اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ٧٠
[التّوبة: ٦٨ - ٧٠].
وهذا النّوع من أعجب الأمثال، وما هو بالأساطير ولا الخيالات، بل هو كما قال الله: إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ [آل عمران: ٦٢]، نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ [يوسف: ٣]، لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [يوسف: ١١١].
وتدبّر أمثال القرآن وقصصه يتجاوز الاعتبار، إلى ترسيخ معاني العقيدة، وشرح أساليب الدّعوة والحجاج، وبيان الشّرائع (١).
الأصل الثّاني: جدل القرآن .
المقصود بجدل القرآن: أساليب المناظرة الّتي جاء بها لإظهار الحقّ وإقامة الحجّة على المخالفين.
وقد تضمّن القرآن جميع ما يستعمل في المناظرات والحوار من البراهين والأدلّة العقليّة، كما قال الله تعالى: وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً ٣٣ [الفرقان: ٣٣]، وقال تعالى: فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ* [المرسلات: ٥٠]، لكنّ ذلك موقوف على استكشافه منه
стр. 387
بحسن التّدبّر والفهم عن الله. .
وفي قصص الأنبياء كثير من تلك الأدلّة، على التّوحيد وإثبات النّبوّات.
فمن تلك الأساليب: [١] إلزام المخاطب بطريق الاستفهام عمّا هو مسلّم عنده، حتّى يعترف بما ينكره.
كقوله تعالى في ردّ فرية اليهود: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ [الأنعام: ٩١].
[٢] إلزام المخاطب بما تقتضيه العقول.
كما في قوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [الأنبياء: ٢٢]، أي: لفسد تدبير السّماوات والأرض واختلّ نظامهما، والسّماوات والأرض لم تفسدا، فنتج عنه أن ليس فيهما آلهة إلّا الله، كما قال: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ [المؤمنون: ٩١]، وكما قال سبحانه:
قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذاً لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا ٤٢ [الإسراء: ٤٢ - ٤٣].
[٣] الاستدلال بالمبدإ على المعاد.
كقوله تعالى: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ (٦) يَخْرُجُ
بعد قوله عنهم: وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى [البقرة: ١١١].
[٧] التّحدّي.
كقوله تعالى في إثبات التّوحيد: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا [الإسراء: ٥٦].
وقوله في إثبات عجز الكفّار عن الإتيان بسورة مثل هذا القرآن: قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [يونس: ٣٨].
هذه بعض صور الجدل في القرآن ذكرها على سبيل التّنبيه، لا التّتبّع والاستقصاء، فهذا فنّ خاصّ من علوم القرآن.
الأصل الثّالث: أحكام القرآن .
أحكام القرآن بمعنى الأمر والنّهي يندرج تحتها جميع التّكاليف:
كانت من أعمال القلوب، كالتّوحيد والإيمان والإخلاص.
أو كانت موزّعة بين القلوب والجوارح، كالعبادات، مثل الصّلاة والزّكاة والصّيام والحجّ.
أو كانت من أعمال الجوارح، كالمعاملات لصلاح أمر الدّنيا، وحفظ
стр. 390
الضّرورات وتحقيق الحاجات، كالبيع والشّراء والنّكاح.
كانت مختصّة بالفرد، أو بالجماعة، أو مشتركة بينهما.
فالقرآن قد أتى بجميع تلك الأحكام، تصريحا أو تلويحا، بالقاعدة العامّة أو بالحكم المفصّل، كما قال الله : وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ [النّحل: ٨٩] (١).
والآيات الدّالّة على الأحكام في القرآن لا ينبغي أن تقيّد بعدد، فكلّ آية في القرآن جائز أن تكون مظنّة للحكم.
كما قال عبد الله بن مسعود، ﵁: «ما من حرف أو آية، إلّا وقد عمل بها قوم، أو لها قوم سيعلمون بها» (٢).
كيف تستفاد الأحكام من القرآن ؟
الآيات الدّالّة على الأحكام في القرآن نوعان:
الأوّل: ما جاء بالحكم صراحة، كالّذي يستفاد من سور البقرة والنّساء والمائدة، من الفرائض والحلال والحرام، وهذا ظاهر.
والثّاني: ما يؤخذ بطريق الاستنباط، وهذا قسمان:
أحدهما: ما يستنبط بالتّدبّر لنفس الآية.
стр. 391
مثاله: استنباط صحّة أنكحة الكفّار من قوله تعالى: وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ ٤ [المسد: ٤]، ولو كان عقد النّكاح بينهما باطلا بسبب الكفر لما أضافها إليه.
واستنباط صحّة صوم من أدركه الفجر وهو جنب، من قوله تعالى: فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [البقرة: ١٨٧]، فأبقى الإذن في الجماع والأكل والشّرب حتّى يتبيّن الفجر، فإذا دخل الفجر وجب الإمساك عن كلّ ذلك، فمن حلّ له أن لا ينزع عن أهله إلّا بدخول الفجر، فقد أقرّ على أن يدركه وقت الصّوم جنبا ولا يقدح ذلك في صومه ولا يمنعه.
وثانيهما: بضميمة آية أخرى.
كاستنباط أقلّ مدّة الحمل من آيتين، قوله تعالى: وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً [الأحقاف: ١٥]، مع قوله: وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ [لقمان: ١٤] (١).
كيف تدلّ ألفاظ القرآن على الأحكام ؟
هذا مبحث موضعه بتفصيله (علم أصول الفقه)، والتّنبيه من حيث الجملة على أنّ ألفاظ القرآن تدلّ على الأحكام:
стр. 392
بصيغة الطّلب المباشرة، كالأمر أَقِيمُوا الصَّلاةَ* [البقرة: ١١٠]، والنّهي: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى [الإسراء: ٣٢].
أو بالخبر المفيد للحكم، كقوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ [البقرة: ١٨٣].
أو بما رتّب على العمل من جزاء في العاجل والآجل، كقوله تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ٨ [الزّلزلة: ٧ - ٨].
وللإمام عزّ الدّين بن عبد السّلام في هذا تصنيف نافع، يحقّق الغاية في هذا الأصل، اسمه: «الإمام في بيان أدلّة الأحكام».
المبحث الثاني: قواعد لغوية
التّنبيه في هذا المبحث على أصول في التّفسير تنبني على مراعاة الجانب اللّغويّ في القرآن، فإليكها:
١ - اتّباع معنى الكلمة القرآنيّة كما جاء به لسان العرب، وما عرف من كلامهم، وملاحظة الوجوه فيه .
والوجوه هي: اللّفظ الواحد يستعمل في المعاني المتعدّدة.
كألفاظ (الهدى) و (الإيمان) و (الكفر) و (العفو)، استعمل كلّ منها في
стр. 393
القرآن في أكثر من معنى.
ومن أحسن الطّرق المساعدة على ذلك ويقدّم على الرّجوع إلى المعاجم اللّغويّة: تتبّع اللّفظة في مواردها في القرآن نفسه بمختلف اشتقاقاتها، فإنّ أحسن الطّرق في التّفسير: أن يفسّر القرآن بالقرآن، وهذا منه.
واعتنى بعض العلماء بإفراد دلالات الألفاظ والمصطلحات المتكرّرة في القرآن، بالتّأليف، ومن أجلّ الكتب فيه: «بصائر ذوي
التّمييز في لطائف الكتاب العزيز» للإمام مجد الدّين محمّد بن يعقوب الفيروزآباديّ صاحب «القاموس المحيط»، المتوفّى سنة (٨١٧ هـ).
وسبق إليه غير واحد كذلك، من أقدميهم: ابن قتيبة في «مشكل القرآن».
وممّا يندرج تحت هذه القاعدة ملاحظة الأضداد اللّغويّة في القرآن، كاستعمال (ظنّ) لليقين والتّردّد أو الشّكّ، كقوله تعالى: إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ ٢٠ [الحاقّة: ٢٠] في اليقين، وقوله: وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ [القصص: ٣٩] في الشّكّ.
٢ - هل في القرآن ألفاظ مترادفة ؟
التّرادف: هو توالي كلمتين فأكثر دالّة على شيء واحد باعتبار واحد، مثل: (البرّ) و (القمح) و (الحنطة)، فهذه ألفاظ مختلفة لشيء واحد.
وعلامة صحّة التّرادف: إمكان حلول أحد اللّفظين محلّ الآخر، لو
стр. 394
حذفت أحدهما.
وأكثر أهل العلم على القول بصحّة وقوعه في اللّغة، ولم ينكره إلّا قليل من علماء العربيّة، أقدمهم أبو العبّاس ثعلب، وتبعه عليه تلميذه أبو الحسين بن فارس (١).
وعلى القول بثبوته، فلا يظنّ كثرة وقوعه في كلام العرب.
أمّا في القرآن، فطائفة على وجوده، وطائفة على عدمه، والقول بعدمه هو الصّحيح، إذ من قال بوجوده فيه لم يذكر له مثالا صالحا، إنّما ذكر مثل قوله تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً [المائدة: ٤٨]، ولا تُبْقِي وَلا تَذَرُ ٢٨ [المدّثّر: ٢٨]، وأَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا [الأحزاب: ٦٧]، وبَثِّي وَحُزْنِي [يوسف: ٨٦].
وهذا ليس مترادفا، وليس اللّفظان في هذه المواضع بمعنى واحد، والأصل أنّ العطف يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه.
نعم، يوجد في القرآن استعمال الألفاظ المتقاربة المعاني، مثل:
(الخوف) و (الخشية)، و (الخشوع) و (الخضوع)، لا على سبيل التّرادف، وإنّما بمجيء اللّفظ مستقلّا عن الآخر.
стр. 395
وهذه الألفاظ وشبهها لو توالت فليست مترادفة على التّحقيق، وذلك لما بينها من دقيق الفارق في المعنى.
ولإمام اللّغة أبي هلال العسكريّ في هذا النّوع من المفردات كتاب «الفروق»، يثبت وجود الفرق بين هذه الألفاظ وإن تقاربت في المعنى.
فجدير بالمتدبّر للقرآن أن يبعد عن اعتباره فكرة وجود المترادف فيه.
٣ - الحقيقة والمجاز:
الحقيقة: هي اللّفظ المستعمل فيما وضع له في اصطلاح التّخاطب.
وهو ما يتبادر إلى الذّهن معناه من مجرّد لفظه دون التّوقّف على قرينة.
فإن كان ذلك الوضع لغويّا فهي (الحقيقة اللّغويّة)، مثل لفظ (أسد)، فإنّه لفظ مستعمل في لغة العرب اسما للحيوان المعروف.
وإن كان الوضع شرعيّا، فهي (الحقيقة الشّرعيّة)، مثل لفظ (الإيمان) و (الكفر)، و (المؤمن) و (الكافر)، و (الصّلاة) و (الزّكاة) و (الصّوم)، فهذه ألفاظ استعملت في خطاب الشّارع للدّلالة على معاني مخصوصة.
وإن كان الوضع بحسب ما اصطلح عليه النّاس من معنى اللّفظ، فهي (الحقيقة العرفيّة)، كإطلاق النّاس اليوم لفظ (طيّارة) على وسيلة النّقل الجوّيّة المعروفة.
والحقيقة بأنواعها الثّلاثة معتبرة لفهم القرآن.
стр. 396
وترتيب الحقائق: الشّرعيّة، فالعرفيّة، فاللّغويّة.
فتفسير لفظ (الصّلاة) في الكتاب والسّنّة، لا يصار إليه بدلالة اللّغة، إنّما يطلب معناه في مراد الله ورسوله ﷺ .
قال ابن تيميّة: «القرآن والحديث إذا عرف تفسيره من جهة النّبيّ ﷺ ، لم يحتج في ذلك إلى الاستدلال بأقوال أهل اللّغة ولا غيرهم» (١).
فإن قام دليل على عدم إرادة الحقيقة الشّرعيّة فيه، حملنا اللّفظ على ما قام عليه الدّليل من معناه، كقوله تعالى: وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ [التّوبة: ١٠٤]، فالصّلاة هنا الدّعاء لهم، وهذا تفسير باللّغة.
فإن فقدت تفسير اللّفظ في بيان الله ورسوله ﷺ ، فإن كان ممّا
تعلّقت به التّكاليف العمليّة، فاطلبه في عرف النّاس واستعمالهم، مثل لفظ (السّفر) و (عشرة الزّوجة)، فمثل هذا لا تسعف اللّغة في توضيح معناه.
أمّا سائر الألفاظ فالمعتبر فيها الحقيقة اللّغويّة.
المجاز:
المجاز مقابل للحقيقة، وهو: استعمال اللّفظ في غير ما وضع له، لعلاقة بينهما، مع قرينة تمنع من إرادة الحقيقة.
والعلاقات الّتي تكون بين المعنى المجازيّ والحقيقيّ للّفظ كثيرة، مفصّلة في (كتب البلاغة)، مثل التّعبير عن الكلّ بالجزء، كالتّعبير بالسّجود
стр. 397
عن الصّلاة، والتّعبير بلفظ المحلّ عن الحالّ فيه، كما في قوله تعالى:
وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها [يوسف: ٨٢]، والمراد من حلّ فيها، وهم أهلها، وإسناد الفعل إلى الزّمان أو المكان، كقوله تعالى: بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ [سبأ: ٣٣]، ولا مكر للزّمن، إنّما أسند إليه لأنّ المكر يكون فيه.
ومن المجاز الاستعارة كذلك.
وقد اختلف النّاس في صحّة القول بإثبات المجاز في القرآن، فجمهور أهل العلم على إثباته، وطائفة منعته (١).
والنّزاع بينهم أشبه أن يكون لفظيّا، وكأنّ حقيقة قول المانعين ترجع إلى ما تذرّع به أهل البدع باستعمال المجاز في تأويل صفات الباري تعالى، والتّحقيق أنّ فساد قول أهل البدع لا يكون بإبطال القول بالمجاز؛ لأنّ حمل صفات الله أو شيء منها على المجاز لا يخلو من تفسير الغيب بالشّهادة، وهو ممنوع.
стр. 398
فالمجاز أسلوب من أساليب العربيّة، نعم هو مبتكر في تسميته كسائر مصطلحات فنون العربيّة، ولكنّه جزء من هذه اللّغة.
وظهور الكلام فيه قديم، حتّى نسب أبو الخطّاب وابن عقيل القول به إلى الإمام أحمد بن حنبل (١).
والأصل أن لا يصار إليه إلّا عند تعذّر حمل اللّفظ على حقيقته.
ومن علامة المجاز: أنّه لا يؤكّد بالمصدر ولا بالتّكرار، تقول:
(أراد الحائط أن يسقط)، فإرادته مجاز، بدليل أنّه لا يصحّ أن يقال:
(أراد الحائط أن يسقط إرادة شديدة)، وتقول: (قالت الشّجرة فمالت)، ولا تقول: (قالت الشّجرة فمالت قولا شديدا).
فالتّكليم في قوله تعالى: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً [النّساء: ١٦٤] حقيقة؛ لأنّه أكّده بالمصدر، وفي قوله: إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ٤٠ [النّحل: ٤٠]، أكّد القول بالتّكرار، كما أكّد المعنى بإنّما، فانتفى المجاز (٢).
كذلك فإنّ المجاز إنّما يظهر معناه بردّه إلى أصله، بخلاف الحقيقة، فمعناها ظاهر في لفظها (٣).
стр. 399
٤ - الكناية:
الكناية واردة في ألفاظ القرآن، على معنى: ترك التّصريح باللّفظ المباشر لعلّة، الأشبه أن تكون تنزيها للقرآن عن الألفاظ المبتذلة، فيأتي بما يحقّق المقصود بأرفع الألفاظ.
وذلك مثل الكناية عن الجماع بالرّفث والمباشرة والمسّ واللّمس، كما قال تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ حتّى قال:
فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ [البقرة: ١٨٧]، وقال: لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ [البقرة: ٢٣٦]، وقال: أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ* [المائدة: ٦].
عن ابن عبّاس، ﵄، قال: «الدّخول، والتّغشّي، والإفضاء، والمباشرة، والرّفث، واللّمس، هذا الجماع، غير أنّ الله حييّ كريم، يكني بما شاء عمّا شاء» (١).
٥ - دلالة المشترك اللّفظيّ:
المشترك: هو اللّفظ المستعمل في معنيين أو أكثر بأوضاع متعدّدة.
كلفظ (القرء) في قوله تعالى: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة: ٢٢٨]، مشترك بين الطّهر والحيض، ولفظ (الملامسة) في
قوله: أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ* [المائدة: ٦]، مشترك بين الجماع واللّمس باليد.
стр. 400
ومن النّاس من جعل هذا من قبيل المتشابه، وهذا ضعيف، إنّما المتشابه ما استأثر الله بعلمه.
ولا يختلف العلماء في أنّ (المشترك) من قبيل (المجمل) يحتاج تعيين المراد به إلى دليل، وذلك إذا كان المعنيان أو المعاني متضادّة لا يمكن اجتماعها، أمّا إذا أمكن حمله على جميع معانيه فاختلفوا فيه على قولين:
أوّلهما: قول الحنفيّة والحنابلة وبعض الشّافعيّة: أنّه (مجمل)، ولا يصحّ حمله على جميع معانيه؛ وهو أصحّ القولين.
والثّاني: قول المالكيّة والشّافعيّ وجمهور أصحابه: يعمّ جميع معانيه.
٦ - فهم المراد باللّفظ من خلال السّياق .
وهذا مطلوب في جميع القرآن، فإنّ المفردة فيه لا يحسن أن تفسّر مستقلّة عن سياقها.
قال العزّ بن عبد السّلام: «السّياق مرشد إلى تبيين المجملات، وترجيح المحتملات، وتقرير الواضحات، وكلّ ذلك بعرف الاستعمال، فكلّ صفة وقعت في سياق المدح كانت مدحا، وكلّ صفة وقعت في سياق الذّمّ كانت ذمّا، فما كان مدحا بالوضع فوقع في سياق الذّمّ صار ذمّا واستهزاء وتهكّما بعرف الاستعمال» (١).
فلو أردت أن تفهم قوله تعالى في وصف قوم شعيب له: إِنَّكَ لَأَنْتَ
стр. 401
الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ [هود: ٨٧] مجرّدة عن اعتبار عداوتهم له ورفضهم لدعوته، لكانت ثناء منهم عليه، وليست كذلك، إنّما أرادوا التّهكّم به والسّخرية منه.
٧ - ملاحظة تأثير القواعد النّحويّة:
الإعراب مفتاح لكثير من معاني القرآن، ومعرفة الإعراب توجب معرفة الأساسيّات في علم النّحو، ولا يحلّ الإقدام على تفسير القرآن ممّن لا يميّز مواقع الكلمات في الجمل.
وهذا يوجب تمييز العمدة في الجملة من الفضلة من التّابع، والحدث وأزمنته، والمعارف من النّكرات، ومعرفة الضّمائر، وأسماء الإشارة، والأسماء الموصولة، وأدوات الشّرط، والاستفهام، والتّوكيد، والاستثناء، وحروف العطف، والجرّ، والقسم.
كما يلاحظ فيه ما يأتي على القاعدة، وما يخرج عنها، كالذّكر، والتّقدير، والتّقديم، والتّأخير، والزّيادة، والحذف، ومجيء الاسم لفظا صريحا، أو مؤوّلا، وما يأتي مفردا ويأتي جملة كالخبر والحال.
ومن القواعد النّحويّة المهمّة في التّفسير:
[١] أن تبحث عمّا يعود عليه ضمير الغائب، وتراعي أنّ الأصل عود الضّمير إلى أقرب مذكور.
[٢] أن تبحث عن جواب ما يحتاج إلى الجواب، كالشّرط، والقسم،
стр. 402
والاستفهام.
[٣] أن تبحث عمّا يتعلّق به الجارّ والمجرور.
[٤] أن تلاحظ صلة الموصول وعائده.
[٥] أن تحدّد صاحب الحال، وهو الموصوف حاله.
٨ - تأثير التّغيير الصّرفيّ في المعنى .
وذلك من جهة الأصالة والزّيادة والحذف، وغير ذلك.
كالفرق بين لفظي (الضّلال) و (الإضلال) بسبب الزّيادة الصّرفيّة، والفرق بين اسطعوا واسْتَطاعُوا* [الكهف: ٩٧] في الحذف، وفائدة التّكرير في قوله تعالى: فَكُبْكِبُوا فِيها [الشّعراء: ٩٤].
والتّغيير الطّارئ على أبنية الأفعال يكسبها كثيرا من دقيق المعاني، والقرآن مقصود أن يراعى فيه جميع ذلك، فدلالة (فعل) غير (فعّل) وكلاهما غير (أفعل)، وهكذا.
٩ - علوم المعاني البلاغيّة في القرآن:
اشتمل القرآن من أنواع (علم المعاني) على أحسنها، ففيه:
استعمالات الألفاظ في حقائقها، وفي مجازاتها بقرائنها الدّالّة على ذلك، وهذا باب واسع، وهو عظيم الفائدة، ضروريّ لمتدبّر القرآن، محلّه كتب البلاغة، وجوامع التّفسير، وبعض المصنّفات الخاصّة فيه، كبعض ما كتب سلطان
стр. 403
العلماء عزّ الدّين بن عبد السّلام، لكن لا بدّ من تنبيه على المراد على سبيل الإيجاز بالإشارة، فمن ذلك:
[١] مجيء الخبر والإنشاء يراد بكلّ منهما أصل ما يساق له، كما يقوم أحدهما مقام الآخر مجازا بقرينة، وأمثلته كثيرة.
[٢] مجيء صيغ الأمر والنّهي والاستفهام والتّمنّي والنّداء يراد بها حقائقها، كما تخرج للدّلالة على معان مجازيّة بالقرائن، والقرآن مليء بهذا.
[٣] التّعبير بلفظ الماضي عمّا لم يكن بعد تأكيدا لوقوعه، كقوله تعالى: أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ [النّحل: ١].
ولاحظ أنّ (كان) خاصّة قد تدلّ على الماضي والحال والاستقبال، واستعمالها في القرآن بهذا المعنى كثير، كقوله تعالى:
وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً [النّساء: ١٤٨].
كذلك يأتي اللّفظ المضارع معناه الماضي لفائدة، كقوله تعالى:
فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ [البقرة: ٩١]، والمعنى: لم قتلتم.
[٤] دلالة التّنكير أو التّعريف وفائدة كلّ في محلّه.
دخل أبو الفرج غلام ابن شنبوذ على عضد الدّولة زائرا، فقال له: يا أبا الفرج، إنّ الله يقول: يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ [النّحل: ٦٩]، ونرى العسل يأكله المحرور فيتأذّى به، والله الصّادق في قوله؟ قال: أصلح الله الملك، إنّ الله لم يقل: فيه الشّفاء للنّاس،
стр. 404
بالألف واللّام الّذين يدخلان لاستيفاء الجنس، وإنّما ذكره منكّرا، فمعناه: فيه شفاء لبعض النّاس دون بعض (١).
[٥] معرفة المقيّدات اللّفظيّة، كالتّقييد بالنّعوت كقوله تعالى:
وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ [النّساء: ٩٢]، وبالعطف كقوله تعالى: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ [المائدة: ٩٧]، وهذا عطف بيان، وهكذا.
[٦] دلالة القصر، كما في قوله: لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ* [الصّافّات: ٣٥]،
فقصرت الألوهيّة على الله، وقوله: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [فاطر: ٢٨]، قصرت الخشية على العلماء، وهكذا.
[٧] تمييز الوصل والفصل بين الجمل.
فالوصل: الرّبط بين الجملتين بحرف العطف الواو، كما في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ١١٩ [التّوبة: ١١٩].
والفصل: قطع الارتباط بين الجملتين، ويكون لأسباب، منها:
أن يكون الاتّصال تامّا بين الجملتين، كقوله تعالى: وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ ١٣٣ [الشّعراء: ١٣٢ - ١٣٣]، فالجملة الثّانية بدل من الأولى، ولو وصلتا بالعطف لزم أن تكون إحداهما غير الأخرى.
стр. 405
ومنها: أن يكون بين الجملتين ارتباط، لكن منع من الوصل مانع، مثل قوله تعالى: وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [البقرة: ١٤ - ١٥]، فلو وصلت جملة اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ لكانت معطوفة على قول المنافقين: إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ.
[٨] ملاحظة الاستئناف:
وهو الكلام المنقطع عمّا قبله في السّياق، كقوله تعالى: وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطاناً مَرِيداً لَعَنَهُ اللَّهُ [النّساء: ١١٧ - ١١٨].
وقد تدخل عليه الواو، كقوله تعالى: لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ، فجملة وَنُقِرُّ مستأنفة، والواو للاستئناف.
وقد تدخل كذلك الفاء، ويقال فيها ما يقال في الواو، كقوله تعالى: فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ* [البقرة: ١١٧]، فجملة فَيَكُونُ* استئنافيّة.
[٩] رعاية مواقع الإيجاز ومواقع الإطناب:
عن الرّبيع بن سليمان، قال: قال رجل للشّافعيّ: يا أبا عبد الله، ما البلاغة؟ قال: «البلاغة أن تبلغ إلى دقيق المعاني بجليل القول» قال:
فما الإطناب؟ قال: «البسط ليسير المعاني في فنون الخطاب»، قال:
فأيّما أحسن عندك: الإيجاز أم الإسهاب؟ قال: «لكلّ من المعنيين منزلة، فمنزلة الإيجاز عند التّفهّم في منزلة الإسهاب عند الموعظة، ألا ترى أنّ الله تعالى إذا احتجّ في كلامه كيف يوجز، وإذا وعظ كيف يطنب، في مثل قوله محتجّا: لَوْ
стр. 406
كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [الأنبياء: ٢٢]، وإذا جاءت الموعظة جاء بأخبار الأوّلين، وضرب الأمثال بالسّلف الماضين» (١).
[١٠] ملاحظة أسلوب الالتفات.
وهو العدول في الكلام من حال إلى حال، كالعدول من حال التّكلّم إلى الخطاب، مثل قوله تعالى: وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ [الأنعام: ٧١ - ٧٢]، أو من الخطاب إلى الغيبة، كقوله تعالى: حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ [يونس: ٢٢].
[١١] ملاحظة وقوع الحذف في الكلام.
مثل حذف الجواب اختصارا في قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى [الرّعد: ٣١] أي:
لكان هذا القرآن.
ومنه حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مكانه، كقوله تعالى:
الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ [البقرة: ١٩٧]، أي: وقت الحجّ.
وحذف الموصوف وإقامة الصّفة مكانه، كقوله تعالى: وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً [الإسراء: ٥٩] أي: آية مبصرة (٢).
وهذا باب كبير.
стр. 407
قال العزّ بن عبد السّلام: «القاعدة أن يحمل القرآن على أصحّ المعاني، وأفصح الأقوال، فلا يحمل على معنى ضعيف، ولا على لفظ ركيك، وكذلك لا يقدّر فيه من المحذوفات إلّا أحسنها وأشدّها موافقة وملاءمة للسّياق» (١).
[١٢] ورود الزّيادة.
كما في زيادة (لا) في سياق النّفي في قوله: ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ [الأعراف: ١٢] أي: أن تسجد.
وزيادة (ما) في قوله: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ* [النّساء: ١٥٥]، فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ [آل عمران: ١٥٩].
وفائدة الزّيادة: التّوكيد، وهو من أساليب العرب معروف في كلامها.
وذهب بعض أهل العلم إلى منع القول: (في القرآن حروف زائدة) (٢)، وأكثرهم على صحّة ذلك، والوصف لها بالزّيادة ليس على معنى خلوّها من الفائدة، فالزّيادة في المبنى زيادة في المعنى، وإنّما هي تسمية اصطلاحيّة.
[١٣] ملاحظة التّقديم والتّأخير.
كقوله تعالى: أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً قَيِّماً [الكهف: ١ - ٢] أي: أنزل على عبده الكتاب قيّما ولم يجعل له عوجا.
стр. 408
وقوله : وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى ١٢٩ [طه: ١٢٩]، أي: ولولا كلمة سبقت من ربّك وأجل مسمّى لكان لزاما.
[١٤] دلالة القسم في القرآن.
أنماط القسم في القرآن لها من الدّلالة ما خرجت به عن القسم الواقع من الخلق؛ لذا فإنّ معرفة معانيها ووجوهها جزء مهمّ في تفسير القرآن.
وللعلّامة ابن القيّم فيها كتاب مفرد، اسمه: «التّبيان في أقسام القرآن».
[١٥] التّوكيد والتّكرار.
التّوكيد: عبارة عن تقويه مدلول اللّفظ المذكور أوّلا بلفظ مذكور ثانيا مستقلّ بالإفادة (١).
ويكون بتكرار اللّفظ أو معناه، كما يكون بأدوات مخصوصة، ومحلّ بسطه كتب النّحو.
والمقصود هنا أن يلاحظ: أنّ التّوكيد من أساليب الكلام، وفائدته: تمكين المعنى في نفس المخاطب، وهذا لا ينبغي أن يكون محلّ نزاع.
أمّا التّكرار، فإنّه يفيد التّوكيد، لكنّه غير مقصور عليه، فقد يأتي التّكرار لغير التّوكيد؛ لذا فعلى متدبّر القرآن أن يطلب ما وراء ذلك الأسلوب من دقيق المعاني.
стр. 409
فلو قلت في قوله تعالى: أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٤) ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى ٣٥ [القيامة: ٣٤ - ٣٥]: هذا التّكرار لمجرّد التّوكيد، فقد حجبت نفسك عمّا هو أولى بالاعتبار في معنى الآية.
وقال الإمام العزّ: «اتّفق الأدباء على أنّ التأكيد في لسان العرب إذا وقع بالتّكرار، لا يزيد على ثلاث مرّات، قال: وأمّا قوله تعالى في سورة المرسلات: فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ١٥ في جميع السّورة، فذلك ليس تأكيدا، بل كلّ آية قيل فيها: فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ١٥ في هذه السّورة، فالمراد: المكذّبون بما تقدّم ذكره قبيل هذا القول، ثمّ يذكر الله تعالى معنى آخر ويقول: فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ١٥ أي: بهذا، فلا يجتمعان على معنى واحد، فلا تأكيد، وكذلك: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ١٣* في سورة الرّحمن» (١).
ومن هذا القبيل تكرار القصّة في القرآن، فلها في كلّ موضع من
الدّلالة ما يختلف عن الموضع الآخر، وأدنى ما يفيده تكرارها تمكين العبرة بتلك القصّة من نفس المخاطب.
ولا تجد في القرآن إعادة مجرّدة للقصّة، وعلامة ذلك أنّك لا ترى قصّة يتّفق سياقها في الموضعين، فضلا عن الاتّفاق في الدّلالة والمقصود.
[١٦] ذكر الشّيء على العموم، ثمّ تخصيص الأفضل منه، كقوله تعالى: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى [البقرة: ٢٣٨].
стр. 410
[١٧] ملاحظة الدّلالات اللّغويّة لحروف المعاني بحسب استعمالها.
والمراد بها: الحروف الّتي تدلّ على معنى في غيرها، كحروف الجرّ والتّوكيد والقسم، وغيرها.
وفيه مؤلّفات مفيدة محقّقة للغرض، منها: «مغني اللّبيب» للإمام جمال الدّين ابن هشام، و «الجنى الدّاني في حروف المعاني» للحسن بن قاسم المراديّ، و «رصف المباني في شرح حروف المعاني» لأحمد بن عبد النّور المالقيّ، ومطوّلات الكتب المؤلّفة في علوم القرآن تناولت ذلك أيضا.
وهاهنا مسألة جديرة بالتّنبيه، وهي تناوب حروف المعاني، خصوصا حروف الجرّ، وذلك بمجيء الحرف بمعنى الآخر، كما قيل في قوله تعالى: وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ [طه: ٧١]، أي: على جذوع النّخل.
فهذا ممّا اختلف فيه أئمّة العربيّة من البصريّين مع أكثر الكوفيّين ومن تبعهم من المتأخّرين، فمذهب البصريّين: أنّ حروف المعاني لا
ينوب بعضها عن بعض، ولكلّ حرف معناه، ويتأوّلون الفعل الّذي تعلّق به الحرف على تضمينه معنى فعل يتعدّى بذلك الحرف، والآخرون قالوا بصحّة ذلك.
مثاله قوله تعالى: وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا [الأنبياء: ٧٧]، فعند البصريّين: ونجّيناه من القوم، وعند الكوفيّين:
ونصرناه على القوم.
стр. 411
وتأوّل البصريّون الآية الأولى على: أنّه شبّه المصلوب لتمكّنه من الجذع بالحالّ في الشّيء (١).
وفي الجملة، فهذه مسألة حريّة بأن يلاحظ المتدبّر فيها الخلاف، ومذهب البصريّين أعمق في المعاني، ومذهب الكوفيّين أسهل.
١٠ - اشتمال القرآن على المحسّنات البديعيّة:
علم البديع هو الجمال اللّغويّ، اشتمل القرآن على أكمله وأحسنه، ففيه: المحسّنات المعنويّة، واللّفظيّة.
فمن ذلك: التّورية في قوله تعالى: وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ ٦ [الرّحمن: ٦]، فالمعنى القريب للنّجم هو الّذي في السّماء، وإنّما المراد ما لا ساق له من النّبات.
والافتنان، وهو الجمع بين فنّين مختلفين، كما في قوله تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ (٢٦) وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ ٢٧ [الرّحمن: ٢٦ - ٢٧]، فعزّى خلقه بالفناء، ومدح نفسه بالبقاء.
والطّباق، وهو الجمع بين المتقابلين في المعنى، كقوله تعالى:
وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى (٤٣) وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا ٤٤ [النّجم: ٤٣ - ٤٤].
ومن المحسّنات اللّفظيّة: الجناس، وأنواعه عديدة، وفي القرآن منها
стр. 412
أشياء، كقوله تعالى: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ [الرّوم: ٥٥].
وهكذا في أنواع كثيرة للبديع، اعتنى ببيانها بعض المفسّرين، ويحسن بالمتدبّر مراعاتها وإن كانت ليست من لوازم التّفسير.
المبحث الثالث: قواعد أخرى
١ - ما يروى عن السّلف في تفسير الآية الواحدة من تفسيرات مختلفة للكلمة الواحدة أو الجملة المعيّنة، فإنّ أكثرها يعود إلى اختلاف التّنوّع، لا تضادّ بينها ولا تخالف، وهناك معنى كلّيّ تجتمع فيه كلّ تلك التّفسيرات.
مثل اختلاف ألفاظ المفسّرين في تفسير كلمة (طوبى) في قوله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ [الرّعد: ٢٩]، فقيل:
فعلى من الطّيب، والمعنى: العيش الطّيّب لهم، وقيل: نعمى، أو نعم ما لهم، وقيل: حسنى، وقيل: غبطة، وقيل: فرح وقرّة عين، وقيل:
خير، ومنه قول الرّجل: طوبى لك، أي: أصبت خيرا، وقيل: الجنّة، وقيل: شجرة في الجنّة، فهذه التّفسيرات وإن اختلفت إلّا أنّها تشترك جميعا في معنى واحد، هو الثّواب الحسن، وإن كان الأخير منها يحتاج إلى الخبر، والحديث فيه ضعيف.
ومثل هذا ما ثبت عن النّبيّ ﷺ في تفسير قوله تعالى: إِنَّا أَعْطَيْناكَ
стр. 413
الْكَوْثَرَ ١ قال: «بينما أنا أسير في الجنّة، إذا أنا بنهر حافتاه قباب الدّرّ المجوّف، قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الّذي أعطاك ربّك» (١).
مع ما صحّ عن ابن عبّاس من قوله: «الكوثر: الخير الكثير الّذي أعطاه الله إيّاه» (٢).
فليس بين الحديث والأثر تضادّ، فإنّ نهر الكوثر في الجنّة هو الخير الكثير الّذي أعطاه الله لنبيّه ﷺ .
وكذلك قيل لسعيد بن جبير حين حدّث بما تقدّم عن ابن عبّاس:
فإنّ النّاس يزعمون أنّه نهر في الجنّة؟ فقال سعيد: النّهر الّذي في الجنّة من الخير الّذي أعطاه الله إيّاه (٣).
واختلاف الألفاظ في التّعبير عن الشّيء الواحد مدرك معلوم (٤)، وقد يعبّر عن الشّيء بما يقرّب معناه وإن لم يكن يساويه من كلّ وجه (٥).
стр. 414
ولا يكاد يوجد تعارض حقيقيّ بين أقاويل السّلف في التّفسير، فإن وجد وصحّ إسناده عن قائله، ولم يوجد مرجّح من النّصوص، فالتّرجيح لمن رسخ قدمه في التّفسير، أو من له مزيد دراية في موضوع اللّفظ المختلف فيه (١).
والأصل أنّ كلّ تفسير يحتمله اللّفظ من جهة اللّغة، ولا معارض له يساويه أو يرجح عليه، فهو مقبول.
٢ - جميع نصوص القرآن متكافئة في درجة الاعتبار بها، إلّا ما ثبت نسخه.
وهذا يعني أنّه لا يصحّ اللّجوء إلى التّرجيح بين نصّين، إنّما الواجب الاجتهاد في التّوفيق بينهما، وذلك باتّباع الأصول المعتبرة في علم أصول الفقه، كتخصيص العامّ، وتقييد المطلق.
ولا يحلّ الفزع لادّعاء النّسخ عند مظنّة التّعارض، إلّا أن توجد شروط النّسخ، على ما سبق في (المقدّمة الرّابعة).
٣ - مراعاة دلالات: العموم والخصوص، والإطلاق والتّقييد، والأمر والنّهي، والمنطوق والمفهوم.
وملاحظة من توجّه له الخطاب، إن كان خاصّا أو عامّا، أو خاصّا أريد به العامّ، أو عامّا أريد به الخاصّ، وهكذا.
стр. 415
ومحلّ بسط ذلك كتب أصول الفقه.
٤ - إذا وجدت النّصّ يخبر عمّا هو معلوم عادة أو حسّا أو عقلا،
فليس المراد منه مجرّد الإعلام بذلك، إنّما يشتمل على غرض آخر، فتأمّله (١).
وذلك كقوله تعالى: وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ ٢٢ [التّكوير: ٢٢]، في ردّ دعوى المبطلين، إذ شأنه معلوم في نفي الجنون عنه، وكقوله:
إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ٣٠ [الزّمر: ٣٠] للوعظ والتّذكير، وإلّا فالموت حقيقة مسلّمة، وكقوله تعالى لنبيّه ﷺ : وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ [القصص: ٤٤]، وذلك تمنّن على نبيّه ﷺ وأمّته، وإظهار لصدقه.
٥ - ملاحظة الوحدة الموضوعيّة للسّورة، بالنّظر إلى ترابط أجزائها لتكوّن موضوعا واحدا.
ومن هذا ما يعبّر عنه بعض العلماء ب «المناسبة» أو «التّناسب».
ومراعاته فيما بين آيات السّورة يعني فهم الآية من خلال سياقها، وحيث إنّ ترتيب الآيات في السّورة توقيفيّ، فعلاقة الآية بالآية معتبرة، ومن خلال ذلك التّرابط يفهم موضوع السّورة.
لكن هل يطّرد هذا التّرابط بين آيات السّورة في جميع القرآن؟
стр. 416
من المفسّرين من بالغ في استعمال هذه القاعدة، والحقّ فيها وسط.
قال العزّ بن عبد السّلام: «من محاسن الكلام أن يرتبط بعضه
ببعض، ويتشبّث بعضه ببعض؛ لئلّا يكون مقطّعا مبتّرا، وهذا بشرط أن يقع الكلام في أمر متّحد، فيرتبط أوّله بآخره، فإن وقع على أسباب مختلفة لم يشترط فيه ارتباط أحد الكلامين بالآخر، ومن ربط ذلك فهو متكلّف لما لم يقدر عليه إلّا بربط ركيك يصان عن مثله حسن الحديث، فضلا عن أحسنه، فإنّ القرآن نزل على الرّسول ﵇ في نيّف وعشرين سنة، في أحكام مختلفة، شرعت لأسباب مختلفة غير مؤتلفة، وما كان كذلك لا يتأتّى ربط بعضه ببعض، إذ ليس يحسن أن يرتبط تصرّف الإله في خلقه وأحكامه بعضه ببعض، مع اختلاف العلل والأسباب» وذكر لذلك أمثلة (١).
وبالغ الشّوكانيّ (٢) في إنكار سلوك هذه الطّريقة، واستدلّ بما لا يخرج في معناه عمّا ذكره العزّ.
وذكرت في جوامع التّفسير كتاب البقاعيّ في ذلك (٣)، وقد زاد فيه أيضا التّناسب بين السّور، كما أفرده السّيوطيّ كذلك بكتاب (٤)، ومراعاة السّور
стр. 417
مسلك فيه تكلّف ظاهر، خاصّة أنّ راجح القولين لأهل العلم أنّ ترتيب السّور في المصحف دخله الاجتهاد.
٦ - ملاحظة دلالات خواتيم الآي، والرّبط بينها وبين ما قبلها، كتأمّل وجه الرّبط مثلا بين قوله تعالى: إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ بعد أن
قال: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ* [الأعراف: ٢٠٠]، ومجيء قوله تعالى: وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ* في خاتمة قوله: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ [المائدة: ٣٨].
٧ - رعاية أحكام الوقف والابتداء.
وهذا سبيله التدبّر، وهو سبب عظيم المنفعة لفهم القرآن، والأصل أنّه اجتهاديّ، ولذا حين أثبتت علاماته في المصاحف اختلفت، وفيه مؤلّفات مفيدة، وتأتي له تتمّة في (المقدّمة السّادسة).
٨ - مراعاة بيئة النّصّ الزّمانيّة والمكانيّة، وذلك بتصوّر عهد نزول القرآن وواقع النّاس يومئذ، والمكان الّذي كان ينزل فيه القرآن.
والطّريق إليه: معرفة أسباب النّزول، والوقائع الّتي استعمل فيها نصّ القرآن، والدّراية بسيرة النّبيّ ﷺ .
حدّث طاوس اليمانيّ عن ابن عبّاس، أنّه سئل عن قوله: إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى [الشّورى: ٢٣]؟ فقال سعيد بن جبير: قربى آل محمّد ﷺ ، فقال ابن عبّاس:
عجلت، إنّ النّبيّ ﷺ لم يكن بطن من قريش إلّا كان له فيهم
стр. 418
قرابة، فقال: إلّا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة (١).
ومن ذلك ملاحظة مراحل التّنزيل، فقد تقدّم ذكر التدرّج فيه وما فيه من الحكم.
٩ - ربط القرآن ودلالات النّصوص ممّا لا يتّصل بالجانب
التّوقيفيّ المحض، بما يظهر اليوم من الاكتشافات العلميّة المبيّنة لكثير من وجوه الإعجاز في القرآن.
هذه المباحث الثّلاثة تضمّنت كلّيّات جوامع، لم أجد بدّا من الإيجاز فيها والاختصار؛ لأنّ الدّخول في تفاصيلها يخرج عن التّقعيد، ويطول به الكتاب، والإشارة بما ذكر إلى ما لم يذكر تغني اللّبيب.
...
стр. 419
المقدمة السادسة أحكام قراءة القرآن
الفصل الأول: تجويد تلاوة القرآن الفصل الثاني: أخذ القرآن والاعتناء به الفصل الثالث: أدب تلاوة القرآن
стр. 420
الفصل الأول: تجويد تلاوة القرآن
المبحث الأول: معنى التجويد وأصل استمداده
التّجويد «مصدر من (جوّد تجويدا)، والاسم منه (الجودة) ضدّ الرّداءة، يقال: (جوّد فلان في كذا) إذا فعل ذلك جيّدا، فهو عندهم عبارة عن الإتيان بالقراءة مجوّدة الألفاظ، بريئة من الرّداءة في النّطق، ومعناه: انتهاء الغاية في التّصحيح، وبلوغ النّهاية في التّحسين» (١).
وهو «حلية التّلاوة، وزينة القراءة، وهو إعطاء الحروف حقوقها، وترتيبها مراتبها، وردّ الحرف إلى مخرجه وأصله، وإلحاقه بنظيره وتصحيح لفظه، وتلطيف النّطق به على حال صيغته وكمال هيئته، من غير إسراف ولا تعسّف، ولا إفراط ولا تكلّف» (٢).
و (علم التّجويد) خصّ بالعناية من قبل أهل الإسلام؛ حرصا منهم على إتقان تلاوة القرآن على الصّفة الّتي أنزل عليها.
وهو في التّحقيق من قراءة القرآن بالإعراب، إذ الأصل في الإعراب الإبانة والإفصاح، وذلك لا يتحقّق إلّا بالسّلامة من اللّحن بجميع صوره،
стр. 421
وهو الخطأ في ضبط الحروف، أو الخطأ في ضبط الكلمة، أو الخطأ في ضبط الكلام.
فهذه ثلاثة أنواع.
فأمّا الخطأ في ضبط الحروف، فلأجله وضعوا (علم التّجويد).
وأمّا الخطأ في ضبط الكلمة، فهو إمّا خطأ في ضبط بنيتها، وله وضعوا (علم الصّرف)، أو خطأ في ضبط موقعها في السّياق، وله وضعوا (علم النّحو).
وأمّا الخطأ في ضبط الكلام، فلأجله وضعوا للقرآن (علم الوقف والابتداء).
والقرآن العظيم يجب أن ينفى عنه كلّ صور اللّحن، فإنّ اللّحن ميل وعوج وخروج عن الصّواب، والله تعالى يقول: قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ [الزّمر: ٢٨]، وقال: لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ [فصّلت: ٤٢]، فمن قرأه باللّحن فقد خرج به عن جادّته، ونسب إليه الخلل.
إذا فهذه العلوم جميعها مرادة لضبط تلاوة القرآن، وليس فيها شيء محدث، بل هي مستمدّة من السّماع، فما اختصّ منها بالقرآن فمرجعه إلى نقل القرّاء الّذين تتّصل قراءتهم برسول الله ﷺ ، وإلى
أصحاب التّدبّر والفهم عن الله ورسوله ﷺ من أهل العلم، ك (علم الوقف والابتداء)،
стр. 422
وما كان للقرآن وغيره من الكلام فمرجعه إلى المسموع من لسان العرب، والّذي عليه بني (علم التّجويد، والصّرف، والنّحو).
وهذا يبيّن أنّ (علم التّجويد) من علوم لغة العرب، ومراعاته تحقيق اللّفظ العربيّ على وجهه.
وقد رأينا الأقدمين ممّن وضعوا علوم العربيّة قد ضمّنوا كتبهم موضوعات هذا العلم، فذكروا الكلام في مخارج الحروف، وصفاتها كالجهر والهمس والشّدّة واللّين،
وأحكامها كالإظهار والإخفاء والإدغام، كما ترى ذلك في كتاب سيبويه وغيره.
على أنّه قد انضاف إلى كون (تجويد الحروف) من لسان العرب:
أنّ نقلة القراءة أدّوا القرآن مجوّدا بهذه الأحكام، فدلّ على أنّها كانت صفة القراءة النّبويّة.
فهذان طريقان عرفنا بهما صفة تجويد القرآن:
الأوّل: كون (أحكام التّجويد) من صميم لغة العرب، وقد قال الله تعالى في القرآن: بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ١٩٥ [الشّعراء: ١٩٥]، وقال:
لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ [النّحل: ١٠٣].
والثّاني: نقل أئمّة القراءة الثّقات الّذين وضعت تلك الأحكام على وفق المسموع منهم، وضبطت مصاحف المسلمين على صفة قراءتهم.
стр. 423
المبحث الثاني: حكم القراءة بالتجويد
أمر الله بتدبّر القرآن وفهم معانيه، وحثّ نبيّه ﷺ على الإكثار من تلاوته لتحقيق هذا الغرض، كما سيأتي بيان ذلك في الفصل الثّاني، وهذا الأخذ للقرآن تلاوة أو حفظا أو تدبّرا لا يتهيّأ على الوجه المأمور به لمن قرأ قراءة ملحونة مختلّة، وفاعل هذا خارج بالقرآن عن سننه.
فضبط التّلاوة سبب للتّدبّر وفهم القرآن، كما أنّه سبب للخشوع عند تلاوته وانتفاع القلب به، وكلّ هذا مأمور به مطلوب إمّا وجوبا وإمّا ندبا، فضبط التّلاوة يأخذ حكم ما كان سببا فيه.
وإذا كان اللّحن منفيّا في الأصل عن القرآن، فإضافته إليه من باب تحريف الكلم عن مواضعه.
ولأهل العلم وجوه من الاستدلال لوجوب القراءة بأحكام التّجويد والعربيّة على وفق المنقول عن القرّاء.
ومن أحسن ذلك ما ذكرته في المبحث السّابق، وهو تلقّي القراءة عن النّبيّ ﷺ على الصّفة الّتي أنزل عليها القرآن، وعربيّة القرآن الّتي جاءت بأفصح ما في لسانهم وأبينه.
قال الله : وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ١٩٥ [الشّعراء: ١٩٣ - ١٩٥]، فهذا القرآن مسند إلى الله تعالى بهذه الصّيغة العربيّة
стр. 424
الفصيحة، الّتي لم يدخلها تصرّف النّاقل، بل تلقّاها الأمين جبريل، وعنه الأمين محمّد ﷺ ،
وعنه الأمناء من أصحابه، وهكذا من بعدهم، يتبع اللّاحق منهم السّابق، على الصّفة الّتي أنزله الله عليها، قال الله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ٩ [الحجر: ٩]، فهو محفوظ في نفسه من أن يبدّل منه شيء حتّى في النّطق بحرف منه.
فكيف إذا انضمّ إلى ذلك أنّ القراءة على تلك الصّفة لازمة بعربيّته؛ لكونه بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ١٩٥؟
فقراءة القرآن بغير التّجويد أو بغير النّحو عدول به عن المسموع من رسول الله ﷺ ، وخروج به عن عربيّته، وهذا لا يحلّ.
قال الإمام أبو محمّد البغويّ: «إنّ النّاس كما أنّهم متعبّدون باتّباع أحكام القرآن وحفظ حدوده، فهم متعبّدون بتلاوته وحفظ حروفه، على سنن خطّ المصحف الإمام الّذي اتّفقت عليه الصّحابة، وأن لا يجاوزوا فيما يوافق الخطّ عمّا قرأ به القرّاء المعروفون الّذين خلفوا الصّحابة والتّابعين واتّفقت الأمّة على اختيارهم» (١).
واستدلّ بعض أهل العلم لوجوب القراءة بالتّجويد، بقوله تعالى:
وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا [المزّمل: ٤].
قال أبو جعفر النّحّاس: «والقراءة بالتّرتيل والمكث واجبة بنصّ
стр. 425
القرآن (١)، والتّرتيل: التّبيين»، قال: «فمن التّبيين: تفصيل الحروف، والوقف على ما تمّ معناه منها» (٢).
وثبت عن النّبيّ ﷺ أنّه حثّ أن يقرأ القرآن كما أنزل، كما في الحديث الصّحيح في فضل عبد الله بن مسعود، ﵁، أن النّبيّ ﷺ سمعه يقرأ، فقال: «من أحبّ أن يقرأ القرآن غضّا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أمّ عبد» (٣).
فهذا دليل على أنّ قراءة القرآن على وجهه إنّما هو بقراءته كما أنزل، وهو قد أنزل مرتّلا بلسان عربيّ مبين، وابن مسعود من أئمّة القراءة الّذين على قراءتهم بنيت أحكام التّجويد.
وكان ابن مسعود يقول: «أعربوا القرآن، فإنّه عربيّ» (٤).