← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 11521

المقدمات الأساسية في علوم القرآن

عبد الله الجديع

Полный текст (578 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وهو الخطأ في ضبط الحروف، أو الخطأ في ضبط الكلمة، أو الخطأ في ضبط الكلام. فهذه ثلاثة أنواع. فأمّا الخطأ في ضبط الحروف، فلأجله وضعوا (علم التّجويد). وأمّا الخطأ في ضبط الكلمة، فهو إمّا خطأ في ضبط بنيتها، وله وضعوا (علم الصّرف)، أو خطأ في ضبط موقعها في السّياق، وله وضعوا (علم النّحو). وأمّا الخطأ في ضبط الكلام، فلأجله وضعوا للقرآن (علم الوقف والابتداء). والقرآن العظيم يجب أن ينفى عنه كلّ صور اللّحن، فإنّ اللّحن ميل وعوج وخروج عن الصّواب، والله تعالى يقول: قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ [الزّمر: ٢٨]، وقال: لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ [فصّلت: ٤٢]، فمن قرأه باللّحن فقد خرج به عن جادّته، ونسب إليه الخلل. إذا فهذه العلوم جميعها مرادة لضبط تلاوة القرآن، وليس فيها شيء محدث، بل هي مستمدّة من السّماع، فما اختصّ منها بالقرآن فمرجعه إلى نقل القرّاء الّذين تتّصل قراءتهم برسول الله ﷺ ، وإلى أصحاب التّدبّر والفهم عن الله ورسوله ﷺ من أهل العلم، ك (علم الوقف والابتداء)،

стр. 422

وما كان للقرآن وغيره من الكلام فمرجعه إلى المسموع من لسان العرب، والّذي عليه بني (علم التّجويد، والصّرف، والنّحو). وهذا يبيّن أنّ (علم التّجويد) من علوم لغة العرب، ومراعاته تحقيق اللّفظ العربيّ على وجهه. وقد رأينا الأقدمين ممّن وضعوا علوم العربيّة قد ضمّنوا كتبهم موضوعات هذا العلم، فذكروا الكلام في مخارج الحروف، وصفاتها كالجهر والهمس والشّدّة واللّين، وأحكامها كالإظهار والإخفاء والإدغام، كما ترى ذلك في كتاب سيبويه وغيره. على أنّه قد انضاف إلى كون (تجويد الحروف) من لسان العرب: أنّ نقلة القراءة أدّوا القرآن مجوّدا بهذه الأحكام، فدلّ على أنّها كانت صفة القراءة النّبويّة. فهذان طريقان عرفنا بهما صفة تجويد القرآن: الأوّل: كون (أحكام التّجويد) من صميم لغة العرب، وقد قال الله تعالى في القرآن: بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ١٩٥ [الشّعراء: ١٩٥]، وقال: لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ [النّحل: ١٠٣]. والثّاني: نقل أئمّة القراءة الثّقات الّذين وضعت تلك الأحكام على وفق المسموع منهم، وضبطت مصاحف المسلمين على صفة قراءتهم.

стр. 423

المبحث الثاني: حكم القراءة بالتجويد أمر الله بتدبّر القرآن وفهم معانيه، وحثّ نبيّه ﷺ على الإكثار من تلاوته لتحقيق هذا الغرض، كما سيأتي بيان ذلك في الفصل الثّاني، وهذا الأخذ للقرآن تلاوة أو حفظا أو تدبّرا لا يتهيّأ على الوجه المأمور به لمن قرأ قراءة ملحونة مختلّة، وفاعل هذا خارج بالقرآن عن سننه. فضبط التّلاوة سبب للتّدبّر وفهم القرآن، كما أنّه سبب للخشوع عند تلاوته وانتفاع القلب به، وكلّ هذا مأمور به مطلوب إمّا وجوبا وإمّا ندبا، فضبط التّلاوة يأخذ حكم ما كان سببا فيه. وإذا كان اللّحن منفيّا في الأصل عن القرآن، فإضافته إليه من باب تحريف الكلم عن مواضعه. ولأهل العلم وجوه من الاستدلال لوجوب القراءة بأحكام التّجويد والعربيّة على وفق المنقول عن القرّاء. ومن أحسن ذلك ما ذكرته في المبحث السّابق، وهو تلقّي القراءة عن النّبيّ ﷺ على الصّفة الّتي أنزل عليها القرآن، وعربيّة القرآن الّتي جاءت بأفصح ما في لسانهم وأبينه. قال الله : وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ١٩٥ [الشّعراء: ١٩٣ - ١٩٥]، فهذا القرآن مسند إلى الله تعالى بهذه الصّيغة العربيّة

стр. 424

الفصيحة، الّتي لم يدخلها تصرّف النّاقل، بل تلقّاها الأمين جبريل، وعنه الأمين محمّد ﷺ ، وعنه الأمناء من أصحابه، وهكذا من بعدهم، يتبع اللّاحق منهم السّابق، على الصّفة الّتي أنزله الله عليها، قال الله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ٩ [الحجر: ٩]، فهو محفوظ في نفسه من أن يبدّل منه شيء حتّى في النّطق بحرف منه. فكيف إذا انضمّ إلى ذلك أنّ القراءة على تلك الصّفة لازمة بعربيّته؛ لكونه بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ١٩٥؟ فقراءة القرآن بغير التّجويد أو بغير النّحو عدول به عن المسموع من رسول الله ﷺ ، وخروج به عن عربيّته، وهذا لا يحلّ. قال الإمام أبو محمّد البغويّ: «إنّ النّاس كما أنّهم متعبّدون باتّباع أحكام القرآن وحفظ حدوده، فهم متعبّدون بتلاوته وحفظ حروفه، على سنن خطّ المصحف الإمام الّذي اتّفقت عليه الصّحابة، وأن لا يجاوزوا فيما يوافق الخطّ عمّا قرأ به القرّاء المعروفون الّذين خلفوا الصّحابة والتّابعين واتّفقت الأمّة على اختيارهم» (١). واستدلّ بعض أهل العلم لوجوب القراءة بالتّجويد، بقوله تعالى: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا [المزّمل: ٤]. قال أبو جعفر النّحّاس: «والقراءة بالتّرتيل والمكث واجبة بنصّ

стр. 425

القرآن (١)، والتّرتيل: التّبيين»، قال: «فمن التّبيين: تفصيل الحروف، والوقف على ما تمّ معناه منها» (٢). وثبت عن النّبيّ ﷺ أنّه حثّ أن يقرأ القرآن كما أنزل، كما في الحديث الصّحيح في فضل عبد الله بن مسعود، ﵁، أن النّبيّ ﷺ سمعه يقرأ، فقال: «من أحبّ أن يقرأ القرآن غضّا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أمّ عبد» (٣). فهذا دليل على أنّ قراءة القرآن على وجهه إنّما هو بقراءته كما أنزل، وهو قد أنزل مرتّلا بلسان عربيّ مبين، وابن مسعود من أئمّة القراءة الّذين على قراءتهم بنيت أحكام التّجويد. وكان ابن مسعود يقول: «أعربوا القرآن، فإنّه عربيّ» (٤).

стр. 426

وهذا لا يكون إلّا بأن تعطى الحروف حقّها ومستحقّها. وجرى من بعض العلماء في هذا المقام الاستدلال لوجوب القراءة بالتّجويد بحديث يروى عن عبد الله بن مسعود: أنّه كان يقرئ القرآن رجلا، فقرأ الرّجل: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ مرسلة، فقال ابن مسعود: ما هكذا أقرأنيها رسول الله ﷺ ، قال: كيف أقرأكها يا أبا عبد الرّحمن؟ قال: أقرأنيها إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ فمدّها. ذكره ابن الجزريّ في (باب المدّ) واحتجّ به، ولا يثبت إسناده (١).

стр. 427

وحاصل هذا المبحث ممّا تقدّم من الاستدلال قبل: وجوب قراءة القرآن بالتّجويد. المبحث الثالث: كيف تضبط تلاوة القرآن ؟ القراءة بالتّجويد تتمّ بمراعاة القواعد الّتي وضعت من قبل الأئمّة القرّاء، وصنّفت فيها المصنّفات، مع الاستعانة ما أمكن بأخذها عن صاحب دراية ومعرفة من القرّاء المتقنين للتّلاوة بتلك القواعد، ولا يجوز للمسلم أن يفرّط في ذلك ما وجد إليه سبيلا، فإن عجز اجتهد في الضّبط بما تيسّر له، بالسّماع من قارئ متقن بواسطة الوسائل السّمعيّة الحديثة، أو

стр. 428

بأخذه من الكتب والرّسائل الّتي ألّفت فيه. قال الحافظ ابن كثير: «أمّا تلقين القرآن فمن فم الملقّن أحسن؛ لأنّ الكتابة لا تدلّ على الأداء، كما أنّ المشاهد من كثير ممّن يحفظ من الكتابة فقط يكثر تصحيفه وغلطه، وإذا أدّى الحال إلى هذا منع منه إذا وجد شيخا يوقفه على ألفاظ القرآن، فأمّا عند العجز عمّا يلقّن فلا يكلّف الله نفسا إلّا وسعها، فيجوز عند الضّرورة ما لا يجوز عند الرّفاهية، فإذا قرأ في المصحف والحالة هذه فلا حرج عليه، ولو فرض أن قد يحرّف بعض الكلمات عن لفظها على لغته ولفظه» (١). يريد ابن كثير أنّه معذور إذا بذل جهده بما يمكنه فقرأ القرآن بعد ذلك وأخطأ في التّلاوة. وهذا القول وسط صواب، فإنّ الله تعالى يقول: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [البقرة: ٢٨٦]، وصحّ عن النّبيّ ﷺ قوله: «الماهر بالقرآن مع السّفرة الكرام البررة، والّذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاقّ له أجران» (٢). فبيّن ﷺ أنّ من بذل وسعه مجتهدا في إتقان التّلاوة ولم يساعده لسانه

стр. 429

على إخراجها على وجوهها، إذ التّعتعة عسر في النّطق ومشقّة، فهذا مأجور من جهتين: على اجتهاده في طلب الصّواب، وعلى نفس تلاوته. وصحّ عن جابر بن عبد الله، ﵄، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نقرأ القرآن، وفينا الأعرابيّ والأعجميّ، فقال: «اقرءوا، فكلّ حسن، وسيجيء أقوام يقيمونه كما يقام القدح، يتعجّلونه ولا يتأجّلونه» (١). فالأعجميّ ربّما لم تساعده لغته ولسانه على أن يعطي كلّ حرف حقّه ومستحقّه، ومع ذلك يثني النّبيّ ﷺ على جلوسه لقراءة القرآن، لا ينقص حسن عمله ذلك عن حسن عمل من كان معه من العرب الفصحاء، ويحثّه النّبيّ ﷺ على التّلاوة وإن كانت عجمته لا تساعده على الإتقان، وإنّما ذلك لصحّة المقاصد من أولئك المجتمعين، ولذا ذمّ بمقابلهم القرّاء المتكلّفين لإقامة الألفاظ حتّى إنّ أحدهم ليحرص على الدّقّة في أدائه يقيم الحرف كإقامة السّهم من القوس، لكنّهم يبتغون به الدّنيا.

стр. 430

فعليه، ومع ما بيّناه من وجوب القراءة بالتّجويد نقول: لا يجوز أن يجعل ذلك حائلا دون قراءة القرآن لمن بذل وسعه للقراءة به لكنّه لم يحقّقه على وجهه لعجزه. المبحث الرابع: مراتب التلاوة المبالغة والتّكلّف لتحقيق إخراج الحروف من مخارجها قبيح مذموم، والاعتدال في كلّ شيء حسن محمود. وقد جرى أهل العلم بالقراءة على تقسيم صور الأداء إلى أربع مراتب جدير بالقارئ مراعاتها ليبقى في حدود المشروع، هي كالتّالي: الأولى: التّحقيق، وهو «عبارة عن إعطاء كلّ حرف حقّه: من إشباع المدّ، وتحقيق الهمزة، وإتمام الحركات، واعتماد الإظهار والتّشديدات، وتوفية الغنّات، وتفكيك الحروف، وهو بيانها وإخراج بعضها من بعض بالسّكت والتّرسّل واليسر والتّؤدة وملاحظة الجائز من الوقوف» (١). وفائدته: «رياضة الألسن، وتقويم الألفاظ، وإقامة القراءة بغاية التّرتيل، وهو الّذي يستحسن ويستحبّ الأخذ به على المتعلّمين، من غير أن يتجاوز فيه إلى حدّ الإفراط: من تحريك السّواكن، وتوليد الحروف من الحركات، وتكرير الرّاءات، وتطنين النّونات بالمبالغة في الغنّات» (٢).

стр. 431

والثّانية: الحذر، وهو «عبارة عن إدراج القراءة وسرعتها وتخفيفها، بالقصر والتّسكين والاختلاس والبدل والإدغام الكبير وتخفيف الهمز، ونحو ذلك ممّا صحّت به الرّواية ووردت به القراءة، مع إيثار الوصل، وإقامة الإعراب، ومراعاة تقويم اللّفظ وتمكّن الحروف» (١). ويشترط لجواز القراءة بهذا: أن لا يخرج القارئ به عن الأدنى في صفات الحروف، فلا يصيّر حروف المدّ الألف والواو والياء بمنزلة الحركات، ولا يذهب بصوت الحركة كلّيّا، ولا يغفل الغنّة، ولا يصير إلى ابتلاع حرف صحيح بعضه أو كلّه. وهذا النّمط في القراءة يحتاج إليه لتثبيت الحفظ، أو لتكثير التّلاوة، ولا يساعد على الفقه والتّدبّر كما ينبغي. والثّالثة: التّدوير، وهو مرتبة التّوسّط بين التّحقيق والحدر.

стр. 432

قال ابن الجزريّ: «وهو المختار عند أكثر أهل الأداء» (١). والرّابعة: التّرتيل، وهو القراءة المبيّنة المفسّرة المستوعبة لأحكام التّلاوة، وهي قراءة التّدبّر الّتي نزل القرآن بالأمر بها، كما قال الله : وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا [المزّمّل: ٤]. والّذي أميل إليه: أنّ التّحقيق والتّدوير جميعا من جملة التّرتيل، إذ الأمر يرجع في جميعها إلى ترك الإسراع في القراءة، والتّفاوت في البطء لا ينضبط، خاصّة إذا لاحظنا أنّ الإتيان بأحكام التّلاوة على التّمام مراد في كلّ ذلك. وغاية ما يمكن أن يقال من الفرق بينها: أنّ التّحقيق أبطأ من التّرتيل، والتّرتيل أبطأ من التّدوير. الهدي النبوي في صفة الترتيل: عن أمّ المؤمنين حفصة، ﵂، قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ صلّى في سبحته قاعدا، حتّى كان قبل وفاته بعام، فكان يصلّي في سبحته قاعدا، وكان يقرأ بالسّورة فيرتّلها، حتّى تكون أطول من أطول منها (٢). فهذا يبيّن أنّ التّرتيل الّذي أمر الله تعالى به نبيّه ﷺ في كتابه، كان بالتّأنّي

стр. 433

في أداء الحروف والوقوف، ممّا تخرج به تلاوة القرآن عن شبه التّلاوة لسائر الكلام الّذي عهد بأن يسرد سردا: موصولا ببعضه، مكتفى بالنّطق بأدنى ما يكون من صفة الحرف، أو بما هو دون ذلك. وأمّ المؤمنين أمّ سلمة ﵂ كانت تصف قراءة النّبيّ ﷺ بأنّها كانت قراءة مفسّرة حرفا حرفا (١)، وأنس بن مالك يذكر أنّ النّبيّ ﷺ كان يمدّ بها صوته مدّا (٢)، ويفسّر أنس ذلك في رواية، فيقول: كانت مدّا، ثمّ

стр. 434

قرأ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ١* يمدّ ب بِسْمِ اللَّهِ*، ويمدّ ب الرَّحْمنِ* ويمدّ ب الرَّحِيمِ* (١). كذلك سمع عبد الله بن مغفّل النّبيّ ﷺ يقرأ قراءة ليّنة يرجّع فيها، يقول: (آآآ) (٢). فهذه صفة القراءة النّبويّة ترجع في جملتها إلى التّأنّي والتّرسّل في التّلاوة بإعطاء كلّ حرف حقّه ومستحقّه على أكمل وجوهه، ولا يخفى في التّطبيق ما لذلك من الأثر في تدبّر القرآن وفهم معانيه، وهو المقصود من تلاوته. وهذه الصّفة تفسير للأمر بالتّرتيل الّذي جاء به نصّ الكتاب، والمتأمّل يرى اندراج المراتب الاصطلاحيّة الثّلاث (التّحقيق، والتّدوير، والتّرتيل) جميعا تحت ذلك الهدي، إذ كلّها موصوف باستيفاء أحكام التّجويد وإن

стр. 435

تفاوتت في مقادير المدّ والإشباع وشبه ذلك. وما زاد على تلك المراتب في أداء اللّفظ فهو خروج عن صفة التّلاوة المشروعة، ودخول في جملة التّكلّف المذموم. قال ابن الجزريّ: «ليس التّجويد بتمضيغ اللّسان، ولا بتقعير الفم، ولا بتعويج الفكّ، ولا بترعيد الصّوت، ولا بتمطيط الشّدّ، ولا بتقطيع المدّ، ولا بتطنين الغنّات، ولا بحصرمة الرّاءات، قراءة تنفر عنها الطّباع، وتمجّها القلوب والأسماع، بل القراءة السّهلة العذبة الحلوة اللّطيفة، الّتي لا مضغ فيها ولا لوك، ولا تعسّف ولا تكلّف، ولا تصنّع ولا تنطّع، ولا تخرج عن طباع العرب وكلام الفصحاء، بوجه من وجوه القراءات والأداء» (١). وكان الإمام حمزة بن حبيب الزّيّات أحد أئمّة القراءة السّبعة وهو ممّن اشتهرت قراءته بالتّحقيق في الأداء، يقول: «إنّ لهذا التّحقيق منتهى ينتهي إليه، ثمّ يكون قبيحا، مثل البياض له منتهى ينتهي إليه، وإذا زاد صار برصا، ومثل الجعودة لها منتهى تنتهي إليه، فإذا زادت صارت قططا» (٢). المبحث الخامس: الوقف والابتداء هذا العلم آلة المتدبّرين لكلام ربّ العالمين، ومعرفته على وجهه تكشف للتّالي من أسرار القرآن شيئا عجبا، فتبرز له من جلاله وجماله ومعانيه

стр. 436

وبيانه ما لا يدرك له حدّا ولا يحصي له عددا. والمراد ب (الوقف) قطع الآية بالصّمت الّذي يرجع معه إليك النّفس، و (الابتداء) استئناف القراءة بعد ذلك القطع. و (الوقف) يقع من التّالي اختيارا، كما يقع منه اضطرارا. و (الوقف الاضطراريّ) ليس مرادا هنا، لعدم دخوله تحت إرادة التّالي، كالوقف لانقطاع النّفس. وأصل تشريع الوقف والابتداء سنّة النّبيّ ﷺ ، فقد دلّ عليه حديثان: الأوّل: عن أبيّ بن كعب، ﵁، عن النّبيّ ﷺ قال: «يا أبيّ بن كعب، إنّي أقرئت القرآن فقيل لي: على حرف أو على حرفين؟ قال: فقال الملك الّذي معي: على حرفين، فقلت: على حرفين، فقال: على حرفين أو ثلاثة؟ فقال الملك الّذي معي: على ثلاثة، فقلت: على ثلاثة، حتّى بلغ سبعة أحرف، ليس منها إلّا شاف كاف، إن قلت: (غفورا رحيما) أو قلت: (سميعا عليما) أو قلت: (عليما سميعا) فالله كذلك، ما لم تختم آية عذاب برحمة، أو آية رحمة بعذاب» (١). هذا الحديث وإن كان مورده في أمر آخر، لكنّه دلّ على أنّ ما أفسد المعنى من التّلاوة فصيّر آية الرّحمة آية عذاب، وآية العذاب آية رحمة، فليس بشاف ولا كاف، وخروج بالقرآن عمّا أنزل عليه.

стр. 437

ومثال هذا في باب الوقف والابتداء: أن يقرأ قوله تعالى: الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ [فاطر: ٧] ويقف، أو يقرأ: لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ [الرّعد: ١٨] ويقف. فمن فعل ذلك فقد واقع المحذور المذكور في الحديث؛ لما أفسد بوقفه من المعنى. وأولى من هذا بالإنكار الوقف على مثل قوله تعالى: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا ثمّ البدء بقوله: إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ [آل عمران: ١٨١]. والحديث الثّاني: عن أمّ سلمة، ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ يقطّع قراءته، يقول: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ٢* ثمّ يقف، الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* ثمّ يقف (١). وهذا الحديث نصّ في الوقوف على رءوس الآي، وهو اختيار طائفة من أئمّة القراءة يستحبّون الوقف عليها؛ لمجيء الفاصلة القرآنيّة في موضع تمام المعنى. قال الإمام أبو عمرو الدّانيّ: «وممّا ينبغي له أن يقطع عليه رءوس الآي، لأنّهنّ في أنفسهنّ مقاطع، وأكثر ما يوجد التّامّ فيهنّ؛ لاقتضائهنّ تمام الجمل، واستيفاء أكثرهنّ انقضاء القصص، وقد كان جماعة من الأئمّة

стр. 438

السّالفين والقرّاء الماضين يستحبّون القطع عليهنّ وإن تعلّق كلام بعضهنّ ببعض» (١). قلت: إذا كانت الآية لا يتمّ معناها أو لا يصحّ إلّا بوصلها بالآية التّالية وصلها بها، كقوله تعالى: أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ ١٥١ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ١٥٢ [الصّافات: ١٥١ - ١٥٢]، وقوله: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ ٥ [الماعون: ٤ - ٥]. ولو وقف على قوله: لَيَقُولُونَ* أو لِلْمُصَلِّينَ جاز لدلالة حديث أمّ سلمة، لكن بشرط أن لا يقطع تلاوته عند ذلك الموضع، أي يجوز الوقف إذا كان لمجرّد أن يترادّ إليه نفسه من غير طول فصل؛ لأنّ طول الفصل أو قطع التّلاوة ينقص المعنى أو يفسده. تنبيهات: الأوّل: تفاصيل مواضع الوقف في كتاب الله تعالى مشروعها وممنوعها وإن أرشدت سنّة النّبيّ ﷺ إلى اعتبارها على رءوس الآي، وما يتمّ به المعنى، إلّا أنّ سائر ذلك ممّا جرى عليه عمل القرّاء من قبل اجتهادهم امتثالا للأمر بتدبّر القرآن، وربّما دخل في ذلك شيء ممّا تلقّوه بأسانيدهم في القراءة، فقولهم: (وقف جائز، وممنوع، ولازم) وشبه ذلك تسميات لما استعملوه من ذلك وجرى عملهم عليه.

стр. 439

وإذا تحاشى التّالي ما أمرت السّنّة بتركه من الوقوف ممّا يفسد المعنى، وراعى الوقف النّبويّ على رءوس الآي، كان ما سوى ذلك من اختيار الوقف والابتداء راجعا إلى التّدبّر وفهم المعنى. لكنّي أذهب في حقّ عموم المسلمين اليوم إلى أن يأخذوا بما بيّن لهم في المصاحف من علامات الوقف، وينبغي عليهم أن يلاحظوا ما ذكر من التّعريف بتلك العلامات في أواخر المصاحف، ويستعملوها على الصّورة الّتي بيّنت لهم، فإنّ ذلك معين على تدبّر القرآن وفهمه، خاصّة ما كان منه من الوقف اللّازم، فعليهم التزام الوقف عنده، وما كان من الممنوع فلا يوقف عنده، إلّا ما كان منه عند رءوس الآي، فقد بيّنت من قبل ما يتّصل به، ويترك الوقف في موضع ليس فيه علامة وقف أصلا. لا أستثني من هذا إلّا من أوتي حظّا من فهم القرآن، وعدّة واقية من الخطأ في ضبط المعنى، من أهل العلم والذّكر، فهؤلاء قد يستحسنون مواضع للوقف باجتهادهم في تدبّر القرآن. التّنبيه الثّاني: يراعى في الابتداء صحّة المعنى واستقامة السّياق، ولو استعمل إنسان علامات الوقف المثبتة في المصاحف في خلال الآية لا على رأسها، فوقف عند علامة من تلك العلامات غير علامة الوقف الممنوع، فلو جعل ابتداءه من الكلمة التّالية لعلامة الوقف دائما فذلك أسلم له وأبعد عن الخلل.

стр. 440

لكن لو انقطع نفسه في غير موضع وقف، فالّذي يحسن به: أن يعود إلى شيء من الآية قبل موضع وقوفه فيصله بما بعده بشرط أن يصحّ المعنى بذلك الابتداء. مثل: لو قرأ: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ فانقطع النّفس، وليس عند هذا في المصحف وقف، إنّما الوقف على قوله: ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ، وهو وقف كاف، ويسمّى (الوقف الجائز)، فعليه حينئذ أن يعود ليبدأ في موضع يتّصل به الكلام المفيد، فلا يبدأ بقوله: يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ فهذا مخلّ بالسّياق، وإنّما يرجع فيقرأ: فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ [التّوبة: ٦]. التّنبيه الثّالث: الوقوف الّتي في المصاحف مستفادة من مصنّفات خاصّة لأعيان أئمّة القراءة، استفادوها من النّقل والتّدبّر، من أجلّها كتاب (المكتفى في الوقف والابتداء) للإمام أبي عمرو الدّانيّ، وأمّا تفاصيل أقسام الوقوف وأحكامها ففيها كتب نافعة، من أجمعها (معالم الاهتداء إلى معرفة الوقف والابتداء) لشيخ القرّاء محمود خليل الحصريّ.

стр. 441

الفصل الثاني: أخذ القرآن والاعتناء به المبحث الأول: أمر الله تعالى باتّباع القرآن أنزل الله تعالى على نبيّه محمّد ﷺ هذا الكتاب؛ ليكون للنّاس الهدى الّذي يعصمون به من الضّلالة، والنّور الّذي يضيء لهم ظلمة الطّريق، والزّاد لصلاحهم في دنياهم ونجاتهم في أخراهم. قال الله : يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً ١٧٤ [النّساء: ١٧٤]، وقال: قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [المائدة: ١٥ - ١٦]، وقال: يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ٥٨ [يونس: ٥٧ - ٥٨]، وقال تعالى: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشّورى: ٥٢]. وأمر سبحانه بالإيمان بهذا القرآن، كما قال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ

стр. 442

قَبْلُ [النّساء: ١٣٦]، وقال تعالى: وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ [الأنعام: ٩٢]. وأمر بتلاوته وتدبّره وفهمه، كما قال : وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ [النّمل: ٩١ - ٩٢]، وقال: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ [ص: ٢٩]. وقال: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها ٢٤ [محمّد: ٢٤]، وقال: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً ٨٢ [النّساء: ٨٢] وقال: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ١٧* [القمر: ١٧]. وأمر باتّباعه والعمل به، كما قال سبحانه: كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ [الأعراف: ٢ - ٣]، وقال تعالى: وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ١٥٥ [الأنعام: ١٥٥]، وقال : وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً ١١٣ [طه: ١١٣]. وأثنى على أهله، فقال: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ ٣٠ [فاطر: ٢٩ - ٣٠].

стр. 443

وحذّر سبحانه من الإعراض عنه وتوعّد على ذلك، فقال: وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً (٩٩) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْراً (١٠٠) خالِدِينَ فِيهِ وَساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلًا ١٠١ [طه: ٩٩ - ١٠١]، وقال: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى (١٢٤) قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً (١٢٥) قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى (١٢٦) وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى ١٢٧ [طه: ١٢٤ - ١٢٧]. وفي السّنن الثّابتة عن رسول الله ﷺ في الأمر بتعلّم القرآن والحثّ على حمله وحفظه والتّمسّك به ما هو على الوفاق لما جاء به كتاب الله تعالى من ذلك، ممّا يزيد المؤمنين تشويقا إليه، وتسابقا إلى نيل الدّرجات بتحصيله، وذلك فيما يأتي من المباحث. المبحث الثاني: تعلم القرآن وتعليمه، والفضل فيه فيه أحاديث كثيرة، منها: ١ - عن عقبة بن عامر، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «تعلّموا كتاب الله، وتعاهدوه، وتغنّوا به (زاد في رواية: واقتنوه)، فو الّذي نفسي بيده، لهو أشدّ تفلّتا من المخاض في العقل». وفي رواية: «تعلّموا القرآن، وأفشوه، والّذي نفسي بيده ... » الحديث.

стр. 444

وفي رواية، قال عقبة بن عامر: كنّا جلوسا في المسجد نقرأ القرآن، فدخل رسول الله ﷺ ، فسلّم علينا، فرددنا ﵇، ثمّ قال: «تعلّموا كتاب الله ... » وذكر الحديث (١). وفي هذا الحديث من العلم: ١ - وجوب تعلّم القرآن. ٢ - تأكيد ندب المواظبة على تلاوته خشية التّفلّت. ٣ - الحثّ على التّغنّي به، وهو وارد عند أهل العلم على معنيين: أوّلهما: الاستغناء به عمّا سواه، وهو بأن يجعل الإنسان القرآن كفايته لصلاح دينه ودنياه، وذلك باتّباعه، والعمل به، والوقوف عند حدوده

стр. 445

وشرائعه، وترك ما سواه ممّا يخالفه. وهذا المعنى وارد على قوله ﷺ : «ليس منّا من لم يتغنّ بالقرآن» (١) في قول جماعة من أئمّة السّلف كسفيان بن عيينة ووكيع بن الجرّاح وغيرهما. وثانيهما: تحسين الصّوت بتلاوته، فهذا مأمور به مشروع لذاته، لا يتركه التّالي ما وجد إليه سبيلا، كما تأتي الأحاديث فيه في (آداب قارئ القرآن). ٤ - وجوب اقتنائه، أي: أن يجعله الإنسان زاده، كما يتّخذ قنيته من الطّعام والشّراب وما يصلح به حاله من شيء. ٥ - وجوب بثّه بين النّاس وتعليمهم إيّاه، فإنّ النّبيّ ﷺ قال: «بلّغوا عنّي ولو آية» (٢)، فكلّ مسلم يلزمه قدر من ذلك الواجب، عليه أن يبلّغه ما وجد في النّاس إليه حاجة. ٦ - شرعيّة الاجتماع لقراءة القرآن في المساجد.

стр. 446

٢ - وعن عثمان بن عفّان، ﵁، عن النّبيّ ﷺ قال: «خيركم (وفي لفظ: إنّ أفضلكم) من تعلّم القرآن وعلّمه» (١). وفي هذا بيان منزلة أهل القرآن الّذين يقبلون عليه تعلّما وتعليما، فهؤلاء من أفضل النّاس عملا. ٣ - وعن عقبة بن عامر الجهنيّ، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ يوما ونحن في الصّفّة، فقال: «أيّكم يحبّ أن يغدو إلى بطحان أو العقيق، فيأتي كلّ يوم بناقتين كوماوين زهراوين، فيأخذهما في غير إثم ولا قطع رحم؟» قال: قلنا: كلّنا يا رسول الله يحبّ ذلك، قال: «فلأن يغدو أحدكم إلى المسجد فيتعلّم آيتين من كتاب الله خير له من ناقتين، وثلاث خير من ثلاث، وأربع خير من أربع، ومن أعدادهنّ من الإبل» (٢).

стр. 447

٤ - وعن عبد الله بن مسعود، ﵁، قال: «إنّ هذا القرآن مأدبة الله، فمن استطاع أن يتعلّم منه شيئا فليفعل، فإنّ أصفر البيوت من الخير البيت الّذي ليس فيه من كتاب الله تعالى شيء، وإنّ البيت الّذي ليس فيه من كتاب الله شيء خرب كخراب البيت الّذي لا عامر له، وإنّ الشّيطان يخرج من البيت يسمع سورة البقرة تقرأ فيه» (١). هذا من كلام ابن مسعود، وهو من قول العارفين، وآخره لا يمكن قوله إلّا عن توقيف، إذ لا يقال مثله بمجرّد الاجتهاد. ٥ - وعن ابن مسعود، أيضا، قال: «إنّ هذا القرآن مأدبة الله، فتعلّموا من مأدبته ما استطعتم، إنّ هذا القرآن هو حبل الله الّذي أمر به، وهو النّور المبين، والشّفاء النّافع، عصمة لمن اعتصم به، ونجاة لمن تمسّك به، لا يعوجّ فيقوّم، ولا يزوغ فيستعتب، ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلق عن ردّ، اتلوه، فإنّ الله يأجركم بكلّ حرف منه عشر حسنات، لم أقل لكم الم ١* حرف، ولكن (ألف) حرف، و (لام) حرف، و (ميم) حرف» (٢).

стр. 448

وهذا شبيه بالّذي تقدّمه، صادر ممّن خالط الإيمان والقرآن قلبه، فأدرك أثره في نفسه، ممّن كان إليهم مرجع النّاس لأخذ القرآن. وآخره مشهور عن النّبيّ ﷺ ، لكنّه إنّما يصحّ من قول ابن مسعود، ولم يثبت مرفوعا (١). المبحث الثالث: أمر السنة بالتمسك بالقرآن والعمل به ١ - عن أنس بن مالك، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ لله أهلين من النّاس» قالوا: يا رسول الله، من هم؟ قال: «هم أهل القرآن، أهل الله وخاصّته» (٢). قال ابن الأثير: «أي: حفظة القرآن العاملون به هم أولياء الله والمختصّون به اختصاص أهل الإنسان به» (٣).

стр. 449

٢ - وعن أبي شريح الخزاعيّ، ﵁، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ، فقال: «أبشروا، أبشروا، أليس تشهدون أن لا إله إلّا الله، وأنّي رسول الله؟» قالوا: نعم، قال: «فإنّ هذا القرآن سبب طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم، فتمسّكوا به، فإنّكم لن تضلّوا ولن تهلكوا بعده أبدا» (١). وفي هذا بيان أنّ الاعتصام بكتاب الله سبب العصمة من الضّلال، ولا يتمّ ذلك إلّا بالإقبال عليه تعلّما وتدبّرا وعملا. ٣ - وعن جابر بن عبد الله، ﵄، عن النّبيّ ﷺ ، قال: «القرآن مشفّع، وماحل مصدّق (٢)، من جعله أمامه قاده إلى الجنّة، ومن

стр. 450

جعله خلف ظهره ساقه إلى النّار» (١). وإنّما هذا في العمل بالقرآن، فهو يشفع لهم يوم العرض على ربّ العالمين، شاهدا لهم، ومن ثمّ قائدا إلى جنّته ورحمته، بخلاف المعرضين عنه، فسيكون خصما لهم وحجّة عليهم يوم القيامة، ومن ثمّ سائقا إلى النّار. ٤ - وعن عبد الله بن عمر، ﵄، عن النّبيّ ﷺ ، قال: «لا حسد إلّا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء اللّيل وآناء النّهار، ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقه آناء اللّيل وآناء النّهار» (٢).

стр. 451

فصاحب القرآن الّذي يعمل به هو القائم به ليله بالصّلاة به وتدبّره وتفهّم معانيه، ونهاره بامتثال أحكامه وشرائعه، فهذا يتمنّى من لم يحصّل مثل تحصيله أن لو كان له مثل ذلك. كما يفسّره حديث أبي هريرة، أنّ رسول الله ﷺ قال: «لا حسد إلّا في اثنتين: رجل علّمه الله القرآن، فهو يتلوه آناء اللّيل وآناء النّهار، فسمعه جار له، فقال: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان، فعملت مثل ما يعمل، ورجل آتاه الله مالا فهو يهلكه في الحقّ، فقال رجل: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان، فعملت مثل ما يعمل» (١). المبحث الرابع: الاعتناء بحفظ القرآن حثّ النّبيّ ﷺ على حفظ القرآن إلى جنب الاعتناء بفهمه والعمل به، وبيّن أنّ الإنسان يبلغ بذلك المنازل عند الله تعالى بمقدار ما حمل من القرآن في الدّنيا وتيسّر بلسانه من قراءته. عن عائشة، ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ : «الماهر بالقرآن مع السّفرة الكرام البررة، والّذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاقّ له أجران».

стр. 452

وفي لفظ: «مثل الّذي يقرأ القرآن وهو حافظ له مع السّفرة الكرام البررة، ومثل الّذي يقرأ وهو يتعاهده وهو عليه شديد فله أجران» (١). فهذا الحديث يبيّن فضل حفّاظ القرآن الماهرين بتلاوته، بأنّهم مع الملائكة حملة القرآن، كما قال تعالى: كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرامٍ بَرَرَةٍ ١٦ [عبس: ١١ - ١٦]، وفيه تنبيه لحامل القرآن أن يتشبّه في أحواله وأعماله بهؤلاء الملائكة، إذ المدح لا يلحقه بمجرّد الحفظ حتّى يكون كالكرام البررة في كرمهم وبرّهم. ٢ - وعن سلمة الجرميّ، ﵁، عن النّبيّ ﷺ قال: «صلّوا صلاة كذا في حين كذا، وصلّوا صلاة كذا في حين كذا، فإذا

стр. 453

حضرت الصّلاة فليؤذّن أحدكم، وليؤمّكم أكثركم قرآنا» (١). وهذا في بيان قدر حفّاظ القرآن في الدّنيا بأنّهم أولى النّاس بإمامة الصّلاة، وهذه إمامة في الدّين. ٣ - وعن جابر بن عبد الله، ﵄، قال: كان النّبيّ ﷺ يجمع بين الرّجلين من قتلى أحد في ثوب واحد، ثمّ يقول: «أيّهم أكثر أخذا للقرآن؟» فإذا أشير له إلى أحدهما قدّمه في اللّحد. (وذكر الحديث) (٢). وفي هذا ترتيب المنازل، فأكثر النّاس حفظا للقرآن أولاهم بالتّقديم. ٤ - وعن عبد الله بن عمرو، ﵄، عن النّبيّ ﷺ ، قال: «يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارق ورتّل كما كنت ترتّل في الدّنيا، فإنّ منزلتك عند آخر آية تقرأها» (٣).

стр. 454

وهذه منازل الحفّاظ في الآخرة. هذا الّذي أوردت هنا هو أحسن ما يستدلّ به للحثّ على حفظ القرآن واستظهاره، وهو مبين عن درجات رفيعة ومنازل عليّة يغني في هذا الباب عن أحاديث ذوات عدد تحثّ على حفظ القرآن واستظهاره، هي ضعيفة أو موضوعة، إذ لست أحلّ لنفسي الاستدلال بضعيف الحديث، فضلا عن الواهي والموضوع. هدي الصحابة في حفظ القرآن: كان سلف الأمّة من أصحاب النّبيّ ﷺ أحرص النّاس على الاعتصام بهذا الكتاب، وأعلم النّاس به، وأعرفهم بما يجب في حقّه من العناية، فحريّ بمن بعدهم أن يسلك هداهم في ذلك، وأن يعرف عنهم كيف كانوا يأخذون هذا القرآن، فإنّهم القوم الّذين كانوا يغذّون به في اللّيل والنّهار، يصبّحهم النّبيّ ﷺ ويمسّيهم بجديده، ولم تكن الكتابة شائعة، ولا المصاحف موجودة مهيّأة كما صارت لمن بعدهم، فهم إلى حفظه في الصّدور يومئذ كانوا أحوج ممّن بعدهم، فكيف كانوا يحفظون؟ هذا ما نتبيّنه فيما يأتي من صحيح الأخبار: ١ - عن عبد الله بن مسعود، ﵁، قال: «كان الرّجل منّا إذا تعلّم عشر آيات لم يجاوزهنّ حتّى يعرف معانيهنّ والعمل بهنّ» (١).

стр. 455

٢ - وعن أبي عبد الرّحمن السّلميّ، قال: حدّثنا من كان يقرئنا من أصحاب النّبيّ ﷺ أنّهم «كانوا يقترءون من رسول الله ﷺ عشر آيات، فلا يأخذون في العشر الأخرى حتّى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل، قالوا: فعلمنا العلم والعمل» (١). ففي هذا أنّ الحفظ عندهم كان مقترنا بالعلم بالمحفوظ، وامتثال ما فيه من الأمر والنّهي والاعتبار وغير ذلك، فكانوا لذلك يأخذونه عشر آيات عشر آيات ليكون أيسر عليهم. فلم يكن همّهم كثرة الحفظ كما صار إليه حال من بعدهم، وإنّما علموا أنّ هذا القرآن إنّما أنزل للعمل، ولا عمل دون علم وفهم. وكانوا لا يقدمون على أخذ القرآن حتّى تستعدّ له نفوسهم بالإيمان والتّصديق وتتهيّأ للامتثال، فنفعهم الله بذلك ورفع أقدارهم. ٣ - وعن جندب بن عبد الله، ﵁، قال: «كنّا مع النّبيّ ﷺ ونحن فتيان حزاورة (٢)، فتعلّمنا الإيمان قبل أن نتعلّم القرآن، ثمّ تعلّمنا القرآن فازددنا به إيمانا» (٣).

стр. 456

٤ - وعن عبد الله بن عمر، ﵄، قال: «لقد عشنا برهة من دهرنا وإنّ أحدنا ليؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السّورة على محمّد ﷺ فنتعلّم حلالها وحرامها وما ينبغي أن يوقف عنده منها، كما تتعلّمون أنتم اليوم القرآن، ولقد رأيت اليوم رجالا يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته، ما يدري ما آمره ولا زاجره، ولا ما ينبغي أن يوقف عنده منه، وينثره نثر الدّقل» (١). وكانوا يراعون الأيسر في الأخذ والحفظ، وعليه يربّون أبناءهم، شبيه بما جرت عليه عادة القرّاء في الكتاتيب مع الصّبيان في البدء بتعليمهم

стр. 457

وتحفيظهم قصار السّور من آخر المصحف، كما يدلّ عليه ما حدّث به التّابعيّ الجليل سعيد بن جبير، قال: إنّ الّذي تدعونه (المفصّل) هو المحكم، قال: وقال ابن عبّاس: «توفّي رسول الله ﷺ وأنا ابن عشر سنين، وقد قرأت المحكم» (١). و (المفصّل) من سورة (ق) إلى آخر المصحف على ما حقّقته في كتابي (تحرير البيان في سجود القرآن). ولسنا نقول: السّنّة أن يبدأ بحفظ قصار السّور، بل له أن يحفظ من أيّ القرآن شاء، وإنّما في هذا الهدي مراعاة الأيسر في الحفظ ليبدأ به. المبحث الخامس: الأمر بتعاهد القرآن خشية تفلّت حفظه تعاهد القرآن حاصل بأمرين: إدمان تلاوته، والعمل به، وتقدّم في المبحث الثّاني ذكر الأمر به من حديث عقبة بن عامر، وهو مؤكّد بأحاديث صحيحة أخرى: ١ - فعن أبي موسى الأشعريّ، قال: قال رسول الله ﷺ : «تعاهدوا القرآن؛ فإنّه أشدّ تفلّتا من قلوب الرّجال من الإبل من عقله» (٢).

стр. 458

٢ - وعن عبد الله بن مسعود، قال: قال النّبيّ ﷺ : «بئس ما لأحدكم أن يقول: نسيت آية كيت وكيت، بل نسّى، واستذكروا القرآن، فإنّه أشدّ تفصّيا من صدور الرّجال من النّعم» (١). ٣ - وعن عبد الله بن عمر، أنّ رسول الله ﷺ قال: «إنّما مثل صاحب القرآن كمثل الإبل المعقّلة: إن عاهد عليها أمسكها وإن أطلقها ذهبت» (٢).

стр. 459

والمعنى في هذه الأحاديث: أنّ سرعة تفلّت القرآن من صدور الحفّاظ أشدّ من سرعة انطلاق البعير حين يفكّ من قيده، ومن طبعه شدّة النّفور، فإذا انطلق شقّ إمساكه، وربّما ذهب فلا يقدر عليه؛ لذا أمر النّبيّ ﷺ الحفّاظ على المواظبة على مراجعة حفظهم للقرآن، وإلّا ذهب عليهم. وهذا الأمر بالمعاهدة إنّما هو على سبيل النّدب المؤكّد لا الوجوب، كما سأبيّنه في المبحث التّالي. المبحث السادس: التحذير من هجر القرآن تقدّم في المبحث الأوّل ذكر تحذير الله تعالى عباده من الإعراض عن القرآن، وتوعّد على ذلك. والإعراض عن القرآن صفة الكافرين، كما قال الله تعالى: حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (٤) وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ [فصّلت: ١ - ٥]. وقال : وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ ٥ [الشّعراء: ٥]. وإعراضهم إنّما كان بعدم الإيمان به، والتّسليم لما جاء به من الحقّ والهدى، فمن آمن به واتّبع هداه فليس من المعرضين عنه، لكن قد ينال

стр. 460

المسلم نصيب من ترك العمل بالقرآن بتقصيره في الطّاعات ومواقعته المعاصي، غير أنّ هذا لا يلحقه بالمعرضين، ما دام قلبه منطويا على حسن الاعتقاد في القرآن، وأنّ خروجه عن متابعته فيما خرج به عنه ليس استباحة لخلاف حكم الله، ولا رضا بذلك، إنّما مع الإقرار بالذّنب والتّقصير، كما قال تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ [فاطر: ٣٢]، فهؤلاء الأصناف الثّلاثة كلّهم على خير وإن تفاوتت درجاتهم، وهذا الّذي هو ظالم لنفسه منهم تارك للعمل ببعض الكتاب، لكنّه غير معرض، إنّما هو مذنب معترف توّاب، يرجو رحمة ربّه ويخاف عقابه. فالمؤمن لا يوصف بالإعراض عن القرآن. أمّا هجر القرآن فهو تركه، فيدخل فيه: ترك الإيمان به، وترك العمل به، وترك قراءته وتدبّره. فيندرج تحت هجره إعراض الكفّار عنه، كما قال تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ٢٦ [فصّلت: ٢٦]، فهؤلاء هجروا القرآن هجرا تامّا، وهم القوم المرادون بقوله تعالى: وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً ٣٠ [الفرقان: ٣٠]. ومثل هؤلاء كما قال الله تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا
следующие страницы →