وعن أبي عبد الرّحمن السّلميّ، عنه أنّه كان يقول: لا تخلطوا بالقرآن ما ليس فيه، فإنّما هما معوّذتان تعوّذ بهما النّبيّ ﷺ : (قل أعوذ بربّ الفلق) و (قل أعوذ بربّ النّاس)، وكان عبد الله يمحوها من المصحف (١).
فابن مسعود يعلم المعوّذتين، ويقرّ بكون النّبيّ ﷺ أمر بالتّعوّذ بهما، لكنّه ينكر أن تكونا من القرآن، ولا ريب أنّ مثل هذا عظيم الخطر، لكنّه ﵁ خفيه أن تكونا قرآنا، وغيره كان أعلم بهما وأنّهما كانتا من القرآن، بل اتّفاق الجميع، وكفى به برهانا على غلط ابن مسعود، فروايته للقرآن عن النّبيّ ﷺ ناقصة، والفرد مهما بلغ في العلم والمعرفة؛ فإنّه يفوته الشّيء من ذلك، وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ.
ولا يردنّ في خاطرك أن يكون ما ذكره ابن عبّاس من أنّ ابن مسعود شهد العرضة الأخيرة فعلم ما نسخ، فكان المعوّذتان ممّا نسخ، فإنّهما لو كانتا كذلك في نظر ابن مسعود لكان ذلك أقوى في حجّته على نفيهما من المصحف، ولما احتاج أن يعلّل نفيهما بكونهما دعاء أوحي إلى النّبيّ ﷺ ليستا بقرآن، ثمّ إنّ المنسوخ قرآن أيضا لكنّه نسخ، وليس هكذا قول ابن
стр. 107
مسعود في المعوّذتين.
فحاصل هذا أنّ ابن مسعود لم يعلم، وغيره قد علم، ومن علم حجّة على من لم يعلم، وممّا يبطل مذهب ابن مسعود في المعوّذتين إضافة إلى مخالفته إجماع عامّة الصّحابة، أدلّة أخرى، منها:
ما ثبت عن النّبيّ ﷺ في الحديث صراحة أنّهما قرآن، وأنّه كان يقرأ بهما في الصّلاة، كما جاء عن عقبة بن عامر الجهنيّ، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ :
«أنزل عليّ آيات لم ير مثلهنّ: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ١ إلى آخر السّورة، وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ١ إلى آخر السّورة» (١).
وعنه، قال: اتّبعت رسول الله ﷺ وهو راكب، فوضعت يدي على قدمه، فقلت: أقرئني يا رسول الله سورة هود وسورة يوسف، فقال: «لن تقرأ شيئا أبلغ عند الله من قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ١ وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ١» (٢).
стр. 108
وعنه، قال: كنت أقود برسول الله ﷺ ناقته في السّفر، فقال لي: «يا عقبة، ألا أعلّمك خير سورتين قرئتا؟» فعلّمني قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ١ وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ١، قال: فلم يرني سررت بهما جدّا، فلمّا نزل لصلاة الصّبح صلّى بهما صلاة الصّبح للنّاس، فلمّا فرغ رسول الله ﷺ من الصّلاة التفت إليّ فقال: «يا
عقبة، كيف رأيت؟» (١).
стр. 109
وكان أبيّ بن كعب، ﵁، حدّث بموقف ابن مسعود من المعوّذتين، فردّه بما سمعوه من النّبيّ ﷺ في ذلك:
فعن زرّ بن حبيش، قال: قلت لأبيّ بن كعب: إنّ ابن مسعود كان لا يكتب المعوّذتين في مصحفه، فقال: أشهد أنّ رسول الله ﷺ أخبرني أنّ جبريل ﵇ قال له: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ١ فقلتها، فقال:
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ١ فقلتها، فنحن نقول ما قال النّبيّ ﷺ (١).
وأبيّ بن كعب أحد الّذين أمر النّبيّ ﷺ أن يؤخذ عنهم القرآن، وكان من المقدّمين فيه بعد رسول الله ﷺ ، وإليه تنتهي بعض أسانيد
بعض القرّاء السّبعة، كنافع وابن كثير وعاصم وأبي عمرو، وهي على وفاق هذا المصحف، وفيه المعوّذتان.
стр. 110
كما أنّ المأثور أنّ المعوّذتين كانتا في مصحفه (١).
نعم؛ كان أبيّ ربّما قرأ ببعض المنسوخ من القرآن، وربّما كان ذلك في مصحفه (٢)، إلّا أنّ المعوّذتين لم تكونا من المنسوخ، بدلالة
عدم ردّ ابن
стр. 111
مسعود لهما بهذه الحجّة، فقام بهذا الّذي نقله القرّاء عن أبيّ وما ذكرناه عنه هاهنا من الرّواية حجّة لإبطال قول ابن مسعود بنفيهما من المصحف.
من المعلوم من سيرة ابن مسعود أن الله تعالى قيّض له أصحابا من بعده من سادة التّابعين قاموا بعلمه، فلم يأت عن أحد من هؤلاء موافقة ابن مسعود في رأيه هذا، ممّا يؤكّد الشّذوذ والغلط المتيقّن فيه.
فعن إبراهيم النّخعيّ (وإليه المنتهى في علم ابن مسعود) قال:
قلت للأسود: من القرآن هما؟ قال: نعم، يعني المعوّذتين (١).
وببعض ما ذكرت من الوجوه يبطل قول ابن مسعود .
واعلم أنّ بعض العلماء كذّبوا كلّ ما نقل عنه بخصوص هذه القضيّة، وما أنصفوا، فالقواعد العلمية تقطع بكونه كان يذهب إلى نفي المعوّذتين، وطائفة زعمت أنّ ابن مسعود كان لا يراهما ممّا يكتب في المصحف، ولم يكن يجحد كونهما من القرآن، وهذا زعم يخالف الآثار المنقولة عنه في ذلك، وكأنّ الفريقين قصدا من جهة إبطال التّمسّك بمثل هذا عند الملحدين للطّعن في نقل القرآن، ومن جهة أخرى تنزيه ابن مسعود مع جلالته وعلمه عن مثل هذا الغلط الشّنيع.
стр. 112
لكنّهم لم يكونوا مضطرّين إلى ذلك ليضعفوا حجّتهم بمثله، وإنّما يكفي بعض القول الّذي قدّمناه في الذّبّ عن القرآن، دون تأثّر
بهذا الّذي قاله ابن مسعود، وأمّا غلط ابن مسعود فهو دليل على أنّ الغلط في الأصول وارد على الكبار في الاجتهاد، وليس يمنع اعتقاد فضلهم وعلوّ قدرهم من وقوعهم فيه، وإنّما العصمة لرسول الله ﷺ ، ثمّ لأمّته في مجموعها من بعده، وحيث تواطأت الأمّة على اعتقاد ما في المصحف وفيه المعوّذتان أنّه كتاب الله الّذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فاعتقادها هذا معصوم، وهو الحقّ المبين.
٦ - وأمّا قضيّة تحريق المصاحف غير المصحف العثمانيّ، فإنّ امتناع ابن مسعود عن تسليم مصحفه، وأمره النّاس بإخفاء مصاحفهم الّتي نسخوها لأنفسهم قبل المصحف الإمام، فهو نتيجة متصوّرة لموقفه المتقدّم شرحه من صنيع عثمان.
وكذلك الموقف من جهة أمير المؤمنين عثمان، فإنّه قصد بالجمع أن يجمع النّاس على مصحف واحد، ولا يتأتّى ذلك وهو يدعهم يحتفظون بما عندهم من القراءات والحروف ممّا لا يأتي على وفاقه.
والموقف العامّ من الصّحابة كان متّفقا مع رأيه، سوى ابن مسعود، وعابوا على ابن مسعود صنيعه.
قال مصعب بن سعد: أدركت أصحاب النّبيّ ﷺ حين شقّق عثمان
стр. 113
رضي الله عنه المصاحف؛ فأعجبهم ذلك، أو قال: لم ينكر ذلك منهم أحد (١).
وقال الزّهريّ: بلغني أنّ ذلك كره من مقالة ابن مسعود، كرهه رجال من أفاضل أصحاب النّبيّ ﷺ (٢).
وتقدّم أمر حذيفة لابن مسعود بأن يدفع مصحفه لمن كلّفه أمير المؤمنين بإزالة المصاحف بالكوفة، وامتنع ابن مسعود.
وهذا أبو الدّرداء، وهو سيّد أهل الشّام، وأحد من تنتهي إليهم قراءة ابن عامر، يبلغه صنيع ابن مسعود، فلا يرضاه:
قال علقمة بن يزيد النّخعيّ: قدمت الشّام، فلقيت أبا الدّرداء، فقال: كنّا نعدّ عبد الله حنّانا، فما باله يواثب الأمراء؟ (٣).
стр. 114
ابن مسعود وموافقة الجماعة:
ويبدو أنّ ابن مسعود صار في آخر أمره إلى موافقة الجماعة وإن كان قد احتفظ بالقراءة على حرفه؛ لأنّه أدرك أنّ الاختلاف الّذي وقع بينه وبينهم إنّما كان في الحرف أو في الحفظ، وليس هذا من قبيل اختلاف التّضادّ.
نقل أبو وائل شقيق بن سلمة عن ابن مسعود، قال:
إنّي قد سمعت القراء؛ فوجدتهم متقاربين، فاقرءوا كما علّمتم، وإيّاكم والاختلاف والتّنطّع، فإنّما هو كقول أحدكم: هلمّ، وتعال (١).
ماذا عن الصّحف الّتي ردّها عثمان إلى حفصة أمّ المؤمنين ؟
يجيب عن ذلك سالم بن عبد الله بن عمر، فيذكر أنّ مروان (يعني ابن الحكم) كان يرسل إلى حفصة يسألها الصّحف الّتي كتب منها القرآن، فتأبى حفصة أن تعطيه إيّاها.
قال سالم: فلمّا توفّيت حفصة ورجعنا من دفنها؛ أرسل مروان بالعزيمة
стр. 115
إلى عبد الله بن عمر: ليرسلنّ إليه بتلك الصّحف، فأرسل بها إليه عبد الله بن عمر، فأمر بها مروان فشقّقت، فقال مروان: إنّما فعلت هذا؛ لأنّ ما فيها قد كتب وحفظ بالمصحف، فخشيت إن طال بالنّاس زمان أن يرتاب في شأن هذه الصّحف مرتاب، أو يقول: إنّه قد كان شيء منها لم يكتب (١).
...
стр. 116
الفصل الثاني: ترتيب القرآن
المبحث الأول: ترتيب الآيات في السور
ترتيب الآيات كما هي في المصحف في كلّ سورة توقيفيّ، تلقّاه النّاس عن رسول الله ﷺ ، ولم يجتهد أحد برأيه في وضع آية في موضع ما من القرآن من غير سماع من رسول الله ﷺ .
ومن الدّليل عليه:
١ - حديث زيد بن ثابت، ﵁، قال:
فقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف قد كنت أسمع رسول الله ﷺ يقرأ بها، فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاريّ: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ [الأحزاب: ٢٣]؛ فألحقناها في سورتها من المصحف (١).
٢ - حديث عبد الله بن الزّبير، ﵄، قال:
قلت لعثمان بن عفّان: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً
стр. 117
[البقرة: ٢٤٠]، قال: قد نسختها الآية الأخرى، فلم تكتبها (أو: تدعها)؟
قال: يا ابن أخي، لا أغيّر شيئا منه من مكانه (١).
٣ - حديث عبد الله بن عبّاس، ﵄، قال:
قلت لعثمان بن عفّان: ما حملكم على أن عمدتم إلى (الأنفال) وهي من المثاني، وإلى (براءة) وهي من المئين، فقرنتم بينهما، ولم تكتبوا سطرا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ١ ووضعتموها في السّبع الطّوال، ما حملكم على ذلك؟ قال عثمان: إنّ رسول الله ﷺ كان ممّا يأتي عليه الزّمان ينزل عليه من السّور ذوات العدد، وكان إذا أنزل عليه الشّيء يدعو بعض من يكتب عنده فيقول: «ضعوا هذا في السّورة الّتي يذكر فيها كذا وكذا» وينزل عليه الآيات فيقول: «ضعوا هذه الآيات في السّورة الّتي يذكر فيها كذا وكذا» وينزل عليه الآية فيقول: «ضعوا هذه الآية في السّورة الّتي يذكر فيها كذا وكذا»، وكانت (الأنفال) من أوائل ما أنزل بالمدينة، و (براءة) من آخر القرآن، فكانت قصّتها شبيهة بقصّتها، فقبض رسول الله ﷺ ولم يبيّن لنا أنّها منها، وظننت أنّها منها، فمن ثمّ قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطرا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ١، ووضعتها في الطّوال (٢).
فهذا الحديث صريح في أنّ ترتيب الآيات في كلّ سورة كان بتوقيف من النّبيّ ﷺ .
٤ - مجيء النّاسخ قبل المنسوخ في السّورة الواحدة.
كما في قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً [البقرة: ٢٣٤]، وقوله: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ [البقرة: ٢٤٠]، فهذه منسوخة بالّتي قبلها على قول الأكثرين، وهي تالية لها في ترتيب الآي.
فلو كان التّرتيب اجتهاديّا من الصّحابة، لأخّروا النّاسخ وقدّموا المنسوخ، على القاعدة في هذه المسألة، فحيث وقعت هذه الصّورة كذلك فقد نفت جواز القياس في مثلها.
٥ - وقوع الإعجاز بترابط آي السّورة الواحدة، ولذا وقع التّحدّي
بالإتيان بسورة مثله، كما قال تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [البقرة: ٢٣].
وسمّيت السّورة (سورة) تشبيها لها بالسّور، لكونها تحيط بالآيات إحاطة السّور بالمدينة (١).
وممّا يدلّ على أنّ الوحي كان ينزل بالسّور مؤلّفة من عند الله، آيات في
стр. 122
كتاب الله تعالى، كقوله: يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ [التّوبة: ٦٤]، وقوله: وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ [التّوبة: ٨٦]، وقوله: وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً [التّوبة: ١٢٤]، وقوله: سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ [النّور: ١]، وقوله:
وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ [محمّد: ٢٠].
٦ - تواتر الأحاديث عن رسول الله ﷺ في تسمية السّور، كالأحاديث في قراءتها في الصّلاة أو بيان فضائلها، أو ذكر عدد آيات بعضها.
٧ - عدم مجيء خبر واحد صريح صحيح يدلّ على أنّ أحدا من الصّحابة تصرّف في وضع آية من القرآن برأيه.
وما روي عن عمر وعثمان وزيد بن ثابت في الآيتين من آخر سورة التّوبة؛ فلا يثبت شيء منه من قبل الإسناد (١).
المبحث الثاني: ترتيب السور
اختلف العلماء في ترتيب سور القرآن: هل هي توقيفيّة، أو اجتهاديّة؟ على قولين:
الأوّل: توقيفيّة، وحين جمعه أبو بكر ثمّ عثمان كان جمعه على
التّرتيب الّذي ترك رسول الله ﷺ عليه النّاس، وهو كما هو في مصاحف المسلمين
стр. 125
من لدن رسول الله ﷺ (١).
ورأى بعض أصحاب هذا القول أنّ اعتقاد كون القرآن متواترا يقتضي أن يكون متواترا حتى في ترتيب سوره.
الثّاني: اجتهاديّة، وهو قول أكثر العلماء (٢)، وعليه تدلّ أدلّة، منها:
١ - حديث عثمان بن عفّان المتقدّم (٣)، صريح أنّه لم يكن لهم توقيف عن رسول الله ﷺ في وضع السّور، ولذا اجتهد في شأن (براءة) و (الأنفال).
٢ - حديث عائشة، ﵂، في قصّة الرّجل العراقيّ الّذي سألها عن تأليف القرآن، قال: يا أمّ المؤمنين، أريني مصحفك، قالت: لم؟ قال: لعلّي أؤلّف القرآن عليه فإنّه يقرأ غير مؤلّف، قالت:
وما يضرّك أيّه قرأت قبل، إنّما نزل أوّل ما نزل منه سورة من المفصّل فيها ذكر الجنّة والنّار (وذكرت الحديث) (٤).
وهذه القصّة وقعت بعد إرسال عثمان المصاحف إلى الأمصار، بدليل أنّ الّذي حدّث بها عن عائشة يوسف بن ماهك كان بحضرتها عند مجيء ذلك العراقيّ، ويوسف هذا تابعيّ لم يدرك زمان إرسال عثمان
стр. 126
للمصاحف، إنّما كان بعدها، قال الحافظ ابن حجر: «ذكر
المزّيّ أنّ روايته عن أبيّ بن كعب مرسلة، وأبيّ عاش بعد إرسال المصاحف على الصّحيح» (١).
٣ - المعروف عند أهل العلم أنّ مصاحف الصّحابة كانت تختلف في ترتيبها، فترتيب مصحف ابن مسعود غير ترتيب مصحف عليّ، وكذا مصحف أبيّ بن كعب، وجميعا غير ترتيب المصحف العثمانيّ، وفي ذلك عنهم نقول كثيرة وآثار عدّة، فلو كان عندهم عن النّبيّ ﷺ توقيف في ترتيب سور القرآن لما اختلفوا.
وتقدّم أنّ ابن مسعود ممّن شهد العرضة الأخيرة، وكان مصحفه من أشدّ مصاحف الصّحابة اختلافا في ترتيب السّور:
فعن أبي وائل شقيق بن سلمة، عن عبد الله بن مسعود، قال: إنّي لأعرف النّظائر الّتي كان رسول الله ﷺ يقرأ، سورتين في ركعة.
قال أبو وائل: ثمّ قام فدخل، فجاء علقمة فدخل عليه، قال:
فقلنا له: سله لنا عن النّظائر الّتي كان رسول الله ﷺ يقرأ، سورتين في ركعة، قال: فدخل، فسأله، ثمّ خرج إلينا، فقال: عشرون سورة من أوّل المفصّل في تأليف عبد الله (٢).
стр. 127
وروى ذلك علقمة بن قيس النّخعيّ نفسه والأسود بن يزيد النّخعيّ، فقالا: أتى ابن مسعود رجل، فقال: إنّي أقرأ المفصّل في ركعة، فقال:
أهذّا كهذّ الشّعر، ونثرا كنثر الدّقل؟ لكنّ النّبيّ ﷺ كان يقرأ النّظائر السّورتين في ركعة: النّجم والرّحمن في ركعة، واقتربت والحاقّة في ركعة، والطّور والذّاريات في ركعة، وإذا وقعت ونون في ركعة، وسأل سائل والنّازعات في ركعة، وويل للمطفّفين وعبس في ركعة، والمدّثّر والمزّمّل في ركعة، وهل أتى ولا أقسم بيوم القيامة في ركعة، وعمّ يتساءلون والمرسلات في ركعة، والدّخان وإذا الشّمس كوّرت في ركعة (١).
قال الإمام أبو داود السّجستانيّ: هذا تأليف ابن مسعود.
وقصدت بذكر هذا الحديث إبطال زعم من قال: إنّ العرضة الأخيرة كانت على ترتيب السّور في المصحف كما هي اليوم في مصاحف المسلمين، فهذا ابن مسعود كان قد شهدها، ومع ذلك فقد اختلف تأليف السّور في مصحفه.
стр. 128
والقول بأنّ التّرتيب للسّور اجتهاديّ لا ينافي تواتر القرآن، فهو مقطوع بنقله تامّا عن رسول الله ﷺ ، وذلك لا يؤثّر فيه تقديم لسورة وتأخير لأخرى، وليس اعتقاد ذلك التّرتيب من لوازم الإيمان.
وما جاء أنّ جبريل كان يعارض النّبيّ ﷺ القرآن ليس فيه أنّه كان على هذا التّرتيب، فقد تكون تلك المعارضة على ترتيب النّزول.
على أنّ الظّاهر أنّ بعض سور القرآن كان مرتّبا منذ عهد
النّبيّ ﷺ ، كالسّبع الطّوال أو بعض سور المفصّل من سورة (ق) إلى آخر القرآن، وإن لم يكن هناك دليل يفيد القطع بالتّرتيب.
قال الإمام مالك بن أنس: إنّما ألّف القرآن على ما كانوا يسمعون من قراءة رسول الله ﷺ (١).
ورأى بعضهم أنّ ترتيبه توقيفيّ إلّا (الأنفال) و (براءة) لما جاء في حديث عثمان المتقدّم، فيكون هذا قولا ثالثا، وليست حجّته بقويّة.
وحاصل خلافهم: ترجيح المذهب الثّاني لقوّة دليله، وهو أنّ ترتيب السّور كان باجتهاد من الصّحابة.
قال سليمان بن بلال: سمعت ربيعة (هو ابن أبي عبد الرّحمن المعروف بربيعة الرّأي) يسأل: لم قدّمت البقرة وآل عمران وقد نزل قبلهما بضع وثمانون سورة بمكّة، وإنّما نزلتا بالمدينة؟ فقال: قدّمتا، وألّف القرآن على
стр. 129
علم ممّن ألّفه به، ومن كان معه فيه، واجتماعهم على علمهم بذلك، فهذا ممّا ينتهى إليه ولا يسأل عنه (١).
المبحث الثالث: أسماء السّور
لم يرد نصّ بتسمية كلّ سورة من سور القرآن باسم يخصّها، إنّما
وردت أحاديث كثيرة في تسمية كثير من السّور، كالفاتحة والبقرة وآل عمران، وغيرها، ولم يحفظ ذلك في كلّ السّور، والمعتمد فيها ما اعتاده المسلمون من أسمائها.
وعن سعيد بن جبير، قال: قلت لابن عبّاس: سورة الحشر، قال: قل سورة النّضير (٢).
стр. 130
ففي هذا ما يبيّن أنّ تسمية سور القرآن لم تكن توقيفيّة عند أصحاب النّبيّ ﷺ ، وإلّا لما ساغ لابن عبّاس أن يخالف ذلك.
ومن السّور ما له أكثر من اسم، وكلّ ذلك واسع، فالفاتحة ورد تسميتها ب (الفاتحة) و (أمّ الكتاب) و (أمّ القرآن)، وغير ذلك، والعامّة تسمّيها (سورة الحمد)، واسم (التّوبة) و (براءة) لسورة واحدة، و (الإسراء) و (بني إسرائيل) لسورة واحدة، وهكذا.
وتقدّم في حديث عثمان، ﵁، في قصّة البسملة في (براءة) قوله: وينزل عليه- يعني النّبيّ ﷺ الآيات، فيقول: «ضعوا هذه الآيات في السّورة الّتي يذكر فيها كذا وكذا»، وينزل عليه الآية، فيقول: «ضعوا هذه الآية في السّورة الّتي يذكر فيها كذا وكذا».
وأمّا ما تراه مذكورا في فواتح السّور في مصاحف المسلمين من أسمائها؛ فذلك ممّا زاده كتّاب المصاحف تعريفا بالسّورة، كما زادوا
ذكر المكّيّ والمدنيّ وعدد آي السّورة، ولم يكن شيء من ذلك موجودا في المصاحف العثمانيّة، فليست تلك التّسمية جزءا من المصحف.
على أنّ بعض السّلف كان يحترز من فعل ذلك؛ خشية أن يعدّه النّاس من القرآن:
فعن أبي بكر السّرّاج (الزّبرقان بن عبد الله)، قال: قلت لأبي رزين (مسعود بن مالك): أكتب في مصحفي سورة كذا وكذا؟ قال:
لا، إنّي
стр. 131
أخاف أن ينشأ قوم لا يعرفونه، فيظنّوا أنّه من القرآن (١).
وأقول: في ذكره مصلحة كذلك، لكن ينبغي أن تدفع الشّبهة الّتي أشار إليها أبو رزين بأن يبيّن ذلك في جملة الاصطلاحات الّتي تلحق بأواخر نشرات المصاحف.
المبحث الرابع: فواصل الآيات
هل فواصل الآيات توقيفيّة؟ اختلفوا فيها على قولين:
الأوّل: توقيفيّة، وقوّاه بعض العلماء بحديث عبد الله بن مسعود، ﵁، قال:
أقرأني رسول الله ﷺ سورة من الثّلاثين من آل حم ١
يعني الأحقاف، قال: وكانت السّورة إذا كانت أكثر من ثلاثين آية سمّيت الثّلاثين (٢).
стр. 132
ففيه أنّ إحصاء الآيات لكلّ سورة كان معهودا زمان النّبيّ ﷺ ، كما جاء في سورة الفاتحة أنّها سبع آيات (١)، و (الملك) أنّها ثلاثون آية (٢).
стр. 133
والثّاني: اجتهاديّة، وذلك لعدم ورود شيء صريح فيه، وعدّ آيات السّورة لا يعني تحديد موضع الفاصلة للآية.
الترجيح:
القول الأوّل- فيما أرى- أشبه بالصّواب؛ لأجل ما جاء عن النّبيّ ﷺ من الوقوف على رءوس الآي، وتقطيع القراءة آية آية (١)، وأنّه كان يقرأ بالعدد من الآيات في الصّلاة، مع ملاحظة خواتم الآي وما فيها من التّناسق والجناس فيما قد علم حصره من عدد الآي كسورة الفاتحة أو الملك، والّذي يجري نظيره في جميع سور القرآن، جميع ذلك يؤكّد أنّ فواصل الآي توقيفيّة، هكذا تلقّاها النّاس عن رسول الله ﷺ .
كما يؤكّد ذلك من جهة أخرى؛ أنّ ما يكون مرجعه لمجرّد الاجتهاد فإنّه يفتقر إلى ميزان منضبط، ورءوس الآي لا تخضع لقاعدة واحدة، ولم يرد
стр. 134
عن الصّحابة اختلاف يذكر في ذلك، فلو خضع لاجتهادهم لعلم فيه الاختلاف.
ولا يعترض عليه باختلاف قليل وقع في ذلك في قراءات القرّاء السّبعة، من أجل أنّهم رووها كذلك، فيكون اختلافهم في عدّ بعض الآيات من قبيل التّنوّع في الرّواية عن رسول الله ﷺ .
وعلى أيّ تقدير فهذه مسألة ليس فيها تنصيص، ولا يبنى عليها اعتقاد أو عمل.
المبحث الخامس: البسملة
البسملة (١) قرآن بالإجماع، إذ هي بعض آية من سورة (النّمل).
وأجمعوا أنّها ليست في فاتحة سورة (التّوبة).
وإنّما اختلفوا فيها في فواتح سائر السّور اختلافا كبيرا على مذاهب:
الأوّل: هي آية من كلّ سورة غير (التّوبة).
стр. 135
الثّاني: ليست بآية في جميع السّور، وكتبت في المصحف للتّبرّك.
الثّالث: هي آية مستقلّة لا تدخل في حصر آيات السّورة، وإنّما جاءت للفصل بين السّور؟
الرّابع: هي آية من الفاتحة خاصّة، وفاصلة بين السّور فيما عداها.
وهذا الأخير أرجحها وأقواها برهانا، إذ لا ينازع أحد أنّها مثبتة في أوائل السّور في المصحف ما عدا سورة التّوبة، وتظاهرت الأدلّة في عدم عدّها آية من تلك السّور غير الفاتحة، وأمّا الفاتحة فالأدلّة صحيحة صريحة في عدّ آياتها سبعا، والبسملة كانت تنزل فاصلة بين السّور، وأثبتت لهذه العلّة في المصحف، والفاتحة أوّل الكتاب، لم يسبقها شيء لتفصل عنه، ونحن وإن كنّا حرّرنا من قبل أنّ ترتيب السّور في القرآن كان اجتهاديّا من الصّحابة، فقد ذكرنا أنّ الظّاهر أن يكون بعضه قد علموا ترتيبه عن رسول الله ﷺ ، ومن ذلك فاتحة الكتاب، فإنّ تسميتها ب (فاتحة الكتاب) ممّا ثبتت به الرّواية عن رسول الله ﷺ ، وهذا يعني بالضّرورة أن تكون أوّل المصحف، ولم يخالف الصّحابة ذلك عند كتابة المصحف، فحيث أثبتوها بالبسملة في صدرها؛ فقد دلّ على أنّها آيتها السّابعة، وأنّهم هكذا تلقّوها عن رسول الله ﷺ .
وقد أثّر اختلاف الأدلّة في شأن قراءتها في الصّلاة على مواقف كثير من العلماء، في عدّها آية من الفاتحة أو لا، وهذا ممّا لا ينبغي مع ثبوتها في
стр. 136
المصحف بنفس خطّه.
أمّا اختلاف القرّاء في عدّها؛ فإنّه سهل محتمل بعد ما اتّفقوا أنّها قرآن، كما اتّفقوا على ما في المصحف، وإنّما اختلافهم في عدّها آية أو بعض آية، من كلّ سورة أو من الفاتحة فقط (١).
وأمّا الدّليل على أنّها قرآن كانت تنزل فصلا بين السّورتين وليست
منهما، عدا الفاتحة، فحديث عبد الله بن عبّاس، ﵄، قال:
كان النّبيّ ﷺ لا يعرف خاتمة السّورة حتّى ينزل بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ١، فإذا نزل بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ١ علم أنّ السّورة قد ختمت، واستقبلت أو ابتدئت سورة أخرى (٢).
стр. 137
المبحث السادس: تتمة في مسائل
المسألة الأولى: الأنفال والتّوبة سورتان في قول أكثر العلماء،
وذهب بعضهم إلى أنّهما سورة واحدة، والأدلّة أظهر على خلافه، فقد ورد ما يبيّن الفصل بينهما وأنّهما سورتان وإن لم يفصل بينهما بالبسملة، فمن ذلك:
١ - حديث سعيد بن جبير قال: قلت لابن عبّاس: سورة التّوبة؟
قال: التّوبة؟ قال: بل هي الفاضحة، ما زالت تنزل: وَمِنْهُمْ وَمِنْهُمْ حتّى ظنّوا أن لا يبقى منّا أحد إلّا ذكر فيها، قال: قلت:
سورة الأنفال؟ قال: تلك سورة بدر، قال: قلت: فالحشر؟ قال:
نزلت في بني النّضير (١).
٢ - حديث البراء بن عازب، ﵁، قال: آخر آية أنزلت آية الكلالة، وآخر سورة أنزلت (براءة).
стр. 138
وفي لفظ: إنّ آخر سورة أنزلت تامّة سورة التّوبة، وإنّ آخر آية أنزلت آية الكلالة (١).
المسألة الثّانية: أقسام السّور باعتبار الطّول أربعة:
١ - الطّوال، ويقال: (الطّول) وهي سبع سور: البقرة، وآل عمران، والنّساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف.
واختلف في السّابعة، فقيل: التّوبة، وقيل: الأنفال والتّوبة كسورة واحدة، وقيل: يونس، بدلهما.
٢ - المئين، وهي: السّور الّتي تزيد آياتها على مائة آية أو تقاربها، كالأنفال ويونس وهود والنّحل والإسراء والمؤمنون.
٣ - المثاني، وهي: السّور الّتي تكون آياتها أقلّ من مائة، كالنّور والفرقان والقصص ويس والزّمر.
واعلم أنّه ورد استعمال لفظ (المثاني) في النّصوص مرادا به ثلاثة معان كلّها تعود إلى القرآن:
الأوّل: القرآن كلّه، ومنه قوله تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً
стр. 139
مُتَشابِهاً مَثانِيَ [الزّمر: ٢٣]، وسمّي بذلك لأنّ القصص والأنباء ثنّيت فيه.
الثّاني: ما كان دون المئين وفوق المفصّل من السّور.
كما في حديث واثلة بن الأسقع، ﵁، قال: قال النّبيّ ﷺ :
«أعطيت مكان التّوراة السّبع الطّوال، ومكان الزّبور المئين، ومكان الإنجيل المثاني، وفضّلت بالمفصّل» (١).
والسّبب في إطلاق هذه التّسمية على هذا المقدار من السّور هو نفسه في إطلاقها على جميع القرآن؛ لكونها أكثر اختصاصا به.
стр. 140
الثّالث: سورة الفاتحة خاصّة، لحديث أبي سعيد بن المعلّى وغيره (١).
والسّبب في إطلاق ذلك عليها أنّها تثنّى في الصّلاة في كلّ ركعة (٢).
فلفظ (المثاني) مشترك في هذه المعاني جميعا، يتبيّن المراد به بالقرينة.
٤ - المفصّل، وهو: السّور من ق إلى آخر القرآن على قول قويّ، وهو ثلاثة أقسام: طوال، وهي إلى: عَمَّ، وأوساط، وهي إلى وَالضُّحى ١، وقصار وهي ما بقي إلى آخر المصحف.
وسمّيت (المفصّل) لكثرة الفصول الّتي بين سورها بالبسملة (٣).
واعلم أنّه ليس هناك دليل يقطع بتحديد أوّل وآخر كلّ قسم من هذه الثّلاثة، وإنّما تكلّم العلماء فيها بالاجتهاد، فهذه سورة الشّعراء مثلا (٢٢٧) آية، ومع ذلك جاءت في المصحف في سياق سور هي من المثاني.
المسألة الثّالثة: تجزئة القرآن وتحزيبه وقسمة الأرباع على الصّورة الّتي توجد في مصاحف المسلمين اجتهاديّة، ولها أصل من فعل أصحاب النّبيّ ﷺ ، لكن على غير هذه القسمة، وكان السّلف يختلفون في ذلك، وليس المعنى فيه تعبّديّا وإنّما هو لتيسير أخذ القرآن.
стр. 141
الفصل الثالث: الرسم العثماني
المبحث الأول: ما هو الرسم العثماني ؟
الرّسم العثماني، هو: شكل الإملاء لخطّ المصحف الإمام الّذي أمر أمير المؤمنين عثمان بن عفّان، ﵁، بأن يكتب عليه.
ككتابة: (الصّلاة، الرّبا، آيات، يا لوط): الصلاة، الرّبوا، آيات، يا لوط، وهكذا، وليس المراد به نوع الخطّ كالنّسخ والكوفيّ والرّقعة.
ولم يجر ذلك على قواعد منضبطة، وإن كان غالبه يعود إلى قاعدة، كما شرحه الإمام أبو عمرو الدّانيّ (١).
فمثل (الصّلاة، والزّكاة) كتبوهما بالواو بدلا من الألف، وذلك على اعتبار أصلهما، وهو: (صلو، زكو).
ومثل (اللّيل) كتبت (الليل) بلام واحدة للإدغام.
ومثل (ليكونن، ولنسفعن) كتبتا وَلَيَكُوناً ولَنَسْفَعاً بالتّنوين بدلا من النّون على حكمها عند الوقف.
стр. 142
أمّا ما لا يعود من ذلك إلى قاعدة فأحسن ما يقال في جوابه:
إنّ الصّحابة كتبوه كذلك لأنّه كان اصطلاح الهجاء في ذلك الوقت.
المبحث الثاني: النقط والشكل فيه
النّقط هو: وضع النّقطة أو النّقطتين أو النّقط فوق الحرف، والنّقطة أو النّقطتين تحت الحرف، تمييزا له عمّا يشبهه في صورته، مثل: (الباء والتّاء والثّاء والياء والزّاي والقاف).
ويسمّى (الإعجام).
والشّكل هو: الضّبط بالحركات.
هذان الأمران كلاهما محدث لم يكن في المصحف العثماني، وأضيف إلى رسوم المصاحف صيانة للقرآن عن اللّحن والتّصحيف، وذلك على وفق ما نقله متقنو القرّاء من الأداء.
وعليه فإنّ ذلك يختلف فيما بين المصاحف باختلاف القرّاء الّذين ضبط المصحف على قراءاتهم، فأنت ترى مثلا مصحفا على رواية حفص عن عاصم، وآخر على رواية
ورش عن نافع، يتفاوتان في النّقط والشّكل.
فما حكم إضافة ذلك إلى المصاحف ؟
جوابه: أمّا السّلف حين بدأ ظهور ذلك؛ فإنّ جماعة منهم كرهوه،
стр. 143
والمعنى في كراهيّتهم: خوف أن يدخل على المصحف ما ليس منه، فلمّا ضبط النّقل من بعد، وصار اعتماد النّاس على المصاحف بتلاوة النّقلة المتقنين، فإنّ الإجماع وقع على جواز ذلك، وعليه كما ترى مصاحف الأمّة.
وترى اختلاف وجوه القراءات الصّحيحة يرجع عامّته إلى النّقط والشّكل، مع اتّحاد الرّسم.
مثل قوله تعالى: فَتَبَيَّنُوا [النّساء: ٩٤، والحجرات: ٦]، هكذا قرأها من السّبعة نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم، وقرأها حمزة والكسائيّ: فتثبّتوا، فاختلف النّقط، والرّسم كما ترى متّحد.
ومثل قوله تعالى: إنّه عمل غير صلح [هود: ٤٦]، هكذا قرأها من السّبعة جميعهم؛ إلّا الكسائيّ، فإنّه قرأها: إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ، فاختلف الشّكل، والرّسم متّحد.
ومثل ذلك الهمز والتّسهيل، ك هُزُواً وهُزُواً.
والتّشديد والتّخفيف، ك يُنَزِّلَ ويُنَزِّلَ.
علامات الوقف والسّكت وما يتّصل بأحكام التّلاوة:
كلّ ما تراه في المصحف من ذلك فهو مزيد بحسب ما علم من القرّاء في الأداء أو من أئمّة التّفسير، وليس جزءا من الرّسم العثمانيّ.
стр. 144
المبحث الثالث: حكم المحافظة عليه في خطوط المصاحف
رسم المصحف وقع باجتهاد الصّحابة، ولم تكن الصّفة الّتي ترسم عليها الكلمة ممّا تلقّاه النّاس عن الله أو رسوله ﷺ ، إنّما سمعوها من رسول الله ﷺ ، وكتبها الكتبة على الصّفة الّتي سمعوها، لم يخرجوا بكتابتهم عمّا سمعوا، وكان ما رسموا عليه حروف الكلمة بما أوتوا من المعرفة بأصول الكتابة، لا بتعليم النّبيّ ﷺ لهم ذلك.
وغلط من ظنّ أنّ رسم الكلمة كان بتوجيه النّبيّ ﷺ ، فإنّه لم ينقل ذلك في شيء من الأخبار الثّابتة أو شبه الثّابتة (١).
وممّا يدلّ على رجوع ذلك إلى اجتهادهم؛ قول عثمان للرّهط القرشيّين الثّلاثة الّذين كانوا يكتبون المصحف مع زيد بن ثابت (عبد الله بن الزّبير وسعيد بن العاص وعبد الرّحمن بن الحارث بن هشام):
إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن (وفي رواية:
في عربيّة
стр. 145
من عربيّة القرآن) فاكتبوه بلسان قريش، فإنّما نزل بلسانهم، ففعلوا (١).
وهذا هو الوجه في نسبة رسم المصحف إلى عثمان؛ لأنّه وقع بأمره وإشرافه، ثمّ أجمع عليه المسلمون، فصاروا لا ينسخون مصحفا إلّا على رسمه، ومذهب جمهور العلماء من السّلف والخلف: وجوب المحافظة على ذلك الرّسم في كتابة أو طبع المصاحف، ولا يحلّ تغييره بتغيّر طرق الإملاء والهجاء، وذلك صيانة للقرآن من تصرّفات النّسّاخ والطّابعين.
قال أشهب بن عبد العزيز: سئل مالك، فقيل له: أرأيت من استكتب مصحفا اليوم، أترى أن يكتب على ما أحدث النّاس من الهجاء اليوم؟ فقال: لا أرى ذلك، ولكن يكتب على الكتبة الأولى (٢).
قال الإمام أبو عمرو الدّانيّ: «ولا مخالف له في ذلك من علماء الأمّة» (٣).
ويزيد قول مالك المذكور بيانا ما نقله عنه أشهب كذلك، قال:
سئل