Полный текст (739 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
برأْيي؟ قالَ: عن رأْيِكَ أسْألُكَ. قُلْتُ: إنِّي سَمِعْتُ الله أكثرَ مِن ذكرِ السَّبعِ … وذَكَرَ باقيَهُ بمعنى ما تَقَدَّمَ. وفي آخرِهِ: قالَ عُمَرُ: أعَجَزْتُمْ أنْ تَقولوا مثلَ ما قالَ هذا الغلامُ الذي لم تَسْتَوِ شؤونُ رأْسِهِ؟! خَرَّجَهُ الإسْماعيلِيُّ في "مسند عُمَر" والحاكِمُ وقالَ: صحيحُ الإسنادِ.
وخَرَّجَهُ الثَّعْلَبِيُّ في "تفسيرِهِ" وزادَ: قالَ ابنُ عَبَّاسٍ: فما أراها إلَّا ليلةَ ثلاثٍ وعشرينَ لسبعٍ يَبْقَيْنَ.
وخَرَّجَ عَلِيُّ بنُ المَدِينِيِّ في كتابِ "العلل" المرفوعَ منهُ وقالَ: هوَ صالحٌ، وليسَ ممَّا يُحْتَجُّ بهِ (١) .
ورَوى: مُسْلِمٌ المُلائِيُّ - وهوَ ضعيفٌ -، عن مُجاهِدٍ، عن ابن عَبَّاسٍ؛ أن عُمَرَ قالَ لهُ: أخْبِرْني برأْيِكَ عن ليلةِ القدرِ … فذَكَرَ معنى ما تَقَدَّمَ. وفيهِ أن ابنَ عَبَّاسٍ قالَ: لا أراها إلَّا في سبعٍ يَبْقَيْنَ مِن رمضانَ. فقالَ عُمَرُ: وافَقَ رَأْيي رأْيَكَ.
ورُوِيَ بإسنادٍ فيهِ ضعفٌ عن: مُحَمَّدِ بن كَعْبٍ، عن ابن عَبَّاسٍ: أن عُمَرَ جَلَسَ في رهطٍ مِن أصحابِ النَّبيِّ ﷺ ، فتَذاكَروا ليلةَ القدرِ … فذَكَرَ معنى ما تَقَدَّمَ، وزادَ فيهِ عن ابن عَبَّاسٍ أنَّهُ قالَ: وأُعْطِيَ مِن المثاني سبعًا، ونَهى في كتابِهِ عن نكاحِ الأقربينَ عن سبعٍ، وقَسَمَ الميراثَ في كتابِهِ على سبعٍ، ونَقَعُ في السُّجودِ مِن أجسادِنا على سبعٍ. وقالَ: فأُراها في السَّبعِ الأواخرِ مِن رمضانَ.
وليسَ في شيءٍ مِن هذهِ الرِّواياتِ أنَّها ليلةُ سبعٍ وعشرينَ جزمًا، بل في بعضِها التَّرديدُ بينَ ثلاثٍ وسبعٍ، وفي بعضِها أنَّها ليلةُ ثلاثٍ وعشرينَ؛ لأنَّها أوَّلُ السَّيعِ الأواخرِ على رأْيِهِ (٢) .
وقد صَحَّ عن ابن عَبَّاسٍ أنَّهُ كانَ يَنْضَحُ على أهلِهِ الماءَ ليلةَ ثلاثٍ وعشرينَ. خَرَّجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ. وخَرَّجَهُ ابنُ أبي عاصِمٍ مرفوعًا (٣) ، والموقوفُ أصحُّ. الحواشي
(١) بالنسبة لسنده في "العلل"، وقد تبيّن لك ممّا تقدّم أنّ له أسانيد صحيحة تصلح للحجّة.(٢) وفي بعضها أنّها في السبع الأواخر عمومًا.(٣) (منكر مرفوعًا صحيح موقوفًا). رواه: ابن أبي عاصم (٤٦١ - لطائف)، والطبراني (١١/ ١٠٤=стр. 457
وقدِ اسْتَنْبَطَ طائفةٌ مِن المتأخِّرينَ مِن القرآنِ أنَّها ليلةُ سبعٍ وعشرينَ مِن موضعينِ:
أحدُهُما: أن الله تَعالى كَرَّرَ ذكرَ ليلةِ القدرِ في سورةِ القدرِ في ثلاثـ[ـــــةِ] مواضعَ منها، وليلةُ القدرِ حروفُها تسعُ حروفٍ، والتِّسعُ إذا ضُرِبَتْ في ثلاثةٍ فهيَ سبعٌ وعشرونَ!
والثَّاني: أنَّهُ قالَ: ﴿سَلَامٌ هِيَ﴾، وكلمةُ ﴿هِيَ﴾ هيَ الكلمةُ السَّابعةُ والعشرونَ مِن السُّورةِ؛ فإنَّ كلماتِها كلَّها ثلاثونَ كلمةً.
قالَ ابنُ عَطِيَّةَ: هذا مِن مُلَحِ التَّفسيرِ لا مِن مَتينِ العلمِ. وهوَ كما قالَ (١) .
وممَّا استَدَلَّ بهِ مَن رَجَّحَ ليلةَ سبعٍ وعشرينَ بالآياتِ والعلاماتِ التي رُوِيَتْ فيها قديمًا وحديثًا وبما وَقَعَ فيها مِن إجابةِ الدَّعواتِ:
فقد تَقَدَّمَ عن أُبَيِّ بن كَعْبٍ أنَّهُ أستَدَلَّ على ذلكَ بطلوعِ الشَّمسِ في صبيحتِها لا شعاعَ لها.
وكانَ عَبْدَةُ بنُ أبي لُبابَةَ يَقولُ: هيَ ليلةُ سبعٍ وعشرينَ، ويَسْتَدِلُّ على ذلكَ بأنَّهُ قد جَرَّبَ ذلكَ بأشياءَ وبالنُّجومِ (٢) . خَرَّجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ.
ورُوِيَ عن عَبْدَةَ أنَّهُ ذاقَ ماءَ البحرِ ليلةَ سبَعٍ وعشرينَ فإذا هوَ الحواشي
(٧٦٨٦) ، وابن أبي شيبة (٨٦٨٨ و ٩٥٤١) من طريق يحيى بن سعيد؛ كلاهما عن ابن جريج … به موقوفًا. وهذا حدّ النكارة.(١) أيّ ملح هذه؟! لماذا اعتمد عدد الحروف أوّلًا وعدد الكلمات ثانيًا؟! لماذا وقف عند كلمة ﴿هِيَ﴾ ولم يتابع إلى آخر السورة؟! وغير ذلك كثير ممّا يدلّ على تخبّط أهل الحسابات والأرقام وإتيانهم بالمحالات والضلالات لترويج بضاعتهم الكاسدة! فيومًا يعدّون الأحرف المنقّطة وآخر يعدّون الأحرف الصمّاء وثالثًا يعدّون الأحرف الصوتيّة … وهكذا في سعي محموم لتحصيل تاريخ حوادث ١١ أيلول من سورة التوبة وتاريخ سقوط بغداد من سورة محمَّد! والله المستعان على ضلالات أُولئك الجهلة الذين أعرضوا عن تدبّر القرآن وفهم مقاصده والعمل به وجعلوه شريحة رقميَّة يستخرجون منها ما تمليه عليه أهواؤهم من الإشارات على طريقة الباطنيّة من الصوفية والإسماعيليّة والنصيريّة والقاديانيّة.(٢) بالنجوم لا بالتنجيم! يعني بالنظر إلى أنّه لا يرمى الشياطين ليلتها بالنجوم. لكن كيف تسنّى له أن يجزم بذلك؟!стр. 458
عذبٌ (١) ! ذَكَرَهُ الإمامُ أحْمَدُ بإسنادِهِ.
وطافَ بعضُ السَّلفِ ليلةَ سبعٍ وعشرينَ بالبيتِ الحرامِ، فرَأى الملائكةَ في الهواءِ طائفينَ فوقَ رؤوسِ النَّاسِ!
ورَوى أبو موسى المَدِينِيُّ مِن طريقِ أبي الشَّيخِ الأصْبَهانِيِّ بإسنادٍ لهُ عن: حَمَّادِ بن شُعَيْبٍ، عن رجلٍ منهُم؟ قالَ: كُنْتُ بالسَّوادِ، فلمَّا كانَ في العشرِ الأواخرِ؛ جَعَلْتُ انْظُرُ بالليلِ. فقالَ لي رجلٌ منهُم: إلى أيِّ شيءٍ تَنْظُرُ؟ قُلْتُ: إلى ليلةِ القدرِ. قالَ: فنَمْ؛ فإنِّي سَأُخْبِرُكَ. فلمَّا كانَ ليلةُ سبعٍ وعشرينَ؛ جاءَ، فأخَذَ بيدي، فذَهَبَ بي إلى النَّخلِ، فإذا النَّخلُ واضعٌ سعفَهُ في الأرضِ، فقالَ: لسنا نَرى هذا في السَّنةِ كلِّها إلَّا في هذهِ الليلةِ!
وذَكَرَ أبو موسى بأسانيدَ لهُ أن رجلًا مقعدًا دَعا الله ليلةَ سبع وعشرينَ فأطْلَقَهُ.
وعنِ امرأةٍ مقعدةٍ كذلكَ.
وعن رجلٍ بالبصرةِ كانَ أخرسَ ثلاثينَ سنةً، فدَعا الله ليلةَ سبع وعشرينَ، فأطْلَقَ لسانَهُ فتكَلَّمَ.
وذَكَرَ الوزيرُ أبو المُظَفَّرِ بنُ هُبَيْرَةَ أنَّهُ رأى ليلةَ سبعٍ وعشرينَ - وكانَتْ ليلةَ جمعةٍ - بابًا في السَّماءِ مفتوحًا شاميَّ الكعبةِ. قالَ: فظَنَنْتُهُ حيالَ الحجرةِ النَّبويَّةِ المقدَّسةِ. قالَ: ولم يَزَلْ كذلكَ إلى أنِ الْتَفَتُّ إلى المشرقِ لأنْظُرَ طلوعَ الفجرِ، ثمَّ الْتَفَتُّ إليهِ فوَجَدْتُهُ قد غابَ. قالَ: وإنْ وَقَعَ في ليلةٍ مِن أوتارِ العشرِ ليلةُ جمعةٍ؛ فهيَ أرجى مِن غيرِها.
واعْلَمْ أن جميعَ هذهِ العلاماتِ لا توجِبُ القطعَ بليلةِ القدرِ (٢) .
وقد رَوى سَلَمَةُ بنُ شَبيبٍ في كتابِ "فضائل رمضان": حَدَّثَنا إبْراهيمُ بنُ الحَكَمِ، حَدَّثَني أبي، حَدَّثَني فَرْقَدٌ؛ أن ناسًا مِن الصَّحابةِ كانوا في المسجدِ، فسَمِعوا كلامًا مِن الحواشي
(١) وذاقه غيره ليلة سبع عشرة وليلة ثلاث وعشرين فوجده عذبًا!(٢) بل لا تدلّ عليها أصلًا! بل هي من جنس الدليل الذي يحتاج إلى دليل! وهذا كلّه إن سلمت أسانيدها وصحّت وعرف أصحابها! "فكيف والله أعلم بأسانيدها؟! فكيف وأصحابها "رجل من أهل البصرة" و"رجل منهم" و"بعض السلف"؟!стр. 459
السَّماءِ ورَاوْا نورًا مِن السَّماءِ وبابًا مِن السَّماءِ، وذلكَ في شهرِ رمضانَ، فأخْبَروا رسولَ اللهِ ﷺ بما رَأَوْا، فزُعِمَ أن رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: "أمَّا النُّورُ؛ فنورُ ربِّ العزَّةِ تَعالى، وأمَّا البابُ؛ فبابُ السَّماءِ، والكلامُ كلامُ الأنبياءِ، فكلُّ شهرِ رمضانَ على هذهِ الحالِ، ولكنْ هذهِ ليلةٌ كُشِفَ غطاؤُها" (١) . وهذا مرسلٌ ضعيفٌ.
• وأمَّا العملُ في ليلةِ القدرِ؛ فقد ثَبَتَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: "مَن قامَ ليلةَ القدرِ إيمانًا واحتسابًا؛ غُفِرَ لهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذنبِهِ" (٢) . وقيامُها إنَّما هوَ إحياؤُها بالتَّهجُّدِ فيها والصَّلاةِ.
وقد أمَرَ عائِشَةَ بالدُّعاءِ فيها أيضًا (٣) .
قال سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: الدُّعاءُ في تلكَ الليلةِ أحبُّ إليَّ مِن الصَّلاةِ. قالَ: وإذا كانَ يَقْرَأُ وهوَ يَدْعو ويَرْغَبُ إلى اللهِ في الدُّعاءِ والمسألةِ لَعَلَّهُ يُوافِقُ (٤) . انتهى. ومرادُهُ أنَّ كثرةَ الدُّعاءِ أفضلُ مِن الصَّلاةِ التي لا يَكْثُرُ فيها الدُّعاءُ، وإنْ قَرَأ ودَعا كانَ حسنًا.
وقد كانَ النَّبيُّ ﷺ تتَهَجَّدُ في ليالي رمضانَ، ويَقْرَأُ قراءةً مرتَّلةً، لا يَمُرُّ بآيةٍ فيها رحمةٌ إلَّا سَألَ ولا بآيةٍ فيها عذابٌ إلَّا تَعَوَّذَ (٥) ، فيَجْمَعُ بينَ الصَّلاةِ والقراءةِ والدُّعاءِ والتَّفكُّرِ. وهذا أفضلُ الأعمالِ وأكملُها في ليالي العشرِ وغيرِها. واللهُ أعلمُ.
وقد قالا الشَّعْبِيُّ في ليلةِ القدرِ: ليلُها كنهارِها.
وقالَ الشَّافِعِيُّ في القديمِ: أسْتحِبُّ أنْ يَكونَ اجتهادُهُ في نهارِها كاجتهادِهِ في ليلِها.
وهذا يَقْتَضي استحبابَ الاجتهادِ في جميعِ زمانِ العشرِ الأواخرِ؛ ليلِهِ ونهارِهِ. الحواشي
(١) (موضوع). لم أقف عليه في غير هذا الموضع، لكنّ المصنّف يرحمه الله أورد سنده وفيه: إبراهيم بن الحكم ضعيف. وأبوه الحكم صاحب أوهام. وفرقد هو السبخيّ ضعيف منكر الحديث. ثمّ هو معضل ساقط الصحابيّ والتابعيّ. ثمّ إنّه سيق سياقة القصص لا سياقة الروايات، ودلك واضح في قوله: "فزُعم أنّ رسول الله ﷺ قال". وفي متته نكارة ظاهرة.(٢) متفق عليه. سيأتي (ص ٤٦٨ - ٤٦٩) من غير ما وجه.(٣) (صحيح). سيأتي بنصِّه وتخريجه (ص ٤٦٦).(٤) في خ: "لعلّه أن يوافق"، والأولى ما أثبته من م و ن و ط.(٥) (صحيح). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٣٩٤ - ٣٩٥).стр. 460
واللهُ أعلمُ.
المحبُّونَ تَطولُ عليهِمُ الليالي فيَعُدُّونَها عذًا لانتظارِ ليالي العشرِ في كلِّ عامٍ، فإذا ظَفِروا بها؛ نالوا مطلوبَهُم وخَدَموا محبوبَهُم (١) .
قَدْ مَزَّقَ الحُبُّ قَميصَ الصَّبْرِ … وَقَدْ غَدَوْتُ حائِرًا في أمْري
آهٍ عَلى تِلْكَ الليالي الغُرِّ … ما كُنَّ إلَّا كَلَيالي القَدْرِ
إنْ عُدْنَ لي مِنْ بَعْدِ هذا الهَجْرِ … وَفَّيْتُ لِلهِ بِكُلِّ نَذْرِ
وَقامَ بالحَمْدِ خَطيبُ شُكْري
رياحُ هذهِ الأسحارِ تَحْمِلُ أنينَ المذنبينَ وأنفاسَ المحبِّينَ وقصصَ التَّائبينَ ثمَّ تَعودُ بردِّ الجوابِ بلا كتابٍ.
أعَلِمْتُمُ أنَّ النَّسيمَ إذا سَرى … حَمَلَ الحديثَ إلى الحَبيبِ كَما جَرى
جَهِلَ العَذولُ بِأنَّني في حُبِّهِمْ … سَهَرُ الدُّجى عِندي ألَذُّ مِن الكَرى
فإذا وَرَدَ بريدُ بردِ السَّحرِ يَحْمِلُ ملطَّفاتِ الألطافِ؛ لمْ يَفْهَمْها غيرُ مَن كُتِبَتْ إليهِ ولا يَعْقِلُها إلَّا كلُّ مشتاقٍ.
نَسيمَ صَبا نَجْدٍ مَتى جِئْتَ حامِلًا … تَحِيَّتَهُمْ فَاطْوِ الحَديثَ عَنِ الرَّكْبِ
وَلا تُذِعِ السِّرَّ المَصونَ فَإنَّني … أغارُ عَلى ذِكْرِ الأحِبَّةِ مِنْ صَحْبي
يا يَعْقوبَ الهجرِ! قد هَبَّتْ ريحُ يوسُفَ الوصلِ، فلوِ اسْتَنْشَقْتَ؛ لَعُدْتَ بعدَ العمى بصيرًا، ولَوَ جَدْتَ ما كُنْتَ لفقدِهِ فقيرًا.
كانَ لي قَلْبٌ أعِيشُ بِهِ … ضاعَ مِنِّي في تَقَلُّبِهِ
رَبِّ فَارْدُدْهُ عَلَيَّ فَقَدْ … عِيلَ صَبْري في تَطَلُّبِهِ
وَأغِثْ ما دامَ بي رَمَقٌ … يا غِياثَ المُسْتَغيثِ بِهِ
لو قامَ المذنبونَ في هذهِ الأسحار، على أقدامِ الانكسار، ورَفَعوا قَصصَ الاعتذار (٢) ، مضمونُها ﴿يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الحواشي
(١) راجع ما تقدّم (ص ٤٢٥ - ٤٢٦) في لفظ "الخدمة".(٢) قصص الاعتذار: قصاصات الورق التي كتب عليها الاعتذار.стр. 461
الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ [يوسِف: ٨٨]؛ لَبَرَزَ لهُمُ التَّوقيعُ عليها ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٩٢].
أشْكو إلى اللهِ كَما قَدْ شَكا … أوْلادُ يَعْقوبَ إلى يوسُفِ
قَدْ مسَّنِي الضُّرُّ وأنْتَ الذي … تَعْلَمُ حالي وَتَرى مَوْقِفي
بِضاعَتِي المُزْجاةُ مُحْتاجَةٌ … إلى سَماحٍ مِنْ كَريمٍ وَفِي
فَقَدْ أتى المِسْكينُ مُسْتَمْطِرًا … جودَكَ فَارْحَمْ ذُلَّهُ وَاعْطِفِ
فَأوْفِ كَيْلي وتَصَدَّقْ على … هذا المُقِلِّ البائِسِ الأضْعَفِ
• قالَتْ عائِشَةُ ﵂ للنَّبيِّ ﷺ : أرَأيْتَ إنْ وافَقْتُ ليلةَ القدرِ؛ ما أقولُ فيها؟ قالَ: "قولي: اللهمَّ! إنَّكَ عفوٌّ تُحِبُّ العفوَ فاعْفُ عَنِّي" (١) .
العفوُّ مِن أسماءِ اللهِ [تَعالى]، وهوَ المتجاوزُ عن سيِّئاتِ عبادِهِ، الماحي لآثارِها عنهُم.
وهوَ يُحِبُّ العفوَ، ويُحِبُّ أنْ يَعْفوَ عن عبادِهِ، ويُحِبُّ مِن عبادِهِ أنْ يَعْفُوَ بعضُهُم عن بعضٍ، فإذا عَفا بعضُهُم عن بعضٍ؛ عامَلَهُم بعفوِهِ، وعفوُهُ أحبُّ إليهِ مِن عقوبتِهِ. وكانَ النَّبيُّ ﷺ يَقولُ: "أعوذُ برضاكَ مِن سخطِكَ وعفوِكَ مِن عقوبتِكَ" (٢) .
قالَ يَحْيى بنُ مُعاذٍ: لو لم يَكُنِ العفوُ أحبَّ الأشياءِ إليهِ؛ لم يَبْتَلِ بالذَّنبِ أكرمَ النَّاسِ عليهِ. يُشيرُ إلى أنَّهُ ابْتَلى كثيرًا مِن أوليائِهِ وأحبابِهِ بشيءٍ مِن الدُّنوبِ؛ لِيُعامِلَهُم الحواشي
(١) (صحيح). رواه: إسحاق (٣/ ٧٤٨/ ١٣٦١ و ١٣٦٢)، وأحمد (٦/ ١٧١/ ١٨٢ و ١٨٣ و ٢٠٨ و ٢٥٨)، وابن ماجه (٢٤ - الدعاء، ٥ - الدعاء بالعفو، ٢/ ١٢٦٥/ ٣٨٥٠)، والترمذي (٤٩ - الدعوات، ٨٥ - باب، ٥/ ٥٣٤/ ٣٥١٣)، وابن نصر في "قيام رمضان" (ص ٢٥٩)، والنسائي في "اليوم والليلة" (٨٧٨ - ٨٨٣) و"الكبرى" (١٠٧٠٨ - ١٠٧١٣)، وأبو يعلى في "المعجم"(٤٣) ، والطبراني في "الأوسط"(٢٥٢١) و "الدعاء" (٩١٥ و ٩١٦)، وابن السنّي(٧٦٧) ، والحاكم (١/ ٥٣٠)، والقضاعي (١٤٧٤ - ١٤٧٨)، والبيهقي في "الشعب" (٣٧٠٠ و ٣٧٠١)، و"الصفات"(٩٢) ؛ من طرق خمس، عن عائشة … رفعته.
قال الترمذي: "حسن صحيح"، وأقرّه المنذري والنووي وابن كثير. وقال الحاكم "على شرط البخاري ومسلم". وأقرّه النووي والذهبي وابن كثير. قلت: طريق الترمذي صحيحة، وطريق الحاكم صحيحة أيضًا، والحديث صحيح غاية باجتماعهما، فكيف وله طرق أُخرى؟! وقد صحّحه الألباني.(٢) رواه مسلم (٤ - الصلاة، ٤٢ - ما يقال في الركوع، ١/ ٣٥٢/ ٤٨٦) عن أبي هريرة عن عائشة.стр. 462
بالعفوِ؛ فإنَّهُ سبحانَهُ يُحِبُّ العفوَ.
قالَ بعضُ السَّلفِ الصَّالحينَ: لو عَلِمْتُ أحبَّ الأعمالِ إلى اللهِ؛ لأجْهَدْتُ نفسي فيهِ. فرَأى قائلًا يَقولُ لهُ في منامِهِ: إنَّكَ تُريدُ ما لا يَكونُ، إنَّ الله يُحِبُّ أنْ يَعْفُوَ ويَغْفِرَ (١) .
وإنَّما أحَبَّ أنْ يَعْفُوَ؛ لِيَكونَ العبادُ كلُّهُم تحتَ عفوِهِ، ولا يُدِلُّ عليهِ أحدٌ منهُم بعملٍ (٢) .
وقد جاءَ في حديثِ ابن عَبَّاسٍ مرفوعًا: "إنَّ الله يَنْظُرُ ليلةَ القدرِ إلى المؤمنينَ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فيَعْفو عنهُم ويَرْحَمُهُم؛ إلَّا أربعةً: مدمنَ خمرٍ، وعاقًّا، ومشاحنًا، وقاطعَ رحمٍ" (٣) .
لمَّا عَرَفَ العارفونَ جلالَهُ؛ خَضَعوا، ولمَّا سَمعَ المذنبونَ بعفوِهِ؛ طَمِعوا، ما ثَمَّ إلَّا عفوُ اللهِ أو النَّارُ.
لولا طمعُ المذنبينَ في العفوِ؛ لاحْتَرَقَتْ قلوبُهُم باليأْسِ مِن الرَّحمةِ، ولكنْ إذا ذَكَرَتْ عفوَ اللهِ؛ اسْتَرْوَحَتْ إلى بردِ عفوِهِ.
كانَ بعضُ المتقدِّمينَ يَقولُ في دعائِهِ: اللهمَّ! إنَّ ذنوبي قد عَظُمَتْ وجَلَّتْ عن الصِّفةِ، وإنَّها صغيرةٌ في (٤) جنبِ عفوِكَ، فاعْفُ عنِّي.
وقالَ آخرُ منهُم: جرمي عظيمٌ، وعفوُكَ كبيرٌ، فاجْمَعْ بينَ جرمي وعفوِكَ يا كريمُ!
يا كَبيرَ الذَّنْبِ عَفْوُ الـ … ــــــــــلهِ مِنْ ذَنْبِكَ أكْبَرْ
أكْبَرُ الأوْزارِ في جَنْـ … ــــــــــبِ عَفْوِ اللهِ يَصْغُرْ الحواشي
(١) تقدّم هذا الكلام والتعقيب عليه (ص ٦١ - ٦٢).(٢) يدلّ بعمله: يعجبه عمله، ويرى أنّه أهل للكرامة والاستجابة والولاية والتوفيق. وهذا كثير.(٣) (موضوع). قطعة من حديث ابن عبّاس الطويل في نداء الحور العين أوّل رمضان، وقد تقدّم طرف منه مع تفصيل القول فيه (ص ٣٧٣).
ولهذه القطعة شاهد عند: العقيلي (٣/ ١٣٨)، وابن الجوزي في "الواهيات"(٨٧٩) ؛ من طريق أبي معمر عبّاد بن عبد الصمد، عن أنس … رفعه. وأبو معمر متهم هالك، ومتابعته هالكة مثله.(٤) في خ: "وإنّها صغرت في"، والأولى ما أثبتّه من م و ط.стр. 463
وإنَّما أمَرَ بسؤالِ العفوِ في ليلةِ القدرِ بعدَ الاجتهادِ في الأعمالِ فيها وفي ليالي العشرِ؛ لأنَّ العارفينَ يَجْتَهِدونَ في الأعمالِ، ثمَّ لا يَرَوْنَ لأنفسِهِم عملًا صالحًا ولا حالًا ولا مقالًا، فيَرْجِعونَ إلى سؤالِ العفوِ كحالِ المذنبِ المقصِّرِ.
قالَ يَحْيى بنُ مُعاذٍ: ليسَ بعارفٍ مَن لم يَكُنْ غايةُ أملِهِ مِن اللهِ العفوَ.
إنْ كُنْتُ لا أصْلُحُ لِلْقُرْبِ … فَشَأْنُكُمْ عَفْوٌ عَنِ الذَّنْبِ
كانَ مُطَرِّفٌ يَقولُ في دعائِهِ: اللهمَّ! ارضَ عنَّا، فإنْ لمْ تَرْضَ عنَّا؛ فاعْفُ عنَّا.
مَن عَظُمَتْ ذنوبُهُ في نفسِهِ؛ لم يَطْمَعْ في الرِّضى وكانَ غايةُ أملِهِ أنْ يَطْمَعَ في العفوِ، ومَن كَمَلَتْ معرفتُهُ؛ لمْ يَرَ نفسَهُ إلَّا في هذهِ المنزلةِ.
يا رَبِّ عَبْدُكَ قَدْ أتا … كَ وَقَدْ أساءَ وَقَدْ هَفا
يَكْفيهِ مِنْكَ حَياؤُهُ … مِنْ سوءِ ما قَدْ أسْلَفا
حَمَلَ الذُّنوبَ عَلى الذُّنو … بِ الموبِقاتِ وَأسْرَفا
وَقَدِ اسْتَجارَ بِذَيْلِ عَفْـ … ـــــــــوِكَ مِنْ عِقابِكَ مُلْحِفا
يا رَبِّ فَاعْفُ (١) وَعافِهِ … فَلأنْتَ أوْلى مَن عَفا
المجلس السادس في وداع شهر رمضان
في الصَّحيحينِ (٢) مِن حديثِ: أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "مَن صامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا؛ غُفِرَ لهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذنبِهِ، ومَن قامَ ليلةَ القدرِ إيمانًا واحتسابًا؛ غُفِرَ لهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذنبِهِ".
وفيهِما (٣) أيضًا مِن حديثِ: أبي هُرَيْرَةَ أيضًا، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "مَن قامَ الحواشي
(١) في خ و م: "فاعف عنه"! ولا يستقيم الوزن إلّا بحذف "عنه".(٢) البخاري (٣٠ - الصوم، ٦ - من صام رمضان، ٤/ ١١٥/ ١٩٠١)، ومسلم (٦ - المسافرين، ٢٥ - الترغيب في قيام رمضان، ١/ ٥٢٣/ ٧٦٠).(٣) البخاري (٣١ - التراويح، ١ - من قام رمضان، ٤/ ٢٥٠/ ٢٠٠٨ و ٢٠٠٩)، ومسلم (٦ - المسافرين، ٢٥ - الترغيب في قيام رمضان، ١/ ٥٢٣/ ٧٥٩).стр. 464
رمضانَ إيمانًا واحتسابًا؛ غُفِرَ لهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذنبِهِ".
ولِلنَّسائِيِّ في روايةٍ: "مَن صامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا؛ غُفِرَ لهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذنبِهِ وما تَأخَّرَ" (١) .
وقد سَبَقَ في قيامِ ليلةِ القدرِ مثلُ ذلكَ مِن روايةِ عُبادَةَ بن الصَّامتِ (٢) .
• والتَّكفيرُ بصيامِهِ [قد] وَرَدَ مشروطًا بالتَّحفُّظِ ممَّا يَنْبَغي أنْ يُتَحَفَّظَ منهُ. الحواشي
(١) (شاذّ بهذا التمام). رواه النسائي في "الكبرى"(٢٥١٢) : أنبأ قتيبة بن سعيد ومحمّد بن عبد الله بن يزيد قالا: ثنا سفيان، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة … رفعه. بمثل رواية الشيخين ثمَّ قال: "في حديث قتيبة: وما تأخّر".
وهذا سند رجاله ثقات رجال الشيخين لكنّ له عللًا: أولاها: أن قتيبة نفسه لم يستقرّ على هذه الزيادة. فرواه النسائي(٢٥١٣) : أنبأ قتيبة، ثنا سفيان، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة … رفعه دون ذكر "وما تأخّر". والثانية: أنّ جمهور أصحاب سفيان رووا هذا الحديث عنه ولم يذكروا فيه هذه الزيادة. والثالثة: أن جمهور أصحاب الزهري رووا هذا الحديث عنه ولم يذكروا هذه الزيادة. ولذلك جزم ابن عبد البرّ في "التمهيد" (٧/ ١٠٥) بشذوذها.
تنبيه: قال العسقلاني في "الفتح" (٤/ ١١٥): "زاد أحمد من طريق حمّاد بن سلمة عن محمّد بن عمرو عن أبي سلمة "وما تأخّر"، وقد رواه أحمد أيضًا عن يزيد بن هارون عن محمّد بن عمرو بدون هذه الزيادة، ومن طريق يحيى بن سعيد عن أبي سلمة بدونها. ووقعت هذه الزيادة أيضًا في رواية الزهري عن أبي سلمة أخرجها النسائي عن قتيبة عن سفيان عنه، وتابعه حامد بن يحيى عن سفيان أخرجه ابن عبد البرّ في "التمهيد" واستنكره، وليس بمنكر فقد تابعه قتيبة كما ترى، وهشام بن عمّار وهو في "الجزء الثاني عشر من فوائده"، والحسين بن الحسن المروزي أخرجه في "كتاب الصيام" له، ويوسف بن يعقوب النجاحي أخرجه أبو بكر بن المقرئ في "فوائده"؛ كلّهم عن سفيان، والمشهور عن الزهري بدونها. وقد وقعت هذه الزيادة أيضًا في حديث عبادة بن الصامت عند الإمام أحمد من وجهين وإسناده حسن. وقد استوعبت الكلام على طرقه في كتاب "الخصال المكفّرة للذنوب المقدّمة والمؤخّرة"، وهذا محصّله" اهـ. قلت: فبعد هذا التفصيل أقرّ يرحمه الله بأن المشهور عن الزهريّ إسقاط هذه الزيادة، وهذا يقتضي أنّ أثباتها شاذّ، فعاد محصّل الكلام إلى حكم ابن عبد البرّ بشذوذها. وأمّا تتابع جماعة من الرواة على إثبات هذه الزيادة؛ فلا يزيدها قوّة؛ لأن كلًّا منهم لا يخلو أن يكون شاذًّا أو منكرًا في روايته هذه الزيادة عن شيخه، واجتماع الروايات الشاذة والمنكرة لا يقوّيها؛ لأنّه يقابلها من الجهة الأُخرى اجتماع الروايات المشهورة المعروفة، فترجح الأخيرة وتطيش الأولى. وأمّا تحسين حديث عبادة بهذه الزيادة؛ فلا يخلو من نظر تقدّم (ص ٤٤١) بيانه. والذي أراه - والله يغفر لي - أنّ هذه الزيادة من نوع العلل التي سمّاها بعض أهل الحديث "لزوم الطريق" حيث يدرج لسان الراوي أو يزلّ قلمه أو تنصرف أذنه عن اللفظ المسموع حقيقة إلى لفظ مشهور يشبهه، ولفظ آية الفتح ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ دارج على لسان الصغير والكبير وأسماعهم. والله أعلم.(٢) (ضعيف بهذا التمام). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٤٤١).стр. 465
ففي "المسند" و"صحيح ابن حِبَّانَ" عن: أبي سَعيدٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "مَن صامَ رمضانَ فعَرَفَ حدودَهُ وتَحَفَّظَ ممَّا يَنْبَغي أنْ يَتَحَفَّظَ منهُ؛ كَفَّرَ ذلكَ ما قبلَهُ" (١) .
• والجمهورُ على أن ذلكَ إنَّما يُكَفِّرُ الصَّغائرَ.
ويَدُلُّ عليهِ ما خَرَّجَهُ مسلمٌ (٢) مِن حديثِ: أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "الصَّلواتُ الخمسُ والجمعةُ إلى الجمعةِ ورمضانُ إلى رمضانَ مكفِّراتٌ لما بينَهُنَّ ما اجْتُنِبَتِ الكبائرُ".
وفي تأْويلِهِ قولانِ:
أحدُهُما: أن تكفيرَ هذهِ الأعمالِ مشروطٌ باجتنابِ الكبائرِ، فمَن لم يَجْتَنِبِ الكبائرَ؛ لمْ تُكَفِّرْ لهُ هذهِ الأعمالُ كبيرةً ولا صغيرةً.
والثَّاني: أن المرادَ أن هذهِ الفرائضَ تُكَفِّرُ الصَّغائرَ خاصَّةً بكلِّ حالٍ، وسواءٌ اجْتُنِبَتِ الكبائرُ أو لمْ تُجْتَنَبْ، وأنَّها لا تُكَفِّرُ الكبائرَ بحالٍ.
وقد قالَ ابنُ المُنْذِرِ في قيامِ ليلةِ القدرِ: إنَّهُ يُرْجى بهِ مغفرةُ الذُّنوبِ كبائرِها وصغائرِها. وقالَ غيرُهُ مثلَ ذلكَ في الصَّومِ أيضًا. والجمهورُ على أن الكبائرَ لا بدَّ لها مِن توبةٍ نَصوحٍ.
وهذهِ المسائلُ قد ذَكَرْناها مستوفاةً في مواضعَ أُخرَ.
• فدَلَّ حديثُ أبي هُرَيْرَةَ على أن هذهِ الأسبابَ الثَّلاثةَ كلُّ واحدٍ منها مكفِّرٌ لِما سَلَفَ مِن الذُّنوبِ، وهيَ: صيامُ رمضانَ، وقيامُهُ، وقيامُ ليلةِ القدرِ.
• فقيامُ ليلةِ القدرِ بمجرَّدِهِ يُكَفِّرُ الذُّنوبَ لمَن وَقَعَتْ لهُ، كما في حديثِ عُبادَةَ بن الحواشي
(١) (ضعيف). رواه: أحمد (٣/ ٥٥)، وأبو يعلى(١٠٥٨) ، وابن حبّان(٣٤٣٣) ، وأبو نعيم في "الحلية" (٨/ ١٨٠)، والبيهقي في "السنن" (٤/ ٣٠٤) و"الشعب"(٣٦٢٣) ، والخطيب في "تاريخ بغداد" (٨/ ٣٩٢)؛ من طريق عبد الله بن قرط (أو: قريط)، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد … رفعه.
صحّحه ابن حبّان وأقرّه المنذري والعسقلاني! وقال أبو نعيم: "لم يروه عن عطاء إلّا عبد الله بن قرط". وقال الهيثمي (٣/ ١٤٧): "ابن قريط ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا". قلت: ولم يرو عنه إلّا رجل واحد، ولذلك قال الحسيني: "مجهول". فهو علّة هذا السند، والسند ضعيف.(٢) (٢ - الطهارة، ٥ - الصلوات الخمس، ١/ ٢٠٩/ ٢٣٣).стр. 466
الصَّامِت (١) ، وقد سَبَقَ ذكرُهُ. وسواءٌ كانَـ[ـــــــتْ] في أوَّلِ العشرِ أو أوسطِهِ أو آخرِهِ، وسواءٌ شَعَرَ بها أو لم يَشْعُرْ. ولا يَتَأخَّرُ تكفيرُ الدُّنوبِ بها إلى انقضاءِ الشَّهرِ.
• وأمَّا صيامُ شهرِ رمضانَ وقيامُهُ؛ فيَتَوَقَّفُ التَّكفيرُ بهِما على تمامِ الشَّهرِ، فإذا تَمَّ الشَّهرُ؛ فقد كَمَلَ للمؤمنِ صيامُهُ وقيامُهُ، فيَتَرَتَّبُ لهُ على ذلكَ مغفرةُ ما تَقَدَّمَ مِن ذنبِهِ بتمامِ السَّببينِ، وهُما صيامُ رمضانَ وقيامُهُ.
وقد يُقالُ: إنَّهُم يُغْفَرُ لهُم عندَ استكمالِ القيامِ في آخرِ ليلةٍ مِن رمضانَ بقيامِ رمضانَ قبلَ تمامِ نهارِها، وتَتأخَّرُ المغفرةُ بالصِّيامِ إلى إكمالِ النَّهارِ بالصَّومِ، فيُغْفَرُ لهُم بالصَّومِ في ليلةِ الفطرِ.
ويَدُلُّ على ذلكَ ما خَرَّجَهُ الإمامُ أحْمَدُ مِن حديثِ: أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "أُعْطِيَتْ أُمَّتي خمسَ خصالٍ في رمضانَ لمْ يُعْطَها أُمَّةٌ غيرُهُم: خلوفُ فمِ الصَّائمِ أطيبُ عندَ اللهِ مِن ريحِ المسكِ، وتَسْتَغْفِرُ لهُمُ الملائكةُ حتَّى يُفْطِروا، ويُزَيِّنُ اللهُ كلَّ يومٍ جنَّتهُ ويَقولُ: يوشِكُ عبادي أنْ يُلْقُوا عنهُمُ المؤنةَ والأذى ويَصيروا إليكِ، وتُصَفَّدُ فيه مردةُ الشَّياطينِ فلا يَخْلُصونَ فيهِ إلى ما كانوا يَخْلُصونَ إليهِ في غيرِهِ، ويُغْفَرُ لهُم في آخرِ ليلةٍ فيهِ". فقيلَ لهُ: يا رسولَ اللهِ! أهيَ ليلةُ القدرِ؟ قالَ: "لا، ولكنَّ العاملَ إنَّما يُوَفَّى أجرَهُ إذا قَضى عملَهُ" (٢) .
وقد رُوِيَ أن الصَّائمينَ يَرْجعونَ يومَ الفطرِ مغفورًا لهُم، وأنَّ يومَ الفطرِ يُسَمَّى يومَ الجوائزِ (٣) ، وفيهِ أحاديثُ ضعيفةٌ. الحواشي
(١) (ضعيف بتمامه وأكثره صحيح لشواهده). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٤٤١).(٢) (ضعيف جدًّا). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٤٢٢).(٣) (ضعيف جدًّا). وقد جاء من أوجه:
فذكره مسلم في "المقدّمة" (١/ ١٨) والعسقلاني في "اللسان" (٣/ ٩٦) في منكرات سليمان بن الحجّاج - أحد الواهين - ولم أقف على لفظه بطوله.
ورواه: الحسن بن سفيان في "مسنده" (١/ ٨٨ - إصابة) والطبراني (١/ ٢٢٦/ ٦١٨) والمعافى في "الجليس" (١/ ٨٨ - إصابة) من طريق سعيد بن عبد الجبّار عن توبة (أو: أبي توبة)، والطبراني (١/ ٢٢٦/ ٦١٧) وأبو نعيم في "المعرفة" (٢/ ٣٦١ و ٣٦٢) والخطيب في "تالي التلخيص"(١٧٤) وأبو موسى المديني (١/ ١٧٠ - غابة) من طريق عمرو بن شمّر عن جابر الجعفي عن أبي الزبير؛ كلاهما عن سعيد بن أوس =стр. 467
وقالَ الزُّهْرِيُّ: إذا كانَ يومُ الفطرِ؛ خَرَجَ النَّاسُ إلى الجَبَّانِ (١) ، اطَّلَعَ اللهُ عليهِم فقالَ: يا عبادي! لي صُمْتُمْ، ولي قُمْتُمْ، ارْجِعوا مغفورًا لكُم.
قالَ مُوَرِّقٌ العِجْلِيُّ لبعضِ إخوانِهِ في المصلَّى يومَ الفطرِ: يَرْجِعُ هذا اليومَ قومٌ كما وَلَدَتْهُمْ أُمَّهاتُهُم.
وفي حديثِ أبي جَعْفَرٍ الباقِرِ المرسلِ: "مَن أتى عليهِ رمضانُ، فصامَ نهارَهُ، وصَلَّى وردًا مِن ليلِهِ، وغَضَّ بصرَهُ، وحَفِظَ فرجَهُ ولسانَهُ ويدَهُ، وحافَظَ على صلاتِهِ في الجماعةِ، وبَكَّرَ إلى جمعِهِ (٢) ؛ فقد صامَ الشَّهرَ واسْتكْمَلَ الأجرَ وأدْرَكَ ليلةَ القدرِ وفازَ بجائزة الرَّبِّ" (٣) . قالَ أبو جَغفَرٍ: جائزةٌ لا تُشْبِهُ جوائزَ الأُمراءِ.
إذا كَمَّلَ الصَّائمونَ صيامَ رمضانَ وقيامَهُ؛ فقد وَفَوْا ما عليهِم مِن العملِ، وبَقِيَ ما لَهُم مِن الأجرِ، وهوَ المغفرةُ، فإذا خَرَجوا يومَ عيدِ الفطرِ إلى الصَّلاةِ؛ قُسِّمَتْ عليهِم أُجورُهُم، فرَجَعوا إلى منازِلِهِم وقدِ اسْتَوْفَوُا الأجرَ واسْتكمَلُوهُ. كما في حديثِ ابن عَبَّاسٍ المرفوعِ: "إذا كانَ يومُ الفطرِ؛ هَبَطَتِ الملائكةُ إلى الأرضِ، فيَقومونَ على أفواهِ السِّككِ (٤) يُنادونَ بصوتٍ يَسْمَعُهُ جميعُ مَن خَلَقَ اللهُ إلَّا الجنَّ والإنسَ، يَقولونَ: يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ! اخْرُجوا إلى ربٍّ كريمٍ يُعْطي الجزيلَ ويَغْفِرُ الذَّنبَ العظيمَ، فإذا بَرَزوا إلى مصلَّاهُم؛ تقولُ اللهُ لملائكتِهِ: يا ملائكتي! ما جزاءُ الأجيرِ إذا عَمِلَ عملَهُ؟ فيَقولونَ: إلهَنا وسيِّدَنا! أنْ تُوَفِّيَهُ أجرَهُ. فيَقولُ: إنِّي أُشْهِدُكمْ أنِّي قد جَعَلْتُ ثوابَهُم مِن صيامِهِم وقيامِهِم مرضاتي ومغفرتي، انْصَرِفوا مغفورًا الحواشي
(١) الجبّان: الأرض المستوية، والمراد بها هنا المصلّى الذي يصلّي الناس به العيد.(٢) في خ: "إلى الجمعة"، والأولى ما أثبته من م و ط.(٣) (ضعيف جدًّا). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٤٢٨).(٤) في خ: "فيقفون على أفواه السكك … "، والأولى ما أثبتّه من م و ط.стр. 468
لكُم" (١) . خَرَّجَهُ سَلَمَةُ بنُ شَبِيبٍ في كتابِ "فضائل رمضان" وغيرُهُ. وفي إسنادِهِ مقالٌ.
وقد رُوِيَ مِن وجهٍ آخرَ عن عِكْرِمَةَ عن ابن عَبَّاسٍ موقوفًا بعضُهُ (٢) .
وقد رُوِيَ معناهُ مرفوعًا مِن وجوهٍ أُخَرَ فيها ضعفٌ (٣) .
• مَن وَفَّى ما عليهِ مِن العملِ كاملًا؛ وُفِّيَ لهُ الأجرُ كاملًا، ومَن سَلَّمَ ما عليهِ موفَّرًا؛ تَسَلَّمَ ما لهُ نقدًا لا مؤخَّرًا.
ما بِعْتُكُمْ مُهْجَتي إلَّا بِوَصْلِكُمُ … وَلا أُسَلِّمُها إلَّا يَدًا بِيَدِ
[فَإنْ وَفَيْتُمْ بِما قُلْتُمْ وَفَيْتُ أنا … وَإنْ أبَيْتُمْ يكونُ الرَّهْنُ تَحْتَ يَدي] (٤)
ومَن نَقَصَ مِن العملِ الذي عليهِ؛ نُقِصَ مِن الأجرِ بحسبِ نقصِهِ، فلا يَلُمْ إلَّا نفسَهُ.
قالَ سَلْمانُ: الصَّلاةُ مكيالٌ، فمَن وَفَّى؛ وُفِّيَ لهُ، ومَن طَفَّفَ؛ فقد عَلِمْتُمْ ما قيلَ في المطفِّفينَ.
فالصِّيامُ وسائرُ الأعمالِ على هذا المنوالِ: مَن وَفَّاها؛ فهوَ مِن خيارِ عبادِ اللهِ الموفِّينَ، ومَن طَفَّفَ فيها؛ فويلٌ للمطفِّفينَ.
أما يَسْتَحي مَن يَسْتَوْفي مكيالَ شهواتِهِ ويُطَفِّفُ في مكيالِ صيامِهِ وصلاتِهِ؟! ألا بعدًا لِمَدْيَنَ!
في الحديثِ: "أسوأُ النَّاسِ سرقةً الذي يَسْرِقُ صلاتَهُ" (٥) . الحواشي
(١) (موضوع). قطعة من حديث طويل تقدّم (ص ٣٧٣) أنّه موضوع أوّله "إن الحور العين تنادي في شهر رمضان … " إلخ.(٢) فهذه علة أُخرى تضاف إلى ما تقدّم من العلل، ووقع في خ: "مرفوعًا بعضه"!(٣) شديد جدًّا في السند ونكارة في المتن يجزم المرء معها أنّه موضوع كما تقدّم (ص ٣٧٣).(٤) ليست في خ و م، وإنّما استفدتها من ط.(٥) (صحيح). وقد جاء عن النبيّ ﷺ مرسلًا وموصولًا من أوجه:
• فرواه: مالك في "الموطأ" (١/ ١٦٧)، وعبد الرزّاق(٣٧٤٠) ، والشافعي في "المسند" (ص ١٦٣) و"اختلاف الحديث" (ص ٢١١)، وابن عبد البرّ (٢٣/ ٤٠٩)؛ من طريق يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن النعمان بن مرّة، عن النبيّ ﷺ … به. وهذا سند مرسل قويّ.
• ورواه الحسن واختلفوا عليه فيه على وجهين: روى أوّلهما: الطبراني في "الأوسط"(٣٤١٦) و"الصغير"(٣٣٦) ، والعسكري في "التصحيفات" (٢/ ٩٠٢)؛ من طريق زيد بن الحرشي (أو: الحريش)، ثنا عثمان بن الهيثم، ثنا عوف، عن الحسن، عن عبد الله بن مغفّل … رفعه. وروى الثاني: ابن أبي شيبة =стр. 469
إذا كانَ الويلُ لمَن طَفَّفَ مكيالَ الدُّنيا؛ فكيفَ حالُ مَن طَفَّفَ مكيالَ الدِّينِ!
﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ. الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٤ - ٥].
غَدًا تُوَفَّى النُّفوسُ ما كَسَبَتْ … وَيَحْصُدُ الزَّارِعونَ ما زَرَعوا
إنْ أحْسَنوا أحْسَنوا لِأنْفُسِهِمْ … وَإنْ أساؤوا فَبِئْسَ ما صَنَعوا
كانَ السَّلفُ الصَّالحُ يَجْتَهِدونَ في إتمامِ العملِ وإكمالِهِ وإتقانِهِ، ثمَّ يَهْتَمُّونَ بعدَ ذلكَ بقبولِهِ ويَخافونَ مِن ردِّهِ، وهؤلاءِ الذينَ ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾
الحواشي
(٢٩٦٧) : ثنا هشيم، أنا يونس، عن الحسن … مرسلًا. وزيد لا يعدو أن يكون مقبولًا في المتابعات، وعثمان تغيّر وصار يتلقّن، فالمعروف هنا الوجه الثاني المرسل، والوصل من مناكير زيد أو عثمان.
• ورواه الأوزاعي واختلف عليه فيه على وجهين: روى أوّلهما: أحمد (٥/ ٣١٠)، والدارمي (١/ ٣٠٤)، وأبو يعلى في "المعجم"(١٥٠) ، وابن خزيمة(٦٦٣) ، وابن أبي حاتم في "العلل"(٤٨٧) ، والطبراني في "الكبير" (٣/ ٢٤٢/ ٣٢٨٣) و"الأوسط"(٨١٧٥) ، والدارقطني في "العلل"(١٠٣٣) ، والحاكم (١/ ٢٢٩)، والبيهقي (٢/ ٣٨٥ - ٣٨٦)، والخطيب في "التاريخ" (٨/ ٢٢٧)، وابن عساكر (١٥/ ٥٣ و ٥٤)؛ من طريق الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه … رفعه. وروى الثاني: ابن حبّان(١٨٨٨) ، والطبراني في "الأوسط"(٤٦٦٢) ، والدارقطني في "العلل"(١٣٧٩) ، والحاكم (١/ ٢٢٩)، والبيهقي (٢/ ٣٨٦)، وابن عبد البرّ في "التمهيد" (٢٣/ ٤١٠)، وابن عساكر (١٥/ ٥٤)؛ من طريق عبد الحميد بن أبي العشرين، عن الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة … رفعه. قال الحاكم: "كلا الإسنادين صحيح"، ووافقه الذهبي، وقوّى الهيثمي الوجه الأوّل وأعلّ الثاني بابن أبي العشرين. قلت: الوليد يدلّس ويسوّي، ولم يصرّح بالتحديث فأخشى أن يكون تلقّاه من أحد الضعفاء ثمّ أسقطه، فرواية ابن أبي العشرين - على لين فيه - أرجح، ولذلك قال أبو حاتم في حديث أبي قتادة: "منكر"، وقال الدارقطني: "يشبه أن يكون حديث أبي هريرة أثبت".
ولحديث أبي هريرة طريق أُخرى رواها: إسحاق في "المسند" (١/ ٣٧٤/ ٣٩١)، والطبراني في "الشاميّين"(٢٣٤٧) ؛ من طريق كلثوم بن محمّد بن أبي سدرة، ثنا عطاء بن مسلم الخراساني، عن أبي هريرة … رفعه. وكلثوم ضعيف، وعطاء صالح في المتابعات، وروايته عن أبي هريرة منقطعة.
• ورواه: الطيالسي(٢٢١٩) ، وابن أبي شيبة(٢٩٦٠) ، وأحمد (٣/ ٥٦)، وعبد بن حميد(٩٩٠) ، والبزّار (٥٣٦ - كشف)، وأبو يعلى(١٣١١) ، وابن عدي (٥/ ١٨٤٣)، وأبو نعيم في "الحلية" (٨/ ٣٠٢)، وابن عبد البرّ في "التمهيد" (٢٣/ ٤٠٩ و ٤١٠)؛ من طريق عليّ بن زيد، عن ابن المسيب، عن أبي سعيد … رفعه. قال أبو نعيم: "تفرّد به عليّ بن زيد". وقال الهيثمي (٢/ ١٢٣): "وهو مختلف في الاحتجاج به". قلت: هو أقرب إلى الضعف، والسند كذلك.
فهاهنا مرسلان قويّان ومرفوع فيه ضعف ومرفوع لا بأس به بطريقيه، فاجتماع هذه يصحّح المتن بلا ريب، وقد مال إلى تقويته ابن خزيمة وابن حبّان والحاكم والمنذري والذهبي والهيثمي والشوكاني والألباني.стр. 470
[المؤمنون: ٦٠].
رُوِيَ عن عَلِيٍّ؛ قالَ: كونوا لقبولِ العملِ أشدَّ اهتمامًا منكُم بالعملِ، ألمْ تَسْمَعوا الله يَقولُ: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧].
وعن فَضالَةَ بن عُبَيْدٍ؛ قالَ: لأنْ أكونَ أعْلَمُ أن الله قد تَقَبَّلَ منِّي مثقالَ حبَّةٍ مِن خردلٍ أحبُّ إليَّ مِن الدُّنيا وما فيها؛ لأنَّ الله يَقولُ: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾.
وقالَ مالكُ دينارٍ: الخوفُ على العملِ أنْ لا يُتَقَبَّلَ أشدُّ مِن العملِ.
وقالَ عَطاءٌ السَّلِيمِيُّ: الحذرُ الاتِّقاءُ على العملِ أنْ لا يَكونَ للهِ.
وقالَ عَبْدُ العَزيزِ بنُ أبي رَوَّادٍ: أدْرَكْتُهُم يَجْتَهِدونَ في العملِ الصَّالحِ، فإذا فَعَلوهُ؛ وَقَعَ عليهِمُ الهمُّ؛ أتُقُبِّلَ [منهُم] أم لا؟
قالَ بعضُ السَّلفِ: كانوا يَدْعُونَ الله ستَّةَ أشهرٍ أنْ يُبَلِّغَهُم شهرَ رمضانَ، ثمَّ يَدْعُونَ الله ستَّةَ أشهرٍ أنْ يَتَقَبَّلَهُ منهُم.
خَرَجَ عُمَرُ بن عَبْدِ العزيزِ ﵀ في يومِ عيدِ فطرٍ، فقالَ في خطبتِهِ: أيُّها النَّاسُ! إنَّكُم صُمْتُمْ للهِ ثلاثينَ يومًا، وقُمْتُم ثلاثينَ ليلةً، وخَرَجْتُمُ اليومَ تَطْلُبونَ مِن اللهِ أنْ يَتَقَبَّلَ منكُم.
كانَ بعضُ السَّلفِ يَظْهَرُ عليهِ الحزن يومَ عيدِ الفطرِ. فيُقالُ لهُ: إنَّهُ يومُ فرحٍ وسرورٍ. فيَقولُ: صَدَقْتُمْ، ولكنِّي عبدٌ أمَرَني مولايَ أنْ أعْمَلَ لهُ عملًا، فلا أدْري أيَقْبَلُهُ منِّي أم لا؟
رَأى وُهَيْبُ بنُ الوَرْدِ قومًا يَضْحَكونَ [في] يومِ عيدٍ، فقالَ: إنْ كانَ هؤلاءِ تُقُبِّلَ منهُم صيامُهُم؛ فما هذا فعلَ الشَّاكرينَ، وإنْ كانوا لمْ يُتَقَبَّلْ منهُم صيامُهُم؛ فما هذا فعلَ الخائفينَ (١) .
وعنِ الحَسَنِ؛ قالَ: إنَّ الله جَعَلَ شهرَ رمضانَ لخلقِهِ مضمارًا يَسْتَبِقونَ فيهِ بطاعتِهِ إلى مرضاتِهِ، فسَبَقَ قومٌ ففازوا وتَخَلَّفَ آخرونَ فخابوا، فالعجب مِن اللاعبِ الحواشي
(١) فماذا يفعل المسلم يوم العيد إذًا؟! يعتزل الناس يبكي حزنًا وأسفًا! هل هذه هي الحنيفيّة السمحة التي جاء بها الإسلام؟! هل هذا هو التبشير والتيسير الذي سنّه النبيّ ﷺ وسار عليه أصحابه؟!стр. 471
الضَّاحكِ في اليومِ الذي يَفوزُ فيهِ المحسنونَ ويَخْسَرُ فيهِ المبطلونَ.
لَعَلَّكَ غَضْبانٌ وَقَلْبِيَ غافِلٌ … سَلامٌ عَلى الدَّارَيْنِ إنْ كُنْتَ راضِيا
ورُوِيَ عن عَلِيٍّ؛ أنَّهُ كانَ يُنادي في آخرِ ليلةٍ مِن شهرِ رمضانَ: يا ليتَ شعري! مَن هذا المقبولُ فنُهَنِّيَهُ، ومَن هذا المحرومُ فنُعَزِّيَهُ؟
وعنِ ابن مَسْعودٍ؛ أنَّهُ كانَ يَقولُ: مَن هذا المقبولُ منَّا فنُهَنِّيَهُ، ومَن هذا المحرومُ منَّا فنُعَزِّيَهُ (١) ؟
أيُّها المقبولُ! هنيئًا لكَ. أيُّها المردودُ! جَبَرَ اللهُ مصيبتَكَ.
لَيْتَ شِعْري مَنْ فيهِ يُقْبَلُ مِنَّا … فَيُهَنَّا [و] يا خَيْبَةَ المَرْدودِ
مَنْ تَوَلَّى عَنْهُ بِغَيْرِ قَبولٍ … أرْغَمَ اللهُ أنْفَهُ بِخِزْيٍ شَديدِ
• ماذا فاتَ مَن فاتَهُ خيرُ رمضان؟! وأيُّ شيءٍ أدْرَكَ مَن أدْرَكَهُ فيهِ الحرمان؟! كم بينَ مَن حظُّهُ فيهِ القبولُ والغفران ومَن كانَ حظُّهُ فيهِ الخيبة والخسران!
ربَّ قائمٍ حظُّهُ مِن قيامِهِ السَّهرُ وصائمٍ حظُّهُ مِن صيامِهِ الجوعُ والعطشُ.
ما أصْنِعُ هكَذا جَرى المَقْدورُ … الجَبْرُ لِغَيْري وَأنا المَكْسورُ
أسيرُ ذَنْبٍ مُقَيَّدٌ مَهْجورُ … هَلْ يُمْكِنُ أنْ يُغَيَّرَ المَقْدورُ
غيرُهُ:
سارَ القَوْمُ وَالشَّقا يُقْعِدُني … حازوا القُرْبَ وَالجَفا يُبْعِدُني
حَسْبِيَ حَسْبِي إلى مَتى تَطْرُدُني … أعدايَ دائي وَكُلُّهُمْ يَقْصِدُني
غيرُهُ:
أسْبابُ هَواكَ أوْهَنَتْ أسْبابي … مِنْ بَعْدِ جَفاكَ فَالضَّنى أوْلى بي
ضاقَتْ حِيَلي وَأنْتَ تَدْري ما بي … إِرْحَمْ فَالعَبْدُ واقِفٌ بِالبابِ
شهرُ رمضانَ تَكْثُرُ فيهِ أسبابُ الغفرانِ. فمِن أسبابِ المغفرةِ فيهِ صيامُهُ وقيامُهُ وقيامُ ليلةِ القدرِ فيهِ، كما سَبَقَ. ومنها تفطيرُ الصُّوَّامِ والتَّخفيفُ عن المملوكِ، وهُما الحواشي
(١) تأمّل الفرق بين قول هذين الصحابيّين وما سبق من الأقوال! بين المؤمن العمليّ الذي يمارس نشاطه اليوميّ وقلبه متأرجح بين الخوف والرجاء، وبين المتقوقع المنغلق الذي ملأ قلبَهُ سوءُ الظنّ بالله.стр. 472
مذكورانِ في حديثِ سلمانَ المرفوعِ (١) . ومنها الذِّكرُ، وفي حديثٍ مرفوعٍ: "ذاكرُ اللهِ في رمضانَ مغفورٌ لهُ" (٢) . ومنها الاستغفارُ، والاستغفارُ طلبُ المغفرةِ، ودعاءُ الصَّائمِ يُسْتَجابُ في صيامِهِ وعندَ فطرِهِ، ولهذا كانَ ابنُ عُمَرَ إذا أفْطَرَ يَقولُ: اللهمَّ! يا واسعَ المغفرةِ! اغْفِرْ لي. وفي حديثِ أبي هُرَيْرَةَ المرفوعِ في فضلِ شهرِ رمضانَ: "ويُغْفَرُ فيهِ إلَّا لمَن أبى". قالوا: يا أبا هُرَيْرَةَ! ومَن يَأْبى؟! قالَ: يَأْبى أنْ يَسْتَغْفِرَ الله (٣) . ومنها: استغفارُ الملائكةِ للصَّائمينَ حتَّى يُفْطِروا، وقد تَقَدَّمَ ذكرُهُ.
فلمَّا كَثُرَتْ أسبابُ المغفرةِ في رمضانَ؛ كانَ الذي تَفوتُهُ المغفرةُ فيهِ محرومًا غايةَ الحرمانِ.
في "صحيح ابن حِبَّان": عن أبي هُرَيْرَةَ؛ أن النَّبيَّ ﷺ صَعِدَ المنبرَ فقالَ: "آمينَ، آمينَ، آمينَ". قيلَ: يا رسولَ اللهِ! إنَّكَ صَعِدْتَ المنبرَ فقُلْتَ آمينَ آمينَ آمينَ. قالَ: "إنَّ جِبْريلَ أتاني فقالَ: مَن أدْرَكَ شهرَ رمضانَ فلمْ يُغْفَرْ لهُ فدَخَلَ النَّارَ فأبْعَدَهُ اللهُ، قلْ آمينَ، [فـ[ـــــــقُلْتُ آمينَ. ومَن أدْرَكَ أبويهِ أو أحدَهُما فلم يَبَرَّهُما فماتَ فدَخَلَ النَّارَ فأبْعَدَهُ اللهُ، قُلْ آمينَ، [فـ]ــــــــقُلْتُ آمينَ. ومَن ذُكِرْتَ عندَهُ فلم يُصَلِّ عليكَ فماتَ فدَخَلَ النَّارَ فأبْعَدَهُ اللهُ، قُلْ آمينَ، فقُلْتُ آمينَ" (٤) . الحواشي
(١) (ضعيف جدًّا). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٣٥٥).(٢) (موضوع). رواه: الطبراني في "الأوسط" (٦١٦٦ و ٧٣٣٧)، وابن عدي (٤/ ١٦٠١)، والبيهقي في "الشعب"(٣٦٢٧) ؛ من طريق عبد الرحمن بن قيس الضبّي، ثنا هلال بن عبد الرحمن، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيّب، عن عمر … رفعه.
قال الهيثمي (٣/ ١٤٦): "فيه هلال بن عبد الرحمن وهو ضعيف". قلت: بل متروك. وعبد الرحمن بن قيس متّهم متروك. وعلي بن زيد ضعيف. فالسند مظلم، والحديث ساقط، وقال الألباني: "موضوع".(٣) (ضعيف). رواه الخطيب في "تاريخ بغداد" (٥/ ١٨): ثنا محمّد بن عبد العزيز بن جعفر البردعي، أنا علي بن إبراهيم بن عزّة العطّار، ثنا محمّد بن السريّ القنطري، ثنا محمّد بن بكار بن الريّان، ثنا أبو معشر نجيح السندي، عن سعيد، عن أبي هريرة … رفعه.
وهذا ضعيف: البردعيّ قال الخطيب: "فيه نظر مع أنّه لم يرو كبير شيء". وأبو معشر ضعيف.(٤) (صحيح). رواه: أحمد (٢/ ٢٥٤)، والبخاري في "الأدب المفرد"(٦٤٦) ، والترمذي (٤٩ - الدعوات، ١٠١ - رغم أنف رجل، ٥/ ٥٥٠/ ٣٥٤٥)، وإسماعيل القاضي في "الصلاة على النبيّ ﷺ " (١٦ - ١٨)، والبزّار (٣١٦٩ - كشف)، وأبو يعلى(٥٩٢٢) ، وابن خزيمة(١٨٨٨) ، وابن حبّان (٩٠٧ =стр. 473
وخَرَّجَهُ الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وابنُ حِبَّانَ أيضًا مِن وجهٍ آخرَ عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ مرفوعًا بلفظِ: "رَغِمَ أنفُهُ" (١) . وحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ.
وقالَ سَعيدٌ عن قَتادَةَ: كانَ يُقالُ: مَن لمْ يُغْفَرْ لهُ في رمضانَ؛ فلنْ يُغْفَرَ لهُ فيما سواهُ.
وفي حديثٍ آخرَ: "إذا لم يُغْفَرْ لهُ في رمضانَ فمتى" (٢) .
متى يُغْفَرُ لمَن لا (٣) يُغْفَرُ لهُ في هذا الشَّهر؟! متى يُقْبَلُ مَن رُدَّ في ليلةِ القدر؟! متى يَصْلُحُ مَن لا يَصْلُحُ في رمضان؟! متى يَصِحُّ مَن كانَ [بهِ] فيهِ مِن داءِ الجهالةِ والغفلةِ مرضان؟ كلُّ ما لا يُثْمِرُ مِن الأشجارِ في أوانِ الثِّمار؛ فإنَّهُ يُقْطَعُ ثمَّ يُوقَدُ في النَّار. مَن فَرَّطَ في الزَّرعِ في وقتِ البذار؛ لم يَحْصُدْ يومَ الحصادِ غيرَ النَّدمِ والخسار.
تَرَحَّلَ الشَّهْرُ وا لَهْفاهُ وَانْصَرَما … وَاخْتَصَّ بِالفَوْزِ في الجَنَّاتِ مَن خَدَما
وَأصْبَحَ الغافِلُ المِسْكينُ مُنْكَسِرًا … مِثْلي فيا وَيْحَهُ يا عُظْمَ ما حُرِما
مَن فاتَهُ الزَّرْعُ في وَقْتِ البِذارِ فَما … تَراهُ يَحْصُدُ إلَّا الهَمَّ وَالنَّدَما
• شهرُ رمضانَ شهرٌ أوَّلُهُ رحمةٌ وأوسطُهُ مغفرةٌ وآخرُهُ عتقٌ مِن النَّارِ.
رُوِيَ هذا عن النَّبيِّ ﷺ مِن حديثِ سَلْمانَ الفارِسِيِّ (٤) . خَرَّجَهُ ابنُ خُزَيْمَةَ في "صحيحه". الحواشي
(٢٥٥١) مختصرًا، وشواهده كثيرة.(١) (صحيح). انظر ما قبله.(٢) (ضعيف جدًّا). رواه: ابن أبي شيبة(٨٨٧١) ، والطبراني في "الأوسط"(٧٦٢٣) ، من طريق محمّد بن إسحاق، عن الفضل بن عيسى الرقاشي، عن يزيد الرقاشي، عن أنس … رفعه.
سكت عنه المنذري، وقال الهيثمي (٣/ ١٤٦): "فيه الفضل بن عيسى الرقاشي وهو ضعيف". قلت: هو منكر الحديث، وعمّه يزيد ضعيف منكر الحديث أيضًا، وابن إسحاق عنعن على تدليسه.(٣) في خ: "فمتى يغفر له متى يغفر لمن لا"، وهذه إضافة ناسخ وليست من متن الحديث.(٤) (ضعيف جدًّا). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٣٥٥).стр. 474
ورُوِيَ عنهُ أيضًا مِن حديثِ أبي هُرَيْرَةَ (١) . خَرَّجَهُ ابنُ أبي الدُّنيا وغيرُهُ.
والشَّهرُ كلُّهُ شهرُ رحمةٍ ومغفرةٍ وعتقٍ، ولهذا في الحديثِ الصَّحيحِ؛ أنَّهُ تُفْتَحُ فيهِ أبوابُ الرَّحمةِ (٢) .
وفي التِّرْمِذِيِّ وغيرِهِ: "إنَّ للهِ عتقاءَ مِن النَّارِ، وذلكَ كلَّ ليلةٍ" (٣) .
ولكنَّ الأغلبَ على أوَّلِهِ الرَّحمةُ، وهيَ للمحسنينَ المتَّقينَ: قالَ اللهُ تَعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦]. وقالَ: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [الأعراف: ١٥٦]. فيُفاضُ على المتَّقينَ في أوَّلِ الشَّهرِ خلعُ الرَّحمةِ والرُّضوان، ويُعامَلُ أهلُ الإحسانِ بالفضلِ والإحسان.
وأمَّا أوسطُ الشَّهرِ؛ فالأغلبُ عليهِ المغفرةُ، فيُغْفَرُ فيهِ للصَّائمينَ وإنِ ارْتَكَبوا بعضَ الذُّنوبِ الصَّغائرِ فلا يَمْنَعُهُم ذلكَ مِن المغفرةِ، كما قالَ تَعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرَّعد: ٦].
وأمَّا آخرُ الشَّهرِ؛ فيُعْتَقُ فيهِ مِن النَّارِ مَن أوْبَقَتْهُ الأوزار واسْتَوْجَبَ النَّارَ بالذُّنوبِ الكبار.
وفي حديثِ ابن عَبَّاسٍ المرفوعِ: "للهِ في كلِّ ليلةٍ في شهرِ رمضانَ عندَ الإفطارِ ألفُ ألفِ عتيقٍ مِن النَّارِ، كلُّهُم قدِ اسْتَوْجَبوا العذابَ، فإذا كانَ ليلةُ الجمعةِ أو يومُ الجمعةِ؛ أعْتَقَ في كلِّ ساعةٍ فيها ألفَ ألفِ عتيقٍ مِن النَّارِ، كلُّهُم قدِ اسْتَوْجَبـ[ـــــــوا] العذابَ، فإذا كانَ آخرُ ليلةٍ مِن شهرِ رمضانَ أعْتَقَ اللهُ في ذلكَ اليومِ بعددِ ما أعْتَقَ مِن أوَّلِ الشَّهرِ إلى آخرِهِ" (٤) . خَرَّجَهُ سَلَمَةُ بنُ شَبيبٍ وغيرُهُ. الحواشي
(١) (ضعيف جدًّا). رواه: ابن أبي الدنيا (٤٧٩ - لطائف المعارف)، والعقيلي (٢/ ١٦٢)، وابن عدي (٣/ ١١٥٧)، والخطيب في "الجمع والتفريق" (٢/ ١٤٧)، وابن الشجري، وابن عساكر، والديلمي؛ من طريق سلام بن سوار، عن مسلمة بن الصلت، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة … رفعه.
وهذا سند واه: سلام ضعيف. ومسلمة: منكر الحديث متروك الحديث. وقد استنكر حديثه هذا أبو حاتم وابنه والعقيلي وابن عدي والخطيب والذهبي والعسقلاني والألباني.(٢) متفق عليه. انظر ما تقدّم (ص ٤٢١).(٣) (صحيح). قطعة من حديث طويل لأبي هريرة تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٤٢١).(٤) (موضوع). قطعة من حديث "إن الجنّة لتزيّن وتزخرف" الذي تقدّم (ص ٣٧٢).стр. 475
• وإنَّما كانَ يومُ الفطرِ مِن رمضانَ عيدًا لجميعِ الأُمَّةِ؛ لأنَّهُ يُعْتَقُ فيهِ أهلُ الكبائرِ مِن الصَّائمينَ مِن النَّارِ فيَلْتَحِقُ فيهِ المذنبونَ بالأبرارِ، كما أنَّ يومَ النَّحرِ هوَ العيدُ الأكبرُ؛ لأنَّ قبلَهُ يومَ عرفةَ، وهوَ اليومُ الذي لا يُرى في يومٍ مِن الدُّنيا أكثرَ عتقًا مِن النَّارِ منهُ. فمَن أُعْتِقَ مِن النَّارِ في اليومينِ؛ فلهُ يومُ عيدٍ، ومَن فاتَهُ العتقُ في اليومينِ؛ فلهُ يومُ وعيدٍ.
أنْشَدَ الشِّبْلِيُّ:
لَيْسَ عيدُ المُحِبِّ قَصْدَ المُصَلَّى … وَانْتِظارَ الأميرِ وَالسُّلْطانِ
إنَّما العيدُ أنْ تَكونَ لَدى الـ … ــــــــاهِ كَريمًا مُقَرَّبًا في أمانِ
ورُئِيَ بعضُ العارفينَ ليلةَ عيدٍ في فلاةٍ يَبْكي على نفسِهِ ويُنْشِدُ:
بِحُرْمَةِ غُرْبَتي كَم ذا الصُّدودُ … ألا تَعْطِفْ عَلَيَّ ألا تَجودُ
سُرورُ العيدِ قَدْ عَمَّ النَّواحي … وَحُزْني في ازْدِيادٍ لا يَبِيدُ
فَإنْ كُنْتُ اقْتَرَفْتُ خِلالَ سَوْءٍ … فَعُذْري في الهَوى أنْ لا أعودُ
لمَّا كانَتِ المغفرةُ والعتقُ مِن النَّارِ كلٌّ منهُما مرتَّبًا على صيامِ رمضانَ وقيامِهِ؛ أمَرَ اللهُ عندَ إكمالِ العدَّةِ بتكبيرِهِ وشكرِهِ، فقالَ: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. فشكرُ مَن أنْعَمَ على عبادِهِ بتوفيقِهِم للصِّيامِ وإعانتِهِم عليهِ ومغفرتِهِ لهُم بهِ وعتقِهِم بهِ مِن النَّارِ أنْ يَذْكُروهُ ويَشْكُروهُ ويَتَّقوهُ حقَّ تقاتِهِ. وقد فَسَّرَ ابنُ مَسْعودٍ تقواهُ حقَّ تقاتِهِ بأنْ يُطاعَ فلا يُعْصى ويُذْكَرَ فلا يُنْسى ويُشْكَرَ فلا يُكْفَرَ.
فيا أربابَ الذُّنوبِ العظيمة! الغنيمةَ الغنيمةَ في هذهِ الأيامِ الكريمة؛ فما منها عوضٌ ولا لها قيمة! فكم يُعْتَقُ فيها مِن النَّارِ مِن ذي جريرةٍ وجريمة! فمن أُعْتِقَ فيها مِن النَّارِ فقد فازَ بالجائزةِ العميمةِ والمنحةِ الجسيمة.
يا مَن أعْتَقَهُ مولاهُ مِن النَّار! إيَّاكَ أنْ تَعودَ بعدَ أنْ صِرْتَ حرًّا إلى رقِّ الأوزار. أيُبْعِدُكَ مولاكَ عن النَّارِ وأنتَ تتقَرَّبُ منها، ويُنْقِذُكَ منها وأنتَ توقِعُ نفسَكَ فيها ولا تَحيدُ عنها؟!
وإنَّ امْرَءًا يَنْجو مِنَ النَّارِ بَعْدَما … تَزَوَّدَ مِن أعْمالِها لَسَعيدُ
стр. 476
إنْ كانَتِ الرَّحمةُ للمحسنينَ؛ فالمسيءُ لا يَيْأسُ منها، وإنْ تَكُنِ المغفرةُ مكتوبةً للمتَّقينَ؛ فالظَّالمُ لنفسِهِ غيرُ محجوبٍ عنها.
إنْ كانَ عَفْوُكَ لا يَرْجوهُ ذو خَطإ … فَمَنْ يَجودُ على العاصينَ بِالكَرَمِ
غيرُهُ:
إنْ كانَ لا يَرْجوكَ إلَّا مُحْسِنٌ … فَمَنِ الذي يَرْجو ويَدْعو المُذْنِبُ
﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣].
فيا أيُّها العاصي! وكلُّنا ذلك، لا تَقْنَطْ مِن رحمةِ اللهِ لسوءِ أعمالِك، فكم يُعْتَقُ مِن النَّارِ في هذهِ الأيَّامِ مِن أمثالِك! فأحْسِنِ الظَّنَّ بمولاكَ وتُبْ إليهِ؛ فإنَّهُ لا يَهْلِكُ على اللهِ [إلَّا] هالك.
إذا أوْجَعَتْكَ الذُّنوبُ فَداوِها … بِرَفْعِ يَدٍ في اللَيْلِ وَاللَيْلُ مُظْلِمُ
وَلا تَقْنَطَنْ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إنَّما … قُنوطُكَ مِنْها مِنْ ذُنوبِكَ أعْظَمُ
فَرَحْمَتُهُ لِلْمُحْسِنينَ كَرامَةٌ … وَرَحْمَتُهُ لِلمُذْنِبينَ تَكَرُّمُ
• يَنْبَغي لمَن يَرْجو العتقَ مِن النَّارِ في شهرِ رمضانَ أنْ يَأْتِيَ بأسبابٍ توجِبُ العتقَ مِن النَّارِ، وهيَ متيسِّرةٌ في هذا الشَّهرِ.
وكانَ أبو قِلابَةَ يُعْتِقُ في آخرِ الشَّهرِ جارية حسناءَ مزيَّنةً يَرْجو بعتقِها العتقَ مِن النَّارِ.
وفي حديثِ سَلْمانَ المرفوعِ الذي في "صحيح ابن خُزَيْمَةَ": "مَن فَطَّرَ فيهِ صائمًا؛ كانَ عتقًا لهُ مِن النَّارِ، ومَن خَفَّفَ فيهِ عن مملوكِهِ؛ كانَ عتقًا لهُ مِن النَّارِ" (١) .
وفيهِ أيضًا: "فاسْتكْثِروا فيهِ مِن خصلتينِ تُرْضونَ بهِما ربَّكُم [وخصلتينِ] لا غنى بكُم عنهُما. فأمَّا الخصلتانِ اللتانِ تُرْضونَ بهِما ربَّكُم؛ فشهادةُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ والاستغفارُ. وأمَّا اللتانِ لا غنى بكُم عنهُما؛ فتَسْألونَ الله تَعالى الجنَّةَ وتَعُوذونَ بهِ مِن الحواشي
(١) (ضعيف جدًّا). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٣٥٥).стр. 477
النَّارِ" (١)
فهذهِ الخصالُ الأربعُ المذكورةُ في هذا الحديثِ؛ كلٌّ منها سببٌ للعتقِ والمغفرةِ:
• فأمَّا كلمةُ التَّوحيدِ؛ فإنَّها تَهْدِمُ الذُّنوبَ وتَمْحوها محوًّا ولا تُبْقي ذنبًا ولا يَسْبِقُها عملٌ، وهيَ تَعْدِلُ عتقَ الرِّقابِ الذي يوجِبُ العتقَ مِن النَّارِ. ومَن أتى بها أربعَ مرارٍ حينَ يُصْبِحُ وحينَ يُمْسي؛ أعْتَقَهُ اللهُ مِن النَّارِ، ومَن قالَها خالصًا مِن قلبِهِ؛ حَرَّمَهُ اللهُ على النَّارِ.
• وأمَّا كلمةُ الاستغفارِ؛ فمِن أعظمِ أسبابِ المغفرةِ؛ فإنَّ الاستغفارَ دعاءٌ بالمغفرةِ، ودعاءُ الصَّائمِ مستجابٌ في حالِ صيامِهِ وعندَ فطرِهِ. وقد سَبَقَ حديثُ أبي هُرَيْرَةَ المرفوعِ: "ويُغْفَرُ فيهِ (يَعْني: شهرَ رمضانَ) إلَّا لمَن أبى". قالوا: يا أبا هرَيْرَةَ! ومَن أبى؟ قالَ: مَن أبى أنْ يَسْتَغْفِرَ الله (٢) . قالَ الحَسَنُ: أكْثِروا مِن الاستغفارِ؛ فإنَّكُم لا تَدْرونَ متى تَنْزِلُ الرَّحمةُ. وقالَ لُقْمانُ لابنِهِ: يا بنيَّ! عَوِّدْ لسانَكَ الاستغفارَ، فإنَّ للهِ ساعاتٍ لا يَرُدُّ فيهنَّ سائلًا.
وقد جَمَعَ اللهُ بينَ التَّوحيدِ والاستغفارِ في قولِهِ تَعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمَّد: ١٩]. وفي بعضِ الآثارِ؛ أن إبليسَ قالَ: أهْلَكْتُ النَّاسَ بالذُّنوبِ وأهْلَكوني بلا إلهَ إلَّا اللهُ والاستغفارُ (٣) .
والاستغفارُ ختامُ الأعمالِ الصَّالحةِ كلِّها: فتُخْتَمُ بهِ الصَّلاةُ والحجُّ وقيامُ الليلِ. ويُخْتَمُ بهِ المجالسُ: فإنْ كانَتْ ذكرًا؛ كانَ كالطَّابعِ عليها، وإنْ كانَتْ لغوًا؛ كانَ كفَّارةً الحواشي
(١) (ضعيف جدًّا). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٣٥٥).(٢) (ضعيف). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٤٧٧).(٣) (موضوع). قطعة من حديث رواه: ابن أبي عاصم في "السنّة"(٧) ، وأبو يعلى(١٣٦) ، والطبراني (١٠/ ٢١٠ - مجمع)، ومن طريقه الحسن بن أحمد العطّار الهمذاني في "فتياه"(١١) ، والرافعي في "التدوين" (٣/ ٣٩)؛ من طريق عثمان بن مطر، عن عبد الغفور بن عبد العزيز بن سعيد، عن أبي نصيرة، عن أبي رجاء مولى أبي بكر، عن أبي بكر الصدّيق ﵁ … رفعه.
قال الهيثمي (١٠/ ٢١٠): "فيه عثمان بن مطر وهو ضعيف". وقال ابن كثير: "عثمان وشيخه ضعيفان". قلت: عثمان ضعيف جدًّا في حدّ الترك بل اتّهمه ابن حبّان، وعبد الغفور متّهم، وأبو رجاء مجهول، والحديث موضوع كما قال الألباني.стр. 478
لها. فكذلكَ يَنْبَغي أنْ يُخْتَمَ صيامُ رمضانَ بالاستغفارِ.
كَتَبَ عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزيزِ إلى الأمصارِ يَأْمُرُهُم بختمِ شهرِ رمضانَ بالاستغفارِ والصَّدقةِ؛ صدقةِ الفطرِ؛ فإنَّ صدقةَ الفطرِ طهرةٌ للصَّائمِ مِن اللغوِ والرَّفثِ، والاستغفارُ يَرْقَعُ ما تَخَرَّقَ مِن الصِّيامِ باللغوِ والرَّفثِ.
ولهذا قالَ بعضُ العلماءِ المتقدِّمينَ: إنَّ صدقةَ الفطرِ للصَّائمِ كسجدتيِ السَّهوِ للصَّلاةِ.
وقالَ عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزيزِ في كتابِهِ: قولوا كما قالَ أبوكُم آدَمُ: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]، وقولوا كما قالَ نوحٌ: ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود: ٤٧]، وقولوا كما قالَ إبْراهيمُ: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشُّعراء: ٨٢]، وقولوا كما قالَ موسى: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: ١٦]، وقولوا كما قالَ ذو النُّونِ: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧].
ويُرْوى عن أبي هُرَيْرَةَ؛ قالَ: الغيبةُ تُخَرِّقُ الصِّيامَ والاستغفارُ يُرَقِّعُهُ، فمَنِ اسْتَطاعَ منكُم أنْ يَجيءَ بصومٍ مرقَّعٍ، فلْيَفْعَلْ.
وعنِ ابن المُنْكَدِرِ معنى ذلكَ.
الصِّيامُ جُنَّةٌ مِن النَّارِ ما لمْ يُخَرِّقْها، والكلامُ السَّيِّئُ يُخَرِّقُ هذهِ الجُنَّةَ، والاستغفارُ يُرَقِّعُ ما تَخَرَّقَ منها.
فصيامُنا هذا يَحْتاجُ إلى استغفارٍ نافع وعملٍ صالحٍ لهُ شافع! كم نُخَرِّقُ صيامَنا بسهام الكلامِ ثمَّ نُرَقِّعُهُ وقدِ اتَّسَعَ الخرقُ على الرَّاقع! كم نَرْفو خروقَهُ بمِخْيَطِ الحسناتِ ثمَّ نَقْطعُهُ بحسامِ السَّيِّئاتِ القاطع!
كانَ بعضُ السَّلفِ إذا صَلَّى صلاةً اسْتَغْفَرَ مِن تقصيرِهِ فيها كما يَسْتَغْفِرُ المذنبُ مِن ذنبِهِ.
إذا كانَ هذا حالَ المحسنينَ في عباداتِهِم؛ فكيف حالُ المسيئينَ مثلِنا في عاداتِهِم؟!
ارْحَموا مَن حسناتُهُ سيِّئاتٌ وطاعاتُهُ كلُّها غفلاتٌ.
стр. 479
أسْتَغْفِرُ الله مِنْ صِيامي … طولَ زَماني وَمِنْ صَلاتي
صِيامُنا كُلُّهُ خُروقُ … صَلاتُنا أيُّما صَلاتي
مُسْتَيْقِظٌ في الدُّجى وَلكِنْ … أحْسَنُ مِنْ يَقْظَتي سُباتي
وقريبٌ مِن هذا أمرُ النَّبيِّ ﷺ لعائِشَةَ في ليلةِ القدرِ بسؤالِ العفوِ (١) ؛ فإنَّ المؤمنَ يَجْتَهِدُ في شهرِ رمضانَ في صيامِهِ وقيامِهِ، فإذا قَرُبَ فراغُهُ وصادَفَ ليلةَ القدرِ، لم يَسْألِ الله إلَّا العفوَ كالمسيءِ المقصِّرِ.
كانَ صِلَةُ بنُ أشْيَمَ يُحْيي الليلَ، ثمَّ يَقولُ في دعائِهِ في السَّحرِ: اللهمَّ! إنِّي أسْألُكَ أنْ تُجيرَني مِن النَّارِ، ومثلي يَجْتَرِئُ أنْ يَسْألَكَ الجنَّةَ؟!
كانَ مُطَرِّف تقولُ في دعائِهِ: اللهمَّ! ارْضَ عنَّا، فإنْ لمْ تَرْضَ عنَّا؛ فاعْفُ عنَّا؛ فإنَّ السَّيِّدَ يَعْفو عن عبدٍ وهوَ عنهُ غيرُ راضٍ.
قالَ يَحْيى بنُ مُعاذٍ: ليسَ بعارفٍ مَن لمْ يَكُنْ غايةُ أملِهِ مِن اللهِ العفوَ.
إنْ كُنْتُ لا أصْلُحُ لِلْقُرْبِ … فَشَأْنُكُمُ عَفْوٌ عَنِ الذَّنْبِ
أنفعُ الاستغفارِ ما قارَنَتْهُ التَّوبةُ، وهيَ حلُّ عقدةِ الإصرارِ. فمَنِ اسْتَغْفَرَ بلسانِهِ وقلبُهُ على المعصيةِ معقود، وعزمُهُ أنْ يَرْجِعَ إلى المعاصي بعدَ الشَّهرِ ويَعود؛ فصومُهُ عليهِ مردود، وبابُ القبولِ عنهُ مسدود.
قالَ كعبٌ: مَن صامَ رمضانَ وهوَ يُحَدِّثُ نفسَهُ أنَّهُ إذا أفْطَرَ [بعدَ] (٢) رمضانَ أنْ لا يَعْصِيَ الله؛ دَخَلَ الجنَّةَ بغيرِ مسألةٍ ولا حسابٍ، ومَن صامَ رمضانَ وهوَ يُحَدِّثُ نفسَهُ أنَّهُ إذا أفْطَرَ عَصى ربَّهُ؛ فصيامُهُ عليهِ مردودٌ. خَرَّجَهُ سَلَمَةُ بنُ شَبيبٍ.
وَلَوْلا التُّقى ثُمَّ النُّهى خَشْيَةَ الرَّدى … لَعاصَيْتُ في حُبِّ الصِّبا كُلَّ زاجِرِ
قَضى ما قَضى فيما مَضى ثُمَّ لا تُرى … لَهُ عَوْدَةٌ أُخْرى اللَيالي الغَوابِرِ
في "سنن أبي داوود" وغيرِهِ: عن أبي بَكْرَةَ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "لا يَقولَنَّ أحدُكُم: صُمْتُ رمضانَ كلَّهُ، ولا قُمْتُ رمضانَ كلَّهُ". قالَ أبو بَكْرَةَ: فلا أدري؛ أكَرِهَ الحواشي
(١) (صحيح). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٤٦٦).(٢) ليست من خ و م، استفدتها من ط ليستقيم السياق.стр. 480
التَّزكيةَ أم لا بدَّ مِن غفلةٍ (١) ؟
أين مَن كانَ إذا صامَ صانَ الصِّيامَ وإذا قامَ اسْتَقامَ في القيام؟! أحْسَنوا الإسلامَ ثمَّ رَحَلوا بسلام (٢) ! ما بَقِيَ إلَّا مَن إذا صامَ افْتَخَرَ بصيامِهِ وصال، وإذا قامَ أُعْجِبَ بقيامِهِ وقال! كم بينَ خَلِيٍّ وشَجِيٍّ وواجدٍ وفاقدٍ وكاتمٍ ومبدي!
• وأمَّا سؤالُ الجنَّةِ والاستعاذةُ مِن النَّارِ؛ فمِن أهمِّ الدُّعاءِ، وقد قالَ النَّبيُّ ﷺ : "حولَها نُدَنْدِنُ" (٣) . فالصَّائمُ يُرْجى استجابةُ دعائِهِ، فيَنْبَغي ألَّا يَدْعُوَ إلَّا بأهمِّ الأُمورِ.
قالَ أبو مُسْلِمٍ: ما عَرَضَتْ لي دعوةٌ إلَّا صَرَفْتُها إلى الاستعاذةِ مِن النَّارِ.
وفي الحديثِ: "تَعَرَّضوا لنفحاتِ رحمةِ ربِّكُم؛ فإنَّ للهِ نفحاتٍ مِن رحمتِهِ يُصيبُ بها مَن يَشاءُ مِن عبابٍ، فمَن أصابَتْهُ سَعِدَ سعادةً لا يَشْقى بعدَها أبدًا" (٤) .
فمِن أعظمِ نفحاتِهِ مصادفةُ ساعةِ إجابةٍ يَسْألُ فيها العبدُ الجنَّةَ والنَّجاةَ مِن النَّارِ فيُجابُ سؤالُهُ فيَفوزُ بسعادةِ الأبدِ.
قالَ اللهُ تَعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥]. وقالَ: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [الحشر: ٢٠]. وقالَ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ … ﴾ إلى قولِهِ: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الحواشي
(١) (ضعيف). رواه: إسحاق (١/ ٤٠٤/ ٤٥٠)، وأحمد (٥/ ٣٩ و ٤٠ و ٤١ و ٤٨ و ٥٢)، وأبو داوود(٢٤١٥) ، والبزّار (٩/ ١٠٥/ ٣٦٤٥)، وابن حبّان(٣٤٣٩) ، والبيهقي في "الشعب" (٣٢٨١ و ٣٦٥٥)؛ من طريقين تقوّي إحداهما الأخرى، عن الحسن، عن أبي بكرة .. ، رفعه. وهذا سند ضعيف من أجل الحسن؛ فإنّه عنعن على تدليسه والخلاف في سماعه من أبي بكرة. وقد ضعّفه الألباني.(٢) في خ: "وباب القبول عليه مسدود … دخلوا بسلام"، والصواب ما أثبتّه من م و ط.(٣) (صحيح). رواه: أحمد (٣/ ٤٧٤)، وابن ماجه (٥ - إقامة الصلاة، ٢٦ - ما يقال في التشهّد، ١/ ٢٩٥/ ٩١٠ و ٣٨٤٧)، وأبو داوود (٢ - الصلاة، ١٢٣ - تخفيف الصلاة، ١/ ٢٧٠/ ٧٩٢)، وابن خزيمة(٧٢٥) ، وابن حبّان(٨٦٨) ؛ تارة من طريق زائدة وتارة من طريق جرير، كلاهما عن الأعمش، (قال زائدة: عن رجل من أصحاب النبيّ، وقال جرير: عن أبي هريرة) … رفعه. وهذا سند صحيح رجاله ثقات رجال الستّة، وجهالة الصحابيّ لا تضرّ، على أنّه قد عرف من الطريق الأُخرى.
ثمّ له شاهد مقطع من حديث سليم (رجل من بني سلمة) عند أحمد (٥/ ٧٤)، وآخر من حديث جابر عند أبي داوود (الموضع السابق، ٧٩٣) بسند حسن. وقد صحّحه النووي والبوصيري والسيوطي والألباني.(٤) (ضعيف). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٤٠ - ٤١).стр. 481
الْجَنَّةِ﴾ [هود: ١٠٦ - ١٠٨].
لَيْسَ السَّعيدُ الَّذي دُنْياهُ تُسْعِدُهُ … إنَّ السَّعيدَ الذي يَنْجو مِنَ النَّارِ
• عبادَ اللهِ! [إنَّ] شهرَ رمضانَ قد عَزَمَ على الرَّحيل، ولم يَبْقَ منهُ إلَّا القليل. فمَن منكُم أحْسَنَ فيهِ فعليهِ التَّمام، ومَن كانَ فَرَّطَ فلْيَخْتِمْهُ بالحسنى فالعملُ بالختام. فاسْتَمْتِعوا منهُ بما بَقِيَ مِن الليالي اليسيرةِ والأيَّام، واسْتَوْدِعوهُ عملًا صالحًا يَشْهَدُ لكُم بهِ عندَ الملكِ العلَّام، ووَدِّعوهُ عندَ فراقِهِ بأزكى تحيَّةٍ وسلام.
سَلَامٌ مِنَ الرَّحْمنِ كُلَّ أوانِ … عَلى خَيْرِ شَهْرٍ قَدْ مَضى وَزَمانِ
سَلامٌ عَلى شَهْرِ الصِّيامِ فَإنَّهُ … أمانٌ مِنَ الرَّحْمنِ أيُّ أمانِ
لَئِنْ فَنِيَتْ أيَّامُكَ الغُرُّ بَغْتَةً … فَما الحُزْنُ مِنْ قَلْبي عَلَيْكَ بِفانِ
لقد ذَهَبَتْ أيَّامُهُ وما أطَعْتُم، وكُتِبَتْ عليكُم فيهِ آثامُهُ وما أضَعْتُم، وكأنَّكُم بالمشمِّرينَ فيهِ وقد وَصَلوا وانْقَطَعْتُم، أتُرى ما هذا التَّوبيخُ لكُم أو ما سَمِعْتُم؟!
ما ضاعَ مِن أيَّامِنا هَلْ يُغْرَمُ … هَيْهاتَ وَالأزمانُ كَيْفَ تُقَوَّمُ
يَوْمٌ بِأرْباحٍ يُباعُ وَيُشْتَرى … وَأخوهُ لَيْسَ يُسامُ فيهِ دِرْهَمُ (١)
قلوبُ المتَّقينَ إلى هذا الشَّهرِ تَحِنُّ ومِن ألمِ فراقِهِ تَئِنُّ.
دَهاكَ الفِراقُ فَما تَصْنَعُ … أتَصبِرُ لِلْبَيْنِ أمْ تَجْزَعُ
إذا كُنْتَ تَبْكي وَهُمْ جِيرَةٌ … فَكَيْفَ تَكونُ إذا وَدَّعوا
كيفَ لا يَجْري للمؤمنِ على فراقِهِ دموعُ، وهوَ لا يَدْري هلْ بَقِيَ لهُ في عمرِهِ إليهِ رجوعُ؟!
تَذَكَّرْتُ أيامًا مَضَتْ وَلَيالِيا … خَلَتْ فَجَرَتْ مِنْ ذِكْرِهِنَّ دُموعُ
ألا هَلْ لَها يَوْمًا مِنَ الدَّهرِ عَوْدَةٌ … وَهَلْ لي إلى وَقْتِ الوِصالِ رُجوعُ
وَهَلْ بعدَ إعْراضِ الحَبيبِ تَواصُلٌ … وَهَلْ لِبُدورٍ قَدْ أفَلْنَ طُلوعُ
أينَ حُرَقُ المجتهدينَ في نهارِه؟! أينَ قلقُ المتهجِّدينَ (٢) في أسحارِه؟ الحواشي
(١) في خ: "فقد ذهبت أيّامه … فهيهات … وأخوه بخس لا يساوي درهم"، وأثبت ما في م و ط.(٢) في خ: "قلق المجتهدين"، والأولى ما أثبتّه من م و ط.стр. 482
إِسْمَعْ أنينَ العاشِقيـ … ــــــــــــنَ إنِ اسْتَطَعْتَ لَهُ سَماعا
راحَ الحَبيبُ فَشَيَّعَتْـ … ـهُ مَدامِعي تَهْمِي سِراعا
لَوْ كُلِّفَ الجَبَلُ الأصَمْ … مُ فِراقَ إلْفٍ ما اسْتَطاعا
إذا كانَ هذا جزعَ مَن رَبِحَ فيه؛ فكيفَ حالُ مَن خَسِرَ في أيَّامِهِ ولياليه؟! ماذا يَنْفَعُ المفرِّطَ فيهِ بكاؤُه وقد عَظُمَتْ فيهِ مصيبتُهُ وجَلَّ عزاؤُه؟! كم نُصِحَ المسكينُ فما قَبِلَ النُّصح! كم دُعِيَ إلى المصالحةِ فما أجابَ إلى الصُّلح! كم شاهَدَ الواصلينَ وهوَ متباعد! كم مَرَّتْ بهِ زمرُ السَّائرينَ وهوَ قاعد! حتَّى إذا ضاقَ بهِ الوقتُ وحاقَ بهِ المقتُ؛ نَدِمَ على التَّفريطِ حينَ لا يَنْفَعُ النَّدم، وطَلَبَ الاستدراكَ في وقتِ العدم.
أتَتْرُكُ مَنْ تُحِبُّ وَأنْتَ جارُ … وَتَطْلُبُهُمْ إذا بَعُدَ المَزارُ
وَتَبْكي بَعْدَ نَأْيِهِمُ اشْتِياقا … وَتَسْألُ في المَنازِلِ أينَ ساروا
تَرَكْتَ سُؤالَهُمْ وَهُمُ حُضورٌ … وَتَرْجو أنْ تُخَبِّرَكَ الدِّيارُ
فَنَفْسَكَ لُمْ وَلا تَلُمِ المَطايا … وَمُتْ كَمَدًا فَلَيْسَ لَكَ اعْتِذارُ
يا شهرَ رمضانَ! تَرَفَّقْ، دموعُ المحبِّينَ لذهابِكَ تَدَفَّق، قلوبُهُم مِن ألمِ الفراقِ تَشَقَّق، عَسى وقفةٌ للوداعِ تُطْفِئُ مِن نارِ الشَّوقِ ما أحْرَق، عسى ساعةُ توبةٍ وإقلاعٍ تَزفو مِن الصِّيامِ كلَّ ما تَخَرَّق، عَسى منقطِعٌ عن ركبِ المقبولينَ يَلْحَق، عسى مَنِ اسْتَوْجَبَ النَّارَ يُعْتَق، عسى أُسراءُ الأوزارِ تُطْلَق، عسى رحمةُ المولى لها العاصي يُوَفَّق.
عَسى وَعَسى مِنْ قَبْلِ وَقْتِ التَّفَرُّقِ … إلى كُلِّ ما تَرجو مِنَ الخَيْرِ تَرْتَقي
فَيُجْبَرَ مَكْسورٌ (١) وَيُقْبَلَ تائِبٌ … وَيُعْتَقَ خَطَّاءٌ وَيَسْعَدَ مَنْ شَقِي
* * * الحواشي
(١) في حاشية خ: "خ مردود خ مطرود"؛ يعني أنّه كذلك في بعض النسخ. وفي م: "فيقرب مردود ويقبل تائب ويجبر مكسور … ".стр. 483
وظائف شهر شوال
وفيه مجالسُ:
المجلس الأول في صيام شوال كله وإتباع رمضان بصيام ستة أيام منه
خَرَّجَ مسلمٌ (١) مِن حديثِ: أبي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "مَن صامَ رمضانَ، ثمَّ أتْبَعَهُ ستًّا مِن شوَّالٍ، كانَ كصيامِ الدَّهرِ".
وقدِ اخْتُلِفَ في هذا الحديثِ ثمَّ في العملِ بهِ:
• فمنهُم مَن صَحَّحَهُ. ومنهُم مَن قالَ: هوَ موقوفٌ، قالَهُ ابنُ عُيَيْنَةَ وغيرُهُ، وإليهِ يَميلُ الإمامُ أحْمَدُ. ومنهُم مَن تَكَلَّمَ في إسنادِهِ.
• وأمَّا العملُ بهِ:
* فاسْتَحَبَّ صيامَ ستَّةِ أيَّامٍ مِن شوَّالٍ أكثرُ العلماءِ. رُوِيَ ذلكَ عن: ابن عَبَّاسٍ، وطاووسٍ، والشَّعْبِيِّ، ومَيْمونِ بن مِهْرانَ، وهوَ قولُ ابنِ المُبارَكِ والشَّافِعِيِّ وأحْمَدَ وإسْحاقَ.
* وأنْكَرَ ذلكَ آخرونَ:
رُوِيَ عن الحَسَنِ أنَّهُ كانَ إذا ذُكِرَ عندَهُ صيامُ هذهِ السِّتِّ؛ قالَ: لقد رَضِيَ اللهُ بهذا الشَّهرِ للسَّنةِ كلِّها! ولَعَلَّهُ إنَّما أنْكَرَ على مَنِ اعْتَقَدَ وجوبَ صيامِها وأنَّهُ لا يُكْتَفى بصيامِ رمضانَ عنها في الوجوبِ. وظاهرُ كلامِهِ يَدُلُّ على هذا.
وكَرِهَها الثَّوْرِيُّ وأبو حَنِيفَةَ وأبو يوسُفَ، وعَلَّلَ أصحابُهُما ذلكَ بمشابهةِ أهلِ الحواشي
(١) (١٣ - الصيام، ٣٩ - صوم ستّة من شوّال، ٢/ ٨٢٢/ ١١٦٤).стр. 484
الكتابِ؛ يَعْنونَ: في الزِّيادةِ في صيامِهِمُ المفروضِ عليهِم ما ليسَ منهُ. وأكثرُ المتأخِّرينَ مِن مشايخِهِم قالوا: لا بأْسَ بهِ، وعَلَّلوا بأنَّ الفصلَ قد حَصَلَ بفطرِ يومِ العيدِ، حَكى ذلكَ صاحبُ "الكافي" منهُم. وكانَ ابنُ مَهْدي يَكْرَهُها ولا يَنْهى عنها. وكَرِهَها أيضًا مالِكٌ، وذَكَرَ في "الموطَّأ" أنَّهُ لم يَرَ أحدًا مِن أهلِ العلمِ والفقهِ يَصومُها، قالَ: ولم يَبْلُغْني ذلكَ عن أحدٍ مِن السَّلفِ، وإنَّ أهلَ العلمِ يَكْرَهونَ ذلكَ ويَخافونَ بدعتَهُ وأنْ يُلْحِقَ برمضانَ ما ليسَ منهُ أهلُ الجهالةِ لو رَأَوْا أحدًا مِن أهلِ العلمِ يَفْعَلُ ذلكَ. وقد قيلَ: إنَّهُ كانَ يَصومُها في نفسِهِ، وإنَّما كَرِهَها على وجهٍ يُخْشى منهُ أنْ يُعْتَقَدَ فريضتُها لئلَّا يُزادَ في رمضانَ ما ليسَ منهُ.
• وأمَّا الذينَ اسْتَحَبُّوا صيامَها؛ فاخْتَلَفوا في صفةِ صيامِها على ثلاثةِ أقوالٍ:
أحدُها: أنَّهُ يُسْتَحَبُّ صيامُها مِن أوَّلِ الشَّهرِ متتابعةً. وهوَ قولُ الشَّافِعِيِّ وابنِ المُبارَكِ. وقد رُوِيَ في حديثِ أبي هُرَيْرَةَ مرفوعًا: "مَن صامَ ستَّةَ أيَّامٍ بعدَ الفطرِ متتابعةً؛ فكأنَّما صامَ السَّنةَ" (١) . خَرَّجَهُ الطَّبَرانِيُّ وغيرُهُ مِن طرقٍ ضعيفةٍ. ورُوِيَ موقوفًا. ورُوِيَ عن ابنِ عَبَّاسٍ مِن قولِهِ بمعناهُ بإسنادٍ ضعيفٍ أيضًا.
والثَّاني: أنَّهُ لا فرقَ بينَ أنْ يُتابِعَها أو يُفَرِّقَها مِن الشَّهرِ كلِّهِ، وهُما سواءٌ. وهوَ قولُ وَكيعٍ وأحْمَدَ.
والثَّالثُ: أنَّهُ لا يُصامُ عَقِيبَ يومِ الفطرِ؛ فإنَّها أيَّامُ أكلٍ وشربٍ، ولكنْ يُصامُ ثلاثةُ أيَّامٍ قبلَ أيَّامِ البيضِ أو بعدَها وأيَّامُ البيضِ (٢) . وهذا قولُ مَعْمَرٍ وعَبْدِ الرَّزَّاقِ ويُرْوى عن الحواشي
(١) (ضعيف). رواه الطبراني في "الأوسط"(٧٦٠٣) : ثنا محمّد بن إسحاق بن إبراهيم، ثني أبي، ثنا سعيد بن الصلت، ثنا الحسن بن عمرو الفقيمي، عن يزيد بن خصيفة، عن ثوبان، عن أبي هريرة … رفعه.
قال الطبراني: "تفرّد به شاذان [إسحاق بن إبراهيم] وقال: عن يزيد عن ثوبان، وإنّما يزيد عن محمّد بن عبد الرحمن بن ثوبان". وقال المنذري: "إسناد فيه نظر". وقال الهيثمي (٣/ ١٨٧): "فيه من لم أعرفه". قلت: يزيد عن ثوبان منقطع، إلّا إن كان خطأ صوابه ما ذكر الطبراني. وسعيد بن الصلت ما عرفته، والغالب أنّ صوابه سعد بن الصلت، وهذا صالح الحديث. ومحمّد بن إسحاق ما وقفت له على ترجمة، ولعلّه هو الذي لم يعرفه الهيثمي، وهو علّة السند القادحة. وقد ضعّفه المنذري وابن رجب والهيثمي.(٢) في خ: "ثلاثة أيّام قبل أيّام البيض وأيّام البيض أو بعدها"، وفي م: "ثلاثة أيّام قبل أيّام البيض أو بعدها"، والأولى ما أثبتّه من ط.стр. 485
عَطاءٍ، حتَّى رُوِيَ عنهُ أنَّهُ كَرِهَ لمَن عليهِ صيامٌ مِن قضاءِ رمضانَ أنْ يَصومَهُ ثمَّ يَصِلَهُ بصيامِ تطوُّعٍ، وأمَرَ بالفصلِ بينَهُما. وهوَ قولٌ شاذٌّ.
وأكثرُ العلماءِ على أنَّهُ لا يُكْرَهُ صيامُ ثاني يومِ الفطرِ، وقد دَلَّ عليهِ حديثُ: عِمْرانَ بن حُصَيْنٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ أنَّهُ قالَ لرجلٍ: "إذا أفْطَرْتَ فَصُمْ" (١) . وقد ذَكَرْناهُ في صيامِ آخرِ شعبانَ.
وقد سَرَدَ طائفةٌ مِن الصَّحابةِ والتَّابعينَ الصَّومَ إلَّا يومَ فطرٍ وأضحى (٢) .
وقد رُوِيَ عن أمِّ سَلَمَةَ؛ أنَّها كانَتْ تَقولُ لأهلِها: مَن كانَ عليهِ رمضانُ؛ فلْيَصُمْهُ الغدَ مِن يومِ الفطرِ، فمَن صامَ الغدَ مِن يومِ الفطرِ؛ فكأنَّما صامَ رمضانَ. وفي إسنادِهِ ضعفٌ.
وعنِ الشَّعْبِيِّ؛ قالَ: لأنْ أصومَ يومًا بعدَ رمضانَ أحبُّ إليَّ مِن أنْ أصومَ الدَّهرَ كلَّهُ.
ويُرْوى بإسنادٍ ضعيفٍ عن ابن عُمَرَ مرفوعًا: "مَن صامَ بعدَ الفطرِ يومًا؛ فكأنَّما صامَ السَّنةَ" (٣) .
وبإسنادٍ ضعيفٍ عن ابن عَبَّاسٍ مرفوعًا: "الصَّائمُ بعدَ رمضانَ كالكارِّ بعدَ الفارِّ" (٤) .
• وأمَّا صيامُ شوَّالٍ كلِّهِ؛ ففي حديثِ رجلٍ مِن قريشٍ سَمعَ النَّبيَّ ﷺ يَقولُ: "مَن صامَ رمضانَ وشوَّالًا والأربعاءَ والخميسَ؛ دَخَلَ الجنَّةَ" (٥) . خَرَّجَهُ الإمامُ أحْمَدُ الحواشي
(١) متّفق عليه. تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٣٣٣ - ٣٣٤).(٢) تقدّم (ص ٩٤) ما فيه، ومراده بإيراده هنا جواز صوم ثاني يوم الفطر، وهو كما قال.(٣) (ضعيف). لم أقف عليه، فحسبي فيه قول من وقف عليه، بل الغالب على ما عهدت من طريقة المصنّف يرحمه الله أنّه دون ذلك. وانظر ما بعده.(٤) (ضعيف جدًّا). رواه: أبو الشيخ في "الثواب"، والبيهقي في "الشعب"(٣٧٣٧) و"فضائل الأوقات"(٢٠٠) ، والديلمي في "الفردوس" (٤/ ٢٣١ - فيض)؛ من طريق ابن أبي السريّ، ثنا بقيّة بن الوليد، عن إسماعيل بن بشير، عن عكرمة، عن ابن عبّاس … رفعه.
وهذا سند واه: ابن أبي السريّ كثير الوهم، وبقيّة عنعن على تدليسه، وإسماعيل بن بشير ضعيف، وقال الألباني: "ضعيف جدًّا".(٥) (ضعيف). رواه: أحمد وابنه (٣/ ٤١٦)، والحارث (٣٣٥ - هيثمي)، والنسائي في "الكبرى" =стр. 486
والنَّسائِيُّ.
وخَرَّجَ الإمامُ أحْمَدُ وأبو داوودَ والنَّسائِيُّ والتِّرْمِذِيُّ مِن حديثِ: مُسْلِمٍ القُرَشِيِّ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ أنَّهُ سُئِلَ عن صيامِ الدَّهرِ، فقالَ: "إنَّ لأهلكَ عليكَ حقًّا، فصُم رمضانَ والذي يَليهِ وكلَّ أربعاءٍ وخميسٍ، فإذا أنتَ قد صُمْتَ الدَّهرَ وأفْطَرْتَ" (١) .
وخَرَّجَ ابنُ ماجَهْ بإسنادٍ منقطعٍ، أنَّ أُسامةَ بنَ زيدٍ كانَ يَصومُ أشهرَ الحرمِ، فقالَ لهُ رسولُ اللهِ ﷺ : "صُمْ شوَّالًا"، فتَرَكَ أشهرَ الحرمِ ثمَّ لمْ يَزَلْ يَصومُ شوَّالًا حتَّى ماتَ (٢) .
وخَرَّجَهُ أبو يَعْلى المَوْصِلِيُّ بإسنادٍ متَّصلٍ: عن أُسامَةَ؛ قالَ: كنتُ أصومُ شهرًا مِن السَّنةِ، فقالَ ليَ النَّبيُّ ﷺ : "أينَ أنتَ مِن شوَّالٍ؟ ". فكانَ أُسامَةُ ﵁ إذا أفْطَرَ الحواشي
(٢٧٧٨) ، وابن عدي (٧/ ٢٥٨١)، والبيهقي في "الشعب"(٣٨٧٠) ، والخطيب في "أوهام الجمع" (٢/ ٢٠٥)؛ من طريق هلال بن خبّاب، عن عكرمة بن خالد، ثني عريف من قريش، ثني أبي … رفعه.
قال الهيثمي (٣/ ١٩٣): "فيه من لم يسّم". قلت: وهلال كبر وتغيّر. وقد ضعّفه الألباني.(١) (ضعيف). رواه: البخاري في "التاريخ" (٧/ ٢٥٣)، وأبو داوود (٨ - الصيام، ٥٧ - صوم شوّال، ١/ ٧٣٩/ ٢٤٣٢)، والترمذي (٦ - الصوم، ٤٥ - صوم الأربعاء والخميس، ٣/ ١٢٣/ ٧٤٨)، والحارث في "المسند" (٣٣٦ - زوائد الهيثمي)، وابن أبي عاصم في "الآحاد"(٨٦٢) ، والنسائي في "الكبرى" (٢٧٧٩ و ٢٧٨٠)، وابن قانع في "المعجم" (٢/ ١٧٩/ ٦٦٦)، وابن منده في "الصحابة" (٣/ ١٧٧ - غابة)، وأبو نعيم في "المعرفة" (٣/ ١٧٧ - غابة)، والبيهقي في "الشعب" (٣٨٦٨ و ٣٨٦٩) و"فضائل الأوقات"(٢٠١) ، وابن الجوزي في "الواهيات"(٩٠٧) ، وابن الأثير في "الغابة" (٤/ ١٢٦)؛ من طريق هارون بن سلمان الفرّاء، ثنا عبيد الله بن مسلم (وقال بعضهم: مسلم بن عبيد الله) القرشي، ثني أبي … رفعه.
قال الترمذي: "حديث غريب". وقال المنذري: "رواته ثقات". قلت: عبيد الله بن مسلم مجهول، فالقول قول الترمذي، وقد ضعّفه الألباني.(٢) (ضعيف). رواه: ابن ماجه (٧ - الصيام، ٤٣ - صيام الحرم، ١/ ٥٥٥/ ١٧٤٤)، والضياء في "المختارة" (٤/ ١٤٥/ ١٣٥٩)؛ من طريق قويّة، عن محمّد بن إبراهيم بن الحارث التيميّ، أنّ أُسامة … فذكره. قال البوصيري: "إسناد رجاله ثقات وفيه مقال. قال العلائي في "المراسيل": ذكر في "التهذيب" أنّ محمّد بن إبراهيم التيميّ أرسل عن أُسامة وأُسيد بن حضير. قال شيخنا أبو زرعة: "لم يذكر في "التهذيب" أنّه أرسل عن أُسامة، وإنّما قال: روى عن أُسامة بن زيد وأُسيد بن حضير مرسل، فتوهّم العلائيّ عوده لهما، وليس كذلك، وإنّما هو عائد إلى أُسيد فقط". قلت: بل إليهما معًا، وهو ما استظهره العسقلاني في "تهذيبه"، ثمّ إنّي لم أقف على رواية لمحمّد التيميّ عن أُسامة غير هذه، وقد ساقها مرسلة، فترجّح أنّ حديثه كلّه عنه مرسل، ولذلك تابع أبو زرعة قائلًا: "نعم؛ الحديث الذي في "سنن ابن ماجه" من رواية التيميّ عن أُسامة لم يسنده إليه فليس بمتّصل". قلت: فقد اتّفقوا إذن على أنّ هذه الرواية معلولة منقطعة. وانظر ما بعده.стр. 487
رمضانَ؛ أصْبَحَ الغدَ صائمًا مِن شوَّالٍ حتَّى يَأْتِىَ على آخرِهِ (١) .
وصيامُ شوَّالٍ كصيامِ شَعْبانَ؛ لأنَّ كلا الشَّهرينِ حريمٌ لشهرِ رمضانَ، وهُما يَلِيانِهِ.
وقد ذَكَرْنا في فضلِ صيامِ شعبانَ أن الأظهرَ أن صيامَهُما أفضلُ مِن صيامِ الأشهرِ الحرمِ، والاختلافَ في ذلكَ.
• وإنَّما كانَ صيامُ رمضانَ وإتباعُهُ بستٍّ مِن شوَّالٍ يَعْدِلُ صيامَ الدَّهرِ؛ لأنَّ الحسنةَ بعشرِ أمثالِها.
وقد جاءَ ذلكَ مفسَّرًا مِن حديثِ ثوبانَ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قالَ: "صيامُ رمضانَ بعشرةِ أشهرٍ، وصيامُ ستَّةِ أيَّامٍ بشهرينِ، فذلكَ صيامُ سنةٍ" (٢) ؛ يَعْني: رمضانَ وستَّةَ أيَّامٍ بعدَهُ. خَرَّجَهُ الإمامُ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ - وهذا لفظُهُ - وابنُ حِبَّانَ في "صحيحِهِ"، وصَحَّحَهُ أبو حاتِمٍ الرَّازِيُّ. وقالَ الإمامُ أحْمَدُ: ليسَ في أحاديثِ البابِ أصحُّ منهُ. وتَوَقَّفَ فيهِ في روايةٍ أُخرى. الحواشي
(١) (ضعيف). لم أقف عليه في مطبوع "مسند أبي يعلى" فلعلّه في "مسنده الكبير"، لكن ساق البوصيريّ رحمة الله عليه طريقه فكفانا مؤنة الحدس والرجم بالغيب فقال: "رواه أبو يعلى في "مسنده" من طريق محمّد بن إسحاق، عن أبي محمّد بن أُسامة، عن جدّه أُسامة … به مرفوعًا". وهذا سند واهٍ وإن سلمت الطريق إلى ابن إسحاق: فابن إسحاق عنعن علي تدليسه. وأبو محمّد بن أُسامة لم أقف له على ذكر، والغالب على الظنّ أنّه تحريف صوابه محمّد بن أسامة بن محمّد بن أسامة، فهذا الذي ذكر أهل التواريخ رواية ابن إسحاق عنه، وهو رجل مجهول، وروايته عن أسامة بن زيد منقطعة، بينه وبينه أبوه وجده، وأبوه مجهول مثله، فالسند واه بمرة بعنعنة مدلس ومجهولين أو بعنعنة مدلس وانقطاع أو إعضال.
فالطريق المتقدّمة آنفًا منقطعة، وهذه واهية راجحة الانقطاع في الموضع نفسه، بل لا يبعد أنّ التيميّ في الطريق الأولى تلقّاه عن أبي محمد في الثانية، فتعود الطريقان واحدة. وإلى تقوية الحديث بطريقيه مال ابن رجب والبوصيري والسيوطي والمناوي، وقد تقدّم لك ما فيهما، وضعّفه الألباني، وهو الأولى بقواعد المصطلح. والله أعلم.(٢) (صحيح). رواه: أحمد (٥/ ٢٨٠)، والدارمي (٢/ ٢١)، وابن ماجه (٧ - الصيام، ٣٣ - صيام ستّة أيّام، ١/ ٥٤٧/ ١٧١٥)، والنسائي في "الكبرى" (٢٨٦٠ و ٢٨٦١)، وابن خزيمة(٢١١٥) ، والروياني(١٣٤) ، والطحاوي في "مشكل الآثار" (٣/ ١١٩)، وابن حبّان(٣٦٣٥) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (٢/ ١٠٢/ ١٤٥١) و"الشاميين" (٤٨٥ و ٨٩٨ و ٩٠٣)، والبيهقي في "الشعب" (٣٧٣٥ و ٣٧٣٦) و"السنن" (٤/ ٢٩٣)، والخطيب في "التاريخ" (٢/ ٣٦٢)؛ من طرق قويّة، عن يحيى بن الحارث، أني أبو أسماء الرحبي، عن ثوبان … رفعه بهذا اللفظ وبنحوه.
وهذا سند صحيح، صحّحه أحمد وأبو حاتم وابن خزيمة وابن حبّان والمنذري والبوصيري والألباني.стр. 488
ولا فرقَ في ذلكَ بينَ أنْ يَكونَ شهرُ رمضانَ ثلاثينَ أو تسعًا وعشرينَ. وعلى هذا حَمَلَ بعضُهُم قولَ النَّبيِّ ﷺ : "شهرا عيدٍ لا يَنْقُصانِ؛ رمضانُ، وذو الحجَّةِ" (١) ، وقالَ: المرادُ كمالُ أجرِهِ، سواءٌ كانَ ثلاثينَ أو تسعًا وعشرينَ. وأنَّهُ إذا أُتِّبِعَ بستَّةِ أيَّامٍ مِن شوَّالٍ؛ فإنَّهُ يَعْدِلُ صيامَ الدَّهرِ على كلِّ حالٍ. وكَرِهَ إسْحاقُ بنُ راهَوَيْهِ أنْ يُقالَ لشهرِ رمضانَ إنَّهُ ناقصٌ وإنْ كانَ تسعًا وعشرينَ لهذا المعنى.
فإن قالَ قائلٌ: فلو صامَ هذهِ السِّتَّةَ أيَّامٍ مِن غيرِ شوَّالٍ يَحْصُلُ لهُ هذا الفضلُ؛ فكيفَ خُصَّ صيامُها مِن شوَّالٍ؟ قيلَ: صيامُها مِن شوَّالٍ يَلْتَحِيُّ بصيامِ رمضانَ في الفضلِ (٢) ، فيَكونُ لهُ أجرُ صيامِ الدَّهرِ فَرَضًا. ذَكَرَ ذلكَ ابنُ المُبارَكِ، وذَكَرَ أنَّهُ في بعضِ الحديثِ، حَكاهُ عنهُ التِّرْمِذِيُّ في "جامعه". ولعلَّهُ أشارَ إلى ما رُوِيَ عن أُمِّ سَلَمَةَ؛ أنَّ مَن صامَ الغدَ مِن يومِ الفطرِ؛ فكأنَّما صامَ رمضانَ (٣) .
• وفي معاودةِ الصِّيامِ بعدَ رمضانَ فوائدُ عديدةٌ:
* منها: أن صيامَ ستَّةِ أيَّامٍ مِن شوَّالٍ بعدَ رمضانَ يُسْتكمَلُ بها أجرُ صيامِ الدَّهرِ كلِّهِ كما سَبَقَ.
* ومنها: أن صيامَ شوَّالٍ وشعبانَ كصلاةِ السُّننِ الرَّواتبِ قبلَ الصَّلاةِ المفروضةِ وبعدَها، فيَكْمُلُ بذلكَ ما حَصَلَ في الفرضِ مِن خللٍ ونقصٍ. فإنَّ الفرائضَ تُكْمَلُ بالنَّوافلِ يومَ القيامةِ، كما وَرَدَ ذلكَ عن النَّبيِّ ﷺ مِن وجوهٍ متعدِّدةٍ (٤) . وأكثرُ النَّاسِ في صيامِهِ للفرضِ نقصٌ وخللٌ، فيَحْتاجُ إلى ما يَجْبُرُهُ ويُكْمِلُهُ مِن الأعمالِ.
ولهذا نَهى النَّبيُّ ﷺ أنْ يَقولَ الرَّجلُ: صُمْتُ رمضانَ كلَّهُ أو قُمْتُهُ كلَّهُ. قالَ الصَّحابيُّ: فلا أدْري؛ أكَرِهَ التَّزكيةَ أم لا بدَّ مِن غفلةٍ (٥) . وكانَ عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزيزِ رَحِمَهُ الحواشي
(١) رواه: البخاري (٣٠ - الصوم، ١٢ - شهرا عيد لا ينقصان، ٤/ ١٢٤/ ١٩١٢)، ومسلم (١٣ - الصيام، ٧ - معنى قوله شهرا عيد لا ينقصان، ٢/ ٧٦٦/ ١٠٨٩)؛ من حديث أبي بكرة.(٢) في خ: "في أجر الفضل"! وقد تقدّم هذا الكلام. وبيان ما فيه (ص ٣٠٨).(٣) (ضعيف). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٤٩٠).(٤) انظر لهذا: "جامع الأصول" (١٠/ ٤٣٤/ ٧٩٦٤ - ٧٩٦٦).(٥) (ضعيف). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٤٨٥).стр. 489
اللهُ يَقولُ: مَن لم يَجِدْ ما يَتَصَدَّقُ بهِ فلْيَصُمْ (١) . يَعْني: مَن لم يَجِدْ ما يُخْرِجُهُ صدقةً [لـ]ـــــلفطرِ في آخرِ رمضانَ فلْيَصُمْ بعدَ الفطرِ؛ فإنَّ الصِّيامَ يَقومُ مقامَ الإطعامِ في التَّكفيرِ للسَّيِّئاتِ كما يَقومُ مقامَهُ في كفَّاراتِ الأيمانِ وغيرِها مِن الكفَّاراتِ مثلِ كفَّارةِ القتلِ والوطءِ في رمضانَ والظِّهارِ.
* ومنها: أن معاودةَ الصِّيامِ بعدَ صيامِ رمضانَ علامةٌ على قبولِ صومِ رمضانَ؛ فإنَّ الله إذا تَقَبَّلَ عملَ عبدٍ وَفَّقَهُ لعملٍ صالحٍ بعدَهُ، كما قالَ بعضُهُم: ثوابُ الحسنةِ الحسنةُ بعدَها، فمَن عَمِلَ حسنةً ثمَّ أتْبَعَها بحسنةٍ بعدَها؛ كانَ ذلكَ علامةً على قبولِ الحسنةِ الأُولى، كما أن مَن عَمِلَ حسنةً ثمَّ أتْبَعَها بسيِّئةٍ؛ كانَ ذلكَ علامةَ ردِّ الحسنةِ وعدمِ قبولِها.
* ومنها: أن صيامَ رمضانَ يُوجِبُ مغفرةَ ما تَقَدَّمَ مِن الذُّنوبِ كما سَبَقَ ذكرُهُ، وأنَّ الصَّائمينَ لرمضانَ يُوَفَّوْنَ أُجورَهُم في يومِ الفطرِ، وهوَ يومُ الجوائزِ. فيَكونُ معاودةُ الصِّيامِ بعدَ الفطرِ شكرًا لهذهِ النِّعمةِ، فلا نعمةَ أعظمُ مِن مغفرةِ الذُّنوبِ.
كانَ النَّبيُّ ﷺ يَقومُ حتَّى تتوَرَّمَ قدماهُ، فيُقالُ لهُ: أتَفْعَلُ ذلكَ وقد غَفَرَ اللهُ لكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذنبِكَ وما تَأخَّرَ؟ فيَقولُ: "أفلا أكونُ عبدًا شكورًا؟ " (٢) .
وقد أمَرَ اللهُ سبحانَهُ عبادَهُ بشكرِ نعمةِ صيامِ رمضانَ بإظهارِ ذكرِهِ وغيرِ ذلكَ مِن أنواعِ شكرِهِ، فقالَ تَعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. فمِن جملةِ شكرِ العبدِ لربِّهِ على توفيقِهِ لصيامِ رمضان وإعانتِهِ عليهِ ومغفرةِ ذنوبِهِ أنْ يَصومَ لهُ شكرًا عقيبَ ذلكَ.
كانَ بعضُ السَّلفِ إذا وُفِّقَ لقيامِ ليلةٍ مِن الليالي؛ أصْبَحَ في نهارِها صائمًا، ويَجْعَلُ صيامَهُ شكرًا للتَّوفيقِ للقيامِ. الحواشي
(١) إن صحّ هذا عن عمر بن عبد العزيز؛ فإنّما قاله لتطييب قلب من لم يجد ما ينفقه زكاة لفطره وجبر إحساسه بنقص صومه. والأصل أنّ من لم يجد ما ينفقه زكاة لفطره فلا صيام عليه ولا غيره.(٢) رواه: البخاري (١٩ - التهجّد، ٦ - قيام النبيّ ﷺ ، ٣/ ١٤/ ١١٣٩)، ومسلم (٥٠ - المنافقين، ١٨ - إكثار الأعمال، ٤/ ٢١٧١/ ٢٨١٩)؛ من حديث المغيرة بن شعبة.стр. 490
وكانَ وُهَيْبُ بنُ الوَرْدِ يُسْألُ عن ثوابِ شيءٍ مِن الأعمالِ كالطَّوافِ ونحوِهِ، فيَقولُ: لا تَسْألوا عن ثوابِهِ، ولكنْ سَلُوا ما الذي على مَن وُفِّقَ لهذا العملِ مِن الشُّكرِ للتَّوفيقِ والإعانةِ عليهِ.
إذا أنْتَ لَمْ تَزْدَدْ عَلى كُلِّ نِعْمَةٍ … لِمُولِيكَها شُكْرًا فَلَسْتَ بِشاكِرِ
كلُّ نعمةٍ على العبدِ مِن اللهِ في دينٍ أو دنيا تَحْتاجُ إلى شكرٍ عليها، ثمَّ التَّوفيقُ للشُّكرِ عليها نعمةٌ أُخرى تَحْتاجُ إلى شكرٍ ثانٍ، دمَّ التَّوفيقُ للشُّكرِ الثَّاني نعمةٌ أُخرى تَحْتاجُ إلى شكرٍ آخرَ … وهكذا أبدًا، فلا يَقْدِرُ العبادُ على القيامِ بشكرِ النِّعمِ.
وحقيقةُ الشُّكرِ الاعترافُ بالعجزِ عن الشُّكرِ، كما قيلَ:
إذا كانَ شُكْري نِعْمَةَ اللهِ نِعْمَةً … عَلَيَّ لَهُ في مِثْلِها يَجِبُ الشُّكْرُ
فَكَيْفَ بُلوغُ الشُّكْرِ إلَّا بِفَضْلِهِ … وَإنْ طالَتِ الأيَّامُ وَاتَّصَلَ العُمْرُ
قالَ أبو عَمْرٍو الشَّيْبانِيُّ: قالَ موسى ﵇ يومَ الطُّورِ: يا ربِّ! إنْ أنا صَلَّيْتُ فمِن قِبَلِكَ، وإنْ أنا تَصَدَّقْتُ فمِنْ قِبَلِكَ، وإنْ بَلَّغْتُ رسالاتِكَ فمِن قِبَلِكَ؛ فكَيْفَ أشْكُرُكَ؟ قالَ: يا موسى! الآنَ شَكَرْتَني.
فأمَّا مقابلةُ نعمةِ التَّوفيقِ لصيامِ رمضانَ بارتكابِ المعاصي بعدَهُ؛ فهوَ مِن فعلِ مَن بَدَّلَ نعمةَ اللهِ كفرًا. فإنْ كانَ قد عَزَمَ في صيامِهِ على معاودةِ المعاصي بعدَ انقضاءِ الصِّيامِ؛ فصيامُهُ عليهِ مردودٌ وبابُ الرَّحمةِ في وجهِهِ مسدودٌ.
قالَ كعبٌ: مَن صامَ رمضانَ وهوَ يُحَدِّثُ نفسَهُ أنَّهُ إذا أفْطَرَ رمضانَ أنْ لا يَعْصِيَ الله؛ دَخَلَ الجنَّةَ بغيرِ مسألةٍ ولا حسابٍ، ومَن صامَ رمضانَ وهوَ يُحَدِّثُ نفسَهُ أنَّهُ إذا أفْطَرَ عَصى الله؛ فصيامُهُ عليهِ مردودٌ.
* ومنها: أن الأعمالَ التي كانَ العبدُ يَتَقَرَّبُ بها إلى ربِّهِ في شهرِ رمضانَ لا تَنْقَطِعُ بانقضاءِ رمضانَ، بل هيَ باقيةٌ بعدَ انقضائِهِ ما دامَ العبدُ حيًّا.
وهذا معنى الحديثِ المتقدِّمِ؛ أن الصَّائمَ بعدَ رمضانَ كالكارِّ بعدَ الفارِّ (١) ؛ يَعْني: الحواشي
(١) (ضعيف جدًّا). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٤٩٠).стр. 491
كالذي يَفِرُّ مِن القتالِ في سبيلِ اللهِ ثمَّ يَعودُ إليهِ، وذلكَ لأنَّ كثيرًا مِن النَّاسِ يَفْرَحُ بانقضاءِ شهرِ رمضانَ لاستثقالِ الصِّيامِ ومللِهِ وطولِهِ عليهِ، ومَن كانَ كذلكَ؛ فلا يَكادُ يَعودُ إلى الصِّيامِ سريعًا، فالعائدُ إلى الصِّيامِ بعدَ فطرِهِ يومَ الفطرِ يَدُلُّ عودُهُ على رغبتِهِ في الصِّيامِ وأنَّهُ لم يَمَلَّهُ ولم يَسْتَثْقِلْهُ ولا تَكَرَّهَ بهِ.
وفي حديثِ خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ مرفوعًا: "أحبُّ الأعمالِ إلى اللهِ الحالُّ المرتحلُ" (١) . وفُسِّرَ بصاحبِ القرآنِ يَضْرِبُ مِن أوَّلِهِ إلى آخرِهِ ومِن آخرِهِ إلى أوَّلِهِ، فكلَّما حَلَّ ارْتَحَلَ (٢) . والعائدُ إلى الصِّيامِ سريعًا بعدَ فراغِ صيامِهِ شبيهٌ بقارئ القرآنِ إذا فَرَغَ مِن قراءتِهِ ثمَّ عادَ إليهِ في المعنى. واللهُ أعلمُ.
قيلَ لبِشْرٍ: إنَّ قومًا يَتَعَبَّدونَ ويَجْتَهِدونَ في رمضانَ. فقالَ: بئسَ القومُ قومٌ لا يَعْرِفونَ للهِ حقًّا إلَّا في شهرِ رمضانَ، إنَّ الصَّالحَ الذي يَتَعَبَّدُ ويَجْتَهِدُ السَّنةَ كلَّها.
وسُئِلَ الشِّبْلِيُّ: أيُّما أفضلُ؛ رجبٌ أو شعبانُ؟ فقالَ: كُنْ ربَّانيًّا، ولا تَكُنْ الحواشي
(١) (ضعيف). رواه: الترمذي (٤٧ - القراءات، ١٣ - باب، ٥/ ١٩٧/ ٢٩٤٨)، والطبراني (١٢/ ١٣٠/ ١٢٧٨٣)، والرامهرمزي في "الأمثال"(٨٥) ، وأبو نعيم في "الحلية" (٢/ ٢٦٠، ٦/ ١٧٤)، والحاكم (١/ ٥٦٨)، والبيهقي في "الشعب" (٢٠٠١ و ٢٠٦٩)، والمزّي في "التهذيب" (٣٠/ ٣٨٥)، والذهبي في "النبلاء" (٤/ ٥١٦)؛ من طرق، عن صالح المزي، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن ابن عبّاس … رفعه. قال الترمذي والحاكم وأبو نعيم: "تفرّد به صالح المرّي". وقال الذهبي: "صالح متروك". قلت: هذه علّة، وهاهنا علّة أُخرى فقد رواه: الدارمي (٢/ ٤٦٩)، والترمذي (الموضع السابق)؛ عن صالح، عن قتادة، عن زرارة … مرسلًا. قال الترمذي: "هذا عندي أصحّ".
ورواه الحاكم (١/ ٥٦٩) من طريق مقدام بن داوود الرعيني، عن خالد بن نزار، عن الليث بن سعد، عن مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن الأعرج، عن أبي هريرة … رفعه. قال الذهبي: "لم يتكلّم عليه الحاكم، وهو موضوع على سند الصحيحين، والمقدام متكلّم فيه، والآفة منه".
ورواه ابن المبارك في "الزهد"(٨٠٠) : أنا إسماعيل بن رافع، عن رجل من الإسكندريّة، عن النبيّ ﷺ . وإسماعيل واهٍ، وفيه الرجل المبهم، ثمّ هو مرسل بعد ذلك أو معضل.
وجملة القول أنّ الحديث جاء عن النبيّ ﷺ من أوجه ثلاثة شديدة الضعف لا يفيدها اجتماعها قوّة، ولذلك ضعّفه الترمذي والحاكم وأبو نعيم والذهبي والألباني.(٢) جاء في حاشية خ هنا: "وقال الشيخ محيي الدين النووي في كتابه "آداب حملة القرآن": يستحبّ إذا فرغ من الختمة أن يشرع في أُخرى عقيب الختمة، فقد استحبّه السلف واحتجّوا فيه بحديث أنس ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: خير الأعمال الحل والرحلة. قيل: وما هما؟ قال: افتتاح القرآن وختمه".стр. 492
شعبانيًّا. ثمَّ أنْشَدَ:
إذا كُنْتُ في حَرْبِ الهَوى مُتَجَرِّدًا … فَفي كُلِّ أرْضٍ لِيَ ثَغْرٌ وَطَرْسُوسُ (١)
• كانَ النَّبيُّ ﷺ عملُهُ ديمةٌ. وسُئِلَتْ عائِشَةُ: هل كانَ النَّبيُّ ﷺ يَخُصُّ يومًا مِن الأيَّامِ؟ فقالَتْ: لا؛ كانَ عملُهُ ديمةً (٢) . وقالَتْ: كانَ النَّبيُّ ﷺ لا يَزيدُ في رمضانَ ولا غيرِهِ على إحدى عشرةَ ركعةً (٣) .
وقد كانَ النَّبيُّ ﷺ يَقْضي ما فاتَهُ مِن أورادِهِ في رمضانَ في شوَّالٍ، فتَرَكَ في عامٍ اعتكافَ العشرِ الأواخرِ مِن رمضانَ، ثمَّ قضاهُ في شوَّالٍ، فاعْتكَفَ العشرَ الأوَّلَ منهُ (٤) .
وسَألَ رجلًا: هل صامَ مِن سررِ شعبانَ شيئًا؟ فقالَ: لا. فأمَرَهُ أنْ يَصومَ إذا أفْطَرَ (٥) . يَعْني: يَقْضي ما فاتَهُ مِن صيامِ شعبانَ في شوَّالٍ.
وقد تَقَدَّمَ عن أُمِّ سَلَمَةَ أنَّها كانَتْ تَأْمُرُ أهلَها مَن كانَ عليهِ قضاءٌ مِن رمضانَ أنْ يَقْضِيَهِ الغدَ مِن يومِ الفطرِ.
فمَن كانَ عليهِ قضاءٌ مِن شهرِ رمضانَ؛ فلْيَبْدَأْ بقضائِهِ في شوَّالٍ؛ فإنَّهُ أسرعُ لبراءةِ ذمَّتِهِ، وهوَ أولى مِن التَّطوُّعِ بصيامِ ستٍّ مِن شوَّالٍ؛ فإنَّ العلماءَ اخْتَلَفوا فيمَن عليهِ صيامٌ مفروضٌ هل يَجوزُ أنْ يَتَطَوَّعَ قبلَهُ أم لا؟ وعلى قولِ مَن جَوَّزَ التَّطوُّعَ قبلَ القضاءِ؛ فلا يَحْصُلُ مقصودُ صيامِ ستَّةِ أيَّامٍ مِن شوَّالٍ إلَّا لمَن أكْمَلَ صيامَ رمضانَ ثمَّ أتْبَعَهُ ستًّا مِن شوَّالٍ (٦) ، فمَن كانَ عليهِ قضاءٌ مِن رمضانَ ثمَّ بَدَأ بصيامِ ستٍّ مِن شوَّالٍ تطوُّعًا؛ لم الحواشي
(١) في خ: "فكلّ أرض لي ثغر وطرسوس"! وفي م: "فكلّ أرضي ثغر لي وطرسوس"! ولا يستقيم الوزن إلّا بما أثبتّه. وطرسوس مدينة اقتتل عليها المسلمون والأرمن مرارًا.(٢) رواه: البخاري (٣٠ - الصوم، ٦٤ - هل يخصّ شيئًا، ٤/ ٢٣٥/ ١٩٨٧)، ومسلم (٦ - المسافرين، ٣٠ - فضيلة العمل الدائم، ١/ ٥٤١/ ٧٨٣).(٣) رواه: البخاري (١٩ - التهجّد، ١٦ - قيامه ﷺ ، ٣/ ٣٣/ ١١٤٧)، ومسلم (٦ - المسافرين، ١٧ - صلاة الليل، ١/ ٥٠٩/ ٧٣٨).(٤) رواه: البخاري (٣٣ - الاعتكاف، ٦ - اعتكاف النساء، ٤/ ٢٧٥/ ٢٠٣٣)، ومسلم (١٤ - الاعتكاف، ٢ - متى يدخل من أراد الاعتكاف، ٢/ ٨٣١/ ١٧٣)؛ من حديث عائشة.(٥) متفق عليه. تقدّم بلفظه وتخريجه (ص ٣٣٣ - ٣٣٤).(٦) لأنّه ظاهر الحديث.стр. 493
يَحْصُلْ لهُ ثوابُ مَن صامَ رمضانَ ثمَّ أتْبَعَهُ بستٍّ مِن شوَّالٍ؛ حيثُ لم يُكْمِلْ عدَّةَ رمضانَ، كما لا يَحْصُلُ لمَن أفْطَرَ رمضانَ لعذرٍ بصيامِ ستَّةِ أيَّامٍ مِن سوَّالٍ أجرُ صيامِ السَّنةِ بغيرِ إشكالٍ (١) . ومَن بَدَأ بالقضاءِ في شوَّالٍ، ثمَّ أرادَ أنْ يُتْبعَ ذلكَ بصيامِ ستٍّ مِن شوَّالٍ بعدَ تكملةِ قضاءِ رمضانَ؛ كانَ حسنًا؛ لأنَّهُ يَصيرُ حينئذٍ قد صامَ رمضانَ وأتْبَعَهُ بستٍّ مِن شوَّالٍ. ولا يَحْصُلُ لهُ فضلُ صيامِ ستٍّ مِن شوَّالٍ بصومِ قضاءِ رمضانَ؛ لأنَّ صيامَ السِّتِّ مِن شوَّالٍ إنَّما يَكونُ بعدَ إكمالِ عدَّةِ رمضانَ.
عملُ المؤمنِ لا يَنْقَضي حتَّى يَأْتِيَهُ أجلُهُ.
قالَ الحَسَنُ: إنَّ الله لمْ يَجْعَلْ لعملِ المؤمنِ أجلًا دونَ الموتِ، ثمَّ قَرَأ ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩].
هذهِ الشُّهورُ والأعوام والليالي والأيَّام كلُّها مقاديرُ للآجال ومواقيتُ للأعمال، ثمَّ تَنْقَضي سريعًا وتَمْضي جميعًا. والذي أوْجَدَها وابْتَدَعَها وخَصَّها بالفضائلِ وأوْدَعَها باقٍ لا يَزول ودائمٌ لا يَحول، هوَ في جميعِ الأوقاتِ إلهٌ واحد ولأعمالِ عبادِهِ رقيبٌ مشاهد. فسبحانَ مَن قَلَّبَ عبادَهُ في اختلافِ الأوقاتِ بينَ وظائفِ الخِدَم (٢) ؛ لِيُسْبغَ عليهِم فيها فواضلَ النِّعم، ويُعامِلَهُم بنهايةِ الجودِ والكرم.
لمَّا انْقَضَتِ الأشهرُ الثَّلاثةُ الكرام، التي أوَّلُها الشَّهرُ الحرامُ وآخرُها شهرُ الصِّيام؛ أقْبَلَتْ بعدَها الأشهرُ الثَّلائهُ أشهرُ الحجّ إلى البيتِ الحرام. فكما أن مَن صامَ رمضانَ وقامَهُ غُفِرَ لهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذنبِه، فمَن حَجَّ البيتَ ولمْ يَرْفُثْ ولمْ يَفْسُقْ رَجَعَ مِن ذنوبِهِ كيومَ وَلَدَتْهُ أُمُّه. فما يَمْضي مِن عمرِ المؤمنِ ساعةٌ مِن السَّاعات إلَّا وللهِ عليهِ فيها وظيفةٌ مِن وظائفِ الطَّاعات، فالمؤمنُ يَتَقَلَّبُ بينَ هذهِ الوظائف ويَتَقَرَّبُ بها إلى مولاهُ وهوَ راجٍ خائف.
المحبُّ لا يَمَلُّ مِن التَّقرُّبِ بالنَّوافلِ إلى مولاه، ولا يَأْمَلُ إلَّا قربَهُ ورضاه. الحواشي
(١) الأصل أن يوكل مثل هذا إلى الله جلّ وعلا؛ فإنّه أمر بين العبد وربّه، والربّ كريم، فإن صدقت النيّة لحق المعذور بالصائم والنائم بالقائم، وربّما جاوزه درجات، وكم وكم سبق درهم ألف درهم!(٢) جمع خدمة، وقد تقدّم (ص ٤٢٥ - ٤٢٦) الكلام في لفظ "الخدمة".стр. 494
ما للمُحِبِّ سِوى إرادَةِ حِبِّهِ (١) … إنَّ المُحِبَّ بِكُلِّ بِرٍّ يَضْرَعُ
كلُّ وقتٍ يُخْليهِ العبدُ مِن طاعةِ مولاهُ فقد خَسِرَه، وكلُّ ساعةٍ يَغْفُلُ فيها عن ذكرِ اللهِ تَكونُ عليهِ يومَ القيامةِ تِرَة. فوا أسفاهُ على زمانٍ ضاعَ في غيرِ طاعتِه! ووا حسرتاهُ على وقتٍ فاتَ في غيرِ خدمتِه (٢) !
مَنْ فاتَهُ أنْ يَراكَ يَوْمًا … فَكُلُّ أوْقاتِهِ فَواتُ
وَحَيْثُما كُنْت مِنْ بِلادٍ … فلي إلى وَجْهِكَ الْتِفاتُ
مَن عَمِلَ طاعةً مِن الطَّاعاتِ وفَرَغَ منها؛ فعلامةُ قبولِها أنْ يَصِلَها بطاعةٍ أُخرى، وعلامةُ ردِّها أنْ يُعْقِبَ تلكَ الطَّاعةَ بمعصيةٍ.
ما أحْسَنَ الحسنةَ بعدَ السَّيِّئةِ تَمْحُوها! وأحْسَنُ منها الحسنةُ بعدَ الحسنةِ تَتْلوها.
وما أقْبَحَ السَّيِّئةَ بعدَ الحسنةِ تَمْحَقُها وتَعْفوها!
ذنبٌ واحدٌ بعدَ التَّوبةِ أقبحُ مِن سبعينَ ذنبًا قبلَها.
النَّكسةُ أصعبُ مِن المرضِ وربَّما أهْلَكَتْ.
سَلُوا الله الثَّباتَ على الطَّاعاتِ إلى المماتِ، وتَعَوَّذوا بهِ مِن تَقَلُّبِ القلوبِ ومِنَ الحورِ بعدَ الكورِ.
ما أوحشَ ذلَّ المعصيةِ بعدَ عزِّ الطَّاعة، وأفحشَ فقرَ الطَّمعِ بعدَ غنى القناعة!
ارْحَموا عزيزَ قومٍ بالمعاصي ذَلَّ، وغنيَّ قومٍ بالذُّنوبِ افْتَقَرَ.
تَرى الحَيَّ الأُلَى بانوا (٣) … عَلى العَهْدِ كَما كانوا
أمِ الدَّهْرُ بِهِمْ خانَ … وَدَهْرُ المَرْءِ خَوَّانُ
إذا عَزَّ بِغَيْرِ اللـ … ــــــــــــهِ يَوْمًا مَعْشَرٌ هانوا
يا شبابَ التَّوبةِ! لا تَرْجِعوا إلى ارتضاعِ ثدي الهوى [مِن] بعدِ الفطام؛ فالرَّضاعُ إنَّما يَصْلُحُ للأطفالِ لا للرِّجال! ولكنْ لا بدَّ مِن الصَّبرِ على مرارةِ الفطامِ، فإنْ صَبَرْتُمْ؛ الحواشي
(١) بكسر الحاء؛ أي: محبوبه.(٢) تقدّم (ص ٤٢٥ - ٤٢٦) الكلام فيما في لفظ "الخدمة" هنا من إشكال.(٣) الأُلى بانوا: الذين بانوا.стр. 495
تَعَوَّضْتُم عن لذَّةِ الهوى بحلاوةِ الإيمانِ في القلوبِ. مَن تَرَكَ للهِ شيئًا؛ لم يَجِدْ فقدَهُ وعَوَّضَهُ اللهُ خيرًا منهُ. ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧٠]. وفي الحديثِ: "النَّظرُ سهمٌ مسمومٌ مِن سهامِ إبْليسَ، مَن تَرَكَهُ مِن خوفِ اللهِ؛ أعْطاهُ اللهُ إيمانًا يَجِدُ حلاوتَهُ في قلبِهِ" (١) . خرَّجَهُ الإمامُ أحْمَدُ.
وهذا الخطابُ للشَّبابِ. فأمَّا الشيخُ إذا عاوَدَ المعاصيَ بعدَ انقضاءِ رمضانَ؛ فهوَ أقبحُ وأقبحُ؛ لأنَّ الشَّبابَ يُؤَمِّلُ معاودةَ التَّوبةِ في آخرِ عمرِهِ، وهوَ مخاطرٌ؛ فإنَّ الموتَ قد يُعاجِلُهُ وقد يَطْرُقُهُ بغتةً. فأمَّا الشَّيخُ؛ فقد شارَفَ مركبُهُ ساحلَ بحرِ المنونِ؛ فماذا الحواشي
(١) (ضعيف جدًّا). وقد جاء من حديث جماعة من الصحابة:
• فرواه عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي واضطرب فيه على أربعة وجوه: روى أوّلها: الحاكم (٤/ ٣١٣)، والقضاعي(٢٩٢) ، وابن الجوزي في "ذمّ الهوى" (ص ١١٦)، والذهبي في "الميزان" (١/ ١٩٤) تعليقًا؛ عنه، عن محارب بن دثار، عن صلة بن زفر، عن حذيفة … رفعه. قال الحاكم: "صحيح الإسناد"، وأقرّه العراقي، وضعّفه المنذري، وقال الذهبي: في الطريق إليه "إسحاق بن عبد الواحد القرشي واه، وعبد الرحمن هو الواسطي ضعّفوه". وروى الثاني الطبراني (١٠/ ١٧٣/ ١٠٣٦٢) عنه، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن ابن مسعود … رفعه بنحوه. قال الهيثمي (٨/ ٦٦): "فيه عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي وهو ضعيف". وروى الثالث القضاعي(٢٩٣) عنه، عن محارب بن دثار، عن ابن عمر … رفعه. وروى الرابع ابن الجوزي في "ذمّ الهوى" (ص ١١٦) عنه، عن النعمان بن سعد، عن علي … رفعه وجعله قدسيًّا. وما من حاجة هنا إلى دراسة الطرق والترجيح؛ فإنّ الواسطيّ هذا واه منكر الحديث.
• ورواه: أبو نعيم في "الحلية" (٦/ ١٠١)، وابن الجوزي في "ذم الهوى" (ص ١١٥ - ١١٦)؛ من طريق أبي مهدي سعيد بن سنان، عن أبي الزاهرية، عن كثير بن مرّة، عن ابن عمر … رفعه. وأبو مهدي هذا متّهم رموه بالوضع.
• ورواه: أحمد (٥/ ٢٦٤)، والطبراني (٨/ ٢٠٨/ ٧٨٤٢)، والبيهقي في "الشعب"(٥٤٣١) ، وابن الجوزي في "ذم الهوى" (ص ١١٥ و ١١٦)؛ من طريق يحيى بن أيّوب، عن عبيد الله بن زحر، عن عليّ بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أُمامة … رفعه. قال الهيثمي (٨/ ٦٦): "فيه عليّ بن يزيد الألهاني وهو متروك".
قلت: ويحيى وعبيد الله والقاسم فيهم ضعف.
• ورواه ابن الجوزي في "ذمّ الهوى" (ص ١١٦ و ١١٧) من طريق عصمة بن محمّد، ثنا موسى بن عقبة، عن القاسم بن محمّد، عن عائشة … رفعته. وعصمة هذا متّهم متروك.
• ورواه ابن الجوزي في "ذم الهوى" (ص ٧٩) من طريق عبد العزيز بن عبد الرحمن القرشي، عن خصيف، عن أنس … رفعه مختصرًا. والقرشيّ متهم متروك، وخصيف ليّن روايته عن أنس منقطعة.
فطرق الحديث شديدة الضعف لا يصلح شيء منها للاعتبار كما ترى، فاجتماعها لا يضيف للحديث قوّة، ولذلك ضعّفه المنذري والذهبي والهيثمي، وقال الألباني: "ضعيف جدًّا".следующие страницы →