ولم يبلغ حدّ التّواتر، مع موافقة الرّسم العثمانيّ والعربيّة.
ومثالها: مواضع اختلاف القرّاء المعروفين السّبعة أو العشرة.
وفيه مصنّفات، ك «التّيسير» لأبي عمرو الدّانيّ، و «الشّاطبيّة» لأبي القاسم بن فيرة الأندلسيّ، و «النّشر» لابن الجزريّ.
٣ - آحاد، وهي ما صحّ سنده، لكن خالف الرّسم العثمانيّ.
مثل كثير من القراءات المرويّة عن آحاد الصّحابة، وعلمت عنهم بالإسناد الّذي يروى به الحديث.
كقراءة عبد الله بن مسعود وأبي الدّرداء، ﵄: (واللّيل إذا يغشى. والنّهار إذا تجلّى. والذّكر والأنثى) (١).
والّذي في المصحف: وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى ٣ [اللّيل: ٣].
وربّما أطلق بعضهم على قراءة الآحاد وصف الشّذوذ؛ لأجل وقوع التّفرّد بها عن نقل الجماعة، لكن لا يصحّ أن يقصد بذلك أنّ تلك القراءات غير محفوظة إلّا أن يراد: غير محفوظة في المصحف،
وذلك لما شرحناه من
стр. 177
قبل من إسقاط المصحف العثمانيّ من الأحرف السّبعة ما لم يتوافق مع الرّسم، فإذا صحّ الإسناد بشيء من تلك الحروف، فإن سلم من النّسخ؛ فهو على حرف من تلك الحروف لا يجوز إلغاء اعتباره.
٤ - شاذّة، وهي ما روي ولم يصحّ سنده.
كقراءة (ملك يوم الدّين) (١).
стр. 178
مسألة: لا تجوز القراءة بالشّاذّ في الصّلاة، ولا إضافته إلى القرآن.
أمّا الآحاد الصّحيحة؛ فأكثر العلماء على منع القراءة بها؛ لأنّ القرآن يطلب فيه اليقين والقطع، وما ليس في المصحف فإنّه يرد عليه من الاحتمال ما لا يمكن معه الجزم بأنّه من القرآن المحكم، كاحتمال النّسخ له تلاوة.
لكن يستفاد من هذا النّوع من القراءات أن تجعل بمنزلة التّفسير للقرآن، أو يستهدى بها في ذلك.
قال الإمام أبو عبيد:
«ما جاء من هذه الحروف الّتي لم يؤخذ علمها إلّا بالإسناد والرّوايات الّتي يعرفها الخاصّة من العلماء دون عوامّ النّاس، فإنّما أراد أهل العلم منها أن يستشهدوا بها على تأويل ما بين اللّوحين، وتكون دلائل على معرفة معانيه وعلم وجوهه».
ثمّ قال بعد أن مثّل ببعض ذلك: «فهذه الحروف وأشباه لها كثيرة قد صارت مفسّرة للقرآن، وقد كان يروى مثل هذا عن بعض التّابعين في التّفسير فيستحسن ذلك، فكيف إذا روي عن لباب أصحاب محمّد ﷺ ثمّ صار في نفس القراءة؟ فهو الآن أكثر من التّفسير وأقوى، وأدنى ما يستنبط من علم هذه الحروف معرفة صحّة التّأويل» (١).
стр. 179
المبحث الثاني: شروط صحة القراءة
لا تصحّ القراءة إلّا إذا حقّقت شروطا ثلاثة:
الأوّل: موافقتها للعربيّة بوجه من الوجوه.
ولا يوجد في قراءات القرّاء المعروفين ما هو خارج عن العربيّة.
قال ابن الجزريّ: «ولا يصدر مثل هذا إلّا على وجه السّهو والغلط وعدم الضّبط، ويعرفه الأئمّة المحقّقون، والحفّاظ الضّابطون، وهو قليل جدّا، بل لا يكاد يوجد» (١). كما قطع- ﵀ باستحالة وجود ما يصحّ نقله ويوافق رسم المصحف؛ وهو مع ذلك ممّا لا يسوغ في العربيّة (٢).
الثّاني: موافقتها لرسم أحد المصاحف العثمانيّة ولو احتمالا.
والمصاحف العثمانيّة قد اختلفت في رسمها في شيء قليل، وكلّه كلام الله تعالى، كقوله : وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [الحديد: ٢٤] هكذا في مصاحف مكّة والبصرة والكوفة، وبه قرأ جميع السّبعة غير نافع وابن عامر، فهذان قرآ على ما في مصاحف المدينة والشّام، وذلك بغير هُوَ.
стр. 180
وكقوله: وَلا يَخافُ عُقْباها ١٥ [الشّمس: ١٥] وفلا يخاف عقباها.
قال الإمام أبو عبيد: «هذه الحروف الّتي اختلفت في مصاحف الأمصار كلّها منسوخة من الإمام الّذي كتبه عثمان، ﵁، ثمّ بعث إلى كلّ أفق ممّا نسخ بمصحف، ومع هذا؛ إنّها لم تختلف في
كلمة تامّة ولا في شطرها، إنّما كان اختلافها في الحرف الواحد من حروف المعجم، كالواو والفاء والألف وما أشبه ذلك، إلّا الحرف الّذي في الحديد وحده، قوله: فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ، فإنّ أهل العراق زادوا على ذينك المصرين (يعني المدينة والشّام): هو، وأمّا سائرها ... فليس لأحد إنكار شيء منها ولا جحده، وهي كلّها عندنا كلام الله» (١).
وجائز أن يكون الوجه في اختلاف الرّسم لهذه الحروف هو:
أنّه حين كتبت أصولها جميعا بإشراف أمير المؤمنين عثمان، من قبل أمناء الوحي زيد بن ثابت وإخوانه، رأوا إمكان تضمين تلك المصاحف بعض الحروف المسموعة من رسول الله ﷺ ممّا تعذّر عليهم رسمه جميعا في مصحف واحد، ففرّقت فيها لتبقى محفوظة على الأمّة، كبعض صور اختلاف الأحرف السّبعة الّتي نزل عليها القرآن.
والمقصود هنا: أنّ من شرط صحّة القراءة أن تكون موافقة لرسم واحد من هذه المصاحف الّتي عليها قراءات الأئمّة المعتمدين.
стр. 181
الثّالث: صحّة الإسناد إلى النّبيّ ﷺ .
فهذه الثّلاثة شروط صحّة القراءة، ولا بدّ من اجتماعها، وإلّا فلا تكون القراءة صحيحة معدودة من القرآن على سبيل القطع واليقين.
المبحث الثالث: فوائد اختلاف القراءات
اختلاف القراءات من باب اختلاف التّنوّع، لا اختلاف التّضادّ، وحيث تصحّ القراءة، كقراءات القرّاء السّبعة؛ فإنّ لها من المعاني شيئا عظيم الأثر، توقن معه نفس العارف أنّ هذا القرآن بجميع وجوه قراءاته من عند الله، فمن أبرز تلك الفوائد:
١ - التّخفيف على الأمّة ورفع الحرج عنها بالقراءة على الوجه المتيسّر لها خاصّة ما يتّصل بأحكام مخارج الحروف وصفاتها ونحو ذلك.
ولقد علمنا أنّ من حكمة إنزال القرآن على سبعة أحرف التّيسير على الأمّة، والاختلاف في القراءات الصّحيحة جزء من اختلاف الأحرف السّبعة الّتي أنزل عليها القرآن.
٢ - الإبانة عن الإعجاز بتنوّع وجوه التّلاوة، فإنّ الاختلاف في الحرف ربّما دلّ على معان من العلم لا توجد في الحرف الآخر، فتكون الكلمة الواحدة تؤدّى على صورتين أو أكثر من النّطق تدلّ كلّ صورة منها على معنى غير الّذي دلّت عليه الأخرى.
стр. 182
وذلك مثل:
[١] قوله تعالى: وَأَرْجُلَكُمْ [المائدة: ٦] بفتح اللّام عطفا على الأيدي في الغسل في قراءة نافع وابن عامر والكسائيّ وعاصم من رواية حفص، وبكسر اللّام عطفا على الرءوس في المسح في قراءة الباقين وعاصم من رواية أبي بكر بن عيّاش.
وهذه الثّانية دلّت على المسح على الخفّين في قول كثير من أهل العلم.
[٢] وقراءة ابن كثير وأبي عمرو والكسائيّ: سَواءٌ عَلَيْنا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ إِنْ هذا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ ١٣٧ [الشّعراء: ١٣٦ - ١٣٧] أي: ما جئت به كذب وافتراء الأوّلين، وقرأ باقي السّبعة: خُلُقُ أي عادة، فردّوا عليه وعظه قائلين: هذا الّذي نحن عليه عادة الأوّلين وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ١٣٨ [الشّعراء: ١٣٨].
٣ - تفسير الإجمال في قراءة أخرى، كما في قراءة وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ [البقرة: ٢٢٢] لأكثر السّبعة، ويَطْهُرْنَ لحمزة والكسائيّ ورواية عن عاصم، ففي الأولى إجمال في احتمال أن تكون طهارتهنّ بمجرّد انقطاع الدّم، وفي الثّانية إبانة عن كون ذلك باغتسالهنّ بعد انقطاع الدّم.
стр. 183
الفصل الثالث: أئمة القراءة
المبحث الأول: القراءة سنة متبعة
كان جماعة من أئمّة السّلف يقولون: «القراءة سنّة متّبعة»، أي:
يأخذها اللّاحق عن السّابق، ويقف الإنسان فيها عند المسموع، لا يقرأ كما يشاء.
قال أبو عبيد: «وإنّما نرى القرّاء عرضوا القراءة على أهل المعرفة بها ثمّ تمسّكوا بما علموا منها؛ مخافة أن يزيغوا عمّا بين اللّوحين بزيادة أو نقصان، ولذا تركوا سائر القراءات الّتي تخالف الكتاب، ولم يلتفتوا إلى مذاهب العربيّة فيها إذا خالف ذلك خطّ المصحف، وإن كانت العربيّة فيه أظهر بيانا من الخطّ، ورأوا تتبّع حروف المصاحف وحفظها كالسّنن القائمة الّتي لا يجوز لأحد أن يتعدّاها» (١).
ومن الحجّة على ذلك حديث أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، ﵁، قال: إنّ رسول الله ﷺ يأمركم أن تقرءوا كما علّمتم (٢).
стр. 184
وعن زيد بن ثابت، ﵁، قال: القراءة سنّة (١).
وعن محمّد بن المنكدر، قال: القراءة سنّة، يأخذها الآخر عن الأوّل (٢).
وعن عروة بن الزبير، قال: إنّما قراءة القرآن سنّة من السّنن، فاقرءوه كما علّمتموه (٣).
وهذه الآثار تعني أيضا أنّ طريق ضبط قراءة القرآن هو السّماع
والتّلقّي من أفواه الشّيوخ، لا يكفي فيه مجرّد الأخذ عن المصحف، حتّى يكون ذلك منقولا محفوظا عن أهله (٤).
стр. 185
المبحث الثاني: رواة السبعة
ثقات النّاس الّذين اعتنوا بكتاب الله قراءة وإقراء على مرّ القرون من لدن رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا لا يحصيهم إلّا الله وحده، وأئمّة القراءة المشهورون من بينهم خلق كثير، اعتنى بجمع سيرهم وأحوالهم جماعة من كبار العارفين بهم، فمن أبرز ما صنّف فيهم على سبيل الإفراد:
١ - معرفة القرّاء الكبار، لإمام المؤرّخين الحافظ شمس الدّين أبي عبد الله الذّهبيّ (المتوفّى سنة: ٧٤٨ هـ).
٢ - غاية النّهاية في طبقات القرّاء، لإمام القرّاء شمس الدّين أبي الخير ابن الجزريّ (المتوفّى سنة: ٨٣٣ هـ).
وأدنى ما ينبغي العلم به من سير هؤلاء وأحوالهم معرفة من انتهت أمّة الإسلام في الأمصار إلى نقلهم، وصارت إلى حفظهم وضبطهم، الأئمّة السّبعة الّذين تنسب إليهم القراءات السّبع، ومن عرف بالتّقدّم في حمل قراءاتهم من بعدهم من تلامذتهم أو ممّن بعدهم ممّن تنسب إليهم روايات تلك القراءات.
وتتمّة للبحث في نقل القرآن، فهذا مختصر في التّعريف بهؤلاء
الأعلام، إذ هم حلقة من أهمّ حلقات سلسلته، مستخلصا بيان درجاتهم في الرّواية والنّقل من كلام أئمّة الشّأن العارفين، معتمدا منهجيّة سادة أئمّة الجرح والتّعديل في علم النّقلة:
стр. 186
١ - إمام أهل المدينة نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم المدني
قرأ على سبعين من التّابعين، وأقرأ أكثر من سبعين سنة، وكان حجّة في القراءة، صدوقا في الحديث.
وكان جماعة من الكبار يستحبّون قراءته:
فعن مالك بن أنس، قال: «قراءة نافع سنّة» (١).
وقال عبد الله بن وهب المصريّ: «قراءة أهل المدينة سنّة»، قيل له: قراءة نافع؟ قال: «نعم، وعلى قراءة نافع اجتمع النّاس بالمدينة:
العامّة منهم والخاصّة» (٢).
وعن اللّيث بن سعد: أنّه حجّ؛ فوجد نافعا إمام النّاس في القراءة لا ينازع (٣).
وسأل عبد الله بن أحمد بن حنبل أباه: أيّ القراءتين أحبّ إليك؟
قال: «قراءة أهل المدينة» (٤).
стр. 187
توفّي نافع سنة (١٦٩ هـ).
اشتهر بنقل قراءته تلميذاه:
١ - ورش، واسمه: عثمان بن سعيد القبطيّ المصريّ.
لقّبه ب (ورش) شيخه نافع، وذلك لشدّة بياضه، والورش شيء يصنع من اللّبن، أو اسم الطّائر المعروف ب (الورشان).
كان ثقة حجّة في القراءة، وانتهت إليه في زمانه رئاسة الإقراء بمصر (١)، توفّي سنة (١٩٧ هـ).
٢ - قالون، واسمه: عيسى بن مينا بن وردان الزّرقيّ المدنيّ.
(قالون) بالرّوميّة: جيّد، ولقّبه به شيخه نافع لجودة قراءته (٢).
وكان حجّة في القراءة، صدوقا في الحديث، توفّي سنة (٢٢٠ هـ).
٢ - إمام أهل مكة عبد الله بن كثير بن عمرو الداري
كان بصيرا بالعربيّة فصيحا، حجّة في القراءة، ثقة في الحديث، وكان الشّافعيّ يختار قراءته (٣).
توفّي سنة (١٢٠ هـ).
стр. 188
اشتهر بنقل قراءته:
١ - البزّيّ، واسمه: أحمد بن محمّد بن عبد الله المكّيّ.
كان إماما ثبتا في القراءة، لكنّه ضعيف في الحديث، ولعلّه شغله الاعتناء بالقرآن عن ضبط الحديث (١)، توفّي سنة (٢٥٠ هـ).
ويروي القراءة عن عكرمة بن سليمان بن كثير، عن شبل بن عبّاد، وإسماعيل بن عبد الله بن قسطنطين، كلاهما عن عبد الله بن كثير.
وهذا إسناد جيّد.
٢ - قنبل، واسمه: محمّد بن عبد الرّحمن بن محمّد المخزوميّ.
كان ثقة متقنا للقراءة، توفّي سنة (٢٩١ هـ).
أخذ القراءة عن أبي الحسن أحمد بن محمّد بن علقمة القوّاس، عن وهب بن واضح أبي الإخريط، عن ابن قسطنطين، عن معروف بن مشكان، وشبل بن عبّاد، عن عبد الله بن كثير.
وهذا إسناد جيّد.
стр. 189
٣ - إمام أهل البصرة أبو عمرو بن العلاء المازني
اختلف في اسمه، والأكثر أنّه: زبّان.
كان من أئمّة النّاس في العربيّة والقرآن مع الأمانة والدّين والثّقة.
قال ابن مجاهد: «كان مقدّما في عصره، عالما بالقراءة
ووجوهها، قدوة في العلم باللّغة، إمام النّاس في العربيّة، وكان مع علمه وفقهه بالعربيّة متمسّكا بالآثار، لا يكاد يخرج اختياره عمّا جاء عن الأئمّة قبله، متواضعا في علمه، قرأ على أهل الحجاز، وسلك في القراءة طريقهم، ولم تزل العلماء في زمانه تعرف له تقدّمه، وتقرّ له بفضله، وتأتمّ في القراءة بمذاهبه» (١).
وقد قال شعبة بن الحجّاج لتلميذه عليّ بن نصر الجهضميّ:
«انظر ما يقرأ به أبو عمرو ممّا يختار لنفسه، فإنّه سيصير للنّاس إسنادا» (٢).
فقال ابن الجزريّ: «وقد صحّ ما قاله شعبة، ﵀، فالقراءة الّتي عليها النّاس اليوم بالشّام والحجاز واليمن ومصر هي قراءة أبي عمرو، فلا تكاد تجد أحدا يلقّن القرآن إلّا على حرفه، ... ولقد كانت الشّام تقرأ بحرف ابن عامر إلى حدود الخمس مائة فتركوا ذلك، ... وأنا أعدّ ذلك من كرامات شعبة» (٣).
стр. 190
توفّي سنة (١٥٤ هـ).
اشتهر بنقل قراءته:
١ - الدّوريّ: أبو عمر حفص بن عمر بن عبد العزيز البغداديّ.
كان ثبتا حجّة في القراءة، ليس بمتقن في الحديث، توفّي سنة (٢٤٦ هـ).
٢ - السّوسيّ: أبو شعيب صالح بن زياد.
كان حجّة في القراءة، ثقة في الحديث، توفّي سنة (٢٦١ هـ).
أخذ الدّوريّ والسّوسيّ القراءة عن أبي محمّد يحيى بن المبارك اليزيديّ، عن أبي عمرو.
وهذا إسناد صحيح.
٤ - إمام أهل الشام عبد الله بن عامر اليحصبي
من أئمّة التّابعين، كان إمام الجامع بدمشق، حجّة في القراءة، ثقة في الحديث، وكانت قراءته قراءة أهل الشّام في القرون الأولى.
توفّي سنة (١١٨ هـ).
اشتهر بنقل قراءته:
١ - هشام بن عمّار أبو الوليد السّلميّ.
كان ثبتا في القراءة، صدوقا في الحديث، توفّي سنة (٢٤٥ هـ).
стр. 191
أخذ القراءة عن عراك بن خالد بن يزيد المرّيّ، وأيّوب بن تميم، وغيرهما، عن يحيى بن الحارث الذّماريّ، عن ابن عامر.
وهذا إسناد صحيح.
٢ - ابن ذكوان، واسمه: عبد الله بن أحمد بن بشير بن ذكوان البهرانيّ.
كان ثقة حجّة في القراءة، صدوقا في الحديث، قال أبو زرعة الدّمشقيّ: «لم يكن بالعراق ولا بالحجاز ولا بالشّام ولا بمصر ولا
بخراسان في زمان عبد الله بن ذكوان أقرأ منه عندي» (١)، توفّي سنة (٢٤٢ هـ).
أخذ القراءة عن أيّوب بن تميم، عن يحيى بن الحارث، عن ابن عامر.
وهذا إسناد صحيح.
٥ - إمام أهل الكوفة عاصم بن بهدلة ابن أبي النّجود الأسدي
انتهت إليه رئاسة الإقراء بالكوفة بعد أبي عبد الرّحمن السّلميّ، وكان فصيحا متقنا، ومن أحسن النّاس صوتا بالقرآن، صدوقا في الحديث.
قال أبو إسحاق السّبيعيّ (وكان فصيحا لا يلحن): «ما رأيت أحدا أقرأ للقرآن من عاصم بن أبي النّجود، ما أستثني أحدا من أصحاب عبد الله» (٢) يعني: لا يقول إنّ أحدا من أصحاب ابن مسعود كان أقرأ للقرآن منه.
стр. 192
وكان أحمد بن حنبل يرى قراءته في التّرتيب بعد قراءة نافع، فحين سأله ابنه عبد الله: أيّ القراءتين أحبّ إليك؟ قال: «قراءة أهل المدينة، فإن لم يكن فعاصم» (١).
توفّي عاصم سنة (١٢٧ هـ).
اشتهر بنقل قراءته تلميذاه:
١ - أبو بكر بن عيّاش الأسديّ الكوفيّ، قيل: اسمه شعبة.
كان ثبتا حجّة في القراءة، ثقة صدوقا في الحديث، وكان الإمام أحمد بن حنبل يفضّل روايته عن عاصم على رواية حفص (٢)، توفّي سنة (١٩٣ هـ).
٢ - حفص بن سليمان الأسديّ الكوفيّ.
كان حجّة في القراءة، ليس بشيء في الحديث.
قال الذّهبيّ: «أمّا في القراءة فثقة ثبت ضابط لها، بخلاف حاله في الحديث» (٣).
توفّي سنة (١٨٠ هـ).
وعلى رواية حفص اليوم أكثر مصاحف المسلمين وقراءتهم.
стр. 193
٦ - إمام أهل الكوفة حمزة بن حبيب الزيات
من أئمّة القراءة والفرائض والعربيّة بالكوفة، مع الدّين والصّلاح والعبادة والثّقة.
كان يقول: «ما قرأت حرفا قطّ إلّا بأثر» (١).
وشهد له بذلك الإمام سفيان الثّوريّ، فقال: «ما قرأ حرفا من كتاب الله إلّا بأثر» (٢).
وكان الثّوريّ قد عرض القرآن على حمزة أربع عرضات (٣).
وأمّا ما ورد عن بعض العلماء من كراهة قراءة حمزة؛ فجميع من روي عنه ذلك لم يسمعوا قراءة حمزة منه، وإنّما سمعوها من النّاس، إذ كانت القراءة الشّائعة في الكوفة، وكانت العامّة ربّما بالغت في الإدغام والمدّ والإمالة والهمز، فرأى بعض العلماء ذلك تكلّفا، فعابوا تلك القراءة.
قال محمّد بن الهيثم العكبريّ (وكان ضابطا لقراءة حمزة):
«واحتجّ من عاب قراءة حمزة بعبد الله بن إدريس أنّه طعن فيها، وإنّما كان سبب هذا أنّ رجلا ممّن قرأ على سليم حضر مجلس ابن إدريس عبد الله، فقرأ، فسمع ابن
стр. 194
إدريس ألفاظا فيها إفراط في المدّ والهمز وغير ذلك من التّكلّف المكروه، فكره ذلك ابن إدريس وطعن فيه».
قال ابن الهيثم: «وهذا الطّريق عندنا مكروه مذموم، وقد كان حمزة يكره هذا وينهى عنه، وكذلك من أتقن القراءة من أصحابنا» (١).
فهذا حمزة قرأ وأقرأ بما سمع بالإسناد الصّحيح، ونهى عن التّكلّف في النّطق في التّلاوة، فما عليه بعد ذلك من بأس في قراءته،
ولذا صار النّاس من بعد إلى عدّه من الأئمّة السّبعة الّذين عليهم الاعتماد في القراءة.
توفّي حمزة سنة (١٥٦ هـ).
اشتهر بنقل قراءته:
١ - خلف بن هشام أبو محمّد البزّار (٢).
كان ثقة حجّة فاضلا، له اختيار في القراءة أقرأ به، فعدّ أحد القرّاء العشرة، توفّي سنة (٢٢٩ هـ).
٢ - خلّاد بن خالد الشّيبانيّ الكوفيّ.
كان صدوقا متقنا، توفّي سنة (٢٢٠ هـ).
أخذ خلف وخلّاد القراءة عن سليم بن عيسى الحنفيّ، عن حمزة.
وهذا إسناد صحيح.
стр. 195
٧ - إمام أهل الكوفة علي بن حمزة الكسائي
كان أحد أركان العربيّة والقراءة.
قال أبو عبيد: «كان من أهل القراءة، وهي كانت علمه وصناعته، ولم نجالس أحدا كان أضبط ولا أقوم بها منه» (١).
توفّي سنة (١٨٩ هـ).
اشتهر بنقل قراءته تلميذاه:
١ - أبو الحارث اللّيث بن خالد البغداديّ.
كان ثقة ضابطا، مقدّما في قراءة الكسائيّ، توفّي سنة (٢٤٠ هـ).
٢ - الدّوريّ: أبو عمر حفص بن عمر بن عبد العزيز البغداديّ (٢).
هؤلاء أئمّة القراءة ورواة قراءاتهم، ولكلّ منهم أسانيده في روايته إلى النّبيّ ﷺ ، تستفاد من مظانّها، ككتاب «السّبعة» لابن مجاهد، و «التّيسير في القراءات السّبع» للدّاني، و «النّشر في القراءات العشر» لابن الجزريّ.
...
стр. 196
المقدمة الرابعة النسخ في القرآن
الفصل الأول: معنى النسخ وثبوته وحكمته الفصل الثاني: شروط ثبوت النسخ، وما يقع به، وطريق معرفته الفصل الثالث: أنواع النسخ في القرآن الفصل الرابع: مسائل في النسخ الفصل الخامس: شبهات حول النسخ ودحضها
***
стр. 197
الفصل الأول: معنى النسخ وثبوته وحكمته
المبحث الأول: معنى النسخ
المراد ب (النّسخ) في لسان العرب: الرّفع والإزالة، ومنه يقال:
(نسخ الكتاب) رفع منه إلى غيره، و (نسخت الشّمس الظّلّ) أزالته.
أمّا في استعمال أهل العلم، فقد عرّف أكثر أهل الأصول النّسخ بأنّه:
رفع حكم شرعيّ عمليّ جزئيّ ثبت بالنّصّ بحكم شرعيّ عمليّ جزئيّ ثبت بالنّصّ ورد على خلافه، متأخّر عنه في وقت تشريعه، ليس متّصلا به.
فالرّفع هو (النّسخ)، والحكم الشّرعيّ المرفوع هو (المنسوخ)، والحكم الشّرعيّ المتأخّر هو (النّاسخ).
وهذا المعنى مستفاد من دلالة اللّغة مع موافقة دلالة القرآن في استعمال هذا اللّفظ، على ما سأبيّنه.
ويمكن القول: إنّ ابتداء هذا التّعريف المستقرّ اصطلاحا للنّسخ إنّما ظهر في كلام الإمام الشّافعيّ (١)، ولم يكن مطّردا قبله وإن كان موجودا،
стр. 198
فقد كانوا يطلقون لفظ (النّسخ) على ما هو أوسع من ذلك.
معنى النسخ عند السلف:
ولمّا تكرّر استعمال السّلف قبل الشّافعيّ لعبارات النّسخ في كلامهم على وجوه مختلفة من المعاني، فإنّه ينبغي الوقوف على مرادهم بذلك، وحاصل القول فيه أنّه واقع على ما يمكن تقسيمه إلى قسمين:
الأوّل: نسخ كلّيّ.
وهو النّسخ بالمعنى الأصوليّ، وستأتي في هذا الباب جملة من أمثلته.
والثّاني: نسخ جزئيّ، وهذا على خمسة أنواع:
١ - تخصيص العامّ:
وذلك بورود النّصّ بلفظ يدلّ على استيعاب جميع ما يتناوله ذلك اللّفظ، ثمّ يأتي التّخصيص فيخرج به بعض أفراد ذلك العامّ ويبقى ما سواه مرادا باللّفظ.
مثاله: خبر ابن عبّاس، ﵄، قال:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا الآية [النّور: ٢٧]، ثمّ نسخ واستثنى من ذلك: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ [النّور: ٢٩] (١).
стр. 199
ففي الآية الأولى نهى الله عن دخول بيوت الآخرين قبل الاستئذان، وذلك شامل بلفظه لجميع بيوتهم، ثمّ خصّ من النّهي ما كان من تلك البيوت غير مسكون يدخله الإنسان لتحصيل حاجة، فأباح دخوله دون استئذان.
فسمّى ابن عبّاس التّخصيص نسخا مع استمرار العمل بالنّصّ الأوّل.
٢ - تقييد المطلق:
وذلك بورود النّصّ بلفظ يتناول شيئا أو شخصا غير محدّد، فيأتي في موضع آخر ما يحدّده.
مثاله: قول قتادة وغيره من السّلف في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ [آل عمران: ١٠٢] قالوا: نسخت بقوله تعالى:
فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التّغابن: ١٦] (١).
أمر الله تعالى بالتّقوى أمرا مطلقا في الآية الأولى، ومقيّدا بالاستطاعة في الآية الثّانية، والقاعدة في هذا بناء المطلق على المقيّد، وفي القيد تضييق
стр. 200
للسّعة في الإطلاق لا إلغاء معناه، فأنت ترى أنّ الأمر بالتّقوى حاصل بالآيتين، لكن أزيح عن الآية الأولى ما قد يفهم من لفظها الواسع، فيقع للنّاس من الحرج ما لا طاقة لهم به، ففسّرت الآية الثّانية المراد وحدّدته.
فسمّوا تقييد المطلق نسخا مع أنّ العمل بالآية الأولى محكم لم يترك، إنّما بيّن وجهه بالآية الثّانية.
٣ - تبيين المجمل وتفسيره:
كما وقع عند نزول قوله تعالى: وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ [البقرة: ٢٨٤].
فعن أبي هريرة، قال:
لمّا نزلت على رسول الله ﷺ : لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، قال: فاشتدّ ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ ، فأتوا رسول الله ﷺ ، ثمّ بركوا على الرّكب فقالوا: أي رسول الله، كلّفنا من الأعمال ما نطيق: الصّلاة والصّيام والجهاد والصّدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها، قال رسول الله ﷺ : «أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم:
سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربّنا وإليك المصير»، قالوا: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربّنا وإليك المصير، فلمّا
اقترأها القوم ذلّت بها ألسنتهم، فأنزل الله
стр. 201
في إثرها: آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ٢٨٥، فلمّا فعلوا ذلك نسخها الله تعالى، فأنزل الله :
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا قال: نعم، رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا قال: نعم، رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ قال: نعم، وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ قال: نعم (١).
فهذا الّذي نزل من القرآن من بعد من وعد الله تعالى لعباده المؤمنين بالمغفرة غير مناف للمحاسبة لهم عمّا أسرّوا؛ لأنّ المحاسبة لا تعني العذاب، كما قال الله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً ٩ [الانشقاق: ٧ - ٩]، وأمّا إضمار الكفر والنّفاق وبغض المؤمنين وموالاة الكافرين، فتلك من أعمال القلوب الّتي يحاسب عليها صاحبها ويؤاخذ بها.
كما يدلّ أنّ هذه الآية محكمة: امتناع النّسخ في الأخبار أصلا، وسيأتي.
стр. 202
٤ - ترك العمل بالنّصّ مؤقّتا لتغيّر الظّرف:
والمراد به الإزالة الوقتيّة للعمل بالنّصّ الأوّل، لا إسقاط العمل
به مطلقا، فاستعماله لم يزل قائما، لكنّه موقوف حتّى يكون الوقت الّذي يناسبه، وليس هكذا النّسخ بمعناه الاصطلاحيّ؛ لأنّ هذه الصّورة ليست معارضة بين نصّين نفى المتأخّر منهما المتقدّم.
ومثاله جميع الآيات الآمرة بالعفو أو الصّفح أو الإعراض عن المشركين والكفّار، مع الآيات الآمرة بقتالهم أو بأخذ الجزية منهم، فقد زعم بعض السّلف أنّ القتال أو أخذ
الجزية قد نسخ الحكم الأوّل.
كما قال التّابعيّ قتادة بن دعامة السّدوسيّ: «كلّ شيء في القرآن فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ منسوخ، نسخته براءة والقتال» (١).
وهذا هو الّذي عبّرت عنه طائفة بقولهم: (منسوخ بآية السّيف)، يريدون بقوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التّوبة: ٥].
وجميع ذلك ليس من باب النّسخ في شيء، إذ شروط النّسخ منتفية فيه، والعمل بالنّصّين جميعا حاصل.
ولبعض العلماء في هذا النّمط من النّصوص تفسير حسن يبقي على الإعمال للنّصّين، كلّ منهما في وقته المناسب له، ويجعل ترك العمل المؤقّت
стр. 203
بأحدهما ممّا يندرج تحت قوله تعالى: أَوْ نُنْسِها [البقرة: ١٠٦] على قراءتي عبد الله بن كثير المكّيّ وأبي عمرو بن العلاء البصريّ من السّبعة، فقال الزّركشيّ: «ما أمر به لسبب ثمّ يزول السّبب، كالأمر حين الضّعف والقلّة بالصّبر وبالمغفرة للّذين لا يرجون لقاء الله، ونحوه من عدم إيجاب الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر والجهاد ونحوها، ثمّ نسخه إيجاب ذلك، وهذا ليس بنسخ في الحقيقة، وإنّما هو نسء، كما
قال تعالى: أَوْ نُنْسِها، فالمنسأ هو الأمر بالقتال إلى أن يقوى المسلمون، وفي حال الضّعف يكون الحكم وجوب الصّبر على الأذى، وبهذا التّحقيق تبيّن ضعف ما لهج به كثير من المفسّرين في الآيات الآمرة بالتّخفيف أنّها منسوخة بآية السّيف، وليست كذلك، بل هي من المنسأ، بمعنى أنّ كلّ أمر ورد يجب امتثاله في وقت ما لعلّة توجب ذلك الحكم، ثمّ ينتقل بانتقال تلك العلّة إلى حكم آخر، وليس بنسخ، إنّما النّسخ الإزالة حتّى لا يجوز امتثاله أبدا» (١).
٥ - نقل حكم الإباحة الأصليّة:
والمراد به ما كان مسكوتا عنه من الأشياء، كالمآكل والمشارب والملابس، وشبه ذلك، فكان حكمه قبل ورود النّاقل على الإباحة، وهي حكم مستفاد من مجرّد سكوت الشّارع عن ذلك.
فوقع في كلام بعض السّلف إطلاق اسم النّسخ على تغيير تلك الإباحة
стр. 204
إلى حكم جديد بالنّصّ.
مثاله: ما وقع منهم في شأن تحريم الخمر، فإنّ النّصوص جاءت فيه على النّحو الّذي ورد في حديث أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب، ﵁، أنّه قال:
اللهمّ بيّن لنا في الخمر بيان شفاء، فنزلت الّتي في البقرة:
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ [البقرة: ٢١٩]، فدعي عمر فقرئت عليه، فقال: اللهمّ بيّن لنا في الخمر بيان شفاء، فنزلت الّتي في النّساء:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى [النّساء: ٤٣]، فدعي
عمر فقرئت عليه، ثمّ قال: اللهمّ بيّن لنا في الخمر بيان شفاء، فنزلت الّتي في المائدة: إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ إلى قوله: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة: ١٩]، فدعي عمر فقرئت عليه، فقال: انتهينا، انتهينا (١).
стр. 205
وكان ابن عبّاس يطلق اسم (النّسخ) على ما أفادت الآيتان الأوليان من الإباحة المضيّقة للخمر، فكان يقول:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى، ويَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ، نسختهما الّتي في المائدة: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ الآية (١).
فهذا الّذي جاءت به هذه الآيات لم يكن نسخا لشيء، إنّما كانت الخمر قبل نزول هذه الآيات مباحة، لكونها ممّا كان النّاس يتعاطونه كسائر مشاربهم المباحة بأصلها، إذ لم يرد المانع، فلمّا نزلت آية البقرة دلّت النّاس على ما فيها من الضّرر وأخرجتها من دائرة الإباحة المطلقة إلى إباحة مضيّقة، فلمّا نزلت آية النّساء زادت في التّضييق ولم تحرّم تحريما مطلقا، فلمّا
стр. 206
نزلت آية المائدة أتت على ما بقي من الإباحة الّتي لم تتناولها الآيتان السّابقتان، فهي آيات مصدّقة لبعضها، وليس بينها تناسخ، إذ من شرط صحّة النّسخ- كما سيأتي- ثبوت التّعارض بين النّاسخ والمنسوخ، وهذا معدوم هاهنا فيما بين هذه الآيات، ثمّ إنّ ما دلّت عليه من الحكم لم يسبق إلّا بالإباحة الثّابتة بسكوت الشّارع، لا بنصّه.
ولو صحّ إطلاق النّسخ على نقل حكم الإباحة الأصليّة إلى حكم آخر بدليل الشّرع، لساغ أن نقول في كلّ آية تحريم: هي ناسخة لما كان عليه الحال قبل نزولها، وهذا مخالف لما دلّ عليه القرآن من معنى النّسخ، كما ستعلمه من المباحث التّالية (١).
إذا فهذه الوجوه الخمسة الّتي وقع إطلاق (النّسخ) عليها في كلام السّلف، ليست في التّحقيق من باب النّسخ الّذي استقرّ معناه عند أهل العلم من بعد، وجميعها ممّا يجب التّنبّه له؛ وذلك خشية إبطال العمل بنصّ من نصوص القرآن بالظنّ والوهم، فإنّ أكثر ما ادّعي فيه النّسخ يرجع إلى هذه الوجوه.
فإن قلت: فلم سمّوا ذلك نسخا؟
قلت: يجيب عن ذلك العلّامة الشّاطبيّ بقوله: «لأنّ جميع ذلك
مشترك في معنى واحد، وهو أنّ النّسخ في الاصطلاح المتأخّر اقتضى أنّ الأمر
стр. 207
المتقدّم غير مراد في التّكليف، وإنّما المراد ما جيء به آخرا، فالأوّل غير معمول به، والثّاني هو المعمول به.
وهذا المعنى جار في تقييد المطلق، فإنّ المطلق متروك الظّاهر مع مقيّده، فلا إعمال له في إطلاقه، بل المعمل هو المقيّد، فكأنّ المطلق لم يفد مع مقيّده شيئا، فصار مثل النّاسخ والمنسوخ.
وكذلك العامّ مع الخاصّ، إذ كان ظاهر العامّ يقتضي شمول الحكم لجميع ما يتناوله اللّفظ، فلمّا جاء الخاصّ أخرج حكم ظاهر العامّ عن الاعتبار، فأشبه النّاسخ والمنسوخ، إلّا أنّ اللّفظ العامّ لم يهمل مدلوله جملة، وإنّما أهمل منه ما دلّ عليه الخاصّ، وبقي السّائر على الحكم الأوّل.
والمبيّن مع المبهم كالمقيّد مع المطلق.
فلمّا كان كذلك استسهل إطلاق لفظ (النّسخ) في جملة هذه المعاني؛ لرجوعها إلى شيء واحد» (١).
المبحث الثاني: ثبوت النسخ في الكتاب والسنة
النّسخ واقع في نصوص الوحي بدلالة الكتاب والسّنّة، فمن أدلّة ذلك من كتاب الله تعالى ما يلي:
١ - قوله : ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ
стр. 208
مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: ١٠٦].
هذه الآية برهان صريح على وقوع النّسخ في القرآن، بمعنى الإزالة والتّبديل، وذلك بأن ينزل الله على نبيّه ﷺ آية على خلاف آية نزلت قبلها، تغيّر حكمها إلى حكم جديد، هو أرفق بالنّاس أو أعظم لهم ثوابا وأفضل عاقبة ممّا كان لهم قبل ذلك.
كما في الآية دليل على إمكان نسخ الآية بوحي سواها، دون أن يكون ذلك الوحي قرآنا يتلى.
فإن قلت: فأين توجدنا ذلك فيها؟
قلت: في قوله : نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها، ولم يقل:
(نأت بآية خير منها أو مثلها).
فإن قلت: لكن كيف يكون شيء غير الآية خيرا منها أو مثلها؟
قلت: التّفاضل بين الآيات ليس من جهة ألفاظها، فجميع ذلك كلام الله، وإنّما من جهة ما فيها من الشّرائع والأحكام بالنّسبة للمكلّف، فالأحكام هي الّتي تتفاضل فيكون بعضها خيرا من بعض، فإذا عادت الخيريّة إلى الأحكام دون اعتبار صيغتها ولفظها، فقد صحّ النّسخ بكلّ ما ثبت أنّ الله تعالى أوحاه لنبيّه ﷺ .
فحاصل المعنى: (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بوحي خير منها أو مثلها)، وحيث صحّ نسخ الوحي بوحي خير منه للعباد، صحّ نسخه
стр. 209
بوحي مثله في درجته.
وهذا يدلّ على أنّ النّسخ كما يكون في القرآن، فإنّه يكون في
السّنّة، إذ تساويا في كونهما وحي الله وتنزيله، القرآن بلفظه ومعناه، والسّنّة بمعناها، كما يحقّق ذلك عموم قول الله تعالى: ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى ٢ وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى ٣ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى ٤ عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى ٥ [النّجم: ٢ - ٥]، وقول الله : وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر: ٧]، وعموم الآيات الآمرة بطاعة الرّسول ﷺ ، والنّصوص النّبويّة تواترت في هذا المعنى، ومن صريح ذلك حديث المقدام بن معدي كرب، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ :
«أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك شبعان على أريكته يقول:
عليكم بالقرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلّوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرّموه، ألا لا يحلّ لكم الحمار الأهليّ، ولا كلّ ذي ناب من السّباع، ولا لقطة معاهد إلّا أن يستغني عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه» (١).
стр. 210
وكان إمام أهل الشّام التّابعيّ حسّان بن عطيّة يقول: كان جبريل ينزل على رسول الله ﷺ بالسّنّة، كما ينزل عليه بالقرآن، فيعلّمه إيّاها كما يعلّمه القرآن (١).
فكأنّه يعني قوله تعالى: عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى ٥ وهو جبريل ﵇.
أمّا معنى قوله: أَوْ نُنْسِها فهو من الإنساء، وهو رفع الله لها من الصّدور، كما قال الله سبحانه لنبيّه ﷺ : سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (٦) إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ [الأعلى: ٦ - ٧]، وقد ثبت أنّ النّبيّ ﷺ كان قد قرأ قرآنا ثمّ أنسيه، وأقرأ أصحابه قرآنا فأزاله الله من صدورهم بقدرته.
ومن الدّليل على صحّة ذلك ما حدّث به أبو أمامة بن سهل بن حنيف عن رهط من الأنصار من أصحاب النّبيّ ﷺ :
أنّه قام رجل منهم في جوف اللّيل يريد أن يفتتح سورة قد كان وعاها، فلم يقدر منها على شيء إلّا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، فأتى باب النّبيّ ﷺ حين أصبح، يسأل النّبيّ ﷺ عن ذلك، ثمّ جاء آخر، وآخر، حتّى اجتمعوا، فسأل بعضهم بعضا: ما جمعهم؟ فأخبر بعضهم بعضا بشأن تلك السّورة، ثمّ أذن لهم النّبيّ ﷺ ، فأخبروه خبرهم وسألوه عن السّورة،
стр. 211
فسكت ساعة لا يرجع إليهم شيئا، ثمّ قال: «نسخت البارحة»، فنسخت من صدورهم ومن كلّ شيء كانت فيه (١).
وكان الحسن البصريّ يقول في هذه الآية ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها: أقرئ- يعني النّبيّ ﷺ قرآنا ثمّ نسّاه، فلم يكن شيئا، ومن القرآن ما قد نسخ وأنتم تقرءونه (٢).
فهذا أولى ما قيل في معنى هذه اللّفظة، ويأتي لهذا مزيد استدلال.
стр. 212
وعلى القراءة الأخرى: نُنْسِها من النّسء، وهو التّأخير، والمعنى على ما تقدّم ذكره في المبحث السّابق عن الزّركشيّ.
٢ - وقوله تعالى: وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ١٠١ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ ١٠٢ [النّحل: ١٠١ - ١٠٢].
قال مجاهد: وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ رفعناها فأنزلنا غيرها.
وقال قتادة: هو كقوله: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها (١).
قلت: وهذه الآية دلّت بلا خفاء على ثبوت النّسخ في القرآن، وسكتت عن إمكانه في غيره من الوحي، لكن لك أن تستدلّ منها على وقوع النّسخ في السّنّة الّتي أوحاها الله لنبيّه ﷺ بطريق الأولى.
٣ - وقوله سبحانه: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ [الرّعد: ٣٩].
هذه آية عامّة فيما يشاء الله محوه وما يشاء إثباته، كمحو الذّنوب بالمغفرة، ومحو الحكم بإبداله بغيره، والآية بسواها، وعلم جميعه عنده سبحانه في كتاب، ما محا منه وما أثبت.
وعليه فيصحّ قول من فسّر هذه الآية بإدراج النّاسخ والمنسوخ فيها، كما
стр. 213
روي عن ابن عبّاس (١).
وصحّ عن عكرمة مولى ابن عبّاس قوله: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ قال: ينسخ الآية بالآية فترفع، وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ: أصل الكتاب (٢).
وقال قتادة: قوله: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ، هي مثل قوله:
ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها، وقوله: وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ أي:
جملة الكتاب وأصله (٣).
٤ - وقوله جلّ وعلا: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ [يونس: ١٥].
стр. 214
ودلالة هذه الآية على المقصود في قوله: ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي الآية، ففيها برهان على أنّ الله هو الّذي يبدّل الآية بالآية، لا سبيل إلى ذلك إلّا بوحيه وتنزيله.
فهذه المواضع الأربعة في كتاب الله أدلّة على إثبات وقوع النّسخ في بعض ما أنزل الله على نبيّه ﷺ ، خاصّة الموضعين الأوّلين، فهما من أبين شيء وأظهره لإثبات ذلك.
وقد تظافرت الرّوايات الثّابتة من جهة النّقل على أنّ النّسخ قد وقع لبعض القرآن والأحكام المنزلة، كما سيأتي التّمثيل بطائفة منه.
وتواتر عن أصحاب النّبيّ ﷺ ذكر النّسخ والقول به.
كما ذهب إلى القول به عامّة أئمّة الإسلام من السّلف والخلف.
قال ابن الجوزيّ: «انعقد إجماع العلماء على هذا إلّا أنّه قد شذّ من لا يلتفت إليه» (١).
ولم يعرف إنكاره عن منتسب إلى العلم إلى القرن الرّابع، حين اشتدّ فشوّ البدع، وذلك بتأويل فاسد سآتي على ذكره في الشّبهات.
قال أبو جعفر النّحّاس: «من المتأخّرين من قال: ليس في كتاب الله ناسخ ولا منسوخ، وكابر العيان، واتّبع غير سبيل المؤمنين» (٢).
стр. 215
ورأى بعض العلماء أنّه لم يخالف في ثبوت النّسخ أحد من أهل الإسلام، وأنّ ما نسب إلى بعض المتأخّرين فهو على ندرته خلاف منهم في اللّفظ لا في المعنى (١).
واعلم أنّ مبدأ النّسخ ثابت في شرائع الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام، ولا تأتي شريعة رسول على الوفاق التّامّ لشريعة رسول آخر، كما قال الله تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً [المائدة: ٤٨]، ونعلم أنّ الله تعالى نسخ بعض ما كان من الشّرائع في التّوراة برسالة عيسى ﵇، كما قال تعالى: وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ [آل عمران: ٥٠]، ثمّ نسخ الله عن العباد ممّا كان شريعة في التّوراة والإنجيل، وذلك بما بعث به نبيّه محمّدا ﷺ من الكتاب والحكمة، كما قال :
الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ الآية [الأعراف: ١٥٧].