← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 11521

المقدمات الأساسية في علوم القرآن

عبد الله الجديع

Полный текст (578 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

المرويّة، مع أنّه ذكر في مقدّمته أنّه انتخبه ممّا بلغه من الأثر، وضمّ إليه فوائد استفادها من تحريرات المتأخّرين، أو ممّا فتح عليه به، مع الاعتناء باختلاف القرّاء وذكر وجوه القراءات، والإعراب. وهو كتاب مع استيعابه أشبه بالمختصر، وينطوي على فوائد كثيرة، لكن ليته لم يذيّل منه السّور بالحديث الموضوع المشهور في فضائلها (١). ٣ - البحر المحيط . تأليف: الإمام أبي حيّان محمّد بن يوسف بن عليّ الغرناطيّ الأندلسيّ، المتوفّى سنة (٧٤٥ هـ). كتابه موسوعة ضخمة في التّفسير، جمع وحرّر وناقش وقرّر، وبالغ في الاعتناء بالنّحو حتّى جاوز الحدّ المطلوب للقرآن، وهو فيه سيبويه زمانه، واعتنى بالقراءات عناية فائقة، مع قدر من الاعتناء بالأثر. قال شيخ القرّاء ابن الجزريّ: «له التّفسير الّذي لم يسبق إلى مثله، سمّاه البحر المحيط» (٢). وأبو حيّان كان إماما في علوم شتّى كالحديث والفقه، وإن غلبت عليه العربيّة، وكان من ثقات القرّاء ومتقنيهم، ظاهريّا في الفقه، صالحا ديّنا.

стр. 352

٤ - نظم الدّرر في تناسب الآيات والسّور . تأليف: الإمام برهان الدّين أبي الحسن إبراهيم بن عمر بن الحسن البقاعيّ الشّافعيّ، المتوفّى سنة (٨٨٥ هـ). نحا في تفسيره هذا طريقة مبتكرة، بناها على اعتبار المناسبة بين الآيات والسّور، فأوقف على أسرار كثيرة، ومعان جليلة، استفادها بالتّدبّر، تجري على مقتضى اللّغة وإفادة السّياق، مع مراعاة النّقل والحديث في المواضع المختلفة. والحقّ أنّه كتاب جمّ الفائدة، كثير النّفع، غير أنّ مراعاة المناسبة بين السّور بنيت على القول: إنّ ترتيب السّور توقيفيّ، وقد تقدّم أنّ راجح القولين أنّ ترتيب السّور دخله الاجتهاد من قبل الصّحابة، وإن كان لا يمتنع أن تكون أكثر السّور استفيد ترتيبها في المصحف كما سمعت من النّبيّ ﷺ ، ويؤخذ كذلك على مسلك اعتبار المناسبة عدم السّلامة من التّكلّف في كثير من المواضع، حتّى فيما بين الآيات في السّورة الواحدة إذا كانت السّورة تتحدّث عن أمور مختلفة، وسأنبّه على ذلك في الفصل التّالي. نقد هذه الكتب: هذه الكتب تعدّ من أفضل المؤلّفات الجوامع في التّفسير، ممّا يتيسّر الوقوف عليه، إضافة إلى ما تقدّم ذكره من كتب التّفسير بالمأثور، وعلى ما وصفت من حسنها وما يعرف من جلالة مؤلّفيها، إلّا أنّها قد اشتملت على

стр. 353

ما لا بدّ من التّنبيه عليه وأخذ الاحتياط فيه، فلها نصيب ممّا تقدّم ذكره من المآخذ على كتب التّفسير بالمأثور، وإن تفاوتت فيها قلّة وكثرة، وذلك بالاستشهاد بما لا يثبت وذكر الإسرائيليّات وإن قلّت أو ندرت في بعضها، وزادت على ذلك مأخذين: المأخذ الأوّل: القصور في ذكر مذاهب السّلف وأقوالهم في التّفسير، مع الاعتناء بذكر أقوال غيرهم، ممّا يقع به أحيانا تفويت للمعرفة بذلك القول، وقد يكون أصوب الأقوال، بينما قول من بعدهم ربّما كان ستره خيرا من كشفه، كالأقوال الّتي تذكر في مسائل العقائد. المأخذ الثّاني- وقد يكون نتيجة للّذي تقدّمه-: سلوك طريقة الخلف في تفسير آيات صفات الله ، ومن ينبّه منهم على طريقة السّلف لا يقتصر عليها أو لا يختارها، كالشّأن في تفسير الاستواء على العرش، وتكليم الله لموسى، ويد الله، ووجه الله، وأفعاله تعالى كرضاه وحبّه وسخطه وانتقامه، ممّا أضافه لنفسه، فمذهب السّلف فيها إمرارها كما جاءت دون خوض في تفسيرها، فكلّها مثبتة كما أخبر الله بها عن نفسه، على ما يليق به، دون تشبيه له بخلقه. والمنتسبون للسّنّة في هذه القضيّة ثلاثة أصناف، كلّهم قالوا: نثبت لله ما أثبته لنفسه، لكنّهم افترقوا في معنى الإثبات: [١] فصنف قالوا: لا معنى لليد والوجه والكلام إلّا ما نفهم، فاليد

стр. 354

والوجه عضوان في البدن معلومان، والكلام لا يكون إلّا بفم ولسان وفكّين، فتخيّل هؤلاء من هذه الصّفات لربّهم صورة هي حاصل قياس الغائب على الشّاهد، حتّى قال بعضهم: لله جسم، فشبّهه بخلقه، تعالى الله عن ذلك، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشّورى: ١١]. واعلم أنّه ليس المراد بأصحاب هذا الاعتقاد طائفة اعتقدوا لله جسما كجسم الإنسان، فإنّ هذا لا يكاد يوجد فيمن ينتسب إلى الإسلام، وإنّما هو ممّا يشنّع به المخالفون على بعضهم، بل لو جزمت بنفي وجوده في الواقع في المسلمين لم تلم إن شاء الله؛ لأنّ متعلّق النّاس ظواهر النّصوص، وليس فيها ما يسوّل لنفس أن تبني لله صورة في الأذهان. وحين يقولون: «فلان كان مجسّما» فإن كان نعت بذلك من صاحب سنّة واتّباع، فمراده ما تقدّم ذكره من أنّ فلانا هذا أثبت لله الصّفات مع اعتقاد صورة تلك الصّفة على ما عهد في عالم الشّهادة، وإن كان نعت بذلك من قبل الصّنف التّالي، فربّما قصد به من يعتقد مذهب السّلف، ممّن يمرّها كما جاءت دون تفسير. ولم يزل لهذا الصّنف الّذي يجري الصّفات على الظّاهر المعلوم في عالم الشّهادة بقيّة إلى يومنا، فرأينا من يقول: (لله عينان اثنتان) ثمّ يستدلّ لذلك بأنّ النّبيّ ﷺ نفى عن الله العور (١)، قال: (والعور في اللّغة: ذهاب حاسّة

стр. 355

إحدى العينين، فدلّ على أنّ لله عينين)، وهذا تجوّز ظاهر، فإنّ اللّغة إنّما عرّفت ذلك في المخلوق، وتفسير صفة الخالق بصفة المخلوق تشبيه، والله تعالى لا مثل له يقاس به. [٢] وصنف خافوا من إثبات الظّاهر؛ لأنّهم ظنّوا بينه وبين التّشبيه تلازما، فهرعوا إلى تفسير الصّفة بشيء من لازمها، ففسّروا مثلا اليد بالنّعمة والقدرة، وقالوا: تعبير القرآن مجاز لا حقيقة، وخاضوا في ذلك خوضا عجيبا واضطربوا، وما استقرّوا فيه على قدم، وآفة ذلك دخلت عليهم من جهة ما حسبوه تشبيها بإثبات الظّاهر، ومن جهة التّأثّر بإلزامات الطّوائف الخارجة عن السّنّة كالمعتزلة، مع أنّهم بطريقتهم لم ينفكّوا عن تلك الإلزامات على أيّ حال، ومن جهة ثالثة: ما تركوا به منهج الأئمّة الأوّلين، والّذين كانوا أعلم بالله ممّن بعدهم. [٣] والصّنف الثّالث، طائفة قالوا: نثبت ما أثبته الله تعالى لنفسه على الوجه الّذي أراد، لا نفسّره ولا نزيد، مع اعتقاد التّنزيه عن مشابهة الخلق، وظاهر الألفاظ عندهم مراد لكن على ما يعلم الله منها، قالوا: ولا فرق بين أن نؤمن أنّ الله تعالى حيّ سميع بصير، وأنّ له يدين، وأنّه استوى على العرش، وأنّه يحيي ويميت ويرضى ويغضب ويتكلّم، فهذه وغيرها ممّا نسبه الله لنفسه ونسبه إليه رسوله ﷺ ممّا حجب الله عنّا كيف يكون. وليس بين هذا وبين إدراك معاني هذه الألفاظ ودلالاتها في اللّسان إشكال، فنحن نجأر إلى الله بالدّعاء والتّسبيح والذّكر، ونعلم بلا ريبة أنّ

стр. 356

الله يرانا ويسمعنا ويعلم حالنا، وما ذلك إلّا بما نفهمه من معنى السّمع والبصر والعلم ممّا أخبرنا به عن نفسه، لكن لا ندري كيف. وهذا الاعتقاد قد جمع بين الإثبات والتّنزيه. وهو الحقّ من هذه المسالك، فإنّ أصحابه لم يزيدوا في تفسير النّصوص بآرائهم، وهذا هو الموافق للسّنّة، والصّنفان الأوّلان ليسا على السّنّة ولا طريق الجماعة الأولى أئمّة الإسلام: كأبي حنيفة ومالك وسفيان الثّوريّ والشّافعيّ وعبد الله بن المبارك، وسفيان بن عيينة، وأحمد بن حنبل، والحميديّ، والبخاريّ، وإخوانهم، فإنّهم أدركوا البدع في هذا الباب وردّوها بالوقوف عند الخبر، وترك مجاوزته بالنّظر، وطريقهم هو الأسلم والأعلم والأحكم. وعليه: فأكثر المفسّرين ممّن وقعوا في التّأويل للصّفات من الأمثلة الأربعة المذكورة، ومن سواهم ممّن سلك هذا السّبيل، سلكوا منهج المتكلّمين من الأشعريّة، إذ كان هو المنهج السّائد في مدارس التّلقّي في أزمنتهم، ولم يزل إلى يومنا هذا في كثير من المدارس الإسلاميّة، ومع قصد أتباعه إلى نصر السّنّة، لكنّهم وقعوا في موافقة المعتزلة وغيرهم من أهل البدع في كثير من الأصول، فطريقهم في هذا ليس السّنّة، ولا منهج الجماعة، وهم يقرّون بالتّفريق بين منهج السّلف ومنهج الخلف في هذا، فالله يغفر لهم، فقد قصدوا الإحسان، والله تعالى يقول: ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [التّوبة: ٩١].

стр. 357

واعلم أنّ هذا المأخذ لم تسلم منه أكثر كتب التّفسير المتأخّرة، فاحفظ ذلك، واعلم أنّه مندرج تحت التّفسير بالرّأي غير المحمود، وإن وقع من فاضل، فكلّ يؤخذ من قوله ويترك إلّا النّبيّ ﷺ . المبحث الخامس: تفاسير الفقهاء والمقصود به طائفة من أهل العلم قصدت إلى التّركيز على تفسير آيات الأحكام الّتي تشرح شرائع الإسلام وتبيّن الحلال والحرام، وإذا تعرّضوا لما سوى ذلك فهو مقصود بالتّبع لا بالأصالة، وتقدّم أن نبّهت على طرف ممّا صنّف في ذلك في (تاريخ التّفسير). وأنا ذاكر هنا وصفا موجزا لأربع من أمّهات المراجع في هذا الباب، وهي موزّعة على المذاهب الفقهيّة الثّلاثة: الحنفيّة، والمالكيّة، والشّافعيّة، أذكرها مسلسلة حسب القدم: ١ - أحكام القرآن: تأليف: أبي بكر أحمد بن عليّ الرّازيّ الجصّاص، المتوفّى سنة (٣٧٠ هـ). تقدّم في (تاريخ التّفسير) أنّ الجصّاص جرى فيه على خطا أبي جعفر الطّحاويّ في تصنيفه في هذا الباب، وهو إمام في المذهب، ثقة. وكتابه هذا موضوع على طريقة الحنفيّة في الفقه، والتزم فيه تفسير آيات الأحكام خاصّة، قد يجاوزها إلى غيرها قليلا، ويعتني بتقرير ذلك من جهة

стр. 358

اللّغة والأصول، كما يعتمد على النّقل من الحديث والأثر، ويسوق كثيرا من ذلك بأسانيده، ويذكر خلاف الفقهاء، ويناقشه، لكن فيما يصير في نتيجته إلى ترجيح مذهب أبي حنيفة وأصحابه. والكتاب في الجملة: مرجع ضروريّ في أدلّة مذهب الحنفيّة من الكتاب والسّنّة والأثر، وتخريج خلافهم، بل هو من المراجع المهمّة في فقه الخلاف، كما أنّه نموذج مفيد لتطبيق الأصول على الفروع. ومن المأخذ عليه: أنّه في قلّة ما خرج به عن آيات الأحكام، فقد فسّر بعض الآيات المشتملة على ذكر صفات الباري ، فجرى لسانه فيها بالتّأويل على طريقة الخلف، كتفسير ذكر اليدين في سورة المائدة، وغيرها. ٢ - أحكام القرآن: تأليف: الإمام أبي الحسن عليّ بن محمّد بن عليّ الطّبريّ، الملقّب «الكيا» الهرّاسيّ، المتوفّى سنة (٥٠٤ هـ). كان من رءوس الشّافعيّة، وكتابه المذكور بناه على كتاب الجصّاص، لكنّه انتصر لمذهب الشّافعيّة، وهو يأتي على كلام الجصّاص فيختصر منه ما وافقه فيه، ويستقلّ بتحرير قول الشّافعيّة عنه، وربّما نبّه على بعض ما أخذه عن الجصّاص في ثنايا الكتاب، لكن ليته شرح ذلك وبيّنه في مقدّمته، لئلّا يظنّ أنّ تلك عبارته، فإنّ من لا يخبر الكتابين لا يتبيّن له ذلك. وكتابه دون كتاب الجصّاص، لكنّه مفيد على طريقة مذهبه.

стр. 359

٣ - أحكام القرآن: تأليف: الإمام المحقّق القاضي أبي بكر محمّد بن عبد الله الإشبيليّ المعروف ب «ابن العربيّ»، المتوفّى سنة (٥٤٣ هـ). كتابه من أجلّ هذه الكتب الموضوعة في هذا الباب، سلك فيه طريقة حسنة مبتكرة، وذلك أنّه يرقم الآيات الدّالّة على الأحكام في السّورة، فإذا ذكر الآية المقصودة بالتّفسير، وكانت مشتملة على أنواع من الأحكام، قال: (وفيها كذا مسألة) ويحصرها بالعدد، ثمّ يسوقها، وفي ذلك من تقريب العلم وتيسير أخذه ما لا يخفى. ثمّ إنّه وإن اعتنى بمذهب مالك، وحرّر من أقوال أصحابه، وجرى في الغالب على منهاجه، إلّا أنّه استقلّ باستدلال ونظر، فأتى من ذلك بدرر، وهكذا شأن من لم يحكمه التّقليد وقدّم اعتبار صحيح الأثر. وكان قد استقى من كتاب «أحكام القرآن» لإسماعيل القاضي المالكيّ، والّذي يعدّ في التّصنيف في هذا الباب أوّل مبتكر. والإنصاف واجب، فكتاب ابن العربيّ زاد لا يستغني عنه الفقيه على أيّ المذاهب جرى وإلى أيّها انتصر. ٤ - الجامع لأحكام القرآن . تأليف: الإمام أبي عبد الله محمّد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح القرطبيّ، المتوفّى سنة (٦٧١ هـ).

стр. 360

هذا الكتاب لولا ما بقي بعده من حظّ في فهم كتاب الله، لصحّ القول: طابق في مضمونه مسمّاه، فإنّه جمع ما بلغه في التّفسير واستقصى، وزاد عليه بالتّدبّر والنّظر والوقوف على ما لم يسبق إلى ذكره في التّفسير من الأثر، فوائد كثيرة، وتحقيقات نافعة، مع دراية بالعربيّة ومذاهب أهلها، واختلاف الفقهاء، ممّا يشهد بتبحّره وسعة اطّلاعه. ومع مالكيّته فإنّه لم يقتصر على مذهبه، ومع قصده تفسير آيات الأحكام لكنّه تعرّض لتفسير جميع القرآن. وقد اشترط فيه اتّباع أحسن طرق التّفسير، ممّا تقدّم بيانه، وحذّر من خطورة التّفسير بالرّأي، وحقّق ذلك في الجملة، ولكنّ الطّمع في الزّيادة سبيل قلّ من ينجو منه من المؤلّفين، فأوقعه ذلك في ذكر الحديث الموضوع والمنكر والأخبار الإسرائيليّة، وكان يغنيه ما يسوقه من ثابت الأخبار عن ذلك، كما ذكر فيه من مسائل الفقه والأحكام ما لا صلة له بالقرآن. كذلك يتطرّق إلى ذكر الخلاف بين أهل الكلام في بعض مسائل العقائد، وكان يكفيه الاقتصار على ذكر مذاهب السّلف، فإنّ النّاس لا يحتاجون إلى خلط المتكلّمين، غير أنّ هذه السّمة كانت جزءا من الثّقافة الشّائعة في ذلك الوقت، فلا يكاد ينفكّ أكثر العلماء عن التّأثّر بها. وممّا ينبّه عليه كذلك: أنّه جرى في خطّة تصنيفه على منهج القاضي أبي بكر ابن العربيّ، وكاد أن يستوعب ذكر مسائله بحروفها، كذلك اعتمد

стр. 361

على تفسير ابن عطيّة «المحرّر الوجيز»، بل كان من أهمّ مراجعه (١)، وكثيرا ينقل كلامهما دون عزوه إليهما. وفي الجملة: فهو من جوامع التّفسير المعتبرة، ومرجع معتمد فيه، ومن أمّهات كتب الفقه، وحجّة فيما ينقله من مذهب أصحابه. المبحث السادس: التفاسير اللغوية كما اعتنت طائفة من علماء الأمّة بجمع المأثور وتتبّعه في التّفسير، وأخرى بما يستفاد منه من الفقه والأحكام، وذلك بالإفراد بالتّأليف، فإنّ آخرين قصدوا إلى الاعتناء ببيان نحوه بالإعراب، وبلاغته بإظهار أنواع المعاني والبيان والبديع، كما أبرزت طائفة معانيه وغريبه من جهة ما عرف عن العرب. وهذه الوجوه قد اعتنت بها جوامع التّفسير، كالأمثلة المتقدّمة، لكنّ المقصود هنا ما أفرد فيها من الكتب. وأنا ذاكر من ذلك أمثلة من جوامع تلك الكتب تحقّق الغرض إن شاء الله، إضافة لما تقدّم ذكره في (تاريخ التّفسير) (٢): ١ - إعراب القرآن .

стр. 362

تأليف: إمام النّحو أبي جعفر أحمد بن محمّد بن إسماعيل النّحّاس، المتوفّى سنة (٣٣٨ هـ). وهذا الكتاب أفرده مؤلّفه في إعراب القرآن والقراءات واختلافها، وأتى فيه على علوم من تقدّمه في النّحو، فقرّبها وأوجزها، معزوّة إليهم بالعبارة، وهو بحقّ من أجلّ ما يرجع إليه في هذا الباب، مطبوع بتمامه، وبمثله الغنى إن شاء الله عن كشّاف الزّمخشريّ المعتزليّ وشبهه. ٢ - مشكل إعراب القرآن . تأليف: الإمام أبي محمّد مكّيّ بن أبي طالب القيسيّ القرطبيّ، المتوفّى سنة (٤٣٧ هـ). هذا الكتاب كما سمّاه مؤلّفه اعتنى فيه بإعراب ما يشكل، لا جميع مفردات القرآن، كما أنّه ألّفه لمن له حظّ من علم النّحو. ٣ - إملاء ما منّ به الرّحمن من وجوه الإعراب والقراءات في جميع القرآن (١). تأليف: الإمام أبي البقاء عبد الله بن الحسين العكبريّ الحنبليّ، المتوفّى سنة (٦١٦ هـ).

стр. 363

وهذا مختصر يحقّق كثيرا ممّا يقصده من يريد معرفة إعراب القرآن. وفي عصرنا ألّفت كتب مفيدة في هذا الباب، وزادت بيان بلاغة القرآن كذلك، من أبرزها كتاب «إعراب القرآن وبيانه» من تأليف الأستاذ محيي الدّين الدّرويش الحمصيّ، المتوفّى سنة (١٤٠٢ هـ)، وهو كتاب فريد في أسلوبه واستيعابه وسهولة عرضه، اعتنى فيه بالإعراب أحسن عناية، فأعرب القرآن مفردة مفردة، ونبّه على الصّور البلاغيّة فيه، مع شرح غريبه، لكن يؤخذ عليه التّأثّر بقول المؤوّلة في صفات الله، وتارة يقف عند مذهب السّلف، فإذا استثنيت هذا فالكتاب في موضوعه كبير الفائدة. المبحث السابع: تفاسير الصوفية ويسمّى (التّفسير الإشاريّ). وهو تفسير اللّفظ بغير المتبادر من ظاهره، أو: استخراج معاني كامنة وراء الظّاهر. وهو أيضا التّفسير بما يسمّيه الصّوفيّة «العلم اللّدنّي» أخذا من قول الله في شأن الخضر ﵇: وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً [الكهف: ٦٥]. مثل قولهم في قوله تعالى: وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ [النّساء: ٣٦]: وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى هو القلب،

стр. 364

وَالْجارِ الْجُنُبِ النّفس، وَابْنَ السَّبِيلِ الجوارح. وقول أحدهم في قوله تعالى: فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ [طه: ٤٠] قال: نجّيناك من الغمّ بقومك، وفتنّاك بنا عمّن سوانا (١). وقال آخر في قوله تعالى: وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ [المائدة: ٥]: من لا يجتهد في معرفته لا يقبل خدمته (٢). وقد سئل الإمام أبو عمرو ابن الصّلاح عن هذا النّوع من التّفسير؟ فأجاب: «الظّنّ بمن يوثق به منهم أنّه إذا قال شيئا من أمثال ذلك أنّه لم يذكره تفسيرا، ولا ذهب به مذهب الشّرح للكلمة المذكورة في القرآن العظيم، فإنّه لو كان كذلك كانوا قد سلكوا مسالك الباطنيّة، وإنّما ذلك ذكر منهم لنظير ما ورد به القرآن، فإنّ النّظير يذكر بالنّظير» قال: «ومع ذلك فيا ليتهم لم يتساهلوا بمثل ذلك؛ لما فيه من الإيهام والالتباس» (٣). وسلك هذا الطّريق في التّفسير طائفة، وألّفوا فيه، أبرزهم رجلان: الأوّل: أبو عبد الرّحمن محمّد بن الحسين السّلميّ النّيسابوريّ، المتوفّى سنة (٤١٢ هـ). كبير الصّوفيّة في وقته، وكان محدّثا حافظا، لكنّه ألّف كتابا في التّفسير

стр. 365

سمّاه «حقائق التّفسير» ضمّنه هذا النّوع من التّفسير المسمّى ب (الإشاريّ)، وحكى فيه مقالات الصّوفيّة وعباراتهم، وفيها ما لا يحتمل، بل ينبو عنه الظّاهر، وفي الاعتذار عنه تكلّف شديد. وشدّد كثير من العلماء النّكير على هذا الكتاب، وعابوه على السّلميّ، حتّى بالغ الواحديّ المفسّر فقال: «صنّف أبو عبد الرّحمن السّلميّ (حقائق التّفسير)، فإن كان قد اعتقد أنّ ذلك تفسير، فقد كفر» (١). وقال الذّهبيّ: «في حقائق تفسيره أشياء لا تسوغ أصلا، عدّها بعض الأئمّة من زندقة الباطنيّة، وعدّها بعضهم عرفانا وحقيقة» (٢). وانتقده شيخ الإسلام ابن تيميّة، ولكن بعبارة أخفّ (٣). وظاهر الأمر أنّ السّلميّ كان ناقلا، وإن عيب فبحكايته ما لا يحتمل حتّى مع التّكلّف في تأويله، لا أنّه يؤاخذ بشيء قاله من جهة نفسه. والثّاني: الشّيخ محيي الدّين محمّد بن عليّ بن محمّد الطّائيّ الحاتميّ، المعروف ب «ابن عربيّ»، المتوفّى سنة (٦٣٨ هـ). وهو متّهم في دينه عند جمهور أئمّة المسلمين، ومنهم من كفّره، وهو رأس القائلين بفكرة وحدة الوجود، وزعم لنفسه أنّه خاتم الأولياء،

стр. 366

وتكلّم بالألفاظ الكفريّة، وله تفسير على طريقته، لكن ما حمل النّاس عليه في شيء من كتبه كالّذي حملوه عليه في كتابه «فصوص الحكم»، ذلك لما رأوا فيه من شنيع العبارة، وفي كلامه ما يشقّ على المسلم حكايته، نسأل الله العفو والعافية، وأمره إلى الله، وقد أغنى الله المسلمين عنه وعن كتبه، فإن كان عنده حقّ فإنّه لم يقصر عليه، والحمد لله (١). فتفسير هذه الطّائفة للقرآن تفسير على غير مقتضى الظّاهر، وربّما سمّاه بعض العلماء «تفسيرا باطنيّا»، وجعل أصحابه كالقرامطة (٢)، وهم طائفة «يدّعون أنّ للقرآن والإسلام باطنا يخالف الظّاهر»، وحقيقة أمرهم أنّ «ظاهرهم الرّفض، وباطنهم الكفر المحض» (٣). لكن التّحقيق أنّ مسلكهم في التّفسير وإن أشبهوا فيه الباطنيّة القرامطة، إلّا أنّه لا يبلغ مبلغهم، فأولئك ملاحدة زنادقة، ولشيخ الإسلام ابن تيميّة

стр. 367

كلام محرّر يفصل في سبيل هذين الفريقين، ويبيّن الحكم في هذا النّمط من التّفسير، قال ﵀: «وجماع القول في ذلك أنّ هذا الباب نوعان: أحدهما: أن يكون المعنى المذكور باطلا؛ لكونه مخالفا لما علم، فهذا هو في نفسه باطل، فلا يكون الدّليل عليه إلّا باطلا؛ لأنّ الباطل لا يكون عليه دليل يقتضي أنّه حقّ. والثّاني: ما كان في نفسه حقّا، لكن يستدلّون عليه من القرآن والحديث بألفاظ لم يرد بها ذلك، فهذا الّذي يسمّونه (إشارات)، و (حقائق التّفسير) لأبي عبد الرّحمن فيه من هذا الباب شيء كثير. وأمّا النّوع الأوّل فيوجد كثيرا في كلام القرامطة والفلاسفة المخالفين للمسلمين في أصول دينهم». قال: «وأمّا النّوع الثّاني، فهو الّذي يشتبه كثيرا على بعض النّاس، فإنّ المعنى يكون صحيحا لدلالة الكتاب والسّنّة عليه، ولكنّ الشّأن في كون اللّفظ الّذي يذكرونه دلّ عليه، وهذا قسمان: أحدهما: أن يقال: إنّ ذلك المعنى مراد باللّفظ، فهذا افتراء على الله، فمن قال: المراد بقوله: تَذْبَحُوا بَقَرَةً [البقرة: ٦٧] هي النّفس، وبقوله: اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ* [طه: ٢٤] هو القلب، وَالَّذِينَ مَعَهُ* أبو بكر، أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ عمر، رُحَماءُ بَيْنَهُمْ عثمان، تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً [الفتح: ٢٩] عليّ، فقد كذب على الله، إمّا متعمّدا، وإمّا مخطئا.

стр. 368

والثّاني: أن يجعل ذلك من باب الاعتبار والقياس، لا من باب دلالة اللّفظ، فهذا من نوع القياس، فالّذي تسمّيه الفقهاء (قياسا) هو الّذي تسمّيه الصّوفيّة (إشارة)، وهذا ينقسم إلى صحيح وباطل، كانقسام القياس إلى ذلك. فمن سمع قول الله تعالى: لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ٧٩ [الواقعة: ٧٩]، وقال: إنّه اللّوح المحفوظ أو المصحف، فقال: كما أنّ اللّوح المحفوظ الّذي كتب فيه حروف القرآن لا يمسّه إلّا بدن طاهر، فمعاني القرآن لا يذوقها إلّا القلوب الطّاهرة، وهي قلوب المتّقين، كان هذا معنى صحيحا واعتبارا صحيحا، ولهذا يروى هذا عن طائفة من السّلف» (١). قلت: فهذا يبيّن أنّ التّفسير الإشاريّ ليس جميعه مرفوضا، بل منه ما هو صحيح مقبول، وقرّب هذا العلّامة ابن القيّم فذكر لقبوله أربعة شروط، هي: ١ - أن لا يناقض معنى الآية. ٢ - أن يكون معنى صحيحا في نفسه. ٣ - أن يكون في اللّفظ إشعار به. ٤ - أن يكون بينه وبين معنى الآية ارتباط وتلازم (٢).

стр. 369

فمن فسّر الصّلاة والزّكاة بمعناهما الشّرعيّ في الكتاب والسّنّة، ثمّ قال: الصّلاة: صلة بين العبد وربّه، والزّكاة: تطهير النّفس من أوساخ الدّنيا، فهذا التّفسير صحيح معتبر، قد جاء على تحقيق الشّروط المذكورة. وكان الإمام السّريّ السّقطيّ سيّد الصّوفيّة يقول: «من ادّعى باطن علم ينقض ظاهر حكم فهو غالط» (١). واعلم أنّ من الجوامع الّتي اعتنت بذكر التّفسير الإشاريّ مضافا إلى التّفسير المعهود: بالأثر والرّأي: تفسير «روح المعاني» للعلّامة شهاب الدّين أبي الثّناء محمود بن عبد الله الآلوسيّ، المتوفّى سنة (١٢٧٠ هـ)، وتفسيره جامع واسع، وجميع ما ذكرت من المآخذ على كتب التّفسير بالمأثور أو بالرّأي أو التّفسير الإشاريّ، فإنّه ضرب منه بنصيب، لكن الأشبه أنّه أراد في العقائد مذهب السّلف، وإن ترجّح منه غير ذلك في بعض المواضع. المبحث الثامن: التفسير بالرأي الفاسد الّذي قصدت التّنبيه عليه في هذا المبحث: تلك المؤلّفات في التّفسير الّتي وضعت لتأييد البدع في العقائد، أو جرت في تحقيق هذا المأرب لأهل الأهواء.

стр. 370

وذلك كالكتب الّتي نصرت مذاهب المعتزلة في التّوحيد وغيره من عقائدهم، فحرّفوا فيها معاني الكتاب، وأسقطوا اعتبار السّنن الثّابتة، وجانبوا فيها الآثار. وكالكتب الّتي وضعها بعض الرّافضة في الغلوّ في أهل البيت، والطّعن في سادات الأمّة من أصحاب النّبيّ ﷺ ، والّتي تشتمل على الأخبار الواهية الّتي لا تقوم في ميزان النّقد. كقولهم: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ* [الرّحمن: ١٩]: عليّ وفاطمة، واللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ [الرّحمن: ٢٢]: الحسن والحسين. وقولهم: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ قالوا: أبو بكر، يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا ٢٧ يعني محمّدا، يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا يعني عمر، لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ [الفرقان: ٢٧ - ٢٩] يعني عليّا. وقولهم في قوله تعالى: إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ [التّوبة: ٤٠] لا يلزم من الصّحبة الإيمان؛ لأنّ الله يقول: قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ [الكهف: ٣٧]. وتفاسير الرّافضة ظاهرة العوار، لا يحتاج كشفها إلى كثير علم. وإنّما الّذي يلتبس على كثير من النّاس الكتب الّتي احتوت سموم المعتزلة والمشكّكة، والتّنبيه بالتّعيين على كتابين في ذلك:

стр. 371

الأوّل: الكشّاف عن حقائق التّنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التّأويل . تأليف: أبي القاسم جار الله محمود بن عمر الزّمخشريّ، المتوفّى سنة (٥٣٨ هـ). هذا الكتاب لرأس من رءوس الاعتزال، وفحل من فحول العربيّة، جنّد معرفته باللّسان لنصر مذهبه في هذا الكتاب. قال ابن تيميّة: «وأمّا الزّمخشريّ فتفسيره محشوّ بالبدعة، وعلى طريقة المعتزلة، من إنكار الصّفات والرّؤية، والقول بخلق القرآن، وأنكر أنّ الله مريد للكائنات وخالق لأفعال العباد، وغير ذلك من أصول المعتزلة، ... مع ما فيه من الأحاديث الموضوعة، ومن قلّة النّقل عن الصّحابة والتّابعين» (١). وقال وقد ذكر تفاسير المعتزلة: «ومن هؤلاء من يكون حسن العبارة فصيحا، كصاحب الكشّاف ونحوه، حتّى إنّه يروج على خلق كثير ممّن لا يعتقد الباطل من تفاسيرهم الباطلة ما شاء الله» (٢). وقد تعقّبه بالنّقد لأباطيله في العقائد كثير من العلماء، بل إنّهم تعقّبوه حتّى في العربيّة وخطّئوه في طرف منها، ومن أهل العلم من منع النّظر فيه، لكن قال الحافظ ابن حجر: «من رسخت قدمه في السّنّة، وقرأ طرفا من

стр. 372

اختلاف المقالات، انتفع بتفسيره، ولم يضرّه ما يخشى من دسائسه» (١). قلت: لقد أتى كثير من المفسّرين بعده فانتزعوا فوائد كتابه، وزادوا، فأغنى ما كتبوا عن ذلك الكتاب، ولا تحسبن أن سيفوتك بفواته ما لا تجده عند سواه. والثّاني: مفاتيح الغيب، أو: التّفسير الكبير . تأليف: العلّامة النّظّار فخر الدّين محمّد بن عمر بن الحسين الرّازيّ، المتوفّى سنة (٦٠٦ هـ). هذا الكتاب على كبر حجمه، فإنّك إن سلمت من تشكيكاته، فلا أحسبك تخرج منه بفائدة ينفرد بها في تفسير القرآن، وفيه ظلمة، ولعلّك ترى هذا الوصف في عامّة مصنّفات الرّازيّ. وذلك لما شحن به هذا الكتاب من الآراء الفلسفيّة الّتي لا تعود بنفع. وقد قال بعض العلماء: «فيه كلّ شيء إلّا التّفسير» (٢). وقال الحافظ ابن حجر: «كان يعاب بإيراد الشّبه الشّديدة، ويقصّر في حلّها، حتّى قال بعض المغاربة: يورد الشّبه نقدا، ويحلّها نسيئة» (٣). وقد أغناك الله عن هذا الكتاب بما تقدّم ذكره من الكتب، وبما سيأتي، وبما هو على مناهج ذلك.

стр. 373

المبحث التاسع: التفاسير المعاصرة إفرادها بالتّنبيه؛ من أجل ما تميّزت به من المنهجيّة المناسبة للعصر، في لغة الإنشاء، ولغة المضمون. فأمّا لغة الإنشاء، فإنّ لغة التّفسير في العصور الماضية كانت أشبه بخطاب الخاصّة، فلا يكاد ينتفع بها عموم النّاس، ولعلّ من أبرز أسباب ذلك: أنّ تداول الكتاب لم يكن ميسورا إلّا لمن تعنّى طلب العلم، بخلاف زماننا، فإنّ ما أنعم الله تعالى به على بني الإنسان من وسائل الطّباعة والنّشر ذلّل ذلك، حتّى يسّر اقتناء الكتاب لكلّ من شاء. وحسن أن يكتب التّفسير لعموم المسلمين باللّغة الّتي تيسّر عليهم فهم القرآن، لكن لا يصحّ أن يهبط الكاتب في التّفسير إلى لغة الإعلام المعاصر، والّتي هي في الحقيقة مزيج في التّعابير من لغات شتّى، وإن كانت بمفردات عربيّة!! وأمّا لغة المضمون، فإنّ العلم الحديث قد أوقف الإنسان على كثير من أسرار الخلق، ممّا يجد المفسّر ارتباطه بالقرآن ارتباطا مباشرا، بل إنّه ليوقف على حقائق لم يتهيّأ لمن سبق من المفسّرين الوقوف عليها، ولا ريبة أنّ هذا جانب مقصود مأمور به بعموم الأمر بتدبّر القرآن، وإن كنّا نرى ضرورة ضبطه ببعض الضّوابط. كذلك لاحظت كتب التّفسير المعاصرة مستجدّات هذا العصر، وما

стр. 374

يلامس حاجة المسلم اليوم. ونماذج تلك الكتب كثيرة، ولا نزال نرى فيها الجديد، لكنّي رأيت انتخاب أربعة من مشاهيرها، لأربعة من علماء العصر الحديث، اختلفت مناهجهم في صياغة التّفسير: ١ - تفسير المنار . تأليف: العلّامة المصلح محمّد رشيد رضا القلمونيّ، البغداديّ الأصل، المتوفّى سنة (١٣٥٤ هـ). هذا التّفسير مبتداه دروس الشّيخ محمّد عبده، ﵀، استفادها الشّيخ محمّد رشيد، فبنى عليها، وزاد، وهي تستند إلى النّقل والأثر، كما تمتاز بالنّظر الجريء، بعبارة عليها طابع التّجديد، مع الرّبط بمقتضيات الواقع ومتغيّراته، واعتناء بتعليل الأحكام بما يتوافق مع العلم الحديث، وله فيه من الرّأي ما يناقش كغيره، بل فيه ما يردّ عليه، خاصّة ما تضمّنه من ردّ بعض الحديث الصّحيح بالرّأي، والّذي يعدّ من أكبر المآخذ عليه. وهو وثيقة تاريخيّة إضافة إلى كونه تفسيرا؛ لأنّه امتدّت كتابته سنين طويلة، وكان ما يكتب فيه مراعيا للحدث. والأصل أنّ الشّيخ رشيدا كان ينشر هذا التّفسير ضمن مجلّة «المنار»، ثمّ استقلّ عنها بالنّشر. وقد حظي في وقته بإقبال النّاس عليه، ولم يزل له اعتباره في نظر

стр. 375

الباحثين وأهل العلم، وفيه خير كثير، مع أنّه لم يتمّه، إنّما انتهى فيه إلى الآية (١٠١) من سورة يوسف، فكان آخره تفسير قوله تعالى: تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ، فتوفّاه الله عندئذ، فهي بشارة خير له، ﵀. ٢ - في ظلال القرآن . تأليف: الأديب العالم المفكّر سيّد بن قطب بن إبراهيم المصريّ، المقتول شهيدا إن شاء الله سنة (١٣٨٧ هـ). هذا الكتاب عصارة تدبّر رجل أوتي نصيبا وافرا من أدب النّثر والكتابة، ليس لغويّا برع في تحليل الألفاظ وتراكيبها، أو فقيها غاص في دقائق الشّرائع، أو نظّارا قصد إلى أساليب الجدل وخاض في متاهات النّظر، ولكنّه رجل أقبل على القرآن يتأمّل معانيه، مسترشدا ببعض كتب التّفسير الّتي سبقته، كتفسير الإمام ابن كثير، مع البراعة الأدبيّة الّتي أوتيها، رابطا ذلك بمحيطه وواقعه، محاكما ذلك الواقع بما فهمه من خلال تدبّره، وذلك في مقدار صلته بربّه ودينه وكتابه، مراعيا متغيّرات زمانه وتطوّرات عصره، مستشعرا ظلم المتجبّرين الخارجين عن حكم الله. جاء كتابه بما قرّب به من معاني القرآن بمنزلة التّفسير، وإن لم يكن يأتي على تحليل مفرداته. فيه اعتماد الحديث والأثر، والتّنبيه على أسباب النّزول. كما سلك فيه مسلكا مبتكرا، وإن لم يكن جديدا في موضوعه، لكنّه غير

стр. 376

شائع في تطبيقه في كتب التّفسير، وهو مراعاة الوحدة الموضوعيّة للسّورة، والاعتناء بتحليل مضمونها، ثمّ تجزئته إلى مقاطع، ممّا يحصل به تقريب للبعيد، وربط للمعاني. وهو نمط فريد في شرح الكتاب العزيز (١)، ويقع تصنيفه ضمن كتب التّفسير بالرّأي، لكنّه الرّأي المحمود، وذلك باعتبار ما غلب عليه. ووقعت في «الظّلال» هفوات، عظّمتها طائفة، وحقّرتها أخرى، ونحن نحبّ سيّدا، لكنّ الحقّ أحبّ إلينا منه، لا نرضى قول هؤلاء ولا أولئك، فلا نعادي أولياء الله ولا نغالي فيهم، وإنّما هم بشر ممّن خلق الله، ليسوا برسل ولا أنبياء، يؤخذ منهم ويردّ عليهم، وفي تلك الهفوات ما هو خطأ بيّن، اعتذارنا عن سيّد فيها يعود تارة إلى خلفيّته الثّقافيّة، كالّذي يؤخذ عليه في باب العقائد، وتارة إلى ما عاناه هو وإخوانه من ظلم، كالّذي يؤخذ عليه في تفسير المجتمع الجاهليّ، والله يتولّاه برحمته وعفوه. ٣ - التّحرير والتّنوير . تأليف: العلّامة الشّيخ محمّد الطّاهر بن عاشور المالكيّ، شيخ جامع الزّيتونة بتونس، المتوفّى سنة (١٣٩٣ هـ).

стр. 377

كتاب جمّ الفوائد، كثير التّحقيقات، جرى في أسلوبه على طريقة من تقدّم من المفسّرين، واستخلص من كتبهم وزاد، يفسّر باللّغة والرّأي، ويبيّن النّزول وأسبابه، ويعتمد الحديث، ويحرّر الأحكام، ويعتني بمقاصد التّشريع، ويراعي المناسبة والارتباط بين الآيات، والبلاغة القرآنيّة، ويحدّد أغراض السّورة بين يديها، كما يبيّن طرفا من التّفسير العلميّ المستفاد من اكتشافات العلم الحديث، فهو تفسير معاصر، لكن بلغة متينة. ويؤخذ عليه: تفسير آيات الصّفات على طريقة الخلف، وذكر ما لا يثبت من الحديث والأثر. ٤ - أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن . تأليف: العلّامة الشّيخ محمّد الأمين بن محمّد المختار الجكنيّ الشّنقيطيّ، المتوفّى سنة (١٣٩٣ هـ). هذا التّفسير من أجلّ التّفاسير المعاصرة وأنفعها، اجتهد مؤلّفه أن يراعي فيه مسمّاه، لكنّه إذا أتى على تفسير آيات الأحكام بالغ في بيانها، حتّى يخرج فيما يذكره إلى ما هو ألصق بكتب الفقه، غير أنّه فيما يفسّر أو يحرّر يأتي بدرر نفيسة، وتحقيقات دقيقة، مع سلامة في الاعتقاد، وحرص على الدّليل، واتّباع لأحسن مناهج التّفسير بالرّأي، وذلك بسبب ما أوتيه من تمكّن مشهود له به في اللّغة والأصول والمنطق، وله ممّا ذهب إليه باجتهاده ما يخالف فيه، ولم يكمله، إنّما انتهى به عند آخر سورة المجادلة.

стр. 378

المبحث العاشر: تتمة من المباحث المهمّة في تفسير القرآن، ممّا خصّ بالبحث: تفسير مشكل القرآن . والمراد به رفع اللّبس ودفع الاشتباه فيما أشكل معناه، وسبق في (تاريخ التّفسير) أنّ ابن قتيبة اللّغويّ صنّف فيه قديما، ومن الكتب النّافعة فيه: ١ - فوائد في مشكل القرآن، لسلطان العلماء عزّ الدّين عبد العزيز بن عبد السّلام السّلميّ. ٢ - تفسير آيات أشكلت، لشيخ الإسلام ابن تيميّة. ٣ - فتح الرّحمن بكشف ما يلتبس في القرآن، لشيخ الإسلام زكريّا الأنصاريّ. ولا ريب أنّ رفع الالتباس عن آيات الكتاب مطلوب، وهو جزء من البيان للكتاب، لكن لا يجوز أن يخرج عن الأصول المعتبرة في التّفسير. من المناهج المبتكرة في التّفسير المعاصر للقرآن ثلاثة أنماط: ١ - التّفسير الموضوعيّ للقرآن: وهو الاعتناء بدراسة الموضوعات القرآنيّة على غير الصّورة التّقليديّة في التّفسير، وإنّما بالنّظر إلى الأبواب، كدراسة: الإيمان والكفر والنّفاق في القرآن، الأخلاق في القرآن، الرّبا في القرآن، وهكذا.

стр. 379

وهذا أسلوب عصريّ، لم يكن شائعا في تصانيف السّابقين على سبيل الإفراد بالتّأليف، إنّما كانوا يراعون تتبّع المصطلح القرآني من حيث الجملة. وهو مع حداثته، فإنّه لا مانع منه ولا حرج فيه، بشرط التزام المنهج المعتبر في التّفسير. ٢ - التّفسير العلميّ: والمراد به تفسير الآيات الّتي تتحدّث عن الكون وخلق الإنسان ونحو ذلك، بما توصّل إليه العلم الحديث من اكتشاف واطّلاع على حقائق لم يهتد إليها عموم النّاس من قبل. وهذا فنّ من التّفسير لا يغفل أثره في إعجاز القرآن، وزيادة الإيمان، لكنّي أراه لا يقبل إلّا بشروط ثلاثة: ١ - أن لا يصادم أصلا معلوما بنفس دلالة القرآن أو صحيح السّنّة. ٢ - أن يحتمله اللّفظ من جهة اللّغة. ٣ - أن يكون حقيقة علميّة ثبتت بالبراهين، لا مجرّد نظريّة محتملة، خشية أن تجعل نصوص القرآن غرضا لتجارب النّاس. فإذا اجتمعت هذه الشّروط فلا مانع من قبول هذا النّوع من التّفسير، فإنّ الله تعالى قال: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [فصّلت: ٥٣].

стр. 380

ويمكن القول: فكرة هذا النّوع من التّفسير ليست حديثة، فقد نبّه الأطبّاء وغيرهم من قبل على أشياء، وربطوها بالقرآن، لكنّها لم تبلغ ما بلغه العلم الحديث اليوم. وفي العصر الحديث خلال القرن الماضي، ألّف الشّيخ طنطاوي بن جوهري المصريّ المتوفّى سنة (١٣٥٨ هـ) تفسيره المسمّى ب «الجواهر»، وشحنه بذكر الاكتشافات العصريّة وربطها بالقرآن، وكان يمثّل بالصّور في كتابه هذا، فرفضه النّاس وعابوه، لما رأوا فيه من التّكلّف والمبالغة. ٣ - التّفسير العدديّ للقرآن: كذا سمّاه بعض أهل هذا الزّمان، والمقصود به: استخراج دلائل ومعان، بناء على حساب عدد الحروف أو الكلمات، ومنه البحث عن سرّ عدد السّبعة أو السّبعين أو الأربعين، وشبه ذلك. فهذا تكلّم فيه بعض النّاس من قبل، كما أشار إليه الزّركشيّ (١). وهو من بدع التّفاسير، ولاحق بالتّفسير بالرّأي المذموم، فهو لا يتخرّج على لغة ولا على أثر، كما أنّنا لم نر من تكلّم فيه أتى بمثال صالح مقنع، بل لا تخريج له إلّا التّكلّف، والله أعلم.

стр. 381

الفصل الخامس: قواعد التفسير هذا الفصل مختصر، معقود للتّنبيه على ما يحتاج المفسّر أو متدبّر القرآن إلى ملاحظته، وهو أصول جامعة وقواعد كلّيّة، تعين على التّدبّر الأمثل، والفهم الصّحيح للقرآن، تتمّم الأصول المتقدّمة، وتقرن بما ذكرته في طرق التّفسير، لا أعيد فيها ما نبّهت عليه من قبل في موضعه من هذا الكتاب، كمراعاة أسباب النّزول، والمكّيّ والمدنيّ، واختلاف القراءات، والنّسخ، والمأثور في التّفسير، والحذر من الرّأي الفاسد، وترك تفسير المتشابه. وهذا بيان تلك القواعد والأصول في ثلاثة مباحث: المبحث الأول: محتوى القرآن في القرآن ما ينفع النّاس في الدّنيا والآخرة، علومه لا نهاية لها، وخيره لا انقضاء له ولا انقطاع. صحّ عن عبد الله بن مسعود، ﵁، قال: «من أراد العلم فليثوّر القرآن، فإنّ فيه علم الأوّلين والآخرين» (١).

стр. 382

وعن مسروق بن الأجدع، قال: «ما نسأل أصحاب محمّد ﷺ عن شيء، إلّا وعلمه في القرآن، ولكن علمنا قصر عنه» (١). واعلم أنّ مجموع مادّة القرآن ترجع إلى ثلاثة أشياء: ١ - العقيدة: وتحتها: أسماء الله تعالى وصفاته، والآيات الدّالّة عليه، والإيمان باليوم الآخر، وسائر الغيّب، والرّسل، والكتب. ٢ - التّذكير: وتحته: الأمثال، والقصص، والوعد، والوعيد. ٣ - الشّرائع: وهي الأوامر والنّواهي، وأحكام الحلال والحرام. وهذه القسمة أصلها الحديث الصّحيح المتواتر عن النّبيّ ﷺ قال: «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ١ تعدل ثلث القرآن» (٢).

стр. 383

وفي رواية صحيحة من حديث أبي الدّرداء، عن النّبيّ ﷺ قال: «إنّ الله جزّأ القرآن ثلاثة أجزاء: فجعل قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ١ جزءا من أجزاء القرآن» (١). وذلك من جهة أنّ هذه السّورة قد اشتملت على التّوحيد خاصّة، وهذا ثلث القرآن، باعتبار القسمة السّابقة. فإذا ظهر هذا فههنا تنبيه على ثلاثة أصول يحتاج إلى رعايتها المتدبّر: الأصل الأوّل: أمثال القرآن . القرآن مليء بضرب الأمثال، وعلّة ذلك: ما في المثل من تصوير الشّيء وتقريبه في الأذهان، إذ هو تشبيه، والتّشبيه ينزّل البعيد منزلة القريب، والمعقول منزلة المحسوس، فتعيه العقول وتقبله. والمثل لا يكون إلّا والممثّل به حقيقة معلومة، لا يكون صورة وهميّة. والأمثال في القرآن ثلاثة أنواع (٢): النّوع الأوّل: أمثال يصرّح فيها بلفظ (المثل) أو ما يدلّ على التّشبيه،

стр. 384

وتسمّى (الأمثال المصرّحة). فمثال التّصريح بلفظ المثل قوله تعالى: أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ [الرّعد: ١٧]. ومثال التّصريح بالتّشبيه، قوله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً [النّور: ٣٩]. النّوع الثّاني: أمثال لا يصرّح فيها بلفظ التّمثيل، ولكنّها تدلّ على معان تمثيليّة بإيجاز، وهي (الأمثال الكامنة)، كقوله تعالى: وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً [الحجرات: ١٢]. وتشبيهات القرآن جميعها أمثال مضروبة لفهم مراد الله بخطابه لعباده، كما قال: وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [إبراهيم: ٢٥]، وقال: وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الحشر: ٢١]، وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ [العنكبوت: ٤٣]. النّوع الثّالث: قصص القرآن. قصّ الله علينا من أنباء الأوّلين ما جعله أعظم مثل للاعتبار والقياس، فقال: وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا

стр. 385

مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ٣٤ [النّور: ٣٤]. فهذا المثل هو قصّة آدم ونوح وهود وصالح وإبراهيم ولوط وبني إسرائيل، وغير ذلك، فالمخاطبون بهذا القرآن هم الممثّلون، وأصحاب تلك القصص هم الممثّل بهم، والمثل شأنهم وما كانوا عليه وما صاروا إليه. وهذا المثل قضيّة قياسيّة، أصلها تلك الأمم الخالية، وفرعها هذه الأمّة ومن بلغه هذا القرآن، والمعنى الجامع لإلحاق الفرع بالأصل: إمّا استقامة تلحق بمن أنعم الله عليهم، وإمّا انحراف يلحق بمصير المغضوب عليهم والضّالّين. كما قال الله : فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (١٠٢) ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ [يونس: ١٠٢ - ١٠٣]. وكما قال سبحانه: وَعَدَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفَّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ (٦٨) كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوالًا وَأَوْلاداً فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٦٩) أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ وَأَصْحابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ

стр. 386

اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ٧٠ [التّوبة: ٦٨ - ٧٠]. وهذا النّوع من أعجب الأمثال، وما هو بالأساطير ولا الخيالات، بل هو كما قال الله: إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ [آل عمران: ٦٢]، نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ [يوسف: ٣]، لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [يوسف: ١١١]. وتدبّر أمثال القرآن وقصصه يتجاوز الاعتبار، إلى ترسيخ معاني العقيدة، وشرح أساليب الدّعوة والحجاج، وبيان الشّرائع (١). الأصل الثّاني: جدل القرآن . المقصود بجدل القرآن: أساليب المناظرة الّتي جاء بها لإظهار الحقّ وإقامة الحجّة على المخالفين. وقد تضمّن القرآن جميع ما يستعمل في المناظرات والحوار من البراهين والأدلّة العقليّة، كما قال الله تعالى: وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً ٣٣ [الفرقان: ٣٣]، وقال تعالى: فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ* [المرسلات: ٥٠]، لكنّ ذلك موقوف على استكشافه منه

стр. 387

بحسن التّدبّر والفهم عن الله. . وفي قصص الأنبياء كثير من تلك الأدلّة، على التّوحيد وإثبات النّبوّات. فمن تلك الأساليب: [١] إلزام المخاطب بطريق الاستفهام عمّا هو مسلّم عنده، حتّى يعترف بما ينكره. كقوله تعالى في ردّ فرية اليهود: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ [الأنعام: ٩١]. [٢] إلزام المخاطب بما تقتضيه العقول. كما في قوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [الأنبياء: ٢٢]، أي: لفسد تدبير السّماوات والأرض واختلّ نظامهما، والسّماوات والأرض لم تفسدا، فنتج عنه أن ليس فيهما آلهة إلّا الله، كما قال: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ [المؤمنون: ٩١]، وكما قال سبحانه: قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذاً لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا ٤٢ [الإسراء: ٤٢ - ٤٣]. [٣] الاستدلال بالمبدإ على المعاد. كقوله تعالى: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ (٦) يَخْرُجُ

стр. 388

مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ ٨ [الطّارق: ٥ - ٨] (١). [٤] الاستدلال بقياس الأولى. كقياس إحياء الموتى على خلق السّماوات والأرض، كما قال تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى [الأحقاف: ٣٣]. [٥] السّبر والتّقسيم. وذلك بحصر الأوصاف وإبطال أن يكون واحد منها علّة للحكم (٢)، كقوله تعالى: ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٤٣) وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ١٤٤ [الأنعام: ١٤٣ - ١٤٤] (٣). [٦] المطالبة بالبرهان على صحّة الدّعوى. كقول الله تعالى لأهل الكتاب: قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ*

стр. 389

بعد قوله عنهم: وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى [البقرة: ١١١]. [٧] التّحدّي. كقوله تعالى في إثبات التّوحيد: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا [الإسراء: ٥٦]. وقوله في إثبات عجز الكفّار عن الإتيان بسورة مثل هذا القرآن: قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [يونس: ٣٨]. هذه بعض صور الجدل في القرآن ذكرها على سبيل التّنبيه، لا التّتبّع والاستقصاء، فهذا فنّ خاصّ من علوم القرآن. الأصل الثّالث: أحكام القرآن . أحكام القرآن بمعنى الأمر والنّهي يندرج تحتها جميع التّكاليف: كانت من أعمال القلوب، كالتّوحيد والإيمان والإخلاص. أو كانت موزّعة بين القلوب والجوارح، كالعبادات، مثل الصّلاة والزّكاة والصّيام والحجّ. أو كانت من أعمال الجوارح، كالمعاملات لصلاح أمر الدّنيا، وحفظ

стр. 390

الضّرورات وتحقيق الحاجات، كالبيع والشّراء والنّكاح. كانت مختصّة بالفرد، أو بالجماعة، أو مشتركة بينهما. فالقرآن قد أتى بجميع تلك الأحكام، تصريحا أو تلويحا، بالقاعدة العامّة أو بالحكم المفصّل، كما قال الله : وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ [النّحل: ٨٩] (١). والآيات الدّالّة على الأحكام في القرآن لا ينبغي أن تقيّد بعدد، فكلّ آية في القرآن جائز أن تكون مظنّة للحكم. كما قال عبد الله بن مسعود، ﵁: «ما من حرف أو آية، إلّا وقد عمل بها قوم، أو لها قوم سيعلمون بها» (٢). كيف تستفاد الأحكام من القرآن ؟ الآيات الدّالّة على الأحكام في القرآن نوعان: الأوّل: ما جاء بالحكم صراحة، كالّذي يستفاد من سور البقرة والنّساء والمائدة، من الفرائض والحلال والحرام، وهذا ظاهر. والثّاني: ما يؤخذ بطريق الاستنباط، وهذا قسمان: أحدهما: ما يستنبط بالتّدبّر لنفس الآية.
следующие страницы →