الفصل الثالث: الرسم العثماني
المبحث الأول: ما هو الرسم العثماني ؟
الرّسم العثماني، هو: شكل الإملاء لخطّ المصحف الإمام الّذي أمر أمير المؤمنين عثمان بن عفّان، ﵁، بأن يكتب عليه.
ككتابة: (الصّلاة، الرّبا، آيات، يا لوط): الصلاة، الرّبوا، آيات، يا لوط، وهكذا، وليس المراد به نوع الخطّ كالنّسخ والكوفيّ والرّقعة.
ولم يجر ذلك على قواعد منضبطة، وإن كان غالبه يعود إلى قاعدة، كما شرحه الإمام أبو عمرو الدّانيّ (١).
فمثل (الصّلاة، والزّكاة) كتبوهما بالواو بدلا من الألف، وذلك على اعتبار أصلهما، وهو: (صلو، زكو).
ومثل (اللّيل) كتبت (الليل) بلام واحدة للإدغام.
ومثل (ليكونن، ولنسفعن) كتبتا وَلَيَكُوناً ولَنَسْفَعاً بالتّنوين بدلا من النّون على حكمها عند الوقف.
стр. 142
أمّا ما لا يعود من ذلك إلى قاعدة فأحسن ما يقال في جوابه:
إنّ الصّحابة كتبوه كذلك لأنّه كان اصطلاح الهجاء في ذلك الوقت.
المبحث الثاني: النقط والشكل فيه
النّقط هو: وضع النّقطة أو النّقطتين أو النّقط فوق الحرف، والنّقطة أو النّقطتين تحت الحرف، تمييزا له عمّا يشبهه في صورته، مثل: (الباء والتّاء والثّاء والياء والزّاي والقاف).
ويسمّى (الإعجام).
والشّكل هو: الضّبط بالحركات.
هذان الأمران كلاهما محدث لم يكن في المصحف العثماني، وأضيف إلى رسوم المصاحف صيانة للقرآن عن اللّحن والتّصحيف، وذلك على وفق ما نقله متقنو القرّاء من الأداء.
وعليه فإنّ ذلك يختلف فيما بين المصاحف باختلاف القرّاء الّذين ضبط المصحف على قراءاتهم، فأنت ترى مثلا مصحفا على رواية حفص عن عاصم، وآخر على رواية
ورش عن نافع، يتفاوتان في النّقط والشّكل.
فما حكم إضافة ذلك إلى المصاحف ؟
جوابه: أمّا السّلف حين بدأ ظهور ذلك؛ فإنّ جماعة منهم كرهوه،
стр. 143
والمعنى في كراهيّتهم: خوف أن يدخل على المصحف ما ليس منه، فلمّا ضبط النّقل من بعد، وصار اعتماد النّاس على المصاحف بتلاوة النّقلة المتقنين، فإنّ الإجماع وقع على جواز ذلك، وعليه كما ترى مصاحف الأمّة.
وترى اختلاف وجوه القراءات الصّحيحة يرجع عامّته إلى النّقط والشّكل، مع اتّحاد الرّسم.
مثل قوله تعالى: فَتَبَيَّنُوا [النّساء: ٩٤، والحجرات: ٦]، هكذا قرأها من السّبعة نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم، وقرأها حمزة والكسائيّ: فتثبّتوا، فاختلف النّقط، والرّسم كما ترى متّحد.
ومثل قوله تعالى: إنّه عمل غير صلح [هود: ٤٦]، هكذا قرأها من السّبعة جميعهم؛ إلّا الكسائيّ، فإنّه قرأها: إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ، فاختلف الشّكل، والرّسم متّحد.
ومثل ذلك الهمز والتّسهيل، ك هُزُواً وهُزُواً.
والتّشديد والتّخفيف، ك يُنَزِّلَ ويُنَزِّلَ.
علامات الوقف والسّكت وما يتّصل بأحكام التّلاوة:
كلّ ما تراه في المصحف من ذلك فهو مزيد بحسب ما علم من القرّاء في الأداء أو من أئمّة التّفسير، وليس جزءا من الرّسم العثمانيّ.
стр. 144
المبحث الثالث: حكم المحافظة عليه في خطوط المصاحف
رسم المصحف وقع باجتهاد الصّحابة، ولم تكن الصّفة الّتي ترسم عليها الكلمة ممّا تلقّاه النّاس عن الله أو رسوله ﷺ ، إنّما سمعوها من رسول الله ﷺ ، وكتبها الكتبة على الصّفة الّتي سمعوها، لم يخرجوا بكتابتهم عمّا سمعوا، وكان ما رسموا عليه حروف الكلمة بما أوتوا من المعرفة بأصول الكتابة، لا بتعليم النّبيّ ﷺ لهم ذلك.
وغلط من ظنّ أنّ رسم الكلمة كان بتوجيه النّبيّ ﷺ ، فإنّه لم ينقل ذلك في شيء من الأخبار الثّابتة أو شبه الثّابتة (١).
وممّا يدلّ على رجوع ذلك إلى اجتهادهم؛ قول عثمان للرّهط القرشيّين الثّلاثة الّذين كانوا يكتبون المصحف مع زيد بن ثابت (عبد الله بن الزّبير وسعيد بن العاص وعبد الرّحمن بن الحارث بن هشام):
إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن (وفي رواية:
في عربيّة
стр. 145
من عربيّة القرآن) فاكتبوه بلسان قريش، فإنّما نزل بلسانهم، ففعلوا (١).
وهذا هو الوجه في نسبة رسم المصحف إلى عثمان؛ لأنّه وقع بأمره وإشرافه، ثمّ أجمع عليه المسلمون، فصاروا لا ينسخون مصحفا إلّا على رسمه، ومذهب جمهور العلماء من السّلف والخلف: وجوب المحافظة على ذلك الرّسم في كتابة أو طبع المصاحف، ولا يحلّ تغييره بتغيّر طرق الإملاء والهجاء، وذلك صيانة للقرآن من تصرّفات النّسّاخ والطّابعين.
قال أشهب بن عبد العزيز: سئل مالك، فقيل له: أرأيت من استكتب مصحفا اليوم، أترى أن يكتب على ما أحدث النّاس من الهجاء اليوم؟ فقال: لا أرى ذلك، ولكن يكتب على الكتبة الأولى (٢).
قال الإمام أبو عمرو الدّانيّ: «ولا مخالف له في ذلك من علماء الأمّة» (٣).
ويزيد قول مالك المذكور بيانا ما نقله عنه أشهب كذلك، قال:
سئل
стр. 146
مالك عن الحروف تكون في القرآن، مثل الواو والألف، أترى أن تغيّر من المصحف إذا وجدت فيه كذلك؟ قال: لا (١).
فهذا المنع من علماء الأمّة مالك وغيره خشية أن تؤدّي الرّخصة في ذلك إلى الجرأة على القرآن، وهذا مأخذ صحيح.
ويؤكّده أنّ الرّسم يحتمل جميع وجوه القراءات الصّحيحة، وتيسير أخذ القراءة المعيّنة كرواية حفص مثلا حاصل بما زيد على ذلك الرّسم من النّقط والشّكل والعلامات، مع بقاء الرّسم نفسه بدون تلك الزّيادات محتملا القراءات الأخرى، فلو رسم على ما يتلى به على قراءة واحدة، فإنّ مصلحة احتمال الرّسم لسائر القراءات تزول، وهذه مفسدة، فإنّ الصّحابة رسموه على ما يحتمل وجوه الأحرف السّبعة المتّفقة في الرّسم، ولم يقصدوا تفويت ذلك على الأمّة، فالمسوّغ لخلاف ذلك مجوّز تفويت هذه المصلحة.
وهناك من لا يرى بأسا في كتابة المصحف على ما جرت به قواعد الإملاء الحديثة اليوم، يحسبون ذلك أيسر لتلاوة القرآن، وهذا منهم غلط بيّن، فإنّا نرى في عامّة المسلمين من لا يحسن القراءة، بل لا يعرفها، إلّا في المصحف، ونرى ما ضبط عليه المصحف محقّقا للمقصود على أحسن وجوهه، فحيث انتفت المصلحة الرّاجحة في ذلك، واحتملت المفسدة، بل ترجّحت، فإنّ القول بمنع ذلك أظهر وأبين.
стр. 147
كذلك نرى في تميّز المصحف في خطّه ورسمه عن سائر الكتب خصوصيّة لكتاب الله، ولو كتب على نمط سائر الكتب لذهب عنه ذلك الاختصاص، وهذه مصلحة أخرى تنضمّ إلى سابقتها لا يصلح تفويتها.
ورأينا من يكتب الصّوت بالنّصّ القرآنيّ بغير الحروف العربيّة، ككتابته بحروف لاتينيّة، يقصد به تيسير أخذ القرآن لمن لغته على تلك الحروف.
وهذا عمل إذا ضبط فهو حسن وفيه مصلحة بيّنة، لكنّه ليس بمصحف، إنّما هو بمنزلة التّسجيل الصّوتيّ لتلاوة تال للقرآن، فلا يصحّ أن يقال في ذلك (مصحف)، والنّاس وإن كانوا يفعلون ذلك اليوم، فيقولون (المصحف المرتّل) فهو من أغلاطهم الشّائعة، وإنّما المصحف هو المكتوب بين اللّوحين على الرّسم العثمانيّ، فأمّا (بين اللّوحين) فهو مقتضى اللّغة، وأمّا (على الرّسم العثمانيّ) فهو اتّفاق المسلمين بعد عثمان.
هل تجب المحافظة على خطّ المصحف عند الاقتباس منه ؟
ما تقدّم من وجوب المحافظة على الرّسم فهو عند كتابة مصحف، أمّا اقتباس الكتّاب والمؤلّفين الآية والآيات فليس هناك ما يوجب الوقوف عند رسم المصحف في ذلك النّصّ المقتبس، إذ ليس له خصائصه، ولم يزل علماء الأمّة منذ القديم كما رأيناه في المخطوطات القديمة وإلى اليوم لا يلتزمون الثّبات في ذلك على الرّسم.
стр. 148
المقدمة الثالثة نقل القرآن
الفصل الأول: تواتر نقل القرآن الفصل الثاني: القراءات الفصل الثالث: أئمة القراءة***
стр. 149
الفصل الأول: تواتر نقل القرآن
المبحث الأول: تعريف التواتر
التّواتر في اللّغة:
قال الجوهريّ: «واترت الكتب فتواترت، أي: جاءت بعضها في إثر بعض وترا وترا، من غير أن تنقطع» (١).
وفي «شرح القاموس» (٢): «أصل هذا من الوتر، وهو الفرد، وهو أنّي جعلت كلّ واحد بعد صاحبه فردا فردا، والخبر المتواتر: أن يحدّثه واحد بعد واحد، وكذلك خبر الواحد مثل المتواتر».
فمقتضى اللّغة أنّ التّواتر في النّقل تتابع الرّواة برواية الفرد عن الفرد يأتي الواحد في إثر الآخر دون انقطاع.
وأمّا في الاصطلاح: فتفاوتت العبارات عند أصحاب الفنون وتباينوا في ذلك تباينا كبيرا، ولكنّهم جميعا اتّفقوا على أنّ التّواتر في الأخبار: هو ما أفاد القطع بصحّتها وأسقط الظّنّ.
стр. 150
بعضهم يشترط رواية العدد عن العدد، وهذا شرط مع شدّة اضطرابهم فيه فإنّه لا يفيده الاستعمال اللّغويّ، وينبغي في باب التّعاريف أن يكون في اللّغة أصل للمعنى الاصطلاحيّ.
أمّا إذا قلنا: التّواتر رواية الخبر بطريق يفيد العلم، واكتفينا بهذا في التّعريف، لكان أصحّ، ثمّ تراعى الأسباب الّتي يخلص بها إلى هذه النّتيجة.
وهذه الأسباب هي المعبّر عنها بالقرائن الّتي تحتفّ بالخبر، كصدق النّاقل، أو موافقة غيره له مع امتناع الاتّفاق بينهم على الكذب والغلط.
فالنّبيّ ﷺ روى القرآن عن جبريل ﵇، ورواه جبريل ﵇ عن الله ربّ العالمين، وهذه رواية فرد عن فرد، لكنّها أعلى طريق لإفادة العلم واليقين.
فههنا الاعتبار بصفات النّاقل.
ومسألة من العلم تثبت في السّنّة، يجتمع النّقلة في الأمصار الإسلاميّة في زمن الرّواية على نقلها، لكلّ أهل بلد أسانيدهم وطرقهم فيها حتّى تنتهي إلى النّبيّ ﷺ ، كسنّة المسح على الخفّين، فهذا ممّا لا يرتاب في إفادته القطع واليقين أنّه كان من سنّة النّبيّ ﷺ .
وهاهنا الاعتبار بصفات النّاقل، مع العدد واختلاف البلدان المانع من التّواطؤ على الغلط.
ويقابل ذلك حديث يروى عن عدد كثير من الصّحابة إلى كلّ واحد
стр. 151
منهم إسناد أو أسانيد، ومع ذلك لا يصحّ، فهو لا يفيد الظّنّ الرّاجح، فضلا عن اليقين، كحديث: «من حفظ على أمّتي أربعين حديثا» (١).
ومثله إشاعة تظهر في النّاس، يتناقلها الجمع عن الجمع، فإذا بحثت عن مخرجها وجدتها ترجع إلى الكذب.
المبحث الثاني: نقل القرآن
لا ريب أن طريق نقل القرآن الرّواية.
لكن ما منزلتها في الرّوايات؟ هل نقلت إلينا بطريق التّواتر الّذي يعني أنّ القرآن قطعيّ الثّبوت إلى رسول الله ﷺ ؟
القرآن رسالة النّبيّ ﷺ ، أنزله الله تعالى قانونا للحياة، فحين كان نبيّه ﷺ يتلوه على النّاس لم يحمله عنه فرد واحد، بل حملته الأمّة كلّها يومئذ.
وقد تقدّم في المقدّمة الثّانية شرح الكيفيّة الّتي جمع بها القرآن، وأنّه كان يحفظ في الصّدور وفي السّطور، وذلك تحقيقا لوعد الله تعالى بحفظه، ليبقى حجّة على النّاس إلى أن تقوم السّاعة.
فترى هذا القرآن قد اجتمع عامّة الصّحابة بعد رسول الله ﷺ على
стр. 152
الاعتناء بنقله وضبط تلاوته وأدائه وروايته، وبقي النّاس ينسخون المصاحف عن أصول الصّحابة، ويقرءون بأداء النّقلة المتقنين، في جميع البلدان، وهو كتاب واحد، برسم واحد، يتلى على أنواع من الأداء قد تلقّتها الأجيال عن الأجيال، لا يزيد فرد على فرد في تلاوته على ما في هذا المصحف، وتأتي عليه القرون بعد القرون لا يزال منه شيء عن موضعه، فهذه دور المخطوطات في العالم كلّه في بلاد الإسلام وغيرها فيها ما لا يحصيه إلّا الله من المصاحف الّتي كتبت في الأزمان والبلدان المختلفة، لا ترى مصحفا يختلف عن الآخر في شيء، وهذه بيوت المسلمين لا يكاد يخلو بيت من مصحف، انظر فيها مشرّقا أو مغرّبا، فلن ترى بينها اختلافا.
هذا أحد طريقي نقل القرآن، وهو هذا المصحف وحمل الأمّة له جيلا عن جيل.
أمّا إن جئت إلى قراءات القرّاء، فإنّ الأسانيد بها قد انتهت إلى الدّواوين المتواترة عن أصحابها، وهي الكتب الّتي صنّفها أئمّة القراءة في وجوه الأداء للقرآن كما تلقّوها عن أئمّته الكبار، فلمّا صار ذلك علما مضبوطا في كتب خاصّة فقد أغنى النّاس عن استمرار الإسناد إلى اليوم.
وذلك كتدوين الحديث في الكتب، فإنّه أغنى الأمّة عن الاشتغال بالإسناد بعدها، فهذا «صحيح البخاريّ» مثلا، فهو مقطوع بصحّته إليه، وإن كانت أغلب الأسانيد منه إلى النّبيّ ﷺ غير متواترة، وهذه مفارقة بينه وبين القرآن، فالقرآن بقراءات أئمّة القراءة
محفوظ إلى أولئك الأئمّة
стр. 153
المصنّفين للقراءات بالأسانيد الّتي اجتمعت فيها قرائن التّواتر (١).
نعم، لم يزل الإسناد موجودا تعتني به طائفة من العلماء وغيرهم للقرآن والحديث، لكنّه ليس الطّريق إلى العلم، وإن كان له مصلحة للقرآن خاصّة إذا أخذ عن المشايخ الكبار، وهي أخذ القرآن عن قارئ متقن قد حمله على ذلك الوجه عن شيخ قبله.
وكبار القرّاء الّذين يقومون على مراجعة المصاحف، وعامّتهم ممّن قرأ على الشّيوخ بأسانيدهم، يرجعون في ضبط المصاحف إلى تلك الكتب المصنّفة في الأداء، لا يعتمدون أسانيدهم الخاصّة.
المبحث الثالث: الشبهات حول نقل القرآن
واعلم أنّه لا نزاع في تواتر نقل القرآن الّذي في المصحف عند عامّة المسلمين (٢)، وإنّما نازع بعض أصحاب الضّلالة في تواتره فيما
بين الصّحابة
стр. 154
الّذين جمعوا القرآن في عهد عثمان وبين عهد رسول الله ﷺ ، ولا نزاع عند هؤلاء في التّواتر بعد عثمان وإلى اليوم.
وتعلّقوا بشبهات، يرجع حاصلها إلى ما يأتي:
الشّبهة الأولى: موقف ابن مسعود من الجمع العثمانيّ عامّة، وذكر المعوّذتين فيه خاصّة.
وهذا تقدّم ذكره وإبطال التّعلّق به في المقدّمة السّابقة.
الشّبهة الثّانية: ما كان مذكورا في مصحف أبيّ بن كعب وليس هو في مصاحف المسلمين.
وهذا كذلك سبق ذكره مع بعض مثاله، وأنّ مرجعه إلى أنّ أبيّا ربّما قرأ بالمنسوخ من القرآن، وما كان من ذلك فهو من هذا القبيل على أقصى تقدير، أو يكون أبيّ كتبه في مصحفه لنفسه ليحفظه أو يتعاهده، وذلك أنّ مصحفه كان يخصّه، فجائز أن يكون ذلك بمنزلة تعليقة يزيدها الكاتب في هامش كتاب، وممّا قد يؤكّده أنّه لم يؤثر عن أبيّ إنكار لصنيع عثمان ومن
стр. 155
معه من الصّحابة حين كتبوا المصحف، مع أنّهم كانوا يستشيرونه فيما كانوا يصنعون.
فعن هانئ البربريّ مولى عثمان، قال:
كنت عند عثمان وهم يعرضون المصاحف، فأرسلني بكتف شاة إلى أبيّ بن كعب، فيها: (لم يتسنّ)، وفيها: (لا تبديل للخلق)، وفيها: (فأمهل الكافرين)، قال: فدعا بالدّواة، فمحا إحدى اللّامين، وكتب: لِخَلْقِ اللَّهِ [الرّوم: ٣٠]، ومحا (فأمهل) وكتب: فَمَهِّلِ [الطّارق: ١٧]، وكتب: لَمْ يَتَسَنَّهْ [البقرة: ٢٥٩] ألحق فيها الهاء (١).
الشّبهة الثّالثة: أخبار وردت في قرآن منسوخ التّلاوة.
وسيأتي مثاله في (المقدّمة الرّابعة).
وبطلان الاعتراض بهذا ظاهر، فإنّ الله تعالى أنزل قرآنا نسخت تلاوته، وبقي منه شيء محفوظ في السّنن، ومنه ما أنساه الله النّاس في عهد النّبيّ ﷺ ، وقد قال تعالى: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ
стр. 156
مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: ١٠٦].
الشّبهة الرّابعة: أخبار وردت بزيادات في بعض آيات الكتاب.
وذلك مثل: حديث أسماء بنت يزيد، ﵂، قالت:
سمعت رسول الله ﷺ يقرأ: يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً ولا يبالي
إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزّمر: ٥٣] (١).
وعن عبد الله بن مسعود، ﵁، قال: إنّ أكبر آية في القرآن فرجا آية في سورة الغرف (٢): قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ
اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً
إن شاء (٣).
стр. 157
وعن سعد بن أبي وقّاص، ﵁:
أنّه كان يقرأ هذه الآية: وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ [النّساء: ١٢] لأمّ (١).
فهذا وشبهه لا يجوز الاعتراض به على نقل الجماعة لكتاب الله، إذ لا يخرج عن احتمال أحد أمرين:
الأوّل: أنّها زيادة تفسيريّة أدرجت في السّياق، يكون بعضها من قبيل الحديث المرفوع إلى النّبيّ ﷺ في تفسير القرآن، كزيادة (ولا يبالي) في حديث أسماء بنت يزيد، ويكون بعضها من قبيل الرّأي والاجتهاد لأحد الصّحابة في تفسير الآية، كما في زيادة ابن مسعود في آية الزّمر: (إن شاء)، وكما في زيادة سعد بن أبي وقّاص في آية المواريث: (لأمّ) (٢).
стр. 158
وفي هذا ما يشعر بأنّ المصاحف الخاصّة ببعض الصّحابة، كابن مسعود، ربّما تضمّنت بعض العبارات التّفسيريّة، ولم تجرّد للقرآن.
قال الإمام أبو جعفر النّحّاس بعد ذكر حديث أسماء وابن مسعود في الزّيادة في آية الزّمر: «هاتان القراءتان على التّفسير» (١).
والثّاني: أن تكون تلك الزّيادة قرآنا منسوخا، لم يعلم بنسخه بعض الصّحابة، فقرءوا بالمنسوخ، أو كتبوه في مصاحفهم.
وذلك مثل ما ورد عن أبي يونس مولى عائشة أمّ المؤمنين، أنّه قال:
أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفا، ثمّ قالت: إذا بلغت هذه الآية فآذنّي: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ ٢٣٨ [البقرة: ٢٣٨]، فلمّا بلغتها آذنتها، فأملت عليّ: (حافظوا على الصّلوات
والصّلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين)، ثمّ قالت: سمعتها من رسول الله ﷺ (٢).
стр. 159
فهذا من عائشة ﵂ لعدم علمها بالنّسخ، وحفظ ذلك غيرها، فعن البراء بن عازب، ﵁، قال:
نزلت هذه الآية: (حافظوا على الصّلوات وصلاة العصر)، فقرأناها ما شاء الله، ثمّ نسخها الله، فنزلت: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى (١).
فهذان احتمالان كلاهما أو أحدهما وارد على جميع أنماط هذه الزّيادات، ولا يصحّ أن يستدرك على القرآن المحكم بما ورد عليه الشّكّ، بل رجح أنّه إمّا ليس بقرآن أو هو قرآن منسوخ.
والعجيب أنّ المعترض بمثل هذا على القرآن ممّن ينتسب إلى الإسلام هم الرّافضة الّذين يطعنون أصلا على جميع الصّحابة الّذين نقل عنهم مثل
стр. 160
هذا النّمط من الزّيادات، فليسوا عندهم موضع الثّقة، لكن حين ظنّوا هذه الآثار تخدم أهواءهم تشبّثوا بها!! نعوذ بالله من الهوى.
الشّبهة الخامسة: ما قيل: كان عند القرّاء الّذين قتلوا في حرب الرّدّة قرآن لم يكن عند غيرهم، ولم يعلمه أحد بعدهم، فهذا يعني ذهاب جزء من القرآن.
وأقول: إنّما تعلّق هؤلاء بما نقل عن ابن شهاب الزّهريّ، قال:
بلغنا أنّه كان أنزل قرآن كثير، فقتل علماؤه يوم اليمامة الّذين كانوا قد وعوه، فلم يعلم بعدهم ولم يكتب، وذلك فيما بلغنا حملهم على أن يتبعوا القرآن، فجمعوه في الصّحف في خلافة أبي بكر خشية أن يقتل رجال من المسلمين في المواطن معهم كثير من القرآن، فيذهبوا بما معهم من القرآن ولا يوجد عند أحد بعدهم، فوفّق الله عثمان فنسخ تلك الصّحف في المصاحف، فبعث بها إلى الأمصار، وبثّها في المسلمين (١).
والاعتراض بهذا غلط من جهة الرّواية والدّراية جميعا:
стр. 161
فأمّا الرّواية؛ فهذا بلاغ مرسل، الزّهريّ لم يشهد زمان اليمامة،
بل لم يكن ولد يومئذ، فحرب المرتدّين كانت سنة (١٢) للهجرة، والزّهريّ ولد سنة (٥٠) أو بعدها، فبينه وبين الحدث نحو أربعين عاما أو أكثر، ولم يذكر هذا الخبر عن أحد.
ولا يثبت أهل الإنصاف شيئا بمثل هذا النّمط من الأسانيد.
كان الإمام يحيى بن سعيد القطّان لا يرى إرسال الزّهريّ وقتادة شيئا، ويقول: «هو بمنزلة الرّيح» ويقول: «هؤلاء قوم حفّاظ؛ كانوا إذا سمعوا الشّيء علقوه» (١).
يعني بذلك أنّ أحدهم ربّما سمع الإشاعة فثبتت في قلبه، فحدّث بها، فلا يدرى كيف جاءت، ولا من أين مخرجها، وهذا هو الّذي أسقط الاعتبار بمراسيله، وإنّما يقبل من الزّهريّ من الأخبار ما ذكر إسناده به وسلم ذلك الإسناد من الخلل.
فإذا كان لا يقبل منه المرسل في الأمر السّالم من المعارض، فأولى أن لا يقبل منه خبر كهذا يشكّك في ضياع بعض القرآن الّذي تعهّد ربّ العالمين بحفظه.
ثمّ إنّ هذا المرسل جاء على خلاف الموصول المحفوظ عن الزّهريّ، وذلك أنّه قال:
стр. 162
عن عبيد بن السّبّاق، عن زيد بن ثابت، قال:
أرسل إليّ أبو بكر الصّدّيق، رضوان الله عليه، مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر، رضوان الله عليه، جالس عنده، فقال أبو بكر: إنّ
عمر جاءني فقال: إنّ القتل قد استحرّ يوم اليمامة بقرّاء القرآن، وإنّي أخشى أن يستحرّ القتل في المواطن كلّها فيذهب من القرآن كثير، وإنّي أرى أن تأمر بجمع القرآن، الحديث (١).
стр. 163
فهذا أصل رواية الزّهريّ لهذه القصّة، ليس فيها ما تضمّنه ذلك البلاغ المبتور من التّشكيك.
وأمّا الدّراية؛ فمن وجوه، أهمّها:
أوّلا: في الرّواية الصّحيحة لجمع القرآن على عهد أبي بكر أنّه أمر زيد بن ثابت بذلك، وجرى بينهما مراجعات حتّى اقتنع زيد، فلو كان شيء من القرآن ذهب حقيقة، لكان ذكر ذلك أقوى في حجّة أبي بكر لإقناع زيد، وإنّما دفع أبا بكر لذلك الخوف على مستقبل القرآن من عوارض الزّمن كما يستفاد بوضوح من الرّواية.
ثانيا: أكثر الصّحابة الّذين أمر النّبيّ ﷺ بأخذ القرآن عنهم أو عرفوا بحفظه في عهده، كأبيّ بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وعبد الله بن مسعود وأبي الدّرداء وعبد الله بن عمرو بن العاص؛ كانوا أحياء عند الجمع الأوّل للقرآن، بل أكثرهم بقي إلى زمان الجمع الثّاني في عهد عثمان.
فقد كان جميع القرآن عند هؤلاء، فلم يكن لمقتل من قتل في حرب الرّدّة من أثر على شيء من القرآن.
стр. 164
ثالثا: لم يكن مستند الصّحابة عند جمع القرآن في عهد الصّدّيق حفظ الحفّاظ، إنّما كان الحفظ شاهدا مصدّقا، وكان الاعتماد على ما كتب بأمر رسول الله ﷺ ، إذ ما كان الله تعالى ليدع حجّته الباقية على خلقه لا تحملها إلّا قلوب غير معصومة من نسيان أو سهو أو غلط؛ ولذا قام رسوله المصطفى ﷺ بترتيب أمر بقاء هذا القرآن، فاتّخذ له الكتبة العارفين الأمناء، ولم يتركه لمجرّد حفظهم له في صدورهم؛ لذا لم يرد نصّ واحد يوجب على أفراد الصّحابة أو بعضهم استظهار القرآن، وإنّما ندبهم الشّرع إلى ذلك وحثّهم عليه، ولو تعيّن الاستظهار طريقا لحفظ القرآن لفرضه ولو على طائفة.
فكيف يظنّ بعدئذ أنّ شيئا من القرآن قد فات بموت بعض حفّاظه؟
رابعا: إن كان لهذه الرّواية أصل، فيكون القرآن الّذي لم يعلم ولم يكتب هو ممّا نسخت تلاوته، فإنّ بعض الصّحابة بقي يحفظ الشّيء من المنسوخ حتّى بعد جمع القرآن، ممّا يدلّ على إمكان حمل بعض من قتل في حرب الرّدّة لشيء من ذلك، ولذلك نقول: كان مستند الجمع المكتوب الّذي خلّفه رسول الله ﷺ ، معضّدا بحفظ من شهد العرضة الأخيرة زيد بن ثابت، وإقرار عامّة الصّحابة عليه.
الشّبهة السّادسة: ما روي عن عائشة، ﵂، قالت:
لقد نزلت آية الرّجم، ورضاعة الكبير عشرا، ولقد كان في صحيفة تحت
стр. 165
سريري، فلمّا مات رسول الله ﷺ وتشاغلنا بموته؛ دخل داجن (١) فأكلها.
وهذا حديث لا يصحّ، فأمّا ذكر الرّضاع فيه فغلط (٢).
وأمّا قضيّة الرّجم؛ فقد كان شأنها معلوما عند أصحاب النّبيّ ﷺ ، أنّها كانت قرآنا أنزل، فنسخه الله من القرآن وأحكمت السّنّة حكمه، فذهبت التّلاوة، وبقي الحكم، وعليه أدلّة عديدة، منها:
١ - عن عمر بن الخطّاب، ﵁، قال:
إنّ الله بعث محمّدا ﷺ بالحقّ، وأنزل عليه الكتاب، فكان ممّا أنزل الله آية الرّجم، فقرأناها وعقلناها ووعيناها (وفي رواية: وقد قرأتها: الشّيخ والشّيخة إذا زنيا فارجموهما البتّة)، رجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده، (وفي رواية: ولولا أن يقولوا: أثبت في كتاب الله ما ليس فيه لأثبتّها كما أنزلت)، فأخشى إن طال بالنّاس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرّجم في كتاب الله، فيضلّوا بترك فريضة أنزلها الله، والرّجم في كتاب الله حقّ على من زنى إذا أحصن من الرّجال والنّساء؛ إذا قامت البيّنة، أو كان الحبل، أو
стр. 170
الاعتراف (١).
فهذا صريح في أنّ آية الرّجم ممّا نسخ الله تعالى تلاوته على عهد رسول الله ﷺ ، ولو كان بقي محكما إلى موت النّبيّ ﷺ لما تردّد عمر ولا من معه من الصّحابة في إضافته إلى المصحف، ثمّ لا يبقى المحذور الّذي خافه عمر أن يأتي أحد ينكر الرّجم يقول: ليس في كتاب الله.
٢ - عن زرّ بن حبيش، قال:
قال لي أبيّ بن كعب: كأيّن تقرأ سورة الأحزاب؟ أو كأيّن تعدّها؟ قال: قلت له: ثلاثا وسبعين آية، فقال: قطّ؟ لقد رأيتها وإنّها لتعادل سورة البقرة، ولقد قرأنا فيها: (الشّيخ والشّيخة إذا زنيا فارجموهما البتّة، نكالا من الله، والله عليم حكيم) (٢).
стр. 171
٣ - عن كثير بن الصّلت، قال:
كان سعيد بن العاص وزيد بن ثابت يكتبان المصاحف، فمرّوا على هذه الآية، فقال زيد: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الشّيخ والشّيخة إذا زنيا فارجموهما البتّة»، فقال عمر: لمّا نزلت أتيت رسول الله ﷺ ، فقلت: أكتبنيها، (قال شعبة: فكأنّه كره ذلك)، فقال عمر: ألا ترى أنّ الشّيخ إذا لم يحصن جلد، وأنّ الشّابّ إذا زنى وقد أحصن رجم؟ (١).
هذه القصّة في زمن الجمع في عهد عثمان، وذلك بقرينة ذكر سعيد، وقد حدّث زيد عن النّبيّ ﷺ ثمّ عن عمر في شأن هذه الآية، وفي هذا الحديث
стр. 172
وحديث أبيّ بن كعب قبله أنّ آية الرّجم حقّ، أنزلها الله تعالى وحفظها الصّحابة، والمذكورون هاهنا هم الّذين تولّوا شأن المصاحف، وإنّما لم يكتبوها في المصحف لأنّ
النّبيّ ﷺ لم يأمرهم بكتابتها أصلا، كما يدلّ عليه حديث كثير، وكأنّهم حيث لم يؤمروا بكتابتها علموا أنّها ليست من المصحف، وهذا يؤيّد ما ذكرناه قبل من أنّ مستند الصّحابة في كتابة المصحف هو نفس المكتوب الّذي كتبوه على عهد رسول الله ﷺ بأمره، وحفظ الصّدور إنّما كان شاهدا ومصدّقا.
٤ - عن إسماعيل بن أبي خالد، قال:
سمعت الشّعبيّ وسئل: هل رأيت أمير المؤمنين عليّ بن أبي
طالب، ﵁؟ قال: رأيته أبيض الرّأس واللّحية، قيل: فهل تذكر عنه شيئا؟ قال: نعم، أذكر أنّه جلد شراحة يوم الخميس، ورجمها يوم الجمعة، فقال: جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بسنّة رسول الله ﷺ (١).
فهذا إثبات لكون الرّجم ثبت حكمه بالسّنّة، وهذا مصدّق لما تقدّم من الأخبار أنّ الرّجم نسخت تلاوته وبقي حكمه، ولو مات النّبيّ ﷺ وهو
стр. 173
من جملة كتاب الله؛ لما فات مثله عليّ بن أبي طالب ليقول: (رجمتها بسنّة رسول الله ﷺ .
فهذه الأخبار الصّحيحة كافية لإبطال ما جاء في تلك الرّواية عن عائشة أنّ آية الرّجم كانت مكتوبة في صحيفة أكلتها الدّابّة.
ولو جاءتنا رواية ظاهر إسنادها الصّحّة تخالف نقل الجماعة لكانت تلك الرّواية شاذّة مردودة، فكيف وهي دون ذلك، وخالفت منقول الصّحابة جميعا لأمر خطير تتوافر همم جميعهم على نقله؟
فكيف إذا كان ذلك هو القرآن الّذي أراد الله ربّ العالمين أن يكون حجّته على النّاس أجمعين، يمكّن الله تعالى عنزة من الذّهاب ببعضه؟
فيا للعجب من تفاهات العقول عند مدّعيها من هؤلاء الطّاعنين في القرآن!
الشّبهة السّابعة: نصوص لا يملك صاحبها غير مجرّد الدعوى أنّها من القرآن، ولا يقدر أن يذكر ذلك بإسناد واحد ولو كان ضعيفا، وإنّما افتراها مفتر فنسبها إلى أنّها ممّا أسقطه الصّحابة من القرآن، فتبعه أصحاب الضّلالة من بعده من أشياعه على إفكه؛ لأنّهم حسبوا فيه نصر ما ينتمون إليه، كذاك الّذي سمّته الرّافضة (سورة الولاية).
هذه جملة ما يشبّه به أصحاب الأهواء من الرّافضة أعداء أصحاب رسول الله ﷺ ، ومن أشكالهم، ومن اليهود والنّصارى؛ حسدا من عند أنفسهم لما حرموه من الهدى بتحريفهم لكتابهم.
стр. 174
فتأمّل كيف اجتمع الرّافضة وإيّاهم في هذا! تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ.
وإنّي أحسب من خلال تتبّعي لأباطيلهم أن ليس لهم ما يشبّهون به يخرج عمّا ذكرت، إلّا أن يكون دون ما ذكرت في البطلان والسّقوط.
ومنذ سنين طويلة وأنا أتساءل عن سبب حرص المستشرقين على الكتب الّتي صنّفها بعض علماء الإسلام فيما يتّصل بنقل القرآن، ولا أجد الجواب يرجع إليّ إلّا أنّ هؤلاء حاقدون على دين الإسلام، لهم مقاصد سوء، يبحثون عن طريق للطّعن على القرآن، فتراهم أوّل من اعتنى مثلا بنشر كتاب «المصاحف» لأبي بكر بن أبي داود السّجستانيّ، وهو كتاب مفيد للمشتغلين بالعلم، مصنّفه إمام ابن إمام، فقصد هؤلاء إلى نشره وترجموه إلى بعض لغاتهم ظنّا منهم أنّهم وجدوا فيه بعض مرادهم، لما تضمّنه من حكاية قصّة جمع القرآن، والمصاحف الّتي كانت عند بعض الصّحابة ممّا فيه اختلاف حرف أو ترتيب عن
مصاحف المسلمين، وقد شرحت أنّه ليس من ذلك شيء فيه مطعن على القرآن العظيم.
وهؤلاء المستشرقون مساكين كإخوانهم من أهل البدع، لا يدرون ما الأسانيد، ولا يميّزون صحيح نقل من سقيمه، فجميع الأخبار المحكيّة عندهم مسلّمات، وإنّي لأعذرهم في ذلك، فإنّ اليهود والنّصارى قد حرموا الإسناد، واختصّت به هذه الأمّة الوسط، فأنّى لهم أن يفهموه؟!
***
стр. 175
الفصل الثاني: القراءات
المبحث الأول: أنواع القراءات باعتبار نقلها
القراءات: جمع قراءة، وهي: مذهب من مذاهب النّطق في القرآن يذهب به إمام من القرّاء مذهبا يخالف غيره، مع الموافقة لرسم المصحف، وثبوت الإسناد إلى النّبيّ ﷺ .
وأنواعها أربعة: ١ - متواترة، وهي ما اتّفق عليه القرّاء فيما صحّ نقله عنهم، وهو الغالب في القرآن، وأكثر العلماء يحصر المتواتر بالمنقول عن (السّبعة القرّاء) كعاصم ونافع، وبعضهم يقول: (العشرة القرّاء).
ومن الغلط إطلاق القول: (القراءات السّبع متواترة) يعنون كلّ شيء نسب إليها، وإنّما الواجب في التّواتر اتّفاق النّقلة إلى أولئك القرّاء على شيء واحد، ثمّ اتّفاق القرّاء السّبعة أو العشرة إلى النّبيّ ﷺ على شيء واحد (١).
فإن انفرد الإمام من القرّاء بشيء فلا يصحّ وصفه بالتّواتر.
٢ - مشهورة، وهي ما صحّ إسناده واشتهر عند القرّاء من غير نكير،
стр. 176
ولم يبلغ حدّ التّواتر، مع موافقة الرّسم العثمانيّ والعربيّة.
ومثالها: مواضع اختلاف القرّاء المعروفين السّبعة أو العشرة.
وفيه مصنّفات، ك «التّيسير» لأبي عمرو الدّانيّ، و «الشّاطبيّة» لأبي القاسم بن فيرة الأندلسيّ، و «النّشر» لابن الجزريّ.
٣ - آحاد، وهي ما صحّ سنده، لكن خالف الرّسم العثمانيّ.
مثل كثير من القراءات المرويّة عن آحاد الصّحابة، وعلمت عنهم بالإسناد الّذي يروى به الحديث.
كقراءة عبد الله بن مسعود وأبي الدّرداء، ﵄: (واللّيل إذا يغشى. والنّهار إذا تجلّى. والذّكر والأنثى) (١).
والّذي في المصحف: وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى ٣ [اللّيل: ٣].
وربّما أطلق بعضهم على قراءة الآحاد وصف الشّذوذ؛ لأجل وقوع التّفرّد بها عن نقل الجماعة، لكن لا يصحّ أن يقصد بذلك أنّ تلك القراءات غير محفوظة إلّا أن يراد: غير محفوظة في المصحف،
وذلك لما شرحناه من
стр. 177
قبل من إسقاط المصحف العثمانيّ من الأحرف السّبعة ما لم يتوافق مع الرّسم، فإذا صحّ الإسناد بشيء من تلك الحروف، فإن سلم من النّسخ؛ فهو على حرف من تلك الحروف لا يجوز إلغاء اعتباره.
٤ - شاذّة، وهي ما روي ولم يصحّ سنده.
كقراءة (ملك يوم الدّين) (١).
стр. 178
مسألة: لا تجوز القراءة بالشّاذّ في الصّلاة، ولا إضافته إلى القرآن.
أمّا الآحاد الصّحيحة؛ فأكثر العلماء على منع القراءة بها؛ لأنّ القرآن يطلب فيه اليقين والقطع، وما ليس في المصحف فإنّه يرد عليه من الاحتمال ما لا يمكن معه الجزم بأنّه من القرآن المحكم، كاحتمال النّسخ له تلاوة.
لكن يستفاد من هذا النّوع من القراءات أن تجعل بمنزلة التّفسير للقرآن، أو يستهدى بها في ذلك.
قال الإمام أبو عبيد:
«ما جاء من هذه الحروف الّتي لم يؤخذ علمها إلّا بالإسناد والرّوايات الّتي يعرفها الخاصّة من العلماء دون عوامّ النّاس، فإنّما أراد أهل العلم منها أن يستشهدوا بها على تأويل ما بين اللّوحين، وتكون دلائل على معرفة معانيه وعلم وجوهه».
ثمّ قال بعد أن مثّل ببعض ذلك: «فهذه الحروف وأشباه لها كثيرة قد صارت مفسّرة للقرآن، وقد كان يروى مثل هذا عن بعض التّابعين في التّفسير فيستحسن ذلك، فكيف إذا روي عن لباب أصحاب محمّد ﷺ ثمّ صار في نفس القراءة؟ فهو الآن أكثر من التّفسير وأقوى، وأدنى ما يستنبط من علم هذه الحروف معرفة صحّة التّأويل» (١).
стр. 179
المبحث الثاني: شروط صحة القراءة
لا تصحّ القراءة إلّا إذا حقّقت شروطا ثلاثة:
الأوّل: موافقتها للعربيّة بوجه من الوجوه.
ولا يوجد في قراءات القرّاء المعروفين ما هو خارج عن العربيّة.
قال ابن الجزريّ: «ولا يصدر مثل هذا إلّا على وجه السّهو والغلط وعدم الضّبط، ويعرفه الأئمّة المحقّقون، والحفّاظ الضّابطون، وهو قليل جدّا، بل لا يكاد يوجد» (١). كما قطع- ﵀ باستحالة وجود ما يصحّ نقله ويوافق رسم المصحف؛ وهو مع ذلك ممّا لا يسوغ في العربيّة (٢).
الثّاني: موافقتها لرسم أحد المصاحف العثمانيّة ولو احتمالا.
والمصاحف العثمانيّة قد اختلفت في رسمها في شيء قليل، وكلّه كلام الله تعالى، كقوله : وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [الحديد: ٢٤] هكذا في مصاحف مكّة والبصرة والكوفة، وبه قرأ جميع السّبعة غير نافع وابن عامر، فهذان قرآ على ما في مصاحف المدينة والشّام، وذلك بغير هُوَ.
стр. 180
وكقوله: وَلا يَخافُ عُقْباها ١٥ [الشّمس: ١٥] وفلا يخاف عقباها.
قال الإمام أبو عبيد: «هذه الحروف الّتي اختلفت في مصاحف الأمصار كلّها منسوخة من الإمام الّذي كتبه عثمان، ﵁، ثمّ بعث إلى كلّ أفق ممّا نسخ بمصحف، ومع هذا؛ إنّها لم تختلف في
كلمة تامّة ولا في شطرها، إنّما كان اختلافها في الحرف الواحد من حروف المعجم، كالواو والفاء والألف وما أشبه ذلك، إلّا الحرف الّذي في الحديد وحده، قوله: فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ، فإنّ أهل العراق زادوا على ذينك المصرين (يعني المدينة والشّام): هو، وأمّا سائرها ... فليس لأحد إنكار شيء منها ولا جحده، وهي كلّها عندنا كلام الله» (١).
وجائز أن يكون الوجه في اختلاف الرّسم لهذه الحروف هو:
أنّه حين كتبت أصولها جميعا بإشراف أمير المؤمنين عثمان، من قبل أمناء الوحي زيد بن ثابت وإخوانه، رأوا إمكان تضمين تلك المصاحف بعض الحروف المسموعة من رسول الله ﷺ ممّا تعذّر عليهم رسمه جميعا في مصحف واحد، ففرّقت فيها لتبقى محفوظة على الأمّة، كبعض صور اختلاف الأحرف السّبعة الّتي نزل عليها القرآن.
والمقصود هنا: أنّ من شرط صحّة القراءة أن تكون موافقة لرسم واحد من هذه المصاحف الّتي عليها قراءات الأئمّة المعتمدين.