استظهار بالسّماع والنّقل فيما يتعلّق بغرائب القرآن، وما فيه من الألفاظ المبهمة والمبدلة، وما فيه من الاختصار والحذف والإضمار والتّقديم والتّأخير، فمن لم يحكم ظاهر التّفسير وبادر إلى استنباط المعاني بمجرّد فهم العربيّة كثر غلطه، ودخل في زمرة من فسّر القرآن بالرّأي، والنّقل والسّماع لا بدّ له منه في ظاهر التّفسير أوّلا؛ ليتّقي به مواضع الغلط، ثمّ بعد ذلك يتّسع الفهم والاستنباط، والغرائب الّتي لا تفهم إلّا بالسّماع كثيرة، ولا مطمع في الوصول إلى الباطن قبل إحكام الظّاهر».
ثمّ قال: «وما عدا هذين الوجهين فلا يتطرّق النّهي إليه» (١).
...
стр. 282
الفصل الثاني: المنهج في تفسير القرآن
المبحث الأول: شروط المفسر
لما تقدّم ذكره من خطورة الكلام في تفسير القرآن بالهوى وبغير علم، وصيانة للكتاب العزيز عن العبث في معانيه يشترط في المتكلّم فيه (المفسّر) شروط، هي صفات لازمة لا يحلّ التّعرّض لتفسير القرآن بدونها:
الشّرط الأوّل: صحّة الاعتقاد وسلامة المنهج .
والعلّة في هذا أنّ فساد الاعتقاد والمنهج يصير بصاحبه إلى تحريف دلالة القرآن إلى ما يعتقد وينهج، وقد وقع ذلك من طوائف ممّن تصدّى للتّفسير ولم يكونوا على الاستقامة، فقالوا على الله غير الحقّ وحرّفوا الكلم عن دلالته، ككلامهم في تحريف معاني الصّفات، والوعد والوعيد، وغيرها من آيات العقائد والإيمان.
والمقياس: الوقوف عند ما جاء به الكتاب، وثبت به الخبر عن الصّادق المصدوق ﷺ ، مع متابعة الأثر عن أصحاب النّبيّ ﷺ وأئمّة التّابعين، ثمّ من جرى على منهاجهم ممّن جعل الله لهم الإمامة في الدّين، من أمثال الأئمّة أبي حنيفة ومالك وسفيان الثّوريّ وعبد الله بن المبارك والأوزاعيّ وسفيان بن عيينة والشّافعيّ وأحمد بن حنبل والحميديّ والبخاريّ وابن
стр. 283
جرير الطّبريّ، ومن وافق سبيلهم وجرى على هديهم في أبواب العقائد والسّلوك، فسبيل أولئك سبيل المؤمنين، وهو الأعلم والأسلم، لا سبيل من خلف، ممّن زاد واختلف، فجاء بما لم يرد به خبر، ولا جرى على أثر، متقحّما ما ليس له به علم، سالكا سنن اليهود في التّحريف والتّبديل.
الشّرط الثّاني: صحّة المقصد والتجرّد للحقّ والسّلامة من الهوى .
وهذا شبيه في أثره للّذي قبله ومتمّم له، والإخلاص والصّدق قائد لصاحبه إلى الهدى.
وصحّة المقصد من أعظم أسباب التّوفيق، وفهم القرآن توفيق ومنحة، كما قال النّبيّ ﷺ : «من يرد الله به خيرا يفقّهه في الدّين» (١).
أمّا الرّياء والمباهاة في العلم فممحقة لبركته في الدّنيا، ووبال على صاحبه في الآخرة، نعوذ بالله من الخذلان.
فقد جاء عن النّبيّ ﷺ قوله: «من تعلّم العلم ليباهي به العلماء،
أو ليماري به السّفهاء، أو ليصرف به وجوه النّاس إليه، فهو في النّار» (٢).
стр. 284
وثبت من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : «من تعلّم علما ممّا يبتغى به وجه الله، لا يتعلّمه إلّا ليصيب به عرضا من الدّنيا، لم يجد عرف الجنّة يوم القيامة» يعني ريحها (١).
والعلم النّافع المحقّق لمعرفة الله وخشيته لا يكون إلّا مع الإخلاص والاستعانة به، والقصد إلى العمل بذلك العلم.
كذلك من الحجب الكثيفة المانعة من إدراك حقائق التّنزيل والفهم السّليم لكلام الله: اتّباع الهوى، كان ذلك في الشّبهات أو في الشّهوات.
وقد قال الله لعبده داود ﵇: فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِ
وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [ص: ٢٦]، وقال تعالى: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ [القصص: ٥٠].
стр. 285
قال الزّركشيّ: «واعلم أنّه لا يحصل للنّاظر فهم معاني الوحي حقيقة، ولا يظهر له أسرار العلم من غيب المعرفة، وفي قلبه بدعة، أو إصرار على ذنب، أو في قلبه كبر أو هوى، أو حبّ الدّنيا، أو يكون غير متحقّق الإيمان، أو ضعيف التّحقيق، أو معتمدا على قول مفسّر ليس عنده إلّا علم بظاهر، أو يكون راجعا إلى معقوله، وهذه كلّها حجب وموانع، وبعضها آكد من بعض» (١).
الشّرط الثّالث: التّحرّي والتّثبّت في الفهم .
وأحسن ما يعين عليه ويرشد إليه اتّباع الطّرق الشّرعيّة لفهم القرآن، وذلك وفق المنهجيّة الآتية في المبحث التّالي.
الشّرط الرّابع: الدّقّة في النّقل، واعتماد القويّ الثّابت .
وذلك في نقل اللّغة، وفي كلّ ما يعتمد على الإسناد من الحديث في القراءات والتّفسير وأسباب النّزول والنّاسخ والمنسوخ، والآثار عن الصّحابة ومن بعدهم، وفي الكلام المعزوّ للعلماء، خاصّة علماء السّلف، فإنّ الحكايات الواهية وما لا أصل له كثير في ذلك.
وإلى هذا يشير الإمام أحمد بن حنبل في عبارة جامعة، قال:
«ثلاثة كتب ليس لها أصول: المغازي، والملاحم، والتّفسير» (٢).
стр. 286
يشير إلى أغلب ما يذكر فيها، فهو إمّا ضعيف أو موضوع لا أصل له.
وعن الإمام عبد الرّحمن بن مهديّ، قال: «لا يجوز أن يكون الرّجل إماما حتّى يعلم ما يصحّ ممّا لا يصحّ، وحتّى لا يحتجّ بكلّ شيء، وحتّى يعلم مخارج العلم» (١).
المبحث الثاني: الطرق التي يتبعها المفسر
من الأسباب المعينة على فهم القرآن على أحسن وجه، بعيدا عن التّكلّف والمجازفة، وفيما لا يتوقّف فهمه على دلالة اللّفظ القريب، أن تسلك المنهجيّة التّالية:
أوّلا: أن يفسّر القرآن بالقرآن .
وذلك بأن يستكشف معنى الآية من نفس القرآن، وهذا على وجوه:
стр. 287
فتارة بملاحظة السّياق الّذي وردت فيه الآية، كفهم تقدير الجواب في قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً [الرّعد: ٣١] ولم يذكر جواب (لو)، وهو مدرك بتأمّل السّياق، والمعنى: لو أنّ قرآنا سيّرت به الجبال أو قطّعت به الأرض أو كلّم به الموتى لكان هذا القرآن.
وتارة بملاحظة سياق الآيات، كفهم المراد بالقارعة ممّا يليها من نفس بيان القرآن، وذلك في قوله تعالى: الْقارِعَةُ (١) مَا الْقارِعَةُ (٢) وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ (٣) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ ٤ الآيات [القارعة: ١ - ٤]، فقد فسّرها ما بعدها.
وتارة يكون فهم المراد من خلال تأمّل ورود التّفسير في موضع آخر في القرآن، كتفسير قوله تعالى: يَوْمِ الدِّينِ في سورة الفاتحة، بقوله في سورة الانفطار: وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ [الآيات: ١٧ - ١٩].
وتارة بتتبّع مواضع التّكرار، إذ ليس في القرآن تكرار بمعنى إعادة الشّيء نفسه مرّة أخرى على سبيل التّساوي من كلّ وجه، وإنّما التّكرار في كلّ موضع له من الدّلالة ما يستقلّ به عن الموضع الآخر، إمّا بزيادة تفسير أو تفصيل أو دليل، فالبحث عن معنى الآية أو الآيات من خلال جمعها والمقارنة بينها وبين مواضع تكرارها طريق عظيم الأثر في فهم القرآن، مثل الرّبط بين الأمر بالحجّ في سورة آل عمران في قوله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ
стр. 288
حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [الآية: ٩٧] مع الآيات في ذلك في سورتي البقرة والحجّ، وفهم حقيقة النّفاق
بالرّبط بين الآيات في أوّل البقرة مع الآيات في ذلك من سورة النّساء، مع سورتي التّوبة والمنافقون، وفهم حقيقة اليهود من خلال ما قصّ الله من أنبائهم في المواضع المختلفة، وهكذا.
وسيأتي ذكر طرف من القواعد المساعدة على التّوصّل إلى تفسير القرآن بالقرآن، ضمن (قواعد التّفسير).
وهذا الطّريق في التّفسير قد سلكه النّبيّ ﷺ في تفسير القرآن، ومن الدّليل عليه حديث عبد الله بن مسعود، ﵁، قال:
لمّا نزلت الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ [الأنعام: ٨٢] شقّ ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ ، وقالوا: أيّنا لا يظلم نفسه؟ فقال رسول الله ﷺ : «ليس هو كما تظنّون، إنّما هو كما قال لقمان لابنه:
يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: ١٣]» (١).
ثانيا: أن يفسّر القرآن بالسّنّة .
وذلك بأن ينظر في السّنن الثّابتة المنقولة عن رسول الله ﷺ في معنى الآية، فالنّبيّ ﷺ هو المبيّن للقرآن بإذن الله، كما قال تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ
стр. 289
الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [النّحل: ٤٤]، وبيانه ﷺ وحي معصوم لا يساويه بيان غيره من البشر مهما بلغ علمه، كما قال تعالى: ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (٢) وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى ٤ [النّجم: ٢ - ٤].
فالسّنّة تفسّر مجمل القرآن، وتخصّص عامّه، وتقيّد مطلقه، وتبيّن ناسخه ومنسوخه.
قال شيخ الإسلام ابن تيميّة: «فإن قال قائل: فما أحسن طرق التّفسير؟ فالجواب: إنّ أصحّ الطّرق في ذلك أن يفسّر القرآن بالقرآن، فما أجمل في مكان فإنّه قد فسّر في موضع آخر، وما اختصر في مكان فقد بسط في موضع آخر، فإن أعياك ذلك فعليك بالسّنّة، فإنّها شارحة للقرآن وموضّحة له» (١).
واعلم أنّ تفسير السّنّة يستفاد من وجوه، أهمّها:
١ - بيانها لمعاني المفردات .
مثل تفسير قوله تعالى: إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها ١٢ [الشّمس: ١٢]، فقال رسول الله ﷺ : «انبعث لها رجل عزيز عارم منيع في رهطه، مثل أبي زمعة» (٢).
стр. 290
وكتفسير السّبع المثاني بقوله ﷺ : «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ٢ هي السّبع المثاني والقرآن العظيم الّذي أوتيته» (١)، يفسّر بذلك قوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ٨٧ [الحجر: ٨٧].
وهذا النّمط من التّفسير النّبويّ قليل، ولعلّ السّبب في ذلك ظهور معاني مفردات القرآن في أغلبها للمخاطبين به يومئذ؛ إذ نزل بلسانهم، بخلاف من بعدهم.
٢ - تفسيرها للإجمال:
وأكثر التّفسير النّبويّ للقرآن واقع على هذا الوجه، كتفسير الأحكام وشرائع الإسلام الّتي جاء ذكرها في القرآن بقدر يتعسّر أو يتعذّر معه الامتثال، كبيان صفة الصّلاة، وأحكام الزّكاة، والصّيام، والحجّ، والقصاص، والدّيات، وغيرها.
ومن ذلك تقييدها المطلق، كتقييد قوله تعالى: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ [النّساء: ١١، ١٢] بالثّلث، ومنعها بما يزيد عليه (٢).
وتخصيصها العامّ، كتخصيص عموم قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ
стр. 291
الْمَيْتَةُ [المائدة: ٣] بإباحته ﷺ ميتة البحر في قوله: «هو الطّهور ماؤه، الحلّ ميتته» (١).
ومنه أيضا بيان الإبهام في الآية المعيّنة، كما في حديث البراء بن عازب، أنّ رسول الله ﷺ قال: «المسلم إذا سئل في القبر يشهد أن لا إله إلّا الله، وأنّ محمّدا رسول الله، فذلك قوله: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ
آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ [إبراهيم: ٢٧]» (٢).
٣ - رفعها للإشكال:
كما في حديث عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : «من حوسب عذّب»، فقلت: أليس قد قال الله : فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً ٨ [الانشقاق: ٨]؟ فقال: «ليس ذاك الحساب، إنّما ذاك العرض، من نوقش الحساب يوم القيامة عذّب» (٣).
стр. 292
٤ - توكيدها للقرآن مع زيادة البيان:
الاستعمالات النّبويّة للآية والاستشهاد بها لشيء يكشف من معاني القرآن ما لا يمكن أن يعرف من غير هذا الطّريق، فتكون السّنّة فيما جاءت به من المعنى مؤكّدة ومصدّقة لما جاء به الكتاب، وزائدة في بيانه.
مثاله حديث عبد الله بن الشّخّير، قال:
أتيت النّبيّ ﷺ وهو يقرأ: أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ ١ قال: «يقول ابن آدم: ما لي، مالي» قال: «وهل لك يا ابن آدم من مالك إلّا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدّقت فأمضيت؟» (١).
كذلك يعرف بالسّنّة النّسخ، فإنّها تأتي به أو تدلّ عليه.
كما ترشد إلى معرفة أسباب نزول القرآن (٢).
وهذا الطّريق متّفق على استعماله عند أهل العلم، وهو مقدّم عندهم على ما سواه من طرق التّفسير، كيف لا وهو بيان من بيانه وحي ودين؟ بل هو القاضي على كلّ بيان سواه، لا ينازع تفسيره بتفسير من دونه، مهما كان قدر المفسّر، لكن بشرط أن تصحّ به الرّواية.
وعلى هذا المنهج جرى الأوّلون، فعن عبيد الله بن أبي يزيد، قال:
стр. 293
كان ابن عبّاس إذا سئل عن الأمر، فكان في القرآن أخبر به، وإن لم يكن في القرآن وكان عن رسول الله ﷺ أخبر به، فإن لم يكن فعن أبي بكر وعمر، فإن لم يكن قال فيه برأيه (١).
ثالثا: تفسير القرآن بآثار الصّحابة .
وهذا بالنّظر في المنقول الثّابت عنهم في التّفسير عند فقده في القرآن والسّنّة، ذلك، أنّهم قد أوتوا من الدّراية بالقرآن ما لم يؤت أحد بعدهم، ولا عجب، فهم العرب الخلّص، وبلسانهم نزل القرآن، وقد شهدوا التّنزيل، وصحبوا رسول الله ﷺ ؛ فربّاهم بالقرآن، وكان
يصبّحهم ويمسّيهم يتلوه عليهم ويبيّنه لهم بالقول والعمل، وهذه خصائص توجب بالضّرورة أن يكونوا أعلم النّاس بكتاب الله بعد رسول الله ﷺ (٢).
حكم الاستدلال بتفسير الصّحابيّ:
كلام الصّحابيّ في التّفسير وارد على أربعة أقسام:
أوّلها: أن يكون حكاية عمّا وقع في عهد النّبيّ ﷺ ، كسبب نزول آية أو
стр. 294
سورة، أو الإخبار عن شيء كان يومئذ.
فأمّا المثال لسبب النّزول فقد تقدّم.
وأمّا المثال لشيء وقع يومئذ، فكحديث عائشة، في قوله تعالى:
إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ [الأحزاب: ١٠] قالت: «كان ذلك يوم الخندق» (١).
فمثل هذا له حكم المرفوع، وهو حجّة (٢).
وثانيها: أن يكون خبرا لا يقال مثله من قبل الرّأي، فله حكم المرفوع، وهو حجّة، بشرط أن لا توجد مظنّة غالبة أنّه ممّا أخذ عن علماء أهل الكتاب، كبعض قصص الأنبياء وغيرهم، وما يتّصل ببدء الخلق وذكر الجنّة والنّار (٣).
فمثال ما له حكم الرّفع حديث ابن عبّاس في سياق قصّة إسماعيل ﵇ وأمّه وأبيه إبراهيم الخليل ﵇، وبناء البيت الحرام، فقد ذكر قصّة طويلة أكثرها لم يقل فيه: (قال النّبيّ ﷺ (٤).
ومثل قول ابن عبّاس أيضا ممّا يدرج تحت تفسير غير آية:
стр. 295
«ليس في الدّنيا شيء ممّا في الجنّة إلّا الأسماء» (١).
ونقول لهذا: (له حكم الرّفع) لأنّ مثله لا يقال إلّا بتوقيف، إذ احتمال كونه مجرّد اجتهاد ضعيف، ومظنّة كونه من الإسرائيليّات ضعيفة كذلك؛ لأنّ ابن عبّاس وإن سمع من كعب الأحبار، لكنّه أقلّ جدّا مع نقده لذلك.
أمّا إذا كان الصّحابيّ ممّن قد ثبت كثرة تحديثه بالإسرائيليّات، مثل عبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي هريرة، فالواجب أن لا يقال فيما نقلوا ممّا فيه مظنّة ذلك: (له حكم الرّفع).
مثل قول أبي هريرة في تفسير قوله تعالى: وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا [القصص: ٤٦] قال: نودي أن: يا أمّة محمّد، أعطيتكم قبل أن تسألوني، وأجبتكم قبل أن تدعوني (٢).
فهذا خبر لا يقال مثله من قبل الاجتهاد، إنّما يعتمد على النّقل، لكن حين ثبت أنّ أبا هريرة حمل من علوم أهل الكتاب، لم يصحّ أن يقال في هذا: (له حكم الرّفع).
стр. 296
وثالثها: أن يكون من قبيل تفسير اللّفظ من جهة استعمال العرب له، فذلك حجّة في نقل اللّغة، فإنّ ما يقوله ابن عبّاس في مثل ذلك أقوى ممّا يذكر عن الخليل بن أحمد أو الفرّاء أو أبي عبيدة أو غيرهم من أئمّة اللّغة.
ومثال هذا كثير جدّا في كتب التّفسير بالمأثور.
ورابعها: أن يكون باجتهاد الصّحابيّ، وهو ما سوى الأقسام الثّلاثة الماضية، فهذا موقوف عليه، وليس بحجّة ملزمة على القول الرّاجح لأهل العلم (١).
وهذا يوجد بكثرة في كتب التّفسير بالأثر كالّذي قبله.
رابعا: تفسير القرآن بأقوال التّابعين ومن بعدهم .
والمراد بهم من أتى بعد الصّحابة من أهل العلم بالقرآن، قبل انتشار التّدوين، كما سيأتي في (تاريخ التّفسير).
فينظر في كلامهم في التّفسير عند فقد الأثر عن الصّحابة، وذلك على
стр. 297
سبيل الاستحباب، فقد كان عهدهم قريبا من عصر النّبوّة، وحملوا العلم عن أصحاب النّبيّ ﷺ وتتلمذوا عليهم، وتأدّبوا بأدبهم، مع ما أوتوا وعرفوا به من الدّين، والصّدق، والأمانة، وصحّة الاعتقاد، وسلامة المنهاج، والبعد عن التّكلّف (١).
خامسا: اعتبار دلالة اللّغة، والقياس بالأشباه والنّظائر .
وهذا مسلك إعمال الرّأي مشروطا بمراعاة لغة القرآن، وأصول الشّريعة في الفهم والاستنباط.
وهو يوجب تحصيل آلة تعين على استكشاف ألصق المعاني بمراد الله تعالى بكلامه، وتعود إلى أصلين:
الأصل الأوّل: العلم بالعربيّة .
ويتمثّل بالقدرة على استعمال المعاجم الموضوعة لشرح الحقيقة اللّغويّة، مع الدّراية بعلوم النّحو والصّرف والبلاغة، على الوجه الّذي يمكّن من فهم التّراكيب والدّلالات بحسب وضعها اللّغويّ.
ولقد كان هذا المنهج، وهو الرّجوع إلى لسان العرب لفهم الألفاظ ودلالاتها، سبيل من سبق من أئمّة التّفسير منذ عصر السّلف.
فهذا مفسّر الصّحابة عبد الله بن عبّاس، يتفقّد لغة القرآن في كلام
стр. 298
العرب، ويستشهد لها بنثرهم وشعرهم:
فعنه، قال: كنت لا أدري ما فاطِرِ السَّماواتِ [الأنعام: ١٤] حتّى أتاني أعرابيّان يختصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، يقول: أنا ابتدأتها (١).
وكان إذا سئل عن الشّيء من عربيّة القرآن ينشد الشّعر (٢).
ويقول: إذا خفي عليكم شيء من القرآن فابتغوه في الشّعر؛ فإنّه ديوان العرب (٣).
الأصل الثّاني: العلم بما يتّصل بالقرآن ممّا له الأثر في فهمه .
كالمقدّمات
стр. 299
الأساسيّة في علوم القرآن، مثل أسباب النّزول، والنّاسخ والمنسوخ، وعلم القراءات، وسبق التّنبيه على أهمّيّتها لفهم القرآن (١)، وعلم أصول الفقه.
وقد قرّبت هذه العلوم بالتّصانيف المفردة فيها: فأسباب النّزول وإن لم يكن فيها كبير شيء، لكنّ جمع السّيوطيّ حسن، وهو المسمّى ب «لباب النّقول في أسباب النّزول»، فقد أتى فيه على تصنيف الواحديّ قبله وزاد، والمأخذ عليه أنّه ليس بالمحرّر، وفيه الثّابت وغيره، وهو قد يبيّن درجة الخبر أحيانا، لكنّه كذلك معروف بتساهل شديد في الحكم على الأحاديث.
وفي المعاصرين ألّف الشّيخ مقبل الوادعيّ فيه كتابا حسنا سمّاه:
«الصّحيح المسند من أسباب النّزول»، اختار فيه ما ثبت لديه في الباب، وعليه تعقّبات واستدراك، وفي كتابه فوات، وفي طريقته تشدّد زائد.
وفي النّاسخ والمنسوخ، تقدّم النّصح بكتاب أبي الفرج ابن الجوزيّ المسمّى «نواسخ القرآن» (٢) فهو نافع محقّق للغرض.
وفي القراءات، كتب كثيرة لا تدخل تحت الحصر، ولو أقبلت في بابها على كتب إمام القرّاء أبي الخير ابن الجزريّ المتوفّى سنة (٨٣٣ هـ) لكفتك، ككتاب «النّشر في القراءات العشر».
стр. 300
وفي توجيه اختلاف القراءات بعض المؤلّفات المفيدة، من أحسنها «حجّة القراءات» لأبي زرعة عبد الرّحمن بن محمّد بن زنجلة.
كذلك، فإنّ في القراءات التّفسيريّة المنقولة عن أفراد الصّحابة، ما يعين كثيرا في تفسير القرآن، والمقصود ما ثبتت به الرّواية عنهم،
كالمنقول من قراءة ابن مسعود وعليّ بن أبي طالب وأبيّ بن كعب وعائشة وغيرهم.
صحّ عن إمام التّابعين في التّفسير مجاهد المكّيّ قال:
لو كنت قرأت قراءة ابن مسعود، لم أحتج إلى أن أسأل ابن عبّاس عن كثير من القرآن ممّا سألت (١).
وعامّة من جرى على اقتفاء الأثر في التّفسير قد اعتنى بهذا الجانب من أصوله (٢).
وأمّا علم أصول الفقه، فهو رأس هذه العلوم، لا يحلّ لمن لا يحسنه أن يتقحّم الكلام في تفسير القرآن، فبه تعرف أصول درجات الأحكام، وأدلّتها، والطّرق إلى فهمها، والكلّيّات الّتي تعود إليها.
والمؤلّفات فيه لا تحصر، والمختصر فيه مع الاستيعاب محقّق للغرض (٣).
стр. 301
خاتمة الفصل
هذا الّذي بيّنت في هذا الفصل من ذكر صفة المفسّر وشرطه، والطّرق الخمس التي عليه اتّباعها، يمثّل منهاج السّلامة للكلام في
القرآن، العاصم من الزّلل، والمعين على معرفة أسرار التّنزيل، وهو يمثّل القاعدة الكلّيّة لفهم القرآن.
ثمّ من تسلّح به فلا حرج عليه من بعد أن يستنبط ما لم يذكر قبله، فإنّ الله تعالى لم يحجر ذلك على سالف، إنّما هو النّظر في خطابه المباشر لكلّ أحد بعينه.
قال الزّركشيّ: «المنقول من ظاهر التّفسير ليس ينتهي الإدراك فيه بالنّقل، والسّماع لا بدّ منه في ظاهر التّفسير؛ ليتّقى به مواضع الغلط، ثمّ بعد ذلك يتّسع الفهم والاستنباط» (١).
...
стр. 302
الفصل الثالث: تاريخ التفسير
المراد بهذا الفصل ذكر المراحل التّاريخيّة الّتي مرّ بها اعتناء الأمّة بتفسير القرآن، لنعرف من خلالها مواردنا لهذا العلم العظيم، فإنّنا في الوقت الّذي نؤكّد فيه على ذمّ
التّقليد، وندعو إلى التّجديد والرّجوع إلى منابع هذا الدّين الصّافية، نقوم على أسس مستقرّة في الأعماق لا نخشى معها زلزلة العواصف، بخلاف من يقدم على تفسير القرآن وهو يبذر في تربة سبخة، ويسقي بماء ملح، كشرذمة لا يكاد يخلو منهم زمان بعد خير القرون، يريدون الإبداع- زعموا- دون تاريخ، ويدّعون التّجديد دون قديم، ولا يبدع من لا تاريخ له، ولا يجدّد من لا أصل له.
المبحث الأول: التفسير في عهد الصحابة
كان الصّحابة في عهد النّبيّ ﷺ إذا جاء الوحي من السّماء انتظروا بيان رسول الله ﷺ وتفسيره فيما يحتاج إلى شرحه وبيانه، وربّما عمدوا إلى التّبيّن منه فيما يستشكل، كما ذكرت آنفا بعض الأثر فيه.
كما أنّه ﷺ قد أباح لهم أن يفهموا القرآن؛ لأنّ الآلة كانت متحصّلة لهم، وصوّب لهم خطأهم فيما يخطئون فيه، دون أن يلوم أحدا منهم أو يؤاخذه
стр. 303
على فهمه، كما في قصّة نزول قوله تعالى:
الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ [الأنعام: ٨٢]، حين شقّ ظاهرها على النّاس حتّى كشف لهم النّبيّ ﷺ عن معناها (١)، وكما في قصّة عديّ بن حاتم عند نزول: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [البقرة: ١٨٧] (٢).
ولمّا كان النّبيّ ﷺ بين أظهرهم، فقد كان مرجعهم في تبيين الكتاب، ولم يكونوا يصدرون عن سواه فيه، فقد كفاهم.
أمّا بعده ﷺ ، فقد اتّسعت البلاد، ودخل النّاس في الإسلام أفواجا، ودخلت العجمة، فاحتاج المسلمون لشرح ما لم يكن الصّحابة في عهد النّبيّ ﷺ بحاجة إلى شرحه من القرآن والسّنّة، ففزعوا إلى خلفاء النّبيّ ﷺ في العلم من بعده من أصحابه، والّذين صاروا أئمّة النّاس في شرائع الدّين وعنهم يصدرون، وبرز فيه منهم خلق كثير، هؤلاء رءوسهم:
أبو بكر الصّدّيق، وعمر بن الخطّاب، وعثمان بن عفّان،
وعليّ بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عبّاس، وأبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وعائشة، وأبو موسى الأشعريّ، ومعاذ بن جبل، وأبو الدّرداء،
стр. 304
وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، وأمّ سلمة، وعبد الله بن عمرو بن العاص، ﵃.
وسيّد المفسّرين لمن بعده من هؤلاء الأئمّة: حبر الأمّة وترجمان القرآن ابن عمّ رسول الله ﷺ عبد الله بن العبّاس بن عبد المطّلب، ﵁، فإنّه لم ينقل عن أحد من أصحاب النّبيّ ﷺ في التّفسير أكثر ممّا نقل عنه.
وما آتاه الله من العلم بالقرآن إنّما حصل له ببركة دعاء رسول الله ﷺ له، فقد صحّ عنه أنّه قال: «اللهمّ فقّهه في الدّين، وعلّمه التّأويل» (١).
وقد كان مقدّما على أقرانه عند أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب، ﵁، حتّى كان يجعله في العلم في مصافّ البدريّين مع صغر سنّه (٢).
وكان فقيه الصّحابة عبد الله بن مسعود، ﵁، يقول:
«نعم ترجمان القرآن ابن عبّاس» (٣).
стр. 305
وقال الإمام مجاهد المكّيّ تلميذ ابن عبّاس وخرّيجه: «كان ابن عبّاس إذا فسّر الشّيء رأيت عليه نورا» (١).
كذلك فيمن تقدّم ذكره من الصّحابة إمامان يعرف لهما الرّسوخ في فهم القرآن وتفسيره، هما:
أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، ﵁، فإنّ بعض العلماء قدّمه في التّفسير على ابن عبّاس، وقال: ابن عبّاس إنّما أخذ عن عليّ (٢)، ولهذا احترزت بقولي آنفا في
ابن عبّاس: (سيّد المفسّرين لمن بعده) أن يكون سيّد المفسّرين من الصّحابة مطلقا، وإنّما العبرة بحسب ما ورثه المسلمون من تفسير ابن عبّاس وما ورثوه من تفسير عليّ في القلّة والكثرة.
وكان عليّ يقول: «سلوني عن كتاب الله، فإنّه ليس من آية إلّا وقد عرفت بليل نزلت أم بنهار، في سهل أم في جبل» (٣).
стр. 306
عبد الله بن مسعود، ﵁، وقد صحّ عنه قوله:
«والله الّذي لا إله غيره، ما أنزلت سورة من كتاب الله، إلّا أنا
أعلم أين أنزلت، ولا أنزلت آية من كتاب الله إلّا أنا أعلم فيم أنزلت، ولو أعلم أحدا أعلم منّي بكتاب الله تبلّغه الإبل لركبت إليه» (١).
المبحث الثاني: التفسير في عهد التابعين
حمل عن الصّحابة علم التّفسير جماعة من التّابعين، من أبرزهم:
مجاهد بن جبر المكّيّ، وسعيد بن جبير الكوفيّ، وعكرمة مولى ابن عبّاس المدنيّ، وطاوس بن كيسان اليمانيّ، وعطاء بن أبي رباح المكّيّ، وهؤلاء رءوس أصحاب ابن عبّاس، ومن أكثر التّابعين كلاما في التّفسير.
سعيد بن المسيّب، وزيد بن أسلم، وأبو العالية الرّياحيّ، ومحمّد بن كعب القرظيّ، من أعيان المفسّرين من أهل المدينة.
علقمة بن قيس النّخعيّ، ومسروق بن الأجدع، والأسود بن يزيد، ومرّة الهمدانيّ، وعامر الشّعبيّ، وإسماعيل بن عبد الرّحمن السّدّيّ، وإبراهيم النّخعيّ، من أعيان المفسّرين بالكوفة.
الحسن البصريّ، ومحمّد بن سيرين، وقتادة بن دعامة السّدوسيّ، والرّبيع بن أنس، من أعيانهم بالبصرة.
стр. 307
وهؤلاء ثقات أئمّة قد حفظ عنهم علم كثير في تأويل القرآن.
وممّن يلحق بهم:
الضّحّاك بن مزاحم الهلاليّ، وهو ثقة، لكن أكثر الرّواية عنه من طريق جويبر بن سعيد، وهو متروك، وعنه طريق أخرى سيأتي ذكرها.
وأبو صالح باذام مولى أمّ هانئ، وهو صدوق على التّحقيق، وله في التّفسير كلام كثير، أكثره ممّا يجيء من رواية محمّد بن السّائب الكلبيّ، وهو كذّاب باعترافه، فإن جاء من طريق ثابت فهو معتبر.
تميز أصحاب ابن عباس:
واعلم أنّ أصحاب ابن عبّاس أكثر من حمل عنه تفسير القرآن من التّابعين، والتّقدّم فيهم لعكرمة ومجاهد وسعيد بن جبير.
سئل أبو حاتم الرّازيّ عن عكرمة وسعيد بن جبير: أيّهما أعلم بالتّفسير؟ فقال: «أصحاب ابن عبّاس عيال على عكرمة» (١).
وقال حبيب بن أبي ثابت:
«اجتمع عندي خمسة لا يجتمع عندي مثلهم أبدا: عطاء، وطاوس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، فأقبل مجاهد وسعيد بن جبير يلقيان
стр. 308
على عكرمة التّفسير، فلم يسألاه عن آية إلّا فسّرها لهما، فلمّا نفد ما عندهما جعل يقول: أنزلت آية كذا في كذا، وأنزلت آية كذا في كذا» (١).
وقال أيّوب السّختيانيّ لسفيان بن عيينة: لو قلت لك: إنّ الحسن (يعني البصريّ) ترك كثيرا من التّفسير حين دخل علينا عكرمة البصرة حتّى خرج منها، لصدقت (٢).
وهذه شهادة من الحسن تثبت تقدّم عكرمة في التّفسير.
وأمّا مجاهد، فإنّه ثبت عنه قوله: «عرضت القرآن على ابن عبّاس ثلاث عرضات، أقف عند كلّ آية أسأله: فيم أنزلت، وفيم كانت» (٣).
وعن سفيان الثّوريّ قال: إذا جاءك التّفسير عن مجاهد فحسبك به (٤).
كما ثبت عن سفيان قوله: «خذوا التّفسير من أربعة: سعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة، والضّحّاك بن مزاحم» (٥).
وهؤلاء سوى الضّحّاك إليهم ترجع أصحّ الرّوايات في التّفسير عن ابن عبّاس، كما سيأتي في الفصل التّالي.
стр. 309
المبحث الثالث: التدوين في التفسير
بعد التّابعين بدأ التّأليف والجمع في علم التّفسير، ولم يثبت وقوعه قبل ذلك، إنّما جمع تفسير بعض الصّحابة والتّابعين من قبل من
حمل ذلك من أتباعهم في نسخ وروايات، كما في «تفسير مجاهد» الّذي يرويه عنه ابن أبي نجيح (١)، ولا يصحّ أنّ ابن عبّاس أو مجاهدا أو غيره من التّابعين ألّفوا في التّفسير (٢).
ومن أبرز من ألّف فيه من طبقة أتباع التّابعين:
عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم (٣)، وسعيد بن أبي عروبة، وعبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، وسفيان الثّوريّ (٤)، وسفيان بن عيينة، وغيرهم.
стр. 310
وبعد طبقة هؤلاء زاد المصنّفون فيه، فممّن تلاهم:
روح بن عبادة المتوفّى سنة (٢٠٥ هـ)، وعبد الرّزّاق الصّنعانيّ المتوفّى سنة (٢١١ هـ) (١)، وسنيد بن داود المتوفّى سنة (٢٢٦ هـ) (٢)،
وسعيد بن منصور المتوفّى سنة (٢٢٧ هـ) (٣)، وأبو بكر عبد الله بن محمّد بن أبي شيبة المتوفّى سنة (٢٣٥ هـ) (٤)، وعبد بن حميد المتوفّى سنة (٢٤٩ هـ) (٥)، وغيرهم.
وهؤلاء اعتنوا بجمع الأحاديث والآثار المنقولة بأسانيدها في التّفسير.
وفي طبقتهم طائفة من أعيان أئمّة العربيّة قصدوا إلى بيان عربيّة القرآن ومعاني ألفاظه في لسان العرب مستشهدين لذلك بشعرهم ونثرهم، منهم:
أبو زكريّا يحيى بن زياد الفرّاء المتوفّى سنة (٢٠٧ هـ) (٦)، وأبو عبيدة معمر بن المثنّى المتوفّى سنة (٢٠٩ هـ) (٧)، والأخفش أبو الحسن سعيد بن
стр. 311
مسعدة البصريّ المتوفّى سنة (٢١٠ هـ) (١)، وأبو محمّد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدّينوريّ المتوفّى سنة (٢٧٦ هـ) (٢).
ثمّ في أواخر المائة الثّالثة بدأ ظهور المصنّفات الجوامع في التّفسير، ومنها التي تستعمل جميع آلة المفسّر، من أثر ولغة ورأي، فمن أشهر المصنّفين فيه:
أبو جعفر محمّد بن جرير الطّبريّ المتوفّى سنة (٣١٠ هـ) (٣)، وأبو بكر محمّد بن إبراهيم بن المنذر النّيسابوريّ المتوفّى سنة (٣١٨ هـ) (٤)، وأبو محمّد عبد الرّحمن بن محمّد أبي حاتم الرّازيّ المتوفّى سنة (٣٢٧ هـ) (٥).
وفي المائة الرّابعة بدأ التّفسير بالرّأي يشيع، وكان وجوده قبل ذلك قليلا، وظهرت كذلك مشاركات بعض أهل البدع فيه على طرقهم في نصر
стр. 312
آرائهم، كالمعتزلة، والشّيعة.
وفي هذا الوقت وبعده كثر التّصنيف في التّفسير، حتّى فاقت المصنّفات فيه الحصر، كما هو الشّأن في سائر الفنون، وتنوّعت فيه المسالك بين اختصار وتطويل، واتّباع وابتداع، وتوسّع النّاس فيه بالرّأي، بين محمود ومذموم، وإن أردت تمييز ذلك ممّا تقف عليه من تلك الكتب فحاكمها بما تقدّم شرحه من صفة المفسّر ومنهج التّفسير.
وآت في الفصل التّالي لهذا زيادة تمييز تعين على انتخاب أقرب تلك الكتب إلى تحقيق المنفعة بالقرآن، مع الوقاية من معاطب الرّأي وزلل أهله.
وجدير أن تعلم أنّه أفرد بالتّصنيف أبواب من التّفسير، كتفسير آيات الصّفات، وقصص القرآن، وآيات الأحكام، وغير ذلك.
وأبرزها تفسير آيات الأحكام، فقد لقي من التّحرير والتّهذيب ما لم يكن مثله لسائر الأبواب، ولا يخفى أنّ سببه ما ينبني عليه من تفاصيل الشّرائع العمليّة، فمن أعيان من صنّف فيه من الأقدمين:
القاضي إسماعيل بن إسحاق المالكيّ المتوفّى سنة (٢٨٢ هـ) (١)، وأبو جعفر أحمد بن محمّد بن سلامة الطّحاويّ الحنفيّ المتوفّى سنة (٣٢١ هـ)، وعلى خطاه جرى أبو بكر أحمد بن عليّ الرّازيّ الجصّاص المتوفّى سنة
стр. 313
(٣٧٠ هـ) (١)، وتلاهم في التّصنيف فيه كثيرون، وممّن ينبغي تخصيصه بالذّكر منهم: القاضي أبو بكر محمّد بن عبد الله الإشبيليّ المالكيّ المعروف ب (ابن العربيّ) المتوفّى سنة (٥٤٣ هـ) (٢)، وعلى كتابه بنى أبو عبد الله محمّد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح القرطبيّ المتوفّى سنة (٦٧١ هـ) في تفسيره الكبير المسمّى «الجامع لأحكام القرآن».
وللإمام الشّافعيّ في ذلك كتاب مجموع، جمعه الحافظ أبو بكر البيهقيّ من منثور كلامه (٣).
...
стр. 314
الفصل الرابع: نقد مناهج التفسير
علم التّفسير من خلال النّظر في المؤلّفات المتنوّعة الكثيرة فيه، يلاحظ أنّ المشتغلين به سلكوا مناهج مختلفة متعدّدة، ولما تقدّم ذكره من خطورة الرّأي الّذي يحكمه الهوى والبدعة في هذا الباب، ومن أجل الاهتداء إلى أفضل ما يعين على فهم القرآن من كتب التّفسير، ينبغي للدّارس لعلوم القرآن أن يحيط دراية بمناهج تلك المصنّفات، مع ملاحظة ما يؤخذ عليها.
فإليك تلخيصها في المباحث التّالية، ممثّلا بأبرز الكتب الّتي يمكن الوقوف عليها، ملحقة بالنّقد الّذي يقتضيه الحال:
المبحث الأول: المؤلفات في التفسير بالمأثور
وهو التّفسير بالقرآن نفسه، وبالسّنّة، وبالآثار عن الصّحابة والتّابعين.
وهذا المنهج أفضل المناهج، والزّيادة عليه يجب أن تستفاد من خلاله، ومراعاته علامة الصّواب، وقاعدة لضبط التّجديد في فهم القرآن.
وتقدّم شرح هذا المنهج بما لا يحتاج إلى مزيد، وقد تميّزت به طائفة ممّن كتب في التّفسير وجمع فيه من السّابقين واللّاحقين، فمن أبرز الكتب فيه:
стр. 315
١ - جامع البيان عن تأويل آي القرآن .
تأليف: الإمام أبي جعفر محمّد بن جرير الطّبريّ المتوفّى سنة (٣١٠ هـ).
هذا الكتاب أفضل كتب التّفسير بالمأثور وأجمعها، مع التّحرير والنّقد، ويمتاز بإسناد جميع الرّوايات من الحديث والآثار، كما يراعي اختلاف القراءات واللّغة، ومؤلّفه إمام مجتهد ثقة متقن كبير القدر.
قال في بيان شرطه في مقدّمته: «ونحن في شرح تأويله وبيان ما فيه من معانيه، منشئون إن شاء الله كتابا مستوعبا لكلّ ما بالنّاس إليه الحاجة من علمه جامعا، ومن سائر الكتب غيره في ذلك كافيا، ومخبرون في كلّ ذلك بما انتهى إلينا من اتّفاق الحجّة فيما اتّفقت عليه الأمّة، واختلافها فيما اختلفت فيه منه، ومبيّنو علل كلّ مذهب من مذاهبهم، وموضّحو الصّحيح لدينا من ذلك، بأوجز ما أمكن من الإيجاز في ذلك، وأخصر ما أمكن من الاختصار فيه».
وقد وفّى بشرطه.
ولم يزل أهل العلم يثنون على هذا الكتاب ويقدّمونه:
قال النّوويّ: «لم يصنّف مثله» (١).
وقال ابن تيميّة: «وأمّا التّفاسير الّتي في أيدي النّاس فأصحّها تفسير محمّد بن جرير الطّبريّ، فإنّه يذكر مقالات السّلف بالأسانيد الثّابتة، وليس
стр. 316
فيه بدعة، ولا ينقل عن المتّهمين، كمقاتل والكلبيّ» (١).
وكان مختصرا لأهل زمانه حين كانت الهمم عالية، أمّا أهل زماننا فيرونه أطول المطوّلات، وقد وصلنا بتمامه بحمد الله.
٢ - تفسير القرآن العظيم مسندا عن رسول الله ﷺ والصّحابة والتّابعين .
تأليف: الإمام عبد الرّحمن بن أبي حاتم الرّازيّ، المتوفّى سنة (٣٢٧ هـ).
وهذا التّفسير وافق مضمونه اسمه، وهو من جمع حافظ ثقة عارف، نسبته إليه صحيحة.
وقد قال في مقدّمته مبيّنا شرطه فيه: «سألني جماعة من إخواني إخراج تفسير القرآن مختصرا بأصحّ الأسانيد، وحذف الطّرق والشّواهد والحروف والرّوايات وتنزيل السّور، وأن نقصد لإخراج التّفسير مجرّدا دون غيره، متقصّين تفسير الآي حتّى لا نترك حرفا من القرآن يوجد له
تفسير إلّا أخرج ذلك» حتّى قال: «فتحرّيت إخراج ذلك بأصحّ الأخبار إسنادا وأشبهها متنا».
وقد وفّى بما اشترطه، لكن لا تفهمنّ من قوله: «بأصحّ» أنّ كلّ ما في
стр. 317
هذا التّفسير صحيح إلى من عزي إليه، وإنّما هو الأصحّ في تفسير تلك الآية عند ابن أبي حاتم، أي لا شيء عنده أحسن منه، مع جواز أن يكون ضعيفا لا يصحّ بنفسه، كما يعلم من استعمال هذه الصّيغة، والواقع يثبت أنّ في الكتاب ما يثبت وما لا يثبت.
ولم يزل هذا التّفسير مرجعا لأهل العلم يصدرون عنه، ويعتمدون عليه، لكن لم يصلنا منه نسخة تامّة، وإن كان السّيوطيّ قد ضمّنه كتابه الآتي قريبا: «الدّر المنثور».
٣ - معالم التّنزيل .
تأليف: الإمام محيي السّنّة أبي محمّد الحسين بن مسعود البغويّ المتوفّى سنة (٥١٦ هـ).
هذا التّفسير جلّ اعتماده على المأثور عن السّلف، وهو مختصر فيما تضمّنه من الآثار من تفسير شيخه أبي إسحاق أحمد بن محمّد بن إبراهيم الثّعلبيّ المتوفّى سنة (٤٢٧ هـ) والمسمّى «الكشف والبيان في تفسير القرآن»، كما بيّن ذلك البغويّ نفسه في مقدّمته، وزاد برواية نفسه كثيرا من الحديث المسند وبعض الأثر، كما اعتنى باختلاف القرّاء، ويعتمد اللّغة، ولم يخل من نفس فقيه وإن قلّ.
وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيميّة عن تفسير الزّمخشريّ والقرطبيّ والبغويّ؟ فقال: «أسلمها من البدعة والأحاديث الضّعيفة البغويّ، لكنّه
стр. 318
مختصر من تفسير الثّعلبيّ، وحذف منه الأحاديث الموضوعة والبدع الّتي فيه، وحذف أشياء غير ذلك» (١).
٤ - زاد المسير في علم التّفسير .
تأليف: الإمام أبي الفرج عبد الرّحمن بن عليّ ابن الجوزيّ، المتوفّى سنة (٥٩٧ هـ).
هذا الكتاب يعتمد على الأثر واللّغة وبعض الرّأي، ويسوق الأقوال في ذلك بأحسن سياقة وأخصرها، كما يعتني باختلاف القراءات وتوجيهها، حتّى الشّاذّة منها، كذلك يذكر أسباب النّزول والمكّيّ والمدنيّ، والنّسخ، وتوضيح المشكل، جميع ذلك بعبارة سهلة وعرض ممتع، ويقلّ جدّا أن
стр. 319
يذكر شيئا غير معزوّ لأحد، وإذا علّق بشيء من قبل نفسه أتى بأتمّ معنى وأخصر عبارة.
غير أنّه لما قصد إليه من الاختصار فإنّه لا يذكر الأسانيد، والتزم ما قاله في مقدّمته: «وقد حذرت من إعادة تفسير كلمة متقدّمة إلّا على وجه الإشارة، ولم أغادر من الأقوال الّتي أحطت بها، إلّا ما تبعد صحّته مع الاختصار البالغ، فإذا رأيت في فرش الآيات ما لم يذكر تفسيره فهو لا يخلو من أمرين: إمّا أن يكون قد سبق، وإمّا أن يكون ظاهرا لا يحتاج إلى تفسير، وقد انتقى كتابنا هذا أنقى التّفاسير، فأخذ منها الأصحّ والأحسن والأصون، فنظمه في عبارة الاختصار».
ويمكن القول: إنّ ابن الجوزيّ راعى في تفسيره أكثر ما يجب أن يتّصف به المفسّر.
وهذا الكتاب مطبوع بتمامه.
وقفة: عند المقارنة بين هذا التّفسير وتفسير شيخ الشّافعيّة أبي الحسن عليّ بن حبيب الماورديّ المتوفّى سنة (٤٥٠ هـ) والمسمّى «النّكت والعيون»، نجد توافقا شديدا في المنهج، فإنّ ما وصفت به كتاب ابن الجوزيّ يصلح وصفا لكتاب الماورديّ، وهذا أقدم، فيجوز أن يكون ابن الجوزيّ قد بنى عليه وزاد، كما أنّه جانب ما سلكه الماورديّ من الرّأي والتّرجيح.
ومع ما وقع من الماورديّ من اعتبار الأثر، إلّا أنّه فاته منه ما يعتبر،
стр. 320
وقال من الرّأي ما كثر، حتّى جعل كتابه ألصق بكتب التّفسير بالرّأي.
٥ - تفسير القرآن العظيم .
تأليف: الإمام أبي الفداء إسماعيل بن كثير الدّمشقيّ، المتوفّى سنة (٧٧٤ هـ).
وهذا الكتاب أكثر هذه الكتب تحرّيا وتحقيقا مع الاختصار والتّهذيب، أحسن مثال لمراعاة المنهج السّليم في التّفسير، يقف عند المنقول، ويحقّق الرّواية المرفوعة، بل وكثيرا من الآثار الموقوفة والمقطوعة من كلام الصّحابة والتّابعين، ويبيّن درجات الكثير من الأخبار من جهة الثّبوت، ويلاحظ اللّغة واختلاف القرّاء، مع العناية بالأصول والعقائد والأحكام والفقه، ولهذه الخصائص كتب الله له القبول منذ زمانه وإلى اليوم، يرد منه الخاصّ والعامّ.
٦ - الدّرّ المنثور في التّفسير بالمأثور .
تأليف: الحافظ جلال الدّين عبد الرّحمن بن أبي بكر السّيوطيّ، المتوفّى سنة (٩١١ هـ).
هذا التّفسير لا يكاد يوجد فيه غير الأحاديث والآثار، مخرّجة معزوّة إلى الأصول الّتي استفيدت منها، ومنها كتب كثيرة إمّا أنّها ليست منشورة وإمّا أنّها في حكم المفقود، وقد حذف السّيوطيّ فيه الأسانيد اختصارا، وكان قد كتبه أوّلا بالأسانيد وسمّاه «ترجمان القرآن»، ثمّ لخّص هذا الكتاب منه.