← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 11521

المقدمات الأساسية في علوم القرآن

عبد الله الجديع

Полный текст (578 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

لكم، ونهيتكم عن النّبيذ إلّا في سقاء، فاشربوا في الأسقية كلّها، ولا تشربوا مسكرا» (١). أو مرفوعا إلى النّبيّ ﷺ بلفظ الصّحابيّ راوي الحديث: كحديث عليّ بن أبي طالب، ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ أمرنا بالقيام في الجنازة، ثمّ جلس بعد ذلك وأمرنا بالجلوس (٢). وحديث جابر بن عبد الله، ﵄، قال: كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء ممّا مسّت النّار (٣). ٢ - أن يأتي في سياق النّصّ قرينة تدلّ عليه . كالّذي ورد به قوله ﷺ : «خذوا عنّي، قد جعل الله لهنّ

стр. 247

سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثّيّب بالثّيّب جلد مائة والرّجم» (١). فأشار ﷺ بهذا إلى نسخ حكم حبس الزّواني في البيوت الوارد في قوله تعالى: وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا [النّساء: ١٥]. ٣ - أن يعرف تاريخ المتقدّم والمتأخّر . فالمتأخّر في تشريعه ناسخ للمتقدّم، كما هو الشّأن في نسخ القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة. وممّا يفيد في هذا تمييز المتقدّم في نزوله بمعرفة المكّيّ والمدنيّ. كما أنّ ممّا ينبغي أن يستفاد ممّا يتّصل بالنّسخ في السّنّة: أنّ ما وجدناه من الأحكام غير معلوم التّاريخ معارضا لأحكام جاءت في حجّة الوداع أو بعدها إلى وفاة النّبيّ ﷺ ، فما جاء من تلك الأحكام في الحجّة أو بعدها

стр. 248

ناسخ لما لم يعلم تاريخه؛ لأنّا نعلم أنّ تلك الشّرائع ممّا قد ختم به الدّين. وإليك مثالين على ذلك: الأوّل: حكم الشّرب قائما. صحّ نهي رسول الله ﷺ عن الشّرب قائما من وجوه، منها: حديث أبي سعيد الخدريّ وأنس بن مالك ﵄: أنّ النّبيّ ﷺ زجر عن الشّرب قائما (١). وجاء الفعل النّبويّ على خلافه في حجّة الوداع، فعن ابن عبّاس ﵄، قال: سقيت رسول الله ﷺ من زمزم، فشرب وهو قائم (٢). فهذا الحديث يزيل أثر النّهي عن الشّرب قائما. والثّاني: صلاة المأمومين قياما والإمام قاعد. فعن أنس بن مالك، ﵁: أنّ رسول الله ﷺ سقط عن فرسه فجحشت ساقه أو كتفه، وآلى من نسائه شهرا، فجلس في مشربة (٣) له

стр. 249

درجتها من جذوع، فأتاه أصحابه يعودونه، فصلّى بهم جالسا وهم قيام، فلمّا سلّم قال: «إنّما جعل الإمام ليؤتمّ به، فإذا كبّر فكبّروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا، وإن صلّى قائما فصلّوا قياما» (١). قال الحميديّ في هذا الحديث: هو في مرضه القديم، ثمّ صلّى بعد ذلك النّبيّ ﷺ جالسا والنّاس خلفه قياما لم يأمرهم بالقعود، وإنّما يؤخذ بالآخر فالآخر من فعل النّبيّ ﷺ (٢). عنى صلاته ﷺ بالنّاس في مرضه الّذي مات فيه، حين صلّى قاعدا، وأبو بكر ﵁ يأتمّ به قائما، والنّاس يأتمّون بأبي بكر قياما (٣). ولا ينبغي أن يكون مجرّد تأخّر إسلام الصّحابيّ راوي الحديث طريقا لتمييز التّقدّم والتّأخّر في النّسخ؛ لأنّ الصّحابة كان يحدّث بعضهم بعضا، إلّا أن يأتي في الرّوايتين دليل آخر يدلّ على ذلك. ...

стр. 250

الفصل الثالث: أنواع النسخ في القرآن النّسخ في القرآن من جهة الإبقاء على الآية في كتاب الله مع إسقاط التّكليف بالحكم الّذي دلّت عليه، أو إسقاط تلاوتها دون الحكم، أو نسخها كلّيّا فلا يبقى منها إلّا الخبر عنها، ينحصر الكلام فيه في أنواع ثلاثة، بيانها في المباحث التّالية: المبحث الأول: نسخ الحكم مع بقاء التلاوة مثاله: قوله تعالى: وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا [النساء: ١٥]، نسخ بقوله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ [النّور: ٢] كما ثبت ذلك عن ابن عبّاس ﵄ (١). وعن عبادة بن الصّامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «خذوا عنّي، خذوا عنّي، قد جعل الله لهنّ سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة

стр. 251

ونفي سنة، والثّيّب بالثّيّب جلد مائة والرّجم» (١). وهذا النّوع من النّسخ فرض على الفقيه تمييزه في نصوص الكتاب والسّنّة، ذلك لما له من الأثر في الأحكام العمليّة، وهو الّذي اجتهد المصنّفون في باب النّسخ في تتبّعه وجمعه. المبحث الثاني: نسخ التلاوة مع بقاء الحكم وهذا النّوع قليل الوجود في النّصوص المنقولة إلينا، وثبوت حكمه مع نسخ تلاوته إنّما عرف عن طريق النّقل الثّابت. ومن أمثلته ما يلي: ١ - عن عمر بن الخطّاب ﵁ قال: إنّ الله بعث محمّدا ﷺ بالحقّ، وأنزل عليه الكتاب، فكان ممّا أنزل الله آية الرّجم، فقرأناها وعقلناها ووعيناها (وفي رواية: وقد قرأتها: الشّيخ والشّيخة إذا زنيا فارجموهما البتّة)، رجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده، (وفي رواية: ولولا أن يقولوا: أثبت في كتاب الله ما ليس فيه، لأثبتّها كما أنزلت)، فأخشى إن طال بالنّاس زمان أن يقول قائل: والله، ما نجد آية الرّجم في كتاب الله، فيضلّوا بترك فريضة أنزلها الله، والرّجم في كتاب الله

стр. 252

حقّ على من زنى إذا أحصن من الرّجال والنّساء، إذا قامت البيّنة، أو كان الحبل، أو الاعتراف (١). ٢ - وعن عمر بن الخطّاب كذلك، قال: ثمّ إنّا كنّا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله: أن لا ترغبوا عن آبائكم، فإنّه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم، أو: إنّ كفرا بكم أن ترغبوا عن آبائكم (٢). ٣ - وعن زيد بن أرقم، قال: لقد كنّا نقرأ على عهد رسول الله ﷺ : لو كان لابن آدم واديان من ذهب وفضّة لابتغى إليهما آخر، ولا يملأ جوف ابن آدم إلّا التّراب، ويتوب الله على من تاب (٣). ٤ - وعن أبيّ بن كعب:

стр. 253

أنّ رسول الله ﷺ قال له: إنّ الله أمرني أن أقرأ عليك، فقرأ عليه: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ، فقرأ فيها: إنّ ذات الدّين عند الله الحنيفيّة المسلمة، لا اليهوديّة ولا النّصرانيّة، من يعمل خيرا فلن يكفره. وقرأ عليه: ولو أنّ لابن آدم واديا من مال لابتغى إليه ثانيا، ولو كان له ثانيا لابتغى إليه ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلّا التّراب، ويتوب الله على من تاب (١). ومن هذا القبيل ما حدّث به أنس بن مالك، ﵁، قال: أنزل الله في الّذين قتلوا ببئر معونة قرآنا قرأناه، حتّى نسخ بعد: أن بلّغوا قومنا أن قد لقينا ربّنا، فرضي عنّا ورضينا عنه (٢).

стр. 254

فهذه فضيلة لا ينسخ حكمها، إنّما النّسخ رفع تلاوتها من القرآن. والأخبار المثبتة لوقوع هذا النّوع من النّسخ أكثر من هذا، وهذا الّذي ذكرت من أثبته إسنادا وأحسنه. واعلم أنّ تسمية هذا نسخا من جهة كونه قد رفع، فهو إطلاق لفظ (النّسخ) على مجرّد الرّفع. ومن النّاس من ذهب إلى ردّ وجود هذا النّوع من النّسخ، وتعرّض لبعض الأحاديث الواردة بذلك بالتّضعيف، ولأخرى بالتّأويل، ولم يتعرّض لطائفة أخرى منها وهي ثابتة صريحة، كهذا الّذي ذكرت، والصّواب ما بيّنت من ثبوت هذا النّوع من النّسخ، واندراجه تحت القول بصحّة النّسخ، وهذا أبعد عن طريق ردّ الصّحيح الثّابت بغير حجّة مع إمكان حمله على معنى صحيح. المبحث الثالث: نسخ التلاوة والحكم وهو نوعان: الأوّل: ما بلغنا لفظه أو موضوعه، كما في حديث عائشة ﵂ قالت: كان فيما أنزل من القرآن: عشر رضعات معلومات يحرّمن، ثمّ نسخن بخمس معلومات (١).

стр. 255

والثّاني: ما بلغنا مجرّد الخبر عنه ورفع منه كلّ شيء، كما في حديث زرّ بن حبيش قال: قال لي أبيّ بن كعب: كأيّن تقرأ سورة الأحزاب؟ أو كأيّن تعدّها؟ قال: قلت له: ثلاثا وسبعين آية، فقال: قطّ؟ لقد رأيتها وإنّها لتعادل سورة البقرة (١). كما تقدّم في هذا المعنى حديث أبي أمامة بن سهل بن حنيف (٢). هذان النّوعان يندرجان عند أهل العلم تحت (النّسخ)؛ لأنّ ذلك قد أزيل ورفع بعد ما أنزل، وعند طائفة تحت (الإنساء)، والأمر في ذلك قريب، فهذه الآيات أنزلت ثمّ رفعت، فهي منسوخة، وهي منسأة (٣). ...

стр. 256

الفصل الرابع: مسائل في النسخ والمقصود بهذا الفصل ذكر قضايا متمّمة لهذه المقدّمة، غير ما تقدّم: المسألة الأولى: لا مانع من وقوع نسخ الحكم مرّتين، وذلك بنفس الدّليل الّذي صحّ لنا به وقوع النّسخ مرّة، ولنفس المقاصد والحكم الّتي نبّهنا عليها. ومثاله ما تقدّم ذكره في شأن الصّوم، حيث فرض أوّلا صوم يوم عاشوراء، ثمّ نسخ بفرض صوم رمضان أو الفدية، ثمّ نسخ خيار الفدية، فهذه ثلاث شرائع توالت على هذه الفريضة (١). المسألة الثّانية: ما يأتي من شرائع الله تعالى مذكورا في كتابه أو سنّة رسوله ﷺ عمّن قبلنا من الأمم، فهو شرع لنا غير منسوخ، إنّما المنسوخ منه ما قام في شرعنا دليل على خلافه. على هذا قول كثير من الفقهاء، كالإمام مالك وجمهور أصحابه، وبعض الحنفيّة والشّافعيّة، وهو الأصحّ عن الإمام أحمد بن حنبل (٢). والدّليل عليه قوله تعالى لنبيّه ﷺ بعد ذكر الأنبياء قبله: أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام: ٩٠].

стр. 257

وبهذا استدلّ ابن عبّاس لسجود النّبيّ ﷺ في سورة ص: فعن العوّام بن حوشب، قال: سألت مجاهدا عن السّجدة الّتي في ص؟ فقال: نعم، سألت عنها ابن عبّاس؟ فقال: أتقرأ هذه الآية: وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ، وفي آخرها: فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ؟ قال: أمر نبيّكم ﷺ أن يقتدي بداود (١). واعلم أنّ الّذي يكون شرعا لنا من ذلك فليس هو ما ورد في كتب أهل الكتاب الّتي بين أيديهم وأخبارهم الّتي يروونها، وإنّما الّذي جاءنا عنهم في القرآن وصحيح السّنّة (٢)، وذلك لما طرأ على ما عندهم من التّبديل. المسألة الثّالثة: معرفة النّاسخ والمنسوخ شرط للكلام في الحلال والحرام وشرائع الإسلام. قال الشّافعيّ ﵀: «ولا ينبغي للمفتي أن يفتي أحدا إلّا متى يجمع أن يكون عالما علم الكتاب، وعلم ناسخه ومنسوخه، وخاصّه وعامّه، وأدبه، وعالما بسنن رسول الله ﷺ ، وأقاويل أهل العلم قديما وحديثا، وعالما بلسان العرب، عاقلا، يميّز بين المشتبه، ويعقل القياس، فإن عدم

стр. 258

واحدا من هذه الخصال لم يحلّ له أن يقول قياسا» (١). وذكر عن القاضي يحيى بن أكثم قال: «ليس من العلوم كلّها علم هو أوجب على العلماء وعلى المتعلّمين وكافّة المسلمين من علم ناسخ القرآن ومنسوخه؛ لأنّ الأخذ بناسخه واجب فرضا، والعلم به لازم ديانة، والمنسوخ لا يعمل به ولا ينتهى إليه، فالواجب على كلّ عالم علم ذلك؛ لئلّا يوجب على نفسه أو على عباد الله أمرا لم يوجبه الله ، أو يضع عنه فرضا أوجبه الله » (٢). وصحّ عن أبي عبد الرّحمن السّلميّ: أنّ عليّ بن أبي طالب مرّ بقاصّ يقصّ (٣)، فقال: هل علمت النّاسخ والمنسوخ؟ قال: لا، قال: هلكت وأهلكت (٤). وعن حذيفة بن اليمان، ﵁، قال: إنّما يفتي النّاس أحد ثلاثة: رجل علم ناسخ القرآن من منسوخه. قالوا: ومن ذاك؟ قال: عمر بن

стр. 259

الخطّاب، قال: وأمير لا يجد بدّا، أو أحمق متكلّف. وقد حدّث محمّد بن سيرين بهذا، ثمّ قال: فلست بواحد من هذين، وأرجو أن لا أكون الثّالث (١). المسألة الرّابعة: مع ضرورة معرفة النّاسخ والمنسوخ للفقيه، إلّا أنّه لا يظنّ كثرة وجود ذلك في أدلّة التّشريع (٢). وقد حرّرت في جمعه كتب، من أحسنها كتاب الحافظ أبي الفرج ابن الجوزيّ المسمّى (نواسخ القرآن)، فقد أتى فيه على ما قيل هو منسوخ، وشرحه وبيّنه، وميّز ما ثبت فيه النّسخ منه وهو قليل جدّا، وأظهر فساد دعوى النّسخ في أكثر ذلك. وكانت طائفة من المفسّرين قد سلكت مسلكا في غاية الفساد في هذا الباب، فصاروا إلى ادّعاء النّسخ في آيات كثيرة تجاوزت عند بعضهم المائتين، أكثرها ممّا تسلّطوا عليه بسيف النّسخ ما زعموا نسخه بآية السّيف، وهو جرأة منهم مذمومة.

стр. 260

فأتوا على كلّ آية فيها الأمر أو معناه بالإعراض عن المشركين والجاهلين والصّبر والعفو فقالوا: هذه منسوخة بآية السّيف، يعنون آية الأمر بالقتال للمشركين أو أهل الكتاب، وذلك قوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ الآية [التّوبة: ٥]، أو قوله: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ الآية [التّوبة: ٢٩]. وتوسّعوا حتّى ادّعوا النّسخ على الأخبار الّتي لا ينسخ مثلها، مثل قول بعضهم: قوله تعالى: وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ [البقرة: ٣] منسوخ بفرض الزّكاة. وهذا من أفسد شيء يكون، فهذه صفة مدح ذكرها الله للمؤمنين وأخبر بها عنهم، وهم ينفقون قبل فرض الزّكاة وبعد فرضها، والزّكاة المفروضة من ذلك وليست ضدّه ليقال: هاهنا نسخ. ومن تلك الكتب الّتي هي أجدر بالإتلاف والإزالة منها بالتّداول والنّشر: كتاب «النّاسخ والمنسوخ» لمحمّد بن حزم، ومثله لهبة الله بن سلامة، وكتاب مرعيّ الكرميّ، فهذه وشبهها كتب بالخطإ والقول على الله بغير علم ألصق منها بالعلم والهدى. وبمثلها اغترّت طائفة من المتأخّرين فاستعظموا ما ذكر هؤلاء لما رأوا فيه من إبطال المحكمات، فأنكروا النّسخ أصلا بقصد حسن، هو الذّبّ عن القرآن العظيم، كما تسلّط بصنيع هؤلاء المستشرقون الحاقدون على الإسلام، فطعنوا على القرآن بذلك.

стр. 261

فكن على حذر من التّقليد في هذا الباب دون تحقيق، ولاحظ انطباق شروط النّسخ قبل القول به توق بذلك الزّلل فيه. المسألة الخامسة: الأمّة متعبّدة بجميع نصوص الكتاب والسّنّة الثّابتة، إلّا ما ثبت نسخه، ولا يجوز التّوقّف عن العمل بنصّ خوفا أن يكون منسوخا؛ فإنّ الأصل فرض العمل بجميع ما أنزل الله على رسوله ﷺ : اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ [الأعراف: ٣]، وهذا يقين لا يحلّ تركه إلّا بيقين مثله. ومن عمل بالمنسوخ وترك النّاسخ وهو لا يعلم فلا حرج عليه، إذ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها (١)، وإنّما يلزمه التّحوّل إلى العمل بالنّاسخ ساعة علمه به، كما وقع لأهل قباء حين نسخت القبلة (٢). ...

стр. 262

الفصل الخامس: شبهات حول النسخ ودحضها علمت أنّ القول بإثبات النّسخ ووقوعه في كتاب الله وسنّة نبيّه ﷺ ، هو الّذي كان عليه سلف الأمّة وأئمّتها، وذلك بدلالة الكتاب والسّنّة، وتقدّم من البراهين على ذلك ما فيه الكفاية، وأنّ القول بنفي وجود النّسخ مذهب شاذّ ظهر متأخّرا، ثمّ لا يكاد يذكر في أهل الإسلام على مرّ العصور إلّا عن نفر قليل. ويعود هذا المذهب إلى شبهات تعلّق كلّ قائل بشيء منها، ولا يهمّنا ما شبّه به اليهود وأصحاب الضّلالة من الكفّار، إنّما يجدر التّنبيه على طرف تعلّق به الأفراد الّذين أنكروا النّسخ من أهل الإسلام كبعض أهل زماننا، حسبوها غيرة على القرآن؛ لأنّ طريقة المكثرين من مدّعي النّسخ قد آذتهم، ونحن نوافقهم في دفع الغلوّ في دعوى النّسخ، ولكنّنا ننكر عليهم المصير إلى جحد النّسخ؛ لأنّ ذلك إذا سلم لهم بالتّحريف لتفسير آية ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أو آية وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً، فإنّه لا مفرّ من صحيح السّنن المتواترة عن عهد النّبوّة، وقد سبق ذكر كثير منها في تفاريع موضوع النّسخ، وتركنا منها غيرها ممّا يتعلّق بوقائع النّسخ؛ لأنّه ليس من موضوع هذه المقدّمة استيعاب ما وقع فيه النّسخ من القرآن. فمن جحد النّسخ ممّن أشرت إليه فهو ممّن لا خبرة له بالسّنن

стр. 263

ولا اشتغال بتمييز صحيحها من سقيمها، ففسّر القرآن بمجرّد رأيه فزلّت قدمه، وجحد معلوما. وخذ طرفا ممّا شبّه به هؤلاء ملحقا ببيان فساده، ومن قولهم طرف مدرك الفساد ممّا تقدّم، وطرف بيّن الضّعف أعرضت عنه: الشّبهة الأولى: القول بالنّسخ يوجب إبطال بعض القرآن، وهذا خلاف قوله تعالى: لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ [فصّلت: ٤٢]، والمعنى: أنّ نصوص القرآن وأحكامه لا تبطل أبدا. ولعلّ هذه الشّبهة أقدم ما اعترض به على موضوع النّسخ. وأقول: هذا اعتراض بفهم لا بنصّ، يوجب إبطال جميع ما تقدّم ذكره من أدلّة إثبات النّسخ ووقائعه، وكان الأولى بقائله أن يفهم الآية على معنى يتلاءم مع تلك الأدلّة بدلا من العدو عليها بالإبطال، فيصير إلى ما فرّ منه. الآية نفت الباطل عن كتاب الله وآياته، وليس من ذلك النّاسخ والمنسوخ، فكلاهما حقّ، لا يوصفان بالباطل، إنّما الباطل ما يكون من قبل الخلق لا من قبل ربّ العالمين، تعالى وتقدّس، ولا يزعم قائل بالنّسخ أنّ النّسخ يجوز بغير ما أنزل الله. فالتّعلّق بهذه الآية لنفي النّسخ اعتداء على القرآن، وتنزيل له على غير مواضعه، فإنّ الله حين نفى تطرّق الباطل لكلامه من جهة من الجهات، علّل ذلك بكونه تنزيله ووحيه، وما النّاسخ والمنسوخ إلّا من ذلك، فهو

стр. 264

حقّ أبدل بحقّ لحكمة، وهو قبل النّسخ وبعده كلام الله الّذي لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ، كما قال: وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٠١) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ [النّحل: ١٠١ - ١٠٢]. الشّبهة الثّانية: قوله تعالى: وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلًا إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ [الإسراء: ٨٦ - ٨٧]. تعلّقت بهذا طائفة أنكرت منسوخ التّلاوة، قالوا: في الآية دليل أنّ الله لم ينس نبيّه ﷺ شيئا ممّا أوحاه إليه؛ لأنّه لو وقع فهو ذهاب بما أوحى إليه. وأقول: هذا تعلّق أوهى من سابقه، مردود بقوله تعالى: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (٦) إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ [الأعلى: ٦ - ٧]، وبما ثبت من الأخبار الصّحاح أنّ الله تعالى أنزل قرآنا ثمّ رفعه. وصحّ من حديث عبد الرّحمن بن أبزى: أنّ النّبيّ ﷺ صلّى في الفجر، فترك آية، فلمّا صلّى قال: «أفي القوم أبيّ بن كعب؟»، قال أبيّ: يا رسول الله، نسخت آية كذا وكذا أو نسّيتها؟ قال: «نسّيتها» (١).

стр. 265

ففي هذا زيادة على ما تقدّم ذكره في هذه المقدّمة تؤكّد أنّ رفع الآية بعد إنزالها كان أمرا معلوما على عهد التّنزيل، وأنّه يقع لرسول الله ﷺ . وأمّا المعنى في هذه الآية، فكما قال ابن جرير: «إنّه جلّ ثناؤه لم يخبر أنّه لا يذهب بشيء منه، وإنّما أخبر أنّه لو شاء لذهب بجميعه، فلم يذهب به والحمد لله، بل إنّما ذهب بما لا حاجة بهم إليه منه، وذلك أنّ ما نسخ منه فلا حاجة بالعباد إليه، وقد قال الله تعالى ذكره: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى ٦ إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ، فأخبر أنّه ينسي نبيّه منه ما شاء، فالّذي ذهب منه الّذي استثناه الله» (١). الشّبهة الثّالثة: قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ٩ [الحجر: ٩]، قالت طائفة: لم ينزل على النّبيّ ﷺ قرآن إلّا ما بين اللّوحين؛ لهذه الآية، فأنكروا منسوخ التّلاوة. وأقول: إنّما يصحّ هذا لو ادّعى أحد النّسخ بغير ما أنزل الله، أو جوّزه بعد عهد التّنزيل، ولا يقول بهذا أحد، والله تعالى قد حفظ القرآن من أن يرد عليه تبديل أو تغيير حتّى من جهة نبيه ﷺ ، أمّا هو سبحانه فإنّه يفعل ما يشاء، كما قال: قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ [يونس: ١٥].

стр. 266

الشّبهة الرّابعة: أنكرت طائفة منسوخ التّلاوة بزعمهم أنّه لم يأت إلّا من طريق روايات آحاد، وهذا الفريق لا ينكر مبدأ النّسخ أصلا، إنّما ينكر هذا النّوع خاصّة بهذه الدّعوى. وجواب ذلك: أنّ الأحاديث المنقولة في هذا قد استفاضت بالأسانيد الصّحيحة، وكثرتها على طريقة طائفة من أهل العلم يثبت بها التّواتر، مثل آية الرّجم. فإذا ضممت إلى ذلك السّلامة من الدّليل المعارض لم يحلّ إلّا تصديق تلك الأخبار والإيمان بمقتضاها. والعجب أنّ أصحاب هذه الدّعوى يصيرون إلى ما دون خبر الواحد الصّحيح في كثير من استدلالهم ممّا يوافق أهواءهم، فإذا جاء ما لا يأتي على مرادهم قالوا: (خبر واحد)، كما أنّ الخلق الأعظم منهم- كما أسلفت- لا خبرة له بالحديث، فيطّلع في المسألة على الحديث الفرد ويفوته سائر ما جاء فيها، بل ربّما فاته من ذلك الصّحيح الثّابت ولم يقف إلّا على الضّعيف الواهي. والواجب على العالم الانتهاء إلى السّنن الثّابتة، فهو خير من رأي هؤلاء وإن شبّهوا له بالقرآن، فإنّ الآية قد يحتمل لفظها المعاني، فتأتي السّنن الثّابتة على إزالة الاشتباه وتحرير المراد.

стр. 267

المقدمة الخامسة تفسير القرآن الفصل الأول: معنى التفسير وحكمه الفصل الثاني: المنهج في التفسير الفصل الثالث: تاريخ التفسير الفصل الرابع: نقد مناهج التفسير الفصل الخامس: قواعد التفسير***

стр. 268

الفصل الأول: معنى التفسير وحكمه المبحث الأول: معنى التفسير التّفسير في اللّغة: تفعيل من الفسر، ومعناه: الإبانة والكشف. واصطلاحا: علم يفهم به القرآن؛ بمعرفة معانيه، واستخراج أحكامه وحكمه، وعظاته وعبره. وكان السّلف يسمّونه (علم التأويل). وهو الّذي دعا به النّبيّ ﷺ لابن عمّه عبد الله بن عبّاس، ﵄، بقوله: «اللهمّ فقّهه في الدّين وعلّمه التّأويل» (١). وهو الّذي أراده الإمام المفسّر ابن جرير الطّبريّ حين سمّى كتابه في التّفسير «جامع البيان عن تأويل آي القرآن». وهذا غير التّأويل في عرف المتأخّرين، فهؤلاء عرّفوه بقولهم: التّأويل صرف اللّفظ عن المعنى الرّاجح إلى المعنى المرجوح لدليل يقترن به. والتّفسير بالنّظر إلى ما يحتاجه نصّ القرآن من البيان أنواع، يوضّحها ما روي عن ابن عبّاس، قال:

стр. 269

التّفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلّا الله (١). وهذه الجملة بيانها كما يلي: ١ - التّفسير الّذي تعرفه العرب من كلامها . هذا سبيله معرفة استعمال العرب للألفاظ والتّراكيب، قال ابن جرير: «إمّا بالشّواهد من أشعارهم السّائرة، وإمّا من منطقهم ولغاتهم المستفيضة المعروفة» (٢). وهو مشروط بأن «لا يكون خارجا عن أقوال السّلف من الصّحابة والأئمّة والخلف من التّابعين وعلماء الأمّة» (٣). ٢ - التّفسير الّذي لا يعذر أحد بجهالته . والمراد به ما هو بيّن بنفسه، يفهمه التّالي دون الحاجة إلى تفسير، وهذا هو الأصل؛ لأنّ أكثر القرآن يعود إليه. ولأجله صحّ الأمر بالتّدبّر، كما قال تعالى: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ ٢٩ [ص: ٢٩]، وقال: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ

стр. 270

الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها ٢٤ [محمّد: ٢٤]، وقال: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ١٧ [القمر: ١٧]، ولو كان أكثره من سائر الأقسام لما جاز معه أن يتوجّه الخطاب في هذه الآيات وشبهها إلى جميع المكلّفين، إذ لا يؤمر الجميع بتدبّر ما يتوقّف معرفة معناه على علم الخاصّة. ٣ - التّفسير الّذي يعلمه العلماء . وهو ما يتعدّى فهمه ومعرفته الدّلالة القريبة من الألفاظ ممّا يشترك فيه الخاصّة والعامّة، ويتوقّف على تحصيل مقدّمات من الدّراية والعلم والآلة، ممّا سنأتي على بيانه إن شاء الله. ٤ - التّفسير الّذي لا يعلمه إلّا الله . يراد به متشابه القرآن الّذي مهما أعملت فيه العقول فإنّها لا تصل إلى حقيقته، وذلك مثل ما أخبر عنه القرآن من الغيوب، كالخبر عن الله وأسمائه وصفاته كعلمه وتقديره وتدبيره، فنحن ندرك معاني الألفاظ التي ورد بها القرآن في ذلك، كما نميّز الفرق بينها من خلال اختلاف دلالاتها في اللّسان، كالفرق بين السّمع والبصر، وندرك أثر ذلك في العبوديّة لله، فنعلم أنّ الله يسمع سرّنا ونجوانا، ولا تحول الحجب دون رؤيته، لكنّا لا ندري كيف يسمع وكيف يبصر، كما لا نعلم كيف هو ﵎، إذ لا مثال يقاس به، ولا فكر يحيط به وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً [طه: ١١٠]، و (ما خطر ببالك، فليس الله كذلك)، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ

стр. 271

السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشّورى: ١١]. فتفسيرنا لذلك لا يتجاوز معنى اللّفظ وتمييز الفرق بينه وبين سواه باستعمال العرب مع تنزيه الربّ عن مشابهة الخلق، دون تجاوز. ومثله تفسير وقت قيام السّاعة، أو تعيين أوقات ظهور الآيات، كطلوع الشّمس من مغربها، والدّابّة. فالخوض في ذلك خوض فيما لا منفعة فيه، والسّعي وراءه سعي وراء سراب، بل قد يصير بصاحبه إلى الخروج عن الصّراط المستقيم، كما وقع من طوائف أخطأت في أبواب الصّفات والقدر واليوم الآخر وغيرها. وهذا ما يشير إليه القرآن في قول الله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا [آل عمران: ٧]. كما صحّ من حديث عائشة، ﵂، قالت: تلا رسول الله ﷺ : هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ (فذكرت الآية إلى آخرها)، قالت: قال رسول الله ﷺ : «إذا رأيتم الّذين يتّبعون ما تشابه منه، فأولئك الّذين سمّى الله فاحذروهم» (١).

стр. 272

ويلاحظ دلالة الآية على قلّة ما فيه التّشابه من آي الكتاب ممّا لا يعلم تأويله إلّا الله، وجعل أمّ الكتاب أي معظمه محكمات تدرك معانيها، وينبني عليها عمل. واعلم أنّ الابتلاء بالمتشابهات إنّما هو لاختبار الإيمان والتّصديق، ولذا قال سبحانه: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا، وهذا هو قدر التّكليف الّذي يتّصل بها. ويتّجه أن يكون من ذلك الحروف المقطّعة في أوائل بعض السّور، فإنّه لم يوقف على حقيقة المراد بها، وخوض من خاض في تفسيرها تكلّف ليس وراءه كبير منفعة، غاية ما يقال كرأي كثيرين: إنّها للتّنبيه على عربيّة هذا القرآن، حيث جاء نظمه مؤتلفا من حروف كلامهم، ولذا يأتي في أكثر المواضع ذكر الكتاب بعدها. ونفت طائفة أن يكون في القرآن ما لا سبيل إلى العلم به، قالوا: لأنّ الله أنزل هذا القرآن للتّدبّر، فكيف يقع فيه ما يستأثر الله بعلمه؟ والصّواب أنّه لا منافاة بين التّدبّر وإدراك معنى اللّفظ ودلالته بل وبناء الاعتقاد أو العمل على مقتضاه، وبين تعذّر إحاطة العلم بذلك، فإنّ الله تعالى قد عرّفنا بنفسه في كتابه وسنّة نبيّه ﷺ بما أخبرنا به من أسمائه وصفاته، وما أمرنا بتدبّره من آياته وآثار أفعاله، مع احتجابه عنّا، فعرفناه وآمنّا به دون أن نحيط به علما، ولم يكن ممّا أراد منّا في خطابه أن نتتبّع ما لا

стр. 273

ندرك من صفته، إنّما أراد أن ندرك من خطابه ما يتعلّق به التّكليف، فينبني عليه الاعتقاد أو العمل، وليس من القرآن شيء لا يرتبط به اعتقاد أو عمل، حتّى ما اشتبه ولم نحط به علما، ألم تر قول الرّاسخين في العلم: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا؟! تنبيه: (المتشابه) وصف أطلقه الله تعالى على القرآن كلّه، وذلك في قوله: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً [الزّمر: ٢٣]، ومعناه هنا غير الّذي سبق، وهو ما يشبه بعضه بعضا، ويصدّق بعضه بعضا، لا اختلاف فيه ولا تضادّ. كما أطلق لفظ (المتشابه) على الآيات الّتي تتشابه ألفاظها في المواضع المختلفة في القرآن، واعتنت به طائفة وصنّفوا فيه، مثاله: وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ في البقرة [الآية: ١٧٣]، ولِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ في سائر المواضع [المائدة: ٣، الأنعام: ١٤٥، النحل: ١١٥]، ومثل: جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ في الأنعام [الآية: ١٦٥]، وخَلائِفَ فِي الْأَرْضِ في موضعين [يونس: ١٤، فاطر: ٣٩]، ومثل: فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً [البقرة: ٦٠]، وفَانْبَجَسَتْ في الأعراف [الآية: ١٦٠]. ومن فائدته تمييز الفروق لملاحظة ما يقع فيها من الدّلائل، وتيسير حفظ القرآن.

стр. 274

المبحث الثاني: حكم التفسير حكم تفسير القرآن على أساس قسمة الوجوه الأربعة السّابقة، كما يأتي: فأمّا الوجهان الأوّل والثّالث، فالاشتغال بهما فرض كفاية، لا بدّ أن يكون في الأمّة في كلّ زمان من يحقّق لها الكفاية فيه. أمّا الأوّل فإنّ لسان العرب في استعمالها الألفاظ أو معرفة مرادها بها، لا سبيل إليه إلّا بأن يوجد في الأمّة ما يحفظ ومن يحفظ عليها ذلك، والتّفريط فيه تضييع لأصل عظيم لفهم القرآن. وأمّا الثّالث، فإنّ الحاجة إلى تبيين مراد الله تعالى بأمره ونهيه في كتابه، يوجب على الأمّة أن يكون فيها متخصّصون في معرفة الكتاب، يتقنون آلة الفهم، ويحسنون استعمالها؛ وذلك للوقوف على شرائع دين الإسلام، ودلالة الخلق عليه، ووقايتهم من الخوض في القرآن بغير علم. وأصل هذا قوله تعالى: وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ [التّوبة: ١٢٢]. كذلك ما أخذ الله على أهل العلم من الميثاق في بيان العلم، كما قال سبحانه: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ [آل عمران: ١٨٧]، وقال : وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ [آل عمران: ٧٩].

стр. 275

وأمّا الوجه الثّاني، وهو تدبّر القرآن، فإنّ الله تعالى أمر به جميع المكلّفين، كلّا بحسب ما آتاه الله، كما سبق ذكر بعض الأدلّة فيه. وأمّا حكم تفسير ما استأثر الله بعلمه، فهو المنع والتّحريم، لاندراجه تحت قوله تعالى: وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [الإسراء: ٣٦]، وقوله : قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ [الأعراف: ٣٢]، وسائر النّصوص المانعة من الكلام في الدّين بغير علم، كذلك أصحابه موصوفون بالزّيغ، كما تقدّم. حكم التفسير بالرأي: الاجتهاد من قبل أهل العلم في تفسير القرآن واجب، كما تقدّم، والاجتهاد إظهار للرّأي في تفسير الآية، لكن شتّان ما بين مجتهد بذل غاية وسعه، وهو أهل لذلك: قد ملك الآلة، وأتى الأمر من بابه، وبين متكلّف قد صرّفته الأهواء كيف شاءت، فاستنّ بسنّة من سبق من أهل الضّلالة في التّحريف والتّبديل، أو تكلّف متعجّلا فتكلّم في القرآن دون رويّة. فهذان صنفان، كلاهما تكلّم بالرّأي، لكنّ الأوّل محمود مأجور، والثّاني مذموم موزور. وعلى هذا الثّاني يتنزّل ما ورد من ذمّ التّفسير بالرّأي وتحريمه؛ لأنّ هواه أو عدم تثبّته وتحرّيه يوقعه في أن يقول على الله غير الحقّ.

стр. 276

وكان أئمّة الصّحابة والتّابعين على ما آتاهم الله من المكانة في العلم في غاية الاحتراز من الكلام في القرآن، إلّا ما بدا وجهه وظهرت حجّته، ومن الأثر فيه ما يلي: ١ - عن أنس بن مالك: أنّه سمع عمر بن الخطّاب، ﵁، يقول: «فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا (٢٧) وَعِنَباً وَقَضْباً (٢٨) وَزَيْتُوناً وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدائِقَ غُلْباً (٣٠) وَفاكِهَةً وَأَبًّا ٣١ [عبس: ٢٧ - ٣١]، قال: فكلّ هذا قد عرفناه، فما الأبّ؟ ثمّ نفض عصا كانت في يده، فقال: هذا لعمر الله التّكلّف، اتّبعوا ما تبيّن لكم من هذا الكتاب» (١). ٢ - وعن مسروق بن الأجدع، قال:

стр. 277

بينما رجل يحدّث في كندة (١)، فقال: يجيء دخان يوم القيامة، فيأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم كهيئة الزّكام، ففزعنا، فأتيت ابن مسعود، وكان متّكئا (٢)، فغضب فجلس، فقال: «من علم فليقل، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، فإنّ من العلم أن يقول لما لا يعلم: لا أعلم، فإنّ الله قال لنبيّه ﷺ : قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ [ص: ٨٦]» (٣). ٣ - وعن عبد الله بن أبي مليكة، قال: سأل رجل ابن عبّاس عن يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ [السّجدة: ٥]؟ فقال ابن عبّاس: فما يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [المعارج: ٤]؟ قال الرّجل: إنّما سألتك لتحدّثني، فقال ابن عبّاس: هما يومان ذكرهما الله في كتابه، الله أعلم بهما، فكره أن يقول في كتاب الله ما لا يعلم (٤).

стр. 278

٤ - وعن عبيد الله بن عمر، قال: «لقد أدركت فقهاء المدينة وإنّهم ليعظّمون القول في التّفسير، منهم: سالم بن عبد الله، والقاسم بن محمّد، وسعيد بن المسيّب، ونافع» (١). ٥ - وكان مسروق بن الأجدع يقول: «اتّقوا التّفسير، فإنّما هو الرّواية عن الله » (٢). ٦ - وكذلك قال عامر الشّعبيّ: «والله، ما من آية إلّا قد سألت عنها، ولكنّها الرّواية عن الله» (٣). وروي في تحريم تفسير القرآن بمجرّد الرّأي حديثان شائعان، لم أستدلّ بهما لضعفهما من جهة الرّواية، مستغنيا بما أوردت آنفا ممّا يحقّق المقصود، وإنّما أنبّه عليهما دفعا للتّعلّق بهما. الأوّل: ما روي عن عبد الله بن عبّاس، عن النّبيّ ﷺ قال: «من قال في القرآن بغير علم (وفي رواية: برأيه)؛ فليتبوّأ مقعده من النّار» (٤).

стр. 279

والثّاني: ما روي عن جندب بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : «من قال في القرآن برأيه فأصاب، فقد أخطأ» (١). وبيّن كثير من أهل العلم الفصل بين التّفسير بالرّأي المحمود والرّأي المذموم، فمن ذلك: قال البيهقيّ: «الرّأي الّذي يغلب على القلب من غير دليل قام عليه، فمثل هذا الرّأي لا يجوز الحكم به في النّوازل، فكذلك لا يجوز تفسير القرآن به، وأمّا الرّأي الّذي يسنده برهان، فالحكم به في النّوازل جائز، وكذلك تفسير القرآن به جائز» (٢). وقال ابن عطيّة: «معنى هذا أن يسأل الرّجل عن معنى في كتاب الله، فيتسوّر عليه برأيه دون نظر فيما قال العلماء واقتضته قوانين العلوم، كالنّحو

стр. 280

والأصول، وليس يدخل في هذا ... أن يفسّر اللّغويّون لغته، والنّحاة نحوه، والفقهاء معانيه، ويقول كلّ واحد باجتهاد المبنيّ على قوانين علم ونظر، فإنّ القائل على هذه الصّفة ليس قائلا بمجرّد رأيه» (١). وقال القرطبيّ: «النّهي يحمل على أحد وجهين: أحدهما: أن يكون له في الشّيء رأي، وإليه ميل من طبعه وهواه، فيتأوّل القرآن على وفق رأيه وهواه؛ ليحتجّ على تصحيح غرضه، ولو لم يكن له ذلك الرّأي والهوى لكان لا يلوح له من القرآن ذلك المعنى. وهذا النّوع يكون تارة مع العلم، كالّذي يحتجّ ببعض آيات القرآن على تصحيح بدعته، وهو يعلم أن ليس المراد بالآية ذلك، ولكن مقصوده أن يلبس على خصمه. وتارة يكون مع الجهل، وذلك إذا كانت الآية في ذلك محتملة، فيميل فهمه إلى الوجه الّذي يوافق غرضه، ويرجّح ذلك الجانب برأيه وهواه، فيكون قد فسّر برأيه، أي رأيه حمله على ذلك التّفسير، ولولا رأيه لما كان يترجّح عنده ذلك الوجه. وتارة يكون له غرض صحيح، فيطلب له دليلا من القرآن، ويستدلّ عليه بما يعلم أنّه ما أريد به .. والوجه الثّاني: أن يسارع إلى تفسير القرآن بظاهر العربيّة، من غير

стр. 281

استظهار بالسّماع والنّقل فيما يتعلّق بغرائب القرآن، وما فيه من الألفاظ المبهمة والمبدلة، وما فيه من الاختصار والحذف والإضمار والتّقديم والتّأخير، فمن لم يحكم ظاهر التّفسير وبادر إلى استنباط المعاني بمجرّد فهم العربيّة كثر غلطه، ودخل في زمرة من فسّر القرآن بالرّأي، والنّقل والسّماع لا بدّ له منه في ظاهر التّفسير أوّلا؛ ليتّقي به مواضع الغلط، ثمّ بعد ذلك يتّسع الفهم والاستنباط، والغرائب الّتي لا تفهم إلّا بالسّماع كثيرة، ولا مطمع في الوصول إلى الباطن قبل إحكام الظّاهر». ثمّ قال: «وما عدا هذين الوجهين فلا يتطرّق النّهي إليه» (١). ...

стр. 282

الفصل الثاني: المنهج في تفسير القرآن المبحث الأول: شروط المفسر لما تقدّم ذكره من خطورة الكلام في تفسير القرآن بالهوى وبغير علم، وصيانة للكتاب العزيز عن العبث في معانيه يشترط في المتكلّم فيه (المفسّر) شروط، هي صفات لازمة لا يحلّ التّعرّض لتفسير القرآن بدونها: الشّرط الأوّل: صحّة الاعتقاد وسلامة المنهج . والعلّة في هذا أنّ فساد الاعتقاد والمنهج يصير بصاحبه إلى تحريف دلالة القرآن إلى ما يعتقد وينهج، وقد وقع ذلك من طوائف ممّن تصدّى للتّفسير ولم يكونوا على الاستقامة، فقالوا على الله غير الحقّ وحرّفوا الكلم عن دلالته، ككلامهم في تحريف معاني الصّفات، والوعد والوعيد، وغيرها من آيات العقائد والإيمان. والمقياس: الوقوف عند ما جاء به الكتاب، وثبت به الخبر عن الصّادق المصدوق ﷺ ، مع متابعة الأثر عن أصحاب النّبيّ ﷺ وأئمّة التّابعين، ثمّ من جرى على منهاجهم ممّن جعل الله لهم الإمامة في الدّين، من أمثال الأئمّة أبي حنيفة ومالك وسفيان الثّوريّ وعبد الله بن المبارك والأوزاعيّ وسفيان بن عيينة والشّافعيّ وأحمد بن حنبل والحميديّ والبخاريّ وابن

стр. 283

جرير الطّبريّ، ومن وافق سبيلهم وجرى على هديهم في أبواب العقائد والسّلوك، فسبيل أولئك سبيل المؤمنين، وهو الأعلم والأسلم، لا سبيل من خلف، ممّن زاد واختلف، فجاء بما لم يرد به خبر، ولا جرى على أثر، متقحّما ما ليس له به علم، سالكا سنن اليهود في التّحريف والتّبديل. الشّرط الثّاني: صحّة المقصد والتجرّد للحقّ والسّلامة من الهوى . وهذا شبيه في أثره للّذي قبله ومتمّم له، والإخلاص والصّدق قائد لصاحبه إلى الهدى. وصحّة المقصد من أعظم أسباب التّوفيق، وفهم القرآن توفيق ومنحة، كما قال النّبيّ ﷺ : «من يرد الله به خيرا يفقّهه في الدّين» (١). أمّا الرّياء والمباهاة في العلم فممحقة لبركته في الدّنيا، ووبال على صاحبه في الآخرة، نعوذ بالله من الخذلان. فقد جاء عن النّبيّ ﷺ قوله: «من تعلّم العلم ليباهي به العلماء، أو ليماري به السّفهاء، أو ليصرف به وجوه النّاس إليه، فهو في النّار» (٢).

стр. 284

وثبت من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : «من تعلّم علما ممّا يبتغى به وجه الله، لا يتعلّمه إلّا ليصيب به عرضا من الدّنيا، لم يجد عرف الجنّة يوم القيامة» يعني ريحها (١). والعلم النّافع المحقّق لمعرفة الله وخشيته لا يكون إلّا مع الإخلاص والاستعانة به، والقصد إلى العمل بذلك العلم. كذلك من الحجب الكثيفة المانعة من إدراك حقائق التّنزيل والفهم السّليم لكلام الله: اتّباع الهوى، كان ذلك في الشّبهات أو في الشّهوات. وقد قال الله لعبده داود ﵇: فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [ص: ٢٦]، وقال تعالى: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ [القصص: ٥٠].

стр. 285

قال الزّركشيّ: «واعلم أنّه لا يحصل للنّاظر فهم معاني الوحي حقيقة، ولا يظهر له أسرار العلم من غيب المعرفة، وفي قلبه بدعة، أو إصرار على ذنب، أو في قلبه كبر أو هوى، أو حبّ الدّنيا، أو يكون غير متحقّق الإيمان، أو ضعيف التّحقيق، أو معتمدا على قول مفسّر ليس عنده إلّا علم بظاهر، أو يكون راجعا إلى معقوله، وهذه كلّها حجب وموانع، وبعضها آكد من بعض» (١). الشّرط الثّالث: التّحرّي والتّثبّت في الفهم . وأحسن ما يعين عليه ويرشد إليه اتّباع الطّرق الشّرعيّة لفهم القرآن، وذلك وفق المنهجيّة الآتية في المبحث التّالي. الشّرط الرّابع: الدّقّة في النّقل، واعتماد القويّ الثّابت . وذلك في نقل اللّغة، وفي كلّ ما يعتمد على الإسناد من الحديث في القراءات والتّفسير وأسباب النّزول والنّاسخ والمنسوخ، والآثار عن الصّحابة ومن بعدهم، وفي الكلام المعزوّ للعلماء، خاصّة علماء السّلف، فإنّ الحكايات الواهية وما لا أصل له كثير في ذلك. وإلى هذا يشير الإمام أحمد بن حنبل في عبارة جامعة، قال: «ثلاثة كتب ليس لها أصول: المغازي، والملاحم، والتّفسير» (٢).
следующие страницы →