← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 11521

المقدمات الأساسية في علوم القرآن

عبد الله الجديع

Полный текст (578 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

فيه بدعة، ولا ينقل عن المتّهمين، كمقاتل والكلبيّ» (١). وكان مختصرا لأهل زمانه حين كانت الهمم عالية، أمّا أهل زماننا فيرونه أطول المطوّلات، وقد وصلنا بتمامه بحمد الله. ٢ - تفسير القرآن العظيم مسندا عن رسول الله ﷺ والصّحابة والتّابعين . تأليف: الإمام عبد الرّحمن بن أبي حاتم الرّازيّ، المتوفّى سنة (٣٢٧ هـ). وهذا التّفسير وافق مضمونه اسمه، وهو من جمع حافظ ثقة عارف، نسبته إليه صحيحة. وقد قال في مقدّمته مبيّنا شرطه فيه: «سألني جماعة من إخواني إخراج تفسير القرآن مختصرا بأصحّ الأسانيد، وحذف الطّرق والشّواهد والحروف والرّوايات وتنزيل السّور، وأن نقصد لإخراج التّفسير مجرّدا دون غيره، متقصّين تفسير الآي حتّى لا نترك حرفا من القرآن يوجد له تفسير إلّا أخرج ذلك» حتّى قال: «فتحرّيت إخراج ذلك بأصحّ الأخبار إسنادا وأشبهها متنا». وقد وفّى بما اشترطه، لكن لا تفهمنّ من قوله: «بأصحّ» أنّ كلّ ما في

стр. 317

هذا التّفسير صحيح إلى من عزي إليه، وإنّما هو الأصحّ في تفسير تلك الآية عند ابن أبي حاتم، أي لا شيء عنده أحسن منه، مع جواز أن يكون ضعيفا لا يصحّ بنفسه، كما يعلم من استعمال هذه الصّيغة، والواقع يثبت أنّ في الكتاب ما يثبت وما لا يثبت. ولم يزل هذا التّفسير مرجعا لأهل العلم يصدرون عنه، ويعتمدون عليه، لكن لم يصلنا منه نسخة تامّة، وإن كان السّيوطيّ قد ضمّنه كتابه الآتي قريبا: «الدّر المنثور». ٣ - معالم التّنزيل . تأليف: الإمام محيي السّنّة أبي محمّد الحسين بن مسعود البغويّ المتوفّى سنة (٥١٦ هـ). هذا التّفسير جلّ اعتماده على المأثور عن السّلف، وهو مختصر فيما تضمّنه من الآثار من تفسير شيخه أبي إسحاق أحمد بن محمّد بن إبراهيم الثّعلبيّ المتوفّى سنة (٤٢٧ هـ) والمسمّى «الكشف والبيان في تفسير القرآن»، كما بيّن ذلك البغويّ نفسه في مقدّمته، وزاد برواية نفسه كثيرا من الحديث المسند وبعض الأثر، كما اعتنى باختلاف القرّاء، ويعتمد اللّغة، ولم يخل من نفس فقيه وإن قلّ. وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيميّة عن تفسير الزّمخشريّ والقرطبيّ والبغويّ؟ فقال: «أسلمها من البدعة والأحاديث الضّعيفة البغويّ، لكنّه

стр. 318

مختصر من تفسير الثّعلبيّ، وحذف منه الأحاديث الموضوعة والبدع الّتي فيه، وحذف أشياء غير ذلك» (١). ٤ - زاد المسير في علم التّفسير . تأليف: الإمام أبي الفرج عبد الرّحمن بن عليّ ابن الجوزيّ، المتوفّى سنة (٥٩٧ هـ). هذا الكتاب يعتمد على الأثر واللّغة وبعض الرّأي، ويسوق الأقوال في ذلك بأحسن سياقة وأخصرها، كما يعتني باختلاف القراءات وتوجيهها، حتّى الشّاذّة منها، كذلك يذكر أسباب النّزول والمكّيّ والمدنيّ، والنّسخ، وتوضيح المشكل، جميع ذلك بعبارة سهلة وعرض ممتع، ويقلّ جدّا أن

стр. 319

يذكر شيئا غير معزوّ لأحد، وإذا علّق بشيء من قبل نفسه أتى بأتمّ معنى وأخصر عبارة. غير أنّه لما قصد إليه من الاختصار فإنّه لا يذكر الأسانيد، والتزم ما قاله في مقدّمته: «وقد حذرت من إعادة تفسير كلمة متقدّمة إلّا على وجه الإشارة، ولم أغادر من الأقوال الّتي أحطت بها، إلّا ما تبعد صحّته مع الاختصار البالغ، فإذا رأيت في فرش الآيات ما لم يذكر تفسيره فهو لا يخلو من أمرين: إمّا أن يكون قد سبق، وإمّا أن يكون ظاهرا لا يحتاج إلى تفسير، وقد انتقى كتابنا هذا أنقى التّفاسير، فأخذ منها الأصحّ والأحسن والأصون، فنظمه في عبارة الاختصار». ويمكن القول: إنّ ابن الجوزيّ راعى في تفسيره أكثر ما يجب أن يتّصف به المفسّر. وهذا الكتاب مطبوع بتمامه. وقفة: عند المقارنة بين هذا التّفسير وتفسير شيخ الشّافعيّة أبي الحسن عليّ بن حبيب الماورديّ المتوفّى سنة (٤٥٠ هـ) والمسمّى «النّكت والعيون»، نجد توافقا شديدا في المنهج، فإنّ ما وصفت به كتاب ابن الجوزيّ يصلح وصفا لكتاب الماورديّ، وهذا أقدم، فيجوز أن يكون ابن الجوزيّ قد بنى عليه وزاد، كما أنّه جانب ما سلكه الماورديّ من الرّأي والتّرجيح. ومع ما وقع من الماورديّ من اعتبار الأثر، إلّا أنّه فاته منه ما يعتبر،

стр. 320

وقال من الرّأي ما كثر، حتّى جعل كتابه ألصق بكتب التّفسير بالرّأي. ٥ - تفسير القرآن العظيم . تأليف: الإمام أبي الفداء إسماعيل بن كثير الدّمشقيّ، المتوفّى سنة (٧٧٤ هـ). وهذا الكتاب أكثر هذه الكتب تحرّيا وتحقيقا مع الاختصار والتّهذيب، أحسن مثال لمراعاة المنهج السّليم في التّفسير، يقف عند المنقول، ويحقّق الرّواية المرفوعة، بل وكثيرا من الآثار الموقوفة والمقطوعة من كلام الصّحابة والتّابعين، ويبيّن درجات الكثير من الأخبار من جهة الثّبوت، ويلاحظ اللّغة واختلاف القرّاء، مع العناية بالأصول والعقائد والأحكام والفقه، ولهذه الخصائص كتب الله له القبول منذ زمانه وإلى اليوم، يرد منه الخاصّ والعامّ. ٦ - الدّرّ المنثور في التّفسير بالمأثور . تأليف: الحافظ جلال الدّين عبد الرّحمن بن أبي بكر السّيوطيّ، المتوفّى سنة (٩١١ هـ). هذا التّفسير لا يكاد يوجد فيه غير الأحاديث والآثار، مخرّجة معزوّة إلى الأصول الّتي استفيدت منها، ومنها كتب كثيرة إمّا أنّها ليست منشورة وإمّا أنّها في حكم المفقود، وقد حذف السّيوطيّ فيه الأسانيد اختصارا، وكان قد كتبه أوّلا بالأسانيد وسمّاه «ترجمان القرآن»، ثمّ لخّص هذا الكتاب منه.

стр. 321

ومع اختصاره إلّا أنّه يعدّ دليلا للباحث يوقفه على الكثير من الأحاديث والآثار في التّفسير، ولا ينبغي أن يعتمد على مجرّد الأخذ منه من لا خبرة له بالصّحيح من السّقيم من الرّوايات؛ لما فيه من الضّعيف والمنكر، والسّيوطيّ يسكت عن ذلك لا يبيّنه، كما يؤخذ عليه نسبة بعض الأخبار إلى بعض الكتب، وليست فيها، وذلك منه على سبيل الوهم. ٧ - فتح القدير الجامع بين فنّي الرّواية والدّراية من علم التّفسير . تأليف: العلّامة محمّد بن عليّ الشّوكانيّ اليمانيّ، المتوفّى سنة (١٢٥٠ هـ). هذا كتاب قد راعى فيه مؤلّفه الأثر، ووقف على المنقول والخبر، وفيه شبه في المنهج من ابن كثير، لكنّه أظهر استعمال العربيّة، واعتنى بالبلاغة، يعتمد فيما يذكره فيه النّقل عمّن تقدّمه دون تقليد، إلّا في الصّدور عن «الدّر المنثور» للسّيوطيّ، فإنّه استفاد منه الكثير من الآثار وهو لم يقف على أسانيدها، وهو في الجملة نافع مفيد. المبحث الثاني: نقد المؤلفات على هذا المنهاج بيّنت آنفا ما تمتاز به تلك المؤلّفات المذكورة من حيث الجملة، وهي مراجع لهذا العلم، خاصّة المتقدّمة منها، وذلك ممّا وصلنا وهو منشور متداول، وإلّا فأشباهها من كتب التّفسير كثيرة في كلّ زمان، وليس ذكر هذه الكتب يعطيها ميزة التّقدّم على ما لم يذكر ممّا يشاكلها في المنهج.

стр. 322

ثمّ إنّ التّفسير المأثور غير المفرد بالتّأليف كثير منتشر لا يخلو منه كتاب من أمّهات كتب الحديث، وإنّما هذه الكتب المذكورة قصد بها التّفسير دون غيره. ومن خلال الدّراسة والتّأمل لهذه المصنّفات، يلاحظ أنّها اشتركت في اتّباع أفضل المناهج في التّفسير، لكنّ الكمال في هذا ممتنع؛ لذا لم يخل كتاب منها من أن يؤخذ عليه، والمآخذ على كلّ منها تتفاوت في الجزئيّات قلّة وكثرة، لكنّها بالنّظر إلى غلبة الصّواب، تصير لهذه الكتب بمنزلة المحاسن، وإنّما يجب التّنبيه على مأخذين كبيرين واردين على جميعها: المأخذ الأول: إيراد الأحاديث الضعيفة والمنكرة دون بيان: وسبق في شرط المفسّر أن يجتنب ما لا يثبت نقله (١)، والتّساهل في ذلك لا يجوز، وجميع من ذكر من مؤلّفي هذه الكتب معدود في الأئمّة العارفين بالصّحيح والسّقيم، نعم يكون العذر لمن ذكر الإسناد أنّ عهدته برئت بسياق السّند، كابن جرير وابن أبي حاتم، أمّا الآخرون فلا يذكرون الإسناد، أو يذكرونه قليلا، فالأصل أن لا يحذف الإسناد إلّا مع بيان درجة الحديث، أو تخريجه من أصل من الأصول الصّحاح، مثل «صحيحي البخاريّ ومسلم». وهذه الكتب تقع لمن يميّز هذا الباب ومن لا يميّزه، وخطورة هذا

стр. 323

المأخذ على من لا يميّزه لا تخفى. ربّما قيل: التّساهل بقبول الضّعيف الّذي لم يشتدّ ضعفه مذهب معروف لبعض العلماء. والجواب: نعم، لكن هذا مشكل، فلو سلّمنا هذا المذهب، فإنّ قدر الضّعف هنا غير متميّز، بل ما نعنيه من الحديث الضّعيف في هذا الباب كثير منه من قبيل الضّعيف الواهي، على أنّ راجح القولين ترك الضّعيف وإن كان يسير الضّعف، إلّا ما له عاضد يقوّيه (١). والتّساهل في الآثار المنقولة عمّن دون النّبيّ ﷺ أكثر، وأكثره عن الصّحابة فيما يروى عن ابن عبّاس، وحيث إنّ الاعتماد على الرّواية عنه أصل في التّفسير؛ فإنّي مبيّن درجات أشهر الأسانيد الّتي يدور عليها تفسير ابن عبّاس في الكتب المشهورة، ممّا ذكرت ومن غيره: ١ - رواية مجاهد عن ابن عبّاس: من طريق شبل بن عبّاد المكّيّ، أو ورقاء بن عمر، أو عيسى بن ميمون الجرشيّ المكّيّ المعروف ب (ابن داية)، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عبّاس. وهذا صحيح من أيّ هذه الطّرق جاء، وهو أصحّ الأسانيد في التّفسير

стр. 324

إلى مجاهد، بشرط ملاحظة سلامة الإسناد قبلهم (١). ٢ - رواية سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس: نقل عنه التّفسير من طرق كثيرة، أشهرها ثلاث: [١] رواية أبي بشر جعفر بن إياس بن أبي وحشيّة، عنه. وهذه صحيحة، وأشهر طرقها: شعبة بن الحجّاج، وهشيم بن بشير، وأبو عوانة الوضّاح اليشكريّ، وقد خرّج منها البخاريّ في «صحيحه» في كتاب (التّفسير) شيئا. [٢] رواية المنهال بن عمرو، عنه. وهذه صحيحة أيضا، وعند البخاريّ بها موضع في (التّفسير) (٢). [٣] رواية عطاء بن السّائب، عنه. وهذه صحيحة بشرط أن يكون الرّاوي عن عطاء ممّن حمل عنه قبل اختلاطه؛ لأنّه كان ثقة فلمّا كبر تغيّر حفظه، فإن كان الرّاوي حدّث عنه بعد تغيّره أو لم يعرف متى حدّث عنه، فهذا يعدّ حسنا بشرط السّلامة من الغلط، وفي جميع الأحوال يجب أن يسلم الإسناد إلى عطاء (٣).

стр. 325

٣ - رواية عكرمة، عن ابن عبّاس: وجاء التّفسير عنه من طرق كثيرة، من أشهرها: [١] رواية سماك بن حرب، عنه. وهذه رواية صالحة إذا ثبت الإسناد إلى سماك، ما لم تكن في تفسير مرفوع، فإن كانت في مرفوع فهي ليّنة، وذلك لأنّ سماكا مع صدقه وحسن حديثه فقد وقع في روايته عن عكرمة اضطراب. [٢] رواية الحكم بن أبان، عنه. وهذه رواية إذا ثبت بها الإسناد إلى الحكم فهي جيّدة، لكن احذر فيها رواية حفص بن عمر العدنيّ، فإنّه ليس بثقة، فقد خرّج بها ابن جرير وابن أبي حاتم في «تفسيريهما». [٣] رواية يزيد بن أبي سعيد النّحويّ، عنه. ويرويها عن يزيد: الحسين بن واقد المروزيّ، وهي رواية جيّدة إذا ثبت الإسناد إلى الحسين، وفيها نقل النّاسخ والمنسوخ عن ابن عبّاس. [٤] رواية محمّد بن أبي محمّد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير. هكذا تأتي هذه الرّواية بالشّكّ، لكنّه شك لا يضرّ لو ثبت الإسناد إليهما؛ لأنّه تردّد بين ثقتين، وهذه رواية حدّث بها سلمة بن الفضل عن محمّد بن إسحاق، حدّثه بها محمّد هذا، وهو رجل غير مشهور، تفرّد

стр. 326

بالرّواية عنه ابن إسحاق، ولم يوثّق من أحد يعتدّ بتوثيقه، فهي لهذا رواية ليّنة، وإذا أخذتها من «تفسير الطّبري» فضعفها أشدّ؛ لأنّه خرّجها بواسطة شيخه محمّد بن حميد الرّازيّ، وهو ضعيف جدّا (١). ٤ - رواية أبي صالح باذام مولى أمّ هانئ، عن ابن عبّاس: وروايته جاءت من طرق عديدة، لكنّ أشهرها عنه اثنتان: [١] رواية إسماعيل بن عبد الرّحمن السّدّيّ، عنه. وهي من طريق عمرو بن حمّاد القنّاد، عن أسباط بن نصر الهمدانيّ، عن السّدّيّ. وهذه طريق حسنة في التّفسير. وبنفس هذا الإسناد روى السّدّيّ عن مرّة بن شراحيل الهمدانيّ، عن عبد الله بن مسعود تفسيره. والتّفسير المنقول عن السّدّيّ من أحسن التّفاسير المرويّة عن السّلف، لحسنه مع كثرة ما نقل به (٢).

стр. 327

وخرّج هذا التّفسير ابن جرير (١). [٢] رواية محمّد بن السّائب الكلبيّ، عنه. وهذه رواية الكذب، فالكلبيّ هذا من رءوس الكذّابين، وقد شان أبا صالح بما أتى به عنه، وروايته أكبر الرّوايات عن ابن عبّاس في التّفسير، ولذا لم يصبر عنها كثير من نقّاد المحدّثين مع علمهم بكذب الكلبيّ. وثبت عن سفيان الثّوريّ قال: قال لنا الكلبيّ: «ما حدّثت عن أبي صالح عن ابن عبّاس فهو كذب، فلا ترووه» (٢). وقد سئل الإمام أحمد بن حنبل عن تفسير الكلبيّ؟ فقال: «من أوّله إلى آخره كذب»، فقيل له: فيحلّ النّظر فيه؟ قال: «لا» (٣). وكان الإمام يحيى بن معين يقول: «كتاب ينبغي أن يدفن» (٤). وإذا جاءت الرّواية عن الكلبيّ من طريق محمّد بن مروان المعروف ب (السّدّيّ الصّغير)، فهي أشدّ وهاء، فهذا رجل متروك ليس بثقة.

стр. 328

٥ - رواية عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاس: وهذه من أشهر روايات التّفسير عن ابن عبّاس، خرّجها عامّة من جمع التّفسير بالمأثور، وذكر البخاريّ بعض المعلّقات في التّفسير عن ابن عبّاس، فوجدت موصولة من رواية ابن أبي طلحة عنه، فقال بعض العلماء: اعتمد البخاريّ هذه الرّواية، وفي هذا نظر. وهي نسخة حدّث بها أبو صالح عبد الله بن صالح المصريّ كاتب اللّيث بن سعد، عن معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاس. وهذه الرّواية مع شهرتها، فإنّها ضعيفة عن ابن عبّاس، علّتها ضعف عبد الله بن صالح، والانقطاع فيما بين ابن أبي طلحة وابن عبّاس، فإنّه لم يسمع منه، كما اتّفقت على ذلك عبارة أئمّة الحديث، ودعوى أنّ بينهما مجاهدا دعوى ضعيفة لا دليل عليها، بل صحّ عن حافظ مصر أحمد بن صالح أنّه سئل: عليّ بن أبي طلحة ممّن سمع التّفسير؟ قال: من لا أحد (١). فاعتبار بعض العلماء لها من صحيح روايات التّفسير عن ابن عبّاس (٢)، غير صواب، والأكثرون جروا فيه على تقليد من ادّعى أن بينهما مجاهدا.

стр. 329

٦ - رواية الضّحّاك بن مزاحم، عن ابن عبّاس: وهذه اشتهرت عنه من طريقين: [١] رواية أبي روق عطيّة بن الحارث الهمدانيّ، عنه. وهي رواية ضعيفة، علّتها الانقطاع بين الضّحّاك وابن عبّاس، فإنّه لم يسمع منه، هذا لو ثبت الإسناد إلى أبي روق. وقد خرّجها ابن جرير وابن أبي حاتم وغيرهما من طريق بشر بن عمارة الخثعميّ، عن أبي روق، وبشر هذا ضعيف. [٢] رواية جويبر بن سعيد البلخيّ، عنه. وهذه طريق واهية تزيد على علّة الانقطاع أنّ جويبرا متروك ليس بثقة، وروايته للتّفسير منتشرة في الكتب. ٧ - رواية عطيّة بن سعد العوفيّ، عن ابن عبّاس: عطيّة ضعيف، والطّريق بالتّفسير إليه في نسخة خرّجها ابن جرير قال فيها: (حدّثني محمّد بن سعد، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني عمّي الحسين بن الحسن، عن أبيه، عن جدّه، عن ابن عبّاس). وهذا إسناد ضعيف جدّا، شيخ ابن جرير هو محمّد بن سعد بن محمّد بن الحسن بن عطيّة العوفيّ، صويلح، وأبوه ضعيف لم يكن أهلا للرّواية في قول أحمد بن حنبل، والحسين بن الحسن العوفيّ ضعيف أيضا، وكان قاضيا

стр. 330

ببغداد، وأبوه الحسن بن عطيّة ضعيف كذلك، وزد عليه ضعف عطيّة، فهذا إسناد مسلسل بالضّعفاء، لا يجوز الاعتماد عليه. ٨ - رواية عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، عن ابن عبّاس: وهي ضعيفة، فإنّه لم يدرك ابن عبّاس، وكان مدلّسا ربّما حمل عن المجروحين وأسقطهم من أسانيده، وقال الخليليّ عن تفسيره: «ابن جريج لم يقصد الصّحّة، وإنّما ذكر ما روي في كلّ آية من الصّحيح والسّقيم» (١). قلت: هذا أيضا لو سلم الإسناد إليه، فإنّ ابن جرير أخرج نسخة كبيرة من طريق الحسين بن داود، عن حجّاج بن محمّد، عن ابن جريج، والحسين هذا هو المعروف ب (سنيد) ضعيف جدّا. نعم جاء التفسير عن ابن جريج مفرّقا بأحسن من هذا الإسناد، لكن تبقى علّته ما تقدّم من تدليس ابن جريج والانقطاع. هذه أشهر روايات التّفسير عن ابن عبّاس، وعنه الكثير غيرها، لكنّه دون هذه في الكثرة، ولو تتبّع ناقد ما يثبت من الأسانيد السّابقة عن ابن عبّاس، وضمّ إليها ما يثبت من المتفرّقات، لاجتمع لديه تفسير كبير عنه. وأمّا قول الشّافعيّ: «لم يثبت عن ابن عبّاس في التّفسير إلّا شبيه بمائة حديث» (٢)، فهذا- إن صحّ- فهو محمول على الحديث المرفوع في التّفسير.

стр. 331

والمنقول عن غير ابن عبّاس من الصّحابة يأتي على سبيل الرّوايات المتفرّقة، لا النّسخ المجموعة، سوى ما ذكرته آنفا من تفسير السّدّيّ عن مرّة عن ابن مسعود. كذلك وردت جملة من تفسير أبيّ بن كعب من طريق أبي جعفر الرّازيّ، عن الرّبيع بن أنس، عن أبي العالية الرّياحيّ، عن أبيّ. وخرّج ابن جرير منها قدرا يسيرا، وإسنادها إذا سلم من علّة إلى أبي جعفر، فهو إسناد لا بأس به، وأبو جعفر صدوق فيه لين. كما يجب التّنبّه إلى أنّ كتب التّفسير بالمأثور لم يحترز أكثرها من الاعتماد على تفسير مقاتل بن سليمان، وكان رجلا متّهما بالكذب وفساد الاعتقاد، وهو غير مقاتل بن حيّان، فهذا ثقة، وهو صاحب تفسير أيضا، لكنّه إذا ذكر قيّد بذكر أبيه. ولا أشكّ أنّ استبعاد ما لا يثبت إسناده من التّفسير المأثور، سواء ما يعزى للصّحابة أم من دونهم من التّابعين؛ يبعد كثيرا من الخلل والاختلاف وضعف الوجه في التّفاسير المنقولة، كما تبرأ بها ساحة المفسّر، وليس يخشى من روايات الضّعفاء والمجروحين ممّا له أصل معروف، فرواياتهم لا تزيد عن أن تكون شاهدا لما هو معروف، وإنّما في روايات كثيرة موجودة في كتب التّفسير بالمأثور، ليس لها ما يشدّها، ربّما انتصر بها صاحب هوى لمذهبه وهواه.

стр. 332

المأخذ الثاني: إيراد الإسرائيليات: الإسرائيليّات: هي الأخبار المنقولة عن أهل الكتاب من غير طريق القرآن والسّنن الثّابتة عن النّبيّ ﷺ ، كالّذي يحكى عن كعب الأحبار وكان من أحبار اليهود فأسلم، ووهب بن منبّه، وقد اعتنى بأخبارهم، وغيرهما. ولم يكد يوجد كتاب في التّفسير بالمأثور يخلو من إيراد الإسرائيليّات، حتّى زعم بعضهم أنّها مصدر من مصادر التّفسير، وذلك لما رأوا من تسهّل بعض الصّحابة فيها، مثل عبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي هريرة، ثمّ ما وقع من اعتناء النّقلة من التّابعين فمن بعدهم بروايتها والتّحديث بها. فما أصل ذلك؟ وما معناه؟ وما حكمه ؟ أصل هذه المسألة يرجع إلى الحديث الصّحيح عن عبد الله بن عمرو، أنّ النّبيّ ﷺ قال: «بلّغوا عنّي ولو آية، وحدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عليّ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النّار» (١). وفي هذا ما يشعر أنّ نهيا كان قبل ذلك، أو ظنّوا أنّه لا يحلّ لهم، كما يدلّ عليه قوله: «ولا حرج»، فجاء هذا بالرّخصة.

стр. 333

وجائز أن يكون مورد الحرج عليهم، ممّا فهموه من قوله تعالى: أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ٥١ [العنكبوت: ٥١]، كما استدلّت عائشة ﵂ بهذه الآية حين أهدي لها شيء من كتب أهل الكتاب (١). وكان عبد الله بن عبّاس يقول: يا معشر المسلمين، كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء، وكتابكم الّذي أنزل الله على نبيّكم ﷺ أحدث الأخبار بالله، محضا لم يشب (٢)، وقد حدّثكم الله أنّ أهل الكتاب بدّلوا من كتب الله وغيّروا، فكتبوا بأيديهم، قالوا: هو من عند الله؛ ليشتروا بذلك ثمنا قليلا؟ أولا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم؟ فلا والله، ما رأينا رجلا منهم يسألكم عن الّذي أنزل إليكم (٣). وعن مرّة الهمدانيّ، قال: جاء أبو قرّة الكنديّ بكتاب من الشّام، فحمله فدفعه إلى عبد الله بن مسعود، فنظر فيه، فدعا بطست، ثمّ دعا بماء فمرسه فيه، وقال: إنّما هلك من كان قبلكم باتّباعهم الكتب وتركهم كتابهم (٤).

стр. 334

أو يكون مورد الحرج جاء من نهي النّبيّ ﷺ عن ذلك، كما ورد به حديث جابر بن عبد الله، قال: نسخ عمر، ﵁، كتابا من التّوراة بالعربيّة، فجاء به إلى النّبيّ ﷺ ، فجعل يقرأ ووجه رسول الله ﷺ يتغيّر، فقال رجل من الأنصار: ويحك يا ابن الخطّاب، ألا ترى وجه رسول الله ﷺ ؟ فقال النّبيّ ﷺ : «لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء، فإنّهم لن يهدوكم وقد ضلّوا، وإنّكم إمّا أن تكذّبوا بحقّ، أو تصدّقوا بباطل، والله لو كان موسى بين أظهركم، ما حلّ له إلّا أن يتّبعني» (١). فهذا الحديث نهي صريح عن سؤال أهل الكتاب، لعلّتين: الأولى: أنّ الله أغنى هذه الأمّة بما أوحى إلى نبيّه محمّد ﷺ من العلم والهدى، وأنّ شريعته نسخت ما تقدّمها، فهو المتبوع الأوّل لأمّته. والثّانية: أنّ ما عند اليهود والنّصارى لا يعرف حقّه من باطله، وذلك

стр. 335

لما وقع فيه من قبلهم من التّحريف والتّبديل. وهذا المعنى لم ينفكّ الصّحابة عن مراعاته، مع ما فهموه من الإذن في الحديث عن أهل الكتاب، كما تقدّم من صنيع عائشة وابن مسعود وقول ابن عبّاس، فأحاديث الإذن أزاحت عنهم شبهة المنع المطلق، لكنّهم بقوا على ملاحظة المعنى الّذي لأجله جاء النّهي. فترخّص الصّحابة في الحديث عن بني إسرائيل كان في حدود ضيّقة، وبالاستقراء ثبت أنّ القدر الّذي ترخّصوا فيه من ذلك يتّسم بأمور ثلاثة: أوّلها: القلّة، فإذا استبعدت ما لا تثبت أسانيده إليهم، فإنّه يخلص منه قدر قليل جدّا. ثانيها: أنّه أخذ عن مسلمة أهل الكتاب، مثل عبد الله بن سلام، وكعب الأحبار، وليس هذا كمن يتلقّى عن الأحبار والرّهبان وهم على دينهم؛ لأنّ الأصل في هؤلاء الّذين أسلموا منهم أنّهم يتحرّون، فلا يحدّثون بما ظهر كذبه، أو عارض القرآن وأصول الإسلام، إنّما يخبرون بما يأتي على التّصديق لما جاء به الرّسول ﷺ . واليهود والنّصارى أوتوا العلم، وعلموا الحقّ فزاغوا عنه وضلّوا، وليسوا كسائر الكفّار، والقرآن نبّه على هذا في مواضع، كما قال تعالى: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة: ١٤٦]، وقال: وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ

стр. 336

وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ [المائدة: ٤٣]، بل قال الله لنبيّه محمّد ﷺ : فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ [يونس: ٩٤] (١)، واعتدّ بشهادتهم على صدقه وصدق ما بعثه به، كما قال: قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ [الرّعد: ٤٣]، وقال: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ [الأحقاف: ١٠]. فما جاء به المسلمون منهم وحدّثوا به فالأصل أنّه مصدّق لما جاء به الرّسول ﷺ ، وذلك ما أفادته نماذجه الثّابتة الأسانيد ممّا وصلنا. ثالثها: لم يكن الصّحابة يتلقّون ما يسمعونه من ذلك بالتّسليم دون نقد وتثبّت، حتّى مع أخذه عمّن أسلم من أهل الكتاب، كما تدلّ على ذلك الآثار، ومنها: عن السّائب بن يزيد، قال: سمعت عمر بن الخطّاب قال لكعب: «لتتركنّ الأحاديث، أو لألحقنّك بأرض القردة» (٢).

стр. 337

وعن حميد بن عبد الرّحمن بن عوف: سمع معاوية بن أبي سفيان يحدّث رهطا من قريش بالمدينة، وذكر كعب الأحبار، فقال: إن كان من أصدق هؤلاء المحدّثين الّذين يحدّثون عن أهل الكتاب، وإن كنّا مع ذلك لنبلو عليه الكذب (١). وعن سعيد بن جبير، قال: قلت لابن عبّاس: إنّ نوفا البكاليّ يزعم أنّ موسى صاحب بني إسرائيل، ليس هو موسى صاحب الخضر، فقال: كذب عدوّ الله، سمعت أبيّ بن كعب يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قام موسى ﵇ خطيبا في بني إسرائيل» وذكر الحديث (٢). فهذا وشبهه دليل على منهاج الصّحابة فيما كانوا يسمعونه من الأخبار الإسرائيليّة، فالأصل أنّها معروضة على ما جاء به القرآن والسّنّة، فما وافق منها فهو شاهد حقّ، وما خالف ردّوه. فهذان قسمان، ويبقى قسم ثالث، وهو: ما لا يوجد له في الكتاب

стр. 338

والسّنّة تصديق أو تكذيب، فهذا وجدنا الصّحابة تسهّلوا فيه لمعنى صحيح اشتمل عليه، وإن كان لا يمكن القطع بصحّته أو كذبه من كلّ وجه. مثاله: ما حدّث به عبد الرّحمن بن حاطب، قال: جلسنا إلى كعب الأحبار في المسجد وهو يحدّث، فجاء عمر فجلس في ناحية القوم، فناداه، فقال: ويحك يا كعب، خوّفنا، فقال: والّذي نفسي بيده، إنّ النّار لتقرب يوم القيامة، لها زفير وشهيق، حتّى إذا أدنيت وقرّبت زفرت زفرة، ما خلق الله من نبيّ ولا صدّيق ولا شهيد إلّا وجثا لركبتيه ساقطا، حتّى يقول كلّ نبيّ وكلّ صدّيق وكلّ شهيد: اللهمّ لا أكلفك (١) اليوم إلّا نفسي، ولو كان لك يا ابن الخطّاب عمل سبعين نبيّا لظننت أن لا تنجو، قال عمر: إنّ الأمر لشديد (٢). فهذا يدلّ على معنى صحيح من حيث الجملة، وإن كان الإيمان بما فيه من التّفصيل يتوقّف على تصديق القرآن أو السّنّة له، فمثل هذا لا يصدّق ولا يكذّب، إذ ربّما كذّب وهو حقّ، أو صدّق وهو باطل. والتّوجيه النّبويّ في هذا النّوع كان معلوما للصّحابة، فقد ثبت فيه غير ما حديث، منها: حديث أبي هريرة، قال: كان أهل الكتاب يقرءون التّوراة بالعبرانيّة، ويفسّرونها بالعربيّة لأهل

стр. 339

الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : «لا تصدّقوا أهل الكتاب، ولا تكذّبوهم، وقولوا: آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا الآية [البقرة: ١٣٦]» (١). فخلاصة القول في الإسرائيليّات في نظر الصّحابة أنّها ثلاثة أقسام: ١ - خبر جاء في القرآن أو السّنّة ما يصدّقه، فهو حقّ. ٢ - خبر جاء في القرآن أو السّنّة ما يكذّبه، فهو باطل. ٣ - خبر لم يأت ما يصدّقه أو يكذّبه، فلا يوصف بكونه حقّا أو باطلا. وعلى هذا جرى أكثر من جاء بعدهم من تلامذتهم من التّابعين، كأصحاب ابن عبّاس، فإذا استثنيت تفسير مجاهد، فما أقلّ تلك الأخبار عنهم، لكن وقع من آخرين توسّع في ذلك، مثل: كعب الأحبار، ووهب بن منبّه، وشهر بن حوشب، ونوف البكاليّ، وتبيع بن عامر الحميريّ، ثمّ محمّد بن إسحاق صاحب «السّيرة»، وعبد الملك بن عبد العزيز بن جريج. واتّباع منهج الصّحابة في ذلك عاصم ممّا في تلك الأخبار من الأباطيل، كالّذي يحكونه في شأن الأنبياء من النّقائص، وبدء الخليقة من الغرائب المخالفة والخرافة. ولا ريب أنّ ما يؤخذ على كتب التّفسير بالمأثور، هو ذكر تلك الأخبار

стр. 340

بمنزلة ما يذكر في تفسير الآية لبيان معناها من النّصوص النّبويّة والشّواهد اللّغويّة، مع السّكوت عن نقدها. وهذا خطأ جسيم، فتلك الأخبار إن سلمت من النّكارة فإنّها لا تثبت لذاتها، إنّما تقبل بشواهدها، كما تقدّم، فإذا لزم ذلك فقد أغنانا ذكر شاهدها عنها، وإن كانت لا شاهد لها، فمجرّد ذكرها منزّلة منزلة التّفسير للآية يقدح من المعاني في الأذهان ما يكون لبعض النّاس بمنزلة خبر الصّادق الّذي لا ينطق عن الهوى، خاصّة مع ما تمتاز به تلك الأخبار من الغرابة، والنّفس تميل بالطّبع إلى مثل ذلك. ولم يزل نقد ذكر الإسرائيليّات في كتب التّفسير ممّا لا يغفله محقّقو العلماء على مرّ العصور، وتنبيههم على ضرورة إبعادها عن كتب العلوم الإسلاميّة، خاصّة التّفسير، كتأكيدهم على تنقية تلك الكتب من الأحاديث الضّعيفة والموضوعة. قال أبو بكر بن عيّاش: قلت للأعمش: ما لهم يتّقون تفسير مجاهد؟ قال: «كانوا يرون أنّه يسأل أهل الكتاب» (١). وقال إسماعيل بن أبي أويس: سمعت خالي مالك بن أنس، وسأله رجل عن زبور داود؟ فقال له مالك: ما أجهلك! ما أفرغك! أما لنا في نافع عن ابن عمر عن نبيّنا، ما شغلنا بصحيحه عمّا بيننا وبين داود ﵇؟! (٢).

стр. 341

ومجانبة ذكر تلك الأخبار في كتب التّفسير أصحّ، فقد علمت ممّا تقدّم أنّ الفائدة منها ضعيفة، إلّا أن تذكر لبيان خلل فيها. قال الحافظ ابن كثير: «ليعلم أنّ أكثر ما يتحدّثون به غالبه كذب وبهتان؛ لأنّه قد دخله تحريف وتبديل، وتغيير وتأويل، وما أقلّ الصّدق فيه، ثمّ ما أقلّ فائدة كثير منه لو كان صحيحا» (١). وبما تقدّم تعلم بطلان دعوى المستشرقين ومن تأثّر بقولهم: (الرّوايات الإسرائيليّة مصدر من مصادر التّفسير عند المفسّرين من المسلمين)، وذلك أنّ الصّدور لا يكون عمّا أحسن أحواله أن يكون تصديقه موقوفا على الشّهود. المبحث الثالث: التفسير بالرأي تقدّم بيان أنّ التّفسير بدلالة لغة القرآن من خلال استعمالاتها في عرف أهلها في نثرها وشعرها، والاجتهاد في إطار قواعده، من الطّرق الّتي يسلكها المفسّر، وهما ركنا إعمال الرّأي في تفسير القرآن. وقبل تسمية طائفة من أمّهات كتب التّفسير ممّا يندرج تحت هذا النّوع، أقدّم بالتّنبيه على مسائل:

стр. 342

المسألة الأولى: التّفسير باللّغة تفسير بالرّأي . لا من جهة أنّ اللّغة تثبت بالرّأي، وإنّما من جهة تحديد كون ذلك المعنى هو المراد بالآية أو اللّفظ المعيّن من القرآن. واستعمال اللّغة في تفسير القرآن أخطر ما يسلكه المفسّر، فهو إذا فسّر الآية بنفس القرآن أو الحديث أو الأثر، فإنّه وإن كان يستعمل رأيه في تتبّع النّصّ والأثر والرّبط له بالآية وتوجيه ذلك، إلّا أنّه قد أحال واعتمد في غالب أمره على النّقل، بينما اللّغة بما وقع فيها من السّعة واحتمال المعاني الكثيرة المختلفة للّفظ الواحد، مع تنوّع الأساليب في تركيب الكلام، لا يسهل تنزيلها على ألفاظ القرآن وتراكيبه دون أصل يرتكز عليه المفسّر. ثمّ إنّ الاقتصار على مجرّد اللّغة لا يعيّن المراد الشّرعيّ بالألفاظ، فلفظ الصّلاة أو الزّكاة أو الصّيام مثلا، لا تسعفك فيها اللّغة لمعرفة مراد الله تعالى بها، ولذا احتيج إلى بيان الرّسول ﷺ . ولو تأمّلت منهج الصّحابة في التّفسير، ثمّ من تبعهم من تلامذتهم، وجدتهم يستندون إلى السّمع وينتهون إليه، لا يجاوزونه إلى اللّغة إلّا عند فقد بيان الله ورسوله ﷺ ، مع أنّهم أنفسهم كانوا مصدرا للّغة، خاصّة الصّحابة، فإذا صاروا إلى التّفسير باللّغة والنّظر، فسّروا بما لا يأتي على المخالفة للنّصوص المسموعة، ولا المناقضة للأصول المعلومة. وهذا المنهج استعمله بعدهم خلائق من أئمّة التّفسير، فرشدوا، ولم

стр. 343

يؤتوا في الغالب من هذا الباب، كبعض من سمّيت كتبهم في المبحث السّابق، كابن جرير، والبغويّ، وابن كثير، والشّوكانيّ، فهؤلاء اجتهدوا في التّفسير، وأبانوا من رأيهم فيه، لكنّ اجتهادهم قليل بالنّسبة إلى ما اعتمدوه أو بنوا عليه من النّقل. المسألة الثّانية: صياغة كتابة التّفسير باللّغة المناسبة . الإبداع بتجديد صيغة كتابة التّفسير، وتقريب معاني القرآن بالألفاظ المناسبة لمن قصدت مخاطبته به من عموم المسلمين، إذا كان المنشئ قد انتهى فيه عند المأثور، وجرى فيه على مراعاة المنهجيّة المعتبرة في التّفسير، على ما تقدّم بيانه، فهذا ربّما يدرجه بعضهم تحت التّفسير بالرّأي؛ وذلك لما وقع فيه من الاجتهاد في الصّيغة والتّعبير، وهذا- فيما أرى- تجوّز، فإنّه ألصق بأن يكون تفسيرا بالأثر، وعلى تسليم كونه تفسيرا بالرّأي فهو رأي محمود؛ لاستناده إلى الأصول الصّحيحة. وعليه: فإنّ طائفة كبيرة من المصنّفات في التّفسير على مدى القرون المتعاقبة من تاريخ هذه الأمّة، سلك مؤلّفوها المنهجيّة المعتبرة في التّفسير، بل دعوا إليها وقرّروها، وأدخلوا عباراتهم في تقريب لفظ، أو توجيه إشكال، أو رفع لبس، بين تطويل واختصار. وهذا لا يصحّ أن يكون مأخذا بحال، فكتب التّفسير إنّما تؤلّف في الأصل- كسائر ما يكتب في علوم الإسلام- لنصح الأمّة، وربطها

стр. 344

بدينها، وذلك يوجب أن يخاطب كلّ جيل بلغته. والبقاء في إطار الاتّباع للسّلف في التّفسير، لا يعني الجمود على حكاية ألفاظهم، فهذا يرفضه منهج السّلف ذاته، فإنّهم بكلامهم أرادوا تبصير العباد بالقرآن، وإنّك لتجد في كلام ابن عبّاس أو مجاهد في التّفسير ما يحتاج إلى تفسير لجمهور النّاطقين بالعربيّة في زماننا، فضلا عن عموم المسلمين، وإنّما المطلوب الاهتداء ببيانهم، والحذر من الإتيان بما يخالفه. المسألة الثّالثة: ترجمة معاني القرآن . المقصود بالتّرجمة: نقل الكلام من لغة إلى لغة أخرى، كنقل كلام من العربيّة إلى الإنجليزيّة، أو العكس. وهي نوعان: ١ - حرفيّة، وهي ما تأتي على سبيل المطابقة، بنقل اللّفظ إلى نظيره في اللّغة الأخرى، مع الموافقة في النّظم والتّرتيب. ٢ - تفسيريّة، وهي بيان معنى الكلام في لغة أخرى، بما يتطابق فيه المقصود في اللّغة المنقول عنها واللّغة المنقول إليها، دون تقيّد بمراعاة المقابلات اللّفظيّة. وترجمة القرآن واقعة على هذين المعنيين، وكلاهما تخرجان القرآن عن قرآنيّته، فعربيّته وصف لازم له، وإن كان رسالة إلى جميع النّاس. والتّرجمة بأيّ نوعيها كانت هي من قبيل التّفسير للقرآن، ولأجل هذا

стр. 345

يتفاوت المترجمون في الإبانة عن المراد، وتختلف عباراتهم في اللّغة المترجم إليها، بل تختلف المعاني وتتعدّد، بمنزلة ما يقع من الاختلاف بين المفسّرين. وبخصوصها ثلاثة تنبيهات: التّنبيه الأوّل: يجب أن يتّصف المترجم بصفات المفسّر، ويتقيّد بالمنهج المتقدّم شرحه في التّفسير، مع خصلة زائدة، وهي: أن يكون متمكّنا في اللّغتين جميعا تمكّن أهل كلّ منهما العارفين بهما. ولما نعلم من القصور في الواقع المشاهد عن تحقيق الشّروط اللّازمة في الشّخص الواحد، فإنّي أرى ضرورة حفظ الدّين توجب أن لا يقتصر في ترجمة معاني القرآن على عمل شخص واحد، مهما ظنّ تمكّنه في التّرجمة، بل تؤلّف لها لجان تجمع بين من تجتمع فيه خصال المفسّر، ومقتدرين أكفاء في معرفة اللّسانين، مع الأمانة والدّين. وسبب ذلك: أنّ شأن التّرجمة خطير، فإنّ من ترجمت له معاني القرآن بلغته، لا سبيل لديه لمعرفة الإسلام والقرآن إلّا تلك التّرجمة، بخلاف من لسانه العربيّة، فإنّ كلام الله بين يديه دون الوسائط. التّنبيه الثّاني: لا يصحّ أن يلقّن غير العربيّ أنّ هذه التّرجمة لمعاني القرآن بلغته، هي القرآن، إنّما يجب أن يبصّر أن هذه اجتهاد بشر في بيان معاني كلام الله، جائز عليه الوهم والغلط والقصور، وواجب أن يبيّن ذلك ضمن تلك التّرجمات؛ لأنّنا رأينا من النّاس من أهل تلك اللّغات من

стр. 346

يحسب التّرجمة هي عين القرآن، فإذا رأى أحدهم من بعد تفاوتا بين ترجمتين في لغته ورده الشّكّ. التّنبيه الثّالث: للتّرجمة من القدسيّة والحرمة والمنزلة ما لسائر كتب التّفسير، لا ما يكون من ذلك للمصحف، إلّا إذا كتب معها. كما يلاحظ في ذلك ما يكون من الثّواب على تلاوة القرآن، فقراءة التّرجمة بمنزلة القراءة في «تفسير ابن كثير» مثلا، يؤجر عليها القارئ أجر التّعلّم، فإذا قرأ التّرجمة يرجو بها الأجر الّذي يحصّله التّالي على تلاوة القرآن، فإنّه يرجو رحيما جوادا كريما، وإنّي أخاف أن أقول: من قرأ حروف القرآن فله بكلّ حرف عشر حسنات، ومن عجز عن ذلك لعجمته فما تمكّن أن يصل إلى القرآن إلّا من خلال ترجمة معانيه، دون الأوّل في الأجر، بل أحبّ له أن يطمع في فضل الله. المسألة الرّابعة: الوقاية من مزالق الرّأي في كتب التّفسير . لا يخلو كتاب من كتب التّفسير من نقد، وقد تقدّم أنّ كتب التّفسير بالمأثور مع الحرص على النّقل لم تسلم من النّقد، فكيف بمن تكلّم في التّفسير برأيه؟ فمظنّة الخلل في ذلك أشدّ، ولست أرى حجب النّاس عن النّظر في كتاب من كتب العلم والانتفاع بما فيه من الصّواب، لخطأ لا يسلم من مثله الإنسان بخلقته، بل هذه الكتب ينتفع بما فيها من خير، إلّا من يغلب على كتابه مجانبة الصّواب، وهذا لا يتصوّر إلّا في طائفة من

стр. 347

المتعرّضين للتّفسير، قصدوا إلى نصرة بدعهم وأهوائهم بتأويل القرآن، وهم طائفتان سأذكرهم في المبحث الثّامن. وتحقيق الوقاية عند الأخذ من تلك التّفاسير المشار إليها، يكون بمراعاة أمرين: أوّلهما: استصحاب حقيقة أنّ كلّ أحد من البشر يؤخذ من قوله ويترك، إلّا رسول الله ﷺ . وثانيهما: معرفة سيرة المفسّر: تحصيله، تخصّصه، عقيدته، مذهبه، فالمدرسة الّتي تلقّى فيها، والشّيوخ الّذين أخذ عنهم، والمذهب الّذي اعتنى به، والبيئة والزّمن الّذي كان فيه، جميع ذلك قد يترك آثارا في شخصيّته تنعكس في صوابها وخطئها على ما يؤلّفه ويكتبه. فمفسّر عاش في بلاد الشّام في القرن السّابع الهجريّ، شيوخه حنابلة في الفقه والاعتقاد، والفقه أغلب عليه مع دراية صالحة بالحديث والأثر، مع حظّ حسن من اللّغة، وزمانه لم يخل من جدل كلاميّ، لكنّ خوض الحنابلة فيه أقلّ من غيرهم، فهذا تركن إليه النّفس في تفسيره في جانب العقائد، مع بعض الحذر، فإنّ لبعض الحنابلة في ذلك شططا في مسائل، فإن جاء على تفسير الأحكام فمظنون أنّ حظّ مذهبه فيه أكثر، وتحريره له أظهر، وقد لا يأتي على ذكر مذهب مخالفه أصلا. قابله بمفسّر من أهل زمانه: شيوخه في العقائد أشعريّة، ومذهبه في

стр. 348

الفقه شافعيّ، مع اطّلاع حسن على المأثور، وتمكّن في العربيّة وفنونها، فهذا يفارق الحنبليّ بالحاجة إلى مزيد احتياط فيما يقوله في تفسير نصوص العقائد، فإنّ الأشعريّة أهل كلام، ومذاهبهم في الصّفات مخالفة للأثر، خارجة عن المنهج المعتبر، لكنّك تجد من البيان بأساليب المعاني والبيان فيما يضمّنه أحدهم تفسيره للقرآن، ما لا ينقضي من حسنه العجب. فإذا تيقّظت لهذا فلا عليك بعده أن تنتفع بما وقع لك من تلك الكتب، فالمظنّة في أصحابها أنّهم أئمّة المسلمين، قصدوا إلى الصّواب ونصح الأمّة، فسعيهم مشكور، وخطؤهم مغفور، لا يحسن بالعاقل الإعراض عن علم أحدهم لخطأ أخطأه قد بان وظهر. وقد صحّ عن معاذ بن جبل، ﵁، قال: «أحذّركم زيغة الحكيم، فإنّ الشّيطان قد يقول كلمة الضّلالة على لسان الحكيم، وقد يقول المنافق كلمة الحقّ»، فقال له رجل من أصحابه: ما يدريني- رحمك الله- أنّ الحكيم قد يقول كلمة الضّلالة، وأنّ المنافق قد يقول كلمة الحقّ؟ قال: «بلى، اجتنب من كلام الحكيم المشتهرات (وفي لفظ: المشتبهات) الّتي يقال لها: ما هذه! ولا يثنينّك ذلك عنه، فإنّه لعلّه أن يراجع، وتلقّ الحقّ إذا سمعته؛ فإنّ على الحقّ نورا» (١). قال البيهقيّ: «فأخبر معاذ بن جبل أنّ زيغة الحكيم لا توجب

стр. 349

الإعراض عنه، ولكن يترك من قوله ما ليس عليه نور، فإنّ على الحقّ نورا، يعني- والله أعلم- دلالة من كتاب أو سنّة أو إجماع أو قياس على بعض ذلك» (١). واعلم أنّ هذا الّذي ذكرت قصدت به من له حظّ من الاشتغال بالعلم، ولديه القدرة على تمييز ما أشرت إليه، فإن لم يكن كذلك بأن كان مقلّدا، فهذا عليه أن يستفتي من حضره من أهل العلم فيما يختاره من كتب التّفسير يعينه على فهم القرآن، قال الله : فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النّحل: ٤٣]. المبحث الرابع: تسمية بعض جوامع التفسير وهذا مراد به التّمثيل ببعض المصنّفات الّتي صارت مرجعا للنّاس في تفسير القرآن، ممّا قصد مصنّفوها إلى بيان القرآن بالأثر واللّغة والنّظر والتّدبّر، فبرز فيها جانب التّفسير بالرّأي، لكن ممّا يغلب عليه الصّواب، وأصحابها عرفوا بقصد الخير، والحرص على إصابة الهدى والسّنّة، وذلك سوى ما تقدّم التّمثيل ببعضه عند الكلام على التّفسير بالمأثور: ١ - المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز . تأليف: الإمام أبي محمّد عبد الحقّ بن غالب بن عطيّة، الغرناطيّ

стр. 350

الأندلسيّ، المتوفّى سنة (٥٤١ هـ). كان إماما مبرّزا في التّفسير والعربيّة والفقه، وتفسيره من الأمّهات المعتبرة، والتّفاسير المفيدة المحرّرة، سلك فيه مسلك التّحقيق لما تقدّمه من كلام المفسّرين، مع اقتفاء لا بأس به للأثر، واعتناء بالعربيّة. قال شيخ الإسلام ابن تيميّة: «تفسير ابن عطيّة وأمثاله أتبع للسّنّة والجماعة، وأسلم من البدعة من تفسير الزّمخشريّ» (١)، ثمّ أخذ عليه في أمرين سأذكرهما من بعد. وقال أيضا- وقد ذكر تفسير الثّعلبيّ والبغويّ والواحديّ والزّمخشريّ والقرطبيّ وابن عطيّة-: «وتفسير ابن عطيّة خير من تفسير الزّمخشريّ، وأصحّ نقلا وبحثا، وأبعد عن البدع، وإن اشتمل على بعضها، بل هو خير منه بكثير، بل لعلّه أرجح هذه التّفاسير، لكن تفسير ابن جرير أصحّ من هذه كلّها» (٢). ٢ - أنوار التّنزيل وأسرار التّأويل . تأليف: القاضي الإمام ناصر الدّين عبد الله بن عمر بن محمّد البيضاويّ الشّافعيّ، المتوفّى سنة (٦٨٥ هـ). تفسيره يتّسم بنفس فقيه لغويّ، لا محدّث ذي دراية بالأسانيد والآثار

стр. 351

المرويّة، مع أنّه ذكر في مقدّمته أنّه انتخبه ممّا بلغه من الأثر، وضمّ إليه فوائد استفادها من تحريرات المتأخّرين، أو ممّا فتح عليه به، مع الاعتناء باختلاف القرّاء وذكر وجوه القراءات، والإعراب. وهو كتاب مع استيعابه أشبه بالمختصر، وينطوي على فوائد كثيرة، لكن ليته لم يذيّل منه السّور بالحديث الموضوع المشهور في فضائلها (١). ٣ - البحر المحيط . تأليف: الإمام أبي حيّان محمّد بن يوسف بن عليّ الغرناطيّ الأندلسيّ، المتوفّى سنة (٧٤٥ هـ). كتابه موسوعة ضخمة في التّفسير، جمع وحرّر وناقش وقرّر، وبالغ في الاعتناء بالنّحو حتّى جاوز الحدّ المطلوب للقرآن، وهو فيه سيبويه زمانه، واعتنى بالقراءات عناية فائقة، مع قدر من الاعتناء بالأثر. قال شيخ القرّاء ابن الجزريّ: «له التّفسير الّذي لم يسبق إلى مثله، سمّاه البحر المحيط» (٢). وأبو حيّان كان إماما في علوم شتّى كالحديث والفقه، وإن غلبت عليه العربيّة، وكان من ثقات القرّاء ومتقنيهم، ظاهريّا في الفقه، صالحا ديّنا.

стр. 352

٤ - نظم الدّرر في تناسب الآيات والسّور . تأليف: الإمام برهان الدّين أبي الحسن إبراهيم بن عمر بن الحسن البقاعيّ الشّافعيّ، المتوفّى سنة (٨٨٥ هـ). نحا في تفسيره هذا طريقة مبتكرة، بناها على اعتبار المناسبة بين الآيات والسّور، فأوقف على أسرار كثيرة، ومعان جليلة، استفادها بالتّدبّر، تجري على مقتضى اللّغة وإفادة السّياق، مع مراعاة النّقل والحديث في المواضع المختلفة. والحقّ أنّه كتاب جمّ الفائدة، كثير النّفع، غير أنّ مراعاة المناسبة بين السّور بنيت على القول: إنّ ترتيب السّور توقيفيّ، وقد تقدّم أنّ راجح القولين أنّ ترتيب السّور دخله الاجتهاد من قبل الصّحابة، وإن كان لا يمتنع أن تكون أكثر السّور استفيد ترتيبها في المصحف كما سمعت من النّبيّ ﷺ ، ويؤخذ كذلك على مسلك اعتبار المناسبة عدم السّلامة من التّكلّف في كثير من المواضع، حتّى فيما بين الآيات في السّورة الواحدة إذا كانت السّورة تتحدّث عن أمور مختلفة، وسأنبّه على ذلك في الفصل التّالي. نقد هذه الكتب: هذه الكتب تعدّ من أفضل المؤلّفات الجوامع في التّفسير، ممّا يتيسّر الوقوف عليه، إضافة إلى ما تقدّم ذكره من كتب التّفسير بالمأثور، وعلى ما وصفت من حسنها وما يعرف من جلالة مؤلّفيها، إلّا أنّها قد اشتملت على

стр. 353

ما لا بدّ من التّنبيه عليه وأخذ الاحتياط فيه، فلها نصيب ممّا تقدّم ذكره من المآخذ على كتب التّفسير بالمأثور، وإن تفاوتت فيها قلّة وكثرة، وذلك بالاستشهاد بما لا يثبت وذكر الإسرائيليّات وإن قلّت أو ندرت في بعضها، وزادت على ذلك مأخذين: المأخذ الأوّل: القصور في ذكر مذاهب السّلف وأقوالهم في التّفسير، مع الاعتناء بذكر أقوال غيرهم، ممّا يقع به أحيانا تفويت للمعرفة بذلك القول، وقد يكون أصوب الأقوال، بينما قول من بعدهم ربّما كان ستره خيرا من كشفه، كالأقوال الّتي تذكر في مسائل العقائد. المأخذ الثّاني- وقد يكون نتيجة للّذي تقدّمه-: سلوك طريقة الخلف في تفسير آيات صفات الله ، ومن ينبّه منهم على طريقة السّلف لا يقتصر عليها أو لا يختارها، كالشّأن في تفسير الاستواء على العرش، وتكليم الله لموسى، ويد الله، ووجه الله، وأفعاله تعالى كرضاه وحبّه وسخطه وانتقامه، ممّا أضافه لنفسه، فمذهب السّلف فيها إمرارها كما جاءت دون خوض في تفسيرها، فكلّها مثبتة كما أخبر الله بها عن نفسه، على ما يليق به، دون تشبيه له بخلقه. والمنتسبون للسّنّة في هذه القضيّة ثلاثة أصناف، كلّهم قالوا: نثبت لله ما أثبته لنفسه، لكنّهم افترقوا في معنى الإثبات: [١] فصنف قالوا: لا معنى لليد والوجه والكلام إلّا ما نفهم، فاليد

стр. 354

والوجه عضوان في البدن معلومان، والكلام لا يكون إلّا بفم ولسان وفكّين، فتخيّل هؤلاء من هذه الصّفات لربّهم صورة هي حاصل قياس الغائب على الشّاهد، حتّى قال بعضهم: لله جسم، فشبّهه بخلقه، تعالى الله عن ذلك، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشّورى: ١١]. واعلم أنّه ليس المراد بأصحاب هذا الاعتقاد طائفة اعتقدوا لله جسما كجسم الإنسان، فإنّ هذا لا يكاد يوجد فيمن ينتسب إلى الإسلام، وإنّما هو ممّا يشنّع به المخالفون على بعضهم، بل لو جزمت بنفي وجوده في الواقع في المسلمين لم تلم إن شاء الله؛ لأنّ متعلّق النّاس ظواهر النّصوص، وليس فيها ما يسوّل لنفس أن تبني لله صورة في الأذهان. وحين يقولون: «فلان كان مجسّما» فإن كان نعت بذلك من صاحب سنّة واتّباع، فمراده ما تقدّم ذكره من أنّ فلانا هذا أثبت لله الصّفات مع اعتقاد صورة تلك الصّفة على ما عهد في عالم الشّهادة، وإن كان نعت بذلك من قبل الصّنف التّالي، فربّما قصد به من يعتقد مذهب السّلف، ممّن يمرّها كما جاءت دون تفسير. ولم يزل لهذا الصّنف الّذي يجري الصّفات على الظّاهر المعلوم في عالم الشّهادة بقيّة إلى يومنا، فرأينا من يقول: (لله عينان اثنتان) ثمّ يستدلّ لذلك بأنّ النّبيّ ﷺ نفى عن الله العور (١)، قال: (والعور في اللّغة: ذهاب حاسّة

стр. 355

إحدى العينين، فدلّ على أنّ لله عينين)، وهذا تجوّز ظاهر، فإنّ اللّغة إنّما عرّفت ذلك في المخلوق، وتفسير صفة الخالق بصفة المخلوق تشبيه، والله تعالى لا مثل له يقاس به. [٢] وصنف خافوا من إثبات الظّاهر؛ لأنّهم ظنّوا بينه وبين التّشبيه تلازما، فهرعوا إلى تفسير الصّفة بشيء من لازمها، ففسّروا مثلا اليد بالنّعمة والقدرة، وقالوا: تعبير القرآن مجاز لا حقيقة، وخاضوا في ذلك خوضا عجيبا واضطربوا، وما استقرّوا فيه على قدم، وآفة ذلك دخلت عليهم من جهة ما حسبوه تشبيها بإثبات الظّاهر، ومن جهة التّأثّر بإلزامات الطّوائف الخارجة عن السّنّة كالمعتزلة، مع أنّهم بطريقتهم لم ينفكّوا عن تلك الإلزامات على أيّ حال، ومن جهة ثالثة: ما تركوا به منهج الأئمّة الأوّلين، والّذين كانوا أعلم بالله ممّن بعدهم. [٣] والصّنف الثّالث، طائفة قالوا: نثبت ما أثبته الله تعالى لنفسه على الوجه الّذي أراد، لا نفسّره ولا نزيد، مع اعتقاد التّنزيه عن مشابهة الخلق، وظاهر الألفاظ عندهم مراد لكن على ما يعلم الله منها، قالوا: ولا فرق بين أن نؤمن أنّ الله تعالى حيّ سميع بصير، وأنّ له يدين، وأنّه استوى على العرش، وأنّه يحيي ويميت ويرضى ويغضب ويتكلّم، فهذه وغيرها ممّا نسبه الله لنفسه ونسبه إليه رسوله ﷺ ممّا حجب الله عنّا كيف يكون. وليس بين هذا وبين إدراك معاني هذه الألفاظ ودلالاتها في اللّسان إشكال، فنحن نجأر إلى الله بالدّعاء والتّسبيح والذّكر، ونعلم بلا ريبة أنّ
следующие страницы →