← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 11521

المقدمات الأساسية في علوم القرآن

عبد الله الجديع

Полный текст (578 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

فسكت ساعة لا يرجع إليهم شيئا، ثمّ قال: «نسخت البارحة»، فنسخت من صدورهم ومن كلّ شيء كانت فيه (١). وكان الحسن البصريّ يقول في هذه الآية ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها: أقرئ- يعني النّبيّ ﷺ قرآنا ثمّ نسّاه، فلم يكن شيئا، ومن القرآن ما قد نسخ وأنتم تقرءونه (٢). فهذا أولى ما قيل في معنى هذه اللّفظة، ويأتي لهذا مزيد استدلال.

стр. 212

وعلى القراءة الأخرى: نُنْسِها من النّسء، وهو التّأخير، والمعنى على ما تقدّم ذكره في المبحث السّابق عن الزّركشيّ. ٢ - وقوله تعالى: وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ١٠١ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ ١٠٢ [النّحل: ١٠١ - ١٠٢]. قال مجاهد: وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ رفعناها فأنزلنا غيرها. وقال قتادة: هو كقوله: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها (١). قلت: وهذه الآية دلّت بلا خفاء على ثبوت النّسخ في القرآن، وسكتت عن إمكانه في غيره من الوحي، لكن لك أن تستدلّ منها على وقوع النّسخ في السّنّة الّتي أوحاها الله لنبيّه ﷺ بطريق الأولى. ٣ - وقوله سبحانه: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ [الرّعد: ٣٩]. هذه آية عامّة فيما يشاء الله محوه وما يشاء إثباته، كمحو الذّنوب بالمغفرة، ومحو الحكم بإبداله بغيره، والآية بسواها، وعلم جميعه عنده سبحانه في كتاب، ما محا منه وما أثبت. وعليه فيصحّ قول من فسّر هذه الآية بإدراج النّاسخ والمنسوخ فيها، كما

стр. 213

روي عن ابن عبّاس (١). وصحّ عن عكرمة مولى ابن عبّاس قوله: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ قال: ينسخ الآية بالآية فترفع، وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ: أصل الكتاب (٢). وقال قتادة: قوله: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ، هي مثل قوله: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها، وقوله: وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ أي: جملة الكتاب وأصله (٣). ٤ - وقوله جلّ وعلا: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ [يونس: ١٥].

стр. 214

ودلالة هذه الآية على المقصود في قوله: ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي الآية، ففيها برهان على أنّ الله هو الّذي يبدّل الآية بالآية، لا سبيل إلى ذلك إلّا بوحيه وتنزيله. فهذه المواضع الأربعة في كتاب الله أدلّة على إثبات وقوع النّسخ في بعض ما أنزل الله على نبيّه ﷺ ، خاصّة الموضعين الأوّلين، فهما من أبين شيء وأظهره لإثبات ذلك. وقد تظافرت الرّوايات الثّابتة من جهة النّقل على أنّ النّسخ قد وقع لبعض القرآن والأحكام المنزلة، كما سيأتي التّمثيل بطائفة منه. وتواتر عن أصحاب النّبيّ ﷺ ذكر النّسخ والقول به. كما ذهب إلى القول به عامّة أئمّة الإسلام من السّلف والخلف. قال ابن الجوزيّ: «انعقد إجماع العلماء على هذا إلّا أنّه قد شذّ من لا يلتفت إليه» (١). ولم يعرف إنكاره عن منتسب إلى العلم إلى القرن الرّابع، حين اشتدّ فشوّ البدع، وذلك بتأويل فاسد سآتي على ذكره في الشّبهات. قال أبو جعفر النّحّاس: «من المتأخّرين من قال: ليس في كتاب الله ناسخ ولا منسوخ، وكابر العيان، واتّبع غير سبيل المؤمنين» (٢).

стр. 215

ورأى بعض العلماء أنّه لم يخالف في ثبوت النّسخ أحد من أهل الإسلام، وأنّ ما نسب إلى بعض المتأخّرين فهو على ندرته خلاف منهم في اللّفظ لا في المعنى (١). واعلم أنّ مبدأ النّسخ ثابت في شرائع الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام، ولا تأتي شريعة رسول على الوفاق التّامّ لشريعة رسول آخر، كما قال الله تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً [المائدة: ٤٨]، ونعلم أنّ الله تعالى نسخ بعض ما كان من الشّرائع في التّوراة برسالة عيسى ﵇، كما قال تعالى: وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ [آل عمران: ٥٠]، ثمّ نسخ الله عن العباد ممّا كان شريعة في التّوراة والإنجيل، وذلك بما بعث به نبيّه محمّدا ﷺ من الكتاب والحكمة، كما قال : الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ الآية [الأعراف: ١٥٧].

стр. 216

فإذا تبيّن هذا دلّ على أنّ النّسخ في نفس الشّريعة الواحدة ما دام الوحي ينزل جائز غير ممتنع. وقد ذكر جحد النّسخ في شرائع الله عن طائفة من اليهود، بشبهة أنّه يلزم من إثباته اعتقاد البداء (١)، وهذا من ضلالهم وجهلهم بالله وحكم أفعاله ﵎. وهذا الّذي فرّ منه اليهود بالجحد، وقعت فيه طائفة من باطنيّة الرّافضة الملاحدة، فنسبوا إلى ربّهم هذا الاعتقاد الفاسد (٢)، تعالى الله عن قولهم علوّا كبيرا.

стр. 217

المبحث الثالث: الحكمة من النسخ النّسخ جار مع مقاصد الشّرع لتحقيق مصلحة المكلّف: ١ - فتارة ينزل الوحي بالحكم الشّاقّ على المكلّفين؛ لأجل اختبارهم وامتحان صدق إيمانهم. كما في نزول قوله تعالى: وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ [البقرة: ٢٨٤]، فقد نال المسلمين منه حرج شديد، فلمّا وقع منهم التّسليم والانقياد أنزل الله تصديق ما في قلوبهم: آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [البقرة: ٢٨٥]، ونزلت الآية بعدها بالتّخفيف (١). هذا الوجه على قول من يعدّ هذه الصّورة نسخا. ٢ - وتارة من أجل التّدرّج في التّشريع لحداثة النّاس بالجاهلية، ولا يخفى ما فيه من تأليف قلوبهم على الإسلام، وتهيئتهم لما أريدوا له من نصر دين الله، إذ كانوا الجيل الّذي اصطفاه الله لنصرة رسوله ﷺ ، فأخذوا بالأخفّ فالأثقل تحقيقا لهذه الغاية. مثاله: التّدرّج في الصّلاة في قلّة الرّكعات، ثمّ نسخ ذلك بفرض الصّلاة بركعاتها المعلومة.

стр. 218

فعن أمّ المؤمنين عائشة، ﵂، قالت: فرض الله الصّلاة حين فرضها ركعتين ركعتين، في الحضر والسّفر، فأقرّت صلاة السّفر، وزيد في صلاة الحضر. وفي رواية، قالت: فرضت الصّلاة ركعتين، ثمّ هاجر النّبيّ ﷺ ففرضت أربعا، وتركت صلاة السّفر على الأوّل (١). وكالتّدرّج في الصّيام بفرض صوم يوم واحد أوّلا هو يوم عاشوراء، ثمّ نسخ بصوم شهر رمضان أو بدفع الفدية لمن شاء بدلا من صومه، ثمّ نسخ بفرض صومه لمن شهده صحيحا مقيما. والدّليل على صحّة ذلك حديث ابن عمر، ﵄، قال: صام النّبيّ ﷺ عاشوراء، وأمر بصيامه، فلمّا فرض رمضان ترك (٢). وحديث عبد الرّحمن بن أبي ليلى، قال: حدّثنا أصحاب محمّد ﷺ : نزل رمضان، فشقّ عليهم، فكان من أطعم كلّ يوم مسكينا ترك الصّوم

стр. 219

ممّن يطيقه، ورخّص لهم في ذلك، فنسختها: وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة: ١٨٤]، فأمروا بالصّوم (١). وحديث سلمة بن الأكوع، ﵁، قال: لمّا نزلت هذه الآية: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ [البقرة: ١٨٤]، كان من أراد منّا أن يفطر ويفتدي فعل، حتّى نزلت هذه الآية الّتي بعدها فنسختها (٢). ٣ - كما في النّسخ إظهار نعمة الله بما يرفع به من الحرج والضّيق بنوع سابق من أنواع التّكليف، وخذ مثاله غير ما تقدّم في عدّة المتوفّى عنها زوجها، حيث فرض الله عليها أن تعتدّ عاما كاملا أوّل الأمر، وهذه المدّة على وفاق ما كانت تعتدّه إحداهنّ في الجاهليّة، فخفّف الله عن النّساء بأن جعلها أربعة أشهر وعشرا. فأمّا اعتدادها عاما، فكما في قول الله : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ [البقرة:

стр. 220

٢٤٠]، فنسخ الله ذلك بقوله: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً [البقرة: ٢٣٤]. وإظهار الفضل فيه يتبيّن بما حدّث به حميد بن نافع أحد التّابعين، عن زينب بنت أمّ سلمة، قالت: سمعت أمّ سلمة تقول: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، إنّ ابنتي توفّي عنها زوجها، وقد اشتكت عينها، أفتكحلها؟ فقال رسول الله ﷺ : «لا»، مرّتين أو ثلاثا، كلّ ذلك يقول: «لا»، ثمّ قال رسول الله ﷺ : «إنّما هي أربعة أشهر وعشر، وقد كانت إحداكنّ في الجاهليّة ترمي بالبعرة على رأس الحول». قال حميد: فقلت لزينب: وما ترمي بالبعرة على رأس الحول؟ فقالت زينب: كانت المرأة إذا توفّي عنها زوجها دخلت حفشا (١)، ولبست شرّ ثيابها، ولم تمسّ طيبا حتّى تمرّ بها سنة، ثمّ تؤتى بدابّة: حمار أو شاة أو طائر، فتفتضّ به (٢)، فقلّما تفتضّ بشيء إلّا مات، ثمّ تخرج فتعطى بعرة، فترمي، ثمّ تراجع بعد ما شاءت من طيب أو غيره (٣).

стр. 221

وبقي النّاسخ والمنسوخ يتلى في كتاب الله تذكيرا بفضل الله، بما جاء به دينه من التّيسير. ٤ - كما يقع في النّسخ تطييب نفس رسول الله ﷺ ونفوس أصحابه بتمييز هذه الأمّة على الأمم وإظهار فضلها. ومثاله قصّة نسخ استقبال القبلة، حيث كانت حين فرضت الصّلاة إلى بيت المقدس، ثمّ حوّلت إلى الكعبة. وفي ذلك يقول الله : سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢) وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٤٣) قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ الآيات [البقرة: ١٤٢ - ١٤٤]. وسوى ذلك حكم ومقاصد للنّسخ، تندرج سعتها في عموم قول الله : قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ ١٠٢ [النّحل: ١٠٢]، حيث جاءت هذه الآية ردّا على المشركين في جحدهم النّسخ بقولهم للنّبيّ ﷺ : إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ.

стр. 222

قال الشّافعيّ: «إنّ الله خلق الخلق لما سبق في علمه ممّا أراد بخلقهم وبهم، لا معقّب لحكمه وهو سريع الحساب، وأنزل عليهم الكتاب تبيانا لكلّ شيء وهدى ورحمة، وفرض فيه فرائض أثبتها، وأخرى نسخها؛ رحمة لخلقه بالتّخفيف عنهم، وبالتّوسعة عليهم، زيادة فيما ابتدأهم به من نعمه، وأثابهم على الانتهاء إلى ما أثبت عليهم جنّته والنّجاة من عذابه، فعمّتهم رحمته فيما أثبت ونسخ، فله الحمد على نعمه» (١). وفي الجملة فإنّ حقيقة النّسخ تغيير للأحكام بتغيّر الأحوال والظّروف، وإنزال فرفع للآيات لمقتض، وذلك ممّن يعلم مصالح خلقه ﵎، وهو على كلّ شيء قدير، كما قال: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ [النّحل: ١٠١]، وكما قال: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ١٠٧ [البقرة: ١٠٦ - ١٠٧]. ومن هذا يتبيّن فساد مذهب الغالطين على ربّهم، الجاهلين به ممّن ضلّ في أمر النّسخ، من المشركين واليهود وغلاة الرّافضة ومن شايعهم من أهل زماننا، وما شأنهم إلّا كما قال الله عن المشركين من قبل: وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ [النّحل: ١٠٢]. ...

стр. 223

الفصل الثاني: شروط ثبوت النسخ، وما يقع به، وطريق معرفته المبحث الأول: شروط ثبوت النسخ القول بوقوع النّسخ لآية في كتاب الله، أو حكم ثبت بوحي الله، من أشدّ ما يكون وأخطره، إلّا لمن وقف فيه عند المنقول، وانتهى فيه إلى ما جاء به الرّسول، وبنى فيه على صريح الأصول، وقد قال الله لنبيّه ﷺ : قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [يونس: ١٥]، فدلّ على أنّ النّسخ لله تعالى وحده، كان ذلك في نصّ كتاب أو نصّ سنّة. وعليه، امتنع ادّعاه النّسخ بالاحتمال، والأصل: وجوب العمل بجميع الأحكام الثّابتة بنصوص الكتاب والسّنّة، واعتقاد أنّها محكمة، حتّى نتيقّن النّسخ؛ لقوله تعالى: اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ [الأعراف: ٣]. قال أبو جعفر النّحّاس: «لا يقال (منسوخ) لما ثبت في التّنزيل، وصحّ فيه التّأويل، إلّا بتوقيف أو دليل قاطع» (١).

стр. 224

وقال ابن حزم: «لا يحلّ لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقول في شيء من القرآن والسّنّة: هذا منسوخ، إلّا بيقين» (١). وقال ابن الجوزيّ: «وإطلاق القول برفع حكم آية لم يرفع جرأة عظيمة» (٢). وقال الموفّق ابن قدامة: «لا يجوز ترك كتاب الله وسنّة رسوله إلّا بنسخ، والنّسخ لا يثبت بالاحتمال» (٣). وقال أبو إسحاق الشّاطبيّ: «الأحكام إذا ثبتت على المكلّف، فادّعاء النّسخ فيها لا يكون إلّا بأمر محقّق؛ لأنّ ثبوتها على المكلّف أوّلا محقّق، فرفعها بعد العلم بثبوتها لا يكون إلّا بمعلوم محقّق» (٤). وعليه، فالواجب أن يضبط القول بالنّسخ في نصوص الكتاب والسّنّة بشروط، يصحّ معها القول به، وهي تعود في جملتها إلى سبعة شروط، يجب اعتبار جميعها في كلّ من النّصّين: النّاسخ والمنسوخ: الشّرط الأوّل: أن يكونا ثابتين بالنّصّ . أي: يكون كلّ منهما إمّا آية من كتاب الله وإمّا سنّة عن رسول الله ﷺ ،

стр. 225

فيصحّ أن تنسخ الآية الآية والسّنّة، كما يصحّ أن تنسخ السّنّة الآية والسّنّة. وصيغة النّصّ تأتي على وجهين: الأولى: صيغة طلب، كالأمر والنّهي. مثاله في الحكم النّاسخ قوله تعالى: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [البقرة: ١٤٤]، ومثاله في المنسوخ قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً [المجادلة: ١٢]. والثّانية: صيغة خبر معناه الطّلب. كقوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً [البقرة: ٢٣٤]، فهذا خبر معناه الأمر. فأمّا سائر نصوص الأخبار في الكتاب والسّنّة ممّا لم يقصد به الطّلب، كالإخبار عن الأمم الماضية، والإخبار عمّا سيكون كأشراط السّاعة واليوم الآخر، فهذه لا يدخلها النّسخ؛ لأنّ خبر الصّادق يستحيل الرّجوع عنه، لما يقتضي ذلك من الإخبار بخلاف الواقع في أحد الخبرين، فإنّ من قال: (جاء زيد) ثمّ قال بعده: (لم يأت) فأحد خبريه على خلاف الواقع جزما، بكذب أو وهم، وخبر الله ورسوله ﷺ منزّه عن ذلك (١).

стр. 226

وزعم بعض من ينسب إلى السّنّة في مسألة (امتناع النّسخ في الأخبار) أنّ النّسخ ممتنع في الأخبار إلّا أخبار الوعيد، فإنّه يجوز فيها النّسخ. وهذا القول خطأ بيّن، فإنّ خبر الله تعالى ورسوله ﷺ في وعد أو وعيد حقّ كما أخبرنا به، وهو واقع كما جاء به الخبر، ولا يستشكل أنّ الله تعالى قد لا ينفذ الوعيد؛ لأنّه أخبرنا أنّ وعيده بمشيئته، فإن شاء عذّب عدلا، وإن شاء رحم فضلا، كما هو الشّأن في عصاة الموحّدين، وأخبرنا أنّ فريقا ممّن استحقّوا الوعيد لا انفكاك لهم عنه بحال، كالكفّار في نار جهنّم، فأيّ نسخ يكون فيه وهو إمّا منجّز وإمّا معلّق بنفس دلالة الخبر؟ ودلّ تحقيق هذا الشّرط على أنّ النّسخ لا يتصوّر وقوعه بعد موت النّبيّ ﷺ ؛ لانقطاع الوحي، وعليه فلا نسخ بشيء من المسالك الثّلاثة التّالية: ١ - مذاهب الصّحابة وأقوالهم . فأقاويلهم كانت تصدر منهم باجتهاد، لا ينزّل منها شيء منزلة النّصّ، فلو نقل عن بعضهم الرّأي بخلاف النّصّ، فرأيه محكوم بالنّصّ، ويعتذر عن الصّحابيّ في خلافه له. فمثلا ما زعمته طائفة أنّ حلّ نكاح المتعة كان محكما، وإنّما حرّمه عمر بن الخطّاب، فهذا خطأ، وإنّما حرّم عمر ما ثبت تحريمه عن رسول الله ﷺ (١)، وما كان لعمر ولا لأحد بعد النّبيّ ﷺ أن يبدّل المحكمات من دين

стр. 227

الإسلام، ولا تعرف مثل هذه الدّعوى عن منتسب إلى السّنّة والعلم. قال الموفّق ابن قدامة: «وما كان جائزا في عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر، لم يجز نسخه بقول عمر ولا غيره، ولأنّ نسخ الأحكام إنّما يجوز في عصر النّبيّ ﷺ ؛ لأنّ النّصّ إنّما ينسخ بنصّ مثله، وأمّا قول الصّحابيّ فلا ينسخ ولا ينسخ به، فإنّ أصحاب النّبيّ ﷺ كانوا يتركون أقوالهم لقول رسول الله ﷺ ، ولا يتركونها بأقوالهم» (١). وممّا يجوز أن يرجع إلى اجتهاد الصّحابيّ قوله: (هذا النّصّ منسوخ) فليس له حكم المرفوع إلى النّبيّ ﷺ ، ولا يقضى به على النّصّ، حتّى يذكر النّاسخ ويفسّر دعواه بما ينطبق ومعنى النّسخ، خاصّة مع ما تقدّم من إطلاق بعض الصّحابة النّسخ على تخصيص العامّ أو تقييد المطلق، أو شبه ذلك. والقول بعدم قبول النّسخ بهذا الطّريق عليه جمهور العلماء (٢). ٢ - الإجماع . وليس المراد به ما اتّفق عليه المسلمون من نصوص الكتاب والسّنّة، فإنّ هذا الإجماع عائد إلى النّصّ، وإنّما يراد به: القول الّذي لا يعرف له مخالف.

стр. 228

والسّبب في عدم صحّة الاستناد إليه في النّسخ، أنّه ليس بحجّة بنفسه في التّحقيق (١)، ثمّ إنّه جاء بعد النّصّ (٢). وفي هذا إبطال لمذهب من قال بنسخ بعض النّصوص بالإجماع، كدعوى نسخ قتل شارب الخمر في الرّابعة (٣)، وظنّ نسخ آية الاستئذان الّتي في سورة النّور: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ [الآية: ٥٨]، وذلك بترك عمل النّاس بها (٤). ومن أفسد المقالات في هذه المسألة قول من قال: إنّ الإجماع على ترك

стр. 229

العمل بالنّصّ يدلّ على وجود النّاسخ، لكنّه لم يصلنا. وفساد هذا القول من جهة ما فيه من اعتقاد ضياع شيء من الدّين وحفظ ما يعارضه! وهذا ضلال وجهل من قائله، فإنّ الله الّذي أكمل لنا الدّين قد تعهّد بحفظه، وإن كان يخفى بعضه على الأفراد فلا يجوز أن يخفى جميعه على جميع الأمّة، فإنّ اتّفاقها على تضييع نصّ من نصوص الشّرع اتّفاق منها على الضّلال، فكيف يصحّ هذا وهي معصومة منه؟ ٣ - القياس . وسبب عدم اعتبار النّسخ به أنّه دليل اجتهاديّ، شرط صحّته البناء على النّصّ، فإذا خالف نصّا آخر فاحتمال النّسخ وارد بين النّصّ الّذي استفيد منه حكم القياس والنصّ المعارض له، لا بين نصّ وقياس (١). على أنّ القياس لا يصحّ وروده بخلاف النصّ. الشّرط الثّاني: أن يكونا ثابتين نقلا . وهذا الشّرط معتبر عند ما تكون السّنّة طرفا في النّسخ، أمّا إذا كان مستند النّسخ الآية من كتاب الله فهذا شرط لا يطلب فيه.

стр. 230

فالواجب أن يسلم الحديث النّاسخ أو المنسوخ من القوادح، باستيفائه جميع شروط الصّحّة. قال أبو بكر بن خزيمة: «لا يجوز ترك ما قد صحّ من أمره ﷺ وفعله في وقت من الأوقات إلّا بخبر صحيح عنه ينسخ أمره ذلك وفعله» (١). وهل يطلب فيه التّواتر؟ اختلفوا في ذلك، والصّواب: لا؛ لأنّ النّسخ إنّما يتّصل بالأحكام العمليّة، والعمل بالظّنّ الرّاجح صحيح معتبر. وقد جاءت السّنّة الصّحيحة المشهورة بقبول خبر الواحد العدل في إثبات النّسخ، وذلك في حديث عبد الله بن عمر بأصحّ إسناد إليه، قال: بينا النّاس بقباء في صلاة الصّبح، إذ جاءهم آت (وفي رواية: رجل)، فقال: إنّ رسول الله ﷺ قد أنزل عليه اللّيلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشّام، فاستداروا إلى الكعبة (٢). وبهذا الشّرط يسقط الاعتداد بالحديث الضّعيف في النّسخ. الشّرط الثّالث: أن يكونا حكمين شرعيّين . والمقصود أن يكون الحكم ثابتا بخطاب الشّرع، لا بدليل العقل، مثل ما

стр. 231

يثبت بطريق (الاستصحاب) كالإباحة الأصليّة، والبراءة الأصليّة. فقد ثبت في العقول أنّ ما خلقه الله في الأرض فهو مباح للإنسان حتّى يرد خطاب الشّرع بنقله عن تلك الإباحة، كما ثبت في العقول أنّ الذّمم بريئة حتّى يرد خطاب الشّرع بإيجاب الواجبات. فتدرّج الشّارع في تحريم الخمر بتضييق الإباحة فيها، ثمّ بنقل حكمها من بعد من الإباحة إلى التّحريم، ليس نسخا؛ لأنّ الإباحة لم يحتج إلى معرفتها بدليل الشّرع، إنّما عرفت بعدم الخطاب (١). وفرض الله الصّلاة والصّوم، ولم يكن من ذلك شيء، فتكليف الذّمم بذلك لم يكن على المعارضة لحكم سابق ثابت بدليل الشّرع، بل جاء هذا التّكليف ليشغل موضعا فارغا صالحا له. الشّرط الرّابع: أن يكونا عمليّين . أي يتّصلان بأحكام كسب الجوارح، كالصّلاة والصّوم. مثل نسخ فرض استقبال بيت المقدس في الصّلاة باستقبال الكعبة، ونسخ فرض قيام اللّيل في أوّل سورة المزّمّل بما نزل في آخرها، ونسخ التّخيير بين صوم رمضان والفدية بالطّعام بفرض الصّوم، ونسخ حبس الزّواني بالحدود (٢).

стр. 232

أمّا أعمال القلوب، كالتّوحيد والإيمان والإخلاص والخوف والرّجاء، وشبه ذلك، فلا يقع فيها نسخ. الشّرط الخامس: أن يكونا جزئيّين . فيمتنع النّسخ في القواعد ومقاصد التّشريع؛ لأنّها كلّيّات. ولم يقع في جميع ما يذكر فيه النّسخ من نصوص الكتاب والسّنّة نسخ لقاعدة كلّيّة، إنّما جميع أمثلة النّسخ واردة في جزئيّات الأحكام؛ رعاية للمقاصد الكلّيّة، كما سبقت الإشارة إليه في (الحكمة من النّسخ) (١). وتستثنى من النّسخ كذلك أحكام جزئيّة اقترن تشريعها بما دلّ على تأبيدها (٢). وذلك مثل قوله تعالى في حديث فرض الصّلوات ليلة المعراج: «هي خمس وهي خمسون، لا يبدّل القول لديّ» (٣). وقوله ﷺ : «لا تنقطع الهجرة حتّى تنقطع التّوبة، ولا تنقطع التّوبة حتّى تطلع الشّمس من مغربها» (٤).

стр. 233

الشّرط السّادس: أن يكونا متعارضين في المعنى . والمقصود أن لا يوجد سبيل لإعمال النّصّين جميعا، وإنّما يأتي أحدهما على ضدّ الآخر في دلالته ومعناه. فكلّ نصّين أمكن التّوفيق بينهما فذلك مقدّم على المصير إلى النّسخ. مثل: أن يكون أحدهما خاصّا والآخر عامّا، فيبنى العامّ على الخاصّ، فيخرج ذلك الخاصّ من العموم، ويبقى سائر النّصّ العامّ معمولا به. ومثل: المطلق مع المقيّد، والمجمل مع المفسّر، والتّشريعين المختلفين لاختلاف الظّرف فكلّ منهما معمول به في وقته أو معناه. وقد سبق المثال لذلك عند شرح معنى (النّسخ عند السّلف). قال ابن جرير الطّبريّ: «وإنّما يكون النّاسخ ما لم يجز اجتماع حكمه وحكم المنسوخ في حال واحدة ... فأمّا ما كان أحدهما غير ناف حكم الآخر، فليس من النّاسخ والمنسوخ في شيء» (١). وقال الموفّق ابن قدامة: «والعامّ لا ينسخ به الخاصّ؛ لأنّ من شروط

стр. 234

النّسخ: تعذّر الجمع، والجمع بين الخاصّ والعامّ ممكن بتنزيل العامّ على ما عدا محلّ التّخصيص» (١). وممّا يمتنع فيه النّسخ مطلقا من نصوص التّكليف: جميع ما لا يتصوّر فيه التّضادّ بين تكليفين، كالنّصوص الآمرة بالتّوحيد وسائر العقائد، ونصوص مكارم الأخلاق والفضائل، فهذه لا تجوز أضدادها في دين الإسلام، ومن شرط صحّة النّسخ التّقابل بين التّكليفين. الشّرط السّابع: أن يكون النّاسخ متأخّرا في زمن تشريعه عن المنسوخ . والمراد به أن يكون الحكمان قد انفصل أحدهما عن الآخر بزمان أمكن فيه امتثال الحكم المنسوخ قبل تبديله بالنّاسخ (٢). كما تراه مثلا في قصّة نزول قوله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ [البقرة: ١٨٧]: فعن البراء بن عازب، ﵁: أنّ أحدهم كان إذا نام قبل أن يتعشّى لم يحلّ له أن يأكل شيئا ولا يشرب، ليلته ويومه من الغد حتّى تغرب الشّمس، حتّى نزلت هذه الآية: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا إلى الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ، قال: ونزلت في أبي قيس بن عمرو، أتى أهله وهو صائم بعد المغرب فقال: هل من شيء؟ فقالت

стр. 235

امرأته: ما عندنا شيء، ولكن أخرج ألتمس لك عشاء، فخرجت، ووضع رأسه فنام، فرجعت إليه فوجدته نائما، وأيقظته فلم يطعم شيئا، وبات وأصبح صائما حتّى انتصف النّهار، فغشي عليه، وذلك قبل أن تنزل هذه الآية، فأنزل الله فيه (١). واعتبار هذا الشّرط لصحّة النّسخ يبطل الخوض في مسألة تعرّضت لها طائفة من أهل الأصول، وهي: (هل ينسخ الحكم قبل امتثاله؟) وتكلّموا فيها بما لا يزيد علما ولا يبنى عليه عمل، كالّذي جاء في حديث فرض الصّلوات ليلة المعراج، أنّ الله تعالى فرض خمسين صلاة، ثمّ نسخها بخمس قبل أن يقع امتثال التّكليف الأوّل. فليس هذا من باب النّسخ الّذي نقصد إلى ضبطه ليستفيد المتفقّه من تأصيله. ولا أثر لتقدّم الآية النّاسخة وتأخّر المنسوخة في ترتيب المصحف؛ لأنّه لم يراع في ذلك النّزول، وإنّما العبرة بزمن تشريع الحكم.

стр. 236

المبحث الثاني: ما يقع به النسخ من خلال شروط النّسخ المتقدّمة تبيّنّا أنّ السّنّة تشارك الكتاب في جميع ذلك، وعليه فما يقع به النّسخ واحد من الأمور الأربعة التّالية: الأوّل: نسخ قرآن بقرآن . مثل نسخ التّخيير للقادر على الصّوم بين أن يصوم أو يفتدي، بالصّوم دون الفدية. فالحكم المنسوخ في قول الله : وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة: ١٨٤]. والنّاسخ له قوله تعالى في الآية بعدها: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة: ١٨٥]. فعن سلمة بن الأكوع، ﵁، قال: لمّا نزلت هذه الآية: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ، كان من أراد منّا أن يفطر ويفتدي فعل، حتّى نزلت هذه الآية الّتي بعدها فنسختها (١). ولا يختلف أهل العلم أنّ هذه الصّورة للنّسخ واقعة في مواضع في القرآن، تتفاوت أقوالهم في عددها، والتّحقيق أنّها قليلة.

стр. 237

والثّاني: نسخ سنّة بسنّة . مثل حكم التّطبيق في الرّكوع: فالمنسوخ ما حدّث به علقمة بن قيس والأسود بن يزيد: أنّهما دخلا على عبد الله (وهو ابن مسعود)، فقال: أصلّى من خلفكم؟ قالا: نعم، فقام بينهما، وجعل أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، ثمّ ركعنا، فوضعنا أيدينا على ركبنا، فضرب أيدينا، ثمّ طبّق بين يديه، ثمّ جعلهما بين فخذيه، فلمّا صلّى قال: هكذا فعل رسول الله ﷺ (١). والنّاسخ ما حدّث به مصعب بن سعد بن أبي وقّاص، قال: صلّيت إلى جنب أبي، فلمّا ركعت شبّكت أصابعي، وجعلتهما بين ركبتيّ، فضرب يديّ، فلمّا صلّى قال: قد كنّا نفعل هذا، ثمّ أمرنا أن نرفع إلى الرّكب (٢). ووقوع هذا النّوع لا يختلفون في صحّته. والثّالث: نسخ قرآن بسنّة . وهذا قد اختلفوا فيه على مذهبين: المذهب الأوّل: امتناع نسخ الآية بسنّة . وهذا مذهب الأئمّة سفيان

стр. 238

الثّوريّ (١)، والشّافعيّ (٢)، وأحمد بن حنبل في إحدى الرّوايتين عنه (٣)، وطائفة من أصحاب مالك (٤). ومن عبارة الشّافعيّ في ذلك: «وأبان الله لهم أنّه إنّما نسخ ما نسخ من الكتاب بالكتاب، وأنّ السّنّة لا ناسخة للكتاب، وإنّما هي تبع للكتاب» (٥). وسئل أحمد بن حنبل: أتنسخ السّنّة شيئا من القرآن؟ قال: «لا ينسخ القرآن إلّا القرآن» (٦). وممّن عزي إليه القول بأنّه لا ينسخ الآية إلّا آية مثلها من المتقدّمين:

стр. 239

التّابعيّ الثّقة أبو العلاء يزيد بن عبد الله بن الشّخّير، لما صحّ عنه من قوله: «كان رسول الله ﷺ ينسخ حديثه بعضه بعضا، كما ينسخ القرآن بعضه بعضا» (١). والدّليل لأصحاب هذا المذهب ليس بخارج عن نفس الآيات الّتي دلّت على ثبوت النّسخ في كتاب الله، وقد تبيّن فيها الدّلالة على صحّة النّسخ بمطلق الوحي لمطلق الوحي، والسّنّة وحي كالقرآن (٢). وممّا تعلّق به الشّافعيّ قوله تعالى: قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي فقال: «فيه بيان ما وصفت من أنّه لا ينسخ كتاب الله إلّا كتابه، كما كان المبتدئ لفرضه فهو المزيل المثبت لما شاء منه، جلّ ثناؤه، ولا يكون ذلك لأحد من خلقه» (٣). وهذا استدلال صحيح لو كانت السّنّة من تلقاء نفس النّبيّ ﷺ ، فإنّها لا تكون ناسخة لحكم ثبت تشريعه بالكتاب، أمّا اعتقاد كونها وحيا أوحاه الله لنبيّه ﷺ مثل القرآن، فقد ساوته في معناه وإن غايرته في لفظه، وسبق

стр. 240

أن بيّنت وجه ذلك (١). وظنّ بعض العلماء أنّ مذهب الشّافعيّ ومن وافقه إنّما هو لأجل عدم وجود المثال له: أن تكون في كتاب الله آية قد نسخت بسنّة، وهذا الظّنّ خطأ، من جهة أنّ الشّافعيّ قد فسّر استدلاله وبيّنه، وليس فيه شيء من هذا، ثمّ إنّ مثاله سيأتي، وإن كان الشّافعيّ قد تأوّله. المذهب الثّاني: صحّة نسخ الآية بسنّة . وهذا مذهب الحنفيّة (٢)، وطائفة من المالكيّة (٣)، واختاره بعض أعيان

стр. 241

الشّافعيّة كإمام الحرمين الجوينيّ (١) والغزّاليّ (٢)، وهو الرّواية الثّانية عن أحمد بن حنبل (٣)، واختيار ابن حزم الظّاهريّ (٤). واستدلال أصحاب هذا المذهب بما سبق تأصيله أنّ السّنّة وحي كالقرآن، وما فرض الله من طاعة نبيّه ﷺ ، وبالإجماع بأنّ بيان النّبيّ ﷺ للقرآن حجّة ملزمة كالقرآن، لقوله تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النّحل: ٤٤]، والنّسخ بيان (٥). ومثال المنسوخ حكمه من القرآن بسنّة النّبيّ ﷺ ، قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى [البقرة: ١٨٠]. ففرض الوصيّة للوالدين بهذه الآية منسوخ بقوله ﷺ : «إنّ الله قد أعطى كلّ ذي حقّ حقّه، فلا وصيّة لوارث» (٦).

стр. 242

وأصحاب المذهب السّابق يرون الآية منسوخة بآيات المواريث في سورة النّساء، وهذا الحديث دليل على النّسخ على طريقة الشّافعيّ، وليس هو النّاسخ للآية (١). لكن من تحقّق وجد أنّ آيات المواريث لا تنفي صحّة الوصيّة للوالدين مع ما فرضت لهما من الميراث، وشرط صحّة النّسخ التّقابل بين النّاسخ والمنسوخ، وهو موجود في هذا الحديث (٢). وهذا هو الرّاجح من المذهبين، والأوفق للأصول: أنّ السّنّة عن رسول الله ﷺ تنسخ الآية من كتاب الله؛ لأنّ الجميع من عند الله. ولأصحاب هذا المذهب اختلاف في درجة السّنّة من جهة الثّبوت: إن كانت متواترة أو آحادا، وهذا تقدّم بيانه في (شروط ثبوت النّسخ). والرّابع: نسخ سنّة بقرآن: وجمهور أهل العلم على صحّة نسخ حكم ثبت بالسّنّة بآية من كتاب الله، وأبى ذلك الشّافعيّ، مستدلّا بكون السّنّة مبيّنة للكتاب، فكيف ينسخ

стр. 243

المبيّن؟ والشّافعيّ لا يخالف أنّ السّنّة أثبتت أحكاما وشرائع ليست في كتاب الله، فإذا صحّ هذا لم يمتنع أن تأتي بحكم فيأتي القرآن بنسخه. ثمّ إنّ صحّة نسخ الآية بالسّنّة تدلّ بطريق الأولى على صحّة نسخ السّنّة بالآية (١). ومثال السّنّة المنسوخة: فرض استقبال بيت المقدس في الصّلاة أوّل الأمر، وذلك ما دلّ على إثباته قوله تعالى: وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ [البقرة: ١٤٣]. والنّاسخ له قوله تعالى: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ [البقرة: ١٤٤]. وبيانه في حديث عبد الله بن عبّاس، ﵄، قال: كان رسول الله ﷺ يصلّي وهو بمكّة نحو بيت المقدس والكعبة بين يديه، وبعد ما هاجر إلى المدينة ستّة عشر شهرا، ثمّ صرف إلى الكعبة (٢).

стр. 244

وفي حديث البراء بن عازب، ﵄، قال: كان رسول الله ﷺ صلّى نحو بيت المقدس ستّة عشر أو سبعة عشر شهرا، وكان رسول الله ﷺ يحبّ أن يوجّه إلى الكعبة، فأنزل الله: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ [البقرة: ١٤٤] فتوجّه نحو الكعبة (١). المبحث الثالث: طريق معرفة النسخ يعرف النّسخ بواحدة من طرق ثلاث، هي: ١ - أن يأتي في لفظ النّصّ ما يفيده صراحة .

стр. 245

فمثاله في لفظ الآية: نسخ الحكم في قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ٦٥ [الأنفال: ٦٥]. بقوله بعده: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ٦٦ [الأنفال: ٦٦]. وعن عبد الله بن عبّاس، قال: لمّا نزلت: إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ شقّ ذلك على المسلمين، حين فرض عليهم أن لا يفرّ واحد من عشرة، فجاء التّخفيف، فقال: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ، قال: فلمّا خفّف الله عنهم من العدّة، نقص من الصّبر بقدر ما خفّف عنهم (١). ومثاله في لفظ الحديث من قول النّبيّ ﷺ : حديث بريدة الأسلميّ قال: قال رسول الله ﷺ : «نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث فأمسكوا ما بدا

стр. 246

لكم، ونهيتكم عن النّبيذ إلّا في سقاء، فاشربوا في الأسقية كلّها، ولا تشربوا مسكرا» (١). أو مرفوعا إلى النّبيّ ﷺ بلفظ الصّحابيّ راوي الحديث: كحديث عليّ بن أبي طالب، ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ أمرنا بالقيام في الجنازة، ثمّ جلس بعد ذلك وأمرنا بالجلوس (٢). وحديث جابر بن عبد الله، ﵄، قال: كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء ممّا مسّت النّار (٣). ٢ - أن يأتي في سياق النّصّ قرينة تدلّ عليه . كالّذي ورد به قوله ﷺ : «خذوا عنّي، قد جعل الله لهنّ

стр. 247

سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثّيّب بالثّيّب جلد مائة والرّجم» (١). فأشار ﷺ بهذا إلى نسخ حكم حبس الزّواني في البيوت الوارد في قوله تعالى: وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا [النّساء: ١٥]. ٣ - أن يعرف تاريخ المتقدّم والمتأخّر . فالمتأخّر في تشريعه ناسخ للمتقدّم، كما هو الشّأن في نسخ القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة. وممّا يفيد في هذا تمييز المتقدّم في نزوله بمعرفة المكّيّ والمدنيّ. كما أنّ ممّا ينبغي أن يستفاد ممّا يتّصل بالنّسخ في السّنّة: أنّ ما وجدناه من الأحكام غير معلوم التّاريخ معارضا لأحكام جاءت في حجّة الوداع أو بعدها إلى وفاة النّبيّ ﷺ ، فما جاء من تلك الأحكام في الحجّة أو بعدها

стр. 248

ناسخ لما لم يعلم تاريخه؛ لأنّا نعلم أنّ تلك الشّرائع ممّا قد ختم به الدّين. وإليك مثالين على ذلك: الأوّل: حكم الشّرب قائما. صحّ نهي رسول الله ﷺ عن الشّرب قائما من وجوه، منها: حديث أبي سعيد الخدريّ وأنس بن مالك ﵄: أنّ النّبيّ ﷺ زجر عن الشّرب قائما (١). وجاء الفعل النّبويّ على خلافه في حجّة الوداع، فعن ابن عبّاس ﵄، قال: سقيت رسول الله ﷺ من زمزم، فشرب وهو قائم (٢). فهذا الحديث يزيل أثر النّهي عن الشّرب قائما. والثّاني: صلاة المأمومين قياما والإمام قاعد. فعن أنس بن مالك، ﵁: أنّ رسول الله ﷺ سقط عن فرسه فجحشت ساقه أو كتفه، وآلى من نسائه شهرا، فجلس في مشربة (٣) له

стр. 249

درجتها من جذوع، فأتاه أصحابه يعودونه، فصلّى بهم جالسا وهم قيام، فلمّا سلّم قال: «إنّما جعل الإمام ليؤتمّ به، فإذا كبّر فكبّروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا، وإن صلّى قائما فصلّوا قياما» (١). قال الحميديّ في هذا الحديث: هو في مرضه القديم، ثمّ صلّى بعد ذلك النّبيّ ﷺ جالسا والنّاس خلفه قياما لم يأمرهم بالقعود، وإنّما يؤخذ بالآخر فالآخر من فعل النّبيّ ﷺ (٢). عنى صلاته ﷺ بالنّاس في مرضه الّذي مات فيه، حين صلّى قاعدا، وأبو بكر ﵁ يأتمّ به قائما، والنّاس يأتمّون بأبي بكر قياما (٣). ولا ينبغي أن يكون مجرّد تأخّر إسلام الصّحابيّ راوي الحديث طريقا لتمييز التّقدّم والتّأخّر في النّسخ؛ لأنّ الصّحابة كان يحدّث بعضهم بعضا، إلّا أن يأتي في الرّوايتين دليل آخر يدلّ على ذلك. ...

стр. 250

الفصل الثالث: أنواع النسخ في القرآن النّسخ في القرآن من جهة الإبقاء على الآية في كتاب الله مع إسقاط التّكليف بالحكم الّذي دلّت عليه، أو إسقاط تلاوتها دون الحكم، أو نسخها كلّيّا فلا يبقى منها إلّا الخبر عنها، ينحصر الكلام فيه في أنواع ثلاثة، بيانها في المباحث التّالية: المبحث الأول: نسخ الحكم مع بقاء التلاوة مثاله: قوله تعالى: وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا [النساء: ١٥]، نسخ بقوله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ [النّور: ٢] كما ثبت ذلك عن ابن عبّاس ﵄ (١). وعن عبادة بن الصّامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «خذوا عنّي، خذوا عنّي، قد جعل الله لهنّ سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة
следующие страницы →