد فَطِنْتَ لأمرٍ ما فَطِنَّا لهُ. وكانَ قَتادَةُ يَزيدُ عن ابن عَبَّاسٍ في قولِهِ "يَأْكُلُ مِن سبعٍ"؛ قالَ: هوَ قولُ اللهِ : ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا … ﴾ الآيةَ [عبس: ٢٧ - ٣١]. ولكنْ في هذهِ الرِّوايةِ أنها في سبعٍ تَمْضي أو تَبْقى بالتَّرديدِ في ذلكَ. وخَرَّجَهُ ابنُ شاهِينَ مِن روايةِ: عَبْدِ الواحِدِ بن زيادٍ، عن عاصِمٍ الأحْوَلِ، حَدَّثَني لاحِقُ بنُ حُمَيْدٍ وعِكْرِمَةُ؛ قالا: قالَ عُمَرُ: مَن يَعْلَمُ ليلةَ القدرِ؟ فذَكَرَ الحديثَ بنحوِهِ، وزادَ أن أبنَ عَبَّاسٍ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "هيَ في العشرِ، في سبعٍ تَمْضي أو سبعٍ تَبْقى" (٢)، فخالَفَ في إسنادِهِ وجَعَلَهُ مرسلًا ورَفَعَ آخرَهُ. رَوى ابنُ عَبْدِ البَرِّ بإسنادٍ صحيح مِن طريقِ سَعيدِ بن جُبَيْرٍ؛ قالَ: كانَ ناسٌ مِن المهاجرينَ وَجَدوا على عُمَرَ في إدنائِهِ ابنَ عَبَّاسٍ، فجَمَعَهُم، ثمَّ سَألَهُم عن ليلةِ القدرِ، فأكْثَروا فيها، فقالَ بعضهُم: كنَّا نَراها في العشرِ الأوسطِ، ثمَّ بَلَغَنا أنَّها في العشرِ الأواخرِ، فأكْثَروا فيها، فقالَ بعضُهُم: ليلةُ إحدى وعشرينَ، وقالَ بعضُهُم: ليلةُ ثلاثٍ وعشرينَ، وقالَ بعضُهُم: ليلةُ سبعٍ وعشرينَ. فقالَ عُمَرُ: يا ابنَ عَبَّاسٍ! تَكَلَّمْ. فقالَ:

стр. 455

اللهُ أعلمُ. قالَ عُمَرُ: قد نَعْلَمُ أن الله يَعْلَمُ، وإنَّما نَسْألُكَ عن علمِكَ. فقالَ ابنُ عَبَّاسٍ: إنَّ الله وترٌ يُحِبُّ الوترَ، خَلَقَ مِن خلقِهِ سبعَ سماواتٍ فاسْتَوى عليهِنَّ، وخَلَقَ الأرضَ سبعًا، وجَعَلَ عدَّةَ الأيَّامِ سبعًا، ورميَ الجمارِ سبعًا، وخَلَقَ الإنسانَ مِن سبعٍ، وجَعَلَ رزقَهُ مِن سبعٍ. فقالَ عُمَرُ: خَلَقَ الإنسانَ مِن سبعٍ وجَعَلَ رزقَهُ مِن سبعٍ هذا أمرٌ ما فَهِمْتُهُ. فقالَ: إنَّ الله يَقولُ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ حتَّى بَلَغَ آخرَ الآياتِ [المؤمنون: ١٢ - ١٤]. وقَرَأ: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا. ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا. فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا. وَعِنَبًا وَقَضْبًا. وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا … ﴾ إلى قولهِ: ﴿وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس: ٢٥ - ٣٢]. ثمَّ قالَ: والأبُّ للدَّوابِّ. وخَرَّجَهُ ابنُ سَعْدٍ في "طبقاتِهِ" عن: إسْحاقَ الأزْرَقِ، عن عَبْدِ المَلِكِ بن أبي سُلَيْمانَ، عن سَعيدِ بن جُبَيْرٍ … فذَكَرَهُ بمعناهُ، وزادَ في آخرِهِ: قالَ: وأمَّا ليلةُ القدرِ؛ فما نَراها إنْ شاءَ اللهُ إلَّا ليلةَ ثلاثٍ وعشرينَ يَمْضِينَ [أ] و سبعٍ يَبْقَيْنَ. والظَّاهرُ أن هذا سَمِعَهُ سَعيدُ بنُ جُبَيْرٍ مِنِ ابن عَبَّاسٍ فيَكونُ متَّصلًا. ورَوى: عاصِمُ بنُ كُلَيْبٍ، عن أبيهِ، عن ابن عَبَّاسٍ؛ قالَ: دَعا عُمَرُ الأشياخَ مِن أصحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ ذاتَ يومٍ، فقالَ لهُم: إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ في ليلةِ القدرِ مما قد عَلِمْتُمُ "الْتَمِسوها في العشرِ الأواخرِ وترًا" (١)، ففي أيِّ الوترِ تَرَوْنَها؟ فقالَ رجلٌ برأْيِهِ: إنَّها تاسعةٌ، سابعةٌ، خامسةٌ، ثالثةٌ. فقالَ: يا ابنَ عَبَّاسٍ! تَكَلَّمْ. قالَ: قُلْتُ: أقولُ

стр. 456

برأْيي؟ قالَ: عن رأْيِكَ أسْألُكَ. قُلْتُ: إنِّي سَمِعْتُ الله أكثرَ مِن ذكرِ السَّبعِ … وذَكَرَ باقيَهُ بمعنى ما تَقَدَّمَ. وفي آخرِهِ: قالَ عُمَرُ: أعَجَزْتُمْ أنْ تَقولوا مثلَ ما قالَ هذا الغلامُ الذي لم تَسْتَوِ شؤونُ رأْسِهِ؟! خَرَّجَهُ الإسْماعيلِيُّ في "مسند عُمَر" والحاكِمُ وقالَ: صحيحُ الإسنادِ. وخَرَّجَهُ الثَّعْلَبِيُّ في "تفسيرِهِ" وزادَ: قالَ ابنُ عَبَّاسٍ: فما أراها إلَّا ليلةَ ثلاثٍ وعشرينَ لسبعٍ يَبْقَيْنَ. وخَرَّجَ عَلِيُّ بنُ المَدِينِيِّ في كتابِ "العلل" المرفوعَ منهُ وقالَ: هوَ صالحٌ، وليسَ ممَّا يُحْتَجُّ بهِ (١). ورَوى: مُسْلِمٌ المُلائِيُّ - وهوَ ضعيفٌ -، عن مُجاهِدٍ، عن ابن عَبَّاسٍ؛ أن عُمَرَ قالَ لهُ: أخْبِرْني برأْيِكَ عن ليلةِ القدرِ … فذَكَرَ معنى ما تَقَدَّمَ. وفيهِ أن ابنَ عَبَّاسٍ قالَ: لا أراها إلَّا في سبعٍ يَبْقَيْنَ مِن رمضانَ. فقالَ عُمَرُ: وافَقَ رَأْيي رأْيَكَ. ورُوِيَ بإسنادٍ فيهِ ضعفٌ عن: مُحَمَّدِ بن كَعْبٍ، عن ابن عَبَّاسٍ: أن عُمَرَ جَلَسَ في رهطٍ مِن أصحابِ النَّبيِّ ﷺ ، فتَذاكَروا ليلةَ القدرِ … فذَكَرَ معنى ما تَقَدَّمَ، وزادَ فيهِ عن ابن عَبَّاسٍ أنَّهُ قالَ: وأُعْطِيَ مِن المثاني سبعًا، ونَهى في كتابِهِ عن نكاحِ الأقربينَ عن سبعٍ، وقَسَمَ الميراثَ في كتابِهِ على سبعٍ، ونَقَعُ في السُّجودِ مِن أجسادِنا على سبعٍ. وقالَ: فأُراها في السَّبعِ الأواخرِ مِن رمضانَ. وليسَ في شيءٍ مِن هذهِ الرِّواياتِ أنَّها ليلةُ سبعٍ وعشرينَ جزمًا، بل في بعضِها التَّرديدُ بينَ ثلاثٍ وسبعٍ، وفي بعضِها أنَّها ليلةُ ثلاثٍ وعشرينَ؛ لأنَّها أوَّلُ السَّيعِ الأواخرِ على رأْيِهِ (٢). وقد صَحَّ عن ابن عَبَّاسٍ أنَّهُ كانَ يَنْضَحُ على أهلِهِ الماءَ ليلةَ ثلاثٍ وعشرينَ. خَرَّجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ. وخَرَّجَهُ ابنُ أبي عاصِمٍ مرفوعًا (٣)، والموقوفُ أصحُّ.

стр. 457

وقدِ اسْتَنْبَطَ طائفةٌ مِن المتأخِّرينَ مِن القرآنِ أنَّها ليلةُ سبعٍ وعشرينَ مِن موضعينِ: أحدُهُما: أن الله تَعالى كَرَّرَ ذكرَ ليلةِ القدرِ في سورةِ القدرِ في ثلاثـ[ـــــةِ] مواضعَ منها، وليلةُ القدرِ حروفُها تسعُ حروفٍ، والتِّسعُ إذا ضُرِبَتْ في ثلاثةٍ فهيَ سبعٌ وعشرونَ! والثَّاني: أنَّهُ قالَ: ﴿سَلَامٌ هِيَ﴾، وكلمةُ ﴿هِيَ﴾ هيَ الكلمةُ السَّابعةُ والعشرونَ مِن السُّورةِ؛ فإنَّ كلماتِها كلَّها ثلاثونَ كلمةً. قالَ ابنُ عَطِيَّةَ: هذا مِن مُلَحِ التَّفسيرِ لا مِن مَتينِ العلمِ. وهوَ كما قالَ (١). وممَّا استَدَلَّ بهِ مَن رَجَّحَ ليلةَ سبعٍ وعشرينَ بالآياتِ والعلاماتِ التي رُوِيَتْ فيها قديمًا وحديثًا وبما وَقَعَ فيها مِن إجابةِ الدَّعواتِ: فقد تَقَدَّمَ عن أُبَيِّ بن كَعْبٍ أنَّهُ أستَدَلَّ على ذلكَ بطلوعِ الشَّمسِ في صبيحتِها لا شعاعَ لها. وكانَ عَبْدَةُ بنُ أبي لُبابَةَ يَقولُ: هيَ ليلةُ سبعٍ وعشرينَ، ويَسْتَدِلُّ على ذلكَ بأنَّهُ قد جَرَّبَ ذلكَ بأشياءَ وبالنُّجومِ (٢). خَرَّجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ. ورُوِيَ عن عَبْدَةَ أنَّهُ ذاقَ ماءَ البحرِ ليلةَ سبَعٍ وعشرينَ فإذا هوَ

стр. 458

عذبٌ (١)! ذَكَرَهُ الإمامُ أحْمَدُ بإسنادِهِ. وطافَ بعضُ السَّلفِ ليلةَ سبعٍ وعشرينَ بالبيتِ الحرامِ، فرَأى الملائكةَ في الهواءِ طائفينَ فوقَ رؤوسِ النَّاسِ! ورَوى أبو موسى المَدِينِيُّ مِن طريقِ أبي الشَّيخِ الأصْبَهانِيِّ بإسنادٍ لهُ عن: حَمَّادِ بن شُعَيْبٍ، عن رجلٍ منهُم؟ قالَ: كُنْتُ بالسَّوادِ، فلمَّا كانَ في العشرِ الأواخرِ؛ جَعَلْتُ انْظُرُ بالليلِ. فقالَ لي رجلٌ منهُم: إلى أيِّ شيءٍ تَنْظُرُ؟ قُلْتُ: إلى ليلةِ القدرِ. قالَ: فنَمْ؛ فإنِّي سَأُخْبِرُكَ. فلمَّا كانَ ليلةُ سبعٍ وعشرينَ؛ جاءَ، فأخَذَ بيدي، فذَهَبَ بي إلى النَّخلِ، فإذا النَّخلُ واضعٌ سعفَهُ في الأرضِ، فقالَ: لسنا نَرى هذا في السَّنةِ كلِّها إلَّا في هذهِ الليلةِ! وذَكَرَ أبو موسى بأسانيدَ لهُ أن رجلًا مقعدًا دَعا الله ليلةَ سبع وعشرينَ فأطْلَقَهُ. وعنِ امرأةٍ مقعدةٍ كذلكَ. وعن رجلٍ بالبصرةِ كانَ أخرسَ ثلاثينَ سنةً، فدَعا الله ليلةَ سبع وعشرينَ، فأطْلَقَ لسانَهُ فتكَلَّمَ. وذَكَرَ الوزيرُ أبو المُظَفَّرِ بنُ هُبَيْرَةَ أنَّهُ رأى ليلةَ سبعٍ وعشرينَ - وكانَتْ ليلةَ جمعةٍ - بابًا في السَّماءِ مفتوحًا شاميَّ الكعبةِ. قالَ: فظَنَنْتُهُ حيالَ الحجرةِ النَّبويَّةِ المقدَّسةِ. قالَ: ولم يَزَلْ كذلكَ إلى أنِ الْتَفَتُّ إلى المشرقِ لأنْظُرَ طلوعَ الفجرِ، ثمَّ الْتَفَتُّ إليهِ فوَجَدْتُهُ قد غابَ. قالَ: وإنْ وَقَعَ في ليلةٍ مِن أوتارِ العشرِ ليلةُ جمعةٍ؛ فهيَ أرجى مِن غيرِها. واعْلَمْ أن جميعَ هذهِ العلاماتِ لا توجِبُ القطعَ بليلةِ القدرِ (٢). وقد رَوى سَلَمَةُ بنُ شَبيبٍ في كتابِ "فضائل رمضان": حَدَّثَنا إبْراهيمُ بنُ الحَكَمِ، حَدَّثَني أبي، حَدَّثَني فَرْقَدٌ؛ أن ناسًا مِن الصَّحابةِ كانوا في المسجدِ، فسَمِعوا كلامًا مِن

стр. 459

السَّماءِ ورَاوْا نورًا مِن السَّماءِ وبابًا مِن السَّماءِ، وذلكَ في شهرِ رمضانَ، فأخْبَروا رسولَ اللهِ ﷺ بما رَأَوْا، فزُعِمَ أن رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: "أمَّا النُّورُ؛ فنورُ ربِّ العزَّةِ تَعالى، وأمَّا البابُ؛ فبابُ السَّماءِ، والكلامُ كلامُ الأنبياءِ، فكلُّ شهرِ رمضانَ على هذهِ الحالِ، ولكنْ هذهِ ليلةٌ كُشِفَ غطاؤُها" (١). وهذا مرسلٌ ضعيفٌ. • وأمَّا العملُ في ليلةِ القدرِ؛ فقد ثَبَتَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: "مَن قامَ ليلةَ القدرِ إيمانًا واحتسابًا؛ غُفِرَ لهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذنبِهِ" (٢). وقيامُها إنَّما هوَ إحياؤُها بالتَّهجُّدِ فيها والصَّلاةِ. وقد أمَرَ عائِشَةَ بالدُّعاءِ فيها أيضًا (٣). قال سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: الدُّعاءُ في تلكَ الليلةِ أحبُّ إليَّ مِن الصَّلاةِ. قالَ: وإذا كانَ يَقْرَأُ وهوَ يَدْعو ويَرْغَبُ إلى اللهِ في الدُّعاءِ والمسألةِ لَعَلَّهُ يُوافِقُ (٤). انتهى. ومرادُهُ أنَّ كثرةَ الدُّعاءِ أفضلُ مِن الصَّلاةِ التي لا يَكْثُرُ فيها الدُّعاءُ، وإنْ قَرَأ ودَعا كانَ حسنًا. وقد كانَ النَّبيُّ ﷺ تتَهَجَّدُ في ليالي رمضانَ، ويَقْرَأُ قراءةً مرتَّلةً، لا يَمُرُّ بآيةٍ فيها رحمةٌ إلَّا سَألَ ولا بآيةٍ فيها عذابٌ إلَّا تَعَوَّذَ (٥)، فيَجْمَعُ بينَ الصَّلاةِ والقراءةِ والدُّعاءِ والتَّفكُّرِ. وهذا أفضلُ الأعمالِ وأكملُها في ليالي العشرِ وغيرِها. واللهُ أعلمُ. وقد قالا الشَّعْبِيُّ في ليلةِ القدرِ: ليلُها كنهارِها. وقالَ الشَّافِعِيُّ في القديمِ: أسْتحِبُّ أنْ يَكونَ اجتهادُهُ في نهارِها كاجتهادِهِ في ليلِها. وهذا يَقْتَضي استحبابَ الاجتهادِ في جميعِ زمانِ العشرِ الأواخرِ؛ ليلِهِ ونهارِهِ.

стр. 460

واللهُ أعلمُ. المحبُّونَ تَطولُ عليهِمُ الليالي فيَعُدُّونَها عذًا لانتظارِ ليالي العشرِ في كلِّ عامٍ، فإذا ظَفِروا بها؛ نالوا مطلوبَهُم وخَدَموا محبوبَهُم (١). قَدْ مَزَّقَ الحُبُّ قَميصَ الصَّبْرِ … وَقَدْ غَدَوْتُ حائِرًا في أمْري آهٍ عَلى تِلْكَ الليالي الغُرِّ … ما كُنَّ إلَّا كَلَيالي القَدْرِ إنْ عُدْنَ لي مِنْ بَعْدِ هذا الهَجْرِ … وَفَّيْتُ لِلهِ بِكُلِّ نَذْرِ وَقامَ بالحَمْدِ خَطيبُ شُكْري رياحُ هذهِ الأسحارِ تَحْمِلُ أنينَ المذنبينَ وأنفاسَ المحبِّينَ وقصصَ التَّائبينَ ثمَّ تَعودُ بردِّ الجوابِ بلا كتابٍ. أعَلِمْتُمُ أنَّ النَّسيمَ إذا سَرى … حَمَلَ الحديثَ إلى الحَبيبِ كَما جَرى جَهِلَ العَذولُ بِأنَّني في حُبِّهِمْ … سَهَرُ الدُّجى عِندي ألَذُّ مِن الكَرى فإذا وَرَدَ بريدُ بردِ السَّحرِ يَحْمِلُ ملطَّفاتِ الألطافِ؛ لمْ يَفْهَمْها غيرُ مَن كُتِبَتْ إليهِ ولا يَعْقِلُها إلَّا كلُّ مشتاقٍ. نَسيمَ صَبا نَجْدٍ مَتى جِئْتَ حامِلًا … تَحِيَّتَهُمْ فَاطْوِ الحَديثَ عَنِ الرَّكْبِ وَلا تُذِعِ السِّرَّ المَصونَ فَإنَّني … أغارُ عَلى ذِكْرِ الأحِبَّةِ مِنْ صَحْبي يا يَعْقوبَ الهجرِ! قد هَبَّتْ ريحُ يوسُفَ الوصلِ، فلوِ اسْتَنْشَقْتَ؛ لَعُدْتَ بعدَ العمى بصيرًا، ولَوَ جَدْتَ ما كُنْتَ لفقدِهِ فقيرًا. كانَ لي قَلْبٌ أعِيشُ بِهِ … ضاعَ مِنِّي في تَقَلُّبِهِ رَبِّ فَارْدُدْهُ عَلَيَّ فَقَدْ … عِيلَ صَبْري في تَطَلُّبِهِ وَأغِثْ ما دامَ بي رَمَقٌ … يا غِياثَ المُسْتَغيثِ بِهِ لو قامَ المذنبونَ في هذهِ الأسحار، على أقدامِ الانكسار، ورَفَعوا قَصصَ الاعتذار (٢)، مضمونُها ﴿يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا
следующие страницы →